شرح نهج البلاغة - ج7

- ابن ابي الحديد المزيد...
310 /
253

اَلَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ اَلْكُفََّارِ وَ لْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً (1) قالوا أراد مجاهدة النفوس و

14- من كلام 14رسول الله ص أبت الأنفس إلا حب المال و الشرف و إن حبهما لأذهب بدين أحدكم من ذئبين ضاريين باتا في زريبة غنم إلى الصباح فما ذا يبقيان منها (1) -.

ثم شرع في استغفار الله سبحانه من كل ذنب و عبر عن ذلك بقوله‏ مما أحاط به علمه و أحصاه كتابه لأنه تعالى عالم بكل شي‏ء و محيط بكل شي‏ء و قد أوضح ذلك بقوله‏ علم غير قاصر و كتاب غير مغادر أي غير مبق شيئا لا يحصيه قال تعالى‏ مََا لِهََذَا اَلْكِتََابِ لاََ يُغََادِرُ صَغِيرَةً وَ لاََ كَبِيرَةً إِلاََّ أَحْصََاهََا (2) - (2) .

ثم قال‏ و نؤمن به إيمان من عاين و شاهد لأن إيمان العيان أخلص و أوثق من إيمان الخبر فإنه ليس الخبر كالعيان و هذا إشارة إلى إيمان العارفين الذين هو ع سيدهم و رئيسهم و لذلك

1- قال لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا (3) - .

و قوله‏ تصعدان القول إشارة إلى قوله تعالى‏ إِلَيْهِ يَصْعَدُ اَلْكَلِمُ اَلطَّيِّبُ وَ اَلْعَمَلُ اَلصََّالِحُ يَرْفَعُهُ (3) و روي تسعدان القول بالسين أي هما شهادتان بالقلب يعاضدان الشهادة باللسان و يسعدانها (4) - .

ثم ذكر أنهما شهادتان لا يخف ميزان‏ هما فيه‏ و لا يثقل ميزان رفعا عنه‏ .

أما أنه لا يثقل ميزان رفعا عنه فهذا لا كلام فيه و إنما الشأن في القضية الأولى لأن ظاهر هذا القول يشعر بمذهب المرجئة الخلص و هم أصحاب مقاتل بن سليمان القائلون إنه لا يضر مع الشهادتين معصية أصلا و إنه لا يدخل النار من في قلبه ذرة من الإيمان

____________

(1) سورة التوبة 123.

(2) سورة الكهف 49.

(3) سورة فاطر 10.

254

و لهم على ذلك احتجاج قد ذكرناه في كتبناالكلاميةفنقول في تأويل ذلك إنه لم يحكم بهذا على مجرد الشهادتين و إنما حكم بهذا على شهادتين مقيدتين قد وصفهما بأنهما يصعدان القول و يرفعان العمل و تانك الشهادتان المقيدتان بذلك القيد إنما هو الشهادتان اللتان يقارنهما فعل الواجب و تجنب القبيح لأنه إن لم يقارنهما ذلك لم يرفعا العمل و إذا كان حكمه ع بعد خفة ميزان هما فيه إنما هو على شهادتين مقيدتين لا مطلقتين فقد بطل قول من يجعل هذا الكلام حجة للمرجئة (1) - . ثم أخذ في الوصاة بالتقوى و قال إنما الزاد في الدنيا الذي يزود منه لسفر الآخرة و بها المعاذ مصدر من عذت بكذا أي لجأت إليه و اعتصمت به (2) - .

ثم وصفهما أعني الزاد و المعاذ فقال زاد مبلغ‏ أي يبلغك المقصد و الغاية التي تسافر إليها و و معاذ منجح‏ أي يصادف عنده النجاح (3) - .

ـ دعا إليها أسمع داع يعني البارئ سبحانه لأنه أشد الأحياء أسماعا لما يدعوهم إليه و بناء أفعل هاهنا من الرباعي كما جاء ما أعطاه للمال و ما أولاه للمعروف و أنت أكرم لي من زيد أي أشد إكراما و هذا المكان أقفر من غيره أي أشد إقفارا و في المثل أفلس من ابن المذلق (1) و روي دعا إليها أحسن داع أي أحسن داع دعا و لا بد من تقرير هذا المميز لأنه تعالى لا توصف ذاته بالحسن و إنما يوصف بالحسن أفعاله (4) - .

و وعاها خير واع أي من وعاها عنه تعالى و عقلها و أجاب تلك الدعوة فهو خير واع .

و قيل عنى بقوله‏ أسمع داع 14رسول الله ص و عنى بقوله‏ خير واع نفسه لأنه أنزل فيه‏ وَ تَعِيَهََا أُذُنٌ وََاعِيَةٌ (2) و الأول أظهر .

(5) -

____________

(1) في القاموس: «و ابن المذاق من عبد شمس لم يكن يجد بيت ليلة، و لا أبوه و لا أجداده، فقيل:

«أفلس من ابن المذاق» .

(2) سورة الحاقه 12.

255

ثم قال‏ فأسمع داعيها أي لم يبق أحدا من المكلفين إلا و قد أسمعه تلك الدعوة و فاز واعيها أفلح من فهمها و أجاب إليها لا بد من تقدير هذا و إلا فأي فوز يحصل لمن فهم و لم يجب (1) - و التقوى‏ خشية الله سبحانه و مراقبته في السر و العلن و الخشية أصل الطاعات و إليها وقعت الإشارة بقوله تعالى‏ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اَللََّهِ أَتْقََاكُمْ (1) و قوله سبحانه‏ وَ مَنْ يَتَّقِ اَللََّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً `وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاََ يَحْتَسِبُ (2) - (2) .

قوله‏ حتى أسهرت لياليهم و أظمأت هواجرهم من قول العرب نهاره صائم و ليله قائم نقلوا الفعل إلى الظرف و هو من باب الاتساع الذي يجرون فيه الظروف مجرى المفعول به فيقولون الذي سرته يوم الجمعة أي سرت فيه و قال‏

و يوم شهدناه سليما و عامرا (3)

أي شهدنا فيه سليما و قد اتسعوا فأضافوا إلى الظروف فقالوا

يا سارق الليلة أهل الدار (4)

و قال تعالى‏ بَلْ مَكْرُ اَللَّيْلِ وَ اَلنَّهََارِ (5) فأخرجوهما بالإضافة عن الظرفية (3) - .

قوله ع‏ فأخذوا الراحة النصب يروى فاستبدلوا الراحة و النصب التعب (4) - و استقربوا الأجل‏ رأوه قريبا .

فإن قلت لما ذا كرر لفظة الأجل‏ و في تكرارها مخالفة لفن‏البيان‏قلت إنه استعملها في الموضعين بمعنيين مختلفين فقوله‏ استقربوا الأجل يعني المدة (5) - و قوله‏ فلاحظوا الأجل يعني الموت نفسه .

(6) -

____________

(1) سورة الحجرات 13.

(2) سورة الطلاق 2.

(3) الكتاب 1: 9، و نسبه لبعض بنى عامر، و بقيته:

*قليل سوى طعن النهال نوافله*

(4) الكتاب لسيبويه 1: 89، و نسبه إلى بعض الرجاز.

(5) سورة سبأ 33.

256

و يروى موتر و موتر بالتشديد (1) - و لا تؤسى جراحه لا تطب و لا تصلح أسوت الجرح أي أصلحته (2) - و لا ينقع‏ لا يروى شرب حتى نقع أي شف عليله و ماء ناقع و هو كالناجع و ما رأيت شربه انقع منها (3) - .

و إلى قوله ع‏ يجمع ما لا يأكل و يبني ما لا يسكن نظر الشاعر فقال‏

أموالنا لذوي الميراث نجمعها # و دورنا لخراب الدهر نبنيها.

و قال آخر

أ لم تر حوشبا أمسى يبني # بناء نفعه لبني بقيلة

يؤمل أن يعمر عمر نوح # و أمر الله يطرق كل ليلة (4) -

قوله‏ و من غيرها أنك ترى المرحوم مغبوطا و المغبوط مرحوما أي يصير الفقير غنيا و الغني فقيرا و قد فسره قوم فقالوا أراد أنك ترى من هو في باطن الأمر مرحوم مغبوطا و ترى من هو في باطن الأمر مغبوط مرحوما أي تحسب ذاك و تتخيله و هذا التأويل غير صحيح لأن قوله بعده‏ ليس ذلك إلا نعيما زل و بؤسا نزل و يكذبه و يصدق التفسير الأول (5) - .

و أضحى فيئها من أضحى الرجل إذا برز للشمس (6) - ثم قال‏ لا جاء يرد و لا ماض يرتد أي يسترد و يسترجع أخذه أبو العتاهية فقال‏

فلا أنا راجع ما قد مضى لي # و لا أنا دافع ما سوف يأتي (7) -.

و إلى قوله‏ ما أقرب الحي من الميت للحاقه به و ما أبعد الميت من الحي لانقطاعه عنه نظر الشاعر فقال‏

يا بعيدا عني و ليس بعيدا # من لحاقي به سميع قريب‏

257

صرت بين الورى غريبا كما أنك تحت الثرى وحيد غريب فإن قلت ما وجه تقسيمه ع الأمور التي عددها إلى الفناء و العناء و الغير و العبر قلت لقد أصاب الثغرة و طبق المفصل أ لا تراه ذكر في الفناء رمي الدهر الإنسان عن قوس الردى و في العناء جمع ما لا يأكل و بناء ما لا يسكن و في الغير الفقر بعد الغنى و الغنى بعد الفقر و في العبر اقتطاع الأجل الأمل فقد ناط بكل لفظة ما يناسبها (1) - .

و قد نظر بعض الشعراء إلى قوله ع‏ ليس شي‏ء بشر من الشر إلا عقابه و ليس شي‏ء بخير من الخير إلا ثوابه فقال‏

خير البضائع للإنسان مكرمة # تنمي و تزكو إذا بارت بضائعه

فالخير خير و خير منه فاعله # و الشر شر و شر منه صانعه.

إلا أن 1أمير المؤمنين ع استثنى العقاب و الثواب و الشاعر جعل مكانهما فاعل الخير و الشر (2) - .

ثم ذكر أن كل شي‏ء من‏ أمور الدنيا المرغبة و المرهبة سماعه أعظم من عيانه‏ و الآخرة بالعكس و هذا حق أما القضية الأولى فظاهرة و قد قال القائل‏

اهتز عند تمني وصلها طربا # و رب أمنية أحلى من الظفر.

و لهذا يحرص الواحد منا على الأمر فإذا بلغه برد و فتر و لم يجده كما كان يظن في اللذة و يوصف لنا البلد البعيد عنا بالخصب و الأمن و العدل و سماح أهله و حسن نسائه و ظرف رجاله فإذا سافرنا إليه لم نجده كما وصف بل ربما وجدنا القليل من ذلك و يوصف لنا الإنسان الفاضل بالعلم بفنون من الآداب و الحكم و يبالغ الواصفون في ذلك فإذا اختبرناه وجدناه دون ما وصف و كذلك قد يخاف الإنسان حبسا أو ضربا أو نحوهما فإذا

258

وقع فيهما هان ما كان يتخوفه و وجد الأمر دون ذلك و كذلك القتل و الموت فإن ما يستعظمه الناس منهما دون أمرهما في الحقيقة و قد قال أبو الطيب و هو حكيم الشعراء

كل ما لم يكن من الصعب في الأنفس # سهل فيها إذا هو كانا (1) .

و يقال في المثل لج الخوف تأمن و أما أحوال الآخرة فلا ريب أن الأمر فيها بالضد من ذلك لأن الذي يتصوره الناس من الجنة أنها أشجار و أنهار و مأكول و مشروب و جماع و أمرها في الحقيقة أعظم من هذا و أشرف لأن ملاذها الروحانية المقارنة لهذه الملاذ المضادة لها أعظم من هذه الملاذ بطبقات عظيمة و كذلك أكثر الناس يتوهمون أن عذاب النار يكون أياما و ينقضي كما يذهب إليه المرجئة أو أنه لا عذاب بالنار لمسلم أصلا كما هو قول الخلص من المرجئة و أن أهل النار يألفون عذابها فلا يستضرون به إذا تطاول الأمد عليهم و أمر العذاب أصعب مما يظنون خصوصا على مذهبنا في الوعيد و لو لم يكن إلا آلام النفوس باستشعارها سخط الله تعالى عليها فإن ذلك أعظم من ملاقاة جرم النار لبدن الحي .

و في هذا الموضع أبحاث شريفة دقيقة ليس هذا الكتاب موضوعا لها (1) - .

ثم أمرهم بأن يكتفوا من عيان الآخرة و غيبها بالسماع و الخبر لأنه لا سبيل و نحن في هذه الدار إلى أكثر من ذلك (2) - .

و إلى قوله‏ ما نقص من الدنيا و زاد في الآخرة خير مما نقص من الآخرة و زاد في الدنيا نظر أبو الطيب فقال إلا أنه أخرجه في مخرج آخر

بلاد ما اشتهيت رأيت فيها # فليس يفوتها إلا كرام‏ (2)

____________

(1) ديوانه 4: 241.

(2) ديوانه 4: 73.

259

فهلا كان نقص الأهل فيها # و كان لأهلها منها التمام (1) -

ثم قال‏ فكم من منقوص في دنياه و هو رابح في آخرته و كم من‏ مزيد في دنياه و هو خاسر في آخرته (2) - ثم قال‏ إن الذي أمرتم به أوسع من الذي نهيتم عنه و ما أحل لكم أكثر مما حرم عليكم الجملة الأولى هي الجملة الثانية بعينها و إنما أتى بالثانية تأكيدا للأولى و إيضاحا لها و لأن فن الخطابة و الكتابة هكذا هو و ينتظم كلتا الجملتين معنى واحد و هو أن فيما أحل الله غنى عما حرم بل الحلال أوسع أ لا ترى أن المباح من المآكل و المشارب أكثر عددا و أجناسا من المحرمات فإن المحرم ليس إلا الكلب و الخنزير و أشياء قليلة غيرهما و المحرم من المشروب الخمر و نحوها من المسكر و ما عدا ذلك حلال أكله و شربه و كذلك القول في النكاح و التسري فإنهما طريقان مهيعان إلى قضاء الوطر و السفاح طريق واحد و الطريقان أكثر من الطريق الواحد .

فإن قلت فكيف قال إن الذي أمرتم به فسمى المباح مأمورا به قلت سمى كثير من الأصوليين المباح مأمورا به و ذلك لاشتراكه مع المأمور به في أنه لا حرج في فعله فأطلق عليه اسمه و أيضا فإنه لما كان كثير من الأمور التي عددناها مندوبا أطلق عليه لفظ الأمر لأن المندوب مأمور به و ذلك كالنكاح و التسري و أكل اللحوم التي هي سبب قوة البدن و شرب ما يصلح المزاج من الأشربة التي لا حرج في استعمالها و قال بعض العقلاء لبنيه يا بني إنه ليس كل شي‏ء من اللذة ناله أهل الخسارة بخسارتهم إلا ناله أهل المروءة و الصيانة بمروءتهم و صيانتهم فاستتروا بستر الله

8- و دخل إنسان على 8علي بن موسى الرضا ع و عليه ثياب مرتفعة القيمة فقال يا 8ابن رسول الله أ تلبس مثل هذا فقال له‏ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اَللََّهِ اَلَّتِي أَخْرَجَ لِعِبََادِهِ وَ اَلطَّيِّبََاتِ مِنَ اَلرِّزْقِ (3) - .

260

ثم أمر بالعمل و العبادة و نهى عن الحرص على طلب الرزق فقال إنكم أمرتم بالأول و ضمن لكم الثاني فلا تجعلوا المضمون حصوله لكم هو المخصوص بالحرص و الاجتهاد بل ينبغي أن يكون الحرص و الاجتهاد فيما أمرتم بعمله و هو العبادة و قد يتوهم قوم أنه ارتفع طلبه بالمضنون كقولك المضروب أخوه و هذا غلط لأنه لم يضمن طلبه و إنما ضمن حصوله و لكنه ارتفع لأنه مبتدأ و خبره أولى و هذا المبتدأ و الخبر في موضع نصب لأنه خبر يكونن أو ارتفع لأنه بدل من المضنون و هذا أحسن و أولى من الوجه الأول و هو بدل الاشتمال (1) - .

ثم ذكر أن رجعة العمر غير مرجوة و رجعة الرزق مرجوة أوضح ذلك بأن الإنسان قد يذهب منه اليوم درهم فيستعيضه أي يكتسب عوضه في الغد دينارا و أما أمس نفسه فمستحيل أن يعود و لا مثله لأن الغد و بعد الغد محسوب من عمره و ليس عوضا من الأمس الذاهب و هذا الكلام يقتضي أن العمر مقدور و أن المكاسب و الأرزاق إنما هي بالاجتهاد و ليست محصورة مقدرة و هذا يناقض في الظاهر ما تقدم من قوله إن الرزق مضمون فلا تحرصوا عليه فاحتاج الكلام إلى تأويل و هو أن العمر هو الظرف الذي يوقع المكلف فيه الأعمال الموجبة له السعادة العظمى المخلصة له من الشقاوة العظمى و ليس له ظرف يوقعها فيه إلا هو خاصة فكل جزء منه إذا فات من غير عمل لما بعد الموت فقد فات على الإنسان بفواته ما لا سبيل له إلى استدراكه بعينه و لا اغترام مثله لأن المثل الذي له إنما هو زمان آخر و ليس ذلك في مقدور الإنسان و الزمان المستقبل الذي يعيش فيه الإنسان لم يكتسبه هو لينسب إليه فيقال إنه حصله عوضا مما انقضى و ذهب من عمره و إنما هو فعل غيره و مع ذلك فهو معد و مهيأ لأفعال من العبادة توقع فيه كما كان الجزء الماضي معدا لأفعال‏

261

توقع فيه فليس أحدهما عوضا عن الآخر و لا قائما مقامه و أما المنافع الدنيوية كالمآكل و المشارب و الأموال فإن الإنسان إذا فاته شي‏ء منها قدر على ارتجاعه بعينه إن كانت عينه باقية و ما لا تبقى عينه يقدر على اكتساب مثله و الرزق و إن كان مضمونا من الله إلا أن للحركة فيه نصيبا إما أن يكون شرطا أو أن يكون هو بذاته من أثر قدرة الإنسان كحركته و اعتماده و سائر أفعاله و يكون الأمر بالتوكل و النهي عن الاجتهاد في طلب الرزق على هذا القول إنما هو نهي عن الحرص و الجشع و التهالك في الطلب فإن ذلك قبيح يدل على دناءة الهمة و سقوطها .

ثم هذه الأغراض الدنيوية إذا حصلت أمثالها بعد ذهابها قامت مقام الذاهب لأن الأمر الذي يراد الذاهب له يمكن حصوله بهذا المكتسب و ليس كذلك الزمان الذاهب من العمر لأن العبادات و الأعمال التي كان أمس متعينا لها لا يمكن حصولها اليوم على حد حصولها أمس فافترق البابان باب الأعمال و باب الأرزاق (1) - .

و قوله‏ الرجاء مع الجائي و اليأس مع الماضي كلام يجري مجرى المثل و هو تأكيد للمعنى الأول و جعل الجائي مرجوا لأنه لا يعلم غيبه قال الشاعر

ما مضى فات و المقدر غيب # و لك الساعة التي أنت فيها (2) -

و قوله‏ حَقَّ تُقََاتِهِ أي حق تقيته أي خوفه اتقى يتقي تقية و تقاة و وزنها فعلة و أصلها الياء و مثلها اتخم تخمة و اتهم تهمة

262

*1114* 114 و من خطبة له ع في الاستسقاء

اَللَّهُمَّ قَدِ اِنْصَاحَتْ جِبَالُنَا وَ اِغْبَرَّتْ أَرْضُنَا وَ هَامَتْ دَوَابُّنَا وَ تَحَيَّرَتْ فِي مَرَابِضِهَا وَ عَجَّتْ عَجِيجَ اَلثَّكَالَى عَلَى أَوْلاَدِهَا وَ مَلَّتِ اَلتَّرَدُّدَ فِي مَرَاتِعِهَا وَ اَلْحَنِينَ إِلَى مَوَارِدِهَا اَللَّهُمَّ فَارْحَمْ أَنِينَ اَلآْنَّةِ وَ حَنِينَ اَلْحَانَّةِ اَللَّهُمَّ فَارْحَمْ حَيْرَتَهَا فِي مَذَاهِبِهَا وَ أَنِينَهَا فِي مَوَالِجِهَا اَللَّهُمَّ خَرَجْنَا إِلَيْكَ حِينَ اِعْتَكَرَتْ عَلَيْنَا حَدَابِيرُ اَلسِّنِينَ وَ أَخْلَفَتْنَا مَخَايِلُ اَلْجُودِ فَكُنْتَ اَلرَّجَاءَ لِلْمُبْتَئِسِ وَ اَلْبَلاَغَ لِلْمُلْتَمِسِ نَدْعُوكَ حِينَ قَنَطَ اَلْأَنَامُ وَ مُنِعَ اَلْغَمَامُ وَ هَلَكَ اَلسَّوَامُ أَلاَّ تُؤَاخِذَنَا بِأَعْمَالِنَا وَ لاَ تَأْخُذَنَا بِذُنُوبِنَا وَ اُنْشُرْ عَلَيْنَا رَحْمَتَكَ بِالسَّحَابِ اَلْمُنْبَعِقِ وَ اَلرَّبِيعِ اَلْمُغْدِقِ وَ اَلنَّبَاتِ اَلْمُونِقِ سَحّاً وَابِلاً تُحْيِي بِهِ مَا قَدْ مَاتَ وَ تَرُدُّ بِهِ مَا قَدْ فَاتَ اَللَّهُمَّ سُقْيَا مِنْكَ مُحْيِيَةً مُرْوِيَةً تَامَّةً عَامَّةً طَيِّبَةً مُبَارَكَةً هَنِيئَةً مَريِئَةً مَرِيعَةً زَاكِياً نَبْتُهَا ثَامِراً فَرْعُهَا نَاضِراً وَرَقُهَا تُنْعِشُ بِهَا اَلضَّعِيفَ مِنْ عِبَادِكَ وَ تُحْيِي بِهَا اَلْمَيِّتَ مِنْ بِلاَدِكَ اَللَّهُمَّ سُقْيَا مِنْكَ تُعْشِبُ بِهَا نِجَادُنَا وَ تَجْرِي بِهَا وِهَادُنَا وَ يُخْصِبُ بِهَا جَنَابُنَا وَ تُقْبِلُ بِهَا ثِمَارُنَا وَ تَعِيشُ بِهَا مَوَاشِينَا وَ تَنْدَى بِهَا أَقَاصِينَا وَ تَسْتَعِينُ بِهَا ضَوَاحِينَا مِنْ بَرَكَاتِكَ اَلْوَاسِعَةِ وَ عَطَايَاكَ اَلْجَزِيلَةِ عَلَى بَرِيَّتِكَ اَلْمُرْمِلَةِ وَ وَحْشِكَ اَلْمُهْمَلَةِ وَ أَنْزِلْ عَلَيْنَا سَمَاءً مُخْضِلَةً مِدْرَاراً هَاطِلَةً يُدَافِعُ اَلْوَدْقُ مِنْهَا اَلْوَدْقَ وَ يَحْفِزُ اَلْقَطْرُ مِنْهَا

263

اَلْقَطْرَ غَيْرَ خُلَّبٍ بَرْقُهَا وَ لاَ جَهَامٍ عَارِضُهَا وَ لاَ قَزَعٍ رَبَابُهَا وَ لاَ شَفَّانٍ ذِهَابُهَا حَتَّى يُخْصِبَ لِإِمْرَاعِهَا اَلْمُجْدِبُونَ وَ يَحْيَا بِبَرَكَتِهَا اَلْمُسْنِتُونَ فَإِنَّكَ تُنْزِلُ اَلْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَ تَنْشُرُ رَحْمَتَكَ وَ أَنْتَ اَلْوَلِيُّ اَلْحَمِيدُ. قال الشريف الرضي رحمه الله تعالى قوله ع انصاحت جبالنا أي تشققت من المحول يقال انصاح الثوب إذا انشق و يقال أيضا انصاح النبت و صاح و صوح إذا جف و يبس كله بمعنى .

و قوله و هامت دوابنا أي عطشت و الهيام العطش .

و قوله حدابير السنين جمع حدبار و هي الناقة التي أنضاها السير فشبه بها السنة التي فشا فيها الجدب قال ذو الرمة

حدابير ما تنفك إلا مناخة # على الخسف أو نرمي بها بلدا قفرا (1)

و قوله و لا قزع ربابها القزع القطع الصغار المتفرقة من السحاب .

و قوله و لا شفان ذهابها فإن تقديره و لا ذات شفان ذهابها و الشفان الريح الباردة و الذهاب الأمطار اللينة فحذف ذات لعلم السامع به (1) -

____________

(1) ديوانه 173، و روايته: «حراجيج ما تنفك » .

غ

264

يجوز أن يريد بقوله‏ و هامت دوابنا معنى غير ما فسره الشريف الرضي رحمه الله به و هو ندودها و ذهابها على وجوهها لشدة المحل يقول هام على وجهه يهيم هيما و هيمانا (1) - .

و المرابض‏ مبارك الغنم و هي لها كالمواطن للإبل واحدها مربض بكسر الباء مثل مجلس (2) - و عجت‏ صرخت و يحتمل الضمير في‏ أولادها أن يرجع إلى الثكالى‏ أي كعجيج الثكالى على أولادهن و يحتمل أن يرجع إلى الدواب أي و عجت على أولادها كعجيج الثكالى و إنما وصفها بالتحير في مرابضها لأنها لشدة المحل تتحير في مباركها و لا تدري ما ذا تصنع إن نهضت لترعى لم تجد رعيا و إن أقامت كانت إلى انقطاع المادة أقرب (3) - قوله‏ و ملت التردد في مراتعها و الحنين إلى مواردها و ذلك لأنها أكثرت من التردد في الأماكن التي كانت تعهد مراتعها فيها فلم تجد مرتعا فملت الترداد إليها و كذلك ملت الحنين إلى الغدران و الموارد التي كانت تعتادها للشرب فإنها حنت إليها لما فقدتها حتى ضجرت و يئست فملت مما لا فائدة لها فيه (4) - .

و الآنة و الحانة الشاة و الناقة و يقال ما له حانة و لا آنة و أصل الأنين صوت المريض و شكواه من الوصب يقال أن يئن أنينا و أنانا و تأنانا (5) - .

و الموالج‏ المداخل و إنما ابتدأ ع بذكر الأنعام و ما أصابها من الجدب اقتفاء بسنة 14رسول الله ص و لعادة العرب أما سنة 14رسول الله ص

14- فإنه قال لو لا البهائم الرتع و الصبيان الرضع و الشيوخ الركع لصب‏

265

عليكم العذاب صبا.

و قد ذهب كثير من الفقهاء إلى استحباب إخراج البهائم في صلاة الاستسقاء و تقدير دعائه ع اللهم إن كنت حرمتنا الغيث لسوء أعمالنا فارحم هذه الحيوانات التي لا ذنب لها و لا تؤاخذها بذنوبنا و أما عادة العرب فإنهم كانوا إذا أصابهم المحل استسقوا بالبهائم و دعوا الله بها و استرحموه لها و منهم من كان يجعل في أذناب البقر السلع و العشر (1) و يصعد بها في الجبال و التلاع العالية و كانوا يسقون بذلك و قال الشاعر

أ جاعل أنت بيقورا مسلعة # ذريعة لك بين الله و المطر (1) - (2)

فاعتكرت‏ ردف بعضها بعضا و أصل عكر عطف و العكرة الكرة و

14- في الحديث قال له قوم يا 14رسول الله نحن الفرارون فقال بل أنتم العكارون إن شاء الله (3) .

و البيت الذي ذكره الرضي رحمه الله لذي الرمة لا أعرفه إلا حراجيج و هكذا رأيته بخط ابن الخشاب رحمه الله و الحرجوج الناقة الضامرة في طول .

و فيه مسألةنحويةو هي أنه كيف نقض النفي من ما تنفك و هو غير جائز كما لا يجوز ما زال زيد إلا قائما و جوابها أن تنفك هاهنا تامة أي ما تنفصل و مناخة منصوب على الحال (2) - .

قوله‏ و أخلفتنا مخايل الجود أي كلما شمنا برقا و اختلنا سحابا أخلفنا و لم يمطر .

و الجود المطر الغزير و يروى مخايل الجود بالضم .

(3) -

____________

(1) السلع: نبات، و قيل: شجر مرّ. و العشر: شجر من العضاه، و له صمغ حلو.

(2) اللسان 10: 25، و نسبه إلى الورك الطائى.

(3) النهاية لابن الأثير 3: 120؛ قال في شرحه: «أى الكرارون إلى الحرب، و العطافون نحوها؛ يقال للرجل الذي يولى عن الحرب ثمّ يكر راجعا إليها: عكر و اعتكر» .

266

و المبتئس‏ ذو البؤس (1) - و البلاغ للملتمس أي الكفاية للطالب (2) - .

و تقول قنط فلان بالفتح يقنط و يقنط بالكسر و الضم فهو قانط و فيه لغة أخرى قنط بالكسر يقنط قنطا مثل تعب يتعب تعبا و قناطة أيضا فهو قنط و قرئ‏ فَلاََ تَكُنْ مِنَ اَلْقََانِطِينَ (3) - (1) .

و إنما قال‏ و منع الغمام فبنى الفعل للمفعول به لأنه كره أن يضيف المنع إلى الله تعالى و هو منبع النعم فاقتضى حسن الأدب أنه لم يسم الفاعل و روي منع الغمام أي و منع الغمام القطر فحذف المفعول (4) - و السوام المال الراعي (5) - .

فإن قلت ما الفرق تؤاخذنا و بين تأخذنا .

قلت المؤاخذة دون الأخذ لأن الأخذ الاستئصال و المؤاخذة عقوبة و إن قلت (6) - .

و السحاب المنبعق المتبعج بالمطر و مثله المتبعق و مثله البعاق (7) - و الربيع المغدق الكثير (8) - و النبات المونق المعجب .

و انتصب‏ سحا على المصدر و الوابل‏ المطر الشديد (9) - .

ثم قال‏ تحيي به ما قد مات أي يكاد يتلف بها من الزرع‏ و ترد به ما قد فات أي يستدرك به الناس ما فاتهم من الزرع و الحرث (10) - .

و السقيا مؤنثة و هي الاسم من سقى (11) - و المريعة الخصيبة (12) - .

و ثامرا فرعها ذو ثمر كما قالوا لابن و تامر ذو لبن و تمر (13) - .

و تنعش ترفع (14) - و النجاد جمع نجد و هو ما ارتفع من الأرض (15) - و الوهاد جمع وهد و هو المطمئن منها (16) - و روي نجادنا بالنصب على أنه مفعول .

(17) -

____________

(1) سورة الحجر 55.

267

قوله‏ و تندى بها أقاصينا أي الأباعد منا و يندى بها ينتفع نديت بكذا أي انتفعت (1) - .

و الضواحي‏ النواحي القريبة من المدينة العظمى (2) - و المرملة الفقيرة أرمل افتقر و نفد زاده (3) - و وحشك المهملة التي لا راعي لها و لا صاحب و لا مشفق (4) - .

و سماء مخضلة تخضل النبت أي تبله و روي مخضلة أي ذات نبات و زروع مخضلة يقال اخضل النبت اخضلالا أي ابتل و إنما أنث السماء و هو المطر و هو مذكر لأنه أراد الأمطار (5) - و الودق المطر (6) - و يحفز يدفع بشدة و إذا دفع القطر القطر كان أعظم و أغزر له (7) - .

و برق خلب‏ لا مطر معه (8) - و سحاب جهام‏ لا ماء فيه (9) - و المجدبون أهل الجدب (10) - و المسنتون الذين أصابتهم السنة و هي المحل و القحط الشديد

صلاة الاستسقاء و آدابها

و اعلم أن صلاة الاستسقاء عند أكثر الفقهاء سنة .

و قال أبو حنيفة لا صلاة للاستسقاء قال أصحابه يعني ليست سنة في جماعة و إنما يجوز أن يصلي الناس وحدانا قالوا و إنما الاستسقاء هو الدعاء و الاستغفار .

و قال باقي الفقهاء كالشافعي و أبي يوسف و محمد و غيرهم بخلاف ذلك قالوا و

14- قد روي أن 14رسول الله ص صلى بالناس جماعة في الاستسقاء فصلى ركعتين جهر بالقراءة فيهما و حول رداءه و رفع يديه و استسقى .

قالوا و السنة أن يكون في المصلى و إذا أراد الإمام الخروج لذلك وعظ الناس و أمرهم بالخروج من المظالم و التوبة من المعاصي لأن ذلك يمنع القطر .

268

قالوا و

17- قد روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال إذا بخس المكيال حبس القطر.

17- و قال مجاهد في قوله تعالى‏ وَ يَلْعَنُهُمُ اَللاََّعِنُونَ (1) قال دواب الأرض تلعنهم يقولون منعنا القطر بخطاياهم .

قالوا و يأمر الإمام الناس بصوم ثلاثة أيام قبل الخروج ثم يخرج في اليوم الرابع و هم صيام و يأمرهم بالصدقة و يستسقي بالصالحين من أهل بيت 14رسول الله ص كما فعل عمر و يحضر معه أهل الصلاح و الخير و يستسقي بالشيوخ و الصبيان .

و اختلفوا في إخراج البهائم فمنهم من استحب ذلك و منهم من كرهه و يكره إخراج أهل الذمة فإن حضروا من عند أنفسهم لم يمنعوا و الغسل و السواك في صلاة الاستسقاء عندهم مسنونان و لا يستحب فيهما التطيب لأن الحال لا يقتضيه .

و ينبغي أن يكون الخروج بتواضع و خشوع و إخبات كما خرج 14رسول الله ص للاستسقاء .

قالوا و لا يؤذن لهذه الصلاة و لا يقام و إنما ينادي لها الصلاة جامعة و هي ركعتان كصلاة العيد يكبر في الأولى سبع تكبيرات و في الثانية خمس تكبيرات .

قالوا و يخطب بعد الصلاة خطبتين و يكون دعاء الاستسقاء في الخطبة الأولى .

قالوا فيقول‏اللهم اسقنا غيثا مغيثا هنيئا مريئا مريعا غدقا مجللا طبقا سحا دائما اللهم اسقنا الغيث و لا تجعلنا من القانطين اللهم إن بالعباد و البلاد من اللأواء و الضنك و الجهد ما لا نشكوه إلا إليك اللهم أنبت لنا الزرع و أدر لنا الضرع و اسقنا من بركات السماء اللهم اكشف عنا الجهد و الجوع و العري و اكشف عنا ما لا يكشفه غيرك اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارا فأرسل السماء علينا مدرارا.

____________

(1) سورة البقرة 159.

غ

269

14- قالوا و يستحب أن يستقبل القبلة في أثناء الخطبة الثانية و يحول رداءه فيجعل ما على الأيمن على الأيسر و ما على الأيسر على الأيمن تفاؤلا بتحول الحال و كذا روي أن 14رسول الله ص فعل .

و يستحب للناس أن يحولوا أرديتهم مثله و يتركوها كما هي و لا يعيدوها إلى حالها الأولى إلا إذا رجعوا إلى منازلهم .

و يستحب أن يدعو في الخطبة الثانية سرا فيجمع بين الجهر و السر كما قال سبحانه و تعالى‏ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَ أَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرََاراً (1) و كقوله تعالى‏ وَ اُذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَ خِيفَةً وَ دُونَ اَلْجَهْرِ مِنَ اَلْقَوْلِ (2) قالوا و يستحب رفع اليد في هذا الدعاء و أن يكثروا من الاستغفار لقوله تعالى‏ اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كََانَ غَفََّاراً `يُرْسِلِ اَلسَّمََاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرََاراً (3) فإن صلوا و استسقوا فلم يسقوا عادوا من الغد و صلوا و استسقوا و إن سقوا قبل الصلاة صلوا شكرا و طلبا للزيادة .

قالوا و يستحب أن يقفوا تحت المطر حتى يصيبهم و أن يحسروا له عن رءوسهم و

14- قد روي أن 14رسول الله ص حسر عن رأسه حتى أصابه مطر الاستسقاء .

و يستحب إذا سال الوادي أن يغتسلوا فيه و يتوضئوا منه .

و قد استحب قوم من الفقهاء أن يخرج الناس للاستسقاء حفاة حاسرين و الأكثرون على خلاف ذلك .

فأما مذهب الشيعة في هذه المسألة فأن يستقبل الإمام القبلة بعد صلاة الركعتين فيكبر الله مائة تكبيرة و يرفع بها صوته و يكبر من حضر معه ثم يلتفت عن يمينه فيسبح الله مائة تسبيحة يرفع بها صوته و يسبح معه من حضر ثم يلتفت عن يساره فيهلل الله

____________

(1) سورة نوح 9.

(2) سورة الأنعام 63.

(3) سورة نوح 10، 11.

270

مائة مرة يرفع بها صوته و يقول من حضر مثل ذلك ثم يستقبل الناس بوجهه فيحمد الله مائة مرة يرفع بها صوته و يقول معه من حضر مثل ذلك ثم يخطب بهذه الخطبة المروية عن 1أمير المؤمنين ع في الاستسقاء فإن لم يتمكن منها اقتصر على الدعاء

أخبار و أحاديث في الاستسقاء

14- و جاء في الأخبار الصحيحة رؤيا رقيقة في الجاهلية و هي رقيقة بنت أبي صيفي بن هاشم بن عبد مناف (1) قالت رقيقة تتابعت على قريش سنون أقحلت‏ (2) الضرع و أرقت العظم فبينا أنا راقدة (3) اللهم أو مهومة (4) و معي صنوي‏ (5) إذا أنا بهاتف صيت‏ (6) يصرخ بصوت صحل‏ (7) يا معشر قريش إن هذا النبي المبعوث فيكم قد أظلتكم أيامه و هذا إبان نجومه‏ (8) فحيهلا (9) بالخصب و الحيا (10) ألا فانظروا رجلا منكم عظاما جساما (11) أبيض بضا أوطف الأهداب‏ (12)

____________

(1) و كانت لدة عبد المطلب بن هاشم.

(2) أقحلت، من قحل قحولا، و قحل قحلا إذا يبس.

(3) الرقود: النوم بالليل المستحكم الممتد؛ و منه قولهم: طريق مرقد؛ إذا كان بينا ممتدا.

(4) هوموا و تهوموا؛ إذا هزوا هامهم من النعاس.

(5) من الفائق.

(6) الصيت: فيعل، من صات يصوت و يصات كالميت من مات، و يقال في معناه: صائت و صات و مصوات.

(7) الصحل: الذي في صوته ما يذهب بجدته؛ و هو مستلذ في السمع.

(8) إبان نجومه: وقت ظهوره، و هو فعلان، من أب الشي‏ء إذا تهيأ.

(9) فحيهلا، بألف مزيدة، و يجوز التنوين و التنكير، أي عجل.

(10) الحيا: المطر؛ لأنّه حياة الأرض.

(11) الفائق: «طوالا» .

(12) أوطف الأهداب: طويلها.

271

سهل الخدين أشم العرنين له سنة (1) تهدى إليه ألا فليخلص‏ (2) هو و ولده و ليدلف إليه من كل بطن رجل ألا فليشنوا (3) عليهم من الماء و ليمسوا من الطيب و ليطوفوا بالبيت سبعا و ليكن فيهم الطيب الطاهر لداته‏ (4) فليستق الرجل و ليؤمن القوم ألا فغثتم‏ (5) إذا ما شئتم .

قالت فأصبحت علم الله مذعورة قد (6) قف جلدي و وله عقلي فاقتصصت رؤياي على الناس فذهبت في شعاب مكة فو الحرمة و الحرم إن بقي أبطحي إلا و قال هذا شيبة الحمد (7) . فتتامت‏ (8) رجال قريش و انقض إليه من كل بطن رجل فشنوا عليهم ماء و مسوا طيبا و استلموا و اطوفوا ثم ارتقوا أبا قبيس و طفق القوم يدفون حول‏ (9) عبد المطلب ما إن يدرك سعيهم مهلة (10) حتى استقروا بذروة الجبل و استكفوا (11) جانبيه .

فقام فاعتضد ابن ابنه 14محمدا ص فرفعه على عاتقه و هو يومئذ غلام

____________

(1) الفائق: «له فخر» .

(2) فليخلص: فليتميز هو و ولده من الناس.

(3) شن الماء: صبه على رأسه.

(4) زيادة من الفائق؛ قال في شرحه: «يعنى أن مولده و موالد من مضى من آبائه كلها موصوف بالطهر و الزكاة، أو يراد أترابه، و ذكر الأتراب أسلوب من أساليبهم في تثبيت الصفة و تمكينها» .

(5) غثتم: مطرتم.

(6) قف شعرى: تقبض.

(7) قال الزمخشريّ: اسم عبد المطلب عامر؛ و إنّما قيل له شيبة الحمد لشيبة كانت في رأسه؛ و عبد المطلب، لأن هاشما تزوج سلمى بنت زيد النجارية، فولدته، فلما توفى هاشم و شب الغلام انتزعه المطلب عمه من أمه، و أردفه على راحلته، و قدم به مكّة. فقال الناس: أردف المطلب عبده.

(8) التتام: التوافر.

(9) الدفيف: المر السريع.

(10) المهل، بالإسكان: التؤدة؛ أى لا يدرك إسراعهم إبطاءه.

(11) استكفوا: أحدقوا؛ من الكفة و هي ما استدار.

272

قد أيفع أو كرب‏ (1) ثم قال‏اللهم ساد الخلة و كاشف الكربة أنت عالم غير معلم و مسئول غير مبخل و هذه عبداؤك‏ (2) و إماؤك بعذارات‏ (3) حرمك يشكون إليك سنتهم التي أذهبت الخف و الظلف فاسمعن اللهم و أمطرن علينا غيثا مغدقا مريعا سحا طبقا دراكا.

قالت فو رب الكعبة ما راموا حتى انفجرت السماء بمائها و اكتظ الوادي بثجيجه‏ (4) و انصرف الناس يقولون لعبد المطلب هنيئا لك سيد البطحاء .

و في رواية أبي عبيدة معمر بن المثنى قال فسمعنا شيخان‏ (5) قريش و جلتها عبد الله بن جدعان و حرب بن أمية و هشام بن المغيرة يقولون لعبد المطلب هنيئا لك أبا البطحاء (6) و في ذلك قال شاعر من قريش و قد روي هذا الشعر لرقيقة

بشيبة الحمد أسقى الله بلدتنا # و قد فقدنا الحيا و اجلوذ المطر (7)

فجاد بالماء و سمي له سبل # سحا فعاشت به الأنعام و الشجر

(8) .

و

14- في الحديث من رواية أنس بن مالك أصاب أهل المدينة قحط على عهد 14رسول الله ص فقام إليه رجل و هو يخطب يوم جمعة فقال يا 14رسول الله هلك الشاء هلك الزرع‏ (9) ادع الله لنا أن يسقينا فمد ع يده و دعا و استسقى

____________

(1) كرب، أي قرب من الإيقاع.

(2) العبداء و العبدى: العبيد.

(3) العذرات: جمع العذرة؛ و هي الفناء.

(4) الثجيج: المثجوج، أي المصبوب.

(5) الشيخان: جمع شيخ، كالضيفان في جمع ضيف.

(6) الخبر في الفائق 2: 314-317.

(7) اجلوّذ المطر، أي امتد وقت تأخره و انقطاعه.

(8) سبل: أى مطر جود هاطل.

(9) سنن أبي داود: «هلك الكراع، هلك الشاء» .

273

و إن السماء كمثل الزجاجة فهاجت ريح ثم أنشأت سحابا ثم اجتمع ثم أرسلت عزاليها (1) فخرجنا نخوض الماء حتى أتينا منازلنا و دام القطر فقام إليه الرجل في اليوم الثالث فقال يا 14رسول الله تهدمت البيوت ادع الله أن يحبسه عنا فتبسم 14رسول الله ص ثم رفع يده و قال‏اللهم حوالينا و لا عليناقال أنس فو الذي بعث 14محمدا بالحق لقد نظرت إلى السحاب و إنه لقد انجاب حول المدينة كالإكليل (2) .

و

14- في حديث عائشة أنه ع استسقى حين بدا قرن الشمس فقعد على المنبر و حمد الله و كبره ثم قال إنكم شكوتم جدب دياركم و قد أمركم الله أن تدعوه و وعدكم أن يستجيب لكم فادعوه ثم رفع صوته فقال‏اللهم إنك أنت الغني و نحن الفقراء فأنزل علينا الغيث و لا تجعلنا من القانطين اللهم اجعل ما تنزله علينا قوة لنا و بلاغا إلى حين برحمتك يا أرحم الراحمينفأنشأ الله سحابا فرعدت و برقت ثم أمطرت فلم يأت ع منزله حتى سالت السيول فلما رأى سرعتهم إلى الكن ضحك حتى بدت نواجذه و قال أشهد أني عبد الله و رسوله و أَنَّ اَللََّهَ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ (3) .

و

14- من دعائه ع في الاستسقاء و قد رواه الفقهاء و غيرهم اللهم اسقنا و أغثنا اللهم اسقنا غيثا مغيثا وحيا ربيعا وجدا (4) طبقا غدقا مغدقا (5) مونقا (6) عاما

____________

(1) العزالى في الأصل: جمع عزلاء، و هو مصب الماء من الراوية، و يريد شدة وقع المطر. على التشبيه.

(2) الحديث في سنن أبي داود 1: 416، مع اختلاف في الرواية.

(3) الحديث في سنن أبي داود 1: 416، مع اختلاف الرواية أيضا.

(4) من الفائق، و الجدا: و الطبق ماله.

(5) المغدق: الكثير المطر.

(6) مونقا: معجبا.

274

هنيئا مريئا مريعا مربعا (1) مرتعا (2) وابلا سابلا (3) مسيلا مجللا (4) درا نافعا غير ضار عاجلا غير رائث‏ (5) غيثا اللهم تحيي به العباد و تغيث به البلاد و تجعله بلاغا للحاضر منا و الباد اللهم أنزل علينا في أرضنا زينتها و أنزل علينا في أرضنا سكنها اللهم أنزل علينا ماء طهورا فأحي به بلدة ميتا و اسقه مما خلقت لنا أَنْعََاماً وَ أَنََاسِيَّ كَثِيراً (6) .

17- و روى عبد الله بن مسعود أن عمر بن الخطاب خرج يستسقي بالعباس فقال اللهم إنا نتقرب إليك بعم 14نبيك و قفية (7) آبائه‏ (8) و كبر رجاله فإنك قلت و قولك الحق‏ وَ أَمَّا اَلْجِدََارُ فَكََانَ لِغُلاََمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي اَلْمَدِينَةِ الآية فحفظتهما لصلاح أبيهما فاحفظ اللهم 14نبيك في عمه فقد دلونا به إليك مستشفعين و مستغفرين ثم أقبل على الناس فقال‏ اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كََانَ غَفََّاراً .

قال ابن مسعود رأيت العباس يومئذ و قد طال عمر و عيناه تنضحان و سبائبة تجول على صدره و هو يقول اللهم أنت الراعي فلا تهمل الضالة و لا تدع الكسير بدار مضيعة فقد ضرع الصغير و رق الكبير و ارتفعت الشكوى و أنت تعلم‏ اَلسِّرَّ وَ أَخْفى‏ََ اللهم أغثهم بغياثك من قبل أن يقنطوا فيهلكوا إنه لا ييأس من رحمة الله‏ إِلاَّ اَلْقَوْمُ اَلْكََافِرُونَ (9) .

____________

(1) المريع: ذو المراعة؛ و هي الخصب. و المربع: الذي يربعهم عن الارتياد؛ من ربعت بالمكان و أربعنى.

(2) المرتع: المنبت ما يرتع فيه.

(3) السابل، من قولهم: سبل سابل؛ أى مطر ماطر.

(4) المجلل: الذي يجلل الأرض بمائه أو بنباته.

(5) الرائث: البطى‏ء.

(6) الفائق للزمخشريّ 1: 317، 318.

(7) قفية آبائه: تلوهم و تابعهم.

(8) كبر قومه: أقعدهم في النسب.

(9) الخبر في الفائق 2: 366.

275

قال فنشأت طريرة (1) من سحاب و قال الناس ترون ترون ثم تلاءمت و استتمت و مشت فيها ريح ثم هدت‏ (2) و درت فو الله ما برحوا حتى اعتلقوا الأحذية و قلصوا المآزر و طفق الناس يلوذون بالعباس يمسحون أركانه و يقولون هنيئا لك ساقي الحرمين .

(3)

____________

(1) الطريرة: تصغير طرة، و هي القطعة المستطيلة من السحاب؛ شبهت بطرة الثوب.

(2) هدت من الهدة؛ و هي صوت ما يقع من السماء.

(3) قال الزمخشريّ: «سمى ساقى الحرمين بهذه السقيا » .

غ

276

*1115* 115 و من خطبة له ع‏

أَرْسَلَهُ دَاعِياً إِلَى اَلْحَقِّ وَ شَاهِداً عَلَى اَلْخَلْقِ فَبَلَّغَ رِسَالاَتِ رَبِّهِ غَيْرَ وَانٍ وَ لاَ مُقَصِّرٍ وَ جَاهَدَ فِي اَللَّهِ أَعْدَاءَهُ غَيْرَ وَاهِنٍ وَ لاَ مُعَذِّرٍ إِمَامُ مَنِ اِتَّقَى وَ بَصَرُ مَنِ اِهْتَدَى (1) -. قوله‏ و شاهدا على الخلق أي يشهد على القوم الذين بعث إليهم و شهد لهم فيشهد على العاصي بالعصيان و الخلاف و يشهد للمطيع بالإطاعة و الإسلام و هذا من قوله سبحانه و تعالى‏ فَكَيْفَ إِذََا جِئْنََا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَ جِئْنََا بِكَ عَلى‏ََ هََؤُلاََءِ شَهِيداً (1) و من قوله تعالى‏ وَ كُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مََا دُمْتُ فِيهِمْ (2) .

فإن قلت إذا كان الله تعالى عالما بكل شي‏ء و مالكا لكل أحد فأي حاجة إلى الشهادة قلت ليس بمنكر أن يكون في ذلك مصلحة للمكلفين في أديانهم من حيث إنه قد تقرر في عقول الناس أن من يقوم عليه شاهد بأمر منكر قد فعله فإنه يخزى

____________

(1) سورة النساء 41.

(2) سورة المائدة 117.

277

و يخجل و تنقطع حجته فإذا طرق أسماعهم أن الأنبياء تشهد عليهم و الملائكة الحافظين تكتب أعمالهم كانوا عن مواقعة القبيح أبعد (1) - .

و الواني‏ الفاتر الكال (2) - و الواهن‏ الضعيف .

و المعذر الذي يعتذر عن تقصيره بغير عذر قال تعالى‏ وَ جََاءَ اَلْمُعَذِّرُونَ مِنَ اَلْأَعْرََابِ (1) مِنْهَا وَ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ مِمَّا طُوِيَ عَنْكُمْ غَيْبُهُ إِذاً لَخَرَجْتُمْ إِلَى اَلصُّعُدَاتِ تَبْكُونَ عَلَى أَعْمَالِكُمْ وَ تَلْتَدِمُونَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَ لَتَرَكْتُمْ أَمْوَالَكُمْ لاَ حَارِسَ لَهَا وَ لاَ خَالِفَ عَلَيْهَا وَ لَهَمَّتْ كُلَّ اِمْرِئٍ مِنْكُمْ نَفْسُهُ لاَ يَلْتَفِتُ إِلَى غَيْرِهَا وَ لَكِنَّكُمْ نَسِيتُمْ مَا ذُكِّرْتُمْ وَ أَمِنْتُمْ مَا حُذِّرْتُمْ فَتَاهَ عَنْكُمْ رَأْيُكُمْ وَ تَشَتَّتَ عَلَيْكُمْ أَمْرُكُمْ وَ لَوَدِدْتُ أَنَّ اَللَّهَ فَرَّقَ بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ أَلْحَقَنِي بِمَنْ هُوَ أَحَقُّ بِي مِنْكُمْ قَوْمٌ وَ اَللَّهِ مَيَامِينُ اَلرَّأْيِ مَرَاجِيحُ اَلْحِلْمِ مَقَاوِيلُ بِالْحَقِّ مَتَارِيكُ لِلْبَغْيِ مَضَوْا قُدُماً عَلَى اَلطَّرِيقَةِ وَ أَوْجَفُوا عَلَى اَلْمَحَجَّةِ فَظَفِرُوا بِالْعُقْبَى اَلدَّائِمَةِ وَ اَلْكَرَامَةِ اَلْبَارِدَةِ أَمَا وَ اَللَّهِ لَيُسَلَّطَنَّ عَلَيْكُمْ غُلاَمُ ثَقِيفٍ اَلذَّيَّالُ اَلْمَيَّالُ يَأْكُلُ خَضِرَتَكُمْ وَ يُذِيبُ شَحْمَتَكُمْ إِيهٍ أَبَا وَذَحَةَ .

____________

(1) سورة التوبة 90.

278

قال الرضي رحمه الله تعالى الوذحة الخنفساء و هذا القول يومئ به إلى الحجاج و له مع الوذحة حديث ليس هذا موضع ذكره (1) - الصعيد التراب و يقال وجه الأرض و الجمع صعد و صعدات‏ كطريق و طرق و طرقات (2) - و الالتدام‏ ضرب النساء صدورهن في النياحة (3) - و لا خالف عليها لا مستخلف (4) - .

قوله‏ و لهمت كل امرئ منكم نفسه أي أذابته و أنحلته هممت الشحم أي أذبته و يروى و لأهمت كل امرئ و هو أصح من الرواية الأولى أهمني الأمر أي أحزنني (5) - .

و تاه‏ عن فلان رأيه أي عزب و ضل (6) - .

ثم ذكر أنه يود و يتمنى أن يفرق الله بينه و بينهم‏ و يلحقه 14بالنبي ص و بالصالحين من أصحابه كحمزة و جعفر ع و أمثالهما ممن كان 1أمير المؤمنين يثني عليه و يحمد طريقته من الصحابة (7) - فمضوا قدما أي متقدمين غير معرجين و لا معردين (8) - (1) .

و أوجفوا أسرعوا (9) - و يقال غنيمة باردة و كرامة باردة أي لم تؤخذ بحرب و لا عسف و ذلك لأن المكتسب بالحرب جار في المعنى لما يلاقي و يعاني في حصوله من المشقة (10) - .

و غلام ثقيف المشار إليه هو الحجاج بن يوسف و الذيال التائه و أصله من ذال أي تبختر و جر ذيله على الأرض و الميال الظالم (11) - .

و يأكل خضرتكم يستأصل أموالكم‏ و يذيب شحمتكم مثله و كلتا اللفظتين استعارة .

(12) -

____________

(1) يقال: عرد الرجل عن قرنه؛ إذا أحجم و نكل.

279

ثم قال له كالمخاطب لإنسان حاضر بين يديه إيه أبا وذحة إيه كلمه يستزاد بها من الفعل تقديره زد و هات أيضا ما عندك و ضدها إيها أي كف و أمسك .

قال الرضي رحمه الله و الوذحة الخنفساء و لم أسمع هذا من شيخ من أهل الأدب و لا وجدته في كتاب من كتب‏اللغةو لا أدري من أين نقل الرضي رحمه الله ذلك ثم إن المفسرين بعد الرضي رحمه الله قالوا في قصة هذه الخنفساء وجوها منها أن الحجاج رأى خنفساء تدب إلى مصلاه فطردها فعادت ثم طردها فعادت فأخذها بيده و حذف بها فقرصته قرصا ورمت يده منها ورما كان فيه حتفه قالوا و ذلك لأن الله تعالى قتله بأهون مخلوقاته كما قتل نمرود بن كنعان بالبقة التي دخلت في أنفه فكان فيها هلاكه .

و منها أن الحجاج كان إذا رأى خنفساء تدب قريبة منه يأمر غلمانه بإبعادها و يقول هذه وذحة من وذح الشيطان تشبيها لها بالبعرة قالوا و كان مغرى بهذا القول و الوذح ما يتعلق بأذناب الشاة من أبعارها فيجف .

و منها أن الحجاج قال و قد رأى خنفساوات مجتمعات وا عجبا لمن يقول إن الله خلق هذه قيل فمن خلقها أيها الأمير قال الشيطان إن ربكم لأعظم شأنا أن يخلق هذه الوذح قالوا فجمعها على فعل كبدنة و بدن فنقل قوله هذا إلى الفقهاء في عصره فأكفروه .

و منها أن الحجاج كان مثفارا (1) و كان يمسك الخنفساء حية ليشفى بحركتها في الموضع حكاكه قالوا و لا يكون صاحب هذا الداء إلا شائنا مبغضا لأهل البيت قالوا و لسنا نقول كل مبغض فيه هذا الداء و إنما قلنا كل من فيه هذا الداء فهو مبغض .

قالوا

17- و قد روى أبو عمر الزاهد و لم يكن من رجال الشيعة في أماليه و أحاديثه عن السياري

____________

(1) رجل مثفار: نعت سوء.

280

عن أبي خزيمة الكاتب قال ما فتشنا أحدا فيه هذا الداء إلا وجدناه ناصبيا .

6- قال أبو عمر و أخبرني العطافي عن رجاله قالوا سئل 6جعفر بن محمد ع عن هذا الصنف من الناس فقال رحم منكوسة يؤتى و لا يأتي و ما كانت هذه الخصلة في ولي لله تعالى قط و لا تكون أبدا و إنما تكون في الكفار و الفساق و الناصب للطاهرين .

و كان أبو جهل عمرو بن هشام المخزومي من القوم و كان أشد الناس عداوة 14لرسول الله ص قالوا و لذلك قال له عتبة بن ربيعة يا مصفر استه‏ (1) .

فهذا مجموع ما ذكره المفسرون و ما سمعته من أفواه الناس في هذا الموضع و يغلب على ظني أنه أراد معنى آخر و ذلك أن عادة العرب أن تكني الإنسان إذا أرادت تعظيمه بما هو مظنة التعظيم كقولهم أبو الهول و أبو المقدام و أبو المغوار فإذا أرادت تحقيره و الغض منه كنته بما يستحقر و يستهان به كقولهم في كنية يزيد بن معاوية أبو زنة يعنون القرد و كقولهم في كنية سعيد بن حفص البخاري المحدث أبو الفأر و كقولهم للطفيلي أبو لقمة و كقولهم لعبد الملك أبو الذبان لبخره و كقول ابن بسام لبعض الرؤساء

فأنت لعمري أبو جعفر # و لكننا نحذف الفاء منه.

و قال أيضا

لئيم درن الثوب # نظيف القعب و القدر

أبو النتن أبو الدفر # أبو البعر أبو الجعر.

فلما كان 1أمير المؤمنين ع يعلم من حال الحجاج نجاسته بالمعاصي و الذنوب

____________

(1) انظر اللسان-صفر.

281

التي لو شوهدت بالبصر لكانت بمنزلة البعر الملتصق بشعر الشاء كناه أبو وذحة و يمكن أيضا أن يكنيه بذلك لدمامته في نفسه و حقارة منظره و تشويه خلقته فإنه كان قصيرا دميما نحيفا أخفش العينين معوج الساقين قصير الساعدين مجدور الوجه أصلع الرأس فكناه بأحقر الأشياء و هو البعرة .

و قد روى قوم هذه اللفظة بصيغة أخرى فقالوا إيه أبا ودجة قالوا واحدة الأوداج كناه بذلك لأنه كان قتالا يقطع الأوداج بالسيف و رواه قوم أبا وحرة و هي دويبة تشبه الحرباء قصيرة الظهر شبهه بها .

و هذا و ما قبله ضعيف و ما ذكرناه نحن أقرب الصواب‏

282

*1116* 116 و من كلام له ع‏

فَلاَ أَمْوَالَ بَذَلْتُمُوهَا لِلَّذِي رَزَقَهَا وَ لاَ أَنْفُسَ خَاطَرْتُمْ بِهَا لِلَّذِي خَلَقَهَا تَكْرُمُونَ بِاللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ وَ لاَ تُكْرِمُونَ اَللَّهَ فِي عِبَادِهِ فَاعْتَبِرُوا بِنُزُولِكُمْ مَنَازِلَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ وَ اِنْقِطَاعِكُمْ عَنْ أَوْصَلِ إِخْوَانِكُمْ (1) -. انتصاب الأموال‏ بفعل مقدر دل عليه بذلتموها و كذلك أنفس‏ يقول لم تبذلوا أموالكم في رضا من رزقكم إياها و لم تخاطروا بأنفسكم في رضا الخالق لها و الأولى بكم أن تبذلوا المال في رضا رازقه و النفس في رضا خالقها لأنه ليس أحد أحق منه بالمال و النفس و بذلهما في رضاه (2) - .

ثم قال من العجب أنكم تطلبون من عباد الله أن يكرموكم و يطيعوكم لأجل الله و انتمائكم إلى طاعته ثم إنكم لا تكرمون الله و لا تطيعونه في نفع عباده و الإحسان إليهم .

و محصول هذا القول كيف تسيمون الناس أن يطيعوكم لأجل الله ثم إنكم أنتم لا تطيعون الله الذي تكلفون الناس أن يطيعوكم لأجله (3) - ثم أمرهم باعتبارهم بنزولهم منازل من كان قبلهم‏ و هذا مأخوذ من قوله‏

283

تعالى‏ وَ سَكَنْتُمْ فِي مَسََاكِنِ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَ تَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنََا بِهِمْ وَ ضَرَبْنََا لَكُمُ اَلْأَمْثََالَ (1) - (1) .

و روي عن أصل إخوانكم و ذلك بموت الأب فإنه ينقطع أصل الأخ الواشج بينه و بين أخيه و الرواية الأولى أظهر

____________

(1) سورة إبراهيم 45.

غ

284

*1117* 117 و من كلام له ع‏

أَنْتُمُ اَلْأَنْصَارُ عَلَى اَلْحَقِّ وَ اَلْإِخْوَانُ فِي اَلدِّينِ وَ اَلْجُنَنُ يَوْمَ اَلْبَأْسِ وَ اَلْبِطَانَةُ دُونَ اَلنَّاسِ بِكُمْ أَضْرِبُ اَلْمُدْبِرَ وَ أَرْجُو طَاعَةَ اَلْمُقْبِلِ فَأَعِينُونِي بِمُنَاصَحَةٍ خَلِيَّةٍ مِنَ اَلْغِشِّ سَلِيمَةٍ مِنَ اَلرَّيْبِ فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَوْلَى اَلنَّاسِ بِالنَّاسِ (1) -. الجنن جمع جنة و هي ما يستر به (2) - و بطانة الرجل خواصه و خالصته الذين لا يطوي عنهم سره (3) - .

فإن قلت أما ضربه بهم المدبر فمعلوم يعني الحرب فما معنى قوله ع‏ و أرجو طاعة المقبل قلت لأن من ينضوي إليه من المخالفين إذا رأى ما عليه شيعته و بطانته من الأخلاق الحميدة و السيرة الحسنة أطاعه بقلبه باطنا بعد أن كان انضوى إليه ظاهرا .

و اعلم أن هذا الكلام قاله 1أمير المؤمنين ع للأنصار بعد فراغه من‏و قد ذكره المدائني و الواقدي في كتابيهما (1)

____________

(1) كتاب الجمل للمدائنى، ذكره ابن النديم في الفهرست 10، و كتاب الجمل للواقدى ذكره أيضا ابن النديم في ص 99.

285

*1118* 118 و من كلام له ع و قد جمع الناس و حضهم على الجهاد فسكتوا مليا

فقال ع مَا بَالُكُمْ أَ مُخْرَسُونَ أَنْتُمْ فَقَالَ قَوْمٌ مِنْهُمْ يَا 1أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ إِنْ سِرْتَ سِرْنَا مَعَكَ فَقَالَ ع مَا بَالُكُمْ لاَ سُدِّدْتُمْ لِرُشْدٍ وَ لاَ هُدِيتُمْ لِقَصْدٍ أَ فِي مِثْلِ هَذَا يَنْبَغِي لِي أَنْ أَخْرُجَ وَ إِنَّمَا يَخْرُجُ فِي مِثْلِ هَذَا رَجُلٌ مِمَّنْ أَرْضَاهُ مِنْ شُجْعَانِكُمْ وَ ذَوِي بَأْسِكُمْ وَ لاَ يَنْبَغِي لِي أَنْ أَدَعَ اَلْجُنْدَ وَ اَلْمِصْرَ وَ بَيْتَ اَلْمَالِ وَ جِبَايَةَ اَلْأَرْضِ وَ اَلْقَضَاءَ بَيْنَ اَلْمُسْلِمِينَ وَ اَلنَّظَرَ فِي حُقُوقِ اَلْمُطَالِبِينَ ثُمَّ أَخْرُجَ فِي كَتِيبَةٍ أَتْبَعُ أُخْرَى أَتَقَلْقَلُ تَقَلْقُلَ اَلْقِدْحِ فِي اَلْجَفِيرِ اَلْفَارِغِ وَ إِنَّمَا أَنَا قُطْبُ اَلرَّحَى تَدُورُ عَلَيَّ وَ أَنَا بِمَكَانِي فَإِذَا فَارَقْتُهُ اِسْتَحَارَ مَدَارُهَا وَ اِضْطَرَبَ ثِفَالُهَا هَذَا لَعَمْرُ اَللَّهِ اَلرَّأْيُ اَلسُّوءُ وَ اَللَّهِ لَوْ لاَ رَجَائِي اَلشَّهَادَةَ عِنْدَ لِقَائِي اَلْعَدُوَّ وَ لَوْ قَدْ حُمَّ لِي لِقَاؤُهُ لَقَرَّبْتُ رِكَابِي ثُمَّ شَخَصْتُ عَنْكُمْ فَلاَ أَطْلُبُكُمْ مَا اِخْتَلَفَ جَنُوبٌ وَ شَمَالٌ طَعَّانِينَ عَيَّابِينَ حَيَّادِينَ رَوَّاغِينَ إِنَّهُ لاَ غَنَاءَ فِي كَثْرَةِ عَدَدِكُمْ مَعَ قِلَّةِ اِجْتِمَاعِ قُلُوبِكُمْ لَقَدْ حَمَلْتُكُمْ عَلَى اَلطَّرِيقِ اَلْوَاضِحِ اَلَّتِي لاَ يَهْلِكُ عَلَيْهَا إِلاَّ هَالِكٌ مَنِ اِسْتَقَامَ فَإِلَى اَلْجَنَّةِ وَ مَنْ زَلَّ فَإِلَى اَلنَّارِ (1) - .

286

سكتوا مليا أي ساعة طويلة و مضى ملي من النار كذلك قال الله تعالى‏ وَ اُهْجُرْنِي مَلِيًّا (1) و أقمت عند فلان ملاوة و ملاوة و ملاوة من الدهر بالحركات الثلاث أي حينا و برهة و كذلك أقمت ملوة و ملوة و ملوة بالحركات الثلاث (1) - .

و قوله‏ أ مخرسون أنتم اسم المفعول من أخرسه الله و خرس الرجل و الخرس المصدر (2) - .

و الكتيبة قطعة من الجيش (3) - و التقلقل‏ الحركة في اضطراب و القدح السهم و الجفير الكنانة و قيل وعاء للسهام أوسع من الكنانة (4) - .

و استحار مدارها اضطرب و المدار هاهنا مصدر (5) - و الثقال‏ بكسر الثاء جلد يبسط و توضع الرحى فوقه فتطحن باليد ليسقط عليه الدقيق (6) - .

و حم أي قدر و الركاب‏ الإبل و شخصت عنكم خرجت (7) - ثم وصفهم بعيب الناس و الطعن فيهم و أنهم يحيدون عن الحق و عن الحرب أي ينحرفون و يروغون كما يروغ الثعلب (8) - .

ثم قال إنه لا غناء عندكم و إن اجتمعتم بالأبدان مع تفرقي القلوب و الغناء بالفتح و المد النفع .

و انتصب‏ طعانين على الحال من الضمير المنصوب في‏ أطلبكم .

____________

(1) سورة مريم 46.

287

و هذا كلام قاله 1أمير المؤمنين ع في بعض غارات أهل الشام على أطراف أعماله بالعراق بعد انقضاء أمرو و قد ذكرنا سببه و وقعته فيما تقدم (1) - .

فإن قلت كيف قال الطريق الواضح‏ فذكره ثم قال‏ لا يهلك فيها فأنثه قلت لأن الطريق يذكر و يؤنث تقول الطريق الأعظم و الطريق العظمى فاستعمل اللغتين معا

288

*1119* 119 و من كلام له ع‏

تَاللَّهِ لَقَدْ عُلِّمْتُ تَبْلِيغَ اَلرِّسَالاَتِ وَ إِتْمَامَ اَلْعِدَاتِ وَ تَمَامَ اَلْكَلِمَاتِ وَ عِنْدَنَا أَهْلَ اَلْبَيْتِ أَبْوَابُ اَلْحُكْمِ وَ ضِيَاءُ اَلْأَمْرِ أَلاَ وَ إِنَّ شَرَائِعَ اَلدِّينِ وَاحِدَةٌ وَ سُبُلَهُ قَاصِدَةٌ مَنْ أَخَذَ بِهَا لَحِقَ وَ غَنِمَ وَ مَنْ وَقَفَ عَنْهَا ضَلَّ وَ نَدِمَ اِعْمَلُوا لِيَوْمٍ تُذْخَرُ لَهُ اَلذَّخَائِرُ وَ تُبْلَى فِيهِ اَلسَّرَائِرُ وَ مَنْ لاَ يَنْفَعُهُ حَاضِرُ لُبِّهِ فَعَازِبُهُ عَنْهُ أَعْجَزُ وَ غَائِبُهُ أَعْوَزُ وَ اِتَّقُوا نَاراً حَرُّهَا شَدِيدٌ وَ قَعْرُهَا بَعِيدٌ وَ حِلْيَتُهَا حَدِيدٌ وَ شَرَابُهَا صَدِيدٌ .

أَلاَ وَ إِنَّ اَللِّسَانَ اَلصَّالِحَ يَجْعَلُهُ اَللَّهُ تَعَالَى لِلْمَرْءِ فِي اَلنَّاسِ خَيْرٌ لَهُ مِنَ اَلْمَالِ يُورِثُهُ مَنْ لاَ يَحْمَدُهُ (1) -. رواها قوم لقد علمت بالتخفيف و فتح العين و الرواية الأولى أحسن فتبليغ الرسالات‏ تبليغ الشرائع بعد إلى المكلفين و فيه إشارة إلى قوله تعالى‏ يُبَلِّغُونَ رِسََالاََتِ اَللََّهِ وَ يَخْشَوْنَهُ وَ لاََ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اَللََّهَ (1) و إلى

14- قول 14النبي ص في قصة براءة لا يؤدي عني إلا أنا و رجل مني.

(2) -

____________

(1) سورة الأحزاب 39.

289

و إتمام العدات إنجازها و فيه إشارة إلى قوله تعالى‏ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ رِجََالٌ صَدَقُوا مََا عََاهَدُوا اَللََّهَ عَلَيْهِ (1) و إلى

14,1- قول 14النبي ص في حقه ع قاضي ديني و منجز موعدي (1) -.

و تمام الكلمات‏ تأويل القرآن و فيه إشارة إلى قوله تعالى‏ وَ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَ عَدْلاً (2) و إلى

14,1- قول 14النبي في حقه ع اللهم اهد قلبه و ثبت لسانه.

و خلاصة هذا أنه أقسم بالله أنه قد علم أو علم على اختلاف الروايتين أداء الشرائع إلى المكلفين و الحكم بينهم بما أنزله الله و علم مواعيد 14رسول الله التي وعد بها فمنها ما هو وعد لواحد من الناس بأمر نحو أن يقول له سأعطيك كذا و منها ما هو وعد بأمر يحدث كأخبار الملاحم و الأمور المتجددة و علم تمام كلمات الله تعالى أي تأويلها و بيانها الذي يتم به لأن في كلامه تعالى المجمل الذي لا يستغني عن متمم و مبين يوضحه (2) - .

ثم كشف الغطاء و أوضح المراد فقال‏ و عندنا أهل البيت أبواب الحكم يعني الشرعيات و الفتاوي (3) - و ضياء الأمر يعني العقليات و العقائد و هذا مقام عظيم لا يجسر أحد من المخلوقين أن يدعيه سواه ع و لو أقدم أحد على ادعائه غيره لكذب و كذبه الناس .

و أهل البيت منصوب على الاختصاص (4) - .

و سبله قاصدة أي قريبة سهلة و يقال بيننا و بين الماء ليلة قاصدة و رافهة أي هينة المسير لا تعب و لا بطء (5) - .

و تبلى فيه السرائر أي تختبر (6) - .

ثم قال من لا ينفعه لبه الحاضر و عقله الموجود فهو بعدم الانتفاع بما هو غير حاضر

____________

(1) سورة الأحزاب 23.

(2) سورة الأنعام 115.

290

و لا موجود من العقل عنده أولى و أحرى أي من لم يكن له من نفسه و من ذاته وازع و زاجر عن القبيح فبعيد أن ينزجر و أن يرتدع بعقل غيره و موعظة غيره له كما قيل‏

و زاجر من النفس خير من عتاب العواذل (1) -.

ثم ذكر النار فحذر منها (2) - .

و قوله‏ حليتها حديد يعني القيود و الأغلال (3) - .

ثم ذكر أن الذكر الطيب يخلفه الإنسان بين الناس خير له من مال‏ يجمعه و يورثه من لا يحمده‏ و

1- جاء في الأثر أن 1أمير المؤمنين جاءه مخبر فأخبره أن مالا له قد انفجرت فيه عين خرارة يبشره بذلك فقال بشر الوارث بشر الوارث يكررها ثم وقف ذلك المال على الفقراء و كتب به كتابا في تلك الساعة .

291

*1120* 120 و من كلام له ع‏

وَ قَدْ قَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ نَهَيْتَنَا عَنِ اَلْحُكُومَةِ ثُمَّ أَمَرْتَنَا بِهَا فَمَا نَدْرِي فَلَمْ نَدْرِ أَيُّ اَلْأَمْرَيْنِ أَرْشَدُ فَصَفَّقَ ع إِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى اَلْأُخْرَى ثُمَّ قَالَ هَذَا جَزَاءُ مَنْ تَرَكَ اَلْعُقْدَةَ أَمَا وَ اَللَّهِ لَوْ أَنِّي حِينَ أَمَرْتُكُمْ بِمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ حَمَلْتُكُمْ عَلَى اَلْمَكْرُوهِ اَلَّذِي يَجْعَلُ اَللَّهُ فِيهِ خَيْراً فَإِنِ اِسْتَقَمْتُمْ هَدَيْتُكُمْ وَ إِنِ اِعْوَجَجْتُمْ قَوَّمْتُكُمْ وَ إِنْ أَبَيْتُمْ تَدَارَكْتُكُمْ لَكَانَتِ اَلْوُثْقَى وَ لَكِنْ بِمَنْ وَ إِلَى مَنْ أُرِيدُ أَنْ أُدَاوِيَ بِكُمْ وَ أَنْتُمْ دَائِي كَنَاقِشِ اَلشَّوْكَةِ بِالشَّوْكَةِ وَ هُوَ يَعْلَمُ أَنَّ ضَلْعَهَا مَعَهَا اَللَّهُمَّ قَدْ مَلَّتْ أَطِبَّاءُ هَذَا اَلدَّاءِ اَلدَّوِيِّ وَ كَلَّتِ اَلنَّزَعَةُ اَلنَّزْعَةُ بِأَشْطَانِ اَلرَّكِيِّ أَيْنَ اَلْقَوْمُ اَلَّذِينَ دُعُوا إِلَى اَلْإِسْلاَمِ فَقَبِلُوهُ وَ قَرَءُوا اَلْقُرْآنَ فَأَحْكَمُوهُ وَ هِيجُوا إِلَى اَلْجِهَادِ فَوَلِهُوا وَلَهَ اَللِّقَاحِ إِلَى أَوْلاَدِهَا وَ سَلَبُوا اَلسُّيُوفَ أَغْمَادَهَا وَ أَخَذُوا بِأَطْرَافِ اَلْأَرْضِ زَحْفاً زَحْفاً وَ صَفّاً صَفّاً بَعْضٌ هَلَكَ وَ بَعْضٌ نَجَا لاَ يُبَشَّرُونَ بِالْأَحْيَاءِ وَ لاَ يُعَزَّوْنَ عَنِ اَلْمَوْتَى مُرْهُ اَلْعُيُونِ مِنَ اَلْبُكَاءِ خُمْصُ اَلْبُطُونِ مِنَ اَلصِّيَامِ ذُبُلُ اَلشِّفَاهِ مِنَ اَلدُّعَاءِ صُفْرُ اَلْأَلْوَانِ مِنَ اَلسَّهَرِ عَلَى وُجُوهِهِمْ غَبَرَةُ اَلْخَاشِعِينَ أُولَئِكَ إِخْوَانِي اَلذَّاهِبُونَ فَحَقَّ لَنَا أَنْ نَظْمَأَ إِلَيْهِمْ وَ نَعَضَّ اَلْأَيْدِي عَلَى فِرَاقِهِمْ إِنَّ اَلشَّيْطَانَ يُسَنِّي لَكُمْ طُرُقَهُ وَ يُرِيدُ أَنْ يَحُلَّ دِينَكُمْ عُقْدَةً عُقْدَةً وَ يُعْطِيَكُمْ‏

292

بِالْجَمَاعَةِ اَلْفُرْقَةَ وَ بِالْفُرْقَةِ اَلْفِتْنَةَ فَاصْدِفُوا عَنْ نَزَغَاتِهِ وَ نَفَثَاتِهِ وَ اِقْبَلُوا اَلنَّصِيحَةَ مِمَّنْ أَهْدَاهَا إِلَيْكُمْ وَ اِعْقِلُوهَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ (1) -. هذه شبهة من شبهات الخوارج و معناها أنك نهيت عن الحكومة أولا ثم أمرت بها ثانيا فإن كانت قبيحة كنت بنهيك عنها مصيبا و بأمرك بها مخطئا و إن كانت حسنة كنت بنهيك عنها مخطئا و بأمرك بها مصيبا فلا بد من خطئك على كل حال .

و جوابها أن للإمام أن يعمل بموجب ما يغلب على ظنه من المصلحة فهو ع لما نهاهم عنها كان نهيه عنها مصلحة حينئذ و لما أمرهم بها كانت المصلحة في ظنه قد تغيرت فأمرهم على حسب ما تبدل و تغير في ظنه كالطبيب الذي ينهى المريض اليوم عن أمر و يأمره بمثله غدا (2) - .

و قوله‏ هذا جزاء من ترك العقدة يعني الرأي الوثيق و في هذا الكلام اعتراف بأنه بان له و ظهر فيما بعد أن الرأي الأصلح كان الإصرار و الثبات على الحرب و أن ذلك و إن كان مكروها فإن الله تعالى كان يجعل الخيرة فيه كما قال سبحانه‏ فَعَسى‏ََ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ يَجْعَلَ اَللََّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً (3) - (1) ثم قال كنت أحملكم على الحرب و ترك الالتفات إلى مكيدة معاوية و عمرو من رفع المصاحف فإن استقمتم‏ لي اهتديتم‏ بي و إن لم تستقيموا فذلك ينقسم إلى قسمين أحدهما أن تعوجوا أي يقع منكم بعض الالتواء و يسير من العصيان كفتور الهمة و قلة الجد في الحرب و الثاني التأني و الامتناع المطلق من الحرب فإن كان الأول قومتكم

____________

(1) سورة النساء 19.

293

بالتأديب و الإرشاد و إرهاق الهمم و العزائم بالتبصير و الوعظ و التحريض و التشجيع و إن كان الثاني تداركت الأمر معكم إما بالاستنجاد بغيركم من قبائل العرب و أهل خراسان و الحجاز فكلهم كانوا شيعته و قائلين بإمامته أو بما أراه في ذلك الوقت من المصلحة التي تحكم بها الحال الحاضرة (1) - .

قال لو فعلت ذلك لكانت‏ هي العقدة الوثقى‏ أي الرأي الأصوب الأحزم .

فإن قلت أ فتقولون إنه أخطأ في العدول عن هذا الرأي قلت لا نقول إنه أخطأ بمعنى الإثم لأنه إنما فعل ما تغلب على ظنه أنه المصلحة و ليس الواجب عليه إلا ذلك و لكنه ترك الرأي الأصوب كما قال الحسن هلا مضيت قدما لا أبا لك و لا يلحق الإثم من غلب على ظنه في حكم السياسة أمر فاعتمده ثم بان له أن الأصوب كان خلافه و قد قيل إن قوله‏

لقد عثرت عثرة لا تنجبر # سوف أكيس بعدها و أستمر

و أجمع الرأي الشتيت المنتشر

إشارة إلى هذا المعنى و قيل فيه غير ذلك مما قدمنا ذكره قبل .

و قال شيخنا أبو عثمان الجاحظ رضي الله عنه من عرفه عرف أنه غير ملوم في الانقياد معهم إلى‏فإنه مل من القتل و تجريد السيف ليلا و نهارا حتى ملت الدماء من إراقته لها و ملت الخيل من تقحمه الأهوال بها و ضجر من دوام تلك الخطوب الجليلة و الأرزاء العظيمة و استلاب الأنفس و تطاير الأيدي و الأرجل بين يديه و أكلت الحرب أصحابه و أعداءه و عطلت السواعد و خدرت الأيدي التي سلمت من وقائع السيوف بها و لو أن أهل الشام لم يستعفوا من الحرب و يستقيلوا من‏

294

المقارعة و المصادمة لأدت الحال إلى قعود الفيلقين معا و لزومهم الأرض و إلقائهم السلاح فإن الحال أفضت بعظمها و هو لها إلى ما يعجز اللسان عن وصفه (1) - .

و اعلم أنه ع قال هذا القول و استدرك بكلام آخر حذرا أن يثبت على نفسه الخطأ في الرأي فقال لقد كان هذا رأيا لو كان لي من يطيعني فيه و يعمل بموجبه و أستعين به على فعله و لكن بمن كنت أعمل ذلك و إلى من أخلد في فعله أما الحاضرون لنصري فأنتم و حالكم معلومة في الخلاف و الشقاق و العصيان و أما الغائبون من شيعتي كأهل البلاد النائية فإلى أن يصلوا يكون قد بلغ العدو غرضه مني و لم يبق من أخلد إليه في إصلاح الأمر و إبرام هذا الرأي الذي كان صوابا لو اعتمد إلا أن أستعين ببعضكم على بعض فأكون كناقش الشوكة بالشوكة و هذا مثل مشهور لا تنقش الشوكة بالشوكة فإن ضلعها لها و الضلع‏ الميل يقول لا تستخرج الشوكة الناشبة في رجلك بشوكة مثلها فإن إحداهما في القوة و الضعف كالأخرى فكما أن الأولى انكسرت لما وطئتها فدخلت في لحمك فالثانية إذا حاولت استخراج الأولى بها تنكسر و تلج في لحمك (2) - .

ثم قال اللهم إن هذا الداء الدوي قد ملت أطباؤه و الدوي الشديد كما تقول ليل أليل (3) - .

و كلت النزعة جمع نازع و هو الذي يستقي الماء و الأشطان‏ جمع شطن و هو الحبل و الركي الآبار جمع ركية و تجمع أيضا على ركايا (4) - .

ثم قال‏ أين القوم هذا كلام متأسف على أولئك متحسر على فقدهم (5) - .

و الوله‏ شدة الحب حتى يذهب العقل وله الرجل .

و اللقاح بكسر اللام الإبل و الواحدة لقوح و هي الحلوب مثل قلاص و قلوص (6) - .

295

قوله‏ و أخذوا بأطراف الأرض أي أخذوا على الناس بأطراف الأرض أي حصروهم يقال لمن استولى على غيره و ضيق عليه قد أخذ عليه بأطراف الأرض قال الفرزدق

أخذنا بأطراف السماء عليكم # لنا قمراها و النجوم الطوالع‏ (1) .

و زحفا زحفا منصوب على المصدر المحذوف الفعل أي يزحفون زحفا و الكلمة الثانية تأكيد للأولى و كذلك قوله‏ و صفا صفا (1) - .

ثم ذكر أن بعض‏ هؤلاء المتأسف عليهم هلك‏ و بعض نجا و هذا ينجي قوله تعالى‏ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى‏ََ نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ (2) - (2) .

ثم ذكر أن هؤلاء قوم وقذتهم العبادة و انقطعوا عن الناس و تجردوا عن العلائق الدنيوية فإذا ولد لأحدهم مولود لم يبشر به و إذا مات له ميت لم يعز عنه (3) - .

و مرهت عين‏ فلان بكسر الراء إذا فسدت لترك الكحل لكن 1أمير المؤمنين ع جعل مره عيون هؤلاء من البكاء من خوف خالقهم سبحانه (4) - و ذكر أن بطونهم من خماص الصوم و شفاههم ذابلة من الدعاء و وجوههم مصفرة من السهر لأنهم يقومون الليل و على وجوههم غبرة الخشوع (5) - .

ثم قال أولئك إخواني الذاهبون فإن قلت من هؤلاء الذين يشير ع إليهم قلت هم قوم كانوا في نأنأة الإسلام و في زمان ضعفه و خموله أرباب زهد و عبادة و جهاد شديد في سبيل الله كمصعب بن عمير من بني عبد الدار و كسعد بن معاذ من الأوس و كجعفر بن أبي طالب و عبد الله بن رواحة و غيرهم ممن استشهد من الصالحين

____________

(1) ديوانه 515.

(2) سورة الأحزاب 23.

296

أرباب الدين و العبادة و الشجاعة في‏و في غيره من الأيام في حياة 14رسول الله ص و كعمار و أبي ذر و المقداد و سلمان و خباب و جماعة من أصحاب الصفة و فقراء المسلمين أرباب العبادة الذين قد جمعوا بين الزهد و الشجاعة و

14,1- قد جاء في الأخبار الصحيحة أن 14رسول الله ص قال إن الجنة لتشتاق إلى أربعة 1علي و عمار و أبي ذر و المقداد .

و

14- جاء في الأخبار الصحيحة أيضا أن جماعة من أصحاب الصفة مر بهم أبو سفيان بن حرب بعد إسلامه فعضوا أيديهم عليه و قالوا وا أسفاه كيف لم تأخذ السيوف مأخذها من عنق عدو الله و كان معه أبو بكر فقال لهم أ تقولون هذا لسيد البطحاء فرفع قوله إلى 14رسول الله ص فأنكره و قال لأبي بكر انظر لا تكون أغضبتهم فتكون قد أغضبت ربك فجاء أبو بكر إليهم و ترضاهم و سألهم أن يستغفروا له فقالوا غفر الله لك (1) - .

قوله‏ فحق لنا يقال حق له أن يفعل كذا و هو حقيق به و هو محقوق به أي خليق له و الجمع أحقاء و محقوقون (2) - .

و يسني يسهل (3) - و صدف عن الأمر يصدف أي انصرف عنه و نزغات الشيطان ما ينزغ به بالفتح أي يفسد و يغرى و نفثاته ما ينفث به و ينفث بالضم و الكسر أي يخيل و يسحر (4) - .

و اعقلوها على أنفسكم أي اربطوها و الزموها

297

*1121* 121 و من كلام له ع قاله للخوارج

وَ قَدْ خَرَجَ إِلَى مُعَسْكَرِهِمْ وَ هُمْ مُقِيمُونَ عَلَى إِنْكَارِ اَلْحُكُومَةِ فَقَالَ ع:

أَ كُلُّكُمْ شَهِدَ مَعَنَا فَقَالُوا مِنَّا مَنْ شَهِدَ وَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَشْهَدْ قَالَ فَامْتَازُوا فِرْقَتَيْنِ فَلْيَكُنْ مَنْ شَهِدَفِرْقَةً وَ مَنْ لَمْ يَشْهَدْهَا فِرْقَةً حَتَّى أُكَلِّمَ كُلاًّ مِنْكُمْ بِكَلاَمِهِ وَ نَادَى اَلنَّاسَ فَقَالَ:

أَمْسِكُوا عَنِ اَلْكَلاَمِ وَ أَنْصِتُوا لِقَوْلِي وَ أَقْبِلُوا بِأَفْئِدَتِكُمْ إِلَيَّ فَمَنْ نَشَدْنَاهُ شَهَادَةً فَلْيَقُلْ بِعِلْمِهِ فِيهَا ثُمَّ كَلَّمَهُمْ ع بِكَلاَمٍ طَوِيلٍ مِنْ جُمْلَتِهِ أَنْ قَالَ ع أَ لَمْ تَقُولُوا عِنْدَ رَفْعِهِمُ اَلْمَصَاحِفَ حِيلَةً وَ غِيلَةً وَ مَكْراً وَ خَدِيعَةً إِخْوَانُنَا وَ أَهْلُ دَعْوَتِنَا اِسْتَقَالُونَا وَ اِسْتَرَاحُوا إِلَى كِتَابِ اَللَّهِ سُبْحَانَهُ فَالرَّأْيُ اَلْقَبُولُ مِنْهُمْ وَ اَلتَّنْفِيسُ عَنْهُمْ فَقُلْتُ لَكُمْ هَذَا أَمْرٌ ظَاهِرُهُ إِيمَانٌ وَ بَاطِنُهُ عُدْوَانٌ وَ أَوَّلُهُ رَحْمَةٌ وَ آخِرُهُ نَدَامَةٌ فَأَقِيمُوا عَلَى شَأْنِكُمْ وَ اِلْزَمُوا طَرِيقَتَكُمْ وَ عَضُّوا عَلَى اَلْجِهَادِ بَنَوَاجِذِكُمْ وَ لاَ تَلْتَفِتُوا إِلَى نَاعِقٍ نَعَقَ إِنْ أُجِيبَ أَضَلَّ وَ إِنْ تُرِكَ ذَلَ‏ (1) وَ قَدْ كَانَتْ هَذِهِ اَلْفَعْلَةُ وَ قَدْ رَأَيْتُكُمْ أَعْطَيْتُمُوهَا وَ اَللَّهِ لَئِنْ أَبَيْتُهَا مَا وَجَبَتْ عَلَيَّ فَرِيضَتُهَا وَ لاَ حَمَّلَنِي اَللَّهُ ذَنْبَهَا وَ وَ اَللَّهِ إِنْ جِئْتُهَا إِنِّي لَلْمُحِقُّ اَلَّذِي يُتَّبَعُ وَ إِنَّ اَلْكِتَابَ لَمَعِي مَا فَارَقْتُهُ مُذْ صَحِبْتُهُ فَلَقَدْ كُنَّا مَعَ 14رَسُولِ اَللَّهِ ص وَ إِنَّ اَلْقَتْلَ لَيَدُورُ عَلَى اَلآْبَاءِ وَ اَلْأَبْنَاءِ

____________

(1) بعدها في المخطوطة المصرية: «و قد كانت هذه الفعلة، و قد رأيتكم أعطيتموها. و اللّه لئن أبيتها ما وجبت عليّ فريضتها، و لا حملى اللّه ذنبها، و و اللّه إن جئنها إنّي للمحق الذي يتبع، و إن الكتاب لمعى، ما فارقته مذ صحبته» .

298

وَ اَلْإِخْوَانِ وَ اَلْقَرَابَاتِ فَمَا نَزْدَادُ عَلَى كُلِّ مُصِيبَةٍ وَ شِدَّةٍ إِلاَّ إِيمَاناً وَ مُضِيّاً عَلَى اَلْحَقِّ وَ تَسْلِيماً لِلْأَمْرِ وَ صَبْراً عَلَى مَضَضِ اَلْجِرَاحِ وَ لَكِنَّا إِنَّمَا أَصْبَحْنَا نُقَاتِلُ إِخْوَانَنَا فِي اَلْإِسْلاَمِ عَلَى مَا دَخَلَ فِيهِ مِنَ اَلزَّيْغِ وَ اَلاِعْوِجَاجِ وَ اَلشُّبْهَةِ وَ اَلتَّأْوِيلِ فَإِذَا طَمِعْنَا فِي خَصْلَةٍ يَلُمُّ اَللَّهُ بِهَا شَعَثَنَا وَ نَتَدَانَى بِهَا إِلَى اَلْبَقِيَّةِ فِيمَا بَيْنَنَا رَغِبْنَا فِيهَا وَ أَمْسَكْنَا عَمَّا سِوَاهَا. هذا الكلام يتلو بعضه بعضا و لكنه ثلاثة فصول لا يلتصق أحدها بالآخر و هذه عادة الرضي تراه ينتخب من جملة الخطبة الطويلة كلمات فصيحة يوردها على سبيل التتالي و ليست متتالية حين تكلم بها صاحبها و سنقطع كل فصل منها عن صاحبه إذا مررنا على متنها (1) - .

قوله‏ إلى معسكرهم الكاف مفتوحة و لا يجوز كسرها و هو موضع العسكر و محطه (2) - .

و شهد حضرها قال تعالى‏ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ اَلشَّهْرَ (3) - (1) .

قوله‏ فامتازوا أي انفردوا قال تعالى‏ وَ اِمْتََازُوا اَلْيَوْمَ أَيُّهَا اَلْمُجْرِمُونَ (4) - (2) .

قوله‏ حتى أكلم كلا منكم بكلامه أي بالكلام الذي يليق به (5) - و الغيلة الخداع (6) - و الناعق‏ المصوت .

قوله‏ إن أجيب ضل و إن ترك ذل... هو آخر الفصل الأول و قوله‏ ضل أي ازداد ضلالا لأنه قد ضل قبل أن يجاب .

(7) -

____________

(1) سورة البقرة 185.

(2) سورة يس 59.

299

فأما قوله‏ فلقد كنا مع 14رسول الله ص فهو من كلام آخر و هو قائم بنفسه إلى قوله‏ و صبرا على مضض الجراح فهذا آخر الفصل الثاني (1) - .

فأما قوله‏ لكنا إنما أصبحنا فهو كلام ثالث غير منوط بالأولين و لا ملتصق بهما و هو في الظاهر مخالف و مناقض للفصل الأول لأن الفصل الأول فيه إنكار الإجابة إلى‏و هذا يتضمن تصويبها و ظاهر الحال أنه بعد كلام طويل و قد قال الرضي رحمه الله في أول الفصل أنه من جملة كلام طويل و أنه لما ذكرقال ما كان يقوله دائما و هو أني إنما حكمت على أن نعمل في هذه الواقعة بحكم الكتاب و إن كنت أحارب قوما ما أدخلوا في الإسلام زيغا و أحدثوا به اعوجاجا فلما دعوني إلى تحكيم الكتاب أمسكت عن قتلهم و أبقيت عليهم لأني طمعت في أمر يلم الله به شعث المسلمين و يتقاربون بطريقه إلى البقية و هي الإبقاء و الكف .

فإن قلت إنه قد قال نقاتل إخواننا من المسلمين و أنتم لا تطلقون على أهل الشام المحاربين له لفظة المسلمين قلت إنا و إن كنا نذهب إلى أن صاحب الكبيرة لا يسمى مؤمنا و لا مسلما فإنا نجيز أن يطلق عليه هذا اللفظ إذا قصد به تمييزه عن أهل الذمة و عابدي الأصنام فيطلق مع قرينة حال أو لفظ يخرجه عن أن يكون مقصودا به التعظيم و الثناء و المدح فإن لفظة مسلم و مؤمن تستعمل في أكثر الأحوال كذلك و 1أمير المؤمنين ع لم يقصد بذلك إلا تمييزهم من كفار العرب و غيرهم من أهل الشرك و لم يقصد مدحهم بذلك فلم ينكر مع هذا القصد إطلاق لفظ المسلمين عليهم‏

300

*1122* 122 و من كلام له ع قاله لأصحابه في ساعة الحرب

وَ أَيُّ اِمْرِئٍ مِنْكُمْ أَحَسَّ مِنْ نَفْسِهِ رِبَاطَةَ جَأْشٍ عِنْدَ اَللِّقَاءِ وَ رَأَى مِنْ أَحَدٍ مِنْ إِخْوَانِهِ فَشَلاً فَلْيَذُبَّ عَنْ أَخِيهِ بِفَضْلِ نَجْدَتِهِ اَلَّتِي فُضِّلَ بِهَا عَلَيْهِ كَمَا يَذُبُّ عَنْ نَفْسِهِ فَلَوْ شَاءَ اَللَّهُ لَجَعَلَهُ مِثْلَهُ إِنَّ اَلْمَوْتَ طَالِبٌ حَثِيثٌ لاَ يَفُوتُهُ اَلْمُقِيمُ وَ لاَ يُعْجِزُهُ اَلْهَارِبُ إِنَّ أَكْرَمَ اَلْمَوْتِ اَلْقَتْلُ وَ اَلَّذِي نَفْسُ 1اِبْنِ أَبِي طَالِبٍ بِيَدِهِ لَأَلْفُ ضَرْبَةٍ بِالسَّيْفِ أَهْوَنُ عَلَيَّ مِنْ مِيتَةٍ عَلَى اَلْفِرَاشِ فِي غَيْرِ طَاعَةِ اَللَّهِ (1) -. أحس علم و وجد و رباطة جأش أي شدة قلب و الماضي ربط كأنه يربط نفسه عن الفرار و المروي رباطة بالكسر و لا أعرفه نقلا و إنما القياس لا يأباه مثل عمر عمارة و خلب خلابة (2) - .

و الفشل‏ الجبن (3) - و ذب الرجل عن صاحبه أي أكثر الذب و هو الدفع و المنع .

و النجدة الشجاعة (4) - و الحثيث‏ السريع و في بعض الروايات فليذب عن صاحبه بالإدغام و في بعضها فليذبب بفك الإدغام (5) - و الميتة بالكسر هيئة الميت كالجلسة و الركبة هيئة الجالس و الراكب يقال مات فلان ميتة حسنة و المروي في نهج‏

301

البلاغة بالكسر في أكثر الروايات و قد روي من موتة و هو الأليق يعني المرة الواحدة ليقع في مقابلة الألف .

و اعلم أنه ع أقسم أن القتل أهون من الموت حتف الأنف و ذلك على مقتضى ما منحه الله تعالى من الشجاعة الخارقة لعادة البشر و هو ع يحاول أن يحض أصحابه و يحرضهم ليجعل طباعهم مناسبة لطباعه و إقدامهم على الحرب مماثلا لإقدامه على عادة الأمراء في تحريض جندهم و عسكرهم و هيهات إنما هو كما قال أبو الطيب

يكلف سيف الدولة الجيش همه # و قد عجزت عنه الجيوش الخضارم‏ (1)

و يطلب عند الناس ما عند نفسه # و ذلك ما لا تدعيه الضراغم.

ليست النفوس كلها من جوهر واحد و لا الطباع و الأمزجة كلها من نوع واحد و هذه خاصية توجد لمن يصطفيه الله تعالى من عباده في الأوقات المتطاولة و الدهور المتباعدة و ما اتصل بنا نحن من بعد فإن التواريخ من قبل مجهولة عندنا أن أحدا أعطي من الشجاعة و الإقدام ما أعطيه هذا الرجل من جميع فرق العالم على اختلافها من الترك و الفرس و العرب و الروم و غيرهم و المعلوم من حاله أنه كان يؤثر الحرب على السلم و الموت على الحياة و الموت الذي كان يطلبه و يؤثره إنما هو القتل بالسيف لا الموت على الفراش كما قال الشاعر

لو لم يمت بين أطراف الرماح إذا # لمات إذ لم يمت من شدة الحزن.

____________

(1) ديوانه 3: 379، و الخضارم: جمع خضرم؛ و هو العظيم الكبير من كل شي‏ء.

302

و كما قال الآخر

يستعذبون مناياهم كأنهم # لا ييأسون من الدنيا إذا قتلوا.

فإن قلت فما قولك فيما أقسم عليه هل ألف ضربة بالسيف أهون ألما على المقتول من موتة واحدة على الفراش بالحقيقة أم هذا قول قاله على سبيل المبالغة و التجوز ترغيبا لأصحابه في الجهاد قلت الحالف يحلف على أحد أمرين أحدهما أن يحلف على ظنه و اعتقاده نحو أن يحلف أن زيدا في الدار أي أنا حالف و مقسم على أني أظن أن زيدا في الدار أو أني أعتقد كون زيد في الدار و الثاني أن يحلف لا على ظنه بل يحلف على نفس الأمر في الخارج فإن حملنا قسم 1أمير المؤمنين ع على المحمل الأول فقد اندفع السؤال لأنه ع قد كان يعتقد ذلك فحلف أنه يعتقد و أنه يظن ذلك و هذا لا كلام فيه و إن حملناه على الثاني فالأمر في الحقيقة يختلف لأن المقتول بسيف صارم معجل للزهوق لا يجد من الألم وقت الضربة ما يجده الميت دون النزع من المد و الكف نعم قد يجد المقتول قبل الضربة ألم التوقع لها و ليس كلامنا في ذلك بل في ألم الضربة نفسها و ألف سيف صارم مثل سيف واحد إذا فرضنا سرعة الزهوق و أما في غير هذه الصورة نحو أن يكون السيف كالا و تتكرر الضربات به و الحياة باقية بعد و قايسنا بينه و بين ميت يموت حتف أنفه موتا سريعا إما بوقوف القوة الغاذية كما يموت الشيوخ أو بإسهال ذريع تسقط معه القوة و يبقى العقل و الذهن إلى وقت الموت فإن الموت هاهنا أهون و أقل ألما فالواجب أن يحمل كلام 1أمير المؤمنين ع إما على جهة التحريض فيكون قد بالغ كعادة العرب و الخطباء في المبالغات المجازية و إما أن يكون أقسم على أنه يعتقد ذلك و هو صادق فيما أقسم لأنه هكذا كان يعتقد بناء على‏