شرح نهج البلاغة - ج13

- ابن ابي الحديد المزيد...
320 /
153

تَرَى اَلْأَعْيُنُ مِنْ حَالاَتِهِمْ مَعَ قَنَاعَةٍ تَمْلَأُ اَلْقُلُوبَ وَ اَلْعُيُونَ غِنًى وَ خَصَاصَةٍ تَمْلَأُ اَلْأَبْصَارَ وَ اَلْأَسْمَاعَ أَذًى (1) -. مدارع الصوف جمع مدرعة بكسر الميم و هي كالكساء و تدرع الرجل و تمدرع إذا لبسها و العصي‏ جمع عصا (2) - .

و تقول هذا سوار المرأة و الجمع أسورة و جمع الجمع أساورة و قرئ‏ فَلَوْ لاََ أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ (1) و قد يكون جمع أساور قال سبحانه‏ يُحَلَّوْنَ فِيهََا مِنْ أَسََاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ (2) قال أبو عمرو بن العلاء أساور هاهنا جمع إسوار و هو السوار .

و الذهبان بكسر الذال جمع ذهب كخرب لذكر الحبارى و خربان و العقيان الذهب أيضا (3) - ـقوله ع‏ و اضمحلت الأنباء أي تلاشت و فنيت و الأنباء جمع نبأ و هو الخبر أي لسقط الوعد و الوعيد و بطلا .

قوله ع‏ و لا لزمت الأسماء معانيها أي من يسمى مؤمنا أو مسلما حينئذ فإن تسميته مجاز لا حقيقة لأنه ليس بمؤمن إيمانا من فعله و كسبه بل يكون ملجأ إلى الإيمان بما يشاهده من الآيات العظيمة .

و المبتلين بفتح اللام جمع مبتلى كالمعطين و المرتضين جمع معطى و مرتضى (4) - .

و الخصاصة الفقر .

____________

(1) سورة الزخرف 53.

(2) سورة الحجّ 23.

154

و هذا الكلام هو ما يقوله أصحابنا بعينه في تعليل أفعال الباري سبحانه بالحكمة و المصلحة و أن الغرض بالتكليف هو التعريض للثواب و أنه يجب أن يكون خالصا من الإلجاء و من أن يفعل الواجب بوجه غير وجه وجوبه يرتدع عن القبيح لوجه غير وجه قبحه .

16- و روى أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في التاريخ أن موسى قدم هو و أخوه هارون مصر على فرعون لما بعثهما الله تعالى إليه حتى وقفا على بابه يلتمسان الإذن عليه فمكثا سنين يغدوان على بابه و يروحان لا يعلم بهما و لا يجترئ أحد على أن يخبره بشأنهما و قد كانا قالا لمن بالباب إنا رسولا رب العالمين إلى فرعون حتى دخل عليه بطال له يلاعبه و يضحكه فقال له أيها الملك إن على الباب رجلا يقول قولا عجيبا عظيما و يزعم أن له إلها غيرك قال ببابي قال نعم قال أدخلوه فدخل و بيده عصاه و معه هارون أخوه فقال أنا رَسُولُ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ إليك.

و ذكر تمام الخبر .

فإن قلت أي خاصية في الصوف و لبسه و لم اختاره الصالحون على غيره قلت ورد

16- في الخبر أن أول لباس لبسه آدم لما هبط إلى الأرض صوف كبش قيضه الله له و أمره أن يذبحه فيأكل لحمه و يلبس صوفه لأنه أهبط عريان من الجنة فذبحه و غزلت حواء صوفه فلبس آدم منه ثوبا و ألبس حواء ثوبا آخر فلذلك صار شعار الأولياء و انتسبت إليه الصوفية .

155

وَ لَوْ كَانَتِ اَلْأَنْبِيَاءُ أَهْلَ قُوَّةٍ لاَ تُرَامُ وَ عِزَّةٍ لاَ تُضَامُ وَ مُلْكٍ تُمَدُّ نَحْوَهُ أَعْنَاقُ اَلرِّجَالِ وَ تُشَدُّ إِلَيْهِ عُقَدُ اَلرِّحَالِ لَكَانَ ذَلِكَ أَهْوَنَ عَلَى اَلْخَلْقِ فِي اَلاِعْتِبَارِ وَ أَبْعَدَ لَهُمْ مِنَ فِي اَلاِسْتِكْبَارِ وَ لآَمَنُوا عَنْ رَهْبَةٍ قَاهِرَةٍ لَهُمْ أَوْ رَغْبَةٍ مَائِلَةٍ بِهِمْ فَكَانَتِ اَلنِّيَّاتُ مُشْتَرَكَةً وَ اَلْحَسَنَاتُ مُقْتَسَمَةً وَ لَكِنَّ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ اَلاِتِّبَاعُ لِرُسُلِهِ وَ اَلتَّصْدِيقُ بِكُتُبِهِ وَ اَلْخُشُوعُ لِوَجْهِهِ وَ اَلاِسْتِكَانَةُ لِأَمْرِهِ وَ اَلاِسْتِسْلاَمُ لِطَاعَتِهِ أُمُوراً لَهُ خَاصَّةً لاَ تَشُوبُهَا يَشُوبُهَا مِنْ غَيْرِهَا شَائِبَةٌ (1) -. تمد نحوه أعناق الرجال أي لعظمته أي يؤمله المؤملون و يرجوه الراجون و كل من أمل شيئا فقد طمح ببصره إليه معنى لا صورة فكنى عن ذلك بمد العنق .

و تشد إليه عقد الرحال يسافر أرباب الرغبات إليه يقول لو كان الأنبياء ملوكا ذوي بأس و قهر لم يمكن إيمان الخلق و انقيادهم إليهم لأن الإيمان في نفسه واجب عقلا بل كان لرهبة لهم أو رغبة فيهم فكانت النيات مشتركة هذا فرض سؤال و جواب عنه كأنه قال لنفسه لم لا يجوز أن يكون إيمانهم على هذا التقدير لوجوبه و لخوف ذلك النبي أو لرجاء نفع ذلك 14النبي ص فقال لأن النيات تكون حينئذ مشتركة أي يكون المكلف قد فعل الإيمان لكلا الأمرين و كذلك تفسير قوله‏ و الحسنات مقتسمة (2) - قال و لا يجوز أن تكون طاعة الله تعالى تعلو إلا لكونها طاعة له لا غير و لا يجوز أن يشوبها و يخالطها من غيرها شائبة .

156

فإن قلت ما معنى قوله‏ لكان ذلك أهون على الخلق في الاعتبار و أبعد لهم من الاستكبار قلت أي لو كان الأنبياء كالملوك في السطوة و البطش لكان المكلف لا يشق عليه الاعتبار و الانزجار عن القبائح مشقته عليه إذا تركه لقبحه لا لخوف السيف و كان بعد المكلفين عن الاستكبار و البغي لخوف السيف و التأديب أعظم من بعدهم عنهما إذا تركوهما لوجه قبحهما فكان يكون ثواب المكلف إما ساقطا و إما ناقصا وَ كُلَّمَا كَانَتِ اَلْبَلْوَى وَ اَلاِخْتِبَارُ أَعْظَمَ كَانَتِ اَلْمَثُوبَةُ وَ اَلْجَزَاءُ أَجْزَلَ أَ لاَ تَرَوْنَ أَنَّ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ اِخْتَبَرَ اَلْأَوَّلِينَ مِنْ لَدُنْ آدَمَ ص إِلَى اَلآْخِرِينَ مِنْ هَذَا اَلْعَالَمِ بِأَحْجَارٍ لاَ تَضُرُّ وَ لاَ تَنْفَعُ وَ لاَ تُبْصِرُ وَ لاَ تَسْمَعُ فَجَعَلَهَا بَيْتَهُ اَلْحَرَامَ اَلَّذِي جَعَلَهُ اَللَّهُ لِلنَّاسِ قِيَاماً ثُمَّ وَضَعَهُ بِأَوْعَرِ بِقَاعِ اَلْأَرْضِ حَجَراً وَ أَقَلِّ نَتَائِقِ اَلدُّنْيَا مَدَراً وَ أَضْيَقِ بُطُونِ اَلْأَوْدِيَةِ قُطْراً بَيْنَ جِبَالٍ خَشِنَةٍ وَ رِمَالٍ دَمِثَةٍ وَ عُيُونٍ وَشِلَةٍ وَ قُرًى مُنْقَطِعَةٍ لاَ يَزْكُو بِهَا خُفٌّ وَ لاَ حَافِرٌ وَ لاَ ظِلْفٌ ثُمَّ أَمَرَ آدَمَ ع وَ وَلَدَهُ أَنْ يَثْنُوا أَعْطَافَهُمْ نَحْوَهُ فَصَارَ مَثَابَةً لِمُنْتَجَعِ أَسْفَارِهِمْ وَ غَايَةً لِمُلْقَى رِحَالِهِمْ تَهْوِي إِلَيْهِ ثِمَارُ اَلْأَفْئِدَةِ مِنْ مَفَاوِزِ قِفَارٍ سَحِيقَةٍ وَ مَهَاوِي فِجَاجٍ عَمِيقَةٍ وَ جَزَائِرِ بِحَارٍ مُنْقَطِعَةٍ حَتَّى يَهُزُّوا مَنَاكِبَهُمْ ذُلُلاً يُهَلِّلُونَ لِلَّهِ حَوْلَهُ وَ يَرْمُلُونَ عَلَى أَقْدَامِهِمْ شُعْثاً غُبْراً لَهُ قَدْ نَبَذُوا اَلسَّرَابِيلَ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَ شَوَّهُوا بِإِعْفَاءِ اَلشُّعُورِ مَحَاسِنَ خَلْقِهِمُ اِبْتِلاَءً عَظِيماً وَ اِمْتِحَاناً شَدِيداً وَ اِخْتِبَاراً مُبِيناً وَ تَمْحِيصاً بَلِيغاً جَعَلَهُ اَللَّهُ سَبَباً لِرَحْمَتِهِ وَ وُصْلَةً إِلَى جَنَّتِهِ‏

157

وَ لَوْ أَرَادَ سُبْحَانَهُ أَنْ يَضَعَ بَيْتَهُ اَلْحَرَامَ وَ مَشَاعِرَهُ اَلْعِظَامَ بَيْنَ جَنَّاتٍ وَ أَنْهَارٍ وَ سَهْلٍ وَ قَرَارٍ جَمَّ اَلْأَشْجَارِ دَانِيَ اَلثِّمَارِ مُلْتَفَّ اَلْبُنَى مُتَّصِلَ اَلْقُرَى بَيْنَ بُرَّةٍ سَمْرَاءَ وَ رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ وَ أَرْيَافٍ مُحْدِقَةٍ وَ عِرَاصٍ مُغْدِقَةٍ وَ زُرُوعٍ رِيَاضٍ نَاضِرَةٍ وَ طُرُقٍ عَامِرَةٍ لَكَانَ قَدْ صَغُرَ قَدْرُ اَلْجَزَاءِ عَلَى حَسَبِ ضَعْفِ اَلْبَلاَءِ وَ لَوْ كَانَ اَلْأَسَاسُ اَلْإِسَاسُ اَلْمَحْمُولُ عَلَيْهَا وَ اَلْأَحْجَارُ اَلْمَرْفُوعُ بِهَا مِنْ زُمُرُّدَةٍ خَضْرَاءَ وَ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ وَ نُورٍ وَ ضِيَاءٍ لَخَفَّفَ ذَلِكَ مُصَارَعَةَ اَلشَّكِّ فِي اَلصُّدُورِ وَ لَوَضَعَ مُجَاهَدَةَ إِبْلِيسَ عَنِ اَلْقُلُوبِ وَ لَنَفَى مُعْتَلَجَ اَلرَّيْبِ مِنَ اَلنَّاسِ وَ لَكِنَّ اَللَّهَ يَخْتَبِرُ عِبَادَهُ بِأَنْوَاعِ اَلشَّدَائِدِ وَ يَتَعَبَّدُهُمْ بِأَنْوَاعِ اَلْمَجَاهِدِ وَ يَبْتَلِيهِمْ بِضُرُوبِ اَلْمَكَارِهِ إِخْرَاجاً لِلتَّكَبُّرِ مِنْ قُلُوبِهِمْ وَ إِسْكَاناً لِلتَّذَلُّلِ فِي نُفُوسِهِمْ وَ لِيَجْعَلَ ذَلِكَ أَبْوَاباً فُتُحاً إِلَى فَضْلِهِ وَ أَسْبَاباً ذُلُلاً لِعَفْوِهِ (1) -. كانت المثوبة أي الثواب .

و أجزل أكثر و الجزيل العظيم و عطاء جزل و جزيل و الجمع جزال و قد أجزلت له من العطاء أي أكثرت (2) - .

و جعله للناس قياما أي عمادا و فلان قيام أهله أي يقيم شئونهم و منه قوله تعالى‏ وَ لاََ تُؤْتُوا اَلسُّفَهََاءَ أَمْوََالَكُمُ اَلَّتِي جَعَلَ اَللََّهُ لَكُمْ قِيََاماً (3) - (1) .

و أوعر بقاع الأرض حجرا أي أصعبها و مكان وعر بالتسكين صعب المسلك أو المقام .

____________

(1) سورة النساء 5.

158

و أقل نتائق الدنيا مدرا أصل هذه اللفظة من قولهم امرأة منتاق أي كثيرة الحبل و الولادة و يقال ضيعة منتاق أي كثيرة الريع فجعل ع الضياع ذوات المدر التي تثار للحرث نتائق و قال إن مكة أقلها صلاحا للزرع لأن أرضها حجرية .

و القطر الجانب‏ و رمال دمثة سهلة و كلما كان الرمل أسهل كان أبعد عن أن ينبت .

و عيون وشلة أي قليلة الماء و الوشل بفتح الشين الماء القليل و يقال وشل الماء وشلانا أي قطر .

قوله‏ لا يزكو بها خف أي لا تزيد الإبل فيها أي لا تسمن و الخف هاهنا هو الإبل و الحافر الخيل و الحمير و الظلف‏ الشاة أي ليس حولها مرعى يرعاه الغنم فتسمن (1) - .

و أن يثنوا أعطافهم نحوه أي يقصدوه و يحجوه و عطفا الرجل جانباه .

و صار مثابة أي يثاب إليه و يرجع نحوه مرة بعد أخرى و هذه من ألفاظ الكتاب العزيز (1) .

قوله ع‏ لمنتجع أسفارهم أي لنجعتها و النجعة طلب الكلأ في الأصل ثم سمي كل من قصد أمرا يروم النفع منه منتجعا .

قوله‏ و غاية لملقى رحالهم أي صار البيت هو الغاية التي هي الغرض و المقصد و عنده تلقى الرحال أي تحط رحال الإبل عن ظهورها و يبطل السفر لأنهم قد انتهوا إلى الغاية المقصودة .

____________

(1) و هو قوله تعالى في سورة البقرة: وَ إِذْ جَعَلْنَا اَلْبَيْتَ مَثََابَةً لِلنََّاسِ وَ أَمْناً. .

159

قوله‏ تهوي إليه ثمار الأفئدة ثمرة الفؤاد هو سويداء القلب و منه قولهم للولد هو ثمرة الفؤاد و معنى تهوي إليه‏ أي تتشوقه و تحن نحوه .

و المفاوز هي جمع مفازة الفلاة سميت مفازة إما لأنها مهلكة من قولهم فوز الرجل أي هلك و أما تفاؤلا بالسلامة و الفوز و الرواية المشهورة من مفاوز قفار بالإضافة و قد روى قوم من مفاوز بفتح الزاء لأنه لا ينصرف و لم يضيفوا جعلوا قفار صفة .

و السحيقة البعيدة .

و المهاوي‏ المساقط .

و الفجاج‏ جمع فج و هو الطريق بين الجبلين .

قوله ع‏ حتى يهزوا مناكبهم أي يحركهم الشوق نحوه إلى أن يسافروا إليه فكنى عن السفر بهز المناكب .

و ذللا حال إما منهم و إما من المناكب‏ و واحد المناكب منكب بكسر الكاف و هو مجمع عظم العضد و الكتف .

قوله و يهللون يقولون لا إله إلا الله و روي يهلون لله أي يرفعون أصواتهم بالتلبية و نحوها .

و يرملون الرمل السعي فوق المشي قليلا .

شعثا غبرا لا يتعهدون شعورهم و لا ثيابهم و لا أبدانهم (1) - قد نبذوا السرابيل و رموا ثيابهم و قمصانهم المخيطة .

و شوهوا بإعفاء الشعور أي غيروا و قبحوا محاسن صورهم بأن أعفوا شعورهم فلم يحلقوا ما فضل منها و سقط على الوجه و نبت في غيره من الأعضاء التي جرت العادة بإزالتها عنها .

160

و التمحيص‏ التطهير من محصت الذهب بالنار إذا صفيته مما يشوبه و التمحيص أيضا الامتحان و الاختبار (1) - و المشاعر معالم النسك .

قوله‏ و سهل و قرار أي في مكان سهل يستقر فيه الناس و لا ينالهم من المقام به مشقة .

و جم الأشجار كثيرها و داني الثمار قريبها .

و ملتف البنى مشتبك العمارة (2) - .

و البرة الواحدة من البر و هو الحنطة .

و الأرياف‏ جمع ريف و هو الخصب و المرعى في الأصل و هو هاهنا السواد و المزارع و محدقة محيطة و مغدقة غزيرة و الغدق الماء الكثير .

و ناضرة ذات نضارة و رونق و حسن (3) - .

قوله‏ و لو كانت الإساس (1) يقول لو كانت إساس البيت التي حمل البيت عليها و أحجاره التي رفع بها من زمردة و ياقوتة فالمحمول و المرفوع كلاهما مرفوعان لأنهما صفة اسم كان و الخبر من زمردة و روي بين زمردة و يجوز أن تحمل لفظتا المفعول و هما المحمول و المرفوع ضمير البيت فيكون قائما مقام اسم الفاعل و يكون موضع الجار و المجرور نصبا و يجوز ألا تحملهما ذلك الضمير و يجعل الجار و المجرور هو الساد مسد الفاعل فيكون موضعه رفعا .

و روي مضارعة الشك بالضاد المعجمة و معناه مقارنة الشك و دنوه من النفس و أصله من مضارعة القدر إذا حان إدراكها و من مضارعة الشمس إذا دنت للمغيب .

و قال الراوندي في تفسير هذه الكلمة من مضارعة الشك أي مماثلته و مشابهته و هذا بعيد لأنه لا معنى للمماثلة و المشابهة هاهنا و الرواية الصحيحة بالصاد المهملة .

قوله ع‏ و لنفى معتلج الريب أي اعتلاجه أي و لنفى اضطراب الشك في القلوب (4) - و روي يستعبدهم و يتعبدهم‏ و الثانية أحسن .

____________

(1) الإساس، بالكسر: جمع أس.

161

و المجاهد جمع مجهدة و هي المشقة .

و أبوابا فتحا أي مفتوحة و أسبابا ذللا أي سهلة .

و اعلم أن محصول هذا الفصل أنه كلما كانت العبادة أشق كان الثواب عليها أعظم و لو أن الله تعالى جعل العبادات سهلة على المكلفين لما استحقوا عليها من الثواب إلا قدرا يسيرا بحسب ما يكون فيها من المشقة اليسيرة .

فإن قلت فهل كان البيت الحرام موجودا أيام آدم ع ثم أمر آدم و ولده أن يثنوا أعطافهم نحوه قلت نعم هكذا روى أرباب‏السيرو أصحاب التواريخ

17- روى أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في تاريخه عن ابن عباس أن الله تعالى أوحى إلى آدم لما أهبطه إلى الأرض أن لي حرما حيال عرشي فانطلق فابن لي بيتا فيه ثم طف به كما رأيت ملائكتي تحف بعرشي فهنالك أستجيب دعاءك و دعاء من يحف به من ذريتك فقال آدم إني لست أقوى على بنائه و لا أهتدي إليه فقيض الله تعالى له ملكا فانطلق به نحو مكة و كان آدم في طريقه كلما رأى روضة أو مكانا يعجبه سأل الملك أن ينزل به هناك ليبني فيه فيقول الملك إنه ليس هاهنا حتى أقدمه مكة فبنى البيت من خمسة جبال طور سيناء و طور زيتون و لبنان و الجودي و بنى قواعده من حراء فلما فرغ خرج به الملك إلى عرفات فأراه المناسك كلها التي يفعلها الناس اليوم ثم قدم به مكة و طاف بالبيت أسبوعا ثم رجع إلى أرض الهند فمات.

16- و روى الطبري في التاريخ أن آدم حج من أرض الهند إلى الكعبة أربعين حجة على رجليه.

162

و

16- قد روي أن الكعبة أنزلت من السماء و هي ياقوتة أو لؤلؤة على اختلاف الروايات و أنها بقيت على تلك الصورة إلى أن فسدت الأرض بالمعاصي أيام نوح و جاءفرفع البيت و بنى إبراهيم هذه البنية على قواعده القديمة.

و

17- روى أبو جعفر عن وهب بن منبه أن آدم دعا ربه فقال يا رب أ ما لأرضك هذه عامر يسبحك و يقدسك فيها غيري فقال الله إني سأجعل فيها من ولدك من يسبح بحمدي و يقدسني و سأجعل فيها بيوتا ترفع لذكري يسبحني فيها خلقي و يذكر فيها اسمي و سأجعل من تلك البيوت بيتا أختصه بكرامتي و أوثره باسمي فأسميه بيتي و عليه وضعت جلالتي و خصصته بعظمتي و أنا مع ذلك في كل شي‏ء أجعل ذلك البيت حَرَماً آمِناً يحرم بحرمته من حوله و من تحته و من فوقه فمن حرمه بحرمتي استوجب كرامتي و من أخاف أهله فقد أباح حرمتي و استحق سخطي و أجعله بيتا مباركا يأتيه بنوك شعثا غبرا عَلى‏ََ كُلِّ ضََامِرٍ ... مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ يرجون بالتلبية رجيجا و يعجون بالتكبير عجيجا من اعتمده لا يريد غيره و وفد إلي و زارني و استضاف بي أسعفته بحاجته و حق على الكريم أن يكرم وفده و أضيافه تعمره يا آدم ما دمت حيا ثم تعمره الأمم و القرون و الأنبياء من ولدك أمة بعد أمة و قرنا بعد قرن .

قال ثم أمر آدم أن يأتي إلى البيت الحرام الذي أهبط له إلى الأرض فيطوف به كما كان يرى الملائكة تطوف حول العرش و كان البيت حينئذ من درة أو من ياقوتة فلما أغرق الله تعالى قوم نوح رفعه و بقي أساسه فبوأه الله لإبراهيم فبناه .

ـ

163

فَاللَّهَ اَللَّهَ فِي عَاجِلِ اَلْبَغْيِ وَ آجِلِ وَخَامَةِ اَلظُّلْمِ وَ سُوءِ عَاقِبَةِ اَلْكِبْرِ فَإِنَّهَا مَصْيَدَةُ إِبْلِيسَ اَلْعُظْمَى وَ مَكِيدَتُهُ اَلْكُبْرَى اَلَّتِي تُسَاوِرُ قُلُوبَ اَلرِّجَالِ مُسَاوَرَةَ اَلسُّمُومِ اَلْقَاتِلَةِ فَمَا تُكْدِي أَبَداً وَ لاَ تُشْوِي أَحَداً لاَ عَالِماً لِعِلْمِهِ وَ لاَ مُقِلاًّ فِي طِمْرِهِ وَ عَنْ ذَلِكَ مَا حَرَسَ اَللَّهُ عِبَادَهُ اَلْمُؤْمِنِينَ بِالصَّلَوَاتِ وَ اَلزَّكَوَاتِ وَ مُجَاهَدَةِ اَلصِّيَامِ فِي اَلْأَيَّامِ اَلْمَفْرُوضَاتِ تَسْكِيناً لِأَطْرَافِهِمْ وَ تَخْشِيعاً لِأَبْصَارِهِمْ وَ تَذْلِيلاً لِنُفُوسِهِمْ وَ تَخْفِيضاً لِقُلُوبِهِمْ وَ إِذْهَاباً لِلْخُيَلاَءِ عَنْهُمْ وَ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَعْفِيرِ عِتَاقِ اَلْوُجُوهِ بِالتُّرَابِ تَوَاضُعاً وَ اِلْتِصَاقِ كَرَائِمِ اَلْجَوَارِحِ بِالْأَرْضِ تَصَاغُراً وَ لُحُوقِ اَلْبُطُونِ بِالْمُتُونِ مِنَ اَلصِّيَامِ تَذَلُّلاً مَعَ مَا فِي اَلزَّكَاةِ مِنْ صَرْفِ ثَمَرَاتِ اَلْأَرْضِ وَ غَيْرِ ذَلِكَ إِلَى أَهْلِ اَلْمَسْكَنَةِ وَ اَلْفَقْرِ اُنْظُرُوا إِلَى مَا فِي هَذِهِ اَلْأَفْعَالِ مِنْ قَمْعِ نَوَاجِمِ اَلْفَخْرِ وَ قَدْعِ طَوَالِعِ اَلْكِبْرِ (1) -. بلدة وخمة و وخيمة بينة الوخامة أي وبيئة .

مصيدة إبليس بسكون الصاد و فتح الياء آلته التي يصطاد بها .

و تساور قلوب الرجال تواثبها و سار إليه يسور أي وثب و المصدر السور و مصدر تساور المساورة و يقال إن لغضبه سورة و هو سوار أي وثاب معربد .

164

و سورة الشراب وثوبه في الرأس و كذلك‏ مساورة السموم التي ذكرها 1أمير المؤمنين ع (1) - .

و ما تكدي ما ترد عن تأثيرها من قولك أكدى حافر الفرس إذا بلغ الكدية و هي الأرض الصلبة فلا يمكنه أن يحفر .

و لا تشوي أحدا لا تخطئ المقتل و تصيب غيره و هو الشوى و الشوى الأطراف كاليد و الرجل .

قال لا ترد مكيدته عن أحد لا عن عالم لأجل علمه و لا عن فقير لطمره و الطمر الثوب الخلق (2) - .

و ما في قوله‏ و عن ذلك ما حرس الله زائدة مؤكدة أي عن هذه المكايد التي هي البغي و الظلم و الكبر حرس الله عباده فعن‏ متعلقة بحرس‏ و قال الراوندي يجوز أن تكون مصدرية فيكون موضعها رفعا بالابتداء و خبر المبتدأ قوله لما في ذلك‏ و قال أيضا يجوز أن تكون نافية أي لم يحرس الله عباده عن ذلك إلجاء و قهرا بل فعلوه اختيارا من أنفسهم و الوجه الأول باطل لأن عن على هذا التقدير تكون من صلة المصدر فلا يجوز تقديمها عليه و أيضا فإن لما في ذلك لو كان هو الخبر لتعلق لام الجر بمحذوف فيكون التقدير حراسة الله لعباده عن ذلك كائنة لما في ذلك من تعفير الوجوه بالتراب و هذا كلام غير مفيد و لا منتظم إلا على تأويل بعيد لا حاجة إلى تعسفه و الوجه الثاني باطل لأن سياقة الكلام تدل على فساده أ لا ترى قوله‏ تسكينا و تخشيعا و قوله لما في ذلك‏ من كذا و هذا كله تعليل الحاصل الثابت لا تعليل المنفي المعدوم .

ثم بين ع الحكمة في العبادات فقال إنه تعالى حرس عباده بالصلوات‏

165

التي افترضها عليهم من تلك المكايد و كذلك بالزكاة و الصوم ليسكن أطرافهم و يخشع أبصارهم فجعل التسكين و التخشيع عذرا و علة للحراسة و نصب اللفظات على أنها مفعول له .

ثم علل السكون و الخشوع الذي هو علة الحراسة لما في الصلاة من تعفير الوجه على التراب فصار ذلك علة العلة قال و ذلك لأن تعفير عتاق الوجوه بالتراب‏ تواضعا يوجب هضم النفس و كسرها و تذليلها .

و عتاق الوجوه كرائمها .

و إلصاق كرائم الجوارح بالأرض كاليدين و الساقين‏ تصاغرا يوجب الخشوع و الاستسلام و الجوع في الصوم الذي يلحق البطن في المتن يقتضي زوال الأشر و البطر و يوجب مذلة النفس و قمعها عن الانهماك في الشهوات و ما في الزكاة من صرف‏ فواضل المكاسب إلى أهل الفقر و المسكنة يوجب تطهير النفوس و الأموال و مواساة أرباب الحاجات بما تسمح به النفوس من الأموال و عاصم لهم من السرقات و ارتكاب المنكرات ففي ذلك كله دفع مكايد الشيطان .

و تخفيض القلوب‏ حطها عن الاعتلاء و التيه .

و الخيلاء التكبر و المسكنة أشد الفقر في أظهر الرأيين (1) - .

و القمع‏ القهر .

و النواجم‏ جمع ناجمة و هي ما يظهر و يطلع من الكبر و غيره .

و القدع‏ بالدال المهملة الكف قدعت الفرس و كبحته باللجام أي كففته .

و الطوالع‏ كالنواجم‏

166

وَ لَقَدْ نَظَرْتُ فَمَا وَجَدْتُ أَحَداً مِنَ اَلْعَالَمِينَ يَتَعَصَّبُ لِشَيْ‏ءٍ مِنَ اَلْأَشْيَاءِ إِلاَّ عَنْ عِلَّةٍ تَحْتَمِلُ تَمْوِيهَ اَلْجُهَلاَءِ أَوْ حُجَّةٍ تَلِيطُ بِعُقُولِ اَلسُّفَهَاءِ غَيْرَكُمْ فَإِنَّكُمْ تَتَعَصَّبُونَ لِأَمْرٍ مَا يُعْرَفُ لَهُ سَبَبٌ وَ لاَ عِلَّةٌ أَمَّا إِبْلِيسُ فَتَعَصَّبَ عَلَى آدَمَ لِأَصْلِهِ وَ طَعَنَ عَلَيْهِ فِي خِلْقَتِهِ فَقَالَ أَنَا نَارِيٌّ وَ أَنْتَ طِينِيٌّ وَ أَمَّا اَلْأَغْنِيَاءُ مِنْ مُتْرَفَةِ اَلْأُمَمِ فَتَعَصَّبُوا لآِثَارِ مَوَاقِعِ اَلنِّعَمِ فَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوََالاً وَ أَوْلاََداً وَ مََا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ فَإِنْ كَانَ لاَ بُدَّ مِنَ اَلْعَصَبِيَّةِ فَلْيَكُنْ تَعَصُّبُكُمْ لِمَكَارِمِ اَلْخِصَالِ وَ مَحَامِدِ اَلْأَفْعَالِ وَ مَحَاسِنِ اَلْأُمُورِ اَلَّتِي تَفَاضَلَتْ فِيهَا اَلْمُجَدَاءُ وَ اَلنُّجَدَاءُ مِنْ بُيُوتَاتِ اَلْعَرَبِ وَ يَعَاسِيبِ اَلقَبَائِلِ بِالْأَخْلاَقِ اَلرَّغِيبَةِ وَ اَلْأَحْلاَمِ اَلْعَظِيمَةِ وَ اَلْأَخْطَارِ اَلْجَلِيلَةِ وَ اَلآْثَارِ اَلْمَحْمُودَةِ فَتَعَصَّبُوا لِخِلاَلِ اَلْحَمْدِ مِنَ اَلْحِفْظِ لِلْجِوَارِ وَ اَلْوَفَاءِ بِالذِّمَامِ وَ اَلطَّاعَةِ لِلْبِرِّ وَ اَلْمَعْصِيَةِ لِلْكِبْرِ وَ اَلْأَخْذِ بِالْفَضْلِ وَ اَلْكَفِّ عَنِ اَلْبَغْيِ وَ اَلْإِعْظَامِ لِلْقَتْلِ وَ اَلْإِنْصَافِ لِلْخَلْقِ وَ اَلْكَظْمِ لِلْغَيْظِ وَ اِجْتِنَابِ اَلْفَسَادِ فِي اَلْأَرْضِ (1) -. قد روي‏ تحتمل بالتاء و روي تحمل و المعنى واحد .

و التمويه‏ التلبيس من موهت النحاس إذا طليته بالذهب ليخفى .

و لاط الشي‏ء بقلبي يلوط و يليط أي التصق (2) - .

و المترف‏ الذي أطغته النعمة (3) - .

167

و تفاضلت فيها أي تزايدت .

و المجداء جمع ماجد و المجد الشرف في الآباء و الحسب و الكرم يكونان في الرجل و إن لم يكونا في آبائه هكذا قال ابن السكيت و قد اعترض عليه بأن المجيد من صفات الله تعالى قال سبحانه‏ ذُو اَلْعَرْشِ اَلْمَجِيدُ (1) على قراءة من رفع و الله سبحانه يتعالى عن الآباء و قد جاء في وصف القرآن المجيد قال سبحانه‏ بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (2) .

و النجداء الشجعان واحدهم نجيد و أما نجد و نجد بالكسر و الضم فجمعه أنجاد مثل يقظ و أيقاظ .

و بيوتات العرب قبائلها و يعاسيب القبائل رؤساؤها و اليعسوب في الأصل ذكر النحل و أميرها .

و الرغيبة الخصلة يرغب فيها .

و الأحلام العقول‏ و الأخطار الأقدار (1) - .

ثم أمرهم بأن يتعصبوا لخلال الحمد و عددها و ينبغي أن يحمل قوله ع‏ فإنكم تتعصبون لأمر ما يعرف له سبب و لا علة على أنه لا يعرف له سبب مناسب فكيف يمكن أن يتعصبوا لغير سبب أصلا .

و قيل إن أصل هذه العصبية و هذه الخطبة أن أهل الكوفة كانوا قد فسدوا في آخر خلافة 1أمير المؤمنين و كانوا قبائل في الكوفة فكان الرجل يخرج من منازل قبيلته فيمر بمنازل قبيلة أخرى فينادي باسم قبيلته يا للنخع مثلا أو يا لكندة نداء عاليا يقصد به الفتنة و إثارة الشر فيتألب عليه فتيان القبيلة التي مر بها فينادون يا لتميم

____________

(1) سورة البروج 15.

(2) سورة البروج 21.

168

و يا لربيعة و يقبلون إلى ذلك الصائح فيضربونه فيمضي إلى قبيلته فيستصرخها فتسل السيوف و تثور الفتن و لا يكون لها أصل في الحقيقة إلا تعرض الفتيان بعضهم ببعض وَ اِحْذَرُوا مَا نَزَلَ بِالْأُمَمِ قَبْلَكُمْ مِنَ اَلْمَثُلاَتِ بِسُوءِ اَلْأَفْعَالِ وَ ذَمِيمِ اَلْأَعْمَالِ فَتَذَكَّرُوا فِي اَلْخَيْرِ وَ اَلشَّرِّ أَحْوَالَهُمْ وَ اِحْذَرُوا أَنْ تَكُونُوا أَمْثَالَهُمْ فَإِذَا تَفَكَّرْتُمْ فِي تَفَاوُتِ حَالَيْهِمْ فَالْزَمُوا كُلَّ أَمْرٍ لَزِمَتِ اَلْعِزَّةُ بِهِ شَأْنَهُمْ حَالَهُمْ وَ زَاحَتِ اَلْأَعْدَاءُ لَهُ عَنْهُمْ وَ مُدَّتِ اَلْعَافِيَةُ بِهِ عَلَيْهِمْ وَ اِنْقَادَتِ اَلنِّعْمَةُ لَهُ مَعَهُمْ وَ وَصَلَتِ اَلْكَرَامَةُ عَلَيْهِ حَبْلَهُمْ مِنَ اَلاِجْتِنَابِ لِلْفُرْقَةِ وَ اَللُّزُومِ لِلْأُلْفَةِ وَ اَلتَّحَاضِّ عَلَيْهَا وَ اَلتَّوَاصِي بِهَا وَ اِجْتَنِبُوا كُلَّ أَمْرٍ كَسَرَ فِقْرَتَهُمْ وَ أَوْهَنَ مُنَّتَهُمْ مِنْ تَضَاغُنِ اَلْقُلُوبِ وَ تَشَاحُنِ اَلصُّدُورِ وَ تَدَابُرِ اَلنُّفُوسِ وَ تَخَاذُلِ اَلْأَيْدِي (1) -. المثلات العقوبات .

و ذميم الأفعال‏ ما يذم منها .

و تفاوت حاليهم اختلافهما (2) - و زاحت الأعداء بعدت و له‏ أي لأجله .

و التحاض عليها تفاعل يستدعي وقوع الحض و هو الحث من الجهتين أي يحث بعضهم بعضا (3) - .

و الفقرة واحدة فقر الظهر و يقال لمن قد أصابته مصيبة شديدة قد كسرت فقرته .

169

و المنة القوة .

و تضاغن القلوب و تشاحنها واحد و تخاذل الأيدي‏ ألا ينصر الناس بعضهم بعضا وَ تَدَبَّرُوا أَحْوَالَ اَلْمَاضِينَ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ قَبْلَكُمْ كَيْفَ كَانُوا فِي حَالِ اَلتَّمْحِيصِ وَ اَلْبَلاَءِ أَ لَمْ يَكُونُوا أَثْقَلَ اَلْخَلاَئِقِ أَعْبَاءً وَ أَجْهَدَ اَلْعِبَادِ بَلاَءً وَ أَضْيَقَ أَهْلِ اَلدُّنْيَا حَالاً اِتَّخَذَتْهُمُ اَلْفَرَاعِنَةُ عَبِيداً فَسَامُوهُمْ سُوءَ اَلْعَذَابِ وَ جَرَّعُوهُمْ جُرَعَ اَلْمُرَارِ جَرَّعُوهُمُ اَلْمُرَارَ فَلَمْ تَبْرَحِ اَلْحَالُ بِهِمْ فِي ذُلِّ اَلْهَلَكَةِ وَ قَهْرِ اَلْغَلَبَةِ لاَ يَجِدُونَ حِيلَةً فِي اِمْتِنَاعٍ وَ لاَ سَبِيلاً إِلَى دِفَاعٍ حَتَّى إِذَا رَأَى اَللَّهُ سُبْحَانَهُ جِدَّ اَلصَّبْرِ مِنْهُمْ عَلَى اَلْأَذَى فِي مَحَبَّتِهِ وَ اَلاِحْتِمَالَ لِلْمَكْرُوهِ مِنْ خَوْفِهِ جَعَلَ لَهُمْ مِنْ مَضَايِقِ اَلْبَلاَءِ فَرَجاً فَأَبْدَلَهُمُ اَلْعِزَّ مَكَانَ اَلذُّلِّ وَ اَلْأَمْنَ مَكَانَ اَلْخَوْفِ فَصَارُوا مُلُوكاً حُكَّاماً وَ أَئِمَّةً أَعْلاَماً وَ قَدْ بَلَغَتِ اَلْكَرَامَةُ مِنَ اَللَّهِ لَهُمْ مَا لَمْ تَذْهَبِ اَلآْمَالُ إِلَيْهِ بِهِمْ (1) -. تدبروا أي تأملوا و التمحيص التطهير و التصفية .

و الأعباء الأثقال واحدها عب‏ء .

و أجهد العباد أتعبهم (2) - .

و الفراعنة العتاة و كل عات فرعون .

و ساموهم سوء العذاب ألزموهم إياه و هذا إشارة إلى قوله تعالى‏ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ

170

اَلْعَذََابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنََاءَكُمْ وَ يَسْتَحْيُونَ نِسََاءَكُمْ وَ فِي ذََلِكُمْ بَلاََءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (1) .

و المرار بضم الميم شجر مر في الأصل و استعير شرب المرار لكل من يلقى شديد المشقة (1) - .

و رأى الله منهم جد الصبر أي أشده (2) - .

و أئمة أعلاما أي يهتدى بهم كالعلم في الفلاة فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانُوا حَيْثُ كَانَتِ اَلْأَمْلاَءُ مُجْتَمِعَةً وَ اَلْأَهْوَاءُ مُؤْتَلِفَةً وَ اَلْقُلُوبُ مُعْتَدِلَةً وَ اَلْأَيْدِي مُتَرَادِفَةً وَ اَلسُّيُوفُ مُتَنَاصِرَةً وَ اَلْبَصَائِرُ نَافِذَةً وَ اَلْعَزَائِمُ وَاحِدَةً أَ لَمْ يَكُونُوا أَرْبَاباً فِي أَقْطَارِ اَلْأَرَضِينَ وَ مُلُوكاً عَلَى رِقَابِ اَلْعَالَمِينَ فَانْظُرُوا إِلَى مَا صَارُوا إِلَيْهِ فِي آخِرِ أُمُورِهِمْ حِينَ وَقَعَتِ اَلْفُرْقَةُ وَ تَشَتَّتَتِ اَلْأُلْفَةُ وَ اِخْتَلَفَتِ اَلْكَلِمَةُ وَ اَلْأَفْئِدَةُ وَ تَشَعَّبُوا مُخْتَلِفِينَ وَ تَفَرَّقُوا مُتَحَارِبِينَ وَ قَدْ خَلَعَ اَللَّهُ عَنْهُمْ لِبَاسَ كَرَامَتِهِ وَ سَلَبَهُمْ غَضَارَةَ نِعْمَتِهِ وَ بَقِيَ قَصَصُ أَخْبَارِهِمْ فِيكُمْ عِبَراً عِبْرَةً لِلْمُعْتَبِرِينَ مِنْكُمْ (3) - . الأملاء الجماعات الواحد ملأ .

____________

(1) سورة البقرة 49.

171

و مترادفة متعاونة البصائر نافذة يقال نفذت بصيرتي في هذا الخبر أي اجتمع همي عليه و لم يبق عندي تردد فيه لعلمي به و تحقيقي إياه (1) - .

و أقطار الأرضين نواحيها و تشتتت تفرقت (2) - .

و تشعبوا صاروا شعوبا و قبائل مختلفين .

و تفرقوا متحزبين‏ اختلفوا أحزابا و روي متحازبين (3) - .

و غضارة النعمة الطيب اللين منها .

و القصص‏ الحديث .

يقول انظروا في أخبار من قبلكم من الأمم كيف كانت حالهم في العز و الملك لما كانت كلمتهم واحدة و إلى ما ذا آلت حالهم حين اختلفت كلمتهم فاحذروا أن تكونوا مثلهم و أن يحل بكم إن اختلفتم مثل ما حل بهم فَاعْتَبِرُوا بِحَالِ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ وَ بَنِي إِسْحَاقَ وَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ع فَمَا أَشَدَّ اِعْتِدَالَ اَلْأَحْوَالِ وَ أَقْرَبَ اِشْتِبَاهَ اَلْأَمْثَالِ تَأَمَّلُوا أَمْرَهُمْ فِي حَالِ تَشَتُّتِهِمْ وَ تَفَرُّقِهِمْ لَيَالِيَ كَانَتِ اَلْأَكَاسِرَةُ وَ اَلْقَيَاصِرَةُ أَرْبَاباً لَهُمْ يَحْتَازُونَهُمْ عَنْ رِيفِ اَلآْفَاقِ وَ بَحْرِ اَلْعِرَاقِ وَ خُضْرَةِ اَلدُّنْيَا إِلَى مَنَابِتِ اَلشِّيحِ وَ مَهَافِي اَلرِّيحِ وَ نَكَدِ اَلْمَعَاشِ فَتَرَكُوهُمْ عَالَةً مَسَاكِينَ إِخْوَانَ دَبَرٍ وَ وَبَرٍ أَذَلَّ اَلْأُمَمِ دَاراً وَ أَجْدَبَهُمْ قَرَاراً لاَ يَأْوُونَ إِلَى جَنَاحِ دَعْوَةٍ يَعْتَصِمُونَ بِهَا وَ لاَ إِلَى ظِلِّ أُلْفَةٍ يَعْتَمِدُونَ عَلَى عِزِّهَا فَالْأَحْوَالُ مُضْطَرِبَةٌ وَ اَلْأَيْدِي مُخْتَلِفَةٌ وَ اَلْكَثْرَةُ مُتَفَرِّقَةٌ فِي بَلاَءِ أَزْلٍ وَ أَطْبَاقِ جَهْلٍ مِنْ بَنَاتٍ مَوْءُودَةٍ وَ أَصْنَامٍ مَعْبُودَةٍ وَ أَرْحَامٍ مَقْطُوعَةٍ وَ غَارَاتٍ مَشْنُونَةٍ (4) - . ـ

172

لقائل أن يقول ما نعرف أحدا من بني إسحاق و بني إسرائيل احتازتهم الأكاسرة و القياصرة عن ريف الآفاق إلى البادية و منابت الشيح إلا أن يقال يهود خيبر و النضير و بني قريظة و بني قينقاع و هؤلاء نفر قليل لا يعتد بهم و يعلم من فحوى الخطبة أنهم غير مرادين بالكلام و لأنه ع قال تركوهم إخوان دبر و وبر و هؤلاء لم يكونوا من أهل الوبر و الدبر بل من أهل المدر لأنهم كانوا ذوي حصون و آطام و الحاصل أن الذين احتازتهم الأكاسرة و القياصرة من الريف إلى البادية و صاروا أهل وبر ولد إسماعيل لا بنو إسحاق و بنو إسرائيل و الجواب أنه ع ذكر في هذه الكلمات و هي قوله‏ فاعتبروا بحال ولد إسماعيل و بني إسحاق و بني إسرائيل المقهورين و القاهرين جميعا أما المقهورون فبنو إسماعيل و أما القاهرون فبنو إسحاق و بنو إسرائيل لأن الأكاسرة من بني إسحاق ذكر كثير من أهل العلم أن فارس من ولد إسحاق و القياصرة من ولد إسحاق أيضا لأن الروم بنو العيص بن إسحاق و على هذا يكون الضمير في‏ أمرهم و تشتتهم‏ و تفرقهم يرجع إلى بني إسماعيل خاصة .

فإن قلت فبنو إسرائيل أي مدخل لهم هاهنا قلت لأن بني إسرائيل لما كانوا ملوكا بالشام في أيام أجاب الملك و غيره حاربوا العرب من بني إسماعيل غير مرة و طردوهم عن الشام و ألجئوهم على المقام ببادية الحجاز و يصير تقدير الكلام فاعتبروا بحال ولد إسماعيل مع بني إسحاق و بني إسرائيل فجاء بهم في صدر الكلام على العموم ثم خصص فقال‏ الأكاسرة و القياصرة و هم داخلون في عموم ولد إسحاق و إنما لم يخصص عموم بني إسرائيل لأن العرب لم تكن تعرف ملوك‏

173

ولد يعقوب فيذكر لهم أسماءهم في الخطبة بخلاف ولد إسحاق فإنهم كانوا يعرفون ملوكهم من بني ساسان و من بني الأصفر .

قوله ع‏ فما أشد اعتدال الأحوال أي ما أشبه الأشياء بعضها ببعض و إن حالكم لشبيهة بحال أولئك فاعتبروا بهم (1) - .

قوله‏ يحتازونهم عن الريف‏ يبعدونهم عنه و الريف الأرض ذات الخصب و الزرع و الجمع أرياف و رافت الماشية أي رعت الريف و قد أرفنا أي صرنا إلى الريف و أرافت الأرض أي أخصبت و هي أرض ريفة بتشديد الياء .

و بحر العراق دجلة و الفرات أما الأكاسرة فطردوهم عن بحر العراق و أما القياصرة فطردوهم عن ريف الآفاق أي عن الشام و ما فيه من المرعى و المنتجع .

قوله ع‏ أربابا لهم أي ملوكا و كانت العرب تسمى الأكاسرة أربابا و لما عظم أمر حذيفة بن بدر عندهم سموه رب معد .

و منابت الشيح أرض العرب و الشيح نبت معروف .

و مهافي الريح المواضع التي تهفو فيها أي تهب و هي الفيافي و الصحاري .

و نكد المعاش ضيقه و قلته .

و تركوهم عالة أي فقراء جمع عائل و العائل ذو العيلة و العيلة الفقر قال تعالى‏ وَ إِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اَللََّهُ مِنْ فَضْلِهِ (1) قال الشاعر

تعيرنا أننا عالة # صعاليك نحن و أنتم ملوك.

____________

(1) سورة التوبة 28.

174

نظيره قائد و قادة و سائس و ساسة .

و قوله‏ إخوان دبر و وبر الدبر مصدر دبر البعير أي عقره القتب و الوبر للبعير بمنزلة الصوف للضأن و الشعر للمعز .

قوله‏ أذل الأمم دارا لعدم المعاقل و الحصون المنيعة فيها .

و أجدبهم قرارا لعدم الزرع و الشجر و النخل بها و الجدب‏ المحل (1) - .

و لا يأوون لا يلتجئون و لا ينضمون (2) - .

و الأزل‏ الضيق‏ و أطباق جهل جمع طبق أي جهل متراكم بعضه فوق بعض .

و غارات مشنونة متفرقة و هي أصعب الغارات

فصل في ذكر الأسباب التي دعت العرب إلى وأد البنات‏

من بنات موءودة كان قوم من العرب يئدون البنات قيل إنهم بنو تميم خاصة و إنه استفاض منهم في جيرانهم و قيل بل كان ذلك في تميم و قيس و أسد و هذيل و بكر بن وائل قالوا و ذلك

14- أن 14رسول الله ص دعا عليهم فقال اللهم اشدد وطأتك على مضر و اجعل عليهم سنين كسني يوسف فأجدبوا سبع سنين حتى أكلوا الوبر بالدم و كانوا يسمونه العلهز فوأدوا البنات لإملاقهم و فقرهم .

و قد دل على ذلك بقوله‏ وَ لاََ تَقْتُلُوا أَوْلاََدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاََقٍ (1) قال‏ وَ لاََ يَقْتُلْنَ أَوْلاََدَهُنَّ (2) .

و قال قوم بل وأدوا البنات أنفة و زعموا أن تميما منعت النعمان الإتاوة سنة من

____________

(1) سورة الإسراء 31.

(2) سورة الممتحنة 12.

175

السنين فوجه إليهم أخاه الريان بن المنذر و جل من معه من بكر بن وائل فاستاق النعم و سبى الذراري و في ذلك يقول بعض بني يشكر

لما رأوا راية النعمان مقبلة # قالوا ألا ليت أدنى دارنا عدن

يا ليت أم تميم لم تكن عرفت # مرا و كانت كمن أودى به الزمن

إن تقتلونا فأعيار مخدعة # أو تنعموا فقديما منكم المنن

منكم زهير و عتاب و محتضن # و ابنا لقيط و أودى في الوغى قطن.

فوفدت بنو تميم إلى النعمان و استعطفوه فرق عليهم و أعاد عليهم السبي و قال كل امرأة اختارت أباها ردت إليه و إن اختارت صاحبها تركت عليه فكلهن اخترن آباءهن إلا ابنة قيس بن عاصم فإنها اختارت من سباها و هو عمرو بن المشمرخ اليشكري فنذر قيس بن عاصم المنقري التميمي ألا يولد له بنت إلا وأدها و الوأد أن يخنقها في التراب و يثقل وجهها به حتى تموت ثم اقتدى به كثير من بني تميم قال سبحانه‏ وَ إِذَا اَلْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ `بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (1) أي على طريق التبكيت و التوبيخ لمن فعل ذلك أو أجازه كما قال سبحانه‏ يََا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنََّاسِ اِتَّخِذُونِي وَ أُمِّي إِلََهَيْنِ مِنْ دُونِ اَللََّهِ (2) .

و من جيد شعر الفرزدق قوله في هجاء جرير

أ لم تر أنا بني دارم # زرارة منا أبو معبد (3)

و منا الذي منع الوائدات # و أحيا الوليد فلم يوأد (4)

أ لسنا بأصحاب # و أصحاب ألوية المربد

____________

(1) سورة التكوير 8، 9.

(2) سورة المائدة 116.

(3) ديوانه 202، 203.

(4) يعني جده صعصعة بن ناجية.

176

أ لسنا الذين تميم بهم # تسامى و تفخر في المشهد

و ناجية الخير و الأقرعان # و قبر بكاظمة المورد (1)

إذا ما أتى قبره عائذ # أناخ على القبر بالأسعد (2)

أ يطلب مجد بني دارم # عطية كالجعل الأسود

قرنبى يحك قفا مقرف # لئيم مآثره قعدد (3)

و مجد بني دارم فوقه # مكان السماكين و الفرقد.

و

14- في الحديث أن صعصعة بن ناجية بن عقال لما وفد على 14رسول الله ص قال يا 14رسول الله إني كنت أعمل في الجاهلية عملا صالحا فهل ينفعني ذلك اليوم قال ع و ما عملت قال ضللت ناقتين عشراوين‏ (4) فركبت جملا و مضيت في بغائهما (5) فرفع لي بيت حريد (6) فقصدته فإذا شيخ جالس بفنائه فسألته عن الناقتين فقال ما نارهما (7) قلت ميسم بني دارم قال هما عندي و قد أحيا الله بهما قوما من أهلك من مضر فجلست معه ليخرجهما إلي فإذا عجوز قد خرجت من كسر البيت فقال لها ما وضعت إن كان سقبا (8) شاركنا في أموالنا و إن كان حائلا (9) وأدناها فقالت العجوز وضعت أنثى فقلت له أ تبيعها قال و هل تبيع العرب أولادها قلت إنما أشتري حياتها و لا أشتري رقها قال فبكم قلت احتكم قال بالناقتين و الجمل قلت أ ذاك لك على أن يبلغني الجمل و إياها قال بعتك فاستنقذتها

____________

(1) ناجية؛ هو ابن عقال بن محمّد بن سفيان بن مجاشع. و الأقرعان: الأقرع و فراس ابنا حابس بن عقال.

(2) الأسعد: نجم طالعه سعد.

(3) القرنبى: ضرب من الخنافس أرقط طويل القوائم، و القعدد: اللئيم الآباء.

(4) العشراء من النياق: التي مضى لحملها عشرة أشهر، كالنفساء.

(5) في بغائهما: فى طلبهما.

(6) الحريد: المعتزل المتنحى.

(7) في النهاية و اللسان: ما ناراهما؟و النار هنا: السمة بالمكوى؛ سميت باسم النار.

(8) السقب: ولد الناقة ساعة يولد؛ و هو خاصّ بالذكر.

(9) الحائل: الأنثى من ولد الناقة ساعة تولد؛ و لا يقال: «سقبة» .

177

منه بالجمل و الناقتين و آمنت بك يا 14رسول الله و قد صارت لي سنة في العرب أن أشتري كل موءودة بناقتين عشراوين و جمل فعندي إلى هذه الغاية ثمانون و مائتا موءودة قد انقذتهن قال ع لا ينفعك ذاك لأنك لم تبتغ به وجه الله و أن تعمل في إسلامك عملا صالحا تثب عليه (1) .

17- و روى الزبير في الموفقيات أن أبا بكر قال في الجاهلية لقيس بن عاصم المنقري ما حملك على أن وأدت قال مخافة أن يخلف عليهن مثلك.

فَانْظُرُوا إِلَى مَوَاقِعِ نِعَمِ اَللَّهِ عَلَيْهِمْ حِينَ بَعَثَ إِلَيْهِمْ 14رَسُولاً فَعَقَدَ بِمِلَّتِهِ طَاعَتَهُمْ وَ جَمَعَ عَلَى دَعْوَتِهِ أُلْفَتَهُمْ كَيْفَ نَشَرَتِ اَلنِّعْمَةُ عَلَيْهِمْ جَنَاحَ كَرَامَتِهَا وَ أَسَالَتْ لَهُمْ جَدَاوِلَ نَعِيمِهَا وَ اِلْتَفَّتِ اَلْمِلَّةُ بِهِمْ فِي عَوَائِدِ بَرَكَتِهَا فَأَصْبَحُوا فِي نِعْمَتِهَا غَرِقِينَ وَ فِي خُضْرَةِ عَيْشِهَا فَكِهِينَ فَاكِهِينَ قَدْ تَرَبَّعَتِ اَلْأُمُورُ بِهِمْ فِي ظِلِّ سُلْطَانٍ قَاهِرٍ وَ آوَتْهُمُ اَلْحَالُ إِلَى كَنَفِ عِزٍّ غَالِبٍ وَ تَعَطَّفَتِ اَلْأُمُورُ عَلَيْهِمْ فِي ذُرَى مُلْكٍ ثَابِتٍ فَهُمْ حُكَّامٌ عَلَى اَلْعَالَمِينَ وَ مُلُوكٌ فِي أَطْرَافِ اَلْأَرَضِينَ يَمْلِكُونَ اَلْأُمُورَ عَلَى مَنْ كَانَ يَمْلِكُهَا عَلَيْهِمْ وَ يُمْضُونَ اَلْأَحْكَامَ فِيمَنْ كَانَ يُمْضِيهَا فِيهِمْ لاَ تُغْمَزُ لَهُمْ قَنَاةٌ وَ لاَ تُقْرَعُ لَهُمْ صَفَاةٌ (1) -. لما ذكر ما كانت العرب عليه من الذل و الضيم و الجهل عاد فذكر ما أبدل الله

____________

(1) انظر الفائق 3: 133.

178

به حالهم حين بعث إليهم 14محمدا ص فعقد عليهم طاعتهم كالشي‏ء المنتشر المحلول فعقدها بملة 14محمد ص .

و الجداول‏ الأنهر .

و التفت الملة بهم أي كانوا متفرقين فالتفت ملة 14محمد بهم أي جمعتهم و يقال التف الحبل بالحطب أي جمعه و التف الحطب بالحبل أي اجتمع به .

و في في قوله‏ في عوائد بركتها متعلقة بمحذوف و موضع الجار و المجرور نصب على الحال أي جمعتهم الملة كائنة في عوائد بركتها و العوائد جمع عائدة و هي المنفعة تقول هذا أعود عليك أي أنفع لك و روي و التقت الملة بالقاف أي اجتمعت بهم من اللقاء و الرواية الأولى أصح .

و أصبحوا في نعمتها غرقين مبالغة في وصف ما هم فيه من النعمة .

و فاكهين ناعمين و روي فكهين أي أشرين و قد قرئ بهما في قوله تعالى‏ وَ نَعْمَةٍ كََانُوا فِيهََا فََاكِهِينَ (1) و قال الأصمعي فاكهين مازحين و المفاكهة الممازحة و من أمثالهم لا تفاكه أمة و لا تبل على أكمة فأما قوله تعالى‏ فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (2) فقيل تندمون و قيل تعجبون .

و عن في قوله و عن خضرة عيشها متعلقة بمحذوف تقديره فأصبحوا فاكهين فكاهة صادرة عن خضرة عيشها أي خضرة عيش النعمة سبب لصدور الفكاهة و المزاح عنه (1) - .

و تربعت الأمور بهم أي أقامت من قولك ربع بالمكان أي أقام به .

____________

(1) سورة الدخان 27.

(2) سورة الواقعة 65.

179

و آوتهم الحال بالمد أي ضمتهم و أنزلتهم قال تعالى‏ آوى‏ََ إِلَيْهِ أَخََاهُ (1) أي ضمه إليه و أنزله و يجوز أوتهم بغير مد أفعلت في هذا المعنى و فعلت واحد عن أبي زيد .

و الكنف‏ الجانب و تعطفت الأمور عليهم‏ كناية عن السيادة و الإقبال يقال قد تعطف الدهر على فلان أي أقبل حظه و سعادته بعد أن لم يكن كذلك .

و في ذرا ملك بضم الذال أي في أعاليه جمع ذروة (1) - و يكنى عن العزيز الذي لا يضام فيقال لا يغمز له قناة أي هو صلب و القناة إذا لم تلن في يد الغامز كانت أبعد عن الحطم و الكسر .

و لا تقرع لهم صفاة مثل يضرب لمن لا يطمع في جانبه لعزته و قوته ـ أَلاَ وَ إِنَّكُمْ قَدْ نَفَضْتُمْ أَيْدِيَكُمْ مِنْ حَبْلِ اَلطَّاعَةِ وَ ثَلَمْتُمْ حِصْنَ اَللَّهِ اَلْمَضْرُوبَ عَلَيْكُمْ بِأَحْكَامِ اَلْجَاهِلِيَّةِ فَإِنَّ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدِ اِمْتَنَّ عَلَى جَمَاعَةِ هَذِهِ اَلْأُمَّةِ فِيمَا عَقَدَ بَيْنَهُمْ مِنْ حَبْلِ هَذِهِ اَلْأُلْفَةِ اَلَّتِي يَتَقَلَّبُونَ يَنْتَقِلُونَ فِي ظِلِّهَا وَ يَأْوُونَ إِلَى كَنَفِهَا بِنِعْمَةٍ لاَ يَعْرِفُ أَحَدٌ مِنَ اَلْمَخْلُوقِينَ لَهَا قِيمَةً لِأَنَّهَا أَرْجَحُ مِنْ كُلِّ ثَمَنٍ وَ أَجَلُّ مِنْ كُلِّ خَطَرٍ وَ اِعْلَمُوا أَنَّكُمْ صِرْتُمْ بَعْدَ أَعْرَاباً وَ بَعْدَ اَلْمُوَالاَةِ أَحْزَاباً مَا تَتَعَلَّقُونَ مِنَ اَلْإِسْلاَمِ إِلاَّ بِاسْمِهِ وَ لاَ تَعْرِفُونَ مِنَ اَلْإِيمَانِ إِلاَّ رَسْمَهُ تَقُولُونَ اَلنَّارَ وَ لاَ اَلْعَارَ كَأَنَّكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تُكْفِئُوا اَلْإِسْلاَمَ عَلَى وَجْهِهِ اِنْتِهَاكاً لِحَرِيمِهِ وَ نَقْضاً لِمِيثَاقِهِ اَلَّذِي وَضَعَهُ اَللَّهُ لَكُمْ حَرَماً فِي أَرْضِهِ وَ أَمْناً بَيْنَ خَلْقِهِ وَ إِنَّكُمْ إِنْ لَجَأْتُمْ إِلَى غَيْرِهِ حَارَبَكُمْ أَهْلُ اَلْكُفْرِ ثُمَّ لاَ جَبْرَائِيلَ جَبْرَائِيلُ

____________

(1) سورة يوسف 69.

180

وَ لاَ مِيكَائِيلَ وَ لاَ مُهَاجِرِينَ وَ لاَ أَنْصَارَ مِيكَائِيلُ وَ لاَ مُهَاجِرُونَ وَ لاَ أَنْصَارٌ يَنْصُرُونَكُمْ إِلاَّ اَلْمُقَارَعَةَ بِالسَّيْفِ حَتَّى يَحْكُمَ اَللَّهُ بَيْنَكُمْ وَ إِنَّ عِنْدَكُمُ اَلْأَمْثَالَ مِنْ بَأْسِ اَللَّهِ وَ قَوَارِعِهِ وَ أَيَّامِهِ وَ وَقَائِعِهِ فَلاَ تَسْتَبْطِئُوا وَعِيدَهُ جَهْلاً بِأَخْذِهِ وَ تَهَاوُناً بِبَطْشِهِ وَ يَأْساً مِنْ بَأْسِهِ فَإِنَّ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَلْعَنِ اَلْقَرْنَ اَلْمَاضِيَ اَلْقُرُونَ اَلْمَاضِيَةَ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ إِلاَّ لِتَرْكِهِمُ اَلْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَ اَلنَّهْيَ عَنِ اَلْمُنْكَرِ فَلَعَنَ اَللَّهُ اَلسُّفَهَاءَ لِرُكُوبِ اَلْمَعَاصِي وَ اَلْحُلَمَاءَ لِتَرْكِ اَلتَّنَاهِي (1) -. نفضتم أيديكم كلمة تقال في اطراح الشي‏ء و تركه و هي أبلغ من أن تقول تركتم حبل الطاعة لأن من يخلي الشي‏ء من يده ثم ينفض يده منه يكون أشد تخلية له ممن لا ينفضها بل يقتصر على تخليته فقط لأن نفضها إشعار و إيذان بشدة الاطراح و الإعراض .

و الباء في قوله‏ بأحكام الجاهلية متعلقة ب ثلمتم أي ثلمتم حصن الله بأحكام الجاهلية التي حكمتم بها في ملة الإسلام (2) - .

و الباء في قوله‏ بنعمة لا يعرف متعلقة ب امتن و في من قوله‏ فيما عقد متعلقة بمحذوف و موضعها نصب على الحال و هذا إشارة إلى قوله تعالى‏ لَوْ أَنْفَقْتَ مََا فِي اَلْأَرْضِ جَمِيعاً مََا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَ لََكِنَّ اَللََّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ (1) و قوله‏ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوََاناً (2) .

و روي تتقلبون في ظلها .

(3) -

____________

(1) سورة الأنفال 63.

(2) سورة آل عمران 79.

181

قوله‏ صرتم بعد أعرابا الأعراب على عهد 14رسول الله ص من آمن به من أهل البادية و لم يهاجر إليه و هم ناقصو المرتبة عن المهاجرين لجفائهم و قسوتهم و توحشهم و نشئهم في بعد من مخالطة العلماء و سماع كلام 14الرسول ص و فيهم أنزل‏ اَلْأَعْرََابُ أَشَدُّ كُفْراً وَ نِفََاقاً وَ أَجْدَرُ أَلاََّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مََا أَنْزَلَ اَللََّهُ عَلى‏ََ 14رَسُولِهِ (1) و ليست هذه الآية عامة في كل الأعراب بل خاصة ببعضهم و هم الذين كانوا حول المدينة و هم جهينة و أسلم و أشجع و غفار و إليهم أشار سبحانه بقوله‏ وَ مِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ اَلْأَعْرََابِ مُنََافِقُونَ (2) و كيف يكون كل الأعراب مذموما و قد قال تعالى‏ وَ مِنَ اَلْأَعْرََابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللََّهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ وَ يَتَّخِذُ مََا يُنْفِقُ قُرُبََاتٍ عِنْدَ اَللََّهِ (3) و صارت هذه الكلمة جارية مجرى المثل .

و أنشد الحجاج على منبر الكوفة

قد لفها الليل بعصلبي‏ (4) # أروع خراج من الدوي‏ (5)

مهاجر ليس بأعرابي‏ (6) .

و قال عثمان لأبي ذر أخشى أن تصير بعد الهجرة أعرابيا .

و روي و لا يعقلون من الإيمان (1) - .

و قولهم‏ النار و لا العار منصوبتان بإضمار فعل أي ادخلوا النار و لا تلتزموا العار و هي كلمة جارية مجرى المثل أيضا يقولها أرباب الحمية و الإباء فإذا قيلت في حق كانت صوابا و إذا قيلت في باطل كانت خطأ .

و أكفأت‏ الإناء و كفأته لغتان أي كببته .

(2) -

____________

(1) سورة التوبة 97.

(2) سورة التوبة 101.

(3) سورة التوبة 99.

(4) العصلبى: الشديد الخلق.

(5) أروع: أى ذكى. يقول: خراج من كل غماء شديدة. و يقال للصحراء: دوية، و هي التي لا تكاد تنقضى، منسوبة إلى الدو، و الدو: صحراء ملساء لا علم بها.

(6) الكامل للمبرد 1: 381 (طبعة نهضة مصر) .

182

قوله‏ ثم لا جبرائيل و لا ميكائيل و لا مهاجرين الرواية المشهورة هكذا بالنصب و هو جائز على التشبيه بالنكرة كقولهم معضلة و لا 1أبا حسن لها قال الراجز

لا هيثم الليلة للمطي.

و قد روي بالرفع في الجميع .

و المقارعة منصوبة على المصدر و قال الراوندي هي استثناء منقطع و الصواب ما ذكرناه و قد روي إلا المقارعة بالرفع تقديره و لا نصير لكم بوجه من الوجوه إلا المقارعة (1) - .

و الأمثال‏ التي أشار إليها 1أمير المؤمنين ع هي ما تضمنه القرآن من أيام الله و نقماته على أعدائه و قال تعالى‏ وَ ضَرَبْنََا لَكُمُ اَلْأَمْثََالَ (2) - (1) .

و التناهي مصدر تناهى القوم عن كذا أي نهى بعضهم بعضا يقول لعن الله الماضين من قبلكم لأن سفهاءهم ارتكبوا المعصية و حلماءهم لم ينهوهم عنها و هذا من قوله تعالى‏ كََانُوا لاََ يَتَنََاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مََا كََانُوا يَفْعَلُونَ (2) أَلاَ وَ قَدْ قَطَعْتُمْ قَيْدَ اَلْإِسْلاَمِ وَ عَطَّلْتُمْ حُدُودَهُ وَ أَمَتُّمْ أَحْكَامَهُ أَلاَ وَ قَدْ أَمَرَنِيَ اَللَّهُ بِقِتَالِ أَهْلِ اَلْبَغْيِ وَ اَلنَّكْثِ وَ اَلْفَسَادِ فِي اَلْأَرْضِ فَأَمَّا اَلنَّاكِثُونَ فَقَدْ قَاتَلْتُ وَ أَمَّا اَلْقَاسِطُونَ فَقَدْ جَاهَدْتُ وَ أَمَّا اَلْمَارِقَةُ فَقَدْ دَوَّخْتُ وَ أَمَّا شَيْطَانُ اَلرَّدْهَةِ فَقَدْ كُفِيتُهُ بِصَعْقَةٍ سُمِعَتْ لَهَا وَجْبَةُ قَلْبِهِ وَ رَجَّةُ صَدْرِهِ

____________

(1) سورة إبراهيم 45.

(2) سورة المائدة 79.

183

وَ بَقِيَتْ بَقِيَّةٌ مِنْ أَهْلِ اَلْبَغْيِ وَ لَئِنْ أَذِنَ اَللَّهُ فِي اَلْكَرَّةِ عَلَيْهِمْ لَأُدِيلَنَّ مِنْهُمْ إِلاَّ مَا يَتَشَذَّرُ فِي أَطْرَافِ اَلْبِلاَدِ تَشَذُّراً (1) -. قد ثبت

14,1- عن 14النبي ص أنه قال له ع ستقاتل بعدي الناكثين و القاسطين و المارقين .

فكان‏ الناكثون أصحاب لأنهم نكثوا بيعته ع و كان‏ القاسطون أهل الشام و كان‏ المارقون الخوارج في‏و في الفرق الثلاث قال الله تعالى‏ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمََا يَنْكُثُ عَلى‏ََ نَفْسِهِ (1) و قال‏ وَ أَمَّا اَلْقََاسِطُونَ فَكََانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً (2) و

14- قال 14النبي ص يخرج من ضئضئ هذا قوم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ينظر أحدكم في النصل فلا يجد شيئا فينظر في الفوق‏ (3) فلا يجد شيئا سبق الفرث و الدم.

و هذا الخبر من أعلام نبوته ص و من أخباره المفصلة بالغيوب (2) - .

و أما شيطان الردهة فقد قال قوم إنه ذو الثدية صاحب‏و رووا في ذلك خبرا عن 14النبي ص و ممن ذكر ذلك و اختاره الجوهري صاحب الصحاح (4) و هؤلاء يقولون إن ذا الثدية لم يقتل بسيف و لكن الله رماه‏بصاعقة و إليها أشار ع بقوله‏ فقد كفيته بصعقة سمعت لها وجبة

____________

(1) سورة الفتح 10.

(2) سورة الجن 15.

(3) الفوق: مشق رأس السهم حيث يقع الوتر.

(4) الصحاح 8: 2232، و فيه: قال الخليل: الردهة: شبه أكمة كثيرة الحجارة. و في الحديث أنه صلّى اللّه عليه و سلم ذكر المقتول بالنهروان، فقال: «شيطان الردهة» .

184

قلبه و قال قوم شيطان الردهة أحد الأبالسة المردة من أعوان عدو الله إبليس و رووا في ذلك خبرا عن 14النبي ص و أنه كان يتعوذ منه و الردهة شبه نقرة في الجبل يجتمع فيها الماء و هذا مثل

14- قوله ع هذا أزب العقبة.

أي شيطانها و لعل أزب العقبة هو شيطان الردهة بعينه فتارة يرد بهذا اللفظ و تارة يرد بذلك اللفظ و قال قوم شيطان الردهة مارد يتصور في صورة حية و يكون على الردهة و إنما أخذوا هذا من لفظة الشيطان لأن الشيطان الحية و منه قولهم شيطان الحماطة و الحماطة شجرة مخصوصة و يقال إنها كثيرة الحيات .

قوله و يتشذر في أطراف الأرض يتمزق و يتبدد و منه قولهم ذهبوا شذر مذر .

و البقية التي بقيت من أهل البغي معاوية و أصحابه لأنه ع لم يكن أتى عليهم بأجمعهم و إنما وقفت الحرب بينه و بينهم بمكيدة التحكيم .

قوله ع‏ و لئن أذن الله في الكرة عليهم أي إن مد لي في العمر لأديلن منهم أي لتكونن الدولة لي عليهم أدلت من فلان أي غلبته و قهرته و صرت ذا دولة عليه‏

استدلال قاضي القضاة على إمامة أبي بكر و رد المرتضى عليه‏

و اعلم أن أصحابنا قد استدلوا على صحة إمامة أبي بكر بقوله تعالى‏ يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اَللََّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ

185

عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى اَلْكََافِرِينَ يُجََاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اَللََّهِ وَ لاََ يَخََافُونَ لَوْمَةَ لاََئِمٍ (1) ثم قال قاضي القضاة في المعنى و هذا خبر من الله تعالى و لا بد أن يكون كائنا على ما أخبر به و الذين قاتلوا المرتدين هم أبو بكر و أصحابه فوجب أن يكونوا هم الذين عناهم الله سبحانه بقوله‏ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ و ذلك يوجب أن يكونوا على صواب .

و اعترض المرتضى رحمه الله على هذا الاحتجاج في الشافي فقال من أين قلت إن الآية نزلت في أبي بكر و أصحابه فإن قال لأنهم الذين قاتلوا المرتدين بعد 14رسول الله ص و لا أحد قاتلهم سواهم قيل له و من الذي سلم لك ذلك أ و ليس 1أمير المؤمنين ع قد قاتل الناكثين و القاسطين و المارقين بعد 14الرسول ص و هؤلاء عندنا مرتدون عن الدين و يشهد بصحة التأويل زائدا على احتمال القول له

1- ما روي عن 1أمير المؤمنين ع من قوله و الله ما قوتل أهل الآية حتى اليوم و تلاها .

و قد روي عن عمار و حذيفة و غيرهما مثل ذلك .

فإن قال دليلي على أنها في أبي بكر و أصحابه قول أهل‏التفسيرقيل له أ و كل أهل التفسير قال ذلك فإن قال نعم كابر لأنه قد روي عن جماعة التأويل الذي ذكرناه و لو لم يكن إلا ما روي عن 1أمير المؤمنين ع و وجوه أصحابه الذين ذكرناهم لكفى و إن قال حجتي قول بعض المفسرين قلنا و أي حجة في قول البعض و لم صار البعض الذي قال ما ذكرت أولى بالحق من البعض الذي قال ما ذكرنا .

ثم يقال له قد وجدنا الله تعالى قد نعت المذكورين في الآية بنعوت يجب أن

____________

(1) سورة المائدة 54.

186

تراعيها لنعلم أ في صاحبنا هي أم في صاحبك و قد جعله 14الرسول ص في‏حين فر من فر من القوم عن العدو صاحب هذه الأوصاف

14,1- فقال لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله و 14رسوله و يحبه الله و 14رسوله كرارا غير فرار فدفعها إلى 1أمير المؤمنين ع .

ثم قوله تعالى‏ أَذِلَّةٍ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى اَلْكََافِرِينَ (1) يقتضي ما ذكرنا لأنه من المعلوم بلا خلاف حال 1أمير المؤمنين ع في التخاشع و التواضع و ذم نفسه و قمع غضبه و أنه ما رئي قط طائشا و لا متطيرا في حال من الأحوال و معلوم حال صاحبيكم في هذا الباب أما أحدهما فإنه اعترف طوعا بأن له شيطانا يعتريه عند غضبه و أما الآخر فكان معروفا بالجد و العجلة مشهورا بالفظاظة و الغلظة و أما العزة على الكافرين فإنما تكون بقتالهم و جهادهم و الانتقام منهم و هذه حال لم يسبق 1أمير المؤمنين ع إليها سابق و لا لحقه فيها لاحق .

ثم قال تعالى‏ يُجََاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اَللََّهِ وَ لاََ يَخََافُونَ لَوْمَةَ لاََئِمٍ (1) و هذا وصف 1أمير المؤمنين المستحق له بالإجماع و هو منتف عن أبي بكر و صاحبه إجماعا لأنه لا قتيل لهما في الإسلام و لا جهاد بين يدي 14الرسول ص و إذا كانت الأوصاف المراعاة في الآية حاصلة 1لأمير المؤمنين ع و غير حاصلة لمن ادعيتم لأنها فيهم على ضربين ضرب معلوم انتفاؤه كالجهاد و ضرب مختلف فيه كالأوصاف التي هي غير الجهاد و على من أثبتها لهم الدلالة على حصولها و لا بد أن يرجع في ذلك إلى غير ظاهر الآية لم يبق في يده من الآية دليل .

هذه جملة ما ذكره المرتضى رحمه الله و لقد كان يمكنه التخلص من الاحتجاج بالآية

____________

(1) سورة المائدة: 54.

187

على وجه ألطف و أحسن و أصح مما ذكره فيقول المراد بها من ارتد على عهد 14رسول الله ص في واقعة الأسود العنسي باليمن فإن كثيرا من المسلمين ضلوا به و ارتدوا عن الإسلام و ادعوا له النبوة و اعتقدوا صدقه و القوم الذين يحبهم الله و يحبونه القوم الذين كاتبهم 14رسول الله ص و أغراهم بقتله و الفتك به و هم فيروز الديلمي و أصحابه و القصة مشهورة ـ و قد كان له أيضا أن يقول لم قلت إن الذين قاتلهم أبو بكر و أصحابه كانوا مرتدين فإن المرتد من ينكر دين الإسلام بعد أن كان قد تدين به و الذين منعوا الزكاة لم ينكروا أصل دين الإسلام و إنما تأولوا فأخطئوا لأنهم تأولوا قول الله تعالى‏ خُذْ مِنْ أَمْوََالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ بِهََا وَ صَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاََتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ (1) فقالوا إنما ندفع زكاة أموالنا إلى من صلاته سكن لنا و لم يبق بعد من هو بهذه الصفة فسقط عنا وجوب الزكاة ليس هذا من الردة في شي‏ء و إنما سماهم الصحابة أهل الردة على سبيل المجاز إعظاما لما قالوه و تأولوه .

فإن قيل إنما الاعتماد على قتال أبي بكر و أصحابه لمسيلمة و طليحة اللذين ادعيا النبوة و ارتد بطريقهما كثير من العرب لا على قتال مانعي الزكاة قيل إن مسيلمة و طليحة جاهدهما 14رسول الله ص قبل موته بالكتب و الرسل و أنفذ لقتلهما جماعة من المسلمين و أمرهم أن يفتكوا بهما غيلة إن أمكنهم ذلك و استنفر عليهما قبائل من العرب و كل ذلك مفصل مذكور في كتب‏السيرةو التواريخ فلم لا يجوز أن يكون أولئك النفر الذين بعثهم 14رسول الله ص للفتك بهما هم المعنيون بقوله‏ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ إلى آخر الآية و لم يقل في الآية يجاهدون

____________

(1) سورة التوبة 103.

188

فيقتلون و إنما ذكر الجهاد فقط و قد كان الجهاد من أولئك النفر حاصلا و إن لم يبلغوا الغرض كما كان الجهاد حاصلا عندو إن لم يبلغ فيه الغرض .

و قد كان له أيضا أن يقول سياق الآية لا يدل على ما ظنه المستدل بها من أنه من يرتدد عن الدين فإن الله يأتي‏ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ يحاربونه لأجل ردته و إنما الذي يدل عليه سياق الآية أنه‏ مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ بترك الجهاد مع 14رسول الله ص و سماه ارتدادا على سبيل المجاز فَسَوْفَ يَأْتِي اَللََّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ ... يُجََاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اَللََّهِ معه عوضا عنكم و كذلك كان كل من خذل 14النبي ص و قعد عن النهوض معه في حروبه أغناه الله تعالى عنه بطائفة أخرى من المسلمين جاهدوا بين يديه .

و أما قول المرتضى رحمه الله إنها أنزلت في الناكثين و القاسطين و المارقين الذين حاربهم 1أمير المؤمنين ع فبعيد لأنهم لا يطلق عليهم لفظ الردة عندنا و لا عند المرتضى و أصحابه أما اللفظ فبالاتفاق و إن سموهم كفارا و أما المعنى فلأن في مذهبهم أن من ارتد و كان قد ولد على فطرة الإسلام بانت امرأته منه و قسم ماله بين ورثته و كان على زوجته عدة المتوفى عنها زوجها و معلوم أن أكثر محاربي 1أمير المؤمنين ع كانوا قد ولدوا في الإسلام و لم يحكم فيهم بهذه الأحكام .

و قوله إن الصفات غير متحققة في صاحبكم فلعمري إن حظ 1أمير المؤمنين ع منها هو الحظ الأوفى و لكن الآية ما خصت الرئيس بالصفات المذكورة و إنما أطلقها على المجاهدين و هم الذين يباشرون الحرب فهب أن أبا بكر و عمر ما كانا بهذه الصفات لم لا يجوز أن يكون مدحا لمن جاهد بين أيديهما من المسلمين و باشر الحرب و هم شجعان المهاجرين و الأنصار الذين فتحوا الفتوح و نشروا الدعوة و ملكوا الأقاليم .

189

و قد استدل قاضي القضاة أيضا عن صحة إمامة أبي بكر و أسند هذا الاستدلال إلى شيخنا أبي علي بقوله تعالى‏ سَيَقُولُ لَكَ اَلْمُخَلَّفُونَ مِنَ اَلْأَعْرََابِ شَغَلَتْنََا أَمْوََالُنََا وَ أَهْلُونََا فَاسْتَغْفِرْ لَنََا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مََا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ (1) و قال تعالى‏ فَإِنْ رَجَعَكَ اَللََّهُ إِلى‏ََ طََائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَ لَنْ تُقََاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ اَلْخََالِفِينَ (2) و قال تعالى‏ سَيَقُولُ اَلْمُخَلَّفُونَ إِذَا اِنْطَلَقْتُمْ إِلى‏ََ مَغََانِمَ لِتَأْخُذُوهََا ذَرُونََا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلاََمَ اَللََّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونََا كَذََلِكُمْ قََالَ اَللََّهُ مِنْ قَبْلُ (3) يعني قوله تعالى‏ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَ لَنْ تُقََاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا ثم قال سبحانه‏ قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ اَلْأَعْرََابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى‏ََ قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقََاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اَللََّهُ أَجْراً حَسَناً وَ إِنْ تَتَوَلَّوْا كَمََا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذََاباً أَلِيماً (4) فبين أن الذي يدعو هؤلاء المخلفين من الأعراب إلى قتال قوم أولي بأس شديد غير 14النبي ص لأنه تعالى قد بين أنهم لا يخرجون معه و لا يقاتلون معه عدوا بآية متقدمة و لم يدعهم بعد 14النبي ص إلى قتال الكفار إلا أبو بكر و عمر و عثمان لأن أهل التأويل لم يقولوا في هذه الآية غير وجهين من التأويل فقال بعضهم عنى بقوله‏ سَتُدْعَوْنَ إِلى‏ََ قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ بني حنيفة و قال بعضهم عنى فارس و الروم و أبو بكر هو الذي دعا إلى قتال بني حنيفة و قتال آل فارس و الروم و دعاهم بعده إلى قتال فارس و الروم عمر فإذا كان الله تعالى قد بين أنهم بطاعتهم لهما يؤتهم أجرا حسنا و إن تولوا عن طاعتهما يعذبهم عذابا أليما صح أنهما على حق و أن طاعتهما طاعة لله تعالى و هذا يوجب صحة إمامتهما .

____________

(1) سورة الفتح 11.

(2) سورة التوبة 83.

(3) سورة الفتح 15.

(4) سورة الفتح 16.

190

فإن قيل إنما أراد الله بذلك أهل‏وقيل هذا فاسد من وجهين أحدهما قوله تعالى‏ تُقََاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ و الذين حاربوا 1أمير المؤمنين كانوا على الإسلام و لم يقاتلوا على الكفر و الوجه الثاني أنا لا نعرف من الذين عناهم الله تعالى بهذا من بقي إلى أيام 1أمير المؤمنين ع كما علمنا أنهم كانوا باقين في أيام أبي بكر .

اعترض المرتضى رحمه الله على هذا الكلام من وجهين أحدهما أنه نازع في اقتضاء الآية داعيا يدعو هؤلاء المخلفين غير 14النبي ص و ذلك لأن قوله تعالى‏ سَيَقُولُ لَكَ اَلْمُخَلَّفُونَ مِنَ اَلْأَعْرََابِ شَغَلَتْنََا أَمْوََالُنََا وَ أَهْلُونََا فَاسْتَغْفِرْ لَنََا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مََا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اَللََّهِ شَيْئاً إِنْ أَرََادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرََادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كََانَ اَللََّهُ بِمََا تَعْمَلُونَ خَبِيراً `بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ 14اَلرَّسُولُ وَ اَلْمُؤْمِنُونَ إِلى‏ََ أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَ زُيِّنَ ذََلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَ ظَنَنْتُمْ ظَنَّ اَلسَّوْءِ وَ كُنْتُمْ قَوْماً بُوراً (1) .

إنما أراد به سبحانه الذين تخلفوا عن‏بشهادة جميع أهل النقل و إطباق المفسرين .

ثم قال تعالى‏ سَيَقُولُ اَلْمُخَلَّفُونَ إِذَا اِنْطَلَقْتُمْ إِلى‏ََ مَغََانِمَ لِتَأْخُذُوهََا ذَرُونََا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلاََمَ اَللََّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونََا كَذََلِكُمْ قََالَ اَللََّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنََا بَلْ كََانُوا لاََ يَفْقَهُونَ إِلاََّ قَلِيلاً (1) و إنما التمس هؤلاء المخلفون أن يخرجوا إلى غنيمةفمنعهم الله تعالى من ذلك و أمر 14نبيه أن يقول لهم لن تتبعونا إلى هذه الغزاة لأن الله تعالى كان حكم من قبل بأن غنيمةلمن شهدو أنه لا حظ لمن لم يشهدها و هذا هو معنى قوله تعالى‏ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلاََمَ اَللََّهِ و قوله‏ كَذََلِكُمْ قََالَ اَللََّهُ مِنْ قَبْلُ ثم قال تعالى‏ قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ

____________

(1) سورة الفتح 11، 12.

191

مِنَ اَلْأَعْرََابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى‏ََ قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقََاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ و إنما أراد أن 14الرسول سيدعوكم فيما بعد إلى قتال قوم أولي بأس شديد و قد دعاهم 14النبي ص بعد ذلك إلى غزوات كثيرة إلى قوم أولي بأس شديدووو غيرهما فمن أين يجب أن يكون الداعي لهؤلاء غير 14النبي ص مع ما ذكرناه من الحروب التي كانت بعد.

و قوله إن معنى قوله تعالى‏ كَذََلِكُمْ قََالَ اَللََّهُ مِنْ قَبْلُ إنما أراد به ما بينه في قوله‏ فَإِنْ رَجَعَكَ اَللََّهُ إِلى‏ََ طََائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَ لَنْ تُقََاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا سنة تسع و آية الفتح نزلت في سنة ست فكيف يكون قبلها .

و ليس يجب أن يقال في القرآن بالإرادة و بما يحتمل من الوجوه في كل موضع دون الرجوع إلى تاريخ نزول الآي و الأسباب التي وردت عليها و تعلقت بها .

و مما يبين لك أن هؤلاء المخلفين غير أولئك لو لم نرجع في ذلك إلى نقل و تاريخ قوله تعالى في هؤلاء فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اَللََّهُ أَجْراً حَسَناً وَ إِنْ تَتَوَلَّوْا كَمََا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذََاباً أَلِيماً (1) فلم يقطع منهم على طاعة و لا معصية بل ذكر الوعد و الوعيد على ما يفعلونه من طاعة أو معصية و حكم المذكورين في آية سورة التوبة بخلاف هذه لأنه تعالى بعد قوله‏ إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ اَلْخََالِفِينَ `وَ لاََ تُصَلِّ عَلى‏ََ أَحَدٍ مِنْهُمْ مََاتَ أَبَداً وَ لاََ تَقُمْ عَلى‏ََ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللََّهِ وَ 14رَسُولِهِ وَ مََاتُوا وَ هُمْ فََاسِقُونَ `وَ لاََ تُعْجِبْكَ أَمْوََالُهُمْ وَ أَوْلاََدُهُمْ إِنَّمََا يُرِيدُ اَللََّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهََا فِي اَلدُّنْيََا وَ تَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَ هُمْ كََافِرُونَ (2) و اختلاف أحكامهم و صفاتهم يدل

____________

(1) سورة الفتح: 16.

(2) سورة التوبة: 83-85.

192

على اختلافهم و أن المذكورين في آية سورة الفتح غير المذكورين في آية سورة التوبة .

و أما قوله لأن أهل التأويل لم يقولوا في هذه الآية غير وجهين من التأويل فذكرهما باطل لأن أهل التأويل قد ذكروا شيئا آخر لم يذكره‏

17- لأن المسيب روى عن أبي روق عن الضحاك في قوله تعالى‏ سَتُدْعَوْنَ إِلى‏ََ قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ (1) الآية قال هم ثقيف .

17- و روى هشيم عن أبي يسر سعيد بن جبير قال هم هوازن .

17- و روى الواقدي عن معمر عن قتادة قال هم هوازن و ثقيف .

فكيف ذكر من أقوال المفسرين ما يوافقه مع اختلاف الرواية عنهم على أنا لا نرجع في كل ما يحتمله تأويل القرآن إلى أقوال المفسرين فإنهم ربما تركوا مما يحتمله القول وجها صحيحا و كم استخرج جماعة من أهل العدل في متشابه القرآن من الوجوه الصحيحة التي ظاهر التنزيل بها أشبه و لها أشد احتمالا مما لم يسبق إليه المفسرون و لا دخل في جملة تفسيرهم و تأويلهم .

و الوجه الثاني سلم فيه أن الداعي هؤلاء المخلفين غير 14النبي ص و قال لا يمتنع أن يعنى بهذا الداعي 1أمير المؤمنين ع لأنه قاتل بعده الناكثين و القاسطين و المارقين و بشره 14النبي ص بأنه يقاتلهم و قد كانوا أولي بأس شديد بلا شبهة .

قال فأما تعلق صاحب الكتاب بقوله‏ أَوْ يُسْلِمُونَ و أن الذين حاربهم 1أمير المؤمنين ع كانوا مسلمين فأول ما فيه أنهم غير مسلمين عنده و عند أصحابه لأن الكبائر تخرج من الإسلام عندهم كما تخرج عن الإيمان إذ كان الإيمان هو الإسلام

____________

(1) سورة الفتح 16.

193

على مذهبهم ثم إن مذهبنا في محاربي 1أمير المؤمنين ع معروف لأنهم عندنا كانوا كفارا بمحاربته لوجوه ـ الأول منها أن من حاربه كان مستحلا لقتاله مظهرا أنه في ارتكابه على حق و نحن نعلم أن من أظهر استحلال شرب جرعة خمر هو كافر بالإجماع و استحلال دماء المؤمنين فضلا عن أفاضلهم و أكابرهم أعظم من شرب الخمر و استحلاله فيجب أن يكونوا من هذا الوجه كفارا .

الثاني

14,1- أنه ع قال له بلا خلاف بين أهل النقل حربك يا 1علي حربي و سلمك سلمي.

و نحن نعلم أنه لم يرد إلا التشبيه بينهما في الأحكام و من أحكام محاربي 14النبي ص الكفر بلا خلاف .

الثالث

14,1- أن 14النبي ص قال له بلا خلاف أيضا اللهم وال من والاه و عاد من عاداه و انصر من نصره و اخذل من خذله.

و قد ثبت عندنا أن العداوة من الله لا تكون إلا للكفار الذين يعادونه دون فساق أهل الملة .

الرابع قوله إنا لا نعلم ببقاء هؤلاء المخلفين إلى أيام 1أمير المؤمنين ع فليس بشي‏ء لأنه إذا لم يكن ذلك معلوما و مقطوعا عليه فهو مجوز و غير معلوم خلافه و الجواز كاف لنا في هذا الموضع .

و لو قيل له من أين علمت بقاء المخلفين المذكورين في الآية على سبيل القطع إلى أيام أبي بكر لكان يفزع إلى أن يقول حكم الآية يقتضي بقاءهم حتى يتم كونهم مدعوين إلى قتال أولي البأس الشديد على وجه يلزمهم فيه الطاعة و هذا بعينه يمكن أن يقال له و يعتمد في بقائهم إلى أيام 1أمير المؤمنين ع على ما يوجبه حكم الآية .

فإن قيل كيف يكون أهل‏وكفارا و لم يسر 1أمير المؤمنين ع

194

فيهم بسيرة الكفار لأنه ما سباهم و لا غنم أموالهم و لا تبع موليهم قلنا أحكام الكفر تختلف و إن شملهم اسم الكفر لأن في الكفار من يقتل و لا يستبقى و فيهم من يؤخذ منه الجزية و لا يحل قتله إلا بسبب طارئ غير الكفر و منهم من لا يجوز نكاحه على مذهب أكثر المسلمين فعلى هذا يجوز أن يكون أكثر هؤلاء القوم كفارا و إن لم يسر فيهم بجميع سيرة أهل الكفر لأنا قد بينا اختلاف أحكام الكفار و يرجع في أن حكمهم مخالف لأحكام الكفار إلى فعله ع و سيرته فيهم على أنا لا نجد في الفساق من حكمه أن يقتل مقبلا و لا يقتل موليا و لا يجهز على جريحه إلى غير ذلك من الأحكام التي سيرها في أهل البصرة و.

فإذا قيل في جواب ذلك أحكام الفسق مختلفة و فعل 1أمير المؤمنين هو الحجة في أن حكم أهل وما فعله قلنا مثل ذلك حرفا بحرف و يمكن مع تسليم أن الداعي لهؤلاء المخلفين أبو بكر أن يقال ليس في الآية دلالة على مدح الداعي و لا على إمامته لأنه قد يجوز أن يدعو إلى الحق و الصواب من ليس عليهما فيلزم ذلك الفعل من حيث كان واجبا في نفسه لا لدعاء الداعي إليه و أبو بكر إنما دعا إلى دفع أهل الردة عن الإسلام و هذا يجب على المسلمين بلا دعاء داع و الطاعة فيه طاعة لله تعالى فمن أين له أن الداعي كان على حق و صواب و ليس في كون ما دعا إليه طاعة ما يدل على ذلك .

و يمكن أيضا أن يكون قوله تعالى‏ سَتُدْعَوْنَ إنما أراد به دعاء الله تعالى لهم بإيجاب القتال عليهم لأنه إذا دلهم على وجوب قتال المرتدين و رفعهم عن بيضة الإسلام فقد دعاهم إلى القتال و وجبت عليهم الطاعة و وجب لهم الثواب إن أطاعوا و هذا أيضا تحتمله الآية .

195

فهذه جملة ما ذكره المرتضى رحمه الله في هذا الموضع و أكثره جيد لا اعتراض عليه و قد كان يمكنه أن يقول لو سلمنا بكل هذا لكان ليس في قوله‏ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً الآية ما يدل على أن 14النبي ص لا يكون هو الداعي لهم إلى القوم أولي البأس الشديد لأنه ليس فيها إلا محض الإخبار عنهم بأنهم لا يخرجون معه و لا يقاتلون العدو معه و ليس في هذا ما ينفي كونه داعيا لهم كما

14- أنه ع قال أبو لهب لا يؤمن بي.

لم يكن هذا القول نافيا لكونه يدعوه إلى الإسلام .

و قوله‏ فَاقْعُدُوا مَعَ اَلْخََالِفِينَ ليس بأمر على الحقيقة و إنما هو تهديد كقوله‏ اِعْمَلُوا مََا شِئْتُمْ (1) و لا بد للمرتضى و لقاضي القضاة جميعا من أن يحملا صيغة افعل على هذا المحمل لأنه ليس لأحدهما بمسوغ أن يحمل الأمر على حقيقته لأن الشارع لا يأمر بالقعود و ترك الجهاد مع القدرة عليه و كونه قد تعين وجوبه .

فإن قلت لو قدرنا أن هذه الآية و هي قوله تعالى‏ قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ اَلْأَعْرََابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى‏ََ قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ أنزلت بعد و بعد نزول سورة براءة التي تتضمن قوله تعالى‏ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً و قدرنا أن قوله تعالى‏ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً ليس إخبارا محضا كما تأولته أنت و حملت الآية عليه بل معناه لا أخرجكم معي و لا أشهدكم حرب العدو هل كان يتم الاستدلال قلت لا لأن للإمامية أن تقول يجوز أن يكون الداعي إلى حرب القوم أولي البأس الشديد مع تسليم هذه المقدمات كلها هو 14رسول الله ص لأنه دعاهم إلى حرب الروم في سرية أسامة بن زيد في صفر من سنة إحدى عشرة لما سيره إلى البلقاء و قال له سر إلى الروم مقتل أبيك فأوطئهم الخيول و حشد معه أكثر المسلمين فهذا الجيش قد دعي فيه المخلفون من الأعراب الذين قعدوا عن الجهاد

____________

(1) سورة الشورى: 40.

196

في‏ إِلى‏ََ قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ و لم يخرجوا مع 14رسول الله ص و لا حاربوا معه عدوا .

فإن قلت إذا خرجوا مع أسامة فكأنما خرجوا مع 14رسول الله و إذا حاربوا مع أسامة العدو فكأنما حاربوا مع 14رسول الله ص و قد كان سبق أنهم لا يخرجون مع 14رسول الله ص و لا يحاربون معه عدوا قلت و إذا خرجوا مع خالد بن الوليد و غيره في أيام أبي بكر و مع أبي عبيدة و سعد في أيام عمر فكأنما خرجوا مع 14رسول الله ص و حاربوا العدو معه أيضا .

فإن اعتذرت بأنه و إن شابه الخروج معه و الحرب معه إلا أنه على الحقيقة ليس معه و إنما هو مع امرئ من قبل خلفائه قيل لك و كذلك خروجهم مع أسامة و محاربة العدو معه و إن شابه الخروج مع 14النبي و محاربة العدو معه إلا أنه على الحقيقة ليس معه و إنما هو مع بعض أمرائه .

و يمكن أن يعترض الاستدلال بالآية فيقال لا يجوز حملها على بني حنيفة لأنهم كانوا مسلمين و إنما منعوا الزكاة مع قولهم لا إله إلا الله 14محمد رسول الله ص و منع الزكاة لا يخرج به الإنسان عن الإسلام عند المرجئة و الإمامية مرجئة و لا يجوز حملها على فارس و الروم لأنه تعالى أخبر أنه لا واسطة بين قتالهم و إسلامهم كما تقول إما كذا و إما كذا فيقتضي ذلك نفي الواسطة و قتال فارس و الروم بينه و بين إسلامهم واسطة و هو دفع الجزية و إنما تنتفي هذه الواسطة في قتال العرب لأن مشركي العرب لا تؤخذ منهم الجزية فالآية إذن دالة على أن المخلفين سيدعون‏ إِلى‏ََ قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ/}~/‎ الحكم فيهم إما قتالهم و إما إسلامهم و هؤلاء هم مشركو العرب و لم يحارب مشركي العرب إلا 14رسول الله ص فالداعي لهم إذا هو 14رسول الله و بطل الاستدلال بالآية

197

أَنَا وَضَعْتُ فِي اَلصِّغَرِ بِكَلاَكِلِ اَلْعَرَبِ وَ كَسَرْتُ نَوَاجِمَ قُرُونِ رَبِيعَةَ وَ مُضَرَ وَ قَدْ عَلِمْتُمْ مَوْضِعِي مِنْ 14رَسُولِ اَللَّهِ ص بِالْقَرَابَةِ اَلْقَرِيبَةِ وَ اَلْمَنْزِلَةِ اَلْخَصِيصَةِ وَضَعَنِي فِي حَجْرِهِ حِجْرِهِ وَ أَنَا وَلَدٌ وَلِيدٌ يَضُمُّنِي إِلَى صَدْرِهِ وَ يَكْنُفُنِي فِي فِرَاشِهِ وَ يُمِسُّنِي جَسَدَهُ وَ يُشِمُّنِي عَرْفَهُ وَ كَانَ يَمْضَغُ اَلشَّيْ‏ءَ ثُمَّ يُلْقِمُنِيهِ وَ مَا وَجَدَ لِي كَذْبَةً فِي قَوْلٍ وَ لاَ خَطْلَةً فِي فِعْلٍ وَ لَقَدْ قَرَنَ اَللَّهُ بِهِ ص مِنْ لَدُنْ أَنْ كَانَ فَطِيماً أَعْظَمَ مَلَكٍ مِنْ مَلاَئِكَتِهِ يَسْلُكُ بِهِ طَرِيقَ اَلْمَكَارِمِ وَ مَحَاسِنَ أَخْلاَقِ اَلْعَالَمِ لَيْلَهُ وَ نَهَارَهُ وَ لَقَدْ كُنْتُ أَتَّبِعُهُ اِتِّبَاعَ اَلْفَصِيلِ أَثَرَ أُمِّهِ يَرْفَعُ لِي فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَخْلاَقِهِ عَلَماً وَ يَأْمُرُنِي بِالاِقْتِدَاءِ بِهِ وَ لَقَدْ كَانَ يُجَاوِرُ فِي كُلِّ سَنَةٍ بِحِرَاءَ فَأَرَاهُ وَ لاَ يَرَاهُ غَيْرِي وَ لَمْ يَجْمَعْ بَيْتٌ وَاحِدٌ يَوْمَئِذٍ فِي اَلْإِسْلاَمِ غَيْرَ 14رَسُولِ اَللَّهِ ص وَ خَدِيجَةَ وَ أَنَا ثَالِثُهُمَا أَرَى نُورَ اَلْوَحْيِ وَ اَلرِّسَالَةِ وَ أَشُمُّ رِيحَ اَلنُّبُوَّةِ وَ لَقَدْ سَمِعْتُ رَنَّةَ اَلشَّيْطَانِ حِينَ نَزَلَ اَلْوَحْيُ عَلَيْهِ ص فَقُلْتُ يَا 14رَسُولَ اَللَّهِ مَا هَذِهِ اَلرَّنَّةُ فَقَالَ هَذَا اَلشَّيْطَانُ قَدْ أَيِسَ مِنْ عِبَادَتِهِ إِنَّكَ تَسْمَعُ مَا أَسْمَعُ وَ تَرَى مَا أَرَى إِلاَّ أَنَّكَ لَسْتَ بِنَبِيٍّ وَ لَكِنَّكَ لَوَزِيرٌ وَ إِنَّكَ لَعَلَى خَيْرٍ (1) -. الباء في قوله‏ بكلاكل العرب زائدة و الكلاكل‏ الصدور الواحد كلكل و المعنى أني أذللتهم و صرعتهم إلى الأرض .

198

و نواجم قرون ربيعة و مضر من نجم منهم و ظهر و علا قدره و طار صيته .

فإن قلت أما قهره لمضر فمعلوم فما حال ربيعة و لم نعرف أنه قتل منهم أحدا قلت بلى قد قتل بيده و بجيشه كثيرا من رؤسائهم في‏وفقد تقدم ذكر أسمائهم من قبل و هذه الخطبة خطب بها بعد انقضاء أمر.

و العرف‏ بالفتح الريح الطيبة (2) - و مضغ‏ الشي‏ء يمضغه بفتح الضاد .

و الخطلة في الفعل‏ الخطأ فيه و إيقاعه على غير وجهه (3) - .

و حراء اسم جبل بمكة معروف (4) - .

و الرنة الصوت‏

ذكر ما كان من صلة 1علي 14برسول الله في صغره‏

و القرابة القريبة بينه و بين 14رسول الله ص دون غيره من الأعمام كونه رباه في حجره ثم حامى عنه و نصره عند إظهار الدعوة دون غيره من بني هاشم ثم ما كان بينهما من المصاهرة التي أفضت إلى النسل الأطهر دون غيره من الأصهار و نحن نذكر ما ذكره أرباب‏السيرمن معاني هذا الفصل .

14,1- روى الطبري في تاريخه قال حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق قال حدثني عبد الله بن نجيح عن مجاهد قال كان من نعمة الله عز و جل على 1علي بن أبي طالب ع و ما صنع الله له و أراده به من الخير أن قريشا أصابتهم أزمة شديدة و كان أبو طالب ذا عيال كثير فقال 14رسول الله ص للعباس و كان من أيسر بني هاشم يا عباس إن أخاك أبا طالب كثير العيال و قد ترى ما أصاب الناس من هذه الأزمة فانطلق بنا فلنخفف عنه من عياله آخذ من بيته واحدا و تأخذ واحدا

199

فنكفيهما عنه فقال العباس نعم فانطلقا حتى أتيا أبا طالب فقالا له إنا نريد أن نخفف عنك من عيالك حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه فقال لهما إن تركتما لي عقيلا فاصنعا ما شئتما فأخذ 14رسول الله ص 1عليا فضمه إليه و أخذ العباس جعفرا رضي الله عنه فضمه إليه فلم يزل 1علي بن أبي طالب ع مع 14رسول الله ص حتى بعثه الله نبيا فاتبعه 1علي ع فأقر به و صدقه و لم يزل جعفر عند العباس حتى أسلم و استغنى عنه (1) .

14,1- قال الطبري و حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا محمد بن إسحاق قال كان 14رسول الله ص إذا حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكة و خرج معه 1علي بن أبي طالب ع مستخفيا من عمه أبي طالب و من جميع أعمامه و سائر قومه فيصليان الصلوات فيها فإذا أمسيا رجعا فمكثا كذلك ما شاء الله أن يمكثا .

ثم إن أبا طالب عثر عليهما و هما يصليان فقال 14لرسول الله ص يا 14ابن أخي ما هذا الذي أراك تدين به قال يا عم هذا دين الله و دين ملائكته و دين رسله و دين أبينا إبراهيم أو كما قال بعثني الله به رسولا إلى العباد و أنت يا عم أحق من بذلت له النصيحة و دعوته إلى الهدى و أحق من أجابني إليه و أعانني عليه أو كما قال فقال أبو طالب يا 14ابن أخي إني لا أستطيع أن أفارق ديني و دين آبائي و ما كانوا عليه و لكن و الله لا يخلص إليك شي‏ء تكرهه ما بقيت .

قال الطبري و قد روى هؤلاء المذكورون أن أبا طالب قال 1لعلي ع يا 1بني ما هذا الذي أنت عليه فقال يا أبت إني آمنت بالله و 14برسوله و صدقته بما

____________

(1) تاريخ الطبريّ 2: 313 (طبعة المعارف) .

200

جاء به و صليت لله معه قال فزعموا أنه قال له أما إنه لا يدعو إلا إلى خير فالزمه (1) .

و

1- روى الطبري في تاريخه أيضا قال حدثنا أحمد بن الحسين الترمذي قال حدثنا عبد الله بن موسى قال أخبرنا العلاء عن المنهال بن عمر و عن عبد الله بن عبد الله قال سمعت 1عليا ع يقول أنا عبد الله و أخو 14رسوله و أنا الصديق الأكبر لا يقولها بعدي إلا كاذب مفتر صليت قبل الناس بسبع سنين (2) .

و

1- في غير رواية الطبري أنا الصديق الأكبر و أنا الفاروق الأول أسلمت قبل إسلام أبي بكر و صليت قبل صلاته بسبع سنين .

كأنه ع لم يرتض أن يذكر عمر و لا رآه أهلا للمقايسة بينه و بينه و ذلك لأن إسلام عمر كان متأخرا .

14,1- و روى الفضل بن عباس رحمه الله قال سألت أبي عن ولد 14رسول الله ص الذكور أيهم كان 14رسول الله ص له أشد حبا فقال 1علي بن أبي طالب ع فقلت له سألتك عن بنيه فقال إنه كان أحب إليه من بنيه جميعا و أرأف ما رأيناه زايله يوما من الدهر منذ كان طفلا إلا أن يكون في سفر لخديجة و ما رأينا أبا أبر بابن منه 1لعلي و لا ابنا أطوع لأب من 1علي له .

14,1,4,5- و روى الحسين بن زيد بن علي بن الحسين ع قال سمعت زيدا أبي ع يقول كان 14رسول الله يمضغ اللحمة و التمرة حتى تلين و يجعلهما في فم 1علي ع و هو صغير في حجره و كذلك كان أبي 4علي بن الحسين ع يفعل بي و لقد كان يأخذ الشي‏ء من الورك و هو شديد الحرارة فيبرده في الهواء أو ينفخ عليه حتى يبرد ثم يلقمنيه أ فيشفق علي من حرارة لقمة و لا يشفق علي من النار لو كان 5أخي إماما بالوصية كما يزعم هؤلاء لكان 4أبي أفضى بذلك إلي و وقاني من حر جهنم .

____________

(1) تاريخ الطبريّ 2: 314 (المعارف) .

(2) تاريخ الطبريّ 2: 310 (المعارف) .

201

1,14- و روى جبير بن مطعم قال قال أبي مطعم بن عدي لنا و نحن صبيان بمكة أ لا ترون حب هذا الغلام يعني 1عليا 14لمحمد و اتباعه له دون أبيه و اللات و العزى لوددت أن ابني بفتيان بني نوفل جميعا .

14,1- و روى سعيد بن جبير قال سألت أنس بن مالك فقلت أ رأيت قول عمر عن الستة إن 14رسول الله ص مات و هو عنهم راض أ لم يكن راضيا عن غيرهم من أصحابه فقال بلى مات 14رسول الله ص و هو راض عن كثير من المسلمين و لكن كان عن هؤلاء أكثر رضا فقلت له فأي الصحابة كان 14رسول الله ص له أحمد أو كما قال قال ما فيهم أحد إلا و قد سخط منه فعلا و أنكر عليه أمرا إلا اثنان 1علي بن أبي طالب و أبو بكر بن أبي قحافة فإنهما لم يقترفا منذ أتى الله بالإسلام أمرا أسخطا فيه 14رسول الله ص .

ذكر حال 14رسول الله في نشوئه‏

و ينبغي أن نذكر الآن ما ورد في شأن 14رسول الله ص و عصمته بالملائكة ليكون ذلك تقريرا و إيضاحا لقوله ع و لقد قرن الله به من لدن كان فطيما أعظم ملك من ملائكته و أن نذكر حديث مجاورته ع بحراء و كون 1علي ع معه هناك و أن نذكر ما ورد في أنه لم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير 14رسول الله ص و 1عليا و خديجة و أن نذكر ما ورد في سماعه رنة الشيطان و أن نذكر ما ورد في كونه ع وزيرا 14للمصطفى ص أما المقام الأول

14- فروى محمد بن إسحاق بن يسار في كتاب السيرة النبوية و رواه أيضا محمد بن جرير الطبري في تاريخه قال كانت حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية

202

أم 14رسول الله ص التي أرضعته تحدث أنها خرجت من بلدها و معها زوجها و ابن لها ترضعه في نسوة من بني سعد بن بكر يلتمسن الرضاع‏ (1) بمكة في سنة شهباء (2) لم تبق شيئا قالت فخرجت على أتان لنا قمراء (3) عجفاء و معنا شارف‏ (4) لنا ما تبض‏ (5) بقطرة و لا ننام ليلنا أجمع من بكاء صبينا الذي معنا من الجوع ما في ثديي ما يغنيه و لا في شارفنا ما يغديه‏ (6) و لكنا نرجو الغيث و الفرج فخرجت على أتاني تلك و لقد أراثت بالركب ضعفا و عجفا (7) حتى شق ذلك عليهم حتى قدمنا مكة نلتمس الرضاع‏ (8) فما منا امرأة إلا و قد عرض عليها 14محمد ص فتأباه إذا قيل لها إنه يتيم و ذلك أنا إنما كنا نرجو المعروف من أبي الصبي فكنا نقول يتيم ما عسى أن تصنع أمه و جده فكنا نكرهه لذلك فما بقيت امرأة ذهبت معي إلا أخذت رضيعا غيري فلما اجتمعنا للانطلاق قلت لصاحبي و الله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي لم آخذ رضيعا و الله لأذهبن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه قال لا عليك أن تفعلي و عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة فذهبت إليه فأخذته و ما يحملني على أخذه إلا أني لم أجد غيره قالت فلما أخذته رجعت إلى رحلي فلما وضعته في حجري أقبل عليه ثدياي بما شاء من لبن فرضع حتى روي و شرب معه أخوه حتى روي و ما كنا ننام قبل ذلك من بكاء صبينا جوعا فنام و قام زوجي إلى شارفنا تلك فنظر إليها فإذا أنها حافل‏ (9) فحلب منها ما شرب و شربت حتى انتهينا ريا و شبعا فبتنا بخير ليلة قالت يقول

____________

(1) ابن هشام: «تلتمس الرضعاء» .

(2) سنة شهباء، تريد بها سنة الجدب، و ذلك أن الأرض حينئذ تكون بيضاء لانبات فيها.

(3) القمرة بالضم: لون إلى الخضرة، أو بياض فيه كدرة، و حمار أقمر، و أتان قمراء. القاموس.

(4) الشارف: الناقة المسنة.

(5) قال أبو ذرّ الخشنى: ما تبض، بالضاد المعجمة، معناه: ما تنشغ و لا ترشح، و من رواه بالصاد المهملة، فمعناه: «لا يبرق عليها أثر لين، من البصيص، و هو اللمعان» .

(6) قال ابن هشام: «ما يغذيه» .

(7) ابن هشام: «فلقد أدمت بالركب حتّى شق ذلك عليهم ضعفا و عجفا» .

(8) ابن هشام: «الرضعاء» .

(9) حافل: أى ممتلئة الضرع.