شرح نهج البلاغة - ج13

- ابن ابي الحديد المزيد...
320 /
203

صاحبي حين أصبحنا أ تعلمين‏ (1) و الله يا حليمة لقد أخذت نسمة مباركة فقلت و الله إني لأرجو ذلك ثم خرجنا و ركبت أتاني تلك و حملته معي عليها فو الله لقطعت بالركب ما يقدر عليها شي‏ء من حميرهم‏ (2) حتى إن صواحبي ليقلن لي ويحك يا بنت أبي ذؤيب اربعي‏ (3) علينا أ ليس هذه أتانك التي كنت خرجت عليها فأقول لهن بلى و الله إنها لهي فيقلن و الله إن لها لشأنا .

قالت ثم قدمنا منازلنا من بلاد بني سعد و ما أعلم أرضا من أرض العرب أجدب منها فكانت غنمي تروح علي حين قدمنا به معنا شباعا ملأى‏ (4) لبنا فكنا نحتلب و نشرب و ما يحلب إنسان قطرة لبن و لا يجدها في ضرع حتى إن الحاضر من قومنا ليقولون لرعاتهم ويلكم اسرحوا حيث يسرح راعي ابنة أبي ذؤيب فيفعلون فتروح أغنامهم جياعا ما تبض بقطرة و تروح غنمي شباعا لبنا فلم نزل نعرف من الله الزيادة و الخير به حتى مضت سنتاه و فصلته فكان يشب شبابا لا يشبه الغلمان فلم يبلغ سنتيه‏ (5) حتى كان غلاما جفرا (6) فقدمنا به على أمه آمنة بنت وهب و نحن أحرص شي‏ء على مكثه فينا لما كنا نرى من بركته فكلمنا أمه و قلنا لها لو تركته عندنا حتى يغلظ فإنا نخشى عليه‏ (7) وباء مكة فلم نزل بها حتى ردته معنا .

فرجعنا به إلى بلاد بني سعد فو الله إنه لبعد ما قدمنا بأشهر مع أخيه في بهم‏ (8) لنا خلف بيوتنا إذ أتانا أخوه يشتد فقال لي و لأبيه ها هو ذاك أخي القرشي قد جاءه

____________

(1) ابن هشام: «تعلمى» .

(2) ابن هشام: «حمرهم» .

(3) اربعى علينا، أي أقيمى و انتظرى، يقال: ربع فلان على فلان، إذا أقام عليه و انتظره.

(4) ابن هشام: «لبنا» بالتشديد، أي غزيرات اللبن.

(5) من ابن هشام.

(6) جفرا، أي قويا شديدا.

(7) الوباء، مهموز و مقصور: كثرة الأمراض و الموت.

(8) البهم: الصفار من الغنم، واحدها بهمة.

204

رجلان عليهما ثياب بياض فأضجعاه و شقا بطنه فهما يسوطانه‏ (1) قالت فخرجت أنا و أبوه نشتد نحوه فوجدناه قائما (2) ممتقعا وجهه فالتزمته و التزمه أبوه و قلنا ما لك يا بني قال جاءني رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاني ثم شقا بطني فالتمسا فيه شيئا لا أدري ما هو قالت فرجعنا به إلى خبائنا و قال لي أبوه يا حليمة لقد خشيت أن يكون هذا الغلام قد أصيب فألحقيه بأهله قالت فاحتملته حتى قدمت به على أمه فقالت ما أقدمك به يا ظئر و قد كنت حريصة عليه و على مكثه عندك فقلت لها قد بلغ الله بابني و قضيت الذي علي و تخوفت عليه الأحداث و أديته إليك كما تحبين قالت أ تخوفت عليه الشيطان قلت نعم قالت كلا و الله ما للشيطان عليه من سبيل و إن لابني شأنا أ فلا أخبرك خبره قلت بلى قالت رأيت حين حملت به أنه خرج مني نور أضاءت له قصور بصرى من‏ (3) الشام ثم حملت به فو الله ما رأيت حملا قط كان أخف و لا أيسر منه ثم وقع حين ولدته و إنه لواضع يديه بالأرض و رافع رأسه إلى السماء دعيه عنك و انطلقي راشدة (4) .

14- قال و روى الطبري في تاريخه عن شداد بن أوس قال سمعت 14رسول الله ص يحدث عن نفسه و يذكر ما جرى له و هو طفل في أرض بني سعد بن بكر قال لما ولدت استرضعت في بني سعد فبينا أنا ذات يوم منتبذ من

____________

(1) يسوطانه، قال أبو ذرّ الخشنى: يقال: «سطت اللبن و الدم و غيرهما أسوطه، إذا ضربت بعضه ببعض و حركته، و اسم العود الذي يضرب به المسوط» .

(2) ممتقعا: متغيرا، و في ابن هشام: «منتقعا» ، و هما سواء.

(3) قال السهيلى: «ذلك ما فتح اللّه عليه من تلك البلاد، حتى كانت الخلافة فيها مدة بنى أميّة، و استضاءت تلك البلاد و غيرها بنوره صلّى اللّه عليه و سلم» .

(4) سيرة ابن هشام 1: 173-177 (نشرة المكتبة التجارية) .

205

أهلي في بطن واد مع أتراب لي من الصبيان نتقاذف بالجلة إذا أتاني رهط ثلاثة معهم طشت من ذهب مملوءة ثلجا فأخذوني من بين أصحابي فخرج أصحابي هرابا حتى انتهوا إلى شفير الوادي ثم عادوا إلى الرهط فقالوا ما أربكم إلى هذا الغلام فإنه ليس منا هذا ابن سيد قريش و هو مسترضع فينا غلام يـ تيم ليس له أب فما ذا يرد عليكم قتله و ما ذا تصيبون من ذلك و لكن إن كنتم لا بد قاتليه فاختاروا منا أينا شئتم فاقتلوه مكانه و دعوا هذا الغلام فإنه يتيم .

فلما رأى الصبيان أن القوم لا يحيرون لهم جوابا انطلقوا هرابا مسرعين إلى الحي يؤذنونهم و يستصرخونهم على القوم فعمد أحدهم فأضجعني إضجاعا لطيفا ثم شق ما بين مفرق صدري إلى منتهى عانتي و أنا أنظر إليه فلم أجد لذلك حسا ثم أخرج بطني فغسلها بذلك الثلج فأنعم غسلها ثم أعادها مكانها ثم قام الثاني منهم فقال لصاحبه تنح فنحاه عني ثم أدخل يده في جوفي و أخرج قلبي و أنا أنظر إليه فصدعه ثم أخرج منه مضغة سوداء فرماها ثم قال بيده يمنة (1) منه و كأنه‏ (2) يتناول شيئا فإذا في يده خاتم من نور تحار أبصار الناظرين دونه فختم به قلبي ثم أعاده مكانه فوجدت برد ذلك الخاتم في قلبي دهرا ثم قال الثالث لصاحبه تنح عنه فأمر يده ما بين مفرق صدري إلى منتهى عانتي فالتأم ذلك الشق ثم أخذ بيدي فأنهضني من مكاني إنهاضا لطيفا و قال للأول الذي شق بطني زنه بعشرة من أمته فوزنني بهم فرجحتهم فقال دعوه فلو وزنتموه بأمته كلها لرجحهم ثم ضموني إلى صدرهم و قبلوا رأسي و ما بين عيني و قالوا يا حبيب الله لا ترع إنك لو تدري ما يراد بك من الخير لقرت عيناك فبينا أنا كذلك إذا أنا بالحي قد جاءوا بحذافيرهم و إذا أمي و هي

____________

(1) في الأصول: «نميه» تصحيف.

(2) الطبريّ: «و كأنّه» .

206

ظئري أمام الحي تهتف بأعلى صوتها و تقول يا ضعيفاه فانكب علي أولئك الرهط فقبلوا رأسي و ما بين عيني و قالوا حبذا أنت من ضعيف ثم قالت ظئري يا وحيداه فانكبوا علي و ضموني إلى صدورهم و قبلوا رأسي و ما بين عيني ثم قالوا حبذا أنت من وحيد و ما أنت بوحيد إن الله و ملائكته معك و المؤمنين من أهل الأرض ثم قالت ظئري يا يتيماه استضعفت من بين أصحابك فقتلت لضعفك فانكبوا علي و ضموني إلى صدورهم و قبلوا رأسي و ما بين عيني و قالوا حبذا أنت من يتيم ما أكرمك على الله لو تعلم ما يراد بك من الخير قال فوصل الحي إلى شفير الوادي فلما بصرت بي أمي و هي ظئري نادت يا بني أ لا أراك حيا بعد فجاءت حتى انكبت علي و ضمتني إلى صدرها فو الذي نفسي بيده إني لفي حجرها قد ضمتني إليها و إن يدي لفي يد بعضهم فجعلت ألتفت إليهم و ظننت أن القوم يبصرونهم فإذا هم لا يبصرونهم فيقول بعض القوم إن هذا الغلام قد أصابه لمم أو طائف من الجن فانطلقوا به إلى كاهن بني فلان حتى ينظر إليه و يداويه فقلت ما بي شي‏ء مما يذكرون نفسي سليمة و إن فؤادي صحيح ليست بي قلبة (1) فقال أبي و هو زوج ظئري أ لا ترون كلامه صحيحا إني لأرجو ألا يكون على ابني بأس .

فاتفق القوم على أن يذهبوا إلى الكاهن بي فاحتملوني حتى ذهبوا بي إليه فقصوا عليه قصتي فقال اسكتوا حتى أسمع من الغلام فهو أعلم بأمره منكم فسألني فقصصت عليه أمري و أنا يومئذ ابن خمس سنين فلما سمع قولي وثب و قال يا للعرب اقتلوا هذا الغلام فهو و اللات و العزى لئن عاش ليبدلن دينكم و ليخالفن أمركم و ليأتينكم بما لم تسمعوا به قط فانتزعتني ظئري من حجره و قالت لو علمت أن هذا يكون من قولك ما أتيتك به

____________

(1) ليس بى قلبة، أي ليس به شي‏ء، و أصله من القلاب، و هو داء يأخذ الإبل في رءوسها، فيقلبها إلى فوق، قال في اللسان: «و لا يستعمل إلاّ في النفي» .

207

ثم احتملوني فأصبحت و قد صار في جسدي أثر الشق ما بين صدري إلى منتهى عانتي كأنه الشراك‏ (1) .

و

5,14- روي أن بعض أصحاب 5أبي جعفر محمد بن علي الباقر ع سأله عن قول الله عز و جل‏ إِلاََّ مَنِ اِرْتَضى‏ََ مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ رَصَداً (2) فقال ع يوكل الله تعالى بأنبيائه ملائكة يحصون أعمالهم و يؤدون إليه تبليغهم الرسالة و وكل 14بمحمد ص ملكا عظيما منذ فصل عن الرضاع يرشده إلى الخيرات و مكارم الأخلاق و يصده عن الشر و مساوئ الأخلاق و هو الذي كان يناديه السلام عليك يا 14محمد يا رسول الله و هو شاب لم يبلغ درجة الرسالة بعد فيظن أن ذلك من الحجر و الأرض فيتأمل فلا يرى شيئا .

و

14- روى الطبري في التاريخ عن محمد بن الحنفية عن أبيه 1علي ع قال سمعت 14رسول الله ص يقول ما هممت بشي‏ء مما كان أهل الجاهلية يعملون به غير مرتين كل ذلك يحول الله تعالى بيني و بين ما أريد من ذلك ثم ما هممت بسوء حتى أكرمني الله برسالته قلت ليلة لغلام من قريش كان يرعى معي بأعلى مكة لو أبصرت لي غنمي حتى أدخل مكة فأسمر بها كما يسمر الشباب فخرجت أريد ذلك حتى إذا جئت أول دار من دور مكة سمعت عزفا بالدف‏ (3) و المزامير فقلت ما هذا قالوا هذا فلان تزوج ابنة فلان فجلست أنظر إليهم فضرب الله على أذني فنمت فما أيقظني إلا مس الشمس فرجعت إلى صاحبي فقال ما فعلت فقلت ما صنعت شيئا ثم أخبرته الخبر ثم قلت له ليلة أخرى مثل ذلك فقال أفعل فخرجت فسمعت حين دخلت مكة مثل ما سمعت حين دخلتها تلك الليلة فجلست

____________

(1) الخبر بتفصيل أوفى في الطبريّ: 2: 161-165 (طبع المعارف) .

(2) سورة الجن 27.

(3) الطبريّ: «بالدفوف» .

208

أنظر فضرب الله على أذني فما أيقظني إلا مس الشمس فرجعت إلى صاحبي فأخبرته الخبر ثم ما هممت بعدها بسوء حتى أكرمني الله برسالته‏ (1) .

و

14- روى محمد بن حبيب في أماليه قال قال 14رسول الله ص أذكر و أنا غلام ابن سبع سنين و قد بنى ابن جدعان دارا له بمكة فجئت مع الغلمان نأخذ التراب و المدر في حجورنا فننقله فملأت حجري ترابا فانكشفت عورتي فسمعت نداء من فوق رأسي يا 14محمد أرخ إزارك فجعلت أرفع رأسي فلا أرى شيئا إلا أني أسمع الصوت فتماسكت و لم أرخه فكأن إنسانا ضربني على ظهري فخررت لوجهي و انحل إزاري فسترني و سقط التراب إلى الأرض فقمت إلى دار أبي طالب عمي و لم أعد.

14,1- و أما حديث مجاورته ع بحراء فمشهور و قد ورد في الكتب الصحاح أنه كان يجاور في حراء من كل سنة شهرا و كان يطعم في ذلك الشهر من جاءه من المساكين فإذا قضى جواره من حراء كان أول ما يبدأ به إذا انصرف أن يأتي باب الكعبة قبل أن يدخل بيته فيطوف بها سبعا أو ما شاء الله من ذلك ثم يرجع إلى بيته حتى جاءت السنة التي أكرمه الله فيها بالرسالة فجاور في حراء شهر رمضان و معه أهله خديجة و 1علي بن أبي طالب و خادم لهم فجاءه جبريل بالرسالة و قال ع جاءني و أنا نائم بنمط فيه كتاب فقال اقرأ قلت ما أقرأ فغتني‏ (2) حتى ظننت أنه الموت ثم أرسلني فقال‏ (2) اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ اَلَّذِي خَلَقَ إلى قوله‏ عَلَّمَ اَلْإِنْسََانَ

____________

(1) تاريخ الطبريّ 2: 279 (المعارف) .

(2) غتى، قال ابن الأثير: «الغت و الغط سواء، كأنّه أراد: عصرنى عصرا شديدا حتّى وجدت منه المشقة كما يجد من يغمس في الماء قهرا. النهاية 3: 149.

209

مََا لَمْ يَعْلَمْ (1) فقرأته ثم انصرف عني فانتبهت من نومي و كأنما كتب في قلبي كتاب .

و ذكر تمام الحديث .

و أما حديث أن الإسلام لم يجتمع عليه بيت واحد يومئذ إلا 14النبي و هو ع و خديجة

14,1- فخبر عفيف الكندي مشهور و قد ذكرناه من قبل و أن أبا طالب قال له أ تدري من هذا قال لا قال هذا ابن أخي 14محمد بن عبد الله بن عبد المطلب و هذا ابني 1علي بن أبي طالب و هذه المرأة خلفهما خديجة بنت خويلد زوجة 14محمد ابن أخي و ايم الله ما أعلم على الأرض كلها أحدا على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة .

و أما رنة الشيطان

1,14- فروى أبو عبد الله أحمد بن حنبل في مسنده عن 1علي بن أبي طالب ع قال كنت مع 14رسول الله ص صبيحة الليلة التي أسري به فيها و هو بالحجر يصلي فلما قضى صلاته و قضيت صلاتي سمعت رنة شديدة فقلت يا 14رسول الله ما هذه الرنة قال أ لا تعلم هذه رنة الشيطان علم أني أسري بي الليلة إلى السماء فأيس من أن يعبد في هذه الأرض .

و

14- قد روي عن 14النبي ص ما يشابه هذا لما بايعه الأنصار السبعون‏سمع من العقبة صوت عال في جوف الليل يا أهل مكة هذا مذمم و الصباة معه قد أجمعوا على حربكم فقال 14رسول الله ص للأنصار أ لا تسمعون ما يقول هذا أزب العقبة يعني شيطانها و قد روي أزبب العقبة ثم التفت إليه فقال‏ (2) استمع يا عدو الله أما و الله لأفرغن لك .

____________

(1) سورة اقرأ: 5.

(2) في اللسان: «كانت العرب تسمى النبيّ صلّى اللّه عليه و سلم الصابئ لأنّه خرج من دين قريش إلى الإسلام، و يسمون من دخل في دين الإسلام مصبوا، لأنهم كانوا لا يهمزون، فأبدلوا من الهمزة واوا، و يسمون المسلمين الصباة بغير همز، كانه جمع الصابى» .

210

و

14,1- روي عن 6جعفر بن محمد الصادق ع قال كان 1علي ع يرى مع 14رسول الله ص قبل الرسالة الضوء و يسمع الصوت و قال له ص لو لا أني خاتم الأنبياء لكنت شريكا في النبوة فإن لا تكن نبيا فإنك وصي نبي و وارثه بل أنت سيد الأوصياء و إمام الأتقياء .

و أما خبر الوزارة

14- فقد ذكره الطبري في تاريخه عن عبد الله بن عباس عن 1علي بن أبي طالب ع قال لما أنزلت هذه الآية وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ اَلْأَقْرَبِينَ (1) على 14رسول الله ص دعاني فقال يا 1علي إن الله أمرني أن‏ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ اَلْأَقْرَبِينَ فضقت بذلك ذرعا و علمت أني متى أنادهم بهذا الأمر أر منهم ما أكره فصمت حتى جاءني جبريل ع فقال يا 14محمد إنك إن لم تفعل ما أمرت به يعذبك ربك فاصنع لنا صاعا من طعام و اجعل عليه رجل شاة و املأ لنا عسا من لبن ثم اجمع بني عبد المطلب حتى أكلمهم و أبلغهم ما أمرت به ففعلت ما أمرني به ثم دعوتهم و هم يومئذ أربعون رجلا يزيدون رجلا أو ينقصونه و فيهم أعمامه- أبو طالب و حمزة و العباس و أبو لهب فلما اجتمعوا إليه دعا بالطعام الذي صنعت لهم فجئت به فلما وضعته تناول 14رسول الله ص بضعة (2) من اللحم فشقها بأسنانه ثم ألقاها في نواحي الصحفة ثم قال كلوا باسم الله فأكلوا حتى ما لهم إلى شي‏ء من حاجة و ايم الله الذي نفس 1علي بيده إن كان الرجل الواحد منهم ليأكل ما قدمته لجميعهم ثم قال اسق القوم يا 1علي فجئتهم بذلك العس فشربوا منه حتى رووا جميعا و ايم الله إن كان الرجل منهم ليشرب مثله فلما أراد 14رسول الله ص أن يكلمهم بدره أبو لهب إلى الكلام فقال لشد ما سحركم صاحبكم فتفرق القوم و لم يكلمهم 14رسول الله ص فقال من الغد يا 1علي إن هذا الرجل قد سبقني

____________

(1) سورة الشعراء 214.

(2) البضعة بالفتح، و قد تكسر: القطعة من اللحم.

211

إلى ما سمعت من القول فتفرق القوم قبل أن أكلمهم فعد لنا اليوم إلى مثل ما صنعت بالأمس ثم اجمعهم لي ففعلت ثم جمعتهم ثم دعاني بالطعام فقربته لهم ففعل كما فعل بالأمس فأكلوا حتى ما لهم بشي‏ء حاجة ثم قال اسقهم فجئتهم بذلك العس فشربوا منه جميعا حتى رووا ثم تكلم 14رسول الله ص فقال يا بني عبد المطلب إني و الله ما أعلم أن شابا في العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به إني قد جئتكم بخير الدنيا و الآخرة و قد أمرني الله أن أدعوكم إليه فأيكم يوازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي و وصيي و خليفتي فيكم فأحجم القوم عنها جميعا و قلت أنا (1) و إني لأحدثهم سنا و أرمصهم‏ (2) عينا و أعظمهم بطنا و أحمشهم‏ (3) ساقا أنا يا 14رسول الله أكون وزيرك عليه فأعاد القول فأمسكوا و أعدت ما قلت فأخذ برقبتي ثم قال لهم هذا أخي و وصيي و خليفتي فيكم فاسمعوا له و أطيعوا فقام القوم يضحكون و يقولون لأبي طالب قد أمرك أن تسمع لابنك و تطيع (4) .

و يدل على أنه وزير 14رسول الله ص من نص الكتاب و السنة قول الله تعالى‏ وَ اِجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي `هََارُونَ أَخِي `اُشْدُدْ بِهِ أَزْرِي `وَ أَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (5) و

14,1- قال 14النبي ص في الخبر المجمع على روايته بين سائر فرق الإسلام أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي.

فأثبت له جميع مراتب هارون عن موسى فإذن هو وزير 14رسول الله ص و شاد أزره و لو لا أنه خاتم النبيين لكان شريكا في أمره .

____________

(1) ساقطة من التاريخ.

(2) الرمص في العين: كالغمص، و هو قذى تلفظ به؛ كناية عن صغر سنه.

(3) حمش الساقين: رفيعهما.

(4) تاريخ الطبريّ 2: 319-321 (المعارف) ، و تفسير الطبريّ 19: 74، 75 (بولاق) ، بتفصيل أوفى.

(5) سورة طه 29-31.

212

و

1,14- روى أبو جعفر الطبري أيضا في التاريخ أن رجلا قال 1لعلي ع يا 1أمير المؤمنين بم ورثت 14ابن عمك دون عمك فقال 1علي ع هاؤم ثلاث مرات حتى اشرأب الناس و نشروا آذانهم ثم قال جمع 14رسول الله ص بني عبد المطلب بمكة و هم رهطه‏ (1) كلهم يأكل الجذعة و يشرب الفرق‏ (2) فصنع مدا من طعام حتى أكلوا و شبعوا و بقي الطعام كما هو كأنه لم يمس ثم دعا بغمر (3) فشربوا و رووا و بقي الشراب كأنه لم يشرب ثم قال يا بني عبد المطلب إني بعثت إليكم خاصة و إلى الناس عامة فأيكم يبايعني على أن يكون أخي و صاحبي و وارثي فلم يقم إليه أحد فقمت إليه و كنت من أصغر القوم فقال اجلس ثم قال ذلك ثلاث مرات كل ذلك أقوم إليه فيقول اجلس حتى كان في الثالثة فضرب بيده على يدي فعند ذلك ورثت 14ابن عمي دون عمي (4) .

وَ لَقَدْ كُنْتُ مَعَهُ ص لَمَّا أَتَاهُ اَلْمَلَأُ مِنْ قُرَيْشٍ فَقَالُوا لَهُ يَا 14مُحَمَّدُ إِنَّكَ قَدِ اِدَّعَيْتَ عَظِيماً لَمْ يَدَّعِهِ آبَاؤُكَ وَ لاَ أَحَدٌ مِنْ بَيْتِكَ وَ نَحْنُ نَسْأَلُكَ أَمْراً إِنْ أَنْتَ أَجَبْتَنَا إِلَيْهِ وَ أَرَيْتَنَاهُ عَلِمْنَا أَنَّكَ نَبِيٌّ وَ رَسُولٌ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ عَلِمْنَا أَنَّكَ سَاحِرٌ كَذَّابٌ فَقَالَ ص وَ مَا تَسْأَلُونَ قَالُوا تَدْعُو لَنَا هَذِهِ اَلشَّجَرَةَ حَتَّى تَنْقَلِعَ بِعُرُوقِهَا وَ تَقِفَ بَيْنَ يَدَيْكَ فَقَالَ ص‏ إِنَّ اَللََّهَ عَلى‏ََ كُلِّ

____________

(1) في الأصول: «رهط» ، و أثبت ما في الطبريّ.

(2) الفرق، بكسر الفاء، و بعضهم يقول بالفتح: مكيال كبير لأهل المدينة يكال به اللبن.

(3) الغمر: القدح الصغير.

(4) تاريخ الطبريّ 2: 321، 322.

213

شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ فَإِنْ فَعَلَ اَللَّهُ لَكُمْ ذَلِكَ أَ تُؤْمِنُونَ وَ تَشْهَدُونَ بِالْحَقِّ قَالُوا نَعَمْ قَالَ فَإِنِّي سَأُرِيكُمْ مَا تَطْلُبُونَ وَ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكُمْ لاَ تَفِيئُونَ إِلَى خَيْرٍ وَ أَنَّ فِيكُمْ مَنْ يُطْرَحُ فِي اَلْقَلِيبِ وَ مَنْ يُحَزِّبُ اَلْأَحْزَابَ ثُمَّ قَالَ ص يَا أَيَّتُهَا اَلشَّجَرَةُ إِنْ كُنْتِ تُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلآْخِرِ وَ تَعْلَمِينَ أَنِّي رَسُولُ اَللَّهِ فَانْقَلِعِي بِعُرُوقِكِ حَتَّى تَقِفِي بَيْنَ يَدَيَّ بِإِذْنِ اَللَّهِ وَ اَلَّذِي فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ لاَنْقَلَعَتْ بِعُرُوقِهَا وَ جَاءَتْ وَ لَهَا دَوِيٌّ شَدِيدٌ وَ قَصْفٌ كَقَصْفِ أَجْنِحَةِ اَلطَّيْرِ حَتَّى وَقَفَتْ بَيْنَ يَدَيْ 14رَسُولِ اَللَّهِ ص مُرَفْرِفَةً وَ أَلْقَتْ بِغُصْنِهَا اَلْأَعْلَى عَلَى 14رَسُولِ اَللَّهِ ص وَ بِبَعْضِ أَغْصَانِهَا عَلَى مَنْكِبِي وَ كُنْتُ عَنْ يَمِينِهِ ص فَلَمَّا نَظَرَ اَلْقَوْمُ إِلَى ذَلِكَ قَالُوا عُلُوّاً وَ اِسْتِكْبَاراً فَمُرْهَا فَلْيَأْتِكَ نِصْفُهَا وَ يَبْقَى نِصْفُهَا فَأَمَرَهَا بِذَلِكَ فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ نِصْفُهَا كَأَعْجَبِ إِقْبَالٍ وَ أَشَدِّهِ دَوِيّاً فَكَادَتْ تَلْتَفُّ 14بِرَسُولِ اَللَّهِ ص فَقَالُوا كُفْراً وَ عُتُوّاً فَمُرْ هَذَا اَلنِّصْفَ فَلْيَرْجِعْ إِلَى نِصْفِهِ كَمَا كَانَ فَأَمَرَهُ ص فَرَجَعَ فَقُلْتُ أَنَا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اَللَّهُ إِنِّي أَوَّلُ مُؤْمِنٍ بِكَ يَا 14رَسُولَ اَللَّهِ وَ أَوَّلُ مَنْ أَقَرَّ بِأَنَّ اَلشَّجَرَةَ فَعَلَتْ مَا فَعَلَتْ بِأَمْرِ اَللَّهِ تَعَالَى تَصْدِيقاً بِنُبُوَّتِكَ وَ إِجْلاَلاً لِكَلِمَتِكَ فَقَالَ اَلْقَوْمُ كُلُّهُمْ بَلْ سَاحِرٌ كَذَّابٌ عَجِيبُ اَلسِّحْرِ خَفِيفٌ فِيهِ وَ هَلْ يُصَدِّقُكَ فِي أَمْرِكَ إِلاَّ مِثْلُ هَذَا يَعْنُونَنِي وَ إِنِّي لَمِنْ قَوْمٍ لاَ تَأْخُذُهُمْ فِي اَللَّهِ لَوْمَةُ لاَئِمٍ سِيمَاهُمْ سِيمَا اَلصِّدِّيقِينَ وَ كَلاَمُهُمْ كَلاَمُ اَلْأَبْرَارِ عُمَّارُ اَللَّيْلِ وَ مَنَارُ اَلنَّهَارِ مُتَمَسِّكُونَ بِحَبْلِ اَلْقُرْآنِ يُحْيُونَ سُنَنَ اَللَّهِ وَ سُنَنَ 14رَسُولِهِ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ وَ لاَ يَعْلُونَ وَ لاَ يَغُلُّونَ وَ لاَ يُفْسِدُونَ قُلُوبُهُمْ فِي اَلْجِنَانِ وَ أَجْسَادُهُمْ فِي اَلْعَمَلِ (1) -.

214

الملأ الجماعة (1) - و لا تفيئون لا ترجعون و من يطرح في القليب كعتبة و شيبة ابني ربيعة بن عبد شمس و عمرو بن هشام بن المغيرة المكنى أبا جهل و غيرهم طرحوا في قليب بدر بعد انقضاء الحرب و من يحزب الأحزاب أبو سفيان صخر بن حرب بن أمية (2) - .

و القصف‏ و القصيف الصوت (3) - و سيماهم علامتهم و مثله سيمياء (4) - .

و معنى قوله ع‏ قلوبهم في الجنان و أجسادهم في العمل أن قلوبهم ملتذة بمعرفة الله تعالى و أجسادهم نصبة بالعبادة (5) - .

و أما أمر الشجرة التي دعاها 14رسول الله ص فالحديث الوارد فيها كثير مستفيض قد ذكره المحدثون في كتبهم و ذكره المتكلمون في معجزات 14الرسول ص و الأكثرون رووا الخبر فيها على الوضع الذي جاء في خطبة 1أمير المؤمنين و منهم من يروي ذلك مختصرا أنه دعا شجرة فأقبلت تخد إليه الأرض خدا .

14- و قد ذكر البيهقي في كتاب دلائل النبوة حديث الشجرة و رواه أيضا محمد بن إسحاق بن يسار في كتاب السيرة و المغازي على وجه آخر قال محمد بن إسحاق كان ركانة (1) بن عبد يزيد بن هاشم بن عبد المطلب بن عبد مناف أشد قريش كلها فخلا يوما 14برسول الله ص في بعض شعاب مكة فقال له 14رسول الله ص يا ركانة أ لا تتقي الله و تقبل ما أدعوك إليه قال لو أعلم أن الذي تقول حق لاتبعتك قال أ فرأيت إن صرعتك أ تعلم أن ما أقول لك حق قال نعم قال فقم حتى أصارعك فقام ركانة فلما بطش به 14رسول الله ص أضجعه لا يملك من نفسه شيئا فقال عد يا 14محمد فعاد فصرعه فقال يا 14محمد إن هذا لعجب حين‏ (2) تصرعني فقال 14رسول الله ص و أعجب من ذلك إن شئت أريتكه إن اتقيت الله و اتبعت أمري

____________

(1) كذا ضبطه صاحب الاشتقاق 78، بضم الراء.

(2) ب: «حتى» ، تصحيف، و في ابن هشام: «أ تصرعنى» .

215

قال ما هو قال أدعو لك هذه الشجرة التي تراها فتأتي قال فادعها فدعاها فأقبلت حتى وقفت بين يدي 14رسول الله ص ثم قال ارجعي إلى مكانك فرجعت إلى مكانها فرجع ركانة إلى قومه و قال يا بني عبد مناف ساحروا (1) بصاحبكم أهل الأرض فما رأيت أسحر منه قط ثم أخبرهم بالذي رأى و الذي صنع .

(2) ـ

القول في إسلام أبي بكر و 1علي و خصائص كل منهما

و ينبغي أن نذكر في هذا الموضع ملخص ما ذكره الشيخ أبو عثمان الجاحظ في كتابه المعروف بكتاب العثمانية في تفضيل إسلام أبي بكر على إسلام 1علي ع لأن هذا الموضع يقتضيه لقوله ع حكاية عن قريش لما صدق 14رسول الله ص و هل يصدقك في أمرك إلا مثل هذا لأنهم استصغروا سنه فاستحقروا أمر 14محمد رسول الله ص حيث لم يصدقه في دعواه إلا غلام صغير السن و شبهة العثمانية التي قررها الجاحظ من هذه الشبهة نشأت و من هذه الكلمة تفرعت لأن خلاصتها أن أبا بكر أسلم و هو ابن أربعين سنة و 1علي أسلم و لم يبلغ الحلم فكان إسلام أبي بكر أفضل .

ثم نذكر ما اعترض به شيخنا أبو جعفر الإسكافي على الجاحظ في كتابه المعروف بنقض العثمانية و يتشعب الكلام بينهما حتى يخرج عن البحث في الإسلامين إلى البحث في أفضلية الرجلين و خصائصهما فإن ذلك لا يخلو عن فائدة جليلة و نكتة

____________

(1) ساحروا: أى غالبوهم بالسحر.

(2) سيرة ابن هشام 1: 418 (نشرة المكتبة التجارية) .

216

لطيفة لا يليق أن يخلو كتابنا هذا عنها و لأن كلامهما بالرسائل و الخطابة أشبه و في الكتابة أقصد و أدخل و كتابنا هذا موضوع لذكر ذلك و أمثاله .

قال أبو عثمان قالت العثمانية أفضل الأمة و أولاها بالإمامة أبو بكر بن أبي قحافة لإسلامه على الوجه الذي لم يسلم عليه أحد في عصره و ذلك أن الناس اختلفوا في أول الناس إسلاما فقال قوم أبو بكر و قال قوم زيد بن حارثة و قال قوم خباب بن الأرت .

و إذا تفقدنا أخبارهم و أحصينا أحاديثهم و عددنا رجالهم و نظرنا في صحة أسانيدهم كان الخبر في تقدم إسلام أبي بكر أعم و رجاله أكثر و أسانيده أصح و هو بذاك أشهر و اللفظ فيه أظهر مع الأشعار الصحيحة و الأخبار المستفيضة في حياة 14رسول الله ص و بعد وفاته و ليس بين الأشعار و الأخبار فرق إذا امتنع في مجيئها و أصل مخرجها التباعد و الاتفاق و التواطؤ و لكن ندع هذا المذهب جانبا و نضرب عنه صفحا اقتدارا على الحجة و وثوقا بالفلج و القوة و نقتصر على أدنى نازل في أبي بكر و ننزل على حكم الخصم فنقول إنا وجدنا من يزعم أنه أسلم قبل زيد و خباب و وجدنا من يزعم أنهما أسلما قبله و أوسط الأمور أعدلها و أقربها من محبة الجميع و رضا المخالف أن نجعل إسلامهم كان معا إذ الأخبار متكافئة و الآثار متساوية على ما تزعمون و ليست إحدى القضيتين أولى في صحة العقل من الأخرى ثم نستدل على إمامه أبي بكر بما ورد فيه من الحديث و بما أبانه به 14الرسول ص من غيره .

قالوا فمما روي من تقدم إسلامه ما

17- حدث به أبو داود و ابن مهدي عن شعبة و ابن عيينة عن الجريري عن أبي هريرة قال أبو بكر أنا أحقكم بهذا الأمر يعني الخلافة أ لست أول من صلى .

217

14- روى عباد بن صهيب عن يحيى بن عمير عن محمد بن المنكدر أن 14رسول الله ص قال إن الله بعثني بالهدى و دين الحق إلى الناس كافة فقالوا كذبت و قال أبو بكر صدقت.

17- و روى يعلى بن عبيد قال جاء رجل إلى ابن عباس فسأله من كان أول الناس إسلاما فقال أ ما سمعت قول حسان بن ثابت

إذا تذكرت شجوا من أخي ثقة # فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا (1)

الثاني التالي المحمود مشهده # و أول الناس منهم صدق الرسلا (2) .

و قال أبو محجن

سبقت إلى الإسلام و الله شاهد # و كنت حبيبا بالعريش المشهر (3) .

و قال كعب بن مالك

سبقت أخا تيم إلى دين 14أحمد # و كنت لدى الغيران في الكهف صاحبا (4) .

17- و روى ابن أبي شيبة عن عبد الله بن إدريس و وكيع عن شعبة عن عمرو بن مرة قال قال النخعي أبو بكر أول من أسلم .

و

14- روى هيثم عن يعلى بن عطاء عن عمرو بن عنبسة قال أتيت 14النبي ص و هو بعكاظ فقلت من بايعك على هذا الأمر فقال بايعني حر و عبد فلقد رأيتني يومئذ و أنا رابع الإسلام .

____________

(1) ديوانه 299، و العثمانية 111.

(2) بعده في الديوان و العثمانية:

و ثاني اثنين في الغار المنيف و قد # طاف العداة به إذ صعّد الجبلا

خير البريّة أتقاها و أطهرها # إلا النبيّ و أوفاها بما حملا.

(3) في الأصول: «المشهرا» ، و أثبت ما في العثمانية، من أبيات ثلاثة أوردها على قافية الراء المكسورة.

(4) العثمانية 111.

218

قال بعض أصحاب الحديث يعني بالحر أبا بكر و بالعبد بلالا .

و

14- روى الليث بن سعد عن معاوية بن صالح عن سليم بن عامر عن أبي أمامه قال حدثني عمرو بن عنبسة أنه سأل 14النبي ص و هو بعكاظ فقال له من تبعك قال تبعني حر و عبد أبو بكر و بلال .

و

1- روى عمرو بن إبراهيم الهاشمي عن عبد الملك بن عمير عن أسيد بن صفوان صاحب 14النبي ص قال لما قبض أبو بكر جاء 1علي بن أبي طالب ع فقال رحمك الله أبا بكر كنت أول الناس إسلاما .

1- و روى عباد عن الحسن بن دينار عن بشر بن أبي زينب عن عكرمة مولى ابن عباس قال إذا لقيت الهاشميين قالوا 1علي بن أبي طالب أول من أسلم و إذا لقيت الذين يعلمون قالوا أبو بكر أول من أسلم .

قال أبو عثمان الجاحظ قالت العثمانية فإن قال قائل فما بالكم لم تذكروا 1علي بن أبي طالب في هذه الطبقة و قد تعلمون كثرة مقدميه و الرواية فيه قلنا قد علمنا الرواية الصحيحة و الشهادة القائمة أنه أسلم و هو حدث غرير و طفل صغير فلم نكذب الناقلين و لم نستطع أن نلحق إسلامه بإسلام البالغين لأن المقلل زعم أنه أسلم و هو ابن خمس سنين و المكثر زعم أنه أسلم و هو ابن تسع سنين فالقياس أن يؤخذ بالأوسط بين الروايتين و بالأمر بين الأمرين و إنما يعرف حق ذلك من باطله بأن نحصي سنيه التي ولي فيها الخلافة و سني عمر و سني عثمان و سني أبي بكر و مقام 14النبي ص بالمدينة و مقامه بمكة عند إظهار الدعوة فإذا فعلنا ذلك صح أنه أسلم و هو ابن سبع سنين فالتاريخ المجمع عليه أنه قتل ع في شهر رمضان سنة أربعين .

219

قال شيخنا أبو جعفر الإسكافي (1) لو لا ما غلب على الناس من الجهل و حب التقليد لم نحتج إلى نقض ما احتجت به العثمانية فقد علم الناس كافة أن الدولة و السلطان لأرباب مقالتهم و عرف كل أحد علو أقدار شيوخهم و علمائهم و أمرائهم و ظهور كلمتهم و قهر سلطانهم و ارتفاع التقية عنهم و الكرامة و الجائزة لمن روى الأخبار و الأحاديث في فضل أبي بكر و ما كان من تأكيد بني أمية لذلك و ما ولده المحدثون من الأحاديث طلبا لما في أيديهم فكانوا لا يألون جهدا في طول ما ملكوا أن يخملوا ذكر 1علي ع و ولده و يطفئوا نورهم و يكتموا فضائلهم و مناقبهم و سوابقهم و يحملوا على شتمهم و سبهم و لعنهم على المنابر فلم يزل السيف يقطر من دمائهم مع قلة عددهم و كثرة عدوهم فكانوا بين قتيل و أسير و شريد و هارب و مستخف ذليل و خائف مترقب حتى إن الفقيه و المحدث و القاضي و المتكلم ليتقدم إليه و يتوعد بغاية الإيعاد و أشد العقوبة ألا يذكروا شيئا من فضائلهم و لا يرخصوا لأحد أن يطيف بهم و حتى بلغ من تقية المحدث أنه إذا ذكر حديثا عن 1علي ع كنى عن ذكره فقال قال رجل من قريش و فعل رجل من قريش و لا يذكر 1عليا ع و لا يتفوه باسمه .

ثم رأينا جميع المختلفين قد حاولوا نقض فضائله و وجهوا الحيل و التأويلات نحوها من خارجي مارق و ناصب حنق و ثابت مستبهم و ناشئ معاند و منافق مكذب و عثماني حسود يعترض فيها و يطعن و معتزلي قد نقض في‏الكلام‏و أبصر علم الاختلاف

____________

(1) هو محمّد بن عبد اللّه أبو جعفر المعروف بالإسكافى، ذكره الخطيب في تاريخ بغداد 5: 416، و قال عنه: «أحد المتكلّمين من معتزلة البغداديين، و له تصانيف معروفة... و بلغني أنّه مات في سنة أربعين و مائتين» .

220

و عرف الشبه و مواضع الطعن و ضروب التأويل قد التمس الحيل في إبطال مناقبه و تأول مشهور فضائله فمرة يتأولها بما لا يحتمل و مرة يقصد أن يضع من قدرها بقياس منتقض و لا يزداد مع ذلك إلا قوة و رفعة و وضوحا و استنارة و قد علمت أن معاوية و يزيد و من كان بعدهما من بني مروان أيام ملكهم و ذلك نحو ثمانين سنة لم يدعوا جهدا في حمل الناس على شتمه و لعنه و إخفاء فضائله و ستر مناقبه و سوابقه ـ

1- روى خالد بن عبد الله الواسطي عن حصين بن عبد الرحمن عن هلال بن يساف عن عبد الله بن ظالم قال لما بويع لمعاوية أقام المغيرة بن شعبة خطباء يلعنون 1عليا ع فقال سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل أ لا ترون إلى هذا الرجل الظالم يأمر بلعن رجل من أهل الجنة .

17- روى سليمان بن داود عن شعبة عن الحر بن الصباح قال سمعت عبد الرحمن بن الأخنس يقول شهدت المغيرة بن شعبة خطب فذكر 1عليا ع فنال منه.

17- روى أبو كريب قال حدثنا أبو أسامة قال حدثنا صدقة بن المثنى النخعي عن رياح بن الحارث قال بينما المغيرة بن شعبة بالمسجد الأكبر و عنده ناس إذ جاءه رجل يقال له قيس بن علقمة فاستقبل المغيرة فسب 1عليا ع .

4- روى محمد بن سعيد الأصفهاني عن شريك عن محمد بن إسحاق عن عمرو بن علي بن الحسين عن أبيه 4علي بن الحسين ع قال قال لي مروان ما كان في القوم أدفع عن صاحبنا من 1صاحبكم قلت فما بالكم تسبونه على المنابر قال إنه لا يستقيم لنا الأمر إلا بذلك.

2,1- روى مالك بن إسماعيل أبو غسان النهدي عن ابن أبي سيف قال خطب مروان و 2الحسن ع جالس فنال من 1علي ع فقال 2الحسن ويلك يا مروان أ هذا الذي تشتم شر الناس قال لا و لكنه خير الناس .

221

17- و روى أبو غسان أيضا قال قال عمر بن عبد العزيز كان أبي يخطب فلا يزال مستمرا في خطبته حتى إذا صار إلى ذكر 1علي و سبه تقطع لسانه و اصفر وجهه و تغيرت حاله فقلت له في ذلك فقال أ و قد فطنت لذلك إن هؤلاء لو يعلمون من 1علي ما يعلمه أبوك ما تبعنا منهم رجل.

17- و روى أبو عثمان قال حدثنا أبو اليقظان قال قام رجل من ولد عثمان إلى هشام بن عبد الملك يوم عرفة فقال إن هذا يوم كانت الخلفاء تستحب فيه لعن 1أبي تراب .

17- و روى عمرو بن الفناد عن محمد بن فضيل عن أشعث بن سوار قال سب عدي بن أرطاة 1عليا ع على المنبر فبكى الحسن البصري و قال لقد سب هذا اليوم رجل إنه لأخو 14رسول الله ص في الدنيا و الآخرة.

17- و روى عدي بن ثابت عن إسماعيل بن إبراهيم قال كنت أنا و إبراهيم بن يزيد جالسين في الجمعة مما يلي أبواب كندة فخرج المغيرة فخطب فحمد الله ثم ذكر ما شاء أن يذكر ثم وقع في 1علي ع فضرب إبراهيم على فخذي أو ركبتي ثم قال أقبل علي فحدثني فإنا لسنا في جمعة أ لا تسمع ما يقول هذا.

17- و روى عبد الله بن عثمان الثقفي قال حدثنا ابن أبي سيف قال قال ابن لعامر بن عبد الله بن الزبير لولده لا تذكر يا بني 1عليا إلا بخير فإن بني أمية لعنوه على منابرهم ثمانين سنة فلم يزده الله بذلك إلا رفعة إن الدنيا لم تبن شيئا قط إلا رجعت على ما بنت فهدمته و إن الدين لم يبن شيئا قط و هدمه.

17- و روى عثمان بن سعيد قال حدثنا مطلب بن زياد عن أبي بكر بن عبد الله الأصبهاني قال كان دعي لبني أمية يقال له خالد بن عبد الله لا يزال يشتم 1عليا ع

222

فلما كان يوم جمعة و هو يخطب الناس قال و الله إن كان 14رسول الله ليستعمله و إنه ليعلم ما هو و لكنه كان ختنه و قد نعس سعيد بن المسيب ففتح عينيه ثم قال ويحكم ما قال هذا الخبيث رأيت القبر انصدع و 14رسول الله ص يقول كذبت يا عدو الله.

17- و روى القناد (1) قال حدثنا أسباط بن نصر الهمداني عن السدي قال بينما أنا بالمدينة عند أحجار الزيت إذ أقبل راكب على بعير فوقف فسب 1عليا ع فخف به الناس ينظرون إليه فبينما هو كذلك إذ أقبل سعد بن أبي وقاص فقال اللهم إن كان سب عبدا لك صالحا فأر المسلمين خزيه فما لبث أن نفر به بعيره فسقط فاندقت عنقه.

17- و روى عثمان بن أبي شيبة عن عبد الله بن موسى عن فطر بن خليفة عن أبي عبد الله الجدلي قال دخلت على أم سلمة رحمها الله فقالت لي أ يسب 14رسول الله ص فيكم و أنتم أحياء قلت و أنى يكون هذا قالت أ ليس يسب 1علي ع و من يحبه.

17- و روى العباس بن بكار الضبي قال حدثني أبو بكر الهذلي عن الزهري قال قال ابن عباس لمعاوية أ لا تكف عن شتم 1هذا الرجل قال ما كنت لأفعل حتى يربو عليه الصغير و يهرم فيه الكبير فلما ولي عمر بن عبد العزيز كف عن شتمه فقال الناس ترك السنة.

17- قال و قد روي عن ابن مسعود إما موقوفا عليه أو مرفوعا كيف أنتم إذا شملتكم فتنة يربو عليها الصغير و يهرم فيها الكبير يجري عليها الناس فيتخذونها سنة فإذا غير منها شي‏ء قيل غيرت السنة.

____________

(1) القناد، بنون مشددة، و انظر تهذيب التهذيب 12: 330.

223

قال أبو جعفر و قد تعلمون أن بعض الملوك ربما أحدثوا قولا أو دينا لهوى فيحملون الناس على ذلك حتى لا يعرفوا غيره كنحو ما أخذ الناس الحجاج بن يوسف بقراءة عثمان و ترك قراءة ابن مسعود و أبي بن كعب و توعد على ذلك بدون ما صنع هو و جبابرة بني أمية و طغاة مروان بولد 1علي ع و شيعته و إنما كان سلطانه نحو عشرين سنة فما مات الحجاج حتى اجتمع أهل العراق على قراءة عثمان و نشأ أبناؤهم و لا يعرفون غيرها لإمساك الآباء عنها و كف المعلمين عن تعليمها حتى لو قرأت عليهم قراءة عبد الله و أبي ما عرفوها و لظنوا بتأليفها الاستكراه و الاستهجان لإلف العادة و طول الجهالة لأنه إذا استولت على الرعية الغلبة و طالت عليهم أيام التسلط و شاعت فيهم المخافة و شملتهم التقية اتفقوا على التخاذل و التساكت فلا تزال الأيام تأخذ من بصائرهم و تنقص من ضمائرهم و تنقض من مرائرهم حتى تصير البدعة التي أحدثوها غامرة للسنة التي كانوا يعرفونها و لقد كان الحجاج و من ولاه كعبد الملك و الوليد و من كان قبلهما و بعدهما من فراعنة بني أمية على إخفاء محاسن 1علي ع و فضائله و فضائل ولده و شيعته و إسقاط أقدارهم أحرص منهم على إسقاط قراءة عبد الله و أبي لأن تلك القراءات لا تكون سببا لزوال ملكهم و فساد أمرهم و انكشاف حالهم و في اشتهار فضل 1علي ع و ولده و إظهار محاسنهم بوارهم و تسليط حكم الكتاب المنبوذ عليهم فحرصوا و اجتهدوا في إخفاء فضائله و حملوا الناس على كتمانها و سترها و أبى الله أن يزيد أمره و أمر ولده إلا استنارة و إشراقا و حبهم إلا شغفا و شدة و ذكرهم إلا انتشارا و كثرة و حجتهم إلا وضوحا و قوة و فضلهم إلا ظهورا و شأنهم إلا علوا و أقدارهم إلا إعظاما حتى أصبحوا بإهانتهم إياهم أعزاء و بإماتتهم ذكرهم أحياء و ما أرادوا به و بهم من الشر تحول خيرا فانتهى إلينا من ذكر فضائله و خصائصه و مزاياه و سوابقه ما لم يتقدمه السابقون و لا ساواه فيه القاصدون و لا يلحقه الطالبون و لو لا أنها كانت‏

224

كالقبلة المنصوبة في الشهرة و كالسنن المحفوظة في الكثرة لم يصل إلينا منها في دهرنا حرف واحد إذا كان الأمر كما وصفناه .

قال فأما ما احتج به الجاحظ بإمامة أبي بكر بكونه أول الناس إسلاما فلو كان هذا احتجاجا صحيحا لاحتج به أبو بكر و ما رأيناه صنع ذلك لأنه أخذ بيد عمر و يد أبي عبيدة بن الجراح و قال للناس قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا منهما من شئتم و لو كان هذا احتجاجا صحيحا لما قال عمر كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله شرها و لو كان احتجاجا صحيحا لادعى واحد من الناس لأبي بكر الإمامة في عصره أو بعد عصره بكونه سبق إلى الإسلام و ما عرفنا أحدا ادعى له ذلك على أن جمهور المحدثين لم يذكروا أن أبا بكر أسلم إلا بعد عدة من الرجال منهم 1علي بن أبي طالب و جعفر أخوه و زيد بن حارثة و أبو ذر الغفاري و عمرو بن عنبسة السلمي و خالد بن سعيد بن العاص و خباب بن الأرت و إذا تأملنا الروايات الصحيحة و الأسانيد القوية و الوثيقة وجدناها كلها ناطقة بأن 1عليا ع أول من أسلم .

فأما الرواية عن ابن عباس أن أبا بكر أولهم إسلاما فقد روي عن ابن عباس خلاف ذلك بأكثر مما رووا و أشهر فمن ذلك

1- ما رواه يحيى بن حماد عن أبي عوانة و سعيد بن عيسى عن أبي داود الطيالسي عن عمرو بن ميمون عن ابن عباس أنه قال أول من صلى من الرجال 1علي ع .

و

1- روى الحسن البصري قال حدثنا عيسى بن راشد عن أبي بصير عن عكرمة عن ابن عباس قال فرض الله تعالى الاستغفار 1لعلي ع في القرآن

225

على كل مسلم بقوله تعالى‏ رَبَّنَا اِغْفِرْ لَنََا وَ لِإِخْوََانِنَا اَلَّذِينَ سَبَقُونََا بِالْإِيمََانِ (1) فكل من أسلم بعد 1علي فهو يستغفر 1لعلي ع .

و

1,14- روى سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس قال السباق ثلاثة سبق يوشع بن نون إلى موسى و سبق صاحب يس إلى عيسى و سبق 1علي بن أبي طالب إلى 14محمد عليه و عليهم السلام .

فهذا قول ابن عباس في سبق 1علي ع إلى الإسلام و هو أثبت من حديث الشعبي و أشهر على أنه قد روي عن الشعبي خلاف ذلك من حديث

14,1- أبي بكر الهذلي و داود بن أبي هند عن الشعبي قال قال 14رسول الله ص 1لعلي ع هذا أول من آمن بي و صدقني و صلى معي .

قال فأما الأخبار الواردة بسبقه إلى الإسلام المذكورة في الكتب الصحاح و الأسانيد الموثوق بها فمنها:

14,1- ما روى شريك بن عبد الله عن سليمان بن المغيرة عن زيد بن وهب عن عبد الله بن مسعود أنه قال أول شي‏ء علمته من أمر 14رسول الله ص أني قدمت مكة مع عمومة لي و ناس من قومي و كان من أنفسنا شراء عطر فأرشدنا (2) إلى العباس بن عبد المطلب فانتهينا إليه و هو جالس إلى زمزم فبينا نحن عنده جلوسا إذ أقبل رجل من باب الصفا و عليه ثوبان أبيضان و له وفرة إلى أنصاف أذنيه جعدة أشم أقنى أدعج العينين كث اللحية براق الثنايا أبيض تعلوه حمرة كأنه القمر ليلة البدر و على يمينه غلام مراهق أو محتلم حسن الوجه تقفوهم امرأة قد سترت محاسنها حتى قصدوا نحو الحجر فاستلمه و استلمه الغلام ثم استلمته المرأة ثم طاف بالبيت سبعا و الغلام و المرأة يطوفان معه ثم استقبل الحجر

____________

(1) سورة الحشر 10.

(2) د: «فأرشدونا» .

226

فقام و رفع يديه و كبر و قام الغلام إلى جانبه و قامت المرأة خلفها فرفعت يديها و كبرت فأطال القنوت ثم ركع و ركع الغلام و المرأة ثم رفع رأسه فأطال و رفع الغلام و المرأة معه يصنعان مثل ما يصنع فلما رأينا شيئا ننكره لا نعرفه بمكة أقبلنا على العباس فقلنا يا أبا الفضل إن هذا الدين ما كنا نعرفه فيكم قال أجل و الله قلنا فمن هذا قال هذا ابن أخي هذا 14محمد بن عبد الله و هذا الغلام ابن أخي أيضا هذا 1علي بن أبي طالب و هذه المرأة زوجة 14محمد هذه خديجة بنت خويلد و الله ما على وجه الأرض أحد يدين بهذا الدين إلا هؤلاء الثلاثة .

14,1- و من حديث موسى بن داود عن خالد بن نافع عن عفيف بن قيس الكندي و قد رواه عن عفيف أيضا مالك بن إسماعيل النهدي و الحسن بن عنبسة الوراق و إبراهيم بن محمد بن ميمونة قالوا جميعا حدثنا سعيد بن جشم عن أسد بن عبد الله البجلي عن يحيى بن عفيف بن قيس عن أبيه قال كنت في الجاهلية عطارا فقدمت مكة فنزلت على العباس بن عبد المطلب فبينا أنا جالس عنده أنظر إلى الكعبة و قد تحلقت الشمس في السماء أقبل شاب كأن في وجهه القمر حتى رمى ببصره إلى السماء فنظر إلى الشمس ساعة ثم أقبل حتى دنا من الكعبة فصف قدميه يصلي فخرج على أثره فتى كأن وجهه صفيحة يمانية فقام عن يمينه فجاءت امرأة متلففة في ثيابها فقامت خلفهما فأهوى الشاب راكعا فركعا معه ثم أهوى إلى الأرض ساجدا فسجدا معه فقلت للعباس يا أبا الفضل أمر عظيم فقال أمر و الله عظيم أ تدري من هذا الشاب قلت لا قال هذا ابن أخي هذا 14محمد بن عبد الله بن عبد المطلب أ تدري من هذا الفتى قلت لا قال هذا ابن أخي 1علي بن أبي طالب بن عبد المطلب أ تدري من المرأة قلت لا قال هذه ابنة خويلد بن أسد بن عبد العزى هذه خديجة زوج 14محمد هذا (1) و إن 14محمدا هذا يذكر أن إلهه إله السماء و الأرض و أمره بهذا الدين فهو عليه كما ترى

____________

(1) ا: «زوج هذا» .

227

و يزعم أنه نبي و قد صدقه على قوله 1علي ابن عمه هذا الفتى و زوجته خديجة هذه المرأة و الله ما أعلم على وجه الأرض كلها أحدا على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة قال عفيف فقلت له فما تقولون أنتم قال ننتظر الشيخ ما يصنع يعني أبا طالب أخاه .

و

14,1,15- روى عبد الله بن موسى و الفضل بن دكين و الحسن بن عطية قالوا حدثنا خالد بن طهمان عن نافع بن أبي نافع عن معقل بن يسار قال كنت أوصى 14النبي ص فقال لي هل لك أن نعود 15فاطمة قلت نعم يا 14رسول الله فقام يمشي متوكئا علي و قال أما إنه سيحمل ثقلها غيرك و يكون أجرها لك قال فو الله كأنه لم يكن علي من ثقل 14النبي ص شي‏ء فدخلنا على 15فاطمة ع فقال لها ص كيف تجدينك قالت لقد طال أسفي و اشتد حزني و قال لي النساء زوجك 14أبوك فقيرا لا مال له فقال لها أ ما ترضين أني زوجتك أقدم أمتي سلما و أكثرهم علما و أفضلهم حلما قالت بلى رضيت يا 14رسول الله : و قد روى هذا الخبر يحيى بن عبد الحميد و عبد السلام بن صالح عن قيس بن الربيع عن أبي أيوب الأنصاري بألفاظه أو نحوها .

و

14,1,15- روى عبد السلام بن صالح عن إسحاق الأزرق عن 6جعفر بن محمد عن آبائه أن 14رسول الله ص لما زوج 15فاطمة دخل النساء عليها فقلن يا 15بنت رسول الله خطبك فلان و فلان فردهم عنك و زوجك فقيرا لا مال له فلما دخل عليها 14أبوها ص رأى ذلك في وجهها فسألها فذكرت له ذلك فقال يا 15فاطمة إن الله أمرني فأنكحتك أقدمهم سلما و أكثرهم علما و أعظمهم حلما و ما زوجتك إلا بأمر من السماء أ ما علمت أنه أخي في الدنيا و الآخرة .

228

و

14,1,15- روى عثمان بن سعيد عن الحكم بن ظهير عن السدي أن أبا بكر و عمر خطبا 15فاطمة ع فردهما 14رسول الله ص و قال لم أومر بذلك فخطبها 1علي ع فزوجه إياها و قال لها زوجتك أقدم الأمة إسلاما .

و ذكر تمام الحديث قال و قد روى هذا الخبر جماعة من الصحابة منهم أسماء بنت عميس و أم أيمن و ابن عباس و جابر بن عبد الله .

14,1- قال و قد روى محمد بن عبد الله بن أبي رافع عن أبيه عن جده أبي رافع قال أتيت أبا ذر بالربذة أودعه فلما أردت الانصراف قال لي و لأناس معي ستكون فتنة فاتقوا الله و عليكم بالشيخ 1علي بن أبي طالب فاتبعوه فإني سمعت 14رسول الله ص يقول له أنت أول من آمن بي و أول من يصافحني يوم القيامة و أنت الصديق الأكبر و أنت الفاروق الذي يفرق بين الحق و الباطل و أنت يعسوب المؤمنين و المال يعسوب الكافرين و أنت أخي و وزيري و خير من أترك بعدي تقضي ديني و تنجز موعدي .

1- قال و قد روى ابن أبي شيبة عن عبد الله بن نمير عن العلاء بن صالح عن المنهال بن عمرو عن عباد بن عبد الله الأسدي قال سمعت 1علي بن أبي طالب يقول أنا عبد الله و أخو 14رسوله و أنا الصديق الأكبر لا يقولها غيري إلا كذاب و لقد صليت قبل الناس سبع سنين .

و

1- روت معاذة بنت عبد الله العدوية قالت سمعت 1عليا ع يخطب على منبر البصرة و يقول أنا الصديق الأكبر آمنت قبل أن يؤمن أبو بكر و أسلمت قبل أن يسلم .

و

14,1- روى حبة بن جوين العرني أنه سمع 1عليا ع يقول أنا أول رجل أسلم‏

229

مع 14رسول الله ص : رواه أبو داود الطيالسي عن شعبة عن سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل عن حبة بن جوين

و

14,1- روى عثمان بن سعيد الخراز (1) عن علي بن حرار عن علي بن عامر عن أبي الحجاف عن حكيم مولى زاذان قال سمعت 1عليا ع يقول صليت قبل الناس سبع سنين و كنا نسجد و لا نركع و أول صلاة ركعنا فيها صلاة العصر فقلت يا 14رسول الله ما هذا قال أمرت به .

و

14,1- روى إسماعيل بن عمرو عن قيس بن الربيع عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر بن عبد الله قال صلى 14رسول الله ص يوم الإثنين و صلى 1علي يوم الثلاثاء بعده .

و في الرواية الأخرى

14,1- عن أنس بن مالك استنبئ 14النبي ص يوم الإثنين و أسلم 1علي يوم الثلاثاء بعده .

و

14,1- روى أبو رافع أن 14رسول الله ص صلى أول صلاة صلاها غداة الإثنين و صلت خديجة آخر نهار يومها ذلك و صلى 1علي ع يوم الثلاثاء غدا ذلك اليوم .

قال و قد روي بروايات مختلفة كثيرة متعددة عن زيد بن أرقم و سلمان الفارسي و جابر بن عبد الله و أنس بن مالك أن 1عليا ع أول من أسلم و ذكر الروايات و الرجال بأسمائهم و

14,1- روى سلمة بن كهيل عن رجاله الذين ذكرهم أبو جعفر في الكتاب أن 14رسول الله ص قال أولكم ورودا علي الحوض أولكم إسلاما 1علي بن أبي طالب .

و

1,14- روى ياسين بن محمد بن أيمن عن أبي حازم مولى ابن عباس عن ابن عباس

____________

(1) ب: «الحرار» .

230

قال سمعت عمر بن الخطاب و هو يقول كفوا عن 1علي بن أبي طالب فإني سمعت من 14رسول الله ص يقول‏ (1) فيه خصالا لو أن خصلة منها في جميع آل الخطاب كان أحب لي مما طلعت عليه الشمس كنت ذات يوم و أبو بكر و عثمان و عبد الرحمن بن عوف و أبو عبيدة مع نفر من أصحاب 14رسول الله ص نطلبه فانتهينا إلى باب أم سلمة فوجدنا 1عليا متكئا على نجاف الباب‏ (2) فقلنا أردنا 14رسول الله ص فقال هو في البيت رويدكم فخرج 14رسول الله ص فسرنا حوله فاتكأ على 1علي ع و ضرب بيده على منكبه فقال أبشر يا 1علي بن أبي طالب إنك مخاصم و إنك تخصم‏ (3) الناس بسبع لا يجاريك أحد في واحدة منهن أنت أول الناس إسلاما و أعلمهم بأيام الله .

و ذكر الحديث .

قال و قد روى أبو سعيد الخدري عن 14النبي ص مثل هذا الحديث .

14,1- قال روى أبو أيوب الأنصاري عن 14رسول الله ص أنه قال لقد صلت الملائكة علي و على 1علي ع سبع سنين و ذلك أنه لم يصل معي رجل فيها غيره.

14- قال أبو جعفر فأما ما رواه الجاحظ من قوله ص إنما تبعني حر و عبد.

فإنه لم يسم في هذا الحديث أبا بكر و بلالا و كيف و أبو بكر لم يشتر بلالا إلا بعد ظهور الإسلام بمكة فلما أظهر بلال إسلامه عذبه أمية بن خلف و لم يكن ذلك حال إخفاء 14رسول الله ص الدعوة و لا في ابتداء أمر الإسلام .

____________

(1) ساقطة من ا.

(2) النجاف: هو ما بنى ناتئا فوق الباب.

(3) تخصم الناس: تغلبهم في الخصومة.

231

و قد قيل إنه ع إنما عنى بالحر 1علي بن أبي طالب و بالعبد زيد بن حارثة .

1,14- و روى ذلك محمد بن إسحاق قال و قد روى إسماعيل بن نصر الصفار عن محمد بن ذكوان عن الشعبي قال قال الحجاج للحسن و عنده جماعة من التابعين و ذكر 1علي بن أبي طالب ما تقول أنت يا حسن فقال ما أقول هو أول من صلى إلى القبلة و أجاب دعوة 14رسول الله ص و إن 1لعلي منزلة من ربه و قرابة من 14رسوله و قد سبقت له سوابق لا يستطيع ردها أحد فغضب الحجاج غضبا شديدا و قام عن سريره فدخل بعض البيوت و أمر بصرفنا .

قال الشعبي و كنا جماعة ما منا إلا من نال من 1علي ع مقاربة للحجاج غير الحسن بن أبي الحسن رحمه الله .

1- و روى محرز بن هشام عن إبراهيم بن سلمة عن محمد بن عبيد الله قال قال رجل للحسن ما لنا لا نراك تثني على 1علي و تقرظه قال كيف و سيف الحجاج يقطر دما إنه لأول من أسلم و حسبكم بذلك .

قال فهذه الأخبار .

و أما الأشعار المروية فمعروفة كثيرة منتشرة فمنها قول عبد الله بن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب مجيبا للوليد بن عقبة بن أبي معيط

و إن ولي الأمر بعد 14محمد # 1علي و في كل المواطن صاحبه

وصي 14رسول الله حقا و صنوه # و أول من صلى و من لان جانبه.

و قال خزيمة بن ثابت في هذا

وصي 14رسول الله من دون أهله # و فارسه مذ كان في سالف الزمن

و أول من صلى من الناس كلهم # سوى خيرة النسوان و الله ذو منن.

232

و قال أبو سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس حين بويع أبو بكر

ما كنت أحسب أن الأمر منصرف # عن هاشم ثم منها عن 1أبي حسن

أ ليس أول من صلى لقبلتهم # و أعلم الناس بالأحكام و السنن.

و قال أبو الأسود الدؤلي يهدد طلحة و الزبير

و إن 1عليا لكم مصحر # يماثله الأسد الأسود

أما إنه أول العابدين # بمكة و الله لا يعبد.

و قال سعيد بن قيس الهمداني يرتجز

هذا 1علي و ابن عم 14المصطفى # أول من أجابه فيما روى

هو الإمام لا يبالي من غوى.

و قال زفر بن يزيد بن حذيفة الأسدي

فحوطوا 1عليا و انصروه فإنه # وصي و في الإسلام أول أول

و إن تخذلوه و الحوادث جمة # فليس لكم عن أرضكم متحول‏

قال و الأشعار كالأخبار إذا امتنع في مجي‏ء القبيلين التواطؤ و الاتفاق كان ورودهما حجة ـ فأما قول الجاحظ فأوسط الأمور أن نجعل إسلامهما معا فقد أبطل بهذا ما احتج به لإمامة أبي بكر لأنه احتج بالسبق و قد عدل الآن عنه .

قال أبو جعفر و يقال لهم لسنا نحتاج من ذكر سبق 1علي ع إلا مجامعتكم إيانا على أنه أسلم قبل الناس و دعواكم أنه أسلم و هو طفل دعوى غير مقبولة لا بحجة .

فإن قلتم و دعوتكم أنه أسلم و هو بالغ دعوى غير مقبولة إلا بحجة

233

قلنا قد ثبت إسلامه بحكم إقراركم و لو كان طفلا لكان في الحقيقة غير مسلم لأن اسم الإيمان و الإسلام و الكفر و الطاعة و المعصية إنما يقع على البالغين دون الأطفال و المجانين و إذا أطلقتم و أطلقنا اسم الإسلام فالأصل في الإطلاق الحقيقة كيف

14,1- و قد قال 14النبي ص أنت أول من آمن بي و أنت أول من صدقني.

14,1,15- و قال 15لفاطمة زوجتك أقدمهم سلما أو قال إسلاما .

فإن قالوا إنما دعاه 14النبي ص إلى الإسلام على جهة العرض لا التكليف .

قلنا قد وافقتمونا على الدعاء و حكم الدعاء حكم الأمر و التكليف ثم ادعيتم أن ذلك كان على وجه العرض و ليس لكم أن تقبلوا معنى الدعاء عن وجهه‏ (1) إلا لحجة .

فإن قالوا لعله كان على وجه التأديب و التعليم كما يعتمد مثل ذلك مع الأطفال قلنا إن ذلك إنما يكون إذا تمكن الإسلام بأهله أو عند النشوء عليه و الولادة فيه فأما في دار الشرك فلا يقع مثل ذلك لا سيما إذا كان الإسلام غير معروف و لا معتاد بينهم على أنه ليس من سنة 14النبي ص دعاء أطفال المشركين إلى الإسلام و التفريق بينهم و بين آبائهم قبل أن يبلغوا الحلم .

و أيضا فمن شأن الطفل اتباع أهله و تقليد أبيه و المضي على منشئه و مولده و قد كانت منزلة 14النبي ص حينئذ منزلة ضيق و شدة و وحدة و هذه منازل لا ينتقل إليها إلا من ثبت الإسلام عنده بحجة و دخل اليقين قلبه بعلم و معرفة .

فإن قالوا إن 1عليا ع كان يألف 14النبي ص فوافقه على طريق المساعدة له قلنا إنه و إن كان يألفه أكثر من أبويه و إخوته و عمومته و أهل بيته و لم يكن الإلف ليخرجه عما نشأ عليه و لم يكن الإسلام مما غذي‏ (2) به و كرر على سمعه

____________

(1) تكملة من ا.

(2) ب: «عدى» ، تصحيف، و أثبت ما في ا.

234

لأن الإسلام هو خلع الأنداد و البراءة ممن أشرك بالله و هذا لا يجتمع في اعتقاد طفل .

و من العجب قول العباس لعفيف بن قيس ننتظر الشيخ و ما يصنع فإذا كان العباس و حمزة ينتظران أبا طالب و يصدران عن رأيه فكيف يخالفه ابنه و يؤثر القلة على الكثرة و يفارق المحبوب إلى المكروه و العز إلى الذل و الأمن إلى الخوف عن غير معرفة و لا علم بما فيه .

فأما قوله إن المقلل يزعم أنه أسلم و هو ابن خمس سنين و المكثر يزعم أنه أسلم و هو ابن تسع سنين فأول ما يقال في ذلك إن الأخبار جاءت في سنه ع يوم أسلم على خمسة أقسام فجعلناه في قسمين القسم الأول الذين قالوا أسلم و هو ابن خمس عشرة سنة

14,1- حدثنا بذلك أحمد بن سعيد الأسدي عن إسحاق بن بشر القرشي عن الأوزاعي عن حمزة بن حبيب عن شداد بن أوس قال سألت خباب بن الأرت عن إسلام 1علي فقال أسلم و هو ابن خمس عشرة سنة و لقد رأيته يصلي قبل الناس مع 14النبي ص و هو يومئذ بالغ مستحكم البلوغ .

1- و روى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن الحسن أن أول من أسلم 1علي بن أبي طالب و هو ابن خمس عشرة سنة .

القسم الثاني الذين قالوا إنه أسلم و هو ابن أربع عشرة سنة

1,14- رواه أبو قتادة الحراني عن أبي حازم الأعرج عن حذيفة بن اليمان قال كنا نعبد الحجارة و نشرب الخمر و 1علي من أبناء أربع عشرة سنة قائم يصلي مع 14النبي ص ليلا و نهارا و قريش يومئذ تسافه 14رسول الله ص ما يذب عنه إلا 1علي ع .

235

1- و روى ابن أبي شيبة عن جرير بن عبد الحميد قال أسلم 1علي و هو ابن أربع عشرة سنة .

القسم الثالث الذين قالوا أسلم و هو ابن إحدى عشرة سنة

1- رواه إسماعيل بن عبد الله الرقي عن محمد بن عمر عن عبد الله بن سمعان عن 6جعفر بن محمد ع عن أبيه 5محمد بن علي ع أن 1عليا حين أسلم كان ابن إحدى عشرة سنة .

و

1- روى عبد الله بن زياد المدني عن 5محمد بن علي الباقر ع قال أول من آمن بالله 1علي بن أبي طالب و هو ابن إحدى عشرة سنة و هاجر إلى المدينة و هو ابن أربع و عشرين سنة .

القسم الرابع الذين قالوا إنه أسلم و هو ابن عشر سنين

1- رواه نوح بن دراج عن محمد بن إسحاق قال أول ذكر آمن و صدق بالنبوة 1علي بن أبي طالب ع و هو ابن عشر سنين ثم أسلم زيد بن حارثة ثم أسلم أبو بكر و هو ابن ست و ثلاثين سنة فيما بلغنا .

القسم الخامس الذين قالوا إنه أسلم و هو ابن تسع سنين

1- رواه الحسن بن عنبسة الوراق عن سليم مولى الشعبي عن الشعبي قال أول من أسلم من الرجال 1علي بن أبي طالب و هو ابن تسع سنين و كان له يوم قبض 14رسول الله ص تسع و عشرون سنة .

قال شيخنا أبو جعفر فهذه الأخبار كما تراها فإما أن يكون الجاحظ جهلها أو قصد العناد .

فأما قوله فالقياس أن نأخذ بأوسط الأمرين من الروايتين فنقول إنه أسلم و هو ابن سبع سنين فإن هذا تحكم منه و يلزمه مثله في رجل ادعى قبل رجل عشرة

236

دراهم فأنكر ذلك و قال إنما يستحق قبلي أربعة دراهم فينبغي أن نأخذ الأمر المتوسط و يلزمه سبعة دراهم و يلزمه في أبي بكر حيث قال قوم كان كافرا و قال قوم كان إماما عادلا أن نقول أعدل الأقاويل أوسطها و هو منزلة (1) بين المنزلتين فنقول كان فاسقا ظالما و كذلك في جميع الأمور المختلف فيها .

فأما قوله و إنما يعرف حق ذلك من باطله بأن نحصي سني ولاية عثمان و عمر و أبي بكر و سني الهجرة و مقام 14النبي ص بمكة بعد الرسالة إلى أن هاجر فيقال له لو كانت الروايات متفقة على هذه التاريخات لكان لهذا القول مساغ و لكن الناس قد اختلفوا في ذلك‏

14- فقيل إن 14رسول الله ص أقام بمكة بعد الرسالة خمس عشرة سنة رواه ابن عباس .

14- و قيل ثلاث عشرة سنة و روي عن ابن عباس أيضا .

و أكثر الناس يرونه‏

14- و قيل عشر سنين رواه عروة بن الزبير و هو قول الحسن البصري و سعيد بن المسيب .

و اختلفوا في سن 14رسول الله ص فقال قوم كان ابن خمس و ستين و قيل كان ابن ثلاث و ستين و قيل كان ابن ستين و اختلفوا في سن 1علي ع فقيل كان ابن سبع و ستين و قيل كان ابن خمس و ستين و قيل ابن ثلاث و ستين و قيل ابن ستين و قيل ابن تسع و خمسين .

فكيف يمكن مع هذه الاختلافات تحقيق هذه الحال و إنما الواجب أن يرجع إلى إطلاق قولهم أسلم 1علي فإن هذا الاسم لا يكون مطلقا إلا على البالغ كما لا يطلق اسم الكافر إلا على البالغ على أن ابن إحدى عشرة سنة يكون بالغا و يولد له الأولاد فقد روت الرواة أن عمرو بن العاص لم يكن أسن من ابنه عبد الله

____________

(1) ا: «أن ننزله» .

237

إلا باثنتي عشرة سنة و هذا يوجب أنه احتلم و بلغ في أقل من إحدى عشرة سنة .

و روي أيضا أن محمد بن عبد الله بن العباس كان أصغر من أبيه [علي بن‏] عبد الله بن العباس بإحدى عشرة سنة فيلزم الجاحظ أن يكون عبد الله بن العباس حين مات 14رسول الله ص غير مسلم على الحقيقة و لا مثاب و لا مطيع بالإسلام لأنه كان يومئذ ابن عشر سنين

14- رواه هشيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال توفي 14رسول الله ص و أنا ابن عشر سنين .

قال الجاحظ فإن قالوا فلعله و هو ابن سبع سنين‏ (1) أو ثماني سنين‏ (1) قد بلغ من فطنته و ذكائه و صحة لبه و صدق حدسه‏ (2) و انكشاف العواقب له و إن لم يكن جرب الأمور و لا فاتح الرجال و لا نازع الخصوم ما يعرف به جميع ما يحب على البالغ معرفته و الإقرار به قيل‏ (3) لهم إنما نتكلم على ظواهر الأحوال و ما شاهدنا عليه طبائع الأطفال فإنا وجدنا حكم ابن سبع سنين أو ثمان ما لم يعلم باطن أمره و خاصة طبعه حكم الأطفال و ليس لنا أن نزيل ظاهر حكمه و الذي نعرف من حال أفناء جنسه بلعل و عسى لأنا و إن كنا لا ندري لعله قد كان ذا فضيلة في الفطنة فلعله قد كان ذا نقص فيها .

هذا على تجويز أن يكون 1علي ع في الغيب‏ (4) قد أسلم و هو ابن سبع أو ثمان إسلام البالغ غير أن الحكم على مجرى أمثاله و أشكاله الذين أسلموا و هم في مثل سنه إذ كان إسلام هؤلاء عن تربية الحاضن و تلقين القيم و رياضة السائس .

فأما عند التحقيق فإنه لا تجويز لمثل ذلك لأنه لو كان أسلم و هو ابن سبع‏

____________

(1-1) ساقط من ا.

(2) العثمانية: «حسه» .

(3) العثمانية: «قيل» .

(4) العثمانية «المغيب» .

238

أو ثمان و عرف فضل ما بين الأنبياء و الكهنة و فرق ما بين الرسل و السحرة و فرق ما بين خبر النبي و المنجم و حتى عرف كيد الأريب‏ (1) و موضع الحجة و (2) بعد غور المتنبئ‏ (2) كيف يلبس على العقلاء و تستمال عقول الدهماء و عرف الممكن في الطبع من الممتنع و ما يحدث بالاتفاق مما يحدث بالأسباب و عرف قدر القوى و غاية الحيلة و منتهى التمويه و الخديعة و ما لا يحتمل أن يحدثه إلا الخالق سبحانه و ما يجوز على الله في حكمته مما لا يجوز و كيف التحفظ من الهوى و الاحتراس من الخداع لكان كونه على هذه الحال و هذه مع فرط الصبا و الحداثة و قلة التجارب و الممارسة خروجا من العادة و من المعروف مما عليه تركيب هذه الخلقة و ليس يصل أحد إلى معرفة نبي و كذب متنبئ حتى يجتمع فيه هذه المعارف التي ذكرناها و الأسباب التي وصفناها و فصلناها و لو كان 1علي ع على هذه الصفة و معه هذه الخاصية لكان حجة على العامة و آية تدل على النبوة و لم يكن الله عز و جل ليخصه بمثل هذه الأعجوبة إلا و هو يريد أن يحتج بها و يجعلها قاطعة لعذر الشاهد و حجة على الغائب و لو لا أن الله أخبر عن يحيى بن زكريا أنه آتاه الحكم صبيا و أنه أنطق عيسى في المهد ما كانا في الحكم و لا في المغيب‏ (3) إلا كسائر الرسل و ما عليه جميع البشر فإذا لم ينطق 1لعلي ع بذلك قرآن و لا جاء الخبر به مجي‏ء الحجة القاطعة و المشاهدة القائمة فالمعلوم عندنا في الحكم أن طباعه كطباع عميه حمزة و العباس و هما أمس بمعدن جماع الخير منه أو كطباع جعفر و عقيل من رجال قومه و سادة رهطه و لو أن إنسانا ادعى مثل ذلك لأخيه جعفر أو لعميه حمزة و العباس ما كان عندنا في أمره إلا مثل ما عندنا فيه (4) أجاب شيخنا أبو جعفر رحمه الله فقال هذا كله مبني على أنه أسلم و هو ابن سبع أو ثمان و نحن قد بينا أنه أسلم بالغا ابن خمس عشرة سنة أو ابن أربع عشرة سنة على

____________

(1) العثمانية: «المريب» .

(2-2) في الأصول: «و فقد التمييز» ، و أثبت ما في العثمانية.

(3) من العثمانية.

(4) العثمانية 6-8.

239

أنا لو نزلنا على حكم الخصوم و قلنا ما هو الأشهر و الأكثر من الرواية و هو أنه أسلم و هو ابن عشر لم يلزم ما قاله الجاحظ لأن ابن عشر قد يستجمع عقله و يعلم من مبادئ المعارف ما يستخرج به كثيرا من الأمور المعقولة و متى كان الصبي عاقلا مميزا كان مكلفا بالعقليات و إن كان تكليفه بالشرعيات موقوفا على حد آخر و غاية أخرى فليس بمنكر أن يكون 1علي ع و هو ابن عشر قد عقل المعجزة فلزمه الإقرار بالنبوة و أسلم إسلام عالم عارف لا إسلام مقلد تابع و إن كان ما نسقه الجاحظ و عدده من معرفةالسحروالنجوم‏و الفصل بينهما و بين النبوة و معرفة ما يجوز في الحكمة مما لا يجوز و ما لا يحدثه إلا الخالق و الفرق بينه و بين ما يقدر عليه القادرون بالقدرة و معرفة التمويه و الخديعة و التلبيس و المماكرة شرطا في صحة الإسلام لما صح إسلام أبي بكر و لا عمر و لا غيرهما من العرب و إنما التكليف لهؤلاء بالجمل و مبادئ المعارف لا بدقائقها و الغامض منها و ليس يفتقر الإسلام إلى أن يكون المسلم قد فاتح الرجال و جرب الأمور و نازع الخصوم و إنما يفتقر إلى صحة الغريزة و كمال العقل و سلامة الفطرة أ لا ترى أن طفلا لو نشأ في دار لم يعاشر الناس بها و لا فاتح الرجال و لا نازع الخصوم ثم كمل عقله و حصلت العلوم البديهية عنده لكان مكلفا بالعقليات .

فأما توهمه أن 1عليا ع أسلم عن تربية الحاضن و تلقين القيم و رياضة السائس فلعمري إن 14محمدا ص كان حاضنه و قيمه و سائسه و لكن لم يكن منقطعا عن أبيه أبي طالب و لا عن إخوته طالب و عقيل و جعفر و لا عن عمومته و أهل بيته و ما زال مخالطا لهم ممتزجا بهم مع خدمته 14لمحمد ص فما باله لم يمل إلى الشرك و عبادة الأصنام لمخالطته إخوته و أباه و عمومته و أهله و هم كثير و 14محمد ص واحد و أنت تعلم أن الصبي إذا كان له أهل ذوو كثرة و فيهم واحد

240

يذهب إلى رأي مفرد لا يوافقه عليه غيره منهم فإنه إلى ذوي الكثرة أميل و عن ذي الرأي الشاذ المنفرد أبعد و على أن 1عليا ع لم يولد في دار الإسلام و إنما ولد في دار الشرك و ربي بين المشركين و شاهد الأصنام و عاين بعينه أهله و رهطه يعبدونها فلو كان في دار الإسلام لكان في القول مجال و لقيل إنه ولد بين المسلمين فإسلامه عن تلقين الظئر و عن سماع كلمة الإسلام و مشاهدة شعاره لأنه لم يسمع غيره و لا خطر بباله سواه فلما لم يكن ولد كذلك ثبت أن إسلامه إسلام المميز العارف بما دخل عليه و لو لا أنه كذلك لما مدحه 14رسول الله ص بذلك و لا أرضى ابنته 15فاطمة لما وجدت من تزويجه

14- بقوله لها زوجتك أقدمهم سلما.

و لا قرن إلى

14- قوله و أكثرهم علما و أعظمهم حلما.

و الحلم العقل و هذان الأمران غاية الفضل فلو لا أنه أسلم إسلام عارف عالم مميز لما ضم إسلامه إلى العلم و الحلم اللذين وصفه بهما و كيف يجوز أن يمدحه بأمر لم يكن مثابا عليه و لا معاقبا به لو تركه و لو كان إسلامه عن تلقين و تربية لما افتخر هو ع به‏ (1) على رءوس الأشهاد و لا خطب على المنبر و هو بين عدو و محارب و خاذل منافق

1- فقال أنا عبد الله و أخو 14رسوله و أنا الصديق الأكبر و الفاروق الأعظم صليت قبل الناس سبع سنين و أسلمت قبل إسلام أبي بكر و آمنت قبل إيمانه .

فهل بلغكم أن أحدا من أهل ذلك العصر أنكر ذلك أو عابه أو ادعاه لغيره أو قال له إنما كنت طفلا أسلمت‏ (2) على تربية 14محمد ص ذلك و تلقينه إياك كما يعلم الطفل الفارسية و التركية منذ يكون رضيعا فلا فخر له في تعلم ذلك و خصوصا في عصر قد حارب فيه أهل البصرة و الشام وو قد اعتورته الأعداء و هجته الشعراء فقال فيه النعمان بن بشير

____________

(1) تكملة من ا.

(2) «عن» .

241

لقد طلب الخلافة من بعيد # و سارع في الضلال 1أبو تراب

معاوية الإمام و أنت منها # على وتح بمنقطع السراب‏ (1)

و قال فيه أيضا بعض الخوارج

دسسنا له تحت الظلام ابن ملجم # جزاء إذا ما جاء نفسا كتابها

1أبا حسن خذها على الرأس ضربة # بكف كريم بعد موت ثوابها.

و قال عمران بن حطان يمدح قاتله‏

يا ضربة من تقي ما أراد بها # إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا (2)

إني لأذكره حينا فأحسبه # أوفى البرية عند الله ميزانا

فلو وجد هؤلاء سبيلا إلى دحض حجة فيما كان يفخر به من تقدم إسلامه لبدءوا بذلك و تركوا ما لا معنى له .

و قد أوردنا ما مدحه الشعراء به من سبقه إلى الإسلام فكيف لم يرد على هؤلاء الذين مدحوه بالسبق شاعر واحد من أهل حربه و لقد قال في أمهات الأولاد قولا خالف فيه عمر فذكروه بذلك و عابوه فكيف تركوا أن يعيبوه بما كان يفتخر به مما لا فخر فيه عندهم و عابوه بقوله في أمهات الأولاد .

ثم يقال له خبرنا عن عبد الله بن عمر و قد أجازه 14النبي ص و لم يجزه‏هل كان يميز ما ذكرته و هل كان يعلم فرق ما بين النبي و المتنبئ و يفصل بين السحر و المعجزة إلى غيره مما عددت و فصلت .

فإن قال نعم و تجاسر على ذلك قيل له 1فعلي ع بذلك أولى من ابن عمر لأنه أذكى و أفطن بلا خلاف بين العقلاء و أنى يشك في ذلك و قد رويتم أنه

____________

(1) الوتح: القليل.

(2) الكامل 3: 169.

242

لم يميز بين الميزان و العود بعد طول السن و كثرة التجارب و لم يميز أيضا بين إمام الرشد و إمام الغي فإنه امتنع من بيعة 1علي ع و طرق على الحجاج بابه ليلا ليبايع لعبد الملك كيلا يبيت تلك الليلة بلا إمام زعم لأنه

14- روي عن 14النبي ص أنه قال من مات و لا إمام له مات ميتة جاهلية .

و حتى بلغ من احتقار الحجاج له و استرذاله حاله أن أخرج رجله من الفراش فقال أصفق بيدك عليها فذلك تمييزه بين الميزان و العود و هذا اختياره في الأئمة و حال 1علي ع في ذكائه و فطنته و توقد حسه و صدق حدسه معلومة مشهورة فإذا جاز أن يصح إسلام ابن عمر و يقال عنه إنه عرف تلك الأمور التي سردها الجاحظ و نسقها و أظهر فصاحته و تشدقه فيها 1فعلي بمعرفة ذلك أحق و بصحة إسلامه أولى .

و إن قال لم يكن ابن عمر يعلم و يعرف ذلك فقد أبطل إسلامه و طعن في 14رسول الله ص حيث حكم بصحة إسلامه و أجازه

14- لأنه ع كان قال لا أجيز إلا البالغ العاقل.

و لذلك لم يجزه.

ثم يقال له إن ما نقوله في بلوغ 1علي ع الحد الذي يحسن فيه التكليف العقلي بل يجب و هو ابن عشر سنين ليس بأعجب من مجي‏ء الولد لستة أشهر و قد صحح ذلك أهل العلم و استنبطوه من الكتاب و إن كان خارجا من التعارف و التجارب و العادة و كذلك مجي‏ء الولد لسنتين خارج أيضا عن التعارف و العادة و قد صححه الفقهاء و الناس .

و يروى أن معاذا لما نهى عمر عن رجم الحامل تركها حتى ولدت غلاما قد نبتت ثنيتاه فقال أبوه ابني و رب الكعبة فثبت ذلك سنة يعمل بها الفقهاء و قد وجدنا العادة تقضي بأن الجارية تحيض لاثنتي عشرة سنة و أنه أقل سن تحيض فيه المرأة و قد

243

يكون في الأقل نساء يحضن لعشر و لتسع و قد ذكر ذلك الفقهاء و قد قال الشافعي في اللعان لو جاءت المرأة بحمل و زوجها صبي له دون عشر سنين لم يكن ولدا له لأن من لم يبلغ عشر سنين من الصبيان لا يولد له و إن كان له عشر سنين جاز أن يكون الولد له و كان بينهما لعان إذا لم يقر به .

و قال الفقهاء أيضا إن نساء تهامة يحضن لتسع سنين لشدة الحر ببلادهن .

قال الجاحظ و لو لم يعرف باطل هذه الدعوى من آثر التقوى و تحفظ من الهوى إلا بترك 1علي ع ذكر ذلك لنفسه و الاحتجاج به على خصمه و قد نازع الرجال و ناوى الأكفاء و جامع أهل لكان كافيا و متى لم تصح 1لعلي ع هذه الدعوى في أيامه و لم يذكرها أهل عصره فهي عن ولده أعجز و منهم أضعف .

و لم ينقل أن 1عليا ع احتج بذلك في موقف و لا ذكره في مجلس و لا قام به خطيبا و لا أدلى به واثقا لا سيما و قد رضيه 14الرسول ص عندكم مفزعا و معلما و جعله للناس إماما و لا ادعى له أحد ذلك في عصره كما لم يدعه لنفسه حتى يقول إنسان واحد الدليل على إمامته أن 14النبي ص دعاه إلى الإسلام أو كلفه التصديق قبل بلوغه ليكون ذلك آية للناس في عصره و حجة له و لولده من بعده فهذا كان أشد على طلحة و الزبير و عائشة من كل ما ادعاه من فضائله و سوابقه و ذكر قرابته‏ (1) .

قال شيخنا أبو جعفر رحمه الله إن مثل الجاحظ مع فضله و علمه لا يخفى عليه كذب

____________

(1) العثمانية 9-12، مع تصرف و اختصار.

244

هذه الدعوى و فسادها و لكنه يقول ما يقوله تعصبا و عنادا و قد روى الناس كافة افتخار 1علي ع بالسبق إلى الإسلام و أن 14النبي ص استنبئ يوم الإثنين و أسلم 1علي يوم الثلاثاء

1- و أنه كان يقول صليت قبل الناس سبع سنين .

و أنه ما زال يقول أنا أول من أسلم و يفتخر بذلك و يفتخر له به أولياؤه و مادحوه و شيعته في عصره و بعد وفاته و الأمر في ذلك أشهر من كل شهير و قد قدمنا منه طرفا و ما علمنا أحدا من الناس فيما خلا استخف بإسلام 1علي ع و لا تهاون به و لا زعم أنه أسلم إسلام حدث غرير و طفل صغير و من العجب أن يكون مثل العباس و حمزة ينتظران أبا طالب و فعله ليصدرا عن رأيه ثم يخالفه 1علي ابنه لغير رغبة و لا رهبة يؤثر القلة على الكثرة و الذل على العزة من غير علم و لا معرفة بالعاقبة ـ و كيف ينكر الجاحظ و العثمانية أن 14رسول الله ص دعاه إلى الإسلام و كلفه التصديق .

14,1- و قد روي في الخبر الصحيح أنه كلفه في مبدإ الدعوة قبل ظهور كلمة الإسلام و انتشارها بمكة أن يصنع له طعاما و أن يدعو له بني عبد المطلب فصنع له الطعام و دعاهم له فخرجوا ذلك اليوم و لم ينذرهم ص لكلمة قالها عمه أبو لهب فكلفه في اليوم الثاني أن يصنع مثل ذلك الطعام و أن يدعوهم ثانية فصنعه و دعاهم فأكلوا ثم كلمهم ص فدعاهم إلى الدين و دعاه معهم لأنه من بني عبد المطلب ثم ضمن لمن يوازره منهم و ينصره على قوله أن يجعله أخاه في الدين و وصيه بعد موته و خليفته من بعده فأمسكوا كلهم و أجابه هو وحده و قال أنا أنصرك على ما جئت به و أوازرك و أبايعك فقال لهم لما رأى منهم الخذلان و منه النصر و شاهد منهم المعصية و منه الطاعة و عاين منهم الإباء و منه الإجابة هذا أخي و وصيي و خليفتي من بعدي فقاموا يسخرون و يضحكون و يقولون لأبي طالب أطع 1ابنك فقد أمره عليك .

فهل يكلف عمل‏

245

الطعام و دعاء القوم صغير مميز و غر غير عاقل و هل يؤتمن على سر النبوة طفل ابن خمس سنين أو ابن سبع و هل يدعى في جملة الشيوخ و الكهول إلا عاقل لبيب و هل يضع 14رسول الله ص يده في يده و يعطيه صفقة يمينه بالأخوة و الوصية و الخلافة إلا و هو أهل لذلك بالغ حد التكليف محتمل لولاية الله و عداوة أعدائه و ما بال هذا الطفل لم يأنس بأقرانه و لم يلصق بأشكاله و لم ير مع الصبيان في ملاعبهم بعد إسلامه و هو كأحدهم في طبقته كبعضهم في معرفته .

و كيف لم ينزع إليهم في ساعة من ساعاته فيقال دعاه داعي الصبا و خاطر من خواطر الدنيا و حملته الغرة و الحداثة على حضور لهوهم و الدخول في حالهم بل ما رأيناه إلا ماضيا على إسلامه مصمما في أمره محققا لقوله بفعله قد صدق إسلامه بعفافه و زهده و لصق 14برسول الله ص من بين جميع من بحضرته فهو أمينه و أليفه في دنياه و آخرته و قد قهر شهوته و جاذب خواطره صابرا على ذلك نفسه لما يرجو من فوز العاقبة و ثواب الآخرة و قد ذكر هو ع في كلامه و خطبه بدء حاله و افتتاح أمره

14,1- حيث أسلم لما دعا 14رسول الله ص الشجرة فأقبلت تخد الأرض فقالت قريش ساحر خفيف السحر فقال 1علي ع يا 14رسول الله أنا أول من يؤمن بك آمنت بالله و 14رسوله و صدقتك فيما جئت به و أنا أشهد أن الشجرة فعلت ما فعلت بأمر الله تصديقا لنبوتك و برهانا على صحة دعوتك .

فهل يكون إيمان قط أصح من هذا الإيمان و أوثق عقدة و أحكم مرة و لكن حنق العثمانية و غيظهم و عصبية الجاحظ و انحرافه مما لا حيلة فيه ثم لينظر المنصف و ليدع الهوى جانبا ليعلم نعمة الله على 1علي ع بالإسلام حيث أسلم على الوضع الذي أسلم عليه فإنه لو لا الألطاف التي خص بها و الهداية التي منحها لما كان إلا كبعض أقارب 14محمد ص و أهله فقد كان ممازجا له كممازجته و مخالطا له كمخالطة كثير من أهله و رهطه و لم يستجب منهم‏

246

أحد له إلا بعد حين و منهم من لم يستجب له أصلا فإن جعفرا ع كان ملتصقا به و لم يسلم حينئذ و كان عتبة بن أبي لهب ابن عمه و صهره زوج ابنته و لم يصدقه بل كان شديدا عليه و كان لخديجة بنون من غيره و لم يسلموا حينئذ و هم ربائبه‏ (1) و معه في دار واحدة و كان أبو طالب أباه في الحقيقة و كافله و ناصره و المحامي عنه و من لولاه لم تقم له قائمة و مع ذلك لم يسلم في أغلب الروايات و كان العباس عمه و صنو أبيه و كالقرين له في الولادة و المنشإ و التربية و لم يستجب له إلا بعد حين طويل و كان أبو لهب عمه و كدمه و لحمه و لم يسلم و كان شديدا عليه فكيف ينسب إسلام 1علي ع إلى الإلف و التربية و القرابة و اللحمة و التلقين و الحضانة و الدار الجامعة و طول العشرة و الأنس و الخلوة و قد كان كل ذلك حاصلا لهؤلاء أو لكثير منهم و لم يهتد أحد منهم إذ ذاك بل كانوا بين من‏ (2) جحد و كفر و مات على كفره و من أبطأ و تأخر و سبق بالإسلام و جاء سكيتا (3) و قد فاز بالمنزلة غيره .

و هل يدل تأمل حال 1علي ع مع الإنصاف إلا على أنه أسلم لأنه شاهد الأعلام و رأى المعجزات و شم ريح النبوة و رأى نور الرسالة و ثبت اليقين في قلبه بمعرفة و علم و نظر صحيح لا بتقليد و لا حمية و لا رغبة و لا رهبة إلا فيما يتعلق بأمور الآخرة .

قال الجاحظ فلو أن 1عليا ع كان بالغا حيث أسلم لكان إسلام أبي بكر و زيد بن حارثة و خباب بن الأرت أفضل من إسلامه لأن إسلام المقتضب‏ (4) الذي لم يعتد به و لم يعوده و لم يمرن عليه أفضل من إسلام الناشئ الذي ربي فيه و نشأ و حبب

____________

(1) الربائب: أولاد الزوج.

(2) من ا.

(3) السكيت: الفرس يجى‏ء آخر الحلبة.

(4) المقتضب: غير المستعد للشي‏ء.

247

إليه و ذلك لأن صاحب التربية يبلغ حيث يبلغ و قد أسقط إلفه عنه مؤنة الروية و الخاطر و كفاه علاج القلب و اضطراب النفس و زيد و خباب و أبو بكر يعانون من كلفة النظر و مؤنة التأمل و مشقة الانتقال من الدين الذي قد طال إلفهم له ما هو غير خاف و لو كان 1علي حيث أسلم بالغا مقتضبا كغيره ممن عددنا كان إسلامهم أفضل من إسلامه لأن من أسلم و هو يعلم أن له ظهرا كأبي طالب و ردءا كبني هاشم و موضعا في بني عبد المطلب ليس كالحليف و المولى و التابع و العسيف‏ (1) و كالرجل من عرض قريش (2) أ و لست تعلم أن قريشا خاصة و أهل مكة عامة لم يقدروا على أذى 14النبي ص ما كان أبو طالب حيا و أيضا فإن أولئك اجتمع عليهم مع فراق الإلف مشقة الخواطر و 1علي ع كان بحضرة 14رسول الله ص يشاهد الأعلام في كل وقت و يحضر منزل الوحي فالبراهين له أشد انكشافا و الخواطر على قلبه أقل اعتلاجا و على قدر الكلفة و المشقة يعظم الفضل و يكثر الأجر (3) .

قال أبو جعفر رحمه الله ينبغي أن ينظر أهل الإنصاف هذا الفصل و يقفوا على قول الجاحظ و الأصم في نصرة العثمانية و اجتهادهما في القصد إلى فضائل هذا الرجل و تهجينها فمرة يبطلان معناها و مرة يتوصلان إلى حط قدرها فلينظر في كل باب اعترضا فيه أين بلغت حيلتهما و ما صنعا في احتيالهما في قصصهما و سجعهما أ ليس إذا تأملتها علمت أنها ألفاظ ملفقة بلا معنى و أنها عليها شجى و بلاء و إلا فما عسى أن تبلغ حيلة الحاسد و يغني كيد الكائد الشانئ‏ (4) لمن قد جل قدره عن النقص و أضاءت فضائله إضاءة الشمس و أين قول الجاحظ من دلائل السماء و براهين الأنبياء و قد علم

____________

(1) العسيف: الأجير.

(2) من عرض قريش؛ أى من دهمائهم.

(3) العثمانية 22-24، مع تصرف و اختصار كبير.

(4) ب «الثاني» ، تحريف و صوابه من ا.

248

الصغير و الكبير و العالم و الجاهل ممن بلغه ذكر 1علي ع و علم مبعث 14النبي ص أن 1عليا ع لم يولد في دار الإسلام و لا غذي في حجر الإيمان و إنما استضافه 14رسول الله ص إلى نفسه سنة القحط و المجاعة و عمره يومئذ ثماني سنين فمكث معه سبع سنين حتى أتاه جبرئيل بالرسالة فدعاه و هو بالغ كامل العقل إلى الإسلام فأسلم بعد مشاهدة المعجزة و بعد إعمال النظر و الفكرة و إن كان قد ورد في كلامه أنه صلى سبع سنين قبل الناس كلهم فإنما يعني ما بين الثمان و الخمس عشرة و لم يكن حينئذ دعوة و لا رسالة و لا ادعاء نبوة و إنما كان 14رسول الله ص يتعبد على ملة إبراهيم و دين الحنيفية و يتحنث و يجانب الناس و يعتزل و يطلب الخلوة و ينقطع في جبل حراء و كان 1علي ع معه كالتابع و التلميذ فلما بلغ الحلم و جاءت 14النبي ص الملائكة و بشرته بالرسالة دعاه فأجابه عن نظر و معرفة بالأعلام المعجزة فكيف يقول الجاحظ إن إسلامه لم يكن مقتضبا .

و إن كان إسلامه ينقص عن إسلام غيره في الفضيلة لما كان يمرن عليه من التعبد مع 14رسول الله ص قبل الدعوة لتكونن طاعة كثير من المكلفين أفضل من طاعة 14رسول الله ص و أمثاله من المعصومين لأن العصمة عند أهل العدل لطف يمنع من اختص به من ارتكاب القبيح فمن اختص بذلك اللطف كانت الطاعة عليه أسهل فوجب أن يكون ثوابه أنقص من ثواب من أطاع مع تلك الألطاف .

و كيف يقول الجاحظ إن إسلامه ناقص عن إسلام غيره و قد جاء في الخبر أنه أسلم يوم الثلاثاء و استنبئ 14النبي ص يوم الإثنين فمن هذه حاله لم تكثر حجج الرسالة على سمعه و لا تواترت أعلام النبوة على مشاهدته و لا تطاول الوقت عليه لتخف محنته و يسقط ثقل تكليفه بل بان فضله و ظهر حسن اختياره لنفسه إذ أسلم في حال بلوغه و عانى نوازع طبعه و لم يؤخر ذلك بعد سماعه .

249

و قد غمر الجاحظ في كتابه هذا أن أبا بكر كان قبل إسلامه مذكورا و رئيسا معروفا يجتمع إليه كثير من أهل مكة فينشدون الأشعار و يتذاكرون الأخبار و يشربون الخمر و قد كان سمع دلائل النبوة و حجج الرسل و سافر إلى البلدان و وصلت إليه الأخبار و عرف دعوى الكهنة و حيل السحرة و من كان كذلك كان انكشاف الأمور له أظهر و الإسلام عليه أسهل و الخواطر على قلبه أقل اعتلاجا و كل ذلك عون لأبي بكر على الإسلام و مسهل إليه سبيله و لذلك لما قال 14النبي ص أتيت بيت المقدس سأله أبو بكر عن المسجد و مواضعه فصدقه و بان له أمره و خفت مئونته لما تقدم من معرفته بالبيت فخرج إذا إسلام أبي بكر على قول الجاحظ من معنى المقتضب و في ذلك رويتم

14- 14عنه ص أنه قال ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا و كان له تردد و نبوة إلا ما كان من أبي بكر فإنه لم يتلعثم حتى هجم به اليقين إلى المعرفة و الإسلام .

فأين هذا و إسلام من خلي و عقله و ألجئ إلى نظره مع صغر سنه و اعتلاج الخواطر على قلبه و نشأته في ضد ما دخل فيه و الغالب على أمثاله و أقرانه حب اللعب و اللهو فلجأ إلى ما ظهر له من دلائل الدعوة و لم يتأخر إسلامه فيلزمه التقصير بالمعصية فقهر شهوته و غالب خواطره و خرج من عادته و ما كان غذي به لصحة نظره و لطافة فكره و غامض فهمه فعظم استنباطه و رجح فضله و شرف قدر إسلامه و لم يأخذ من الدنيا بنصيب و لا تنعم فيها بنعيم حدثا و لا كبيرا و حمى نفسه عن الهوى و كسر شرة حداثته بالتقوى و اشتغل بهم الدين عن نعيم الدنيا و أشغل هم الآخرة قلبه و وجه إليه رغبته فإسلامه هو السبيل الذي لم يسلم عليه أحد غيره و ما سبيله في ذلك إلا كسبيل الأنبياء ليعلم أن منزلته من 14النبي ص كمنزلة هارون من موسى و أنه و إن لم يكن نبيا فقد كان في سبيل الأنبياء سالكا و لمنهاجهم متبعا و كانت حاله كحال إبراهيم ع فإن‏

250

أهل العلم ذكروا أنه لما كان صغيرا جعلته أمه في سرب لم يطلع عليه أحد فلما نشأ و درج و عقل قال لأمه من ربي قالت أبوك قال فمن رب أبي فزبرته و نهرته إلى أن طلع من شق السرب فرأى كوكبا ف قََالَ هََذََا رَبِّي فَلَمََّا أَفَلَ قََالَ لاََ أُحِبُّ اَلْآفِلِينَ `فَلَمََّا رَأَى اَلْقَمَرَ بََازِغاً قََالَ هََذََا رَبِّي فَلَمََّا أَفَلَ قََالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ اَلْقَوْمِ اَلضََّالِّينَ `فَلَمََّا رَأَى اَلشَّمْسَ بََازِغَةً قََالَ هََذََا رَبِّي هََذََا أَكْبَرُ فَلَمََّا أَفَلَتْ قََالَ يََا قَوْمِ إِنِّي بَرِي‏ءٌ مِمََّا تُشْرِكُونَ `إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ حَنِيفاً وَ مََا أَنَا مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ و في ذلك يقول الله جل ثناؤه‏ وَ كَذََلِكَ نُرِي إِبْرََاهِيمَ مَلَكُوتَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ لِيَكُونَ مِنَ اَلْمُوقِنِينَ (1) و على هذا كان إسلام الصديق الأكبر ع لسنا نقول إنه كان مساويا له في الفضيلة و لكن كان مقتديا بطريقه على ما قال الله تعالى‏ إِنَّ أَوْلَى اَلنََّاسِ بِإِبْرََاهِيمَ لَلَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ وَ هََذَا 14اَلنَّبِيُّ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ اَللََّهُ وَلِيُّ اَلْمُؤْمِنِينَ (2) و أما اعتلال الجاحظ بأن له ظهرا كأبي طالب و ردءا كبني هاشم فإنه يوجب عليه أن تكون محنة أبي بكر و بلال و ثوابهما و فضل إسلامهما أعظم مما 14لرسول الله ص لأن أبا طالب ظهره و بني هاشم ردؤه و حسبك جهلا من معاند لم يستطع حط قدر 1علي ع إلا بحطه من قدر 14رسول الله ص و لم يكن أحد أشد على 14رسول الله ص من قراباته الأدنى منهم فالأدنى كأبي لهب عمه و امرأة أبي لهب و هي أم جميل بنت حرب بن أمية و إحدى أولاد عبد مناف ثم ما كان من عقبة بن أبي معيط و هو ابن عمه و ما كان من النضر بن الحارث و هو من بني عبد الدار بن قصي و هو ابن عمه أيضا و غير هؤلاء ممن يطول تعداده و كلهم كان يطرح الأذى في طريقه و ينقل أخباره و يرميه بالحجارة و يرمي الكرش

____________

(1) سورة الأنعام 75.

(2) سورة آل عمران 68.

251

و الفرث عليه و كانوا يؤذون 1عليا ع كأذاه و يجتهدون في غمه و يستهزءون به و ما كان لأبي بكر قرابة تؤذيه كقرابة 1علي و لما كان بين 1علي و بين 14النبي ص من الاتحاد و الإلف و الاتفاق أحجم المنافقون بالمدينة عن أذى 14رسول الله ص خوفا من سيفه و لأنه صاحب الدار و الجيش و أمره مطاع و قوله نافذ فخافوا على دمائهم منه فاتقوه و أمسكوا عن إظهار بغضه و أظهروا بغض 1علي ع و شنآنه فقال 14رسول الله ص في حقه في

14,1- الخبر الذي روي في جميع الصحاح لا يحبك إلا مؤمن و لا يبغضك إلا منافق.

و قال كثير من أعلام الصحابة كما

1- روي في الخبر المشهور بين المحدثين ما كنا نعرف المنافقين إلا ببغض 1علي بن أبي طالب .

و أين كان ظهر أبي طالب عن جعفر و قد أزعجه الأذى عن وطنه حتى هاجر إلى بلاد الحبشة و ركب البحر أ يتوهم الجاحظ أن أبا طالب نصر 1عليا و خذل جعفرا .

قال الجاحظ و لأبي بكر فضيلة في إسلامه أنه كان قبل إسلامه كثير الصديق عريض الجاه ذا يسار و غنى يعظم لماله و يستفاد من رأيه فخرج من عز الغنى و كثرة الصديق إلى ذل الفاقة و عجز الوحدة و هذا غير إسلام من لا حراك به و لا عز له تابع غير متبوع لأن من أشد ما يبتلى الكريم به السب بعد التحية و الضرب بعد الهيبة و العسر بعد اليسر ثم كان أبو بكر دعية من دعاة 14الرسول و كان يتلوه في جميع أحواله فكان الخوف إليه أشد و المكروه نحوه أسرع و كان ممن تحسن مطالبته و لا يستحيا من إدراك الثأر عنده لنباهته و بعد ذكره و الحدث الصغير يزدرى و يحتقر لصغر سنه و خمول ذكره‏ (1) .

____________

(1) العثمانية 25، 26، مع تصرف و اختصار.

252

قال شيخنا أبو جعفر رحمه الله أما ما ذكر من كثرة المال و الصديق و استفاضة الذكر و بعد الصيت و كبر السن فكله عليه لا له و ذلك لأنه قد علم أن من سيرة العرب و أخلاقها حفظ الصديق و الوفاء بالذمام و التهيب لذي الثروة و احترام ذي السن العالية و في كل هذا ظهر شديد و سند و ثقة يعتمد عليها عند المحن و لذلك كان المرء منهم إذا تمكن من صديقه أبقى عليه و استحيا منه و كان ذلك سببا لنجاته و العفو عنه على أن 1علي بن أبي طالب ع إن لم يكن شهره سنه فقد شهره نسبه و موضعه من بني هاشم و إن لم يستفض ذكره بلقاء الرجال و كثرة الأسفار استفاض بأبي طالب فأنتم تعلمون أنه ليس تيم في بعد الصيت كهاشم و لا أبو قحافة كأبي طالب و على حسب ذلك يعلو ذكر الفتى على ذي السن و يبعد صيت الحدث على الشيخ و معلوم أيضا أن 1عليا على أعناق المشركين أثقل إذ كان هاشميا و إن كان أبوه حامى 14رسول الله ص و المانع لحوزته و 1علي هو الذي فتح على العرب باب الخلاف و استهان بهم بما أظهر من الإسلام و الصلاة و خالف رهطه و عشيرته و أطاع 14ابن عمه فيما لم يعرف من قبل و لا عهد له نظير كما قال تعالى‏ لِتُنْذِرَ قَوْماً مََا أُنْذِرَ آبََاؤُهُمْ فَهُمْ غََافِلُونَ (1) ثم كان بعد صاحب 14رسول الله ص و مشتكى حزنه و أنيسه في خلوته و جليسه و أليفه في أيامه كلها و كل هذا يوجب التحريض عليه و معاداة العرب له ثم أنتم معاشر العثمانية تثبتون لأبي بكر فضيلة بصحبة 14الرسول ص من مكة إلى يثرب و دخوله معه في الغار فقلتم مرتبة شريفة و حالة جليلة إذ كان شريكه في‏و أنيسه في الوحشة فأين هذه من صحبة 1علي ع له في خلوته و حيث لا يجد أنيسا غيره ليله و نهاره أيام مقامه بمكة يعبد الله

____________

(1) سورة يس 6.