شرح نهج البلاغة - ج13

- ابن ابي الحديد المزيد...
320 /
253

معه سرا و يتكلف له الحاجة جهرا و يخدمه كالعبد يخدم مولاه و يشفق عليه و يحوطه و كالولد يبر والده و يعطف عليه و

14,1,15- لما سئلت عائشة من كان أحب الناس إلى 14رسول الله ص قالت أما من الرجال 1فعلي و أما من النساء 15ففاطمة .

قال الجاحظ و كان أبو بكر من المفتونين المعذبين بمكة قبل فضربه نوفل بن خويلد المعروف بابن العدوية مرتين حتى أدماه و شده مع طلحة بن عبيد الله في قرن و جعلهما في الهاجرة عمير بن عثمان بن مرة بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة و لذلك كانا يدعيان القرينين و لو لم يكن له غير ذلك لكان لحاقه عسيرا و بلوغ منزلته شديدا و لو كان يوما واحدا لكان عظيما و 1علي بن أبي طالب رافه وادع ليس بمطلوب و لا طالب و ليس أنه لم يكن في طبعه الشهامة و النجدة و في غريزته البسالة في الشجاعة لكنه لم يكن قد تمت أداته و لا استكملت آلته و رجال الطلب و أصحاب الثأر يغمصون ذا الحداثة و يزدرون بذي الصبا و الغرارة إلى أن يلحق بالرجال و يخرج من طبع الأطفال‏ (1) .

قال شيخنا أبو جعفر رحمه الله أما القول فممكن و الدعوى سهلة سيما على مثل الجاحظ فإنه ليس على لسانه من دينه و عقله رقيب و هو من دعوى الباطل غير بعيد فمعناه نزر و قوله لغو و مطلبه سجع و كلامه لعب و لهو يقول الشي‏ء و خلافه و يحسن القول و ضده ليس له من نفسه واعظ و لا لدعواه حد قائم و إلا فكيف تجاسر على القول بأن 1عليا حينئذ لم يكن مطلوبا و لا طالبا و قد بينا بالأخبار الصحيحة و الحديث المرفوع المسند أنه كان يوم أسلم بالغا كاملا منابذا بلسانه و قلبه لمشركي قريش

____________

(1) العثمانية 27، 28.

254

ثقيلا على قلوبهم و هو المخصوص دون أبي بكر بالحصار في الشعب و صاحب الخلوات 14برسول الله ص في تلك الظلمات المتجرع لغصص المرار من أبي لهب و أبي جهل و غيرهما و المصطلي لكل مكروه و الشريك 14لنبيه في كل أذى قد نهض بالحمل الثقيل و بان بالأمر الجليل و من الذي كان يخرج ليلا من الشعب على هيئة السارق و يخفي نفسه و يضائل شخصه حتى يأتي إلى من يبعثه إليه أبو طالب من كبراء قريش كمطعم بن عدي و غيره فيحمل لبني هاشم على ظهره أعدال الدقيق و القمح و هو على أشد خوف من أعدائهم كأبي جهل و غيره لو ظفروا به لأراقوا دمه أ 1علي كان يفعل ذلك أيام الحصار في الشعب أم أبو بكر و قد ذكر هو ع حاله يومئذ

1- فقال في خطبة له مشهورة فتعاقدوا ألا يعاملونا و لا يناكحونا و أوقدت الحرب علينا نيرانها و اضطرونا إلى جبل وعر مؤمننا يرجو الثواب و كافرنا يحامي عن الأصل و لقد كانت القبائل كلها اجتمعت عليهم و قطعوا عنهم المارة و الميرة فكانوا يتوقعون الموت جوعا صباحا و مساء لا يرون وجها و لا فرجا قد اضمحل عزمهم و انقطع رجاؤهم.

فمن الذي خلص إليه مكروه تلك المحن بعد 14محمد ص إلا 1علي ع وحده و ما عسى أن يقول الواصف و المطنب في هذه الفضيلة من تقصي معانيها و بلوغ غاية كنهها و فضيلة الصابر عندها و دامت هذه المحنة عليهم ثلاث سنين حتى انفرجت عنهم بقصة الصحيفة و القصة مشهورة .

و كيف يستحسن الجاحظ لنفسه أن يقول في 1علي ع إنه قبل كان وادعا رافها لم يكن مطلوبا و لا طالبا و هو صاحب الفراش الذي فدى 14رسول الله ص بنفسه و وقاه بمهجته و احتمل السيوف و رضح الحجارة دونه و هل ينتهي الواصف و إن أطنب و المادح و إن أسهب إلى الإبانة عن مقدار هذه الفضيلة و الإيضاح بمزية هذه الخصيصة .

255

فأما قوله إن أبا بكر عذب بمكة فإنا لا نعلم أن العذاب كان واقعا إلا بعبد أو عسيف‏ (1) أو لمن لا عشيرة له تمنعه فأنتم في أبي بكر بين أمرين تارة تجعلونه دخيلا ساقطا و هجينا رذيلا مستضعفا ذليلا و تارة تجعلونه رئيسا متبعا و كبيرا مطاعا فاعتمدوا على أحد القولين لنكلمكم بحسب ما تختارونه لأنفسكم و لو كان الفضل في الفتنة و العذاب لكان عمار و خباب و بلال و كل معذب بمكة أفضل من أبي بكر لأنهم كانوا من العذاب في أكثر مما كان فيه و نزل فيهم من القرآن ما لم ينزل فيه كقوله تعالى‏ وَ اَلَّذِينَ هََاجَرُوا فِي اَللََّهِ مِنْ بَعْدِ مََا ظُلِمُوا (2) قالوا نزلت في خباب و بلال و نزل في عمار قوله‏ إِلاََّ مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمََانِ (3)

14- و كان 14رسول الله ص يمر على عمار و أبيه و أمه و هم يعذبون يعذبهم بنو مخزوم لأنهم كانوا حلفاءهم فيقول صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة .

و كان بلال يقلب على الرمضاء و هو يقول أحد أحد و ما سمعنا لأبي بكر في شي‏ء من ذلك ذكرا

1- و لقد كان 1لعلي ع عنده يد غراء إن صح ما رويتموه في تعذيبه لأنه قتل نوفل بن خويلد و عمير بن عثمان ضرب نوفلا فقطع ساقه فقال أذكرك الله و الرحم فقال قد قطع الله كل رحم و صهر إلا من كان تابعا 14لمحمد ثم ضربه أخرى ففاضت نفسه و صمد لعمير بن عثمان التميمي فوجده يروم الهرب و قد ارتج عليه المسلك فضربه على شراسيف صدره فصار نصفه الأعلى بين رجليه .

و ليس أن أبا بكر لم يطلب بثأره منهما و يجتهد لكنه لم يقدر على أن يفعل فعل 1علي ع فبان 1علي ع بفعله دونه ـ قال الجاحظ و لأبي بكر مراتب لا يشركه فيها 1علي و لا غيره و ذلك قبل

____________

(1) العسيف: الأجير.

(2) سورة النحل 41.

(3) سورة النحل 106.

256

فقد علم الناس أن 1عليا ع إنما ظهر فضله و انتشر صيته و امتحن و لقي المشاق منذو أنه إنما قاتل في الزمان الذي استوفى فيه أهل الإسلام و أهل الشرك و طمعوا في أن يكون الحرب بينهم سجالا و أعلمهم الله تعالى أن‏ اَلْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ و أبو بكر كان قبل معذبا و مطرودا مشردا في الزمان الذي ليس بالإسلام و أهله نهوض و لا حركة و لذلك قال أبو بكر في خلافته طوبى لمن مات في فأفأة الإسلام يقول في ضعفه‏ (1) .

قال أبو جعفر رحمه الله لا أشك أن الباطل خان أبا عثمان و الخطأ أقعده و الخذلان أصاره إلى الحيرة فما علم و عرف حتى قال ما قال فزعم أن 1عليا ع قبل لم يمتحن و لم يكابد المشاق و أنه إنما قاسى مشاق التكليف و محن الابتلاء منذو نسي الحصار في الشعب و ما مني به منه و أبو بكر وادع رافه يأكل ما يريد و يجلس مع من يحب مخلى سربه طيبة نفسه ساكنا قلبه و 1علي يقاسي الغمرات و يكابد الأهوال و يجوع و يظمأ و يتوقع القتل صباحا و مساء لأنه كان هو المتوصل المحتال في إحضار قوت زهيد من شيوخ قريش و عقلائها سرا ليقيم به رمق 14رسول الله ص و بني هاشم و هم في الحصار و لا يأمن في كل وقت مفاجأة أعداء 14رسول الله ص له بالقتل كأبي جهل بن هشام و عقبة بن أبي معيط و الوليد بن المغيرة و عتبة بن ربيعة و غيرهم من فراعنة قريش و جبابرتها و لقد كان يجيع نفسه و يطعم 14رسول الله ص زاده و يظمئ نفسه و يسقيه ماءه و هو كان المعلل له إذا مرض و المؤنس له إذا استوحش و أبو بكر بنجوة عن ذلك لا يمسه مما يمسهم ألم و لم يلحقه مما يلحقهم مشقة و لا يعلم بشي‏ء من أخبارهم و أحوالهم إلا على سبيل الإجمال دون التفصيل ثلاث سنين محرمة معاملتهم و مناكحتهم و مجالستهم محبوسين محصورين ممنوعين من الخروج

____________

(1) العثمانية 39، 40 مع تصرف و اختصار.

257

و التصرف في أنفسهم فكيف أهمل الجاحظ هذه الفضيلة و نسي هذه الخصيصة و لا نظير لها و لكن لا يبالي الجاحظ بعد أن يسوغ له لفظه و تنسق له خطابته ما ضيع من المعنى و رجع عليه من الخطأ .

فأما قوله و اعلموا أن‏ اَلْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ ففيه إشارة إلى معنى غامض قصده الجاحظ يعني أن لا فضيلة 1لعلي ع في الجهاد لأن 14الرسول كان أعلمه أنه منصور و أن العاقبة له و هذا من دسائس الجاحظ و همزاته و لمزاته و ليس بحق ما قاله لأن 14رسول الله ص أعلم أصحابه جملة أن العاقبة لهم و لم يعلم واحدا منهم بعينه أنه لا يقتل لا 1عليا و لا غيره و إن صح أنه كان أعلمه أنه لا يقتل فلم يعلمه أنه لا يقطع عضو من أعضائه و لم يعلمه أنه لا يمسه ألم جراح في جسده و لم يعلمه أنه لا يناله الضرب الشديد .

و على أن 14رسول الله ص قد أعلم أصحابه قبل و هو يومئذ بمكة أن العاقبة لهم كما أعلم أصحابه بعد ذلك فإن لم يكن 1لعلي و المجاهدين فضيلة في الجهاد بعد لإعلامه إياهم ذلك فلا فضيلة لأبي بكر و غيره في احتمال المشاق قبل لإعلامه إياهم بذلك-

14- فقد جاء في الخبر أنه وعد أبا بكر قبل بالنصر و أنه قال له أرسلت إلى هؤلاء بالذبح و إن الله تعالى سيغنمنا أموالهم و يملكنا ديارهم .

فالقول في الموضعين متساو و متفق .

قال الجاحظ و إن بين المحنة في الدهر الذي صار فيه أصحاب 14النبي ص مقرنين لأهل مكة و مشركي قريش و معهم أهل يثرب أصحاب النخيل و الآطام و الشجاعة و الصبر و المواساة و الإيثار و المحاماة و العدد الدثر و الفعل الجزل و بين الدهر الذي كانوا فيه بمكة يفتنون و يشتمون و يضربون و يشردون و يجوعون و يعطشون‏

258

مقهورين لا حراك بهم و أذلاء لا عز لهم و فقراء لا مال عندهم و مستخفين لا يمكنهم إظهار دعوتهم لفرقا واضحا و لقد كانوا في حال أحوجت لوطا و هو نبي إلى أن قال‏ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى‏ََ رُكْنٍ شَدِيدٍ (1) و

14- قال 14النبي ص عجبت من أخي لوط كيف قال‏ أَوْ آوِي إِلى‏ََ رُكْنٍ شَدِيدٍ و هو يأوي إلى الله تعالى.

ثم لم يكن ذلك يوما و لا يومين و لا شهرا و لا شهرين و لا عاما و لا عامين و لكن السنين بعد السنين و كان أغلظ القوم و أشدهم محنة بعد 14رسول الله ص أبو بكر لأنه أقام بمكة ما أقام 14رسول الله ص ثلاث عشرة سنة و هو أوسط ما قالوا في مقام 14النبي ص (2) .

قال شيخنا أبو جعفر رحمه الله ما نرى الجاحظ احتج لكون أبي بكر أغلظهم و أشدهم محنة إلا بقوله لأنه أقام بمكة مدة مقام 14الرسول ص بها و هذه الحجة لا تخص أبا بكر وحده لأن 1عليا ع أقام معه هذه المدة و كذلك طلحة و زيد و عبد الرحمن و بلال و خباب و غيرهم و قد كان الواجب عليه أن يخص أبا بكر وحده بحجة تدل على أنه كان أغلظ الجماعة و أشدهم محنة بعد 14رسول الله ص فالاحتجاج في نفسه فاسد .

ثم يقال له ما بالك أهملت أمر مبيت 1علي ع على الفراش بمكة هل نسيته أم تناسيته فإنها المحنة العظيمة و الفضيلة الشريفة التي متى امتحنها الناظر و أجال فكره فيها رأى تحتها فضائل متفرقة و مناقب متغايرة و ذلك

14,1- أنه لما استقر الخبر عند المشركين أن 14رسول الله ص مجمع على الخروج من بينهم للهجرة

____________

(1) سورة هود 80.

(2) العثمانية 41.

259

إلى غيرهم قصدوا إلى معاجلته و تعاقدوا على أن يبيتوه في فراشه و أن يضربوه بأسياف كثيرة بيد كل صاحب قبيلة من قريش سيف منها ليضيع دمه بين الشعوب و يتفرق بين القبائل و لا يطلب بنو هاشم بدمه قبيلة واحدة بعينها من بطون قريش و تحالفوا على تلك الليلة و اجتمعوا عليها فلما علم 14رسول ص ذلك من أمرهم دعا أوثق الناس عنده و أمثلهم في نفسه و أبذلهم في ذات الإله لمهجته و أسرعهم إجابة إلى طاعته فقال له إن قريشا قد تحالفت على أن تبيتني هذه الليلة فامض إلى فراشي و نم في مضجعي و التف في بردي الحضرمي ليروا أني لم أخرج و إني خارج إن شاء الله .

فمنعه أولا من التحرز و إعمال الحيلة و صده عن الاستظهار لنفسه بنوع من أنواع المكايد و الجهات التي يحتاط بها الناس لنفوسهم و ألجأه إلى أن يعرض نفسه لظبات السيوف الشحيذة من أيدي أرباب الحنق و الغيظة فأجاب إلى ذلك سامعا مطيعا طيبة بها نفسه و نام على فراشه صابرا محتسبا واقيا له بمهجته ينتظر القتل و لا نعلم فوق بذل النفس درجة يلتمسها صابر و لا يبلغها طالب و الجود بالنفس أقصى غاية الجود و لو لا أن 14رسول الله ص علم أنه أهل لذلك لما أهله و لو كان عنده نقص في صبره أو في شجاعته أو في مناصحته 1لابن عمه و اختير لذلك لكان من اختاره ص منقوضا في رأيه مضرا في اختياره و لا يجوز أن يقول هذا أحد من أهل الإسلام و كلهم مجمعون على أن 14الرسول ص عمل الصواب و أحسن في الاختيار .

ثم في ذلك إذا تأمله المتأمل وجوه من الفضل منها أنه و إن كان عنده في موضع الثقة فإنه غير مأمون عليه ألا يضبط السر فيفسد التدبير بإفشائه تلك الليلة إلى من يلقيه إلى الأعداء .

و منها أنه و إن كان ضابطا للسر و ثقة عند من اختاره فغير مأمون عليه الجبن عند

260

مفاجأة المكروه و مباشرة الأهوال فيفر من الفراش فيفطن لموضع الحيلة و يطلب 14رسول الله ص فيظفر به .

و منها أنه و إن كان ضابطا للسر شجاعا نجدا فلعله غير محتمل للمبيت على الفراش لأن هذا أمر خارج عن الشجاعة إن كان قد قامه مقام المكتوف الممنوع بل هو أشد مشقة من المكتوف الممنوع لأن المكتوف الممنوع يعلم من نفسه أنه لا سبيل له إلى الهرب و هذا يجد السبيل إلى الهرب و إلى الدفع عن نفسه و لا يهرب و لا يدافع .

و منها أنه و إن كان ثقة عنده ضابطا للسر شجاعا محتملا للمبيت على الفراش فإنه غير مأمون أن يذهب صبره عند العقوبة الواقعة و العذاب النازل بساحته حتى يبوح بما عنده و يصير إلى الإقرار بما يعلمه و هو أنه أخذ طريق كذا فيطلب فيؤخذ فلهذا قال علماء المسلمين إن فضيلة 1علي ع تلك الليلة لا نعلم أحدا من البشر نال مثلها إلا ما كان من إسحاق و إبراهيم عند استسلامه للذبح و لو لا أن الأنبياء لا يفضلهم غيرهم لقلنا إن محنة 1علي أعظم لأنه قد روي أن إسحاق تلكأ لما أمره أن يضطجع و بكى على نفسه و قد كان أبوه يعلم أن عنده في ذلك وقفة و لذلك قال له‏ فَانْظُرْ مََا ذََا تَرى‏ََ (1) و حال 1علي ع بخلاف ذلك لأنه ما تلكأ و لا تتعتع و لا تغير لونه و لا اضطربت أعضاؤه و لقد كان أصحاب 14النبي ص يشيرون عليه بالرأي المخالف لما كان أمر به و تقدم فيه فيتركه و يعمل بما أشاروا به كما جرى‏في مصانعة الأحزاب بثلث تمر المدينة فإنهم أشاروا عليه بترك ذلك فتركه و هذه كانت قاعدته معهم و عادته بينهم و قد كان 1لعلي ع أن يعتل بعلة و أن يقف و يقول يا 14رسول الله أكون معك أحميك من العدو و أذب بسيفي عنك فلست

____________

(1) سورة الصافّات 102.

261

مستغنيا في خروجك عن مثلي و نجعل عبدا من عبيدنا في فراشك قائما مقامك يتوهم القوم برؤيته نائما في بردك أنك لم تخرج و لم تفارق مركزك فلم يقل ذلك و لا تحبس و لا توقف و لا تلعثم و ذلك لعلم كل واحد منهما ص أن أحدا لا يصبر على ثقل هذه المحنة و لا يتورط هذه الهلكة إلا من خصه الله تعالى بالصبر على مشقتها و الفوز بفضيلتها و له من جنس ذلك أفعال كثيرة

1,14- كيوم دعا عمرو بن عبد ود المسلمين إلى المبارزة فأحجم الناس كلهم عنه لما علموا من بأسه و شدته ثم كرر النداء فقام 1علي ع فقال أنا أبرز إليه فقال له 14رسول الله ص إنه عمرو قال نعم و أنا 1علي فأمره بالخروج إليه فلما خرج قال ص برز الإيمان كله إلى الشرك كله .

1,14- وحيث حمى 14رسول الله ص من أبطال قريش و هم يقصدون قتله فقتلهم دونه حتى قال جبرئيل ع يا 14محمد إن هذه هي المواساة فقال إنه مني و أنا منه فقال جبريل و أنا منكما .

و لو عددنا أيامه و مقاماته التي شرى فيها نفسه لله تعالى لأطلنا و أسهبنا ـ قال الجاحظ فإن احتج محتج 1لعلي ع بالمبيت على الفراش فبين الغار و الفراش فرق واضح لأن الغار و صحبة أبي بكر 14للنبي ص قد نطق به القرآن فصار كالصلاة و الزكاة و غيرهما مما نطق به الكتاب و أمر 1علي ع و نومه على الفراش و إن كان ثابتا صحيحا إلا أنه لم يذكر في القرآن و إنما جاء مجي‏ء الروايات و السير و هذا لا يوازن هذا و لا يكايله‏ (1) .

قال شيخنا أبو جعفر رحمه الله هذا فرق غير مؤثر لأنه قد ثبت بالتواتر حديث

____________

(1) العثمانية 44.

262

الفراش فلا فرق بينه و بين ما ذكر في نص الكتاب و لا يجحده إلا مجنون أو غير مخالط لأهل الملة أ رأيت كون الصلوات خمسا و كون زكاة الذهب ربع العشر و كون خروج الريح ناقضا للطهارة و أمثال ذلك مما هو معلوم بالتواتر حكمه هل هو مخالف لما نص في الكتاب عليه من الأحكام هذا مما لا يقوله رشيد و لا عاقل على أن الله تعالى لم يذكر اسم أبي بكر في الكتاب و إنما قال‏ إِذْ يَقُولُ لِصََاحِبِهِ (1) و إنما علمنا أنه أبو بكر بالخبر و ما ورد في السيرة و قد قال أهل‏التفسيرإن قوله تعالى‏ وَ يَمْكُرُ اَللََّهُ وَ اَللََّهُ خَيْرُ اَلْمََاكِرِينَ (2) كناية عن 1علي ع لأنه مكر بهم و أول الآية وَ إِذْ يَمْكُرُ بِكَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَ يَمْكُرُونَ وَ يَمْكُرُ اَللََّهُ وَ اَللََّهُ خَيْرُ اَلْمََاكِرِينَ (2) أنزلت في‏و مكرهم كان توزيع السيوف على بطون قريش و مكر الله تعالى هو منام 1علي ع على الفراش فلا فرق بين الموضعين في أنهما مذكوران كناية لا تصريحا و قد روى المفسرون كلهم أن قول الله تعالى‏ وَ مِنَ اَلنََّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ اِبْتِغََاءَ مَرْضََاتِ اَللََّهِ (3) أنزلت في 1علي ع على الفراش فهذه مثل قوله تعالى‏ إِذْ يَقُولُ لِصََاحِبِهِ لا فرق بينهما .

قال الجاحظ و فرق آخر و هو أنه لو كان مبيت 1علي ع على الفراش جاء مجي‏ء كون أبي بكر في الغار لم يكن له في ذلك كبير طاعة لأن الناقلين

14,1- نقلوا أنه ص قال له نم فلن يخلص إليك شي‏ء تكرهه.

و لم ينقل ناقل أنه

____________

(1) سورة التوبة 40.

(2) سورة الأنفال 30.

(3) سورة البقرة 207.

263

قال لأبي بكر في صحبته إياه و كونه معه في الغار مثل ذلك و لا قال له أنفق و أعتق فإنك لن تفتقر و لن يصل إليك مكروه‏ (1) .

قال شيخنا أبو جعفر رحمه الله هذا هو الكذب الصراح و التحريف و الإدخال في الرواية ما ليس منها و المعروف المنقول

14,1- أنه ص قال له اذهب فاضطجع في مضجعي و تغش ببردي الحضرمي فإن القوم سيفقدونني و لا يشهدون مضجعي فلعلهم إذا رأوك يسكنهم ذلك حتى يصبحوا فإذا أصبحت فاغد في أداء أمانتي.

و لم ينقل ما ذكره الجاحظ و إنما ولده أبو بكر الأصم و أخذه الجاحظ و لا أصل له و لو كان هذا صحيحا لم يصل إليه منهم مكروه‏ (1)

1,14- و قد وقع الاتفاق على أنه ضرب و رمي بالحجارة قبل أن يعلموا من هو حتى تضور و أنهم قالوا له رأينا تضورك فإنا كنا نرمي 14محمدا و لا يتضور .

و لأن لفظة المكروه إن كان قالها إنما يراد بها القتل فهب أنه أمن القتل كيف يأمن من الضرب و الهوان و من أن ينقطع بعض أعضائه و بأن سلمت نفسه أ ليس الله تعالى قال 14لنبيه بَلِّغْ مََا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمََا بَلَّغْتَ رِسََالَتَهُ وَ اَللََّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنََّاسِ (2) و مع ذلك فقد كسرت رباعيته و شج وجهه و أدميت ساقه و ذلك لأنها عصمة من القتل خاصة و كذلك المكروه الذي أومن 1علي ع منه و إن كان صح ذلك في الحديث إنما هو مكروه القتل .

ثم يقال له و أبو بكر لا فضيلة له أيضا في كونه في الغار لأن 14النبي ص قال له‏ لاََ تَحْزَنْ إِنَّ اَللََّهَ مَعَنََا و من يكن الله معه فهو آمن لا محالة من كل سوء فكيف قلت و لم ينقل ناقل أنه قال لأبي بكر في الغار مثل ذلك فكل ما يجيب به عن هذا فهو جوابنا عما أورده فنقول له هذا ينقلب عليك في 14النبي ص

____________

(1) العثمانية 45.

(2) سورة المائدة 67.

264

لأن الله تعالى وعده بظهور دينه و عاقبة أمره فيجب على قولك ألا يكون مثابا عند الله تعالى على ما يحتمله من المكروه و لا ما يصيبه من الأذى إذ كان قد أيقن بالسلامة و الفتح في عدته .

قال الجاحظ و من جحد كون أبي بكر صاحب 14رسول الله ص فقد كفر لأنه جحد نص الكتاب ثم انظر إلى قوله تعالى‏ إِنَّ اَللََّهَ مَعَنََا (1) من الفضيلة لأبي بكر لأنه شريك 14رسول الله ص في كون الله تعالى معه و إنزال السكينة قال كثير من الناس إنه في الآية مخصوص بأبي بكر لأنه كان محتاجا إلى السكينة لما تداخله من رقة الطبع البشري و 14النبي ص كان غير محتاج إليها لأنه يعلم أنه محروس من الله تعالى فلا معنى لنزول السكينة عليه و هذه فضيلة ثالثة لأبي بكر .

قال شيخنا أبو جعفر رحمه الله إن أبا عثمان يجر على نفسه ما لا طاقة له به من مطاعن الشيعة و لقد كان في غنية عن التعلق بما تعلق به لأن الشيعة تزعم أن هذه الآية بأن تكون طعنا و عيبا على أبي بكر أولى من أن تكون فضيلة و منقبة له لأنه لما قال له‏ لاََ تَحْزَنْ دل على أنه قد كان حزن و قنط و أشفق على نفسه و ليس هذا من صفات المؤمنين الصابرين و لا يجوز أن يكون حزنه طاعة لأن الله تعالى لا ينهى عن الطاعة فلو لم يكن ذنبا لم ينه عنه و قوله‏ إِنَّ اَللََّهَ مَعَنََا أي إن الله عالم بحالنا و ما نضمره من اليقين أو الشك كما يقول الرجل لصاحبه لا تضمرن سوءا و لا تنوين قبيحا فإن الله تعالى يعلم ما نسره و ما نعلنه و هذا مثل قوله تعالى‏ وَ لاََ أَدْنى‏ََ مِنْ ذََلِكَ وَ لاََ أَكْثَرَ إِلاََّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مََا كََانُوا (2) أي هو عالم بهم و أما السكينة

____________

(1) سورة التوبة 40.

(2) سورة المجادلة 7.

265

فكيف يقول إنها ليست راجعة إلى 14النبي ص و بعدها قوله‏ وَ أَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهََا أ ترى المؤيد بالجنود كان أبا بكر أم 14رسول الله ص .

و قوله إنه مستغن عنها ليس بصحيح و لا يستغني أحد عن ألطاف الله و توفيقه و تأييده و تثبيت قلبه و قد قال الله تعالى في‏ وَ ضََاقَتْ عَلَيْكُمُ اَلْأَرْضُ بِمََا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ `ثُمَّ أَنْزَلَ اَللََّهُ سَكِينَتَهُ عَلى‏ََ 14رَسُولِهِ (1) ص .

و أما الصحبة فلا تدل إلا على المرافقة و الاصطحاب لا غير و قد يكون حيث لا إيمان كما قال تعالى‏ قََالَ لَهُ صََاحِبُهُ وَ هُوَ يُحََاوِرُهُ أَ كَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ (2) و نحن و إن كنا نعتقد إخلاص أبي بكر و إيمانه الصحيح السليم و فضيلته التامة إلا أنا لا نحتج له بمثل ما احتج به الجاحظ من الحجج الواهية و لا نتعلق بما يجر علينا دواهي الشيعة و مطاعنها .

قال الجاحظ و إن كان المبيت على الفراش فضيلة فأين هي من فضائل أبي بكر أيام مكة من عتق المعذبين و إنفاق المال و كثرة المستجيبين مع فرق ما بين الطاعتين لأن طاعة الشاب الغرير و الحدث الصغير الذي في عز صاحبه عزه ليست كطاعة الحليم الكبير الذي لا يرجع تسويد صاحبه إلى رهطه و عشيرته .

قال شيخنا أبو جعفر رحمه الله أما كثرة المستجيبين فالفضل فيها راجع إلى المجيب

____________

(1) سورة التوبة 25، 26.

(2) سورة الكهف 34.

266

لا إلى المجاب على أنا قد علمنا أن من استجاب لموسى ع أكثر ممن استجاب لنوح ع و ثواب نوح أكثر لصبره على الأعداء و مقاساة خلافهم و عنتهم و أما إنفاق المال فأين محنة الغني من محنة الفقير و أين يعتدل إسلام من أسلم و هو غني إن جاع أكل و إن أعيا ركب و إن عري لبس قد وثق بيساره و استغنى بماله و استعان على نوائب الدنيا بثروته ممن لا يجد قوت يومه و إن وجد لم يستأثر به فكان الفقر شعاره و في ذلك قيل الفقر شعار المؤمن و

13- قال الله تعالى لموسى يا موسى إذا رأيت الفقر مقبلا فقل مرحبا بشعار الصالحين.

و

14- في الحديث أن الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام.

و

14- كان 14النبي ص يقول اللهم احشرني في زمرة الفقراء.

و لذلك أرسل الله 14محمدا ص فقيرا و كان بالفقر سعيدا فقاسى محنة الفقر و مكابدة الجوع حتى شد الحجر على بطنه و حسبك بالفقر فضيلة في دين الله لمن صبر عليه فإنك لا تجد صاحب الدنيا يتمناه لأنه مناف لحال الدنيا و أهلها و إنما هو شعار أهل الآخرة .

و أما طاعة 1علي ع و كون الجاحظ زعم أنها كانت لأن في عز 14محمد عزه و عز رهطه بخلاف طاعة أبي بكر فهذا يفتح عليه أن يكون جهاد حمزة كذلك و جهاد عبيدة بن الحارث و هجرة جعفر إلى الحبشة بل لعل محاماة المهاجرين من قريش على 14رسول الله ص كانت لأن في دولته دولتهم و في نصرته استجداد ملك لهم و هذا يجر إلى الإلحاد و يفتح باب الزندقة و يفضي إلى الطعن في الإسلام و النبوة .

قال الجاحظ و على أنا لو نزلنا إلى ما يريدونه جعلنا الفراش كالغار و خلصت فضائل أبي بكر في غير ذلك عن معارض .

قال شيخنا أبو جعفر رحمه الله قد بينا فضيلة المبيت على الفراش على فضيلة الصحبة

267

في الغار بما هو واضح لمن أنصف و نزيد هاهنا تأكيدا بما لم نذكره فيما تقدم فنقول إن فضيلة المبيت على الفراش على الصحبة في الغار لوجهين أحدهما أن 1عليا ع قد كان أنس 14بالنبي ص و حصل له بمصاحبته قديما أنس عظيم و إلف شديد فلما فارقه عدم ذلك الأنس و حصل به أبو بكر فكان ما يجده 1علي ع من الوحشة و ألم الفرقة موجبا زيادة ثوابه لأن الثواب على قدر المشقة .

و ثانيهما أن أبا بكر كان يؤثر الخروج من مكة و قد كان خرج من قبل فردا فازداد كراهية للمقام فلما خرج مع 14رسول الله ص وافق ذلك هوى قلبه و محبوب نفسه فلم يكن له من الفضيلة ما يوازي فضيلة من احتمل المشقة العظيمة و عرض نفسه لوقع السيوف و رأسه لرضخ الحجارة لأنه على قدر سهولة العبادة يكون نقصان الثواب ـ

14- قال الجاحظ ثم الذي لقي أبو بكر في مسجده الذي بناه على بابه في بني جمح فقد كان بنى مسجدا يصلي فيه و يدعو الناس إلى الإسلام و كان له صوت رقيق و وجه عتيق و كان إذا قرأ بكى فيقف عليه المارة من الرجال و النساء و الصبيان و العبيد فلما أوذي في الله و منع من ذلك المسجد استأذن 14رسول الله ص في الهجرة فأذن له فأقبل يريد المدينة فتلقاه الكناني (1) فعقد له جوارا و قال و الله لا أدع مثلك يخرج من مكة فرجع إليها و عاد لصنيعه في المسجد فمشت قريش إلى جاره الكناني و أجلبوا عليه فقال له دع المسجد و ادخل بيتك و اصنع فيه ما بدا لك‏ (2) .

____________

(1) الكنانيّ؛ هو مالك بن الدغنة، أحد بنى الحارث بن بكر بن عبد مناة.

(2) العثمانية 28، 29 مع تصرف و اختصار.

268

قال شيخنا أبو جعفر رحمه الله كيف كانت بنو جمح تؤذي عثمان بن مظعون و تضربه و هو فيهم ذو سطوة و قدر و تترك أبا بكر يبني مسجدا يفعل فيه ما ذكرتم و أنتم الذين رويتم عن ابن مسعود أنه قال ما صلينا ظاهرين حتى أسلم عمر بن الخطاب و الذي تذكرونه من بناء المسجد كان قبل إسلام عمر فكيف هذا .

و أما ما ذكرتم من رقة صوته و عتاق وجهه فكيف يكون ذلك‏

17- و قد روى الواقدي و غيره أن عائشة رأت رجلا من العرب خفيف العارضين معروق الخدين غائر العينين أجنأ (1) لا يمسك إزاره فقالت ما رأيت أشبه بأبي بكر من هذا.

فلا نراها دلت على شي‏ء من الجمال في صفته .

قال الجاحظ و حيث رد أبو بكر جوار الكناني و قال لا أريد جارا سوى الله لقي من الأذى و الذل و الاستخفاف و الضرب ما بلغكم و هذا موجود في جميع السير و كان آخر ما لقي هو و أهله في أمر الغار و قد طلبته قريش و جعلت فيه مائة بعير كما جعلت في 14النبي ص فلقي أبو جهل أسماء بنت بكر فسألها فكتمته فلطمها حتى رمت قرطا كان في أذنها (2) .

قال شيخنا أبو جعفر رحمه الله هذا الكلام و هجر السكران سواء في تقارب المخرج و اضطراب المعنى و ذلك أن قريشا لم تقدر على أذى 14النبي ص و أبو طالب حي يمنعه فلما مات طلبته لتقتله فخرج تارة إلى بني عامر و تارة إلى ثقيف و تارة إلى بني شيبان و لم يكن يتجاسر على المقام بمكة إلا مستترا حتى أجاره مطعم بن عدي ثم خرج إلى المدينة فبذلت فيه مائة بعير لشدة حنقها عليه حين فاتها فلم تقدر عليه فما بالها بذلت في أبي بكر مائة بعير أخرى و قد كان رد الجوار و بقي بينهم فردا لا ناصر له

____________

(1) الأجنأ، من الجنأ و هو ميل الظهر.

(2) العثمانية 29، مع تصرف و اختصار.

269

و لا دافع عنده يصنعون به ما يريدون إما أن يكونوا أجهل البرية كلها أو يكون العثمانية أكذب جيل في الأرض و أوقحه وجها فهذا مما لم يذكر في سيرة و لا روي في أثر و لا سمع به بشر و لا سبق الجاحظ به أحد .

قال الجاحظ ثم الذي كان من دعائه إلى الإسلام و حسن احتجاجه حتى أسلم على يديه طلحة و الزبير و سعد و عثمان و عبد الرحمن لأنه ساعة أسلم دعا إلى الله و إلى 14رسوله (1) .

قال شيخنا أبو جعفر رحمه الله ما أعجب هذا القول إذ تدعي العثمانية لأبي بكر الرفق في الدعاء و حسن الاحتجاج و قد أسلم و معه في منزله ابنه عبد الرحمن فما قدر أن يدخله في الإسلام طوعا برفقه و لطف احتجاجه و لا كرها بقطع النفقة عنه و إدخال المكروه عليه و لا كان لأبي بكر عند ابنه عبد الرحمن من القدر ما يطيعه فيما يأمره به و يدعوه إليه

14,1- كما روي أن أبا طالب فقد 14النبي ص يوما و كان يخاف عليه من قريش أن يغتالوه فخرج و معه ابنه جعفر يطلبان 14النبي ص فوجده قائما في بعض شعاب مكة يصلي و 1علي ع معه عن يمينه فلما رآهما أبو طالب قال لجعفر تقدم و صل جناح 14ابن عمك فقام جعفر عن يسار 14محمد ص فلما صاروا ثلاثة تقدم 14رسول الله ص و تأخر الأخوان فبكى أبو طالب و قال‏

إن 1عليا و جعفرا ثقتي # عند ملم الخطوب و النوب‏ (2)

لا تخذلا و انصرا 14ابن عمكما # أخي لأمي من بينهم و أبي

و الله لا أخذل 14النبي و لا # يخذله من بني ذو حسب‏

.

____________

(1) العثمانية 31 مع تصرف و اختصار.

(2) ديوانه 42.

270

فتذكر الرواة أن جعفرا أسلم منذ ذلك اليوم لأن أباه أمره بذلك و أطاع أمره و أبو بكر لم يقدر على إدخال ابنه عبد الرحمن في الإسلام حتى أقام بمكة على كفره ثلاث عشرة سنة و خرج‏في عسكر المشركين ينادي أنا عبد الرحمن بن عتيق هل من مبارز ثم مكث بعد ذلك على كفره حتى أسلم‏و هو اليوم الذي دخلت فيه قريش في الإسلام طوعا و كرها و لم يجد أحد منها إلى ترك ذلك سبيلا و أين كان رفق أبي بكر و حسن احتجاجه عند أبيه أبي قحافة و هما في دار واحدة هلا رفق به و دعاه إلى الإسلام فأسلم

14- و قد علمتم أنه بقي على الكفر إلى‏فأحضره ابنه عند 14النبي ص و هو شيخ كبير رأسه كالثغامة (1) فنفر 14رسول الله ص منه و قال غيروا هذا فخضبوه ثم جاءوا به مرة أخرى فأسلم .

و كان أبو قحافة فقيرا مدقعا سيئ الحال و أبو بكر عندهم كان مثريا فائض المال فلم يمكنه استمالته إلى الإسلام بالنفقة و الإحسان و قد كانت امرأة أبي بكر أم عبد الله ابنه و اسمها نملة بنت عبد العزى بن أسعد بن عبد بن ود العامرية لم تسلم و أقامت على شركها بمكة و هاجر أبو بكر و هي كافرة فلما نزل قوله تعالى‏ وَ لاََ تُمْسِكُوا بِعِصَمِ اَلْكَوََافِرِ (2) فطلقها أبو بكر فمن عجز عن ابنه و أبيه و امرأته فهو عن غيرهم من الغرماء أعجز و من لم يقبل منه أبوه و ابنه و امرأته لا برفق و احتجاج و لا خوفا من قطع النفقة عنهم و إدخال المكروه عليهم فغيرهم أقل قبولا منه و أكثر خلافا عليه .

قال الجاحظ و قالت أسماء بنت أبي بكر ما عرفت أبي إلا و هو يدين بالدين و لقد رجع إلينا يوم أسلم فدعانا إلى الإسلام فما رمنا حتى أسلمنا و أسلم أكثر جلسائه و لذلك قالوا من أسلم بدعاء أبي بكر أكثر ممن أسلم بالسيف و لم يذهبوا في ذلك إلى العدد بل عنوا الكثرة في القدر لأنه أسلم على يديه خمسة من أهل

____________

(1) الثغام: كسحاب: ضرب من النبات أبيض.

(2) سورة الممتحنة 10.

271

كلهم يصلح للخلافة و هم أكفاء 1علي ع و منازعوه الرئاسة و الإمامة فهؤلاء أكثر من جميع الناس‏ (1) .

قال شيخنا أبو جعفر رحمه الله أخبرونا من هذا الذي أسلم ذلك اليوم من أهل بيت أبي بكر إذا كانت امرأته لم تسلم و ابنه عبد الرحمن لم يسلم و أبو قحافة لم يسلم و أخته أم فروة لم تسلم و عائشة لم تكن قد ولدت في ذلك الوقت لأنها ولدت بعدبخمس سنين و محمد بن أبي بكر ولد بعدبثلاث و عشرين سنة لأنه ولد في حجة الوداع و أسماء بنت أبي بكر التي قد روى الجاحظ هذا الخبر عنها كانت يوم بعث 14رسول الله ص بنت أربع سنين و في رواية من يقول بنت سنتين فمن الذي أسلم من أهل بيته يوم أسلم نعوذ بالله من الجهل و الكذب و المكابرة و كيف أسلم سعد و الزبير و عبد الرحمن بدعاء أبي بكر و ليسوا من رهطه و لا من أترابه و لا من جلسائه و لا كانت بينهم قبل ذلك صداقة متقدمة و لا أنس وكيد و كيف ترك أبو بكر عتبة بن ربيعة و شيبة بن ربيعة لم يدخلهما في الإسلام برفقه و حسن دعائه و قد زعمتم أنهما كانا يجلسان إليه لعلمه و طريف حديثه و ما باله لم يدخل جبير بن مطعم في الإسلام و قد ذكرتم أنه أدبه و خرجه و منه أخذ جبير العلم بأنساب قريش و مآثرها فكيف عجز عن هؤلاء الذين عددناهم و هم منه بالحال التي وصفنا و دعا من لم يكن بينه و بينه أنس و لا معرفة إلا معرفة عيان و كيف لم يقبل منه عمر بن الخطاب و قد كان شكله و أقرب الناس شبها به في أغلب أخلاقه و لئن رجعتم إلى الإنصاف لتعلمن أن هؤلاء لم يكن إسلامهم إلا بدعاء 14الرسول ص لهم و على يديه أسلموا و لو فكرتم في حسن التأتي في الدعاء ليصحن لأبي طالب في ذلك

____________

(1) العثمانية 31-32، مع تصرف و اختصار.

272

على شركه أضعاف ما ذكرتموه لأبي بكر لأنكم رويتم أن أبا طالب قال 1لعلي ع يا بني الزمه فإنه لن يدعوك إلا إلى خير و قال لجعفر صل جناح 14ابن عمك فأسلم بقوله و لأجله أصفق بنو عبد مناف على نصرة 14رسول الله ص بمكة من بني مخزوم و بني سهم و بني جمح و لأجله صبر بنو هاشم على الحصار في الشعب و بدعائه و إقباله على 14محمد ص أسلمت امرأته فاطمة بنت أسد فهو أحسن رفقا و أيمن نقيبة من أبي بكر و غيره و إنما منعه عن الإسلام أن ثبت أنه لم يسلم إلا تقية و أبو بكر لم يكن له إلا ابن واحد و هو عبد الرحمن فلم يمكنه أن يدخله في الإسلام و لا أمكنه إذ لم يقبل منه الإسلام أن يجعله كبعض مشركي قريش في قلة الأذى 14لرسول الله ص و فيه أنزل‏ وَ اَلَّذِي قََالَ لِوََالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمََا أَ تَعِدََانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَ قَدْ خَلَتِ اَلْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَ هُمََا يَسْتَغِيثََانِ اَللََّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اَللََّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مََا هََذََا إِلاََّ أَسََاطِيرُ اَلْأَوَّلِينَ (1) و إنما يعرف حسن رفق الرجل و تأتيه بأن يصلح أولا أمر بيته و أهله ثم يدعو الأقرب فالأقرب فإن 14رسول الله ص لما بعث كان أول من دعا زوجته خديجة ثم مكفوله و ابن عمه 1عليا ع ثم مولاه زيدا ثم أم أيمن خادمته فهل رأيتم أحدا ممن كان يأوي إلى 14رسول الله ص لم يسارع و هل التاث عليه أحد من هؤلاء فهكذا يكون حسن التأتي و الرفق في الدعاء هذا و 14رسول الله مقل و هو من جملة عيال خديجة حين بعثه الله تعالى و أبو بكر عندكم كان موسرا و كان أبوه مقترا و كذلك ابنه و امرأته أم عبد الله و الموسر في فطرة العقول أولى أن يتبع من المقتر و إنما حسن التأتي و الرفق في الدعاء ما صنعه مصعب بن عمير لسعد بن معاذ لما دعاه و ما صنع سعد بن معاذ ببني عبد الأشهل لما دعاهم و ما صنع بريدة بن الحصيب بأسلم لما دعاهم قالوا أسلم بدعائه ثمانون بيتا من قومه

____________

(1) سورة الأحقاف 17.

273

و أسلم بنو عبد الأشهل بدعاء سعد في يوم واحد و أما من لم يسلم ابنه و لا امرأته و لا أبوه و لا أخته بدعائه فهيهات أن يوصف و يذكر بالرفق في الدعاء و حسن التأتي و الأناة قال الجاحظ ثم أعتق أبو بكر بعد ذلك جماعة من المعذبين في الله و هم ست رقاب منهم بلال و عامر بن فهيرة و زنيرة النهدية و ابنتها و مر بجارية يعذبها عمر بن الخطاب فابتاعها منه و أعتقها و أعتق أبا عيسى فأنزل الله فيه‏ فَأَمََّا مَنْ أَعْطى‏ََ وَ اِتَّقى‏ََ `وَ صَدَّقَ بِالْحُسْنى‏ََ `فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى‏ََ (1) إلى آخر السورة .

قال شيخنا أبو جعفر رحمه الله‏

14- أما بلال و عامر بن فهيرة فإنما أعتقهما 14رسول الله ص روى ذلك الواقدي و ابن إسحاق و غيرهما .

و أما باقي مواليهم الأربعة فإن سامحناكم في دعواكم لم يبلغ ثمنهم في تلك الحال لشدة بغض مواليهم لهم إلا مائة درهم أو نحوها فأي فخر في هذا و أما الآية فإن ابن عباس قال في تفسيرها فَأَمََّا مَنْ أَعْطى‏ََ وَ اِتَّقى‏ََ `وَ صَدَّقَ بِالْحُسْنى‏ََ `فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى‏ََ أي لأن يعود .

و قال غيره نزلت في مصعب بن عمير ـ قال الجاحظ و قد علمتم ما صنع أبو بكر في ماله و كان ماله أربعين ألف درهم فأنفقه في نوائب الإسلام و حقوقه و لم يكن خفيف الظهر قليل العيال و النسل فيكون فاقد جميع اليسارين بل كان ذا بنين و بنات و زوجة و خدم و حشم و يعول والديه و ما ولدا و لم يكن 14النبي ص قبل ذلك عنده مشهورا فيخاف العار في ترك مواساته فكان إنفاقه على الوجه الذي لا نجد في غاية الفضل مثله و لقد

14- قال 14النبي ص ما نفعني مال كما نفعني مال أبي بكر .

____________

(1) سورة الليل 5.

274

قال شيخنا أبو جعفر رحمه الله أخبرونا على أي نوائب الإسلام أنفق هذا المال و في أي وجه وضعه فإنه ليس بجائز أن يخفى ذلك و يدرس حتى يفوت حفظه و ينسى ذكره و أنتم فلم تقفوا على شي‏ء أكثر من عتقه بزعمكم ست رقاب لعلها لا يبلغ ثمنها في ذلك العصر مائة درهم و كيف يدعي له الإنفاق الجليل‏

14- و قد باع من 14رسول الله ص بعيرين عند خروجه إلى يثرب و أخذ منه الثمن في مثل تلك الحال .

و روى ذلك جميع المحدثين‏

17- و قد رويتم أيضا أنه كان حيث كان بالمدينة غنيا موسرا.

17- و رويتم عن عائشة أنها قالت هاجر أبو بكر و عنده عشرة آلاف درهم.

17- و قلتم إن الله تعالى أنزل فيه‏ وَ لاََ يَأْتَلِ أُولُوا اَلْفَضْلِ مِنْكُمْ وَ اَلسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي اَلْقُرْبى‏ََ (1) قلتم هي في أبي بكر و مسطح بن أثاثة .

فأين الفقر الذي زعمتم أنه أنفق حتى تخلل بالعباءة

1- و رويتم أن لله تعالى في سمائه ملائكة قد تخللوا بالعباءة و أن 14النبي ص رآهم‏فسأل جبرائيل عنهم فقال هؤلاء ملائكة تأسوا بأبي بكر بن أبي قحافة صديقك في الأرض فإنه سينفق عليك ماله حتى يخلل عباءه في عنقه .

1,14- و أنتم أيضا رويتم أن الله تعالى لما أنزل آية النجوى فقال‏ يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِذََا نََاجَيْتُمُ 14اَلرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوََاكُمْ صَدَقَةً ذََلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ (2) الآية لم يعمل بها إلا 1علي بن أبي طالب وحده .

مع إقراركم بفقره و قلة ذات يده و أبو بكر في الحال التي ذكرنا من السعة أمسك عن مناجاته فعاتب الله المؤمنين في ذلك فقال‏ أَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوََاكُمْ صَدَقََاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ تََابَ اَللََّهُ عَلَيْكُمْ فجعله سبحانه ذنبا يتوب عليهم منه و هو إمساكهم عن تقديم الصدقة فكيف سخت نفسه بإنفاق أربعين ألفا و أمسك عن مناجاة 14الرسول و إنما كان يحتاج فيها إلى إخراج درهمين .

و أما ما ذكر من كثرة عياله و نفقته عليهم فليس في ذلك دليل على تفضيله لأن

____________

(1) سورة النور 22.

(2) سورة المجادلة 12.

275

نفقته على عياله واجبة مع أن أرباب‏السيرةذكروا أنه لم يكن ينفق على أبيه شيئا و أنه كان أجيرا لابن جدعان على مائدته يطرد عنها الذبان .

قال الجاحظ و قد تعلمون ما كان يلقى أصحاب 14النبي ص ببطن مكة من المشركين و حسن صنيع كثير منهم كصنيع حمزة حين ضرب أبا جهل بقوسه ففلق هامته و أبو جهل يومئذ سيد البطحاء و رئيس الكفر و أمنع أهل مكة و قد عرفتم أن الزبير سل سيفه و استقبل به المشركين لما أرجف أن 14محمدا ص قد قتل و أن عمر بن الخطاب قال حين أسلم لا يعبد الله سرا بعد اليوم و أن سعدا ضرب بعض المشركين بلحي جمل فأراق دمه فكل هذه الفضائل لم يكن 1لعلي بن أبي طالب فيها ناقة و لا جمل و قد قال الله تعالى‏ لاََ يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ وَ قََاتَلَ أُولََئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ اَلَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَ قََاتَلُوا (1) فإذا كان الله تعالى قد فضل من أنفق قبل لأنه لا هجرة بعد الفتح على من أنفق بعد الفتح فما ظنكم بمن أنفق من قبل و من لدن‏إلى‏و إلى بعد (2) .

قال شيخنا أبو جعفر رحمه الله إننا لا ننكر فضل الصحابة و سوابقهم و لسنا كالإمامية الذين يحملهم الهوى على جحد الأمور المعلومة و لكننا ننكر تفضيل أحد من الصحابة على 1علي بن أبي طالب و لسنا ننكر غير ذلك و ننكر تعصب الجاحظ للعثمانية و قصده إلى فضائل هذا الرجل و مناقبه بالرد و الإبطال و أما حمزة فهو عندنا ذو فضل عظيم و مقام جليل و هو سيد الشهداء الذين استشهدوا على عهد 14رسول الله ص

____________

(1) سورة الحديد 20.

(2) العثمانية 37، مع تصرف و اختصار.

276

و أما فضل عمر فغير منكر و كذلك الزبير و سعد و ليس فيما ذكر ما يقتضي كون 1علي ع مفضولا لهم أو لغيرهم إلا قوله و كل هذه الفضائل لم يكن 1لعلي ع فيها ناقة و لا جمل فإن هذا من التعصب البارد و الحيف الفاحش و قد قدمنا من آثار 1علي ع قبل و ما له إذ ذاك من المناقب و الخصائص ما هو أفضل و أعظم و أشرف من جميع ما ذكر لهؤلاء على أن أرباب‏السيرةيقولون إن الشجة التي شجها سعد و إن السيف الذي سله الزبير هو الذي جلب الحصار في الشعب على 14النبي ص و بني هاشم و هو الذي سير جعفرا و أصحابه إلى الحبشة و سل السيف في الوقت الذي لم يؤمر المسلمون فيه بسل السيف غير جائز قال تعالى‏ أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَ أَقِيمُوا اَلصَّلاََةَ وَ آتُوا اَلزَّكََاةَ فَلَمََّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ اَلْقِتََالُ إِذََا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ اَلنََّاسَ كَخَشْيَةِ اَللََّهِ (1) فتبين أن التكليف له أوقات فمنها وقت لا يصلح فيه سل السيف و منها وقت يصلح فيه و يجب فأما قوله تعالى‏ لاََ يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ فقد ذكرنا ما عندنا من دعواهم لأبي بكر إنفاق المال و أيضا فإن الله تعالى لم يذكر إنفاق المال مفردا و إنما قرن به القتال و لم يكن أبو بكر صاحب قتال و حرب فلا تشمله الآية و كان 1علي ع صاحب قتال و إنفاق قبل الفتح أما قتاله فمعلوم بالضرورة و أما إنفاقه فقد كان على حسب حاله و فقره و هو الذي أطعم‏ اَلطَّعََامَ عَلى‏ََ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَ يَتِيماً وَ أَسِيراً و أنزلت فيه و في زوجته و ابنيه سورة (2) كاملة من القرآن و هو الذي ملك أربعة دراهم فأخرج منها درهما سرا و درهما علانية ليلا ثم أخرج منها في النهار درهما سرا و درهما علانية فأنزل فيه قوله تعالى‏ اَلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوََالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَ اَلنَّهََارِ سِرًّا وَ عَلاََنِيَةً (3) و هو الذي قدم بين يدي نجواه صدقة

____________

(1) سورة النساء 77.

(2) زعم بعض غلاة الشيعة، أنه أنزلت فيهم سورة مختلفة، و انظر فصل الخطاب لحسين بن محمّد الطبرسيّ 156، و حواشى ملحق العثمانية 319.

(3) سورة البقرة 247.

277

دون المسلمين كافة و هو الذي تصدق بخاتمه و هو راكع فأنزل الله فيه‏ إِنَّمََا وَلِيُّكُمُ اَللََّهُ وَ 14رَسُولُهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاََةَ وَ يُؤْتُونَ اَلزَّكََاةَ وَ هُمْ رََاكِعُونَ (1) .

قال الجاحظ و الحجة العظمى للقائلين بتفضيل 1علي ع قتله الأقران و خوضه الحرب و ليس له في ذلك كبير فضيلة لأن كثرة القتل و المشي بالسيف إلى الأقران لو كان من أشد المحن و أعظم الفضائل و كان دليلا على الرئاسة و التقدم لوجب أن يكون للزبير و أبي دجانة و محمد بن مسلمة و ابن عفراء و البراء بن مالك من الفضل ما ليس 14لرسول الله ص لأنه لم يقتل بيده إلا رجلا واحدا و لم يحضر الحرب‏و لا خالط الصفوف و إنما كان معتزلا عنهم في العريش و معه أبو بكر و أنت ترى الرجل الشجاع قد يقتل الأقران و يجندل الأبطال و فوقه من العسكر من لا يقتل و لا يبارز و هو الرئيس أو ذوي الرأي و المستشير في الحرب لأن للرؤساء من الاكتراث و الاهتمام و شغل البال و العناية و التفقد ما ليس لغيرهم و لأن الرئيس هو المخصوص بالمطالبة و عليه مدار الأمور و به يستبصر المقاتل و يستنصر و باسمه ينهزم العدو و لو لم يكن له إلا أن الجيش لو ثبت و فر هو لم يغن ثبوت الجيش كله و كانت الدبرة عليه و لو ضيع القوم جميعا و حفظ هو لانتصر و كانت الدولة له و لهذا لا يضاف النصر و الهزيمة إلا إليه ففضل أبي بكر بمقامه في العريش مع 14رسول الله أعظم من جهاد 1علي ع ذلك اليوم و قتله أبطال قريش .

قال شيخنا أبو جعفر رحمه الله لقد أعطي أبو عثمان مقولا و حرم معقولا إن كان

____________

(1) سورة المائدة 55.

278

يقول هذا على اعتقاد و جد و لم يذهب به مذهب اللعب و الهزل أو على طريق التفاصح و التشادق و إظهار القوة و السلاطة و ذلاقة اللسان و حدة الخاطر و القوة على جدال الخصوم أ لم يعلم أبو عثمان أن 14رسول الله ص كان أشجع البشر و أنه خاض الحروب و ثبت في المواقف التي طاشت فيها الألباب‏ وَ بَلَغَتِ اَلْقُلُوبُ اَلْحَنََاجِرَ فمنها

14,1- و وقوفه بعد أن فر المسلمون بأجمعهم و لم يبق معه إلا أربعة 1علي و الزبير و طلحة و أبو دجانة فقاتل و رمى بالنبل حتى فنيت نبله و انكسرت سية قوسه و انقطع وتره فأمر عكاشة بن محصن أن يوترها فقال يا 14رسول الله لا يبلغ الوتر فقال أوتر ما بلغ قال عكاشة فو الذي بعثه بالحق لقد أوترت حتى بلغ و طويت منه شبرا على سية القوس ثم أخذها فما زال يرميهم حتى نظرت إلى قوسه قد تحطمت و بارز أبي بن خلف فقال له أصحابه إن شئت عطف عليه بعضنا فأبى و تناول الحربة من الحارث بن الصمة ثم انتقض بأصحابه كما ينتقض البعير قالوا فتطايرنا عنه تطاير الشعارير (1) فطعنه بالحربة فجعل يخور كما يخور الثور و لو لم يدل على ثباته حين انهزم أصحابه و تركوه إلا قوله تعالى‏ إِذْ تُصْعِدُونَ وَ لاََ تَلْوُونَ عَلى‏ََ أَحَدٍ وَ 14اَلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرََاكُمْ (2) .

فكونه ع في أخراهم و هم يصعدون و لا يلوون هاربين دليل على أنه ثبت و لم يفر

14,1- و ثبت‏في تسعة من أهله و رهطه الأدنين و قد فر المسلمون كلهم و النفر التسعة محدقون به العباس آخذ بحكمة بغلته و 1علي بين يديه مصلت سيفه و الباقون حول بغلة 14رسول الله ص يمنة و يسرة و قد انهزم المهاجرون و الأنصار و كلما فروا أقدم هو ص يمنة و يسرة و قد انهزم المهاجرون و الأنصار و كلما فر و أقدم هو ص و صمم مستقدما يلقى السيوف و النبال بنحره و صدره ثم أخذ كفا من

____________

(1) الشعارير: ما يجتمع على دبرة البعير من الذبان، فإذا هيجت تطايرت عنها.

(2) سورة آل عمران 151.

279

البطحاء و حصب المشركين و قال شاهت الوجوه .

و

1,14- الخبر المشهور عن 1علي ع و هو أشجع البشر كنا إذا اشتد البأس و حمي الوطيس اتقينا 14برسول الله ص و لذنا به .

فكيف يقول الجاحظ إنه ما خاض الحرب و لا خالط الصفوف و أي فرية أعظم من فرية من نسب 14رسول الله ص إلى الإحجام و اعتزال الحرب ثم أي مناسبة بين أبي بكر و 14رسول الله ص في هذا المعنى ليقيسه و ينسبه إلى 14رسول الله ص صاحب الجيش و الدعوة و رئيس الإسلام و الملة و الملحوظ بين أصحابه و أعدائه بالسيادة و إليه الإيماء و الإشارة و هو الذي أحنق قريشا و العرب و ورى أكبادهم بالبراءة من آلهتهم و عيب دينهم و تضليل أسلافهم ثم وترهم فيما بعد بقتل رؤسائهم و أكابرهم و حق لمثله إذا تنحى عن الحرب و اعتزلها أن يتنحى و يعتزل لأن ذلك شأن الملوك و الرؤساء إذا كان الجيش منوطا بهم و ببقائهم فمتى هلك الملك هلك الجيش و متى سلم الملك أمكن أن يبقى عليه ملكه و إن عطب جيشه فإنه يستجد جيشا آخر و لذلك نهى الحكماء أن يباشر الملك الحرب بنفسه و خطئوا الإسكندر لما بارز قوسرا ملك الهند و نسبوه إلى مجانبة الحكمة و مفارقة الصواب و الحزم فليقل لنا الجاحظ أي مدخل لأبي بكر في هذا المعنى و من الذي كان يعرفه من أعداء الإسلام ليقصده بالقتل و هل هو إلا واحد من عرض المهاجرين حكمه حكم عبد الرحمن بن عوف و عثمان بن عفان و غيرهما بل كان عثمان أكثر منه صيتا و أشرف منه مركبا و العيون إليه أطمح و العدو إليه أحنق و أكلب و لو قتل أبو بكر في بعض تلك المعارك هل كان يؤثر قتله في الإسلام ضعفا أو يحدث فيه وهنا أو يخاف على الملة لو قتل أبو بكر في بعض تلك الحروب أن تندرس و تعفى آثارها و ينطمس منارها ليقول الجاحظ إن أبا بكر كان حكمه حكم 14رسول الله ص في مجانبة الحروب و اعتزالها نعوذ بالله من الخذلان و قد علم العقلاء كلهم ممن له‏

280

بالسيرمعرفة و بالآثار و الأخبار ممارسة حال حروب 14رسول الله ص كيف كانت و حاله ع فيها كيف كان و وقوفه حيث وقف و حربه حيث حارب و جلوسه في العريش يوم جلس و إن وقوفه ص وقوف رئاسة و تدبير و وقوف ظهر و سند يتعرف أمور أصحابه و يحرس صغيرهم و كبيرهم بوقوفه من ورائهم و تخلفه عن التقدم في أوائلهم لأنهم متى علموا أنه في أخراهم اطمأنت قلوبهم و لم تتعلق بأمره نفوسهم فيشتغلوا بالاهتمام به عن عدوهم و لا يكون لهم فئة يلجئون إليها و ظهر يرجعون إليه و يعلمون أنه متى كان خلفهم تفقد أمورهم و علم مواقفهم و آوى كل إنسان مكانه في الحماية و النكاية و عند المنازلة في الكر و الحملة فكان وقوفه حيث وقف أصلح لأمرهم و أحمى و أحرس لبيضتهم و لأنه المطلوب من بينهم إذ هو مدبر أمورهم و والي جماعتهم أ لا ترون أن موقف صاحب اللواء موقف شريف و أن صلاح الحرب في وقوفه و أن فضيلته في ترك التقدم في أكثر حالاته فللرئيس حالات الأولى حالة يتخلف و يقف آخرا ليكون سندا و قوة و ردءا و عدة و ليتولى تدبير الحرب و يعرف مواضع الخلل .

و الحالة الثانية يتقدم فيها في وسط الصف ليقوي الضعيف و يشجع الناكص‏ (1) .

و حالة ثالثة و هي إذا اصطدم الفيلقان و تكافح السيفان اعتمد ما تقتضيه الحال من الوقوف حيث يستصلح أو من مباشرة الحرب بنفسه فإنها آخر المنازل و فيها تظهر شجاعة الشجاع النجد و فسالة الجبان المموه .

فأين مقام الرئاسة العظمى 14لرسول الله ص و أين منزلة أبي بكر ليسوي بين المنزلتين و يناسب بين الحالتين .

و لو كان أبو بكر شريكا 14لرسول الله ص في الرسالة و ممنوحا من الله

____________

(1) ب: «الناكس» .

281

بفضيلة النبوة و كانت قريش و العرب تطلبه كما تطلب 14محمدا ص و كان يدبر من أمر الإسلام و تسريب العساكر و تجهيز السرايا و قتل الأعداء ما يدبره 14محمد ص لكان للجاحظ أن يقول ذلك فأما و حاله حاله و هو أضعف المسلمين جنانا و أقلهم عند العرب ترة لم يرم قط بسهم و لا سل سيفا و لا أراق دما و هو أحد الأتباع غير مشهور و لا معروف و لا طالب و لا مطلوب فكيف يجوز أن يجعل مقامه و منزلته مقام 14رسول الله ص و منزلته

14- و لقد خرج ابنه عبد الرحمن مع المشركين فرآه أبو بكر فقام مغيظا عليه فسل من السيف مقدار إصبع يريد البروز إليه فقال له 14رسول الله ص يا أبا بكر شم سيفك‏ (1) و أمتعنا بنفسك .

و لم يقل له و أمتعنا بنفسك إلا لعلمه بأنه ليس أهلا للحرب و ملاقاة الرجال و أنه لو بارز لقتل .

و كيف يقول الجاحظ لا فضيلة لمباشرة الحرب و لقاء الأقران و قتل أبطال الشرك و هل قامت عمد الإسلام إلا على ذلك و هل ثبت الدين و استقر إلا بذلك أ تراه لم يسمع قول الله تعالى‏ إِنَّ اَللََّهَ يُحِبُّ اَلَّذِينَ يُقََاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيََانٌ مَرْصُوصٌ (2) و المحبة من الله تعالى هي إرادة الثواب فكل من كان أشد ثبوتا في هذا الصف و أعظم قتالا كان أحب إلى الله و معنى الأفضل هو الأكثر ثوابا 1فعلي ع إذا هو أحب المسلمين إلى الله لأنه أثبتهم قدما في الصف المرصوص لم يفر قط بإجماع الأمة و لا بارزه قرن إلا قتله .

أ تراه لم يسمع قول الله تعالى‏ وَ فَضَّلَ اَللََّهُ اَلْمُجََاهِدِينَ عَلَى اَلْقََاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً (3) و قوله‏ إِنَّ اَللََّهَ اِشْتَرى‏ََ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوََالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ اَلْجَنَّةَ يُقََاتِلُونَ

____________

(1) شم سيفك، أي أغمده؛ و هو من الأضداد.

(2) سورة الصف 4.

(3) سورة النساء 95.

282

فِي سَبِيلِ اَللََّهِ فَيَقْتُلُونَ وَ يُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي اَلتَّوْرََاةِ وَ اَلْإِنْجِيلِ وَ اَلْقُرْآنِ (1) ثم قال سبحانه مؤكدا لهذا البيع و الشراء وَ مَنْ أَوْفى‏ََ بِعَهْدِهِ مِنَ اَللََّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ اَلَّذِي بََايَعْتُمْ بِهِ وَ ذََلِكَ هُوَ اَلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ (1) و قال الله تعالى‏ ذََلِكَ بِأَنَّهُمْ لاََ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَ لاََ نَصَبٌ وَ لاََ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اَللََّهِ وَ لاََ يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ اَلْكُفََّارَ وَ لاََ يَنََالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاََّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صََالِحٌ (2) .

فمواقف الناس في الجهاد على أحوال و بعضهم في ذلك أفضل من بعض فمن دلف إلى الأقران و استقبل السيوف و الأسنة كان أثقل على أكتاف الأعداء لشدة نكايته فيهم ممن وقف في المعركة و أعان و لم يقدم و كذلك من وقف في المعركة و أعان و لم يقدم إلا أنه بحيث تناله السهام و النبل أعظم غناء و أفضل ممن وقف حيث لا يناله ذلك و لو كان الضعيف و الجبان يستحقان الرئاسة بقلة بسط الكف و ترك الحرب و أن ذلك يشاكل فعل 14النبي ص لكان أوفر الناس حظا في الرئاسة و أشدهم لها استحقاقا حسان بن ثابت و إن بطل فضل 1علي ع في الجهاد لأن 14النبي ص كان أقلهم قتالا كما زعم الجاحظ ليبطلن على هذا القياس فضل أبي بكر في الإنفاق لأن 14رسول الله ص كان أقلهم مالا .

و أنت إذا تأملت أمر العرب و قريش و نظرت السير و قرأت الأخبار عرفت أنها كانت تطلب 14محمدا ص و تقصد قصده و تروم قتله فإن أعجزها و فاتها طلبت 1عليا ع و أرادت قتله لأنه كان أشبههم 14بالرسول حالا و أقربهم منه قربا و أشدهم عنه دفعا و أنهم متى قصدوا 1عليا فقتلوه أضعفوا أمر 14محمد ص و كسروا شوكته إذ كان أعلى من ينصره في البأس و القوة و الشجاعة

____________

(1) سورة التوبة 111.

(2) سورة التوبة 120.

283

و النجدة و الإقدام و البسالة أ لا ترى إلى

14,1- قول عتبة بن ربيعة و قد خرج هو و أخوه شيبة و ابنه الوليد بن عتبة فأخرج إليه 14الرسول نفرا من الأنصار فاستنسبوهم فانتسبوا لهم فقالوا ارجعوا إلى قومكم ثم نادوا يا 14محمد أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا فقال 14النبي ص لأهله الأدنين قوموا يا بني هاشم فانصروا حقكم الذي آتاكم الله على باطل هؤلاء قم يا 1علي قم يا حمزة قم يا عبيدة .

أ لا ترى ما جعلت هند بنت عتبة لمن قتله‏لأنه اشترك هو و حمزة في قتل أبيهاأ لم تسمع قول هند ترثي أهلها

ما كان عن عتبة لي من صبر # أبي و عمي و شقيق صدري

أخي الذي كان كضوء البدر # بهم كسرت يا 1علي ظهري.

و ذلك لأنه قتل أخاها الوليد بن عتبة و شرك في قتل أبيها عتبة و أما عمها شيبة فإن حمزة تفرد بقتله .

14,1- و قال جبير بن مطعم لوحشي مولاه‏إن قتلت 14محمدا فأنت حر و إن قتلت 1عليا فأنت حر و إن قتلت حمزة فأنت حر فقال أما 14محمد فسيمنعه أصحابه و أما 1علي فرجل حذر كثير الالتفات في الحرب و لكني سأقتل حمزة فقعد له و زرقه بالحربة فقتله .

و لما قلنا من مقاربة حال 1علي ع في هذا الباب لحال 14رسول الله ص و مناسبتها إياها ما وجدناه في السير و الأخبار من إشفاق 14رسول الله ص و حذره عليه و دعائه له بالحفظ و السلامة

14,1- قال ص‏و قد برز 1علي إلى عمرو و رفع يديه إلى السماء بمحضر من أصحابه اللهم إنك أخذت مني‏

284

حمزة و عبيدة فاحفظ اليوم علي 1عليا رَبِّ لاََ تَذَرْنِي فَرْداً وَ أَنْتَ خَيْرُ اَلْوََارِثِينَ (1) و لذلك ضن به عن مبارزة عمرو حين دعا عمرو الناس إلى نفسه مرارا في كلها يحجمون و يقدم 1علي فيسأل الإذن له في البراز حتى قال له 14رسول الله ص إنه عمرو فقال و أنا 1علي فأدناه و قبله و عممه بعمامته و خرج معه خطوات كالمودع له القلق لحاله المنتظر لما يكون منه ثم لم يزل ص رافعا يديه إلى السماء مستقبلا لها بوجهه و المسلمون صموت حوله كأنما على رءوسهم الطير حتى ثارت الغبرة و سمعوا التكبير من تحتها فعلموا أن 1عليا قتل عمرا فكبر 14رسول الله ص و كبر المسلمون تكبيرة سمعها من وراء الخندق من عساكر المشركين .

1- و لذلك قال حذيفة بن اليمان لو قسمت فضيلة 1علي ع بقتل عمرو بين المسلمين بأجمعهم لوسعتهم .

1- و قال ابن عباس في قوله تعالى‏ وَ كَفَى اَللََّهُ اَلْمُؤْمِنِينَ اَلْقِتََالَ قال 1بعلي بن أبي طالب (2) .

قال الجاحظ على أن مشي الشجاع بالسيف إلى الأقران ليس على ما توهمه من لا يعلم باطن الأمر لأن معه في حال مشيه إلى الأقران بالسيف أمورا أخرى لا يبصرها الناس و إنما يقضون على ظاهر ما يرون من إقدامه و شجاعته فربما كان سبب ذلك الهوج و ربما كان الغرارة و الحداثة و ربما كان الإحراج و الحمية و ربما كان لمحبة النفخ و الأحدوثة و ربما كان طباعا كطباع القاسي و الرحيم و السخي و البخيل‏ (3)

____________

(1) سورة الأنبياء 89.

(2) سورة الأحزاب 25.

(3) العثمانية 47، مع تصرف و اختصار .

غ

285

قال شيخنا أبو جعفر رحمه الله فيقال للجاحظ فعلى أيها كان مشي 1علي بن أبي طالب إلى الأقران بالسيف فأيما قلت من ذلك بانت عداوتك لله تعالى و 14لرسوله و إن كان مشيه ليس على وجه مما ذكرت و إنما كان على وجه النصرة و القصد إلى المسابقة إلى ثواب الآخرة و الجهاد في سبيل الله و إعزاز الدين كنت بجميع ما قلت معاندا و عن سبيل الإنصاف خارجا و في إمام المسلمين طاعنا و إن تطرق مثل هذا الوهم على 1علي ع ليتطرقن مثله على أعيان المهاجرين و الأنصار أرباب الجهاد و القتال الذين نصروا 14رسول الله ص بأنفسهم و وقوه بمهجهم و فدوه بأبنائهم و آبائهم فلعل ذلك كان لعلة من العلل المذكورة و في ذلك الطعن في الدين و في جماعة المسلمين .

و لو جاز أن يتوهم هذا في 1علي ع و في غيره لما

14- قال 14رسول الله ص حكاية عن الله تعالى لأهل اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم.

و لا

14,1- قال 1لعلي ع برز الإيمان كله إلى الشرك كله.

و لا قال أوجب طلحة (1) .

و قد علمنا ضرورة من دين 14الرسول ص تعظيمه 1لعلي ع تعظيما دينيا لأجل جهاده و نصرته فالطاعن فيه طاعن في 14رسول الله ص إذ زعم أنه قد يمكن أن يكون جهاده لا لوجه الله تعالى بل لأمر آخر من الأمور التي عددها و بعثه على التفوه بها إغواء الشيطان و كيده و الإفراط في عداوة من أمر الله بمحبته و نهى عن بغضه و عداوته .

____________

(1) أوجب طلحة، أي عمل عملا يدخله الجنة.

286

أ ترى 14رسول الله ص خفي عليه من أمر 1علي ع ما لاح للجاحظ و العثمانية فمدحه و هو غير مستحق للمدح .

قال الجاحظ فصاحب النفس المختارة المعتدلة يكون قتاله طاعة و فراره معصية لأن نفسه معتدلة كالميزان في استقامة لسانه و كفتيه فإذا لم يكن كذلك كان إقدامه طباعا و فراره طباعا (1) .

قال شيخنا أبو جعفر رحمه الله فيقال له فلعل إنفاق أبي بكر على ما تزعم أربعين ألف درهم لا ثواب له لأن نفسه ربما تكون غير معتدلة لأنه يكون مطبوعا على الجود و السخاء و لعل خروجه مع 14النبي ص إلى الغار لا ثواب له فيه لأن أسبابه كانت له مهيجة و دواعيه غالبة محبة الخروج و بغض المقام و لعل 14رسول الله ص في دعائه إلى الإسلام و إكبابه على الصلوات الخمس في جوف الليل و تدبيره أمر الأمة لا ثواب له فيه لأنه قد تكون نفسه غير معتدلة بل يكون في طباعه الرئاسة و حبها و العبادة و الالتذاذ بها و لقد كنا نعجب من مذهب أبي عثمان أن المعارف ضرورة و أنها تقع طباعا و في قوله بالتولد و حركة الحجر بالطبع حتى رأينا من قوله ما هو أعجب منه فزعم أنه ربما يكون جهاد 1علي ع و قتله المشركين لا ثواب له فيه لأنه فعله طبعا و هذا أطرف من قوله في المعرفة و في التولد .

قال الجاحظ و وجه آخر أن 1عليا لو كان كما يزعم شيعته ما كان له بقتل الأقران كبير فضيلة و لا عظيم طاعة لأنه قد

14,1- روي عن 14النبي ص أنه قال له

____________

(1) انظر العثمانية 47، 48.

287

ستقاتل بعدي الناكثين و القاسطين و المارقين .

فإذا كان قد وعده بالبقاء بعده فقد وثق بالسلامة من الأقران و علم أنه منصور عليهم و قاتلهم فعلى هذا يكون جهاد طلحة و الزبير أعظم طاعة منه‏ (1) .

قال شيخنا أبو جعفر رحمه الله هذا راجع على الجاحظ في 14النبي ص لأن الله تعالى قال له‏ وَ اَللََّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنََّاسِ (2) فلم يكن له في جهاده كبير طاعة و كثير طاعة و

14- كثير من الناس يروي 14عنه ص اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر و عمر .

فوجب أن يبطل جهادهما و

14,1- قد قال للزبير ستقاتل 1عليا و أنت ظالم له.

فأشعره بذلك أنه لا يموت في حياة 14رسول الله ص و قال في الكتاب العزيز لطلحة وَ مََا كََانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا 14رَسُولَ اَللََّهِ وَ لاََ أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوََاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ قالوا نزلت في طلحة فأعلمه بذلك أنه يبقى بعده فوجب ألا يكون لهما كبير ثواب في الجهاد و الذي صح عندنا من الخبر

14,1- و هو قوله ستقاتل بعدي الناكثين .

أنه قال لما وضعت الحرب أوزارها و دخل الناس‏ فِي دِينِ اَللََّهِ أَفْوََاجاً و وضعت الجزية و دانت العرب قاطبة .

قال الجاحظ ثم قصد الناصرون 1لعلي و القائلون بتفضيله إلى الأقران الذين قتلهم فأطروهم و غلوا فيهم و ليسوا هناك فمنهم عمرو بن عبد ود تركتموه أشجع من عامر بن الطفيل و عتبة بن الحارث و بسطام بن قيس و قد سمعنا بأحاديث‏و ما كان بين قريش و دوس وفما سمعت لعمرو بن عبد ود ذكرا في ذلك‏ (3) .

____________

(1) انظر العثمانية 49، 50.

(2) سورة المائدة 67.

(3) انظر العثمانية 49، 50.

288

قال شيخنا أبو جعفر رحمه الله أمر عمرو بن عبد ود أشهر و أكثر من أن يحتج له فلنتلمح كتب المغازي و السير و لينظر ما رثته به شعراء قريش لما قتل فمن ذلك ما ذكره محمد بن إسحاق في مغازيه قال و قال مسافع بن عبد مناف بن زهرة بن حذافة بن جمح يبكي عمرو بن عبد الله بن عبد ود حين قتله 1علي بن أبي طالب ع مبارزة لما جزع المذاد (1) أي قطع الخندق‏

عمرو بن عبد كان أول فارس # جزع المذاد و كان فارس مليل‏ (2)

سمح الخلائق ماجد ذو مرة # يبغي القتال بشكة لم ينكل‏ (3)

و لقد علمتم حين ولوا عنكم # أن ابن عبد منهم لم يعجل‏ (4)

حتى تكفنه الكماة و كلهم # يبغي القتال له و ليس بمؤتل‏ (5)

و لقد تكنفت الفوارس فارسا # بجنوب سلع غير نكس أميل‏ (6)

سال النزال هناك فارس غالب # بجنوب سلع ليته لم ينزل

فاذهب 1علي ما ظفرت بمثلها # فخرا و لو لاقيت مثل المعضل‏ (7)

نفسي الفداء لفارس من غالب # لاقى حمام الموت لم يتحلحل‏ (8)

أعني الذي جزع المذاد و لم يكن # فشلا و ليس لدى الحروب بزمل‏ (9) .

و قال هبيرة بن أبي وهب المخزومي يعتذر من فراره عن 1علي بن أبي طالب و تركه عمرا و يبكيه

____________

(1) المذاد، بالذال المعجمة: موضع بالمدينة حيث حفر الخندق، و في ط: «المزار» تصحيف، و جزع، أى قطع.

(2) مليل، واد ببدر.

(3) المرة: القوّة، و الشكة: السلاح.

(4) ابن هشام: «فيهم» .

(5) تكنفه الكماة: أحاطوا به و التفوا حوله. و ليس بمؤتل؛ أى ليس بمقصر.

(6) سلع: جبل بالمدينة. و النكس: الدنى‏ء من الرجال. و الأميل: الذي لا رمح معه.

(7) المعضل: الأمر الشديد.

(8) لم يتحلحل: لم يبرح مكانه.

(9) الزمل: الضعيف الجبان.

289

لعمرك ما وليت ظهري 14محمدا # و أصحابه جبنا و لا خيفة القتل‏ (1)

و لكنني قلبت أمري فلم أجد # لسيفي غناء إن وقفت و لا نبلي

وقفت فلما لم أجد لي مقدما # صدرت كضرغام هزبر إلى شبل‏ (2)

ثنى عطفه عن قرنه حين لم يجد # مجالا (3) و كان الحزم و الرأي من فعلي

فلا تبعدن يا عمرو حيا و هالكا # فقد مت محمود الثنا ماجد الفعل‏ (4)

و لا تبعدن يا عمرو حيا و هالكا # فقد كنت في حرب العدا مرهف النصل

فمن لطراد الخيل تقدع بالقنا # و للبذل يوما عند قرقرة البزل‏ (5)

هنالك لو كان ابن عمرو لزارها # و فرجها عنهم فتى غير ما وغل

كفتك 1علي لن ترى مثل موقف # وقفت على شلو المقدم كالفحل‏ (6)

فما ظفرت كفاك يوما بمثلها # أمنت بها ما عشت من زلة النعل.

و قال هبيرة بن أبي وهب أيضا يرثي عمرا و يبكيه‏

لقد علمت عليا لؤي بن غالب # لفارسها عمرو إذا ناب نائب‏ (7)

و فارسها عمرو إذا ما يسوقه # 1علي و إن الموت لا شك طالب‏ (8)

عشية يدعوه 1علي و إنه # لفارسها إذ خام عنه الكتائب‏ (9)

____________

(1) سيرة ابن هشام 3: 301، 302.

(2) مقدما، أي لم أجد من يقدمنى. و صدرت: رجعت. الضرغام: الأسد. الهزبر: الشديد: و الشبل: ابن الأسد.

(3) ابن هشام: «لم يجد مكرا» .

(4) الثناء: الذكر الطيب. و الماجد: الشريف.

(5) تقدع: تكف. و القرقرة: أصوات فحول الإبل. و البزل: جمع بازل؛ و هو في الأصل البعير الذي فطرنا به، و ذلك زمان اكتمال قوته.

(6) ابن هشام: «فعنك على» .

(7) إذا ناب نائب، أي إذا عرض أمر مكروه.

(8) ابن هشام: «لفارسها عمرو إذا ما يسومه» .

(9) خام: جين و رجع هيبة و خوفا.

290

فيا لهف نفسي إن عمرا لكائن # بيثرب لا زالت هناك المصائب

لقد أحرز العليا 1علي بقتله # و للخير يوما لا محالة جالب.

و قال حسان بن ثابت الأنصاري يذكر عمرا

أمسى الفتى عمرو بن عبد ناظرا # كيف العبور و ليته لم ينظر (1)

و لقد وجدت سيوفنا مشهورة # و لقد وجدت جيادنا لم تقصر (2)

و لقد لقيت غداةعصبة # ضربوك ضربا غير ضرب الحسر

أصبحت لا تدعى ليوم عظيمة # يا عمرو أو لجسيم أمر منكر (3) .

و قال حسان أيضا

لقد شقيت بنو جمح بن عمرو # و مخزوم و تيم ما نقيل

و عمرو كالحسام فتى قريش # كأن جبينه سيف صقيل

فتى من نسل عامر أريحي # تطاوله الأسنة و النصول

دعاه الفارس المقدام لما # تكشفت المقانب و الخيول

1أبو حسن فقنعه حساما # جرازا لا أفل و لا نكول

فغادره مكبا مسلحبا # على عفراء لا بعد القتيل.

فهذه الأشعار فيه بل بعض ما قيل فيه‏ (4) .

و أما الآثار و الأخبار فموجودة في كتب السير و أيام الفرسان و وقائعهم و ليس

____________

(1) رواية البيت في ابن هشام:

أمسى الفتى عمرو بن عبد يبتغى # بجنوب يثرب ثأره لم ينظر.

(2) مشهورة أي قد شهرها أصحابها. و لم تقصر: لم تكف و تحبس عن التجوال.

(3) قال ابن هشام: «و بعض أهل العلم بالشعر ينكرها لحسان» .

(4) سيرة ابن هشام 3: 298-304 (نشرة المكتبة التجارية) .

291

أحد من أرباب هذا العلم يذكر عمرا إلا قال كان فارس قريش و شجاعها و إنما قال له حسان

و لقد لقيت غداةعصبة

لأنه شهد مع المشركين و قتل قوما من المسلمين ثم فر مع من فر و لحق بمكة و هو الذي كان قال و عاهد الله عند الكعبة ألا يدعوه أحد إلى واحدة من ثلاث إلا أجابه و آثاره في‏مشهورة تنطق بها كتب الأيام و الوقائع و لكنه لم يذكر مع الفرسان الثلاثة و هم عتبة و بسطام و عامر لأنهم كانوا أصحاب غارات و نهب و أهل بادية و قريش أهل مدينة و ساكنو مدر و حجر لا يرون الغارات و لا ينهبون غيرهم من العرب و هم مقتصرون على المقام ببلدتهم و حماية حرمهم فلذلك لم يشتهر اسمه كاشتهار هؤلاء .

و يقال له إذا كان عمرو كما تذكر ليس هناك فما باله

1- لما جزع الخندق‏ (1) في ستة فرسان هو أحدهم فصار مع أصحاب 14النبي ص على أرض واحدة و هم ثلاثة آلاف و دعاهم إلى البراز مرارا لم ينتدب أحد منهم للخروج إليه و لا سمح منهم أحد بنفسه حتى وبخهم و قرعهم و ناداهم أ لستم تزعمون أنه من قتل منا فإلى النار و من قتل منكم فإلى الجنة أ فلا يشتاق أحدكم إلى أن يذهب إلى الجنة أو يقدم عدوه إلى النار فجبنوا كلهم و نكلوا و ملكهم الرعب و الوهل فإما أن يكون هذا أشجع الناس كما قيل عنه أو يكون المسلمون كلهم أجبن العرب و أذلهم و أفشلهم و قد روى الناس كلهم الشعر الذي أنشده لما نكل القوم بجمعهم عنه و أنه جال بفرسه و استدار و ذهب يمنة ثم ذهب يسرة ثم وقف تجاه القوم فقال‏

و لقد بححت من النداء # بجمعهم هل من مبارز

____________

(1) جزع الخندق، أي عبره.

292

و وقفت إذ جبن المشيع # وقفة القرن المناجز

و كذاك أني لم أزل # متسرعا نحو الهزاهز

إن الشجاعة في الفتى # و الجود من خير الغرائز.

فلما برز إليه 1علي أجابه فقال له‏

لا تعجلن فقد أتاك # مجيب صوتك غير عاجز

ذو نية و بصيرة # يرجو الغداة نجاة فائز

إني لأرجو أن أقيم # عليك نائحة الجنائز

من ضربة تفنى و يبقى # ذكرها عند الهزاهز

.

و لعمري لقد سبق الجاحظ بما قاله بعض جهال الأنصار

14- لما رجع 14رسول الله من‏و قال فتى من الأنصار شهد معه‏إن قتلنا إلا عجائز صلعا فقال له 14النبي ص لا تقل ذلك يا ابن أخ أولئك الملأ .

قال الجاحظ و قد أكثروا في الوليد بن عتبة بن ربيعة قتيله‏و ما علمنا الوليد حضر حربا قط قبلها و لا ذكر فيها (1) .

قال شيخنا أبو جعفر رحمه الله كل من دون أخبار قريش و آثار رجالها وصف الوليد بالشجاعة و البسالة و كان مع شجاعته أنه يصارع الفتيان فيصرعهم و ليس لأنه لم يشهد حربا قبلها ما يجب أن يكون بطلا شجاعا فإن 1عليا ع لم يشهد قبل‏حربا و قد رأى الناس آثاره فيها .

____________

(1) العثمانية 59.

293

قال الجاحظ و قد ثبت أبو بكر مع 14النبي ص كما ثبت 1علي فلا فخر لأحدهما على صاحبه في ذلك اليوم .

قال شيخنا أبو جعفر رحمه الله أما ثباته‏فأكثر المؤرخين و أرباب السير ينكرونه

14,1- و جمهورهم يروي أنه لم يبق مع 14النبي ص إلا 1علي و طلحة و الزبير و أبو دجانة و قد روي عن ابن عباس أنه قال و لهم خامس و هو عبد الله بن مسعود و منهم من أثبت سادسا و هو المقداد بن عمرو .

14,1- و روى يحيى بن سلمة بن كهيل قال قلت لأبي كم ثبت مع 14رسول الله ص فقال اثنان قلت من هما قال 1علي و أبو دجانة .

و هب أن أبا بكر ثبت‏كما يدعيه الجاحظ أ يجوز له أن يقول ثبت كما ثبت 1علي فلا فخر لأحدهما على الآخر و هو يعلم آثار 1علي ع ذلك اليوم‏

14,1- و أنه قتل أصحاب الألوية من بني عبد الدار منهم طلحة بن أبي طلحة الذي رأى 14رسول الله ص في منامه أنه مردف كبشا فأوله و قال كبش الكتيبة نقتله فلما قتله 1علي ع مبارزة و هو أول قتيل قتل من المشركين ذلك اليوم كبر 14رسول الله ص و قال هذا كبش الكتيبة .

و ما كان منه من المحاماة عن 14رسول الله ص و قد فر الناس و أسلموه فتصمد له كتيبة من قريش فيقول يا 1علي اكفني هذه فيحمل عليها فيهزمها و يقتل عميدها حتى سمع المسلمون و المشركون صوتا من قبل السماء

لا سيف إلا ذو الفقار # و لا فتى إلا 1علي

و حتى قال 14النبي ص عن جبرائيل ما قال .

أ تكون هذه آثاره و أفعاله ثم يقول الجاحظ لا فخر لأحدهما على صاحبه .

294

رَبَّنَا اِفْتَحْ بَيْنَنََا وَ بَيْنَ قَوْمِنََا بِالْحَقِّ وَ أَنْتَ خَيْرُ اَلْفََاتِحِينَ (1) .

قال الجاحظ و

14- لأبي بكر في ذلك اليوم مقام مشهور خرج ابنه عبد الرحمن فارسا مكفرا (2) في الحديد يسأل المبارزة و يقول أنا عبد الرحمن بن عتيق فنهض إليه أبو بكر يسعى بسيفه فقال له 14النبي ص شم سيفك و ارجع إلى مكانك و متعنا بنفسك (3) .

قال شيخنا أبو جعفر رحمه الله ما كان أغناك يا أبا عثمان عن ذكر هذا المقام المشهور لأبي بكر فإنه لو تسمعه الإمامية لأضافته إلى ما عندها من المثالب لأن قول 14النبي ص ارجع دليل على أنه لا يحتمل مبارزة أحد لأنه إذا لم يحتمل مبارزة ابنه و أنت تعلم حنو الابن على الأب و تبجيله له و إشفاقه عليه و كفه عنه لم يحتمل مبارزة الغريب الأجنبي .

و قوله له و متعنا بنفسك إيذان له بأنه كان يقتل لو خرج و 14رسول الله كان أعرف به من الجاحظ فأين حال هذا الرجل من حال الرجل الذي صلى بالحرب و مشى إلى السيف بالسيف فقتل السادة و القادة و الفرسان و الرجالة .

قال الجاحظ على أن أبا بكر و إن لم تكن آثاره في الحرب كآثار غيره فقد بذل الجهد و فعل ما يستطيعه و تبلغه قوته و إذا بذل المجهود فلا حال أشرف من حاله‏ (4) .

____________

(1) سورة الأعراف 89.

(2) أي مستترا.

(3) العثمانية 62.

(4) العثمانية 62.

295

قال شيخنا أبو جعفر رحمه الله أما قوله إنه بذل الجهد فقد صدق و أما قوله لا حال أشرف من حاله فخطأ لأن حال من بلغت قوته فأعملها في قتل المشركين أشرف من حال من نقصت قوته عن بلوغ الغاية أ لا ترى أن حال الرجل أشرف في الجهاد من حال المرأة و حال البالغ الأيد أشرف من حال الصبي الضعيف .

فهذه جملة ما ذكره الشيخ أبو جعفر محمد بن عبد الله الإسكافي رحمه الله في نقض العثمانية اقتصرنا عليها هاهنا و سنعود فيما بعد إلى ذكر جملة أخرى من كلامه إذا اقتضت الحال ذكره‏ (1)

____________

(1) قام الأستاذ عبد السلام هارون بطبع كتاب العثمانية، طبعة علمية محققة، و ألحق بها ما عثر عليه من نقضها للاسكافى؛ و طبعت في دار الكتاب العربى سنة 1955.

غ

296

*1239* 239 و من كلام له ع قاله لعبد الله بن عباس و قد جاءه برسالة من عثمان

و هو محصور يسأله فيها الخروج إلى ماله بينبع ليقل هتف الناس باسمه للخلافة بعد أن كان سأله مثل ذلك من قبل فقال ع يَا اِبْنَ عَبَّاسٍ مَا يُرِيدُ عُثْمَانُ إِلاَّ أَنْ يَجْعَلَنِي جَمَلاً نَاضِحاً بِالْغَرْبِ أَقْبِلْ وَ أَدْبِرْ بَعَثَ إِلَيَّ أَنْ أَخْرُجَ ثُمَّ بَعَثَ إِلَيَّ أَنْ أَقْدَمَ ثُمَّ هُوَ اَلآْنَ يَبْعَثُ إِلَيَّ أَنْ أَخْرُجَ وَ اَللَّهِ لَقَدْ دَفَعْتُ عَنْهُ حَتَّى خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ آثِماً (1) -. ينبع على يفعل مثل يحلم و يحكم اسم موضع كان فيه نخل 1لعلي بن أبي طالب ع و ينبع الآن بلد صغير من أعمال المدينة .

و هتف الناس باسمه‏ نداؤهم و دعاؤهم و أصله الصوت يقال هتف الحمام يهتف هتفا و هتف زيد بعمرو هتافا أي صاح به و قوس هتافة و هتفى أي ذات صوت (2) - .

و الناضح‏ البعير يستقى عليه و قال معاوية لقيس بن سعد و قد دخل عليه‏

297

في رهط من الأنصار ما فعلت نواضحكم يهزأ به فقال أنصبناها في طلب أبيك.

و الغرب‏ الدلو العظيمة .

قوله‏ أقبل و أدبر أي يقول لي ذلك كما يقال للناضح و قد صرح العباس بن مرداس بهذه الألفاظ فقال‏

أراك إذا أصبحت للقوم ناضحا # يقال له بالغرب أدبر و أقبل (1) -.

قوله‏ لقد دفعت عنه حتى خشيت أن أكون آثما يحتمل أن يريد بالغت و اجتهدت في الدفاع عنه حتى خشيت أن أكون آثما في كثرة مبالغتي و اجتهادي في ذلك و إنه لا يستحق الدفاع عنه لجرائمه و أحداثه و هذا تأويل من ينحرف عن عثمان و يحتمل أن يريد لقد دفعت عنه حتى كدت أن ألقي نفسي في الهلكة و أن يقتلني الناس الذين ثاروا به فخفت الإثم في تغريري بنفسي و توريطها في تلك الورطة العظيمة و يحتمل أن يريد لقد جاهدت الناس دونه و دفعتهم عنه حتى خشيت أن أكون آثما بما نلت منهم من الضرب بالسوط و الدفع باليد و الإعانة بالقول أي فعلت من ذلك أكثر مما يحب

وصية العباس قبل موته 1لعلي

1- قرأت في كتاب صنفه أبو حيان التوحيدي في تقريظ الجاحظ قال نقلت من خط الصولي قال الجاحظ إن العباس بن عبد المطلب أوصى 1علي بن أبي طالب ع في علته التي مات فيها فقال أي بني إني مشف على الظعن عن الدنيا إلى الله الذي فاقتي إلى عفوه و تجوزه أكثر من حاجتي إلى ما أنصحك فيه و أشير عليك به‏

298

و لكن العرق نبوض‏ (1) و الرحم عروض و إذا قضيت حق العمومة فلا أبالي بعد إن هذا الرجل يعني عثمان قد جاءني مرارا بحديثك و ناظرني ملاينا و مخاشنا في أمرك و لم أجد عليك إلا مثل ما أجد منك عليه و لا رأيت منه لك إلا مثل ما أجد منك له و لست تؤتى من قلة علم و لكن من قلة قبول و مع هذا كله فالرأي الذي أودعك به أن تمسك عنه لسانك و يدك و همزك و غمزك فإنه لا يبدؤك ما لم تبدأه و لا يجيبك عما لم يبلغه و أنت المتجني و هو المتأني و أنت العائب و هو الصامت فإن قلت كيف هذا و قد جلس مجلسا أنا به أحق فقد قاربت و لكن ذاك بما كسبت يداك و نكص عنه عقباك لأنك بالأمس الأدنى هرولت إليهم تظن أنهم يحلون جيدك و يختمون إصبعك و يطئون عقبك و يرون الرشد بك و يقولون لا بد لنا منك و لا معدل لنا عنك و كان هذا من هفواتك الكبر و هناتك التي ليس لك منها عذر و الآن بعد ما ثللت عرشك بيدك و نبذت رأي عمك في البيداء يتدهده‏ (2) في السافياء (3) خذ بأحزم مما يتوضح به وجه الأمر لا تشار (4) هذا الرجل و لا تماره‏ (5) و لا يبلغنه عنك ما يحنقه عليك فإنه إن كاشفك أصاب أنصارا و إن كاشفته لم تر إلا ضرارا و لم تستلج‏ (6) إلا عثارا و اعرف من هو بالشام له و من هاهنا حوله من يطيع أمره و يمتثل قوله ـ لا تغترر بناس يطيفون بك و يدعون الحنو عليك و الحب لك فإنهم بين مولى جاهل و صاحب متمن و جليس يرعى العين و يبتدر المحضر و لو ظن الناس بك ما تظن بنفسك لكان الأمر لك و الزمام في يدك و لكن هذا حديث يوم مرض 14رسول الله ص فات ثم حرم الكلام فيه حين مات فعليك الآن بالعزوف عن شي‏ء عرضك

____________

(1) كذا في ا، و نبوض: من نبض العرق ينبض نبوضا، و هو ضرباته و في ب: «يبوض» .

(2) يتدهده: يتدحرج.

(3) السافياء: الريح التي تحمل التراب.

(4) يقال: شاراه مشاراة، إذا لاجه.

(5) تماره: تجادله.

(6) تستلج: تدخل.

299

له 14رسول الله ص فلم يتم و تصديت له مرة بعد مرة فلم يستقم و من ساور الدهر غلب و من حرص على ممنوع تعب فعلى ذلك فقد أوصيت عبد الله بطاعتك و بعثته على متابعتك و أوجرته محبتك و وجدت عنده من ذلك ظني به لك لا توتر قوسك إلا بعد الثقة بها و إذا أعجبتك فانظر إلى سيتها ثم لا تفوق إلا بعد العلم و لا تغرق في النزع إلا لتصيب الرمية و انظر لا تطرف يمينك عينك و لا تجن شمالك شينك ودعني بآيات من آخر سورة الكهف و قم إذا بدا لك .

قلت الناس يستحسنون رأي العباس 1لعلي ع في ألا يدخل في أصحاب و أما أنا فإني أستحسنه إن قصد به معنى و لا أستحسنه إن قصد به معنى آخر و ذلك لأنه إن أجرى بهذا الرأي إلى ترفعه عليهم و علو قدره عن أن يكون مماثلا لهم أو أجرى به إلى زهده في الإمارة و رغبته عن الولاية فكل هذا رأي حسن و صواب و إن كان منزعه في ذلك إلى أنك إن تركت الدخول معهم و انفردت بنفسك في دارك أو خرجت عن المدينة إلى بعض أموالك فإنهم يطلبونك و يضربون إليك آباط الإبل حتى يولوك الخلافة و هذا هو الظاهر من كلامه فليس هذا الرأي عندي بمستحسن لأنه لو فعل ذلك لولوا عثمان أو واحدا منهم غيره و لم يكن عندهم من الرغبة فيه ع ما يبعثهم على طلبه بل كان تأخره عنهم قرة أعينهم و واقعا بإيثارهم فإن قريشا كلها كانت تبغضه أشد البغض و لو عمر عمر نوح و توصل إلى الخلافة بجميع أنواع التوصل كالزهد فيها تارة و المناشدة بفضائله تارة و بما فعله في ابتداء الأمر من إخراج زوجته و أطفاله ليلا إلى بيوت الأنصار و بما اعتمده إذ ذاك من تخلفه في بيته و إظهار أنه قد انعكف على جمع القرآن و بسائر أنواع الحيل فيها لم تحصل له إلا بتجريد السيف كما فعل في آخر الأمر و لست ألوم العرب لا سيما قريشا في بغضها له و انحرافها عنه فإنه وترها و سفك دماءها و كشف القناع في منابذتها و نفوس العرب و أكبادهم كما تعلم‏

300

و ليس الإسلام بمانع من بقاء الأحقاد في النفوس كما نشاهده اليوم عيانا و الناس كالناس الأول و الطبائع واحدة فأحسب أنك كنت من سنتين أو ثلاث جاهليا أو من بعض الروم و قد قتل واحد من المسلمين ابنك أو أخاك ثم أسلمت أ كان إسلامك يذهب عنك ما تجده من بغض ذلك القاتل و شنآنه كلا إن ذلك لغير ذاهب هذا إذا كان الإسلام صحيحا و العقيدة محققة لا كإسلام كثير من العرب فبعضهم تقليدا و بعضهم للطمع و الكسب و بعضهم خوفا من السيف و بعضهم على طريق الحمية و الانتصار أو لعداوة قوم آخرين من أضداد الإسلام و أعدائه .

و اعلم أن كل دم أراقه 14رسول الله ص بسيف 1علي ع و بسيف غيره فإن العرب بعد وفاته ع عصبت تلك الدماء 1بعلي بن أبي طالب ع وحده لأنه لم يكن في رهطه من يستحق في شرعهم و سنتهم و عادتهم أن يعصب به تلك الدماء إلا 1بعلي وحده و هذه عادة العرب إذا قتل منها قتلى طالبت بتلك الدماء القاتل فإن مات أو تعذرت عليها مطالبته طالبت بها أمثل الناس من أهله .

لما قتل قوم من بني تميم أخا لعمرو بن هند قال بعض أعدائه يحرض عمرا عليهم‏ (1)

من مبلغ عمرا بأن # المرء لم يخلق صباره‏ (2)

و حوادث الأيام لا # يبقى لها إلا الحجاره

ها إن عجزة أمه # بالسفح أسفل من أواره‏ (3)

تسفي الرياح خلال # كشحيه و قد سلبوا إزاره

فاقتل زرارة لا أرى # في القوم أمثل من زراره .

____________

(1) هو عمرو بن ملقط الطائى، و الأبيات في تاريخ ابن الأثير 1: 335، ضمن خبره عن يوم أواره الثاني، و هي أيضا في اللسان 6: 111.

(2) الصبارة: الحجار: الملس، كأنّه يقول: ليس الإنسان بحجر فيصبر على مثل هذا.

(3) أول ولد المرأة يقال له زكمة، و الآخر عجزة.

301

فأمره أن يقتل زرارة بن عدس رئيس بني تميم و لم يكن قاتلا أخا الملك و لا حاضرا قتله .

و من نظر في أيام العرب و وقائعها و مقاتلها عرف ما ذكرناه .

سألت النقيب أبا جعفر يحيى بن أبي زيد رحمه الله فقلت له إني لأعجب من 1علي ع كيف بقي تلك المدة الطويلة بعد 14رسول الله ص و كيف ما اغتيل‏ (1) و فتك به في جوف منزله مع تلظي الأكباد عليه .

فقال لو لا أنه أرغم أنفه بالتراب و وضع خده في حضيض الأرض لقتل و لكنه أخمل نفسه و اشتغل بالعبادة و الصلاة و النظر في القرآن و خرج عن ذلك الزي الأول و ذلك الشعار و نسي السيف و صار كالفاتك يتوب و يصير سائحا في الأرض أو راهبا في الجبال و لما أطاع القوم الذين ولوا الأمر و صار أذل لهم من الحذاء تركوه و سكتوا عنه و لم تكن العرب لتقدم عليه إلا بمواطاة من متولي الأمر و باطن في السر منه فلما لم يكن لولاة الأمر باعث و داع إلى قتله وقع الإمساك عنه و لو لا ذلك لقتل‏ (2) ثم أجل بعد معقل حصين .

فقلت له أ حق ما يقال في حديث خالد فقال إن قوما من العلوية يذكرون ذلك .

ثم قال و قد روي أن رجلا جاء إلى زفر بن الهذيل صاحب أبي حنيفة فسأله عما يقول أبو حنيفة في جواز الخروج من الصلاة بأمر غير التسليم نحو الكلام و الفعل الكثير أو الحدث فقال إنه جائز قد قال أبو بكر في تشهده ما قال فقال الرجل

____________

(1) ب: «ما قتل» ، و أثبت ما في ا.

(2) ب: «لقتله» .

302

و ما الذي قاله أبو بكر قال لا عليك فأعاد عليه السؤال ثانية و ثالثة فقال أخرجوه أخرجوه قد كنت أحدث أنه من أصحاب أبي الخطاب .

قلت له فما الذي تقوله أنت قال أنا أستبعد ذلك و إن روته الإمامية .

ثم قال أما خالد فلا أستبعد منه الإقدام عليه بشجاعته في نفسه و لبغضه إياه و لكني أستبعده من أبي بكر فإنه كان ذا ورع و لم يكن ليجمع بين أخذ الخلافة و منع فدك و إغضاب 15فاطمة و قتل 1علي ع حاش لله من ذلك فقلت له أ كان خالد يقدر على قتله قال نعم و لم لا يقدر على ذلك و السيف في عنقه و 1علي أعزل غافل عما يراد به قد قتله ابن ملجم غيلة و خالد أشجع من ابن ملجم .

فسألته عما ترويه الإمامية في ذلك كيف ألفاظه فضحك و قال‏

كم عالم بالشي‏ء و هو يسائل.

ثم قال دعنا من هذا ما الذي تحفظ في هذا المعنى قلت قول أبي الطيب

نحن أدرى و قد سألنا بنجد # أ طويل طريقنا أم يطول‏ (1)

و كثير من السؤال اشتياق # و كثير من رده تعليل.

فاستحسن ذلك و قال لمن عجز البيت الذي استشهدت به قلت لمحمد بن هانئ المغربي و أوله‏

في كل يوم أستزيد تجاربا # كم عالم بالشي‏ء و هو يسائل‏ (2) .

فبارك علي مرارا ثم قال نترك الآن هذا و نتمم ما كنا فيه و كنت أقرأ عليه في ذلك الوقت جمهرة النسب لابن الكلبي فعدنا إلى القراءة و عدلنا عن الخوض عما كان اعترض الحديث فيه‏

____________

(1) ديوانه ديوانه 3: 151، 152.

(2) 114.

غ