شرح نهج البلاغة - ج18

- ابن ابي الحديد المزيد...
419 /
107

*3010* 10- كلامه ع في مخالطة الناس‏

وَ قَالَ ع خَالِطُوا اَلنَّاسَ مُخَالَطَةً إِنْ مِتُّمْ مَعَهَا بَكَوْا عَلَيْكُمْ وَ إِنْ عِشْتُمْ حَنُّوا إِلَيْكُمْ (1) -. و قد روي خنوا بالخاء المعجمة من الخنين و هو صوت يخرج من الأنف عند البكاء و إلى تتعلق بمحذوف أي حنوا شوقا إليكم .

و قد ورد في الأمر بإحسان العشرة مع الناس الكثير الواسع و قد ذكرنا طرفا من ذلك فيما تقدم .

و

14- في الخبر المرفوع إذا وسعتم الناس ببسط الوجوه و حسن الخلق و حسن الجوار فكأنما وسعتموهم بالمال.

و قال أبو الدرداء إنا لنهش في وجوه أقوام و إن قلوبنا لتقليهم .

و قال محمد بن الفضل الهاشمي لأبيه لم تجلس إلى فلان و قد عرفت عداوته قال أخبئ نارا و أقدح عن ود .

و قال المهاجر بن عبد الله

و إني لأقصى المرء من غير بغضة # و أدنى أخا البغضاء مني على عمد

ليحدث ودا بعد بغضاء أو أرى # له مصرعا يردي به الله من يردي.

و قال عقال بن شبة التميمي كنت ردف أبي فلقيه جرير بن الخطفى على بغلة

108

فحياه أبي و ألطفه فلما مضى قلت له أ بعد أن قال لنا ما قال قال يا بني أ فأوسع جرحي .

و قال محمد بن الحنفية ع قد يدفع باحتمال المكروه ما هو أعظم منه

2- و قال 2الحسن ع حسن السؤال نصف العلم و مداراة الناس نصف العقل و القصد في المعيشة نصف المئونة.

و مدح ابن شهاب شاعرا فأعطاه و قال إن من ابتغاء الخير اتقاء الشر .

و قال الشاعر

و أنزلني طول النوى دار غربة # متى شئت لاقيت أمرا لا أشاكله

أخا ثقة حتى يقال سجية # و لو كان ذا عقل لكنت أعاقله.

14- و في الحديث المرفوع للمسلم على المسلم ست يسلم عليه إذا لقيه و يجيبه إذا دعاه و يشمته إذا عطس و يعوده إذا مرض و يحب له ما يحب لنفسه و يشيع جنازته إذا مات.

14- و وقف ص على عجوز فجعل يسألها و يتحفاها و قال إن حسن العهد من الإيمان إنها كانت تأتينا أيام خديجة .

109

*3011* 11- كلامه ع في العفو عند المقدرة

وَ قَالَ ع إِذَا قَدَرْتَ عَلَى عَدُوِّكَ فَاجْعَلِ اَلْعَفْوَ عَنْهُ شُكْراً لِلْقُدْرَةِ عَلَيْهِ (1) -. قد أخذت أنا هذا المعنى فقلت في قطعة لي‏

إن الأماني أكساب الجهول فلا # تقنع بها و اركب الأهوال و الخطرا

و اجعل من العقل جهلا و اطرح نظرا # في الموبقات و لا تستشعر الحذرا

و إن قدرت على الأعداء منتصرا # فاشكر بعفوك عن أعدائك الظفرا.

و قد تقدم لنا كلام طويل في الحلم و الصفح و العفو .

و نحن نذكر هاهنا زيادة على ذلك شجر بين أبي مسلم و بين صاحب مرو كلام أربى فيه صاحب مرو عليه و أغلظ له في القول فاحتمله أبو مسلم و ندم صاحب مرو و قام بين يدي أبي مسلم معتذرا و كان قال له في جملة ما قال يا لقيط فقال أبو مسلم مه لسان سبق و وهم أخطأ و الغضب شيطان و أنا جرأتك علي باحتمالك قديما فإن كنت للذنب معتذرا فقد شاركتك فيه و إن كنت مغلوبا فالعفو يسعك فقال صاحب مرو أيها الأمير إن عظم ذنبي يمنعني من الهدوء فقال أبو مسلم يا عجبا أقابلك بإحسان و أنت مسي‏ء ثم أقابلك بإساءة و أنت محسن فقال الآن وثقت بعفوك .

و أذنب بعض كتاب المأمون ذنبا و تقدم إليه ليحتج لنفسه فقال يا هذا قف‏

110

مكانك فإنما هو عذر أو يمين فقد وهبتهما لك و قد تكرر منك ذلك فلا تزال تسي‏ء و نحسن و تذنب و نغفر حتى يكون العفو هو الذي يصلحك .

و كان يقال أحسن أفعال القادر العفو و أقبحها الانتقام .

و كان يقال ظفر الكريم عفو و عفو (1) اللئيم عقوبة .

و كان يقال رب ذنب مقدار العقوبة عليه إعلام المذنب به و لا يجاوز به حد الارتفاع إلى الإيقاع .

و كان يقال ما عفا عن الذنب من قرع به .

و من الحلم الذي يتضمن كبرا مستحسنا ما روي أن مصعب بن الزبير لما ولي العراق عرض الناس ليدفع إليهم أرزاقهم فنادى مناديه أين عمرو بن جرموز فقيل له أيها الأمير إنه أبعد في الأرض قال أ و ظن الأحمق أني أقتله بأبي عبد الله قولوا له فليظهر آمنا و ليأخذ عطاءه مسلما .

و أكثر رجل من سب الأحنف و هو لا يجيبه فقال الرجل ويلي عليه و الله ما منعه من جوابي إلا هواني عنده .

و قال لقيط بن زرارة

فقل لبني سعد و ما لي و ما لكم # ترقون مني ما استطعتم و أعتق

أ غركم أني بأحسن شيمة # بصير و أني بالفواحش أخرق

و أنك قد ساببتني فقهرتني # هنيئا مريئا أنت بالفحش أحذق.

و قال المأمون لإبراهيم بن المهدي لما ظفر به إني قد شاورت في أمرك فأشير علي بقتلك إلا أني وجدت قدرك فوق ذنبك فكرهت قتلك للازم حرمتك فقال إبراهيم يا أمير المؤمنين إن المشير أشار بما تقتضيه السياسة و توجيه العادة إلا أنك أبيت أن

____________

(1) من د: «و ظفر» .

111

تطلب النصر إلا من حيث عودته من العفو فإن قتلت فلك نظراء و إن عفوت فلا نظير لك قال قد عفوت فاذهب آمنا .

ضل الأعشى في طريقه فأصبح بأبيات علقمة بن علاثة فقال قائده و قد نظر إلى قباب الأدم وا سوء صباحاه يا أبا بصير هذه و الله أبيات علقمة فخرج فتيان الحي فقبضوا على الأعشى فأتوا به علقمة فمثل بين يديه فقال الحمد لله الذي أظفرني بك من غير ذمة و لا عقد قال الأعشى أ و تدري لم ذلك جعلت فداك قال نعم لانتقم اليوم منك بتقوالك علي الباطل مع إحساني إليك قال لا و الله و لكن أظفرك الله بي ليبلو قدر حلمك في فأطرق علقمة فاندفع الأعشى فقال‏

أ علقم قد صيرتني الأمور # إليك و ما كان بي منكص‏ (1)

كساكم علاثة أثوابه # و ورثكم حلمه الأحوص

فهب لي نفسي فدتك النفوس # فلا زلت تنمي و لا تنقص.

فقال قد فعلت أما و الله لو قلت في بعض ما قلته في عامر بن عمر لأغنيتك طول حياتك و لو قلت في عامر بعض ما قلته في ما أذاقك برد الحياة .

قال معاوية لخالد بن معمر السدوسي على ما ذا أحببت 1عليا قال على ثلاث حلمه إذا غضب و صدقه إذا قال و وفاؤه إذا وعد

____________

(1) ديوانه 231.

112

*3012* 12- كلامه ع في حخالطة الناس‏

وَ قَالَ ع أَعْجَزُ اَلنَّاسِ مَنْ عَجَزَ عَنِ اِكْتِسَابِ اَلْإِخْوَانِ وَ أَعْجَزُ مِنْهُ مَنْ ضَيَّعَ مَنْ ظَفِرَ بِهِ مِنْهُمْ (1) -. قد ذكرنا قطعة صالحة من الإخوانيات فيما تقدم

14- و في الحديث المرفوع أن 14النبي ص بكى لما قتل جعفر بمؤتة و قال المرء كثير بأخيه .

6- و قال 6جعفر بن محمد ع لكل شي‏ء حلية و حلية الرجل أوداؤه.

و أنشد ابن الأعرابي

لعمرك ما مال الفتى بذخيرة # و لكن إخوان الصفاء الذخائر.

و كان أبو أيوب السختياني‏ (1) يقول إذا بلغني موت أخ كان لي فكأنما سقط عضو مني .

و كان يقال الإخوان ثلاث طبقات طبقة كالغذاء لا يستغني عنه و طبقة كالدواء يحتاج إليه عند المرض و طبقة كالداء لا يحتاج إليه أبدا .

و كان يقال صاحبك كرقعة في قميصك فانظر بما ترقع قميصك .

____________

(1) ب: «السجستانيّ» ، و الصواب ما أثبته من ا.

113

و كان يونس بن عبيد يقول اثنان ما في الأرض أقل منهما و لا يزدادان إلا قلة درهم يوضع في حق و أخ يسكن إليه في الله .

و قال الشاعر

أخاك أخاك إن من لا أخا له # كساع إلى الهيجا بغير سلاح

و إن ابن عم المرء فاعلم جناحه # و هل ينهض البازي بغير جناح.

و قال آخر

و لن تنفك تحسد أو تعادى # فأكثر ما استطعت من الصديق

و بغضك للتقي أقل ضرا # و أسلم من مودة ذي الفسوق‏ (1) .

و أوصى بعضهم ابنه فقال يا بني إذا نازعتك نفسك إلى مصاحبة الرجال فاصحب من إذا صحبته زانك و إذا خدمته صانك و إذا عرضت لك مؤنة أعانك و إن قلت صدق قولك و إن صلت شد صولك و إن مددت يدك لأمر مدها و إن بدت لك‏ (2) عورة سدها و إن رأى منك حسنة عدها و إن سألته أعطاك و إن سكت ابتدأك و إن نزلت بك ملمة واساك من لا تأتيك منه البوائق و لا تحتار (3) عليك منه الطرائق و لا يخذلك عند الحقائق .

و

1- من الشعر المنسوب إلى 1علي ع

إن أخاك الحق من كان معك # و من يضر نفسه لينفعك

و من إذا ريب الزمان صدعك # شتت فيك شمله ليجمعك.

____________

(1) في د «و بغضاء التقى» و هو وجه أيضا.

(2) ا: «عنك» .

(3) في د «و لا تختلف» .

114

1- و من الشعر المنسوب إليه ع أيضا

أخوك الذي إن أجرضتك ملمة # من الدهر لم يبرح لها الدهر واجما

و ليس أخوك بالذي إن تشعبت # عليك أمور ظل يلحاك لائما.

و قال بعض الحكماء ينبغي للإنسان أن يوكل بنفسه كالئين أحدهما يكلؤه من أمامه و الآخر يكلؤه من ورائه و هما عقله الصحيح و أخوه النصيح فإن عقله و إن صح فلن يبصره من عيبه إلا بمقدار ما يرى الرجل من وجهه في المرآة و يخفى عليه ما خلفه و أما أخوه النصيح فيبصره ما خلفه و ما أمامه أيضا .

و كتب ظريف إلى صديق له أني غير محمود على الانقياد إليك لأني صادقتك من جوهر نفسي و النفس يتبع بعضها بعضا .

و

14- في الحديث المرفوع إذا أحب أحدكم أخاه فليعلمه.

و قال الأحنف خير الإخوان من إذا استغنيت عنه لم يزدك ودا و إن احتجت إليه لم ينقصك .

و قال أعشى باهلة يرثي المنتشر بن وهب

إما سلكت سبيلا كنت سالكها # فاذهب فلا يبعدنك الله منتشر (1)

من ليس في خيره شر ينكده # على الصديق و لا في صفوه كدر.

و قال آخر يرثي صديقا له‏

أخ طالما سرني ذكره # و أصبحت أشجى لدى ذكره

و قد كنت أغدو إلى قصره # فأصبحت أغدو إلى قبره

و كنت أراني غنيا به # عن الناس لو مد في عمره

إذا جئته طالبا حاجة # فأمري يجوز على أمره.

رأى بعض الحكماء مصطحبين لا يفترقان فسأل عنهما فقيل صديقان قال فما بال أحدهما غنيا و الآخر فقيرا

____________

(1) الكامل 4: 66.

115

*3013* 13- كلامه ع في من اعتزل القتال و لم ينصره‏

وَ قَالَ ع فِي اَلَّذِينَ اِعْتَزَلُوا اَلْقِتَالَ مَعَهُ خَذَلُوا اَلْحَقَّ وَ لَمْ يَنْصُرُوا اَلْبَاطِلَ (1) -. قد سبق ذكر هؤلاء فيما تقدم و هم عبد الله بن عمر بن الخطاب و سعد بن أبي وقاص و سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل و أسامة بن زيد و محمد بن مسلمة و أنس بن مالك و جماعة غيرهم .

1- و قد ذكر شيخنا أبو الحسين في الغرر أن 1أمير المؤمنين ع لما دعاهم إلى القتال معه و اعتذروا بما اعتذروا به قال لهم أ تنكرون هذه البيعة قالوا لا لكنا لا نقاتل فقال إذا بايعتم فقد قاتلتم قال فسلموا بذلك من الذم لأن إمامهم رضي عنهم .

و معنى قوله‏ خذلوا الحق و لم ينصروا الباطل أي خذلوني و لم يحاربوا معي معاوية و بعض أصحابنا البغداديين يتوقف في هؤلاء و إلى هذا القول يميل شيخنا أبو جعفر الإسكافي

116

*3014* 14- كلامه ع في تنفير النعم بقلة الشكر

وَ قَالَ ع إِذَا وَصَلَتْ إِلَيْكُمْ أَطْرَافُ اَلنِّعَمِ فَلاَ تُنَفِّرُوا أَقْصَاهَا بِقِلَّةِ اَلشُّكْرِ (1) -. قد سبق القول في الشكر و نحن نذكر هاهنا زيادة على ذلك .

قال بعضهم ما شيبتني السنون بل شكري من أحتاج أن أشكره .

و قالوا العفاف زينة الفقر و الشكر زينة الغنى .

و قالوا من سعادة المرء أن يضع معروفه عند من يشكره .

و من جيد ما قيل في الشكر قول أبي نواس

قد قلت للعباس معتذرا # من ضعف شكريه و معترفا (1)

أنت امرؤ حملتني نعما (2) # أوهت قوى شكري فقد ضعفا

فإليك مني اليوم معذرة (3) # جاءتك بالتصريح منكشفا

لا تسدين إلى عارفة # حتى أقوم بشكر ما سلفا.

و قال البحتري

فإن أنا لم أشكر لنعماك جاهدا # فلا نلت نعمى بعدها توجب الشكرا (4) .

____________

(1) ديوانه 71.

(2) الديوان. «جللتنى» .

(3) الديوان: «قبل اليوم تقدمة» .

(4) ديوانه 2: 36.

117

و قال أيضا

سأجهد في شكري لنعماك إنني # أرى الكفر للنعماء ضربا من الكفر.

و قال ابن أبي طاهر

شكرت 1عليا بره و بلاءه # فقصر بي شكري و إني لجاهد

و ما أنا من شكري 1عليا بواحد # و لكنه في الفضل و الجود واحد.

و قال أبو الفتح البستي

لا تظنن بي و برك حي # أن شكري و شكر غيري موات

أنا أرض و راحتاك سحاب # و الأيادي وبل و شكري نبات.

و قال أيضا

و خر لما أوليت شكري ساجدا # و مثل الذي أوليت يعبده الشكر.

البحتري

أراك بعين المكتسي ورق الغنى # بآلائك اللاتي يعددها الشكر

و يعجبني فقري إليك و لم يكن # ليعجبني لو لا محبتك الفقر.

آخر

بدأت بمعروف و ثنيت بالرضا # و ثلثت بالحسنى و ربعت بالكرم

و باشرت أمري و اعتنيت بحاجتي # و أخرت لا عني و قدمت لي نعم

و صدقت لي ظني و أنجزت مو عدي # و طبت به نفسا و لم تتبع الندم

فإن نحن كافأنا بشكر فواجب # و إن نحن قصرنا فما الود متهم‏

118

*3015* 15- كلامه ع في إضاعة الأقرب من الناس‏

وَ قَالَ ع مَنْ ضَيَّعَهُ اَلْأَقْرَبُ أُتِيحَ لَهُ اَلْأَبْعَدُ (1) -. إن الإنسان قد ينصره من لا يرجو نصره و إن أهمله أقربوه و خذلوه فقد تقوم به الأجانب من الناس و قد وجدنا ذلك في حق 14رسول الله ص ضيعه أهله و رهطه من قريش و خذلوه و تمالئوا عليه فقام بنصره الأوس و الخزرج و هم أبعد الناس نسبا منه لأنه من عدنان و هم من قحطان و كل واحد من الفريقين لا يحب الآخر حتى تحب الأرض الدم و قامت ربيعة بنصر 1علي ع في‏و هم أعداء مضر الذين هم أهله و رهطه و قامت اليمن بنصر معاوية في‏و هم أعداء مضر و قامت الخراسانية و هم عجم بنصر الدولة العباسية و هي دولة العرب -و إذا تأملت السير وجدت هذا كثيرا شائعا

119

*3016* 16- كلامه ع في عدم معاتبة كل مفتون‏

وَ قَالَ ع مَا كُلُّ مَفْتُونٍ يُعَاتَبُ (1) -. هذه الكلمة قالها 1علي ع لسعد بن أبي وقاص و محمد بن مسلمة و عبد الله بن عمر لما امتنعوا من الخروج معه لحرب أصحاب‏و نظيرها أو قريب منها قول أبي الطيب

فما كل فعال يجازى بفعله # و لا كل قوال لدي يجاب‏ (1)

و رب كلام مر فوق مسامعي # كما طن في لفح الهجير ذباب‏

____________

(1) لم أجدهما في ديوانه.

120

*3017* 17- كلامه ع في أن الحتف في التقدير

وَ قَالَ ع تَذِلُّ اَلْأُمُورُ لِلْمَقَادِيرِ حَتَّى يَكُونَ اَلْحَتْفُ فِي اَلتَّدْبِيرِ (1) -. إذا تأملت أحوال العالم وجدت صدق هذه الكلمة ظاهرا و لو شئنا أن نذكر الكثير من ذلك لذكرنا ما يحتاج في تقييده بالكتابة إلى مثل حجم كتابنا هذا و لكنا نذكر لمحا و نكتا و أطرافا و دررا من القول .

فرش مروان بن محمد و قد لقي عبد الله بن علي أنطاعا و بسط عليها المال و قال من جاءني برأس فله مائة درهم فعجزت الحفظة و الحراس عن حمايته و اشتغلت طائفة من الجند بنهبه و تهافت الجيش عليه لينتهبوه فغشيهم عبد الله بن علي بعساكره فقتل منهم ما لا يحصى و هزم الباقون .

و كسر إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن جيش أبي جعفر المنصور بباخمرى و أمر أصحابه باتباعهم فحال بينهم و بين أصحاب أبي جعفر ماء ضحضاح فكره إبراهيم و جيشه خوض ذلك الماء و كان واسعا فأمر صاحب لوائه أن يتعرج باللواء على مسناة (1) كانت على ذلك الماء يابسة فسلكها صاحب اللواء و هي تفضي بانعراج و انعكاس إلى الأرض اليبس فلما رأى عسكر أبي جعفر أن لواء القوم قد تراجع

____________

(1) المسناة: ضفيرة تبنى للسيل لترد الماء.

121

القهقرى ظنوهم منهزمين فعطفوا عليهم فقتلوا منهم مقتلة عظيمة و جاء سهم غرب‏ (1) فأصاب إبراهيم فقتله .

و قد دبرت من قبل قريش في حماية العير بأن نفرت على الصعب و الذلول لتدفع 14رسول الله ص عن اللطيمة (2) -فكان هلاكها في تدبيرها .

و كسرت الأنصار بأن أخرجت 14النبي ص عن المدينة ظنا منها أن الظفر و النصرة كانت بذلك و كان سبب عطبها و ظفر قريش بها و لو أقامت بين جدران المدينة لم تظفر قريش منها بشي‏ء .

و دبر أبو مسلم الدولة الهاشمية و قام بها حتى كان حتفه في تدبيره .

و كذلك جرى لأبي عبد الله المحتسب مع عبد الله المهدي بالمغرب .

و دبر أبو القاسم بن المسلمة رئيس الرؤساء في إخراج البساسيري عن العراق حتى كان هلاكه على يده و كذلك أيضا انعكس عليه تدبيره في إزالة الدولة البويهية من الدولة السلجوقية ظنا منه أنه يدفع الشر بغير الشر فدفع الشر بما هو شر منه .

و أمثال هذا و نظائره أكثر من أن تحصى‏

____________

(1) سهم غرب: لا يدرى راميه.

(2) اللطيمة: قافلة تحمل العطور.

122

*3018* 18- كلامه ع في الشيب و الخضاب‏

وَ سُئِلَ ع عَنْ قَوْلِ 14اَلرَّسُولِ ص غَيِّرُوا اَلشَّيْبَ وَ لاَ تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ فَقَالَ ع إِنَّمَا قَالَ ص ذَلِكَ وَ اَلدِّينُ قُلٌّ فَأَمَّا اَلآْنَ وَ قَدِ اِتَّسَعَ نِطَاقُهُ وَ ضَرَبَ بِجِرَانِهِ فَامْرُؤٌ وَ مَا اِخْتَارَ (1) -. اليهود لا تخضب و كان 14النبي ص أمر أصحابه بالخضاب ليكونوا في مرأى العين شبابا فيجبن المشركون عنهم حال الحرب فإن الشيخ مظنة الضعف .

قال 1علي ع كان ذلك و الإسلام قل أي قليل‏ و أما الآن و قد اتسع نطاقه و ضرب بجرانه فقد سقط ذلك الأمر و صار الخضاب مباحا غير مندوب .

و النطاق ثوب تلبسه المرأة لبسة مخصوصة ليس بصدرة و لا سراويل

14- و سميت أسماء بنت أبي بكر ذات النطاقين لأنها قطعت من ثوبها ذلك قطعة شدت بها سفرة لها حملها أبو بكر معه حين خرج من مكة مع 14النبي ص فقال 14النبي ص لقد أبدلها الله بها نطاقين في الجنة .

و كان نفر الشام ينادون عبد الله ابنها حين حصره الحجاج بمكة يشتمونه كما زعموا يا ابن ذات النطاقين فيضحك عبد الله منهم و قال لابن أبي عتيق أ لا تسمع يظنونه ذما ثم يقول‏

123

و تلك شكاة ظاهر عنك عارها (1) .

و استعار 1أمير المؤمنين ع هذه اللفظة لسعة رقعة الإسلام و كذلك استعار قوله‏ و ضرب بجرانه أي أقام و ثبت و ذلك لأن البعير إذا ضرب بجرانه الأرض و جرانه مقدم عنقه فقد استناخ و برك .

و امرؤ مبتدأ و إن كان نكرة كقولهم شر أهر ذا ناب‏ (2) لحصول الفائدة و الواو بمعنى مع و هي و ما بعدها الخبر و ما مصدرية أي امرؤ مع اختياره

[نبذ مما قيل في الشيب و الخضاب‏]

فأما القول في الخضاب فقد

14- روى قوم أن 14رسول الله ص بدا شيب يسير في لحيته فغيره بالخضاب خضب بالحناء و الكتم .

و قال قوم لم يشب أصلا .

14- و روي أن عائشة قالت ما كان الله ليشينه بالشيب فقيل أ و شين هو يا أم المؤمنين قالت كلكم يكرهه.

و أما أبو بكر فصح الخبر عنه بذلك و كذلك 1أمير المؤمنين و قيل إنه لم يخضب و قتل 3الحسين ع و هو مخضوب

14- و في الحديث المرفوع رواه عقبة بن عامر عليكم بالحناء فإنه خضاب الإسلام إنه يصفي البصر و يذهب بالصداع و يزيد في الباه و إياكم و السواد فإنه من سود سود الله وجهه يوم القيامة .

14- و 14عنه ص عليكم بالخضاب فإنه أهيب لعدوكم و أعجب إلى نسائكم.

____________

(1) لأبى ذؤيب الهذلى، و صدره:

*و عيّرها الواشون أنّى أحبّها*.

(2) ديوان الهذليين 1: 21.

124

و يقال في أبواب الكناية للمختضب هو يسود وجه النذير لأن النذير الشيب قيل في قوله تعالى‏ وَ جََاءَكُمُ اَلنَّذِيرُ (1) إنه الشيب .

و كان عبد الرحمن بن الأسود أبيض الرأس و اللحية فأصبح ذات يوم و قد حمرهما و قال إن عائشة أرسلت إلي البارحة جاريتها فأقسمت علي لأغيرن و قالت إن أبا بكر كان يصبغ .

و روى قيس بن أبي حازم قال كان أبو بكر يخرج إلينا و كان لحيته ضرام عرفج .

14- و عن أبي عامر الأنصاري رأيت أبا بكر يغير بالحناء و الكتم و رأيت عمر لا يغير شيئا من شيبه و قال إني سمعت 14رسول الله ص يقول من شاب شيبة في الإسلام كانت له نورا يوم القيامة و لا أحب أن أغير نوري.

و كان أنس بن مالك يخضب و ينشد

نسود أعلاها و تأبى أصولها # و ليس إلى رد الشباب سبيل.

و روي أن عبد المطلب وفد على سيف بن ذي يزن فقال له لو خضبت فلما عاد إلى مكة خضب فقالت له امرأته نثيلة أم العباس و ضرار ما أحسن هذا الخضاب لو دام فقال‏

فلو دام لي هذا الخضاب حمدته # و كان بديلا من خليل قد انصرم

تمتعت منه و الحياة قصيرة # و لا بد من موت نثيلة أو هرم

و موت جهيز عاجل لا شوى له # أحب إلينا من مقالكم حكم.

قال يعني إنه صار شيخا فصار حكما بين الناس من قوله‏

لا تغبط المرء أن يقال له # أضحى فلان لسنه حكما.

____________

(1) سورة فاطر 35.

125

و قال أسماء بن خارجة لجاريته اخضبيني فقالت حتى متى أرقعك فقال‏

عيرتني خلقا أبليت جدته # و هل رأيت جديدا لم يعد خلقا.

و أما من‏

1- يروى أن 1عليا ع ما خضب.

فيحتج

1- بقوله و قد قيل له لو غيرت شيبك يا 1أمير المؤمنين فقال الخضاب زينة و نحن في مصيبة .

يعني 14برسول الله ص .

2- و سئل 2الحسن ع عن الخضاب فقال هو جزع قبيح .

و قال محمود الوراق

يا خاضب الشيب الذي # في كل ثالثة يعود

إن الخضاب إذا مضى # فكأنه شيب جديد

فدع المشيب و ما يريد # فلن تعود كما تريد

14- و قد روى قوم عن 14النبي ص كراهية الخضاب و أنه قال لو استقبلتم الشيب بالتواضع لكان خيرا لكم.

قال الشاعر

و صبغت ما صبغ الزمان فلم يدم # صبغي و دامت صبغة الأيام.

و قال آخر

يا أيها الرجل المغير شيبه # كيما تعد به من الشبان

أقصر فلو سودت كل حمامة # بيضاء ما عدت من الغربان.

و يقولون في ديوان عرض الجيش ببغداد لمن يخضب إذا ذكروا حليته مستعار و هي كناية لطيفة و أنا أستحسن قول البحتري خضبت بالمقراض كناية عن قص الشعر الأبيض فجعل ذلك خضابه عوضا عن الصبغ و الأبيات هذه‏

لابس من شبيبة أم ناض # و مليح من شيبة أم راض‏ (1)

____________

(1) ديوانه 2: 72، من قصيد يمدح فيها ابن الفياض.

126

و إذا ما امتعضت من ولع الشيب # برأسي لم يثن ذاك امتعاضي

ليس يرضى عن الزمان امرؤ فيه # إلا عن غفلة أو تغاضي

و البواقي من الليالي و إن # خالفن شيئا شبيهة بالمواضي‏ (1)

و أبت تركي الغديات و الآصال # حتى خضبت بالمقراض

و دواء المشيب كالبخص في عيني # فقل فيه في العيون المراض

طال حزني على الشباب و ما # بيض من لون صبغه الفضفاض

فهل الحادثات يا ابن عويف # تاركاتي و لبس هذا البياض‏

____________

(1) الديوان: «فمشبهات» .

127

*3019* 19- كلامه ع في الأمل‏

وَ قَالَ ع مَنْ جَرَى فِي عِنَان أَمَلِهِ عَثَرَ بِأَجلِهِ (1) -. قد تقدم لنا قول كثير في الأمل و نذكر هاهنا زيادة على ذلك .

2- قال 2الحسن ع لو رأيت الأجل و مسيره لنسيت الأمل و غروره و يقدر المقدرون و القضاء يضحك.

14- و روى أبو سعيد الخدري أن أسامة بن زيد اشترى وليدة بمائة دينار إلى شهر فقال 14رسول الله ص أ لا تعجبون من أسامة يشتري إلى شهر إن أسامة لطويل الأمل.

أبو عثمان النهدي قد بلغت نحوا من ثلاثين و مائة سنة فما من شي‏ء إلا قد عرفت فيه النقص إلا أملى فإنه كما كان .

قال الشاعر

أراك تزيدك الأيام حرصا # على الدنيا كأنك لا تموت

فهل لك غاية إن صرت يوما # إليها قلت حسبي قد رضيت.

و قال آخر

من تمنى المنى فأغرق فيها # مات من قبل أن ينال مناه

ليس في مال من تتابع في اللذات # فضل عن نفسه لسواه

128

*3020* 20- كلامه ع في المروءة

وَ قَالَ ع أَقِيلُوا ذَوِي اَلْمُرُوءَاتِ عَثَرَاتِهِمْ فَمَا يَعْثُرُ مِنْهُمْ عَاثِرٌ إِلاَّ وَ يَدُهُ بِيَدِ اَللَّهِ يَدُ اَللَّهِ بِيَدِهِ يَرْفَعُهُ (1) -.

[نبذ مما قيل في المروءة]

قد رويت هذه الكلمة مرفوعة ذكر ذلك ابن قتيبة في عيون الأخبار و أحسن ما قيل في المروءة قولهم اللذة ترك المروءة و المروءة ترك اللذة .

14- و في الحديث أن رجلا قام إلى 14رسول الله ص فقال يا 14رسول الله أ لست أفضل قومي فقال إن كان لك عقل فلك فضل و إن كان لك خلق فلك مروءة و إن كان لك مال فلك حسب و إن كان لك تقى فلك دين .

14- و سئل الحسن عن المروءة فقال جاء في الحديث المرفوع أن الله تعالى يحب معالي الأمور و يكره سفسافها.

و كان يقال من مروءة الرجل جلوسه بباب داره .

و قال الحسن لا دين إلا بمروءة

129

و قيل لابن هبيرة ما المروءة فقال إصلاح المال و الرزانة في المجلس و الغداء و العشاء بالفناء .

14- و جاء أيضا في الحديث المرفوع حسب الرجل ماله و كرمه دينه و مروءته خلقه.

و كان يقال ليس من المروءة كثرة الالتفات في الطريق .

و يقال سرعة المشي تذهب بمروءة الرجل .

و قال معاوية لعمرو ما ألذ الأشياء قال مر فتيان قريش أن يقوموا فلما قاموا قال إسقاط المروءة .

و كان عروة بن الزبير يقول لبنيه يا بني العبوا فإن المروءة لا تكون إلا بعد اللعب و قيل للأحنف ما المروءة قال العفة و الحرفة تعف عما حرم الله و تحترف فيما أحل الله .

و قال محمد بن عمران التيمي لا أشد من المروءة و هي ألا تعمل في السر شيئا تستحيي منه في العلانية و سئل النظام عن المروءة فأنشد بيت زهير

الستر دون الفاحشات و لا # يلقاك دون الخير من ستر (1) .

و قال عمر تعلموا العربية فإنها تزيد في المروءة و تعلموا النسب فرب رحم مجهولة قد وصلت به .

و قال ميمون بن مهران أول المروءة طلاقة الوجه و الثاني التودد إلى الناس و الثالث قضاء الحوائج .

و قال مسلمة بن عبد الملك مروءتان ظاهرتان الرياش و الفصاحة .

و كان يقال تعرف مروءة الرجل بكثرة ديونه .

و كان يقال العقل يأمرك بالأنفع و المروءة تأمرك بالأجمل .

____________

(1) ديوانه 95.

130

لام معاوية يزيد ابنه على سماع الغناء و حب القيان و قال له أسقطت مروءتك فقال يزيد أتكلم بلساني كلمة قال نعم و بلسان أبي سفيان بن حرب و هند بنت عتبة مع لسانك قال و الله لقد حدثني عمرو بن العاص و استشهد على ذلك ابنه عبد الله بصدقه أن أبا سفيان كان يخلع على المغني الفاضل و المضاعف من ثيابه و لقد حدثني أن جاريتي عبد الله بن جدعان غنتاه يوما فأطربتاه فجعل يخلع عليهما أثوابه ثوبا ثوبا حتى تجرد تجرد العير و لقد كان هو و عفان بن أبي العاص ربما حملا جارية العاص بن وائل على أعناقهما فمرا بها على الأبطح و جلة قريش ينظرون إليهما مرة على ظهر أبيك و مرة على ظهر عفان فما الذي تنكر مني فقال معاوية اسكت لحاك الله و الله ما أحد ألحق بأبيك هذا إلا ليغرك و يفضحك و إن كان أبو سفيان ما علمت لثقيل الحلم يقظان الرأي عازب الهوى طويل الأناة بعيد القعر و ما سودته قريش إلا لفضله‏

131

*3021* 21- كلامه ع في الهيبة و الحياء و اغتنام الفرص‏

وَ قَالَ ع قُرِنَتِ اَلْهَيْبَةُ بِالْخَيْبَةِ وَ اَلْحَيَاءُ بِالْحِرْمَانِ وَ اَلْفُرْصَةُ تَمُرُّ مَرَّ اَلسَّحََابِ فَانْتَهِزُوا فُرَصَ اَلْخَيْرِ (1) -. في المثل من أقدم لم يندم و قال الشاعر

ليس للحاجات إلا # من له وجه وقاح

و لسان طرمذي‏ (1) # و غدو و رواح

فعليه السعي فيها # و على الله النجاح.

و كان يقال الفرصة ما إذا حاولته فأخطأك نفعه لم يصل إليك ضره .

و من كلام ابن المقفع انتهز الفرصة في إحراز المآثر و اغتنم الإمكان باصطناع الخير و لا تنتظر ما تعامل فتجازى عنه بمثله فإنك إن عوملت بمكروه و اشتغلت برصد المكافأة عنه قصر العمر بك عن اكتساب فائدة و اقتناء منقبة و تصرمت أيامك بين تعد عليك و انتظار للظفر بإدراك الثأر من خصمك و لا عيشة في الحياة أكثر من ذلك .

كانت العرب إذا أوفدت وافدا قالت له إياك و الهيبة فإنها خيبة و لا تبت عند ذنب الأمر و بت عند رأسه‏

____________

(1) طرمذى: يتمدح بما ليس فيه.

132

*3022* 22- كلامه ع في أخذ حقه بالخلافة

وَ قَالَ ع لَنَا حَقٌّ فَإِنْ أُعْطِيْنَاهُ وَ إِلاَّ رَكِبْنَا أَعْجَازَ اَلْإِبِلِ وَ إِنْ طَالَ اَلسُّرَى. قال الرضي رحمه الله تعالى و هذا القول من لطيف الكلام و فصيحه و معناه أنا إن لم نعط حقنا كنا أذلاء و ذلك أن الرديف يركب عجز البعير كالعبد و الأسير و من يجري مجراهما (1) - هذا الفصل قد

1- ذكره أبو عبيد الهروي في الجمع بين الغريبين و صورته أن لنا حقا إن نعطه نأخذه و إن نمنعه نركب أعجاز الإبل و إن طال السرى.

قال قد فسروه على وجهين أحدهما أن راكب عجز البعير يلحقه مشقة و ضرر فأراد أنا إذا منعنا حقنا صبرنا على المشقة و المضرة كما يصبر راكب عجز البعير و هذا التفسير قريب مما فسره الرضي و الوجه الثاني أن راكب عجز البعير إنما يكون إذا كان غيره قد ركب على ظهر البعير و راكب ظهر البعير متقدم على راكب عجز البعير فأراد أنا إذا منعنا حقنا تأخرنا و تقدم غيرنا علينا فكنا كالراكب رديفا لغيره و أكد المعنى على كلا التفسيرين‏ (1) بقوله‏ و إن طال السرى لأنه إذا طال السرى كانت المشقة

____________

(1) في د: «التقديرين» .

133

على راكب عجز البعير أعظم و كان الصبر على تأخر راكب عجز البعير عن الراكب على ظهره أشد و أصعب .

و هذا الكلام تزعم الإمامية أنه قاله‏أو في تلك الأيام و يذهب أصحابنا إلى أنه قاله‏بعد وفاة عمر و اجتماع الجماعة لاختيار واحد من الستة و أكثر أرباب السير ينقلونه على هذا الوجه‏

134

*3023* 23- كلامه ع في الحث و التحريض على العبادة

وَ قَالَ ع مَنْ أَبْطَأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ حَسَبُهُ نَسَبُهُ (1) - . هذا الكلام حث و حض و تحريض على العبادة و قد تقدم أمثاله‏ (1) و سيأتي له نظائر كثيرة و هو مثل

14- قول 14النبي ص يا 15فاطمة بنت محمد إني لا أغني عنك من الله شيئا يا عباس بن عبد المطلب إني لا أغني عنك من الله شيئا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اَللََّهِ أَتْقََاكُمْ‏ (2) .

____________

(1) في د «مثله» .

(2) سورة الحجرات 13.

135

*3024* 24 كلامه ع في بيان كفارات الذنوب العظام‏

وَ قَالَ ع مِنْ كَفَّارَاتِ اَلذُّنُوبِ اَلْعِظَامِ إِغَاثَةُ اَلْمَلْهُوفِ وَ اَلتَّنْفِيسُ عَنِ اَلْمَكْرُوبِ (1) -. قد جاء في هذا المعنى آثار كثيرة و أخبار جميلة كان العتابي قد أملق فجاء فوقف بباب المأمون يسترزق الله على يديه فوافى يحيى بن أكثم فعرض له العتابي فقال له إن رأيت أيها القاضي أن تعلم 1أمير المؤمنين مكاني فافعل فقال لست بحاجب قال قد علمت و لكنك ذو فضل و ذو الفضل معوان فقال سلكت بي غير طريقي قال إن الله أتحفك منه بجاه و نعمة و هو مقبل عليك بالزيادة إن شكرت و بالتغيير إن كفرت و أنا لك اليوم خير منك لنفسك لأني أدعوك إلى ما فيه ازدياد نعمتك و أنت تأبى علي و لكل شي‏ء زكاة و زكاة الجاه رفد المستعين فدخل يحيى فأخبر المأمون به فأحضره و حادثه و لاطفه و وصله‏

136

*3025* 25- كلامه ع في التخويف و التحذير من الاستدراج‏

وَ قَالَ ع يَا اِبْنَ آدَمَ إِذَا رَأَيْتَ رَبَّكَ سُبْحَانَهُ يُتَابِعُ عَلَيْكَ نِعَمَهُ وَ أَنْتَ تَعْصِيهِ فَاحْذَرْهُ (1) -. هذا الكلام تخويف و تحذير من الاستدراج قال سبحانه‏ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لاََ يَعْلَمُونَ‏ (1) و ذلك لأن العبد بغروره يعتقد أن موالاة النعم عليه و هو عاص من باب الرضا عنه و لا يعلم أنه استدراج له و نقمة عليه .

فإن قلت كيف يصح القول بالاستدراج على أصولكم في العدل أ ليس معنى الاستدراج إيهام العبد أنه سبحانه غير ساخط فعله و معصيته فهل هذا الاستدراج إلا مفسدة و سبب إلى الإصرار على القبيح .

قلت إذا كان المكلف عالما بقبح القبيح أو متمكنا من العلم بقبحه ثم رأى النعم تتوالى عليه و هو مصر على المعصية كان ترادف تلك النعم كالمنبه له على وجوب الحذر مثال ذلك من هو في خدمة ملك و هو عون ذلك الملك في دولته و يعلم أن الملك قد عرف حاله ثم يرى نعم الملك مترادفة إليه فإنه يجب بمقتضى الاحتياط أن يشتد حذره لأنه يقول ليست حالي مع الملك حال من يستحق هذه النعم و ما هذه إلا مكيدة و تحتها غائلة فيجب إذن عليه أن يحذر

____________

(1) سورة الأعراف 182.

137

*3026* 26- كلامه ع في ظهور مايضمره الإنسان على وجهه و لسانه‏

وَ قَالَ ع مَا أَضْمَرَ أَحَدٌ شَيْئاً إِلاَّ ظَهَرَ فِي فَلَتَاتِ لِسَانِهِ وَ صَفَحَاتِ وَجْهِهِ (1) -. قال زهير بن أبي سلمى

و مهما تكن عند امرئ من خليقة # و إن خالها تخفى على الناس تعلم‏ (1) .

و قال آخر

تخبرني العينان ما القلب كاتم # و ما جن بالبغضاء و النظر الشزر.

و قال آخر

و في عينيك ترجمة أراها # تدل على الضغائن و الحقود

و أخلاق عهدت اللين فيها # غدت و كأنها زبر الحديد

و قد عاهدتني بخلاف هذا # و قال الله‏ أَوْفُوا بِالْعُقُودِ

و كان يقال العين و الوجه و اللسان أصحاب أخبار على القلب و قالوا القلوب كالمرايا المتقابلة إذا ارتسمت في إحداهن صورة ظهرت في الأخرى‏

____________

(1) ديوانه: 257.

138

*3027* 27- كلامه ع في الصبر على الأمور المدفوع لها قهرا و عدم التماس التغيير لها

وَ قَالَ ع اِمْشِ بِدَائِكَ مَا مَشَى بِكَ (1) -. يقول مهما وجدت سبيلا إلى الصبر على أمر من الأمور التي قد دفعت إليها و فيها مشقة عليك و ضرر لاحق بك فاصبر و لا تلتمس طريقا إلى تغيير ما دفعت إليه أن تسلكها بالعنف و مراغمة الوقت و معاناة الأقضية و الأقدار و مثال ذلك من يعرض له مرض ما يمكنه أن يحتمله و يدافع الوقت فإنه يجب عليه ألا يطرح جانبه إلى الأرض و يخلد إلى النوم على الفراش ليعالج ذلك المرض قوة و قهرا فربما أفضى به مقاهرة ذلك المرض الصغير بالأدوية إلى أن يصير كبيرا معضلا

139

*3028* 28- كلامه ع في أفضل الزهد

وَ قَالَ ع أَفْضَلُ اَلزُّهْدِ إِخْفَاءُ اَلزُّهْدِ (1) -. إنما كان كذلك لأن الجهر بالعبادة و الزهادة و الإعلان بذلك قل أن يسلم من مخالطة الرياء و قد تقدم لنا في الرياء أقوال مقنعة .

رأى المنصور رجلا واقفا ببابه فقال مثل هذا الدرهم بين عينيك و أنت واقف ببابنا فقال الربيع نعم لأنه ضرب على غير السكة .

شاعر

معشر أثبت الصلاة عليهم # لجباه يشقها المحراب

عمرو ا موضع التصنع منهم # و مكان الإخلاص منهم خراب‏

140

*3029* 29- كلامه ع في سرعة التقاء الموت و الأجل وإن أدبر عنه‏

وَ قَالَ ع إِذَا كُنْتَ فِي إِدْبَارٍ وَ اَلْمَوْتُ فِي إِقْبَالٍ فَمَا أَسْرَعَ اَلْمُلْتَقَى (1) -. هذا ظاهر لأنه إذا كان كلما جاء ففي إدبار و الموت كلما جاء ففي إقبال فيا سرعان ما يلتقيان و ذلك لأن إدباره هو توجهه إلى الموت و إقبال الموت هو توجه الموت إلى نحوه فقد حق إذن الالتقاء سريعا و مثال ذلك سفينتان بدجلة أو غيرها تصعد إحداهما و الأخرى تنحدر نحوها فلا ريب إن الالتقاء يكون وشيكا

141

*3030* 30- كلامه ع في التحذير من الاستدراج‏

وَ قَالَ ع اَلْحَذَرَ اَلْحَذَرَ فَوَاللَّهِ لَقَدْ سَتَرَ حَتَّى كَأَنَّهُ قَدْ غَفَرَ (1) -. قد تقدم هذا المعنى و هو الاستدراج الذي ذكرناه آنفا

142

*3031* 31- كلامه ع في الإيمان‏

وَ سُئِلَ ع عَنِ اَلْإِيمَانِ فَقَالَ اَلْإِيمَانُ عَلَى أَرْبَعِ دَعَائِمَ عَلَى اَلصَّبْرِ وَ اَلْيَقِينِ وَ اَلْعَدْلِ وَ اَلْجِهَادِ وَ اَلصَّبْرُ مِنْهَا عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ عَلَى اَلشَّوْقِ وَ اَلشَّفَقِ وَ اَلزُّهْدِ وَ اَلتَّرَقُّبِ فَمَنِ اِشْتَاقَ إِلَى اَلْجَنَّةِ سَلاَ عَنِ اَلشَّهَوَاتِ وَ مَنْ أَشْفَقَ مِنَ اَلنَّارِ اِجْتَنَبَ اَلْمُحَرَّمَاتِ وَ مَنْ زَهِدَ فِي اَلدُّنْيَا اِسْتَهَانَ بِالْمُصِيبَاتِ وَ مَنِ اِرْتَقَبَ اَلْمَوْتَ سَارَعَ فِي إِلَى اَلْخَيْرَاتِ وَ اَلْيَقِينُ مِنْهَا عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ عَلَى تَبْصِرَةِ اَلْفِطْنَةِ وَ تَأَوُّلِ اَلْحِكْمَةِ وَ مَوْعِظَةِ اَلْعِبْرَةِ وَ سُنَّةِ اَلْأَوَّلِينَ فَمَنْ تَبَصَّرَ فِي اَلْفِطْنَةِ تَبَيَّنَتْ لَهُ اَلْحِكْمَةُ وَ مَنْ تَبَيَّنَتْ لَهُ اَلْحِكْمَةُ عَرَفَ اَلْعِبْرَةَ وَ مَنْ عَرَفَ اَلْعِبْرَةَ فَكَأَنَّمَا كَانَ فِي اَلْأَوَّلِينَ وَ اَلْعَدْلُ مِنْهَا عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ عَلَى غَائِصِ اَلْفَهْمِ وَ غَوْرِ اَلْعِلْمِ وَ زُهْرَةِ اَلْحُكْمِ وَ رَسَاخَةِ اَلْحِلْمِ فَمَنْ فَهِمَ عَلِمَ غَوْرَ اَلْعِلْمِ وَ مَنْ عَلِمَ غَوْرَ اَلْعِلْمِ صَدَرَ عَنْ شَرَائِعِ اَلْحِلْمِ اَلْحُكْمِ وَ مَنْ حَلُمَ لَمْ يُفَرِّطْ فِي أَمْرِهِ وَ عَاشَ فِي اَلنَّاسِ حَمِيداً وَ اَلْجِهَادُ مِنْهَا عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ عَلَى اَلْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَ اَلنَّهْيِ عَنِ اَلْمُنْكَرِ وَ اَلصِّدْقِ فِي اَلْمَوَاطِنِ وَ شَنَآنِ اَلْفَاسِقِينَ فَمَنْ أَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ شَدَّ ظُهُورَ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ مَنْ نَهَى عَنِ اَلْمُنْكَرِ أَرْغَمَ أُنُوفَ اَلْمُنَافِقِينَ وَ مَنْ صَدَقَ فِي اَلْمَوَاطِنِ قَضَى مَا عَلَيْهِ وَ مَنْ شَنِئَ اَلْفَاسِقِينَ وَ غَضِبَ لِلَّهِ غَضِبَ اَللَّهُ لَهُ وَ أَرْضَاهُ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ وَ اَلْكُفْرُ عَلَى أَرْبَعِ دَعَائِمَ عَلَى اَلتَّعَمُّقِ وَ اَلتَّنَازُعِ وَ اَلزَّيْغِ وَ اَلشِّقَاقِ فَمَنْ تَعَمَّقَ لَمْ يُنِبْ إِلَى اَلْحَقِّ وَ مَنْ كَثُرَ نِزَاعُهُ بِالْجَهْلِ دَامَ عَمَاهُ عَنِ اَلْحَقِ‏

143

وَ مَنْ زَاغَ سَاءَتْ عِنْدَهُ اَلْحَسَنَةُ وَ حَسُنَتْ عِنْدَهُ اَلسَّيِّئَةُ وَ سَكِرَ سُكْرَ اَلضَّلاَلَةِ وَ مَنْ شَاقَّ وَعُرَتْ عَلَيْهِ طُرُقُهُ وَ أَعْضَلَ عَلَيْهِ أَمْرُهُ وَ ضَاقَ عَلَيْهِ مَخْرَجُهُ وَ اَلشَّكُّ عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ عَلَى اَلتَّمَارِي وَ اَلْهَوْلِ وَ اَلتَّرَدُّدِ وَ اَلاِسْتِسْلاَمِ فَمَنْ جَعَلَ اَلْمِرَاءَ دَيْدَناً لَمْ يُصْبِحْ لَيْلُهُ وَ مَنْ هَالَهُ مَا بَيْنَ يَدَيْهِ‏ نَكَصَ عَلى‏ََ عَقِبَيْهِ وَ مَنْ تَرَدَّدَ فِي اَلرَّيْبِ وَطِئَتْهُ سَنَابِكُ اَلشَّيَاطِينِ وَ مَنِ اِسْتَسْلَمَ لِهَلَكَةِ اَلدُّنْيَا وَ اَلآْخِرَةِ هَلَكَ فِيهِمَا. قال الرضي رحمه الله تعالى و بعد هذا كلام تركنا ذكره خوف الإطالة و الخروج عن الغرض المقصود في هذا الكتاب (1) - من هذا الفصل أخذت الصوفية و أصحاب الطريقة و الحقيقة كثيرا من فنونهم في علومهم و من تأمل كلام سهل بن عبد الله التستري و كلام الجنيد و السري و غيرهم رأى هذه الكلمات في فرش كلامهم تلوح كالكواكب الزاهرة و كل المقامات و الأحوال المذكورة في هذا الفصل قد تقدم قولنا فيها

[نبذ و حكايات مما وقع بين يدي الملوك‏]

و نذكر هاهنا الصدق في المواطن و بين يدي الملوك و من يغضب لله و ينهى عن المنكر و يقوم بالحق و لا يبالي بالسلطان و لا يراقبه .

144

دخل عمر بن عبد العزيز على سليمان بن عبد الملك و عنده أيوب ابنه و هو يومئذ ولي عهده قد عقد له من بعده فجاء إنسان يطلب ميراثا من بعض نساء الخلفاء فقال سليمان ما إخال النساء يرثن في العقار شيئا فقال عمر بن عبد العزيز سبحان الله و أين كتاب الله فقال سليمان يا غلام اذهب فأتني بسجل عبد الملك الذي كتب في ذلك فقال له عمر لكأنك أرسلت إلى المصحف فقال أيوب بن سليمان و الله ليوشكن الرجل يتكلم بمثل هذا عند أمير المؤمنين فلا يشعر حتى يفارقه رأسه فقال عمر إذا أفضى الأمر إليك و إلى أمثالك كان ما يدخل على الإسلام أشد مما يخشى عليكم من هذا القول ثم قام فخرج .

و روى إبراهيم بن هشام بن يحيى قال حدثني أبي عن جدي قال كان عمر بن عبد العزيز ينهى سليمان بن عبد الملك عن قتل الحرورية و يقول ضمنهم الحبوس حتى يحدثوا توبة فأتي سليمان بحروري مستقتل و عنده عمر بن عبد العزيز فقال سليمان للحروري ما ذا تقول قال ما أقول يا فاسق يا ابن الفاسق فقال سليمان لعمر ما ترى يا أبا حفص فسكت فقال أقسمت عليك لتخبرني ما ذا ترى عليه فقال أرى أن تشتمه كما شتمك و تشتم أباه كما شتم أباك فقال سليمان ليس إلا قال ليس إلا فلم يرجع سليمان إلى قوله و أمر بضرب عنق الحروري .

و روى ابن قتيبة في كتاب عيون الأخبار قال بينما المنصور يطوف ليلا بالبيت سمع قائلا يقول‏اللهم إليك أشكو ظهور البغي و الفساد و ما يحول بين الحق و أهله من الطمعفخرج المنصور فجلس ناحية من المسجد و أرسل إلى الرجل يدعوه فصلى ركعتين و استلم الركن و أقبل على المنصور فسلم عليه بالخلافة فقال المنصور ما الذي سمعتك تقوله من ظهور البغي و الفساد في الأرض و ما يحول بين الحق‏

145

و أهله من الطمع فو الله لقد حشوت مسامعي ما أرمضني‏ (1) فقال يا أمير المؤمنين إن أمنتني على نفسي أنبأتك بالأمور من أصولها و إلا احتجزت منك و اقتصرت على نفسي فلي فيها شاغل قال أنت آمن على نفسك فقل فقال إن الذي دخله الطمع حتى حال بينه و بين إصلاح ما ظهر من البغي و الفساد لأنت قال ويحك و كيف يدخلني الطمع و الصفراء و البيضاء في قبضتي و الحلو و الحامض عندي قال و هل دخل أحد من الطمع ما دخلك إن الله عز و جل استرعاك المسلمين و أموالهم فأغفلت أمورهم و اهتممت بجمع أموالهم و جعلت بينك و بينهم حجبا من الجص و الآجر و أبوابا من الحديد و حجبة معهم السلاح ثم سجنت نفسك فيها منهم و بعثت عمالك في جباية الأموال و جمعها فقويتهم بالسلاح و الرجال و الكراع و أمرت بألا يدخل عليك إلا فلان و فلان نفر سميتهم و لم تأمر بإيصال المظلوم و الملهوف و لا الجائع و الفقير و لا الضعيف و العاري و لا أحد ممن له في هذا المال حق فما زال هؤلاء النفر الذين استخلصتهم لنفسك و آثرتهم على رعيتك و أمرت ألا يحجبوا عنك يجبون الأموال و يجمعونها و يحجبونها و قالوا هذا رجل قد خان الله فما لنا لا نخونه و قد سخرنا فائتمروا على ألا يصل إليك من أخبار الناس شي‏ء إلا ما أرادوا و لا يخرج لك عامل فيخالف أمرهم إلا بغضوه‏ (2) عندك و بغوه الغوائل حتى تسقط منزلته و يصغر قدره فلما انتشر ذلك عنك و عنهم أعظمهم الناس و هابوهم و كان أول من صانعهم عمالك بالهدايا و الأموال ليقووا بها على ظلم رعيتك ثم فعل ذلك ذوو القدرة و الثروة من رعيتك لينالوا به ظلم من دونهم فامتلأت بلاد الله بالطمع بغيا و فسادا و صار هؤلاء القوم شركاءك في سلطنتك و أنت غافل فإن جاء متظلم حيل بينه و بين دخول

____________

(1) ب: «أ مرضى» ؛ و الصواب ما أثبته من ا، د و عيون الأخبار.

(2) عيون الأخبار: «قصبوه» أي عابوه.

146

دارك و إن أراد رفع قصته إليك عند ظهورك وجدك و قد نهيت عن ذلك و وقفت للناس رجلا ينظر في مظالمهم فإن جاء المتظلم إليه أرسلوا إلى صاحب المظالم ألا يرفع إليك قصته و لا يكشف لك حاله فيجيبهم خوفا منك فلا يزال المظلوم يختلف نحوه و يلوذ به و يستغيث إليه و هو يدفعه و يعتل عليه و إذا أجهد و أحرج و ظهرت أنت لبعض شأنك صرخ بين يديك فيضرب ضربا مبرحا ليكون نكالا لغيره و أنت تنظر و لا تنكر فما بقاء الإسلام على هذا .

و لقد كنت أيام شبيبتي أسافر إلى الصين فقدمتها مرة و قد أصيب ملكها بسمعه فبكى بكاء شديدا فحداه‏ (1) جلساؤه على الصبر فقال أما إني لست أبكي للبلية النازلة و لكن أبكي للمظلوم بالباب يصرخ فلا أسمع صوته ثم قال أما إذ ذهب سمعي فإن بصري لم يذهب نادوا في الناس ألا يلبس ثوبا أحمر إلا مظلوم‏ (2) ثم كان يركب الفيل طرفي نهاره ينظر هل يرى مظلوما فهذا مشرك بالله غلبت رأفته بالمشركين على شح نفسه و أنت مؤمن بالله من أهل بيت نبيه لا تغلبك رأفتك بالمسلمين على شح نفسك فإن كنت إنما تجمع المال لولدك فقد أراك الله تعالى عبرا في الطفل يسقط من بطن أمه ما له على الأرض مال و ما من مال يومئذ إلا و دونه يد شحيحة تحويه فلا يزال الله يلطف بذلك الطفل حتى تعظم رغبة الناس إليه و لست بالذي تعطي و لكن الله يعطي من يشاء ما يشاء و إن قلت إنما أجمع المال لتشييد السلطان فقد أراك الله عبرا في بني أمية ما أغنى عنهم ما جمعوا من الذهب و الفضة و أعدوا من الرجال و السلاح و الكراع حين أراد الله بهم ما أراد و إن قلت أجمع المال لطلب غاية هي أجسم من الغاية التي أنا فيها فو الله ما فوق ما أنت فيه إلا منزلة لا تدرك إلا بخلاف ما أنت عليه انظر هل تعاقب من عصاك بأشد من القتل قال لا قال فإن الملك الذي خولك ما خولك

____________

(1) عيون الأخبار: «فحثه» .

(2) د: «متظلم» .

147

لا يعاقب من عصاه بالقتل بالخلود في العذاب الأليم و قد رأى ما قد عقدت عليه قلبك و عملته جوارحك و نظر إليه بصرك و اجترحته يداك و مشت إليه رجلاك و انظر هل يغني عنك ما شححت عليه من أمر الدنيا إذا انتزعه من يدك و دعاك إلى الحساب على ما منحك .

فبكى المنصور و قال ليتني لم أخلق ويحك فكيف أحتال لنفسي قال إن للناس أعلاما يفزعون إليهم في دينهم و يرضون بقولهم فاجعلهم بطانتك يرشدوك و شاورهم في أمرك يسددوك قال قد بعثت إليهم فهربوا مني قال نعم خافوا أن تحملهم على طريقك و لكن افتح بابك و سهل حجابك و انظر المظلوم و اقمع الظالم و خذ الفي‏ء و الصدقات مما حل و طاب و اقسمه بالحق و العدل على أهله و أنا الضامن عنهم أن يأتوك و يسعدوك على صلاح الأمة .

و جاء المؤذنون فسلموا عليه و نادوا بالصلاة فقام و صلى و عاد إلى مجلسه فطلب الرجل فلم يوجد (1) .

و روى ابن قتيبة أيضا في الكتاب المذكور أن عمرو بن عبيد قال للمنصور إن الله أعطاك الدنيا بأسرها فاشتر نفسك منه ببعضها و اذكر ليلة تتمخض لك صبيحتها عن يوم القيامة قال يعني ليلة موته فوجم المنصور فقال الربيع حسبك فقد عممت أمير المؤمنين فقال عمرو بن عبيد إن هذا صحبك عشرين سنة لم ير عليه أن ينصحك يوما واحدا و لم يعمل وراء بابك بشي‏ء مما في كتاب الله و لا في سنة 14نبيه قال أبو جعفر فما أصنع قد قلت لك خاتمي في يدك فهلم أنت و أصحابك فاكفني فقال عمرو دعنا بعدلك نسخ بأنفسنا بعونك و ببابك مظالم كثيرة (2) فارددها نعلم أنك صادق‏ (2) .

____________

(1) عيون الأخبار 2: 333-337.

(2) عيون الأخبار: «ألف مظلمة» .

148

و قال ابن قتيبة في الكتاب المذكور و قد قام أعرابي بين يدي سليمان بن عبد الملك بنحو هذا قال له إني مكلمك يا أمير المؤمنين بكلام [فيه بعض الغلظة] (1) فاحتمله إن كرهته فإن وراءه ما تحب قال قل قال إني سأطلق لساني بما خرست عنه الألسن من عظتك تأدية لحق الله إنك قد تكنفك رجال أساءوا الاختيار لأنفسهم فابتاعوا دنياهم بدينهم فهم حرب الآخرة سلم الدنيا فلا تأمنهم على ما ائتمنك الله عليه فإنهم لم يألوا الأمانة تضييعا و الأمة خسفا و أنت مسئول عما اجترحوا و ليسوا مسئولين عما اجترحت فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك فإن أعظم الناس غبنا من باع آخرته بدنيا غيره قال فقال سليمان أما أنت يا أعرابي فإنك قد سللت علينا عاجلا لسانك و هو أقطع سيفيك فقال أجل لقد سللته و لكن لك لا عليك‏ (2)

____________

(1) زيادة من عيون الأخبار.

(2) عيون الأخبار : 237، 238.

غ

149

*3032* 32- كلامه ع في فاعل الخير و فاعل الشر

وَ قَالَ ع فَاعِلُ اَلْخَيْرِ خَيْرٌ مِنْهُ وَ فَاعِلُ اَلشَّرِّ شَرٌّ مِنْهُ (1) -. قد نظمت أنا هذا اللفظ و المعنى فقلت في جملة أبيات لي‏

خير البضائع للإنسان مكرمة # تنمي و تزكو إذا بارت بضائعه

فالخير خير و خير منه فاعله # و الشر شر و شر منه صانعه.

فإن قلت كيف يكون فاعل الخير خيرا من الخير و فاعل الشر شرا من الشر مع أن فاعل الخير إنما كان ممدوحا لأجل الخير و فاعل الشر إنما كان مذموما لأجل الشر فإذا كان الخير و الشر هما سببا المدح و الذم و هما الأصل في ذلك فكيف يكون فاعلاهما خيرا و شرا منهما .

قلت لأن الخير و الشر ليسا عبارة عن ذات حية قادرة و إنما هما فعلان أو فعل و عدم فعل أو عدمان فلو قطع النظر عن الذات الحية القادرة التي يصدران عنها لما انتفع أحد بهما و لا استضر فالنفع و الضرر إنما حصلا من الحي الموصوف بهما لا منهما على انفرادهما فلذلك كان فاعل الخير خيرا من الخير و فاعل الشر شرا من الشر

150

*3033* 33- كلامه ع في السماحة و التبذير و التقدير في المعيشة

وَ قَالَ ع كُنْ سَمَحاً وَ لاَ تَكُنْ مُبَذِّراً وَ كُنْ مُقَدِّراً وَ لاَ تَكُنْ مُقَتِّراً (1) -. كل كلام جاء في هذا فهو مأخوذ من قوله سبحانه‏ وَ لاََ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى‏ََ عُنُقِكَ وَ لاََ تَبْسُطْهََا كُلَّ اَلْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً (1) .

و نحو قوله‏ إِنَّ اَلْمُبَذِّرِينَ كََانُوا إِخْوََانَ اَلشَّيََاطِينِ وَ كََانَ اَلشَّيْطََانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً (2)

____________

(1) سورة الإسراء 27.

(2) سورة الإسراء 29.

151

*3034* 34- كلامه ع في أشرف الغنى‏

وَ قَالَ ع أَشْرَفُ اَلْغِنَى تَرْكُ اَلْمُنَى (1) -. قد سبق منا قول كثير في المنى و نذكر هاهنا ما لم نذكره هناك .

سئل عبيد الله بن أبي بكر أي شي‏ء أدوم متاعا فقال المنى .

و قال بلال بن أبي بردة ما يسرني بنصيبي من المنى حمر النعم .

و كان يقال الأماني للنفس كالرونق للبصر .

و من كلام بعض الحكماء الأماني تعمي أعين البصائر و الحظ يأتي من لا يأتيه و ربما كان الطمع وعاء حشوه المتالف و سائقا يدعو إلى الندامة و أشقى الناس بالسلطان صاحبه كما أن أقرب الأشياء إلى النار أسرعها إحراقا و لا يدرك الغني بالسلطان إلا نفس خائفة و جسم تعب و دين منكتم و إن كان البحر كدر الماء فهو بعيد الهواء

152

*3035* 35- كلامه ع في الإسراع إلى الناس بما يكرهون‏

وَ قَالَ ع مَنْ أَسْرَعَ إِلَى اَلنَّاسِ بِمَا يَكْرَهُونَ قَالُوا فِيهِ مَا بِمَا لاَ يَعْلَمُونَ (1) -. هذا المعنى كثير واسع و لنقتصر هاهنا فيه على حكاية ذكرها المبرد في الكامل قال لما فتح قتيبة بن مسلم سمرقند أفضى‏ (1) إلى أثاث لم ير مثله‏ (2) و إلى آلات لم ير مثلها فأراد أن يري الناس عظيم ما أنعم الله به عليه و يعرفهم أقدار القوم الذين ظهر عليهم فأمر بدار ففرشت و في صحنها قدور يرتقى إليها بالسلالم فإذا الحضين بن المنذر بن الحارث بن وعلة الرقاشي قد أقبل و الناس جلوس على مراتبهم و الحضين شيخ كبير فلما رآه عبد الله بن مسلم قال لأخيه قتيبة ائذن لي في معاتبته قال لا ترده لأنه خبيث الجواب فأبى عبد الله إلا أن يأذن له و كان عبد الله يضعف و قد كان تسور حائطا إلى امرأة قبل ذلك فأقبل على الحضين فقال أ من الباب دخلت يا أبا ساسان

____________

(1) أفضى؛ أى اتسع و صار عريضا.

(2) الكامل: «مثلها» .

153

قال أجل أسن عمك عن تسور الحيطان قال أ رأيت هذه القدور قال هي أعظم من ألا ترى قال ما أحسب بكر بن وائل رأى مثلها قال أجل و لا غيلان و لو كان رآها سمي شبعان و لم يسم غيلان قال له عبد الله يا أبا ساسان أ تعرف الذي يقول‏

عزلنا و أمرنا و بكر بن وائل # تجر خصاها تبتغي من تحالفه‏ (1) .

قال أجل أعرفه و أعرف الذي يقول‏

بأدنى العزم قاد بني قشير # و من كانت له أسرى كلاب

و خيبة من يخيب على غني # و باهلة بن يعصر و الركاب.

يريد يا خيبة من يخيب قال أ فتعرف الذي يقول‏

كأن فقاح الأزد حول ابن مسمع # إذا عرقت أفواه بكر بن وائل .

قال نعم أعرفه و أعرف الذي يقول‏

قوم قتيبة أمهم و أبوهم # لو لا قتيبة أصبحوا في مجهل.

قال أما الشعر فأراك ترويه فهل تقرأ من القرآن شيئا قال أقرأ منه الأكثر الأطيب‏ هَلْ أَتى‏ََ عَلَى اَلْإِنْسََانِ حِينٌ مِنَ اَلدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً (2) فأغضبه فقال و الله لقد بلغني أن امرأة الحضين حملت إليه و هي حبلى من غيره

____________

(1) هو حارثة بن بدر-رغبة الآمل.

(2) سورة الإنسان 1.

154

قال فما تحرك الشيخ عن هيئته الأولى ثم قال على رسله و ما يكون تلد غلاما على فراشي فيقال فلان بن الحضين كما يقال عبد الله بن مسلم فأقبل قتيبة على عبد الله و قال لا يبعد الله غيرك .

قلت هو الحضين بالضاد المعجمة و ليس في العرب من اسمه الحضين بالضاد المعجمة غيره‏ (1)

____________

(1) الكامل 3: 13، 14؛ قال أبو العباس: «الحضين بن المنذرين بن الحارث بن و علة. و كان الحضين بيده لواء عليّ بن أبي طالب رحمه اللّه على ربيعة؛ و له يقول القائل:

لمن راية سوداء يخفق ظلّها # إذا قيل قدّمها حضين تقدّما.

.

155

*3036* 36- كلامه ع في من أطال الأمل‏

وَ قَالَ ع مَنْ أَطَالَ اَلْأَمَلَ أَسَاءَ اَلْعَمَلَ (1) -. قد تقدم منا كلام في الأمل .

و قيل لبعض الصالحين أ لك حاجة إلى بغداد قال ما أحب أن أبسط أملي حتى تذهب إلى بغداد و تعود .

و قال أبو عثمان النهدي قد أتت علي ثلاثون و مائة سنة ما من شي‏ء إلا و أجد فيه النقص إلا أملي فإني وجدته كما هو أو يزيد

156

*3037* 37- كلامه ع لأحد دهاقين الأنبار و هو في مسيره إلى الشام‏

وَ قَالَ ع وَ قَدْ لَقِيَهُ عِنْدَ مَسِيرِهِ إِلَى اَلشَّامِ دَهَاقِينُ اَلْأَنْبَارِ فَتَرَجَّلُوا لَهُ وَ اِشْتَدُّوا بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ مَا هَذَا اَلَّذِي صَنَعْتُمُوهُ فَقَالُوا خُلُقٌ مِنَّا نُعَظِّمُ بِهِ أُمَرَاءَنَا فَقَالَ وَ اَللَّهِ مَا يَنْتَفِعُ بِهَذَا أُمَرَاؤُكُمْ وَ إِنَّكُمْ لَتَشُقُّونَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ فِي دُنْيَاكُمْ وَ تَشْقَوْنَ بِهِ فِي أُخْرَاكُمْ آخِرَتِكُمْ وَ مَا أَخْسَرَ اَلْمَشَقَّةَ وَرَاءَهَا اَلْعِقَابُ وَ أَرْبَحَ اَلدَّعَةَ مَعَهَا اَلْأَمَانُ مِنَ اَلنَّارِ (1) - . اشتدوا بين يديه أسرعوا شيئا فنهاهم عن ذلك و قال‏ إنكم تشقون به على أنفسكم لما فيه من تعب الأبدان‏ و تشقون به في آخرتكم تخضعون للولاة كما زعمتم أنه خلق و عادة لكم خضوعا تطلبون به الدنيا و المنافع العاجلة فيها و كل خضوع و تذلل لغير الله فهو معصية (2) - .

ثم ذكر أن الخسران المبين مشقة عاجلة يتبعها عقاب الآخرة و الربح البين دعة عاجلة يتبعها الأمان من النار