شرح نهج البلاغة - ج18

- ابن ابي الحديد المزيد...
419 /
207

لسنا و إن أحسابنا كملت # يوما على الأحساب نتكل‏ (1)

نبني كما كانت أوائلنا # تبني و نفعل مثل ما فعلوا.

ثم أخذها و تصفحها و وقع فيها كلها بما طلب أصحابها .

قال محمد بن جعفر فخرجت من عنده و قد ربحت و أربحت. قال المبرد لعبد الله بن يحيى بن خاقان أنا أشفع إليك أصلحك الله في أمر فلان فقال له قد سمعت و أطعت و سأفعل في أمره كذا فما كان من نقص فعلي و ما كان من زيادة فله قال المبرد أنت أطال الله بقاءك كما قال زهير

و جار سار معتمدا إلينا # أجاءته المخافة و الرجاء (2)

ضمنا ماله فغدا سليما # علينا نقصه و له النماء.

و قال دعبل

و إن امرأ أسدى إلي بشافع # إليه و يرجو الشكر مني لأحمق‏ (3)

شفيعك يا شكر الحوائج إنه # يصونك عن مكروهها و هو يخلق.

آخر

مضى زمنى و الناس يستشفعون بي # فهل لي إلى ليلى الغداة شفيع.

آخر

و نبئت ليلى أرسلت بشفاعة # إلي فهلا نفس ليلى شفيعها (4)

أ أكرم من ليلى علي فتبتغي # به الجاه أم كنت امرأ لا أطيعها.

____________

(1) في د: «كرمت» .

(2) ديوانه 77.

(3) ديوانه 112.

(4) للمجنون، ديوانه 195.

208

آخر

و من يكن الفضل بن يحيى بن خالد # شفيعا له عند الخليفة ينجح.

آخر

و إذا امرؤ أسدى إليك صنيعة # من جاهه فكأنها من ماله.

و هذا مثل قول الآخر

و عطاء غيرك إن بذلت # عناية فيه عطاؤك.

ابن الرومي

ينام الذي استسعاك في الأمر إنه # إذا أيقظ الملهوف مثلك ناما

كفى العود منك البدء في كل موقف # و جردت للجلى فكنت حساما

فما لك تنبو في يدي عن ضريبتي # و لم أرث من هز و كنت كهاما

209

*3062* 62 كلامه ع في أهل الدنيا

وَ قَالَ ع أَهْلُ اَلدُّنْيَا كَرَكْبٍ يُسَارُ بِهِمْ وَ هُمْ نِيَامٌ (1) -. هذا التشبيه واقع و هو صورة الحال لا محالة .

و قد أتيت بهذا المعنى في رسالة لي كتبتها إلى بعض الأصدقاء تعزية فقلت و لو تأمل الناس أحوالهم‏ (1) و تبينوا مآلهم لعلموا أن المقيم منهم بوطنه و الساكن إلى سكنه أخو سفر يسرى به و هو لا يسري و راكب بحر يجرى به و هو لا يدري‏

____________

(1) ا: «فى أحوالهم» .

210

*3063* 63 كلامه ع في فقد الأحبة

وَ قَالَ ع فَقْدُ اَلْأَحِبَّةِ غُرْبَةٌ (1) -. مثل هذا قول الشاعر

فلا تحسبي أن الغريب الذي نأى # و لكن من تنأين عنه غريب‏ (1) .

و مثله

14- قوله ع الغريب من ليس له حبيب.

و قال الشاعر

أسرة المرء والداه و فيما # بين حضنيهما الحياة تطيب‏ (2)

و إذا وليا عن المرء يوما # فهو في الناس أجنبي غريب.

و قال آخر

إذا ما مضى القرن الذي كنت فيهم # و خلفت في قرن فأنت غريب‏ (3)

____________

(1) نأى: بعد.

(2) الحضن: ما دون الإبط إلى الكشح.

(3) القرن: الجيل من الناس.

211

*3064* 64 كلامه ع في طلب الحوائج‏

وَ قَالَ ع فَوْتُ اَلْحَاجَةِ أَهْوَنُ مِنْ طَلَبِهَا إِلَى غَيْرِ أَهْلِهَا (1) -. قد سبق هذا المعنى و ذكرنا كثيرا مما قيل فيه .

و كان يقال لا تطلبوا الحوائج إلى ثلاثة إلى عبد يقول الأمر إلى غيري و إلى رجل حديث الغنى و إلى تاجر همته أن يستربح في كل عشرين دينارا حبة واحدة (1)

____________

(1) ساقطة من ا.

212

*3065* 65 كلامه ع في إعطاء القليل‏

وَ قَالَ ع لاَ تَسْتَحِ مِنْ إِعْطَاءِ اَلْقَلِيلِ فَإِنَّ اَلْحِرْمَانَ أَقَلُّ مِنْهُ (1) -. هذا نوع من الحث على الإفضال و الجود لطيف و قد استعمل كثيرا في الهدية و الاعتذار لقلتها و قد تقدم منا قول شاف في مدح السخاء و الجود .

و كان يقال أفضل على من شئت تكن أميره و احتج إلى من شئت تكن أسيره و استغن عمن شئت تكن نظيره .

و سئل أرسطو هل من جود يستطاع أن يتناول به كل أحد قال نعم أن تنوي الخير لكل أحد

213

*3066* 66 كلامه ع في العفاف و الشكر

وَ قَالَ ع اَلْعَفَافُ زِينَةُ اَلْفَقْرِ وَ اَلشُّكْرُ زِينَةُ اَلْغِنَى (1) -. من الأبيات المشهورة

فإذا افتقرت فلا تكن # متخشعا و تجمل.

و من أمثالهم المشهورة تجوع الحرة و لا تأكل بثدييها (1) .

و أنشد الأصمعي لبعضهم‏

أقسم بالله لمص النوى # و شرب ماء القلب المالحه

أحسن بالإنسان من ذله # و من سؤال الأوجه الكالحه

فاستغن بالله تكن ذا غنى # مغتبطا بالصفقة الرابحه‏ (2)

طوبى لمن تصبح ميزانه # يوم يلاقي ربه راجحه.

و قال بعضهم وقفت على كنيف و في أسفله كناف و هو ينشد

و أكرم نفسي عن أمور كثيرة # ألا إن إكرام النفوس من العقل

____________

(1) الميداني 1: 81؛ قال: أى لا تكون ظئرا و إن آذاها الجوع. و يروى: «و لا تأكل ثدييها» قال: «و أول من قال ذلك الحارث بن سليل الأسدى» فى خبر معروف ذكره هناك.

(2) ب: «مغبطا» تحريف.

214

و أبخل بالفضل المبين على الألى # رأيتهم لا يكرمون ذوي الفضل

و ما شانني كنس الكنيف و إنما # يشين الفتى أن يجتدي نائل النذل‏ (1)

و أقبح مما بي وقوفي مؤملا # نوال فتى مثلي و أي فتى مثلي.

و أما كون الشكر زينة الغنى فقد تقدم من القول ما هو كاف .

و كان يقال العلم بغير عمل قول باطل و النعمة بغير شكر جيد عاطل‏

____________

(1) النذل: المحتقر من الناس في جميع أحواله.

215

*3067* 67 كلامه ع في عدم الاكتراث و الابتئاس بفوات المراد و الحرمان‏

وَ قَالَ ع إِذَا لَمْ يَكُنْ مَا تُرِيدُ فَلاَ تُبَلْ كَيْفَ مَا كُنْتَ (1) -. قد أعجم تفسير هذه الكلمة على جماعة من الناس و قالوا المشهور في كلام الحكماء إذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون و لا معنى لقوله فلا تبل كيف كنت‏ و جهلوا مراده ع .

و مراده إذا لم يكن ما تريد فلا تبل‏ بذلك أي لا تكترث بفوت مرادك و لا تبتئس بالحرمان و لو وقف على هذا لتم الكلام و كمل المعنى و صار هذا مثل قوله فلا تكثر على ما فاتك منها أسفا و مثل قول الله تعالى‏ لِكَيْلاََ تَأْسَوْا عَلى‏ََ مََا فََاتَكُمْ‏ (1) لكنه تمم و أكد فقال‏ كيف كنت أي لا تبل بفوت ما كنت أملته و لا تحمل لذلك هما كيف كنت و على أي حال كنت من حبس أو مرض أو فقر أو فقد حبيب و على الجملة لا تبال الدهر و لا تكترث بما يعكس عليك من غرضك و يحرمك من أملك و ليكن هذا الإهوان به و الاحتقار له مما تعتمده دائما على أي حال أفضى بك الدهر إليها و هذا واضح‏

____________

(1) سورة الحديد 23.

216

*3068* 68 و من كلامه ع في ما يراه الجاهل‏

وَ قَالَ ع لاَ يُرَى اَلْجَاهِلُ تَرَى اَلْجَاهِلَ إِلاَّ مُفْرِطاً أَوْ مُفَرِّطاً (1) -. العدالة هي الخلق المتوسط و هو محمود بين مذمومين فالشجاعة محفوفة بالتهور و الجبن و الذكاء بالغباوة و الجربزة (1) و الجود بالشح و التبذير و الحلم بالجمادية و الاستشاطة و على هذا كل ضدين من الأخلاق فبينهما خلق متوسط و هو المسمى بالعدالة فلذلك لا يرى الجاهل إلا مفرطا أو مفرطا كصاحب الغيرة فهو إما أن يفرط فيها فيخرج عن القانون الصحيح فيغار لا من موجب بل بالوهم و بالخيال و بالوسواس و إما أن يفرط فلا يبحث عن حال نسائه و لا يبالي ما صنعن و كلا الأمرين مذموم و المحمود الاعتدال .

و من كلام بعض الحكماء (2) إذا صح العقل التحم‏ (3) بالأدب كالتحام‏ (4) الطعام بالجسد الصحيح و إذا مرض العقل نبا عنه ما يستمع من الأدب كما يقي‏ء الممعود ما أكل من الطعام فلو آثر الجاهل أن يتعلم شيئا من الأدب لتحول ذلك الأدب جهلا كما يتحول ما خالط جوف المريض من طيب الطعام داء

____________

(1) الجربزة: الخب و المكر.

(2) ا: «و من كلام الحكماء» .

(3) ا «التأم» .

(4) ا: «كالتئام» .

217

*3069* 69 و من كلامه ع في أن نقص الكلام هو من تمام العقل‏

وَ قَالَ ع إِذَا تَمَّ اَلْعَقْلُ نَقَصَ اَلْكَلاَمُ (1) -. قد سبق القول في هذا المعنى .

و كان يقال إذا رأيتم الرجل‏ (1) يطيل الصمت و يهرب من الناس فاقربوا منه فإنه يلقى الحكمة

____________

(1) ا: «رجلا» .

218

*3070* 70 و من كلامه ع في الدهر و آثاره‏

وَ قَالَ ع اَلدَّهْرُ يُخْلِقُ اَلْأَبْدَانَ وَ يُجَدِّدُ اَلآْمَالَ وَ يُقَرِّبُ اَلْمَنِيَّةَ وَ يُبَاعِدُ اَلْأُمْنِيَّةَ مَنْ ظَفِرَ بِهِ نَصِبَ وَ مَنْ فَاتَهُ تَعِبَ (1) -. قد سبق لنا قول طويل عريض في ذكر الدهر و الدنيا و نذكر الآن شيئا آخر قال بعض الحكماء الدنيا تسر لتغر و تفيد لتكيد كم راقد في ظلها قد أيقظته و واثق بها قد خذلته بهذا الخلق عرفت و على هذا الشرط صوحبت .

و كتب الإسكندر إلى أرسطوطاليس عظني فكتب إليه إذا صفت لك السلامة فجدد ذكر العطب و إذا اطمأن بك الأمن فاستشعر الخوف و إذا بلغت نهاية الأمل فاذكر الموت و إذا أحببت نفسك فلا تجعل لها نصيبا في الإساءة و قال شاعر فأحسن‏

كأنك لم تسمع بأخبار من مضى # و لم تر بالباقين ما صنع الدهر

فإن كنت لا تدري فتلك ديارهم # عفاها محال الريح بعدك و القطر

و هل أبصرت عيناك حيا بمنزل # على الدهر إلا بالعراء له قبر

فلا تحسبن الوفر مالا جمعته # و لكن ما قدمت من صالح وفر

219

مضى جامعوا الأموال لم يتزودوا # سوى الفقر يا بؤسى لمن زاده الفقر

فحتام لا تصحو و قد قرب المدى # و حتام لا ينجاب عن قلبك السكر

بلى سوف تصحو حين ينكشف الغطا # و تذكر قولي حين لا ينفع الذكر

و ما بين ميلاد الفتى و وفاته # إذا انتصح الأقوام أنفسهم عمر (1)

لأن الذي يأتيه شبه الذي مضى # و ما هو إلا وقتك الضيق النزر

فصبرا على الأيام حتى تجوزها # فعما قليل بعدها يحمد الصبر

____________

(1) د غمر: «» .

غ

220

*3071* 71 و من كلامه ع في من نصب نفسه إماما و ماينبغي عليه‏

وَ قَالَ ع مَنْ نَصَبَ نَفْسَهُ لِلنَّاسِ إِمَاماً فَعَلَيْهِ أَنْ يَبْدَأَ فَلْيَبْدَأْ بِتَعْلِيمِ نَفْسِهِ قَبْلَ تَعْلِيمِ غَيْرِهِ وَ لْيَكُنْ تَأْدِيبُهُ بِسِيرَتِهِ قَبْلَ تَأْدِيبِهِ بِلِسَانِهِ وَ مُعَلِّمُ نَفْسِهِ وَ مُؤَدِّبُهَا أَحَقُّ بِالْإِجْلاَلِ مِنْ مُعَلِّمِ اَلنَّاسِ وَ مُؤَدِّبِهِمْ (1) -. الفروع تابعة للأصول فإذا كان الأصل معوجا استحال أن يكون الفرع مستقيما كما قال صاحب المثل و هل يستقيم الظل و العود أعوج فمن نصب نفسه للناس إماما و لم يكن قد علم نفسه ما انتصب ليعلمه الناس كان مثل من نصب نفسه ليعلم الناس الصياغة و النجارة و هو لا يحسن أن يصوغ خاتما و لا ينجر لوحا و هذا نوع من السفه بل هو السفه كله ثم قال ع و ينبغي أن يكون تأديبه لهم بفعله و سيرته قبل تأديبه لهم بلسانه‏ و ذلك لأن الفعل أدل على حال الإنسان من القول (2) - .

ثم قال و معلم نفسه و مؤدبها أحق بالإجلال من معلم الناس و مؤدبهم‏ و هذا حق لأن من علم نفسه محاسن الأخلاق أعظم قدرا ممن تعاطى تعليم الناس ذلك و هو غير عامل بشي‏ء منه فأما من علم نفسه و علم الناس فهو أفضل‏ (1) و أجل ممن اقتصر على تعليم نفسه فقط لا شبهة في ذلك‏

____________

(1) ا: «و أعظم» .

221

*3072* 72 و من كلامه ع في سرعة الأجل‏

وَ قَالَ ع نَفَسُ اَلْمَرْءِ خُطَاهُ إِلَى أَجَلِهِ (1) -. وجدت هذه الكلمة منسوبة إلى عبد الله بن المعتز في فصل أوله الناس وفد البلاء و سكان الثرى و أنفاس الحي خطاه إلى أجله و أمله خادع له عن عمله و الدنيا أكذب واعديه و النفس أقرب أعاديه و الموت ناظر إليه و منتظر فيه أمرا يمضيه فلا أدري هل هي لابن المعتز أم أخذها من 1أمير المؤمنين ع .

و الظاهر (1) أنها 1لأمير المؤمنين ع فإنها بكلامه أشبه و لأن الرضي قد رواها عنه و خبر العدل معمول به‏

____________

(1) ا: «و يظهر» .

222

*3073* 73 و من كلامه ع في فناء العالم و انقضائه‏

وَ قَالَ ع كُلُّ مَعْدُودٍ مُنْقَضٍ وَ كُلُّ مُتَوَقَّعٍ آتٍ (1) -. الكلمة الأولى تؤكد مذهب جمهور المتكلمين في أن العالم كله لا بد أن ينقضي و يفنى و لكن المتكلمين الذاهبين إلى هذا القول لا يقولون يجب أن يكون فانيا و منقضيا لأنه معدود فإن ذلك لا يلزم و من الجائز أن يكون معدودا و لا يجب فناؤه و لهذا قال أصحابنا إنما علمنا أن العالم يفنى عن طريق السمع لا من طريق العقل فيجب أن يحمل كلام 1أمير المؤمنين ع على ما يطابق ذلك و هو أنه ليس يعني أن العدد علة في وجوب الانقضاء كما يشعر به ظاهر لفظه و هو الذي يسميه أصحاب أصول الفقه إيماء و إنما مراده‏ (1) كل معدود فاعلموا أنه فان و منقض‏ فقد حكم على كل معدود بالانقضاء حكما مجردا عن العلة كما لو قيل زيد قائم ليس يعنى أنه قائم لأنه يسمى زيدا .

فأما قوله‏ و كل متوقع آت فيماثله قول العامة في أمثالها لو انتظرت القيامة لقامت و القول في نفسه حق لأن العقلاء لا ينتظرون ما يستحيل وقوعه و إنما ينتظرون ما يمكن وقوعه و ما لا بد من وقوعه فقد صح أن كل منتظر سيأتي‏

____________

(1) ا: «و مراده» .

223

*3074* 74 و من كلامه ع في استبهام الحال و لزوم اعتبار الأواخر بالأوائل‏

وَ قَالَ ع إِنَّ اَلْأُمُورَ إِذَا اِشْتَبَهَتْ اُعْتُبِرَ آخِرُهَا بِأَوَّلِهَا (1) -. روي إذا استبهمت و المعنى واحد و هو حق و ذلك أن المقدمات تدل على النتائج و الأسباب تدل على المسببات و طالما كان الشيئان ليسا علة و معلولا و إنما بينهما أدنى‏ (1) تناسب فيستدل بحال أحدهما على حال الآخر و إذا كان كذلك و اشتبهت أمور على العاقل الفطن و لم يعلم إلى ما ذا تئول فإنه يستدل على عواقبها بأوائلها و على خواتمها بفواتحها كالرعية ذات السلطان الركيك الضعيف السياسة إذا ابتدأت أمور مملكته تضطرب و استبهم على العاقل كيف يكون الحال في المستقبل فإنه يجب عليه أن يعتبر أواخرها بأوائلها و يعلم أنه سيفضي أمر ذلك الملك إلى انتشار و انحلال في مستقبل الوقت لأن الحركات الأولى منذرة بذلك و واعدة بوقوعه و هذا واضح‏

____________

(1) ا: «أقرب» .

224

*3075* 75 و من كلامه ع في عدم الاغترار بالدنيا

وَ مِنْ خَبَرِ ضِرَارِ بْنِ مْرَةَ اَلضَّابِيِّ حَمْزَةَ اَلضَّبَائِيِّ عِنْدَ دُخُولِهِ عَلَى مُعَاوِيَةَ وَ مَسْأَلَتِهِ لَهُ عَنْ 1أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ ع قَالَ فَأَشْهَدُ لَقَدْ رَأَيْتُهُ فِي بَعْضِ مَوَاقِفِهِ وَ قَدْ أَرْخَى اَللَّيْلُ سُدُولَهُ وَ هُوَ قَائِمٌ فِي مِحْرَابِهِ قَابِضٌ عَلَى لِحْيَتِهِ يَتَمَلْمَلُ تَمَلْمُلَ اَلسَّلِيمِ وَ يَبْكِي بُكَاءَ اَلْحَزِينِ وَ هُوَ يَقُولُ يَا دُنْيَا يَا دُنْيَا إِلَيْكِ عَنِّي أَ بِي تَعَرَّضْتِ أَمْ إِلَيَّ تَشَوَّفْتِ تَشَوَّقْتِ لاَ حَانَ حِينُكِ هَيْهَاتَ غُرِّي غَيْرِي لاَ حَاجَةَ لِي فِيكِ قَدْ طَلَّقْتُكِ ثَلاَثاً لاَ رَجْعَةَ فِيهَا فَعَيْشُكِ قَصِيرٌ وَ خَطَرُكِ يَسِيرٌ وَ أَمَلُكِ حَقِيرٌ آهِ مِنْ قِلَّةِ اَلزَّادِ وَ طُولِ اَلطَّرِيقِ وَ بُعْدِ اَلسَّفَرِ وَ عَظِيمِ اَلْمَوْرِدِ (1) -. السدول‏ جمع سديل و هو ما أسدل على الهودج و يجوز في جمعه أيضا أسدال و سدائل و هو هاهنا استعارة و التململ‏ و التملل أيضا عدم الاستقرار من المرض كأنه على ملة و هي الرماد الحار .

و السليم‏ الملسوع (2) - .

و يروى تشوقت بالقاف .

و قوله‏ لا حان حينك دعاء عليها أي لا حضر وقتك كما تقول لا كنت‏

225

1- فأما ضرار بن ضمرة فإن الرياشي روى خبره و نقلته أنا من كتاب عبد الله بن إسماعيل بن أحمد الحلبي في التذييل على نهج البلاغة قال دخل ضرار على معاوية و كان ضرار من صحابة 1علي ع فقال له معاوية يا ضرار صف لي 1عليا قال أ و تعفيني قال لا أعفيك قال ما أصف منه كان‏ (1) و الله شديد القوى بعيد المدى يتفجر العلم من أنحائه و الحكمة من أرجائه حسن المعاشرة سهل المباشرة خشن المأكل قصير الملبس غزير العبرة طويل الفكرة يقلب كفه و يخاطب نفسه و كان فينا كأحدنا يجيبنا إذا سألنا و يبتدئنا إذا سكتنا و نحن مع تقريبه لنا أشد ما يكون صاحب لصاحب هيبة لا نبتدئه الكلام لعظمته يحب المساكين و يقرب أهل الدين و أشهد لقد رأيته في بعض مواقفه .

.. و تمام الكلام مذكور في الكتاب .

و

1- ذكر أبو عمر بن عبد البر في كتاب الإستيعاب هذا الخبر فقال حدثنا عبد الله بن محمد بن يوسف قال حدثنا يحيى بن مالك بن عائد قال حدثنا أبو الحسن محمد بن محمد بن مقلة البغدادي بمصر و حدثنا أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد قال حدثنا العكلي عن الحرمازي عن رجل من همدان قال قال معاوية لضرار الضبابي (2) يا ضرار صف لي 1عليا قال اعفني يا 1أمير المؤمنين قال لتصفنه قال أما إذ لا بد من وصفه فكان و الله بعيد المدى شديد القوى يقول فصلا و يحكم عدلا يتفجر العلم من جوانبه و تنطق الحكمة من نواحيه يستوحش من الدنيا و زهرتها و يأنس بالليل و وحشته و كان‏ (3) غزير العبرة طويل الفكرة يعجبه من اللباس ما قصر و من الطعام ما خشن كان فينا كأحدنا يجيبنا إذا سألناه و ينبئنا إذا استفتيناه و نحن و الله

____________

(1) ب: «و كان» ، و الصواب ما أثبته.

(2) في الاستيعاب: «الصدائى» .

(3) من الاستيعاب.

226

مع تقريبه إيانا و قربه منا لا نكاد نكلمه هيبة له يعظم أهل الدين و يقرب المساكين لا يطمع القوي في باطله و لا ييئس الضعيف من عدله و أشهد لقد رأيته في بعض مواقفه و قد أرخى الليل سدوله و غارت نجومه قابضا على لحيته يتململ تململ السليم‏ (1) و يبكي بكاء الحزين و يقول يا دنيا غري غيري أ بي‏ (2) تعرضت أم إلي تشوقت هيهات هيهات قد باينتك ثلاثا لا رجعة لي فيها فعمرك قصير و خطرك حقير آه من قلة الزاد و بعد السفر و وحشة الطريق‏ فبكى معاوية و قال رحم الله 1أبا حسن كان و الله كذلك فكيف حزنك عليه يا ضرار قال حزن من ذبح ولدها في حجرها (3) .

____________

(1) السليم: اللديغ.

(2) الاستيعاب: «ألى» .

(3) الاستيعاب 1107، 1108، و هو أيضا في أمالي القالى 2: 147.

227

*3076* 76 و من كلامه ع في القضاء و القدر

وَ مِنْ كَلاَمِهِ كَلاَمٍ لَهُ ع لِلسَّائِلِ اَلشَّامِيِّ لَمَّا سَأَلَهُ أَ كَانَ مَسِيرُنَا إِلَى اَلشَّامِ بِقَضَاءٍ مِنَ اَللَّهِ وَ قَدَرِهِ قَدَرٍ بَعْدَ كَلاَمٍ طَوِيلٍ هَذَا مُخْتَارُهُ وَيْحَكَ لَعَلَّكَ ظَنَنْتَ قَضَاءً لاَزِماً وَ قَدَراً حَاتِماً لَوْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَبَطَلَ اَلثَّوَابُ وَ اَلْعِقَابُ وَ سَقَطَ اَلْوَعْدُ وَ اَلْوَعِيدُ إِنَّ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ أَمَرَ عِبَادَهُ تَخْيِيراً وَ نَهَاهُمْ تَحْذِيراً وَ كَلَّفَ يَسِيراً وَ لَمْ يُكَلِّفْ عَسِيراً وَ أَعْطَى عَلَى اَلْقَلِيلِ كَثِيراً وَ لَمْ يُعْصَ مَغْلُوباً وَ لَمْ يُطَعْ مُكْرِهاً وَ لَمْ يُرْسِلِ اَلْأَنْبِيَاءَ لَعِباً وَ لَمْ يُنْزِلِ اَلْكُتُبَ لِلْعِبَادِ عَبَثاً وَ لاَ خَلَقَ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضَ وَ مَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذََلِكَ ظَنُّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ اَلنََّارِ (1) - .

1- قد ذكر شيخنا أبو الحسين رحمه الله هذا الخبر في كتاب الغرر و رواه عن الأصبغ بن نباتة قال قام شيخ إلى 1علي ع فقال أخبرنا عن مسيرنا إلى الشام أ كان بقضاء الله و قدره فقال و الذي فلق الحبة و برأ النسمة ما وطئنا موطئا و لا هبطنا واديا إلا بقضاء الله و قدره فقال الشيخ فعند الله أحتسب عنائي ما أرى لي من الأجر شيئا فقال مه أيها الشيخ لقد عظم الله أجركم في مسيركم و أنتم سائرون و في منصرفكم و أنتم منصرفون و لم تكونوا في شي‏ء من حالاتكم مكرهين‏

228

و لا إليها مضطرين فقال الشيخ و كيف القضاء و القدر ساقانا فقال ويحك لعلك ظننت قضاء لازما و قدرا حتما لو كان ذلك كذلك لبطل الثواب و العقاب و الوعد و الوعيد و الأمر و النهي و لم تأت لائمة من الله لمذنب و لا محمدة لمحسن و لم يكن المحسن أولى بالمدح من المسي‏ء و لا المسي‏ء أولى بالذم من المحسن تلك مقالة عباد الأوثان و جنود الشيطان و شهود الزور و أهل العمى عن الصواب و هم قدرية هذه الأمة و مجوسها (1) - إن الله سبحانه أمر تخييرا و نهى تحذيرا و كلف يسيرا و لم يعص مغلوبا و لم يطع مكرها و لم يرسل الرسل إلى خلقه عبثا و لم يخلق السماوات‏ وَ اَلْأَرْضَ وَ مََا بَيْنَهُمََا بََاطِلاً ذََلِكَ ظَنُّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ اَلنََّارِ (1) فقال الشيخ فما القضاء و القدر اللذان ما سرنا إلا بهما فقال هو الأمر من الله و الحكم ثم تلا قوله سبحانه‏ وَ قَضى‏ََ رَبُّكَ أَلاََّ تَعْبُدُوا إِلاََّ إِيََّاهُ‏ (2) فنهض الشيخ مسرورا و هو يقول‏

أنت الإمام الذي نرجو بطاعته # يوم النشور من الرحمن رضوانا

أوضحت من ديننا ما كان ملتبسا # جزاك ربك عنا فيه إحسانا

.

ذكر ذلك أبو الحسين في بيان أن القضاء و القدر قد يكون بمعنى الحكم و الأمر و أنه من الألفاظ المشتركة

____________

(1) سورة ص 27.

(2) سورة الإسراء: 23.

229

*3077* 77 و من كلامه ع في الحكمة و عمن تؤخذ

وَ قَالَ ع خُذِ اَلْحِكْمَةَ أَنَّى كَانَتْ فَإِنَّ اَلْحِكْمَةَ تَكُونُ فِي صَدْرِ اَلْمُنَافِقِ فَتَلَجْلَجُ فِي صَدْرِهِ حَتَّى تَخْرُجَ فَتَسْكُنَ إِلَى صَوَاحِبِهَا فِي صَدْرِ اَلْمُؤْمِنِ: قَالَ اَلرَّضِيُّ رَحِمَهُ اَللَّهِ تَعَالَى وَ قَدْ قَالَ 1عَلِيٌّ ع فِي مِثْلِ ذَلِكَ: اَلْحِكْمَةُ ضَالَّةُ اَلْمُؤْمِنِ فَخُذِ اَلْحِكْمَةَ وَ لَوْ مِنْ أَهْلِ اَلنِّفَاقِ 80وَ قَالَ ع اَلْحِكْمَةُ ضَالَّةُ اَلْمُؤْمِنِ فَخُذِ اَلْحِكْمَةَ وَ لَوْ مِنْ أَهْلِ اَلنِّفَاقِ (1) - . خطب الحجاج فقال إن الله أمرنا بطلب الآخرة و كفانا مئونة الدنيا فليتنا كفينا مئونة الآخرة و أمرنا بطلب الدنيا .

فسمعها الحسن فقال هذه ضالة المؤمن خرجت من قلب المنافق .

و كان سفيان الثوري يعجبه كلام أبي حمزة الخارجي و يقول ضالة المؤمن على لسان المنافق تقوى الله أكرم سريرة و أفضل ذخيرة منها ثقة الواثق و عليها مقة الوامق ليعمل كل امرئ في مكان نفسه و هو رخي اللبب طويل السبب ليعرف ممد يده و موضع قدمه و ليحذر الزلل و العلل المانعة من العمل رحم الله عبدا آثر التقوى و استشعر شعارها و اجتنى ثمارها باع دار البقاء بدار الآباد الدنيا كروضة يونق مرعاها و تعجب من رآها تمج عروقها الثرى و تنطف فروعها بالندى حتى إذا بلغ العشب إناه و انتهى الزبرج منتهاه ضعف العمود و ذوي العود و تولى من الزمان ما لا يعود فحتت الرياح الورق و فرقت ما كان اتسق فأصبحت هشيما و أمست رميما

230

*3078* 78 و من كلامه ع في فضل العلم‏

وَ قَالَ ع قِيمَةُ كُلِّ اِمْرِئٍ مَا يُحْسِنُهُ. قال الرضي رحمه الله تعالى و هذه الكلمة التي لا تصاب لها قيمة و لا توزن بها حكمة و لا تقرن إليها كلمة (1) - قد سلف لنا في فضل العلم أقوال شافية و نحن نذكر هاهنا نكتا أخرى .

يقال إن من كلام أردشير بن بابك في رسالته إلى أبناء الملوك بحسبكم دلالة على فضل العلم أنه ممدوح بكل لسان يتزين به غير أهله و يدعيه من لا يلصق به قال و بحسبكم دلالة على عيب الجهل أن كل أحد ينتفي منه و يغضب أن يسمى به .

و قيل لأنوشروان ما بالكم لا تستفيدون من العلم شيئا إلا زادكم ذلك عليه حرصا قال لأنا لا نستفيد منه شيئا إلا ازددنا به رفعة و عزا و قيل له ما بالكم لا تأنفون من التعلم من كل أحد قال لعلمنا بأن العلم نافع من حيث أخذ .

و قيل لبزرجمهر بم أدركت ما أدركت من العلم قال ببكور كبكور الغراب و حرص كحرص الخنزير و صبر كصبر الحمار .

و قيل له العلم أفضل أم المال فقال العلم قيل فما بالنا نرى أهل العلم على‏

231

أبواب أهل المال أكثر مما نرى أصحاب الأموال على أبواب العلماء قال ذاك أيضا عائد إلى العلم و الجهل و إنما كان كما رأيتم لعلم العلماء بالحاجة إلى المال و جهل أصحاب المال بفضيلة العلم .

و قال الشاعر

تعلم فليس المرء يخلق عالما # و ليس أخو علم كمن هو جاهل

و إن كبير القوم لا علم عنده # صغير إذا التفت عليه المحافل‏

232

*3079* 79 و من كلامه ع في مكارم الأخلاق و بعض الوصايا

وَ قَالَ ع أُوصِيكُمْ بِخَمْسٍ لَوْ ضَرَبْتُمْ إِلَيْهَا آبَاطَ اَلْإِبِلِ لَكَانَتْ لِذَلِكَ أَهْلاً لاَ يَرْجُوَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ إِلاَّ رَبَّهُ وَ لاَ يَخَافَنَّ إِلاَّ ذَنْبَهُ وَ لاَ يَسْتَحِيَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ إِذَا سُئِلَ عَمَّا لاَ يَعْلَمُ أَنْ يَقُولَ لاَ أَعْلَمُ وَ لاَ يَسْتَحِيَنَّ أَحَدٌ إِذَا لَمْ يَعْلَمِ اَلشَّيْ‏ءَ أَنْ يَتَعَلَّمَهُ وَ عَلَيْكُمْ بِالصَّبْرِ فَإِنَّ اَلصَّبْرَ مِنَ اَلْإِيمَانِ كَالرَّأْسِ مِنَ اَلْجَسَدِ وَ لاَ خَيْرَ فِي جَسَدٍ لاَ رَأْسَ مَعَهُ وَ لاَ خَيْرَ فِي إِيمَانٍ لاَ صَبْرَ مَعَهُ (1) -. قد تقدم الكلام في جميع الحكم المنطوي عليها هذا الفصل و قال أبو العتاهية

و الله لا أرجو سواك # و لا أخاف سوى ذنوبي

فاغفر ذنوبي يا رحيم # فأنت ستار العيوب (2) -.

و كان يقال من استحيا من قول لا أدري كان كمن يستحيي من كشف ركبته ثم يكشف سوءته و ذلك لأن من امتنع من قول لا أدري و أجاب بالجهل و الخطإ فقد واقع ما يجب في الحقيقة أن يستحيا منه و كف عما ليس بواجب أن يستحيا منه فكان شبيها بما ذكرناه في الركبة و العورة .

و كان يقال يحسن بالإنسان التعلم ما دام يقبح منه الجهل و كما يقبح منه الجهل ما دام حيا كذلك يحسن به التعلم ما دام حيا (3) - .

و أما الصبر فقد سبق فيه كلام مقنع و سيأتي فيما بعد جملة من ذلك‏

233

*3080* 80 و من كلامه ع في مدح الإنسان في وجهه‏

وَ قَالَ ع لِرَجُلٍ أَفْرَطَ فِي اَلثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَ كَانَ لَهُ مُتَّهِماً أَنَا دُونَ مَا تَقُولُ وَ فَوْقَ مَا فِي نَفْسِكَ (1) -. قد سبق منا قول مقنع في كراهية مدح الإنسان في وجهه .

و كان عمر جالسا و عنده الدرة إذ أقبل الجارود العبدي فقال رجل هذا الجارود سيد ربيعة فسمعها عمر و من حوله و سمعها الجارود فلما دنا منه خفقه بالدرة فقال ما لي و لك يا أمير المؤمنين قال ما لي و لك أما لقد سمعتها قال و ما سمعتها فمه قال ليخالطن قلبك منها شي‏ء و أنا أحب أن أطأطئ منك .

و قالت الحكماء إنه يحدث للممدوح في وجهه أمران مهلكان أحدهما الإعجاب بنفسه و الثاني إذا أثني عليه بالدين أو العلم فتر و قل اجتهاده و رضي عن نفسه و نقص تشميره و جده في طلب العلم و الدين فإنه إنما يتشمر من رأى نفسه مقصرا فأما من أطلقت الألسن بالثناء عليه فإنه يظن أنه قد وصل و أدرك فيقل اجتهاده و يتكل على ما قد حصل له عند الناس و لهذا

14- قال 14النبي ص لمن مدح‏

234

إنسانا كاد يسمعه ويحك قطعت عنق صاحبك لو سمعها لما أفلح.

فأما قوله ع له و فوق ما في نفسك‏ فإنه إنما أراد أن ينبهه على أنه قد عرف أنه كان يقع فيه و ينحرف عنه و إنما أراد تعريفه ذلك لما رآه من المصلحة إما لظنه أنه يقلع عما كان يذمه به أو ليعلمه بتعريفه أنه قد عرف ذلك أو ليخوفه و يزجره أو لغير ذلك‏

235

*3081* 81 و من كلامه ع في بقية السيف‏

وَ قَالَ ع بَقِيَّةُ اَلسَّيْفِ أَنْمَى أَبْقَى عَدَداً وَ أَكْثَرُ وَلَداً (1) -. قال شيخنا أبو عثمان ليته لما ذكر الحكم ذكر العلة .

ثم قال قد وجدنا مصداق قوله في أولاده و أولاد الزبير و بني المهلب و أمثالهم ممن أسرع القتل فيهم .

و أتي زياد بامرأة من الخوارج فقال لها أما و الله لأحصدنكم حصدا و لأفنينكم عدا فقالت كلا إن القتل ليزرعنا فلما هم بقتلها تسترت بثوبها فقال اهتكوا سترها لحاها الله‏ (1) فقالت إن الله لا يهتك ستر أوليائه و لكن التي هتك‏ (2) سترها على يد ابنها سمية فقال عجلوا قتلها أبعدها الله فقتلت‏

____________

(1) لحاه اللّه، أي قبحة و لعنة.

(2) ا: «هتكت» .

236

*3082* 82 و من كلامه ع في قول لا أدري لمن سأله‏

وَ قَالَ ع مَنْ تَرَكَ قَوْلَ لاَ أَدْرِي أُصِيبَتْ مَقَاتِلُهُ (1) -. جاءت امرأة إلى بزرجمهر فسألته عن مسألة فقال لا أدري فقالت أ يعطيك الملك كل سنة كذا كذا و تقول لا أدري فقال إنما يعطيني الملك على ما أدري و لو أعطاني على ما لا أدري لما كفاني بيت ماله .

و كان يقول قول لا أعلم نصف العلم .

و قال بعض الفضلاء إذا قال لنا إنسان لا أدري‏ علمناه حتى يدري و إن قال أدري امتحناه حتى لا يدري‏

237

*3083* 83 و من كلامه ع في الأخذ بقول الشيخ وترك رأي الغلام‏

وَ قَالَ ع رَأْيُ اَلشَّيْخِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ جَلَدِ اَلْغُلاَمِ وَ يُرْوَى رُوِيَ مِنْ مَشْهَدِ اَلْغُلاَمِ (1) -. إنما قال كذلك لأن الشيخ كثير التجربة فيبلغ من العدو برأيه ما لا يبلغ بشجاعته الغلام الحدث غير المجرب لأنه قد يغرر بنفسه فيهلك و يهلك أصحابه و لا ريب أن الرأي مقدم على الشجاعة و لذلك قال أبو الطيب

الرأي قبل شجاعة الشجعان # هو أول و هي المحل الثاني‏ (1)

فإذا هما اجتمعا لنفس مرة # بلغت من العلياء كل مكان‏ (2)

و لربما طعن الفتى أقرانه # بالرأي قبل تطاعن الأقران

لو لا العقول لكان أدنى ضيغم # أدنى إلى شرف من الإنسان

و لما تفاضلت الرجال و دبرت # أيدي الكماة عوالي المران.

و من وصايا أبرويز إلى ابنه شيرويه لا تستعمل على جيشك غلاما غمرا ترفا قد كثر إعجابه بنفسه و قلت تجاربه في غيره و لا هرما كبيرا مدبرا قد أخذ الدهر من عقله كما أخذت السن من جسمه و عليك بالكهول ذوي الرأي .

____________

(1) ديوانه 4: 174، 175.

(2) النفس المرة: القوية الشديدة. من قوله تعالى‏ «ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى‏ََ» .

238

و قال لقيط بن يعمر الإيادي في هذا المعنى‏

و قلدوا أمركم لله دركم # رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا (1)

لا مترفا إن رخاء العيش ساعده # و لا إذا عض مكروه به خشعا (2)

ما زال يحلب هذا الدهر أشطره # يكون متبعا طورا و متبعا (3)

حتى استمر على شزر مريرته # مستحكم الرأي لا قحما و لا ضرعا (4)

____________

(1) مختارات ابن الشجرى 1: 5. مضطلعا، من الضلاعة؛ و هي القوّة.

(2) خشع، أي خضع للأمر.

(3) ابن الشجرى: «ما انفك يحلب» :

(4) الشزر: فتل الحبل ممّا يلي اليسار و القحم: الشيخ الكبير السن الهم. و الضرع: الرجل الضعيف.

239

*3084* 84 و من كلامه ع في ذم القنوط لمن ملك الاستغفار

وَ قَالَ ع عَجِبْتُ لِمَنْ يَقْنَطُ وَ مَعَهُ اَلاِسْتِغْفَارُ (1) -. قالوا الاستغفار حوارس الذنوب .

و قال بعضهم العبد بين ذنب و نعمة لا يصلحهما إلا الشكر و الاستغفار .

و قال الربيع بن خثعم (1) لا يقولن أحدكم أستغفر الله و أتوب إليه فيكون ذنبا و كذبا إن لم يفعل و لكن ليقل‏اللهم اغفر لي و تب علي.

و قال الفضيل الاستغفار بلا إقلاع‏ (2) توبة الكذابين .

و قيل من قدم الاستغفار على الندم كان مستهزئا بالله و هو لا يعلم‏

____________

(1) كذا في ا، و في ب: «خثبم» .

(2) الإقلاع: ترك الذنوب.

240

*3085* 85 و من كلامه ع في أن الاستغفار أمان لأهل الأرض‏

وَ حَكَى عَنْهُ 5أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ اَلْبَاقِرُ ع أَنَّهُ كَانَ ع قَالَ كَانَ فِي اَلْأَرْضِ أَمَانَانِ مِنْ عَذَابِ اَللَّهِ وَ قَدْ رُفِعَ أَحَدُهُمَا فَدُونَكُمُ اَلْآخَرَ فَتَمَسَّكُوا بِهِ أَمَّا اَلْأَمَانُ اَلَّذِي رُفِعَ فَهُوَ 14رَسُولُ اَللَّهِ ص وَ أَمَّا اَلْأَمَانُ اَلْبَاقِي فَالاِسْتِغْفَارُ قَالَ اَللَّهُ تَعَالَى‏ وَ مََا كََانَ اَللََّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ وَ مََا كََانَ اَللََّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ‏ (1) . قال الرضي رحمه الله تعالى و هذا من محاسن الاستخراج و لطائف الاستنباط (1) - قال قوم من المفسرين‏ وَ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ في موضع الحال و المراد نفي الاستغفار عنهم أي لو كانوا ممن يستغفرون لما عذبهم و هذا مثل قوله تعالى‏ وَ مََا كََانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ اَلْقُرى‏ََ بِظُلْمٍ وَ أَهْلُهََا مُصْلِحُونَ‏ (2) فكأنه قال لكنهم لا يستغفرون فلا انتفاء للعذاب عنهم .

و قال قوم معناه و ما كان الله معذبهم و فيهم من يستغفروهم المسلمون بين أظهرهم ممن تخلف عن 14رسول الله ص (3) من المستضعفين‏ (3) .

____________

(1) سورة الأنفال 33.

(2) سورة هود 711.

(3-3) ساقط من ا.

241

ثم قال‏ وَ مََا لَهُمْ أَلاََّ يُعَذِّبَهُمُ اَللََّهُ‏ (1) أي و لأي سبب لا يعذبهم الله مع وجود ما يقتضي العذاب و هو صدهم المسلمين و 14الرسول عن البيت في‏و هذا يدل على أن ترتيب القرآن ليس على ترتيب الوقائع و الحوادث لأن سورة الأنفال نزلت عقيب‏في السنة الثانية من الهجرة و صد 14الرسول ص عن البيت كان في السنة السادسة فكيف يجعل آية نزلت في السنة السادسة في سورة نزلت في السنة الثانية .

و في القرآن كثير من ذلك و إنما رتبه قوم من الصحابة في أيام عثمان

____________

(1) سورة الأنفال 34.

242

*3086* 86 و من كلامه ع في من أصلح بينه و بين الله و آثاره و من كان له من نفسه واعظ

وَ قَالَ ع مَنْ أَصْلَحَ مَا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ اَللَّهِ أَصْلَحَ اَللَّهُ مَا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ اَلنَّاسِ وَ مَنْ أَصْلَحَ أَمْرَ آخِرَتِهِ أَصْلَحَ اَللَّهُ أَمْرَ دُنْيَاهُ وَ مَنْ كَانَ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ وَاعِظٌ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ اَللَّهِ حَافِظٌ (1) -. مثل الكلمة الأولى قولهم رضا المخلوقين عنوان رضا الخالق

14- و جاء في الحديث المرفوع ما من وال رضي الله عنه إلا أرضى عنه رعيته (2) -.

و مثل الكلمة الثانية دعاء بعضهم في قوله‏

أنا شاكر أنا مادح أنا حامد # أنا خائف أنا جائع أنا عار

هي ستة و أنا الضمين بنصفها # فكن الضمين بنصفها يا باري.

و مثل الكلمة الثالثة قوله تعالى‏ إِنَّ اَللََّهَ مَعَ اَلَّذِينَ اِتَّقَوْا وَ اَلَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ‏ (1)

____________

(1) سورة النحل 128.

243

*3087* 87 و من كلامه ع في من يقال له الفقيه‏

وَ قَالَ ع اَلْفَقِيهُ كُلُّ اَلْفَقِيهِ مَنْ لَمْ يُقَنِّطِ اَلنَّاسَ مِنْ رَحْمَةِ اَللَّهِ وَ لَمْ يُؤْيِسْهُمْ مِنْ رَوْحِ اَللَّهِ وَ لَمْ يُؤْمِنْهُمْ مِنْ مَكْرِ اَللَّهِ (1) -. قل موضع من الكتاب العزيز يذكر فيه الوعيد إلا و يمزجه بالوعد مثل أن يقول‏ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ اَلْعِقََابِ ثم يقول‏ وَ إِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ و الحكمة تقتضي هذا ليكون المكلف مترددا بين الرغبة و الرهبة .

و يقولون في الأمثال المرموزة لقي موسى و هو ضاحك مستبشر عيسى و هو كالح قاطب فقال عيسى ما لك كأنك آمن من عذاب الله فقال موسى ع ما لك كأنك آيس من روح الله فأوحى الله إليهما موسى أحبكما إلي شعارا فإني عند حسن ظن عبدي بي .

و اعلم أن أصحابنا و إن قالوا بالوعيد فإنهم لا يؤيسون أحدا و لا يقنطونه من رحمة الله و إنما يحثونه على التوبة و يخوفونه إن مات من غير توبة و بحق ما قال شيخنا أبو الهذيل لو لا مذهب الإرجاء لما عصي الله في الأرض و هذا لا ريب فيه فإن أكثر العصاة إنما يعولون على الرحمة و قد اشتهر

244

و استفاض بين الناس أن الله تعالى يرحم المذنبين فإنه و إن كان هناك عقاب فأوقاتا معدودة ثم يخرجون إلى الجنة و النفوس تحب الشهوات العاجلة فتهافت الناس على المعاصي و بلوغ الشهوات و المآرب معولين على ذلك فلو لا قول المرجئة و ظهوره بين الناس لكان العصيان إما معدوما أو قليلا جدا

245

*3088* 88 و من كلامه ع في أوضح العلم و أرفعه‏

وَ قَالَ ع أَوْضَعُ اَلْعِلْمِ مَا وُقِفَ عَلَى اَللِّسَانِ وَ أَرْفَعُهُ مَا ظَهَرَ فِي اَلْجَوَارِحِ وَ اَلْأَرْكَانِ (1) -. هذا حق لأن العالم إذا لم يظهر من علمه إلا لقلقة لسانه من غير أن تظهر منه العبادات كان عالما ناقصا فأما إذا كان يفيد الناس بألفاظه و منطقه ثم يشاهده الناس على قدم عظيمة من العبادة فإن النفع يكون به عاما تاما و ذلك لأن الناس يقولون لو لم يكن يعتقد حقيقة ما يقوله لما أدأب نفسه هذا الدأب .

و أما الأول فيقولون فيه كل ما يقوله نفاق و باطل لأنه لو كان يعتقد حقيقة (1) ما يقول لأخذ به و لظهر ذلك في حركاته فيقتدون بفعله لا بقوله فلا يشتغل‏ (2) أحد منهم بالعبادة و لا يهتم بها

____________

(1) د: «أحقية» .

(2) ا: «يشتغلون» .

246

*3089* 89 و من كلامه ع في رفع الملل عن القلوب بابتغاء طرائف الحكمة

وَ قَالَ ع إِنَّ هَذِهِ اَلْقُلُوبَ تَمَلُّ كَمَا تَمَلُّ اَلْأَبْدَانُ فَابْتَغُوا لَهَا طَرَائِفَ اَلْحِكْمَةِ اَلْحِكَمِ (1) - . لو قال إنها تمل كما تمل الأبدان فأحمضوا (1) كما نقل عن غيره لحمل ذلك على أنه أراد نقلها إلى الفكاهات و الأخبار و الأشعار و لكنه لم يقل ذلك و لكن قال‏ فابتغوا لها طرائف الحكمة فوجب أن يحمل كلامه ع على أنه أراد أن القلوب تمل من الأنظار العقلية في البراهين الكلامية على التوحيد و العدل فابتغوا لها عند ملالها طرائف الحكمة أي الأمثال الحكمية الراجعة إلى الحكمة الخلقية كما نحن ذاكروه في كثير من فصول هذا الباب مثل مدح الصبر و الشجاعة و الزهد و العفة و ذم الغضب و الشهوة و الهوى و ما يرجع إلى سياسة الإنسان نفسه و ولده و منزله و صديقه و سلطانه و نحو ذلك فإن هذا علم آخر و فن آخر لا تحتاج القلوب فيه إلى فكر و استنباط فتتعب و تكل بترادف النظر و التأمل عليها و فيه أيضا لذة عظيمة للنفس .

و قد جاء في إجمام النفس كثير .

قال بعضهم روحوا القلوب برواتع‏ (2) الذكر .

____________

(1) يقال: أحمض القوم إحماضا؛ إذا أفاضوا فيما يؤنسهم من الحديث و الكلام، كما يقال: فكه و متفكه.

(2) د: «تعى» .

247

17- و عن سلمان الفارسي أنا أحتسب نومتي كما أحتسب قومتي.

و قال عمر بن عبد العزيز إن نفسي راحلتي إن كلفتها فوق طاقتها انقطعت بي .

و قال بعضهم روحوا الأذهان كما تروحوا الأبدان .

و قال أردشير بن بابك إن للآذان مجة و للقلوب ملة ففرقوا بين الحكمتين‏ (1) بلهو يكن ذلك استجماما

____________

(1) د: «الحكمين» .

248

*3090* 90 و من كلامه ع في الفتنة

وَ قَالَ ع لاَ يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ اَللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ اَلْفِتْنَةِ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ إِلاَّ وَ هُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى فِتْنَةٍ وَ لَكِنْ مَنِ اِسْتَعَاذَ فَلْيَسْتَعِذْ مِنْ مُضِلاَّتِ [مَضَلاَّتِ‏] اَلْفِتَنِ فَإِنَّ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ يَقُولُ‏ وَ اِعْلَمُوا أَنَّمََا أَمْوََالُكُمْ وَ أَوْلاََدُكُمْ فِتْنَةٌ وَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ يَخْتَبِرُ عِبَادَهُ بِالْأَمْوَالِ وَ اَلْأَوْلاَدِ لِيَتَبَيَّنَ اَلسَّاخِطَ لِرِزْقِهِ وَ اَلرَّاضِيَ بِقِسْمِهِ وَ إِنْ كَانَ سُبْحَانَهُ أَعْلَمَ بِهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ لَكِنْ لِتَظْهَرَ اَلْأَفْعَالُ اَلَّتِي بِهَا يُسْتَحَقُّ اَلثَّوَابُ وَ اَلْعِقَابُ لِأَنَّ بَعْضَهُمْ يُحِبُّ اَلذُّكُورَ وَ يَكْرَهُ اَلْإِنَاثَ وَ بَعْضَهُمْ يُحِبُّ تَثْمِيَر اَلْمَالِ وَ يَكْرَهُ اِنْثِلاَمَ اَلْحَالِ. قال الرضي رحمه الله تعالى و هذا من غريب ما سمع منه ع في التفسير (1) - الفتنة لفظ مشترك فتارة تطلق على الجائحة و البلية تصيب الإنسان تقول قد افتتن زيد و فتن فهو مفتون إذا أصابته مصيبة فذهب ماله أو عقله أو نحو ذلك قال تعالى‏ إِنَّ اَلَّذِينَ فَتَنُوا اَلْمُؤْمِنِينَ وَ اَلْمُؤْمِنََاتِ‏ (1) يعني الذين عذبوهم بمكة ليرتدوا عن الإسلام و تارة تطلق على الاختبار و الامتحان يقال فتنت الذهب إذا أدخلته النار لتنظر ما جودته و دينار مفتون و تارة تطلق على الإحراق قال تعالى

____________

(1) سورة البروج 10.

249

يَوْمَ هُمْ عَلَى اَلنََّارِ يُفْتَنُونَ‏ (1) و ورق مفتون أي فضة محرقة و يقال للحرة فتين كأن حجارتها محرقة و تارة تطلق على الضلال يقال رجل فاتن و مفتن أي مضل عن الحق جاء ثلاثيا و رباعيا قال تعالى‏ مََا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفََاتِنِينَ `إِلاََّ مَنْ هُوَ صََالِ اَلْجَحِيمِ‏ (2) أي بمضلين و قرأ قوم مفتنين فمن قال إني أعوذ بك من الفتنة و أراد الجائحة أو الإحراق أو الضلال فلا بأس بذلك و إن أراد الاختبار و الامتحان فغير جائز لأن الله تعالى أعلم بالمصلحة و له أن يختبر عباده لا ليعلم حالهم بل ليعلم بعض عباده حال بعض و عندي أن أصل اللفظة هو الاختبار و الامتحان و أن الاعتبارات الأخرى راجعة إليها و إذا تأملت علمت صحة ما ذكرناه‏

____________

(1) سورة الذاريات 13.

(2) سورة الصافّات 162، 163.

250

*3091* 91 و من كلامه ع في بيان معنى الخير

وَ سُئِلَ عَنِ اَلْخَيْرِ مَا هُوَ فَقَالَ لَيْسَ اَلْخَيْرُ [اَلْخَيْرَ] أَنْ يَكْثُرَ مَالُكَ وَ وَلَدُكَ وَ لَكِنَّ اَلْخَيْرَ أَنْ يَكْثُرَ عِلْمُكَ وَ أَنْ يَعْظُمَ حِلْمُكَ وَ أَنْ تُبَاهِيَ اَلنَّاسَ بِعِبَادَةِ رَبِّكَ فَإِنْ أَحْسَنْتَ حَمِدْتَ اَللَّهَ وَ إِنْ أَسَأْتَ اِسْتَغْفَرْتَ اَللَّهَ وَ لاَ خَيْرَ فِي اَلدُّنْيَا إِلاَّ لِرَجُلَيْنِ رَجُلٍ أَذْنَبَ ذُنُوباً فَهُوَ يَتَدَارَكُهَا بِالتَّوْبَةِ وَ رَجُلٍ يُسَارِعُ فِي اَلْخَيْرَاتِ وَ لاَ يَقِلُّ عَمَلٌ مَعَ اَلتَّقْوَى وَ كَيْفَ يَقِلُّ مَا يُتَقَبَّلُ (1) -. قد قال الشاعر لهذا المعنى‏

ليس السعيد الذي دنياه تسعده # بل السعيد الذي ينجو من النار (2) - .

قوله ع‏ و لا يقل عمل مع التقوى أي مع اجتناب الكبائر لأنه لو كان موقعا لكبيرة لما تقبل منه عمل أصلا على قول أصحابنا فوجب أن يكون المراد بالتقوى اجتناب الكبائر فأما مذهب المرجئة فإنهم يحملون التقوى‏ هاهنا على الإسلام لأن المسلم عندهم تتقبل أعماله و إن كان مواقعا للكبائر .

فإن قلت فهل يجوز حمل لفظة التقوى‏ على حقيقتها و هي الخوف قلت لا أما على مذهبنا فلأن من يخاف الله و يواقع الكبائر لا تتقبل أعماله‏

251

و أما مذهب المرجئة فلأن من يخاف الله من مخالفي ملة الإسلام لا تتقبل أعماله فثبت أنه لا يجوز حمل التقوى هاهنا على الخوف .

فإن قلت من هو مخالف لملة الإسلام لا يخاف الله لأنه لا يعرفه .

قلت لا نسلم بل يجوز أن يعرف الله بذاته و صفاته كما نعرفه نحن و يجحد النبوة لشبهة وقعت له فيها فلا يلزم من جحد النبوة عدم معرفة الله تعالى‏

252

*3092* 92 و من كلامه ع في أولى الناس بالأنبياء

وَ قَالَ ع إِنَّ أَوْلَى اَلنَّاسِ بِالْأَنْبِيَاءِ أَعْلَمُهُمْ بِمَا جَاءُوا بِهِ ثُمَّ تَلاَ ع إِنَّ أَوْلَى اَلنََّاسِ بِإِبْرََاهِيمَ لَلَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ وَ هََذَا 14اَلنَّبِيُّ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا اَلآْيَةَ ثُمَّ قَالَ ع إِنَّ وَلِيَّ 14مُحَمَّدٍ مَنْ أَطَاعَ اَللَّهَ وَ إِنْ بَعُدَتْ لُحْمَتُهُ وَ إِنَّ عَدُوَّ 14مُحَمَّدٍ مَنْ عَصَى اَللَّهَ وَ إِنْ قَرُبَتْ قَرَابَتُهُ (1) -. هكذا الرواية أعلمهم‏ و الصحيح أعملهم لأن استدلاله بالآية يقتضي ذلك و كذا قوله فيما بعد إن ولي 14محمد من أطاع الله‏ ... إلى آخر الفصل فلم يذكر العلم و إنما ذكر العمل و اللحمة بالضم النسب و القرابة و هذا مثل

14- الحديث المرفوع ايتوني بأعمالكم و لا تأتوني بأنسابكم‏ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اَللََّهِ أَتْقََاكُمْ .

14- و في الحديث الصحيح يا 15فاطمة بنت محمد إني لا أغني عنك من الله شيئا.

6,14- قال رجل 6لجعفر بن محمد ع أ رأيت 14قوله ص إن 15فاطمة أحصنت فرجها فحرم الله ذريتها على النار أ ليس هذا أمانا لكل فاطمي في الدنيا فقال إنك لأحمق إنما أراد 2حسنا و 3حسينا لأنهما من لحمة أهل البيت فأما من عداهما فمن قعد به عمله لم ينهض به نسبه .

253

*3093* 93 و من كلامه ع في التعرض للعبادة مع الجهل بالمعبود

وَ سَمِعَ ع رَجُلاً مِنَ اَلْحَرُورِيَّةِ يَتَهَجَّدُ وَ يَقْرَأُ فَقَالَ نَوْمٌ عَلَى يَقِينٍ خَيْرٌ مِنْ صَلاَةٍ عَلَى شَكٍّ (1) -. هذا نهي عن التعرض للعبادة مع الجهل بالمعبود كما يصنع اليوم كثير من الناس و يظنون أنهم خير الناس و العقلاء الألباء من الناس يضحكون منهم و يستهزءون بهم و الحرورية الخوارج و قد سبق القول فيهم و في نسبتهم إلى حروراء (1) .

يقول ع ترك التنفل بالعبادات مع سلامة العقيدة الأصلية خير من الاشتغال بالنوافل و أوراد الصلاة مع عدم العلم و هو المعني بقوله في شك‏ فإذا كان عدم التنفل خيرا من التنفل مع الشك فهو مع الجهل المحض و هو الاعتقاد الفاسد أولى بأن يكون‏

____________

(1) حروراء: قرية بظاهر الكوفة، نزل بها الخوارج الذين خالفوا عليّ بن أبي طالب؛ و بها كان أول تحكيمهم و اجتماعهم حين خالفوا عليه» .

254

*3094* 94 و من كلامه ع في الاقتصار على السماع دون الرواية إذا لم يكن عن الخبر عن تعقل و دراية

وَ قَالَ ع اِعْقِلُوا اَلْخَبَرَ إِذَا سَمِعْتُمُوهُ عَقْلَ رِعَايَةٍ لاَ عَقْلَ رِوَايَةٍ فَإِنَّ رُوَاةَ اَلْعِلْمِ كَثِيرٌ وَ رُعَاتَهُ قَلِيلٌ (1) -. نهاهم ع عن أن يقتصروا إذا سمعوا منه أو من غيره أطرافا (1) من العلم و الحكمة على أن يرووا ذلك رواية كما يفعله اليوم المحدثون و كما يقرأ أكثر الناس القرآن دراسة و لا يدري من معانيه إلا اليسير .

و أمرهم أن يعقلوا ما يسمعونه عقل رعاية أي معرفة و فهم .

ثم قال لهم‏ إن رواة العلم كثير و رعاته قليل أي من يراعيه و يتدبره و صدق ع‏

____________

(1) ا: «طرفا» .

255

*3095* 95 و من كلامه ع في من قال إنا لله و إنا إليه راجعون‏

وَ قَالَ ع وَ قَدْ سَمِعَ رَجُلاً يَقُولُ‏ إِنََّا لِلََّهِ وَ إِنََّا إِلَيْهِ رََاجِعُونَ -فَقَالَ إِنَّ قَوْلَنَا إِنََّا لِلََّهِ إِقْرَارٌ عَلَى أَنْفُسِنَا بِالْمُلْكِ وَ قَوْلَنَا وَ إِنََّا إِلَيْهِ رََاجِعُونَ إِقْرَارٌ عَلَى أَنْفُسِنَا بِالْهُلْكِ (1) -. قوله‏ إِنََّا لِلََّهِ اعتراف بأنا مملوكون لله و عبيد له لأن هذه اللام لام التمليك كما تقول الدار لزيد فأما قوله‏ وَ إِنََّا إِلَيْهِ رََاجِعُونَ فهو إقرار و اعتراف بالنشور و القيامة لأن هذا هو معنى الرجوع إليه سبحانه و اقتنع 1أمير المؤمنين عن التصريح بذلك فذكر الهلك فقال إنه إقرار على أنفسنا بالهلك لأن هلكنا مفض إلى رجوعنا يوم القيامة إليه سبحانه فعبر بمقدمة الشي‏ء عن الشي‏ء نفسه كما يقال الفقر الموت و الحمى الموت و نحو ذلك .

و يمكن أن يفسر ذلك على قول مثبتي النفس الناطقة بتفسير آخر فيقال إن النفس ما دامت في أسر تدابير البدن فهي بمعزل عن مبادئها لأنها مشتغلة مستغرقة بغير ذلك فإذا مات البدن رجعت النفس إلى مبادئها فقوله‏ وَ إِنََّا إِلَيْهِ رََاجِعُونَ‏ (1) إقرار بما لا يصح الرجوع بهذا التفسير إلا معه و هو الموت المعبر عنه بالهلك‏

____________

(1) سورة البقرة 156.

256

*3096* 96 و من كلامه ع في مدح الإنسان في وجهه‏

وَ قَالَ ع وَ مَدَحَهُ قَوْمٌ فِي وَجْهِهِ‏اَللَّهُمَّ إِنَّكَ أَعْلَمُ بِي مِنْ نَفْسِي وَ أَنَا أَعْلَمُ بِنَفْسِي مِنْهُمْ اَللَّهُمَّ اِجْعَلْنِي اِجْعَلْنَا خَيْراً مِمَّا يَظُنُّونَ وَ اِغْفِرْ لِي لَنَا مَا لاَ يَعْلَمُونَ (1) -. قد تقدم القول في كراهية مدح الإنسان في وجهه

14- و في الحديث المرفوع إذا مدحت أخاك في وجهه فكأنما أمررت على حلقه موسى وميضة.

14- قال أيضا لرجل مدح رجلا في وجهه عقرت الرجل عقرك الله.

14- و قال أيضا لو مشى رجل إلى رجل بسيف مرهف كان خيرا له من أن يثني عليه في وجهه.

و من كلام عمر المدح هو الذبح قالوا لأن المذبوح ينقطع عن الحركة و الأعمال و كذلك الممدوح يفتر عن العمل .

و يقول قد حصل في القلوب و النفوس ما استغنى به عن الحركة و الجد .

و من أمثال الفلاحين إذا طار لك صيت بين الحصادة فاكسر منجلك .