شرح نهج البلاغة - ج18

- ابن ابي الحديد المزيد...
419 /
257

و قال مطرف بن الشخير ما سمعت من ثناء أحد علي أو مدحة أحد لي إلا و تصاغرت إلي نفسي و قال زياد بن أبي مسلم ليس أحد سمع ثناء أحد عليه إلا و تراءى له شيطان و لكن المؤمن يراجع .

فلما ذكر كلامهما لابن المبارك قال صدقا أما قول زياد فتلك قلوب العوام و أما قول مطرف فتلك قلوب الخواص

258

*3097* 97 و من كلامه ع في استقامة قضاء الحوائج‏

وَ قَالَ ع: لاَ يَسْتَقِيمُ قَضَاءُ اَلْحَوَائِجِ إِلاَّ بِثَلاَثٍ بِاسْتِصْغَارِهَا لِتَعْظُمَ وَ بِاسْتِكْتَامِهَا لِتَظْهَرَ وَ بِتَعْجِيلِهَا لِتَهْنُؤَ (1) -. قد تقدم لنا قول مستقصى في هذا النحو و في الحوائج و قضائها و استنجاحها .

14- و قد جاء في الحديث المرفوع استعينوا على حاجاتكم بالكتمان فإن كل ذي نعمة محسود.

و قال خالد بن صفوان لا تطلبوا الحوائج في غير حينها و لا تطلبوها إلى غير أهلها و لا تطلبوا ما لستم له بأهل فتكونوا للمنع خلقاء .

و كان يقال لكل شي‏ء أس و أس الحاجة تعجيل أروح من التأخير .

و قال رجل لمحمد بن الحنفية جئتك في حويجة قال فاطلب لها رجيلا .

و قال شبيب بن شبة بن عقال أمران لا يجتمعان إلا وجب النجح و هما العاقل لا يسأل إلا ما يجوز و العاقل لا يرد سائله عما يمكن .

و كان يقال من استعظم حاجة أخيه إليه بعد قضائها امتنانا بها فقد استصغر نفسه .

259

و قال أبو تمام في المطل‏ (1)

و كان المطل في بدء و عود # دخانا للصنيعة و هي نار (2)

نسيب البخل مذ كانا و إلا # يكن نسب فبينهما جوار

لذلك قيل بعض المنع أدنى # إلى جود و بعض الجود عار

____________

(1) ديوانه 2: 159-بشرح التبريزى.

(2) قال شارح ديوانه: «أى يتأذى بالمطل كما يتأذى بالدخان؛ فكما أن المحمود من النار أن تخلص من الدخان؛ كذلك المحمود من العطاء خلوصه من المطل» .

260

*3098* 98 و من كلامه ع في

وَ قَالَ ع يَأْتِي عَلَى اَلنَّاسِ زَمَانٌ لاَ يُقَرَّبُ فِيهِ إِلاَّ اَلْمَاحِلُ وَ لاَ يُظَرَّفُ فِيهِ إِلاَّ اَلْفَاجِرُ وَ لاَ يُضَعَّفُ فِيهِ إِلاَّ اَلْمُنْصِفُ يَعُدُّونَ اَلصَّدَقَةَ فِيهِ غُرْماً وَ صِلَةَ اَلرَّحِمِ مَنّاً وَ اَلْعِبَادَةَ اِسْتِطَالَةً عَلَى اَلنَّاسِ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَكُونُ اَلسُّلْطَانُ بِمَشُورَةِ اَلْإِمَاءِ اَلنِّسَاءِ وَ إِمَارَةِ اَلصِّبْيَانِ وَ تَدْبِيرِ اَلْخِصْيَانِ (1) -. المحل‏ المكر و الكيد يقال محل به إذا سعى به إلى السلطان فهو ماحل و محول و المماحلة المماكرة و المكايدة .

قوله‏ و لا يظرف فيه إلا الفاجر لا يعد الناس الإنسان ظريفا إلا إذا كان خليعا ماجنا متظاهرا بالفسق .

و قوله‏ و لا يضعف فيه إلا المنصف أي إذا رأوا إنسانا عنده ورع و إنصاف في معاملته الناس عدوه ضعيفا و نسبوه إلى الركة و الرخاوة و ليس الشهم عندهم إلا الظالم (2) - .

ثم قال‏ يعدون الصدقة غرما أي خسارة (1) و يمنون إذا وصلوا الرحم

____________

(1) ا: «غرما و خسارة» .

261

و إذا كانوا ذوي عبادة استطالوا بها على الناس و تبجحوا بها و أعجبتهم أنفسهم و احتقروا غيرهم .

قال فعند ذلك يكون السلطان‏ و الحكم بين الرعايا بمشورة الإماء إلى آخر الفصل و هو من باب الإخبار عن الغيوب و هي إحدى آياته و المعجزات المختص بها دون الصحابة

262

*3099* 99 و من كلامه ع في الحكماء و العارفين‏

وَ قَالَ ع: وَ قَدْ رُئِيَ عَلَيْهِ إِزَارٌ خَلَقٌ مَرْقُوعٌ فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ يَخْشَعُ لَهُ اَلْقَلْبُ وَ تَذِلُّ بِهِ اَلنَّفْسُ وَ يَقْتَدِي بِهِ اَلْمُؤْمِنُونَ إِنَّ اَلدُّنْيَا وَ اَلآْخِرَةَ عَدُوَّانِ مُتَفَاوِتَانِ وَ سَبِيلاَنِ مُخْتَلِفَانِ فَمَنْ أَحَبَّ اَلدُّنْيَا وَ تَوَلاَّهَا أَبْغَضَ اَلآْخِرَةَ وَ عَادَاهَا وَ هُمَا بِمَنْزِلَةِ اَلْمَشْرِقِ وَ اَلْمَغْرِبِ وَ مَاشٍ بَيْنَهُمَا كُلَّمَا قَرُبَ مِنْ وَاحِدٍ بَعُدَ مِنَ اَلآْخَرِ وَ هُمَا بَعْدُ ضَرَّتَانِ (1) - . قد تقدم القول في هذا الباب و ذكرنا أن الحكماء و العارفين فيه على قسمين منهم من آثر لبس الأدنى على الأعلى و منهم من عكس الحال و كان عمر بن الخطاب من أصحاب المذهب الأول و كذلك 1أمير المؤمنين و هو شعار عيسى بن مريم ع كان يلبس الصوف و غليظ الثياب و كان 14رسول الله ص يلبس النوعين جميعا و أكثر لبسه كان الجيد من الثياب مثل أبراد اليمن و ما شاكل ذلك و كانت ملحفته مورسة (1) حتى أنها لتردع‏ (2) على جلده كما جاء في الحديث .

و رئي محمد بن الحنفية ع واقفا بعرفات على برذون أصفر و عليه مطرف خز أصفر و جاء فرقد السبخي‏ (3) إلى الحسن و على الحسن مطرف خز فجعل ينظر إليه و على فرقد ثياب صوف فقال الحسن ما بالك تنظر إلي و علي ثياب أهل الجنة

____________

(1) مورسة، أي مصبوغة بالورس؛ و هو نبت أصفر يكون باليمن، تصبغ به الثياب.

(2) في اللسان عن ابن عبّاس: «لم ينه عن شي‏ء من الأردية إلاّ عن المزعفرة التي تردع على الجلد» قال: أى تنفض صبغها عليه، و ثوب رديع؛ مصبوغ بالزعفران.

(3) ب: «السنجى» ، و الصواب ما أثبته، منسوب إلى السبخة، موضع بالبصرة، ذكره ياقوت؛ و ذكر بنسبة فرقد إليه.

263

و عليك ثياب أهل النار إن أحدكم ليجعل الزهد في ثيابه و الكبر في صدره فلهو أشد عجبا بصوفه من صاحب المطرف .

و قال ابن السماك لأصحاب الصوف إن كان لباسكم هذا موافقا لسرائركم فلقد أحببتم أن يطلع الناس عليها و لئن كان مخالفا لها لقد هلكتم .

و كان عمر بن عبد العزيز على قاعدة عمر بن الخطاب في ملبوسه و كان قبل الخلافة يلبس الثياب المثمنة جدا كان يقول لقد خفت أن يعجز ما قسم الله لي من الرزق عما أريده من الكسوة و ما لبست ثوبا جديدا قط إلا و خيل لي حين يراه الناس أنه سمل أو بال فلما ولي الخلافة ترك ذلك كله .

و روى سعيد بن سويد قال صلى بنا عمر بن عبد العزيز الجمعة ثم جلس و عليه قميص مرقوع الجيب من بين يديه و من خلفه فقال له رجل إن الله أعطاك يا أمير المؤمنين فلو لبست فنكس مليا ثم رفع رأسه فقال إن أفضل القصد ما كان عند الجدة و أفضل العفو ما كان عند المقدرة .

و روى عاصم بن معدلة كنت أرى عمر بن عبد العزيز قبل الخلافة فأعجب من حسن لونه و جودة ثيابه و بزته ثم دخلت عليه بعد أن ولي و إذا هو قد احترق و اسود و لصق جلده بعظمه حتى ليس بين الجلد و العظم لحم و إذا عليه قلنسوة بيضاء قد اجتمع قطنها و يعلم أنها قد غسلت و عليه سحق‏ (1) أنبجانية قد خرج سداها و هو على شاذكونة (2) قد لصقت بالأرض تحت الشاذكونة عباءة قطوانية (3) من مشاقة الصوف و عنده رجل يتكلم فرفع صوته فقال له عمر اخفض قليلا من صوتك فإنما يكفي الرجل من الكلام قدر ما يسمع صاحبه .

و روى عبيد بن يعقوب أن عمر بن عبد العزيز كان يلبس الفرو الغليظ من الثياب و كان سراجه على ثلاث قصبات فوقهن طين‏

____________

(1) جمع سحق؛ و هو الثوب البالى.

(2) الشاذكونة: ثياب غلاظ تعمل باليمن.

(3) قطوانية: منسوبة إلى قطوان، موضع بالكوفة.

264

*3100* 100 و من كلامه ع في أن الدنيا و الآخرة عدوين متفاوتين و سبيلين مختلفين‏

إِنَّ اَلدُّنْيَا وَ اَلآْخِرَةَ عَدُوَّانِ مُتَفَاوِتَانِ وَ سَبِيلاَنِ مُخْتَلِفَانِ فَمَنْ أَحَبَّ اَلدُّنْيَا وَ تَوَلاَّهَا أَبْغَضَ اَلآْخِرَةَ وَ عَادَاهَا وَ هُمَا بِمَنْزِلَةِ اَلْمَشْرِقِ وَ اَلْمَغْرِبِ وَ مَاشٍ بَيْنَهُمَا كُلَّمَا قَرُبَ مِنْ وَاحِدٍ بَعُدَ مِنَ اَلآْخَرِ وَ هُمَا بَعْدُ ضَرَّتَانِ (1) -. هذا الفصل بين في نفسه لا يحتاج إلى شرح و ذلك لأن عمل كل واحد من الدارين مضاد لعمل الأخرى فعمل هذه الاكتساب و الاضطراب‏ (1) في الرزق و الاهتمام بأمر المعاش و الولد و الزوجة و ما ناسب ذلك و عمل هذه قطع العلائق و رفض الشهوات و الانتصاب للعبادة و صرف الوجه عن كل ما يصد عن ذكر الله تعالى و معلوم أن هذين العملين متضادان فلا جرم كانت الدنيا و الآخرة ضرتين لا يجتمعان‏

____________

(1) ا: «و الضرب في سبيل الرزق» .

265

*3101* 101 و من كلامه ع في الزاهدين في الدنيا و الراغبين في الآخرة

وَ عَنْ نَوْفٍ اَلْبَكَّائِيِّ وَ قِيلَ اَلْبَكَالِيِّ بِاللاَّمِ وَ هُوَ اَلْأَصَحُّ اَلْبَكَالِيِّ قَالَ: رَأَيْتُ 1أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ ع ذَاتَ لَيْلَةٍ وَ قَدْ خَرَجَ مِنْ فِرَاشِهِ فَنَظَرَ إِلَى فِي اَلنُّجُومِ فَقَالَ يَا نَوْفُ أَ رَاقِدٌ أَنْتَ أَمْ رَامِقٌ قُلْتُ فَقُلْتُ بَلْ رَامِقٌ يَا 1أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ قَالَ يَا نَوْفُ طُوبَى لِلزَّاهِدِينَ فِي اَلدُّنْيَا اَلرَّاغِبِينَ فِي اَلآْخِرَةِ أُولَئِكَ قَوْمٌ اِتَّخَذُوا اَلْأَرْضَ بِسَاطاً وَ تُرَابَهَا فِرَاشاً وَ مَاءَهَا طِيباً وَ اَلْقُرْآنَ شِعَاراً وَ اَلدُّعَاءَ دِثَاراً ثُمَّ قَرَضُوا اَلدُّنْيَا قَرْضاً عَلَى مِنْهَاجِ اَلْمَسِيحِ يَا نَوْفُ إِنَّ دَاوُدَ ع قَامَ فِي مِثْلِ هَذِهِ اَلسَّاعَةِ مِنَ اَللَّيْلِ فَقَالَ إِنَّهَا لَسَاعَةٌ لاَ يَدْعُو فِيهَا عَبْدٌ إِلاَّ اُسْتُجِيبَ لَهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ عَشَّاراً أَوْ عَرِيفاً أَوْ شُرْطِيّاً أَوْ صَاحِبَ عَرْطَبَةٍ وَ هِيَ اَلطُّنْبُورُ أَوْ صَاحِبَ كُوبَةٍ وَ هِيَ اَلطَّبْلُ وَ قَدْ قِيلَ أَيْضاً إِنَّ اَلْعَرْطَبَةَ اَلطَّبْلُ وَ اَلْكُوبَةَ اَلطُّنْبُورُ (1) -. قال صاحب الصحاح نوف البكالي كان صاحب 1علي ع .

و قال ثعلب هو منسوب إلى قبيلة تدعى بكالة و لم يذكر من أي العرب هي و الظاهر أنها من اليمن و أما بكيل فحي من همدان و إليهم أشار الكميت بقوله‏

فقد شركت فيه بكيل و أرحب‏ (1) .

____________

(1) صدره:

*يقولون لم يورث و لو لا تراثه*.

.

266

فأما البكالي في نسب نوف فلا أعرفه .

قوله‏ أم رامق أي أم مستيقظ ترمق السماء و النجوم ببصرك (1) - .

قوله‏ قرضوا الدنيا أي تركوها و خلفوها وراء ظهورهم قال تعالى‏ وَ إِذََا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذََاتَ اَلشِّمََالِ‏ (1) أي تتركهم و تخلفهم شمالا و يقول الرجل لصاحبه هل مررت بمكان كذا يقول نعم قرضته ليلا ذات اليمين و أنشد لذي الرمة

إلى ظعن يقرضن أجواز مشرف # شمالا و عن أيمانهن الفوارس‏ (2) .

قالوا مشرف و الفوارس موضعان يقول نظرت إلى ظعن يجزن بين هذين الموضعين‏

____________

(1) سورة الكهف 17.

(2) الصحاح (قرض) .

267

*3102* 102 و من كلامه ع في عدم تكلف السؤال عن أشياء لم يدعها الله تعالى نسيانا

وَ قَالَ ع إِنَّ اَللَّهَ تَعَالَى اِفْتَرَضَ عَلَيْكُمْ فَرَائِضَ فَلاَ تُضَيِّعُوهَا وَ حَدَّ لَكُمْ حُدُوداً فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَ نَهَاكُمْ عَنْ أَشْيَاءَ فَلاَ تَنْتَهِكُوهَا وَ سَكَتَ لَكُمْ عَنْ أَشْيَاءَ وَ لَمْ يَدَعْهَا نِسْيَاناً فَلاَ تَتَكَلَّفُوهَا (1) -. قال الله تعالى‏ لاََ تَسْئَلُوا عَنْ أَشْيََاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ‏ (1)

14- و جاء في الأثر أبهموا ما أبهم الله.

و قال بعض الصالحين لبعض الفقهاء لم تفرض مسائل لم تقع و أتعبت فيها فكرك حسبك بالمتداول بين الناس .

قالوا هذا مثل قولهم في باب المسح على الخفين فإن مسح على خف من زجاج و نحو ذلك من النوادر الغريبة .

و قال شريك في أبي حنيفة أجهل الناس بما كان و أعلمهم بما لم يكن .

و قال عمر لا تتنازعوا فيما لم يكن فتختلفوا فإن الأمر إذا كان أعان الله عليه .

و انتهاك‏ الحرمة تناولها بما لا يحل إما بارتكاب ما نهى عنه أو بالإخلال بما أمر به‏

____________

(1) سورة المائدة 101.

268

*3103* 103 و من كلامه ع في من ترك شيئا من أمر دينه لاستصلاح أمر دنياه‏

وَ قَالَ ع لاَ يَتْرُكُ اَلنَّاسُ شَيْئاً مِنْ أَمْرِ دِينِهِمْ لاِسْتِصْلاَحِ دُنْيَاهُمْ إِلاَّ فَتَحَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُوَ أَضَرُّ مِنْهُ (1) -. مثال ذلك إنسان يضيع وقت صلاة الفريضة عليه و هو مشتغل بمحاسبة وكيله و مخافته على ماله خوفا أن يكون خانه في شي‏ء منه فهو يحرص على مناقشته عليه فتفوته الصلاة .

قال ع من فعل مثل هذا فتح الله عليه في أمر دنياه و ماله ما هو أضر عليه مما رام أن يستدركه بإهماله الفريضة

269

*3104* 104 و من كلامه ع في من معه علم لا ينفعه‏

وَ قَالَ ع رُبَّ عَالِمٍ قَدْ قَتَلَهُ جَهْلُهُ وَ عِلْمُهُ مَعَهُ لَمْ يَنْفَعْهُ (1) -. قد وقع مثل هذا كثيرا كما جرى لعبد الله بن المقفع و فضله مشهور و حكمته أشهر من أن تذكر و لو لم يكن له إلا كتاب اليتيمة لكفى

محنة المقفع

و اجتمع ابن المقفع بالخليل بن أحمد و سمع كل منهما كلام الآخر فسئل الخليل عنه فقال وجدت علمه أكثر من عقله و هكذا كان فإنه كان مع حكمته متهورا لا جرم تهوره قتله كتب كتاب أمان لعبد الله بن علي عم المنصور و يوجد فيه خطه فكان من جملته و متى غدر أمير المؤمنين بعمه عبد الله أو أبطن غير ما أظهر أو تأول في شي‏ء من شروط هذا الأمان فنساؤه طوالق و دوابه حبس و عبيده و إماؤه أحرار و المسلمون في حل من بيعته فاشتد ذلك على المنصور لما وقف عليه و سأل من الذي كتب له الأمان فقيل له عبد الله بن المقفع كاتب عميك عيسى و سليمان ابني علي بالبصرة فكتب المنصور إلى عامله بالبصرة سفيان بن معاوية يأمره بقتله ـ و قيل بل قال أ ما أحد يكفيني ابن المقفع فكتب أبو الخصيب بها إلى‏

270

سفيان بن معاوية المهلبي أمير البصرة يومئذ و كان سفيان واجدا على ابن المقفع لأنه كان يعبث به و يضحك منه دائما فغضب سفيان يوما من كلامه و افترى عليه فرد ابن المقفع عليه ردا فاحشا و قال له يا ابن المغتلمة و كان يمتنع و يعتصم بعيسى و سليمان ابني علي بن عبد الله بن العباس فحقدها سفيان عليه فلما كوتب في أمره بما كوتب اعتزم قتله فاستأذن عليه جماعة من أهل البصرة منهم ابن المقفع فأدخل ابن المقفع قبلهم و عدل به إلى حجرة في دهليزه و جلس غلامه بدابته ينتظره على باب سفيان فصادف ابن المقفع في تلك الحجرة سفيان بن معاوية و عنده غلمانه و تنور نار يسجر فقال له سفيان أ تذكر يوم قلت لي كذا أمي مغتلمة إن لم أقتلك قتله لم يقتل بها أحد ثم قطع أعضاءه عضوا عضوا و ألقاها في النار و هو ينظر إليها حتى أتى على جميع جسده ثم أطبق التنور عليه و خرج إلى الناس فكلمهم فلما خرجوا من عنده تخلف غلام ابن المقفع ينتظره فلم يخرج فمضى و أخبر عيسى بن علي و أخاه سليمان بحاله فخاصما سفيان بن معاوية في أمره فجحد دخوله إليه فأشخصاه إلى المنصور و قامت البينة العادلة أن ابن المقفع دخل دار سفيان حيا سليما و لم يخرج منها فقال المنصور أنا أنظر في هذا الأمر إن شاء الله غدا فجاء سفيان ليلا إلى المنصور فقال يا أمير المؤمنين اتق الله في صنيعتك و متبع أمرك قال لا ترع و أحضرهم في غد و قامت الشهادة و طلب سليمان و عيسى القصاص فقال المنصور أ رأيتم إن قتلت سفيان بابن المقفع ثم خرج ابن المقفع عليكم من هذا الباب و أومأ إلى باب خلفه من ينصب لي نفسه حتى أقتله بسفيان فسكتوا و اندفع الأمر و أضرب عيسى و سليمان عن ذكر ابن المقفع بعدها و ذهب دمه هدرا .

قيل للأصمعي أيما كان أعظم ذكاء و فطنة الخليل أم ابن المقفع فقال كان ابن المقفع أفصح و أحكم و الخليل آدب و أعقل ثم قال شتان ما بين فطنة أفضت بصاحبها إلى القتل و فطنة أفضت بصاحبها إلى النسك و الزهد في الدنيا و كان الخليل قد نسك قبل أن يموت‏

271

*3105* 105 و من كلامه ع في ما يعتور القلب من الحالات‏

وَ قَالَ ع لَقَدْ عُلِّقَ بِنِيَاطِ هَذَا اَلْإِنْسَانِ بَضْعَةٌ هِيَ أَعْجَبُ مَا فِيهِ وَ هُوَ ذَلِكَ اَلْقَلْبُ وَ ذَلِكَ أَنَّ لَهُ مَوَادَّ مِنَ اَلْحِكْمَةِ وَ أَضْدَاداً مِنْ خِلاَفِهَا فَإِنْ سَنَحَ لَهُ اَلرَّجَاءُ أَذَلَّهُ اَلطَّمَعُ وَ إِنْ هَاجَ بِهِ اَلطَّمَعُ أَهْلَكَهُ اَلْحِرْصُ وَ إِنْ مَلَكَهُ اَلْيَأْسُ قَتَلَهُ اَلْأَسَفُ وَ إِنْ عَرَضَ لَهُ اَلْغَضَبُ اِشْتَدَّ بِهِ اَلْغَيْظُ وَ إِنْ أَسْعَدَهُ اَلرِّضَا اَلرِّضَى نَسِيَ اَلتَّحَفُّظَ وَ إِنْ غَالَهُ اَلْخَوْفُ شَغَلَهُ اَلْحَذَرُ وَ إِنِ اِتَّسَعَ لَهُ اَلْأَمْرُ اِسْتَلَبَتْهُ اَلْغِرَّةُ وَ إِنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ فَضَحَهُ اَلْجَزَعُ وَ إِنْ أَفَادَ مَالاً أَطْغَاهُ اَلْغِنَى إِنْ أَفَادَ مَالاً أَطْغَاهُ اَلْغِنَى وَ إِنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ فَضَحَهُ اَلْجَزَعُ وَ إِنْ عَضَّتْهُ اَلْفَاقَةُ شَغَلَهُ اَلْبَلاَءُ وَ إِنْ جَهَدَهُ اَلْجُوعُ قَعَدَتْ بِهِ اَلضَّعَةُ قَعَدَ بِهِ اَلضَّعْفُ وَ إِنْ أَفْرَطَ بِهِ اَلشِّبَعُ كَظَّتْهُ اَلْبِطْنَةُ فَكُلُّ تَقْصِيرٍ بِهِ مُضِرٌّ وَ كُلُّ إِفْرَاطٍ لَهُ مُفْسِدٌ (1) -. روي قعد به الضعف و النياط عرق علق به القلب من الوتين فإذا قطع مات صاحبه و يقال له النيط أيضا و البضعة بفتح الباء القطعة من اللحم و المراد بها هاهنا القلب و قال يعتور القلب حالات مختلفات متضادات فبعضها من الحكمة و بعضها و هو المضاد لها مناف للحكمة و لم يذكرها ع و ليست الأمور التي عددها شرحا لما قدمه من هذا الكلام المجمل و إن ظن قوم أنه أراد ذلك أ لا ترى أن الأمور التي عددها ليس فيها شي‏ء من باب الحكمة و خلافها .

272

فإن قلت فما مثال الحكمة و خلافها و إن لم يذكر ع مثاله .

قلت كالشجاعة في القلب و ضدها الجبن و كالجود و ضده البخل و كالعفة و ضدها الفجور و نحو ذلك (1) - .

فأما الأمور التي عددها ع فكلام مستأنف إنما هو بيان أن كل شي‏ء مما يتعلق بالقلب يلزمه لازم آخر نحو الرجاء فإن الإنسان إذا اشتد رجاؤه أذله الطمع و الطمع يتبع الرجاء و الفرق بين الطمع و الرجاء أن الرجاء توقع منفعة ممن سبيله أن تصدر تلك المنفعة عنه و الطمع توقع منفعة ممن يستبعد وقوع تلك المنفعة منه ثم قال و إن هاج به الطمع قتله الحرص‏ و ذلك لأن الحرص يتبع الطمع إذا لم يعلم الطامع أنه طامع و إنما يظن أنه راج .

ثم قال و إن ملكه اليأس قتله الأسف‏ أكثر الناس إذا يئسوا أسفوا (2) - .

ثم عدد الأخلاق و غيرها من الأمور الواردة في الفصل إلى آخره ثم ختمه بأن قال‏ فكل تقصير به مضر و كل إفراط له مفسد و قد سبق كلامنا في العدالة و أنها الدرجة الوسطى بين طرفين هما رذيلتان و العدالة هي الفضيلة كالجود الذي يكتنفه التبذير و الإمساك و الذكاء الذي يكتنفه الغباوة و الجربزة (1) و الشجاعة التي يكتنفها الهوج و الجبن و شرحنا ما قاله الحكماء في ذلك شرحا كافيا فلا معنى لإعادته‏

____________

(1) الجربزة: الخب و الخديعة.

273

*3106* 106 و من كلامه ع في النمرقة الوسطى وهم أهل البيت ع‏

وَ قَالَ ع نَحْنُ اَلنُّمْرُقَةُ اَلْوُسْطَى اَلَّتِي يَلْحَقُ بِهَا اَلتَّالِي بِهَا يَلْحَقُ اَلتَّالِي وَ إِلَيْهَا يَرْجِعُ اَلْغَالِي (1) -. النمرق‏ و النمرقة بالضم فيهما وسادة صغيرة و يجوز النمرقة بالكسر فيهما و يقال للطنفسة فوق الرحل نمرقة و المعنى أن كل فضيلة فإنها مجنحة بطرفين معدودين من الرذائل كما أوضحناه آنفا و المراد أن آل محمد ع هم الأمر المتوسط بين الطرفين المذمومين فكل من جاوزهم فالواجب أن يرجع إليهم و كل من قصر عنهم فالواجب أن يلحق بهم .

فإن قلت فلم استعار لفظ النمرقة لهذا المعنى قلت لما كانوا يقولون قد ركب فلان من الأمر منكرا و قد ارتكب الرأي الفلاني و كانت الطنفسة فوق الرحل مما يركب استعار لفظ النمرقة لما يراه الإنسان مذهبا يرجع إليه و يكون كالراكب له و الجالس عليه و المتورك فوقه .

و يجوز أيضا أن تكون لفظة الوسطى‏ يراد بها الفضلى يقال هذه هي الطريقة الوسطى و الخليقة الوسطى أي الفضلى و منه قوله تعالى‏ قََالَ أَوْسَطُهُمْ‏ (1) أي أفضلهم و منه‏ جَعَلْنََاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً (2)

____________

(1) سورة القلم 28.

(2) سورة البقرة 143.

274

*3107* 107 و من كلامه ع في من يقيم أمر الله سبحانه و تعالى‏

وَ قَالَ ع لاَ يُقِيمُ أَمْرَ اَللَّهِ سُبْحَانَهُ إِلاَّ مَنْ لاَ يُصَانِعُ وَ لاَ يُضَارِعُ وَ لاَ يَتَّبِعُ اَلْمَطَامِعَ (1) -. قد سبق من كلام عمر شي‏ء يناسب هذا إن لم يكن هو بعينه و المصانعة بذل الرشوة و في المثل من صانع بالمال لم يحتشم من طلب الحاجة .

فإن قلت كان ينبغي أن يقول من لا يصانع‏ بالفتح قلت المفاعلة تدل على كون الفعل بين الاثنين كالمضاربة و المقاتلة .

و يضارع‏ يتعرض لطلب الحاجة و يجوز أن يكون من الضراعة و هي الخضوع أي يخضع لزيد ليخضع زيد له و يجوز أن يكون من المضارعة بمعنى المشابهة أي لا يتشبه بأئمة الحق أو ولاة الحق و ليس منهم .

و أما اتباع المطامع‏ فمعروف‏

275

*3108* 108 و من كلامه ع في ابتلاء من أحب أهل البيت ع‏

وَ قَالَ ع: وَ قَدْ تُوُفِّيَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ اَلْأَنْصَارِيُّ بِالْكُوفَةِ بَعْدَ مَرْجِعِهِ مِنْ‏مَعَهُ مَعَهُ مِنْ وَ كَانَ مِنْ أَحَبِّ أَحَبَّ اَلنَّاسِ إِلَيْهِ لَوْ أَحَبَّنِي جَبَلٌ لَتَهَافَتَ. قال الرضي رحمه الله تعالى و معنى ذلك أن المحنة تغلظ عليه فتسرع المصائب إليه و لا يفعل ذلك إلا بالأتقياء الأبرار المصطفين الأخيار: و هذا مثل قوله ع: من أحبنا أهل البيت فليستعد للفقر جلبابا و قد يؤول ذلك على معنى آخر ليس هذا موضع ذكره (1) - قد ثبت

14- أن 14النبي ص قال له لا يحبك إلا مؤمن و لا يبغضك إلا منافق.

و قد ثبت

14- أن 14النبي ص قال إن البلوى أسرع إلى المؤمن من الماء إلى الحدور.

14- و في حديث آخر المؤمن ملقى و الكافي موقى.

14- و في حديث آخر خيركم عند الله أعظمكم مصائب في نفسه و ماله و ولده.

و هاتان المقدمتان يلزمهما نتيجة صادقة و هي أنه ع لو أحبه جبل لتهافت و لعل هذا هو مراد الرضي بقوله و قد يئول ذلك على معنى آخر ليس هذا موضع ذكره‏

276

*3109* 109 و من كلامه ع في مكارم الأخلاق‏

وَ قَالَ ع لاَ مَالَ أَعْوَدُ مِنَ اَلْعَقْلِ وَ لاَ وَحْدَةَ أَوْحَشُ مِنَ اَلْعُجْبِ وَ لاَ عَقْلَ كَالتَّدْبِيرِ وَ لاَ كَرَمَ كَالتَّقْوَى وَ لاَ قَرِينَ كَحُسْنِ اَلْخُلْقِ وَ لاَ مِيرَاثَ كَالْأَدَبِ وَ لاَ قَائِدَ كَالتَّوْفِيقِ وَ لاَ تِجَارَةَ كَالْعَمَلِ اَلصَّالِحِ وَ لاَ زَرْعَ رِبْحَ كَالثَّوَابِ وَ لاَ وَرَعَ كَالْوُقُوفِ عِنْدَ اَلشُّبْهَةِ وَ لاَ زُهْدَ كَالزُّهْدِ فِي اَلْحَرَامِ وَ لاَ عِلْمَ كَالتَّفَكُّرِ وَ لاَ عِبَادَةَ كَأَدَاءِ اَلْفَرَائِضِ وَ لاَ إِيمَانَ كَالْحَيَاءِ وَ اَلصَّبْرِ وَ لاَ حَسَبَ كَالتَّوَاضُعِ وَ لاَ شَرَفَ كَالْعِلْمِ وَ لاَ عِزَّ كَالْحِلْمِ وَ لاَ مُظَاهَرَةَ أَوْثَقُ مِنَ اَلْمُشَاوَرَةِ (1) -. قد تقدم الكلام في جميع هذه الحكم .

أما المال‏ فإن العقل أعود منه لأن الأحمق ذا المال طالما ذهب ماله بحمقه فعاد أحمق فقيرا و العاقل الذي لا مال له طالما اكتسب المال بعقله و بقي عقله عليه .

و أما العجب‏ فيوجب المقت و من مقت أفرد عن المخالطة و استوحش منه و لا ريب أن التدبير هو أفضل العقل لأن العيش كله في التدبير .

و أما التقوى‏ فقد قال الله‏ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اَللََّهِ أَتْقََاكُمْ‏ (1) .

____________

(1) سورة الحجرات 13.

277

و أما الأدب‏ فقالت الحكماء ما ورثت الآباء أبناءها كالأدب (1) - .

و أما التوفيق‏ فمن لم يكن قائده ضل .

و أما العمل الصالح‏ فإنه أشرف التجارات فقد قال الله تعالى‏ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى‏ََ تِجََارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذََابٍ أَلِيمٍ‏ (1) .

ثم عد الأعمال الصالحة .

و أما الثواب‏ فهو الربح الحقيقي و أما ربح الدنيا فشبيه بحلم النائم .

و أما الوقوف عند الشبهات‏ فهو حقيقة الورع و لا ريب أن من يزهد في الحرام أفضل ممن يزهد في المباحات كالمآكل اللذيذة و الملابس الناعمة (2) - و قد وصف الله تعالى أرباب التفكر فقال‏ وَ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ‏ (2) و قال‏ أَ وَ لَمْ يَنْظُرُوا و لا ريب أن العبادة بأداء الفرائض فوق العبادة بالنوافل و الحياء مخ الإيمان و كذلك الصبر و التواضع مصيدة الشرف و ذلك هو الحسب و أشرف الأشياء العلم لأنه خاصة الإنسان و به يقع الفضل بينه و بين سائر الحيوان .

و المشورة من الحزم فإن عقل غيرك تستضيفه إلى عقلك و من كلام بعض الحكماء إذا استشارك عدوك في الأمر فامحضه النصيحة في الرأي فإنه إن عمل برأيك و انتفع ندم على إفراطه في مناواتك و أفضت عداوته إلى المودة و إن خالفك و استضر عرف قدر أمانتك بنصحه و بلغت مناك في مكروهه‏

____________

(1) سورة الصف 10.

(2) سورة آل عمران 191.

278

*3110* 110 و من كلامه ع في صلاح الزمان و فساده‏

وَ قَالَ ع إِذَا اِسْتَوْلَى اَلصَّلاَحُ عَلَى اَلزَّمَانِ وَ أَهْلِهِ ثُمَّ أَسَاءَ رَجُلٌ اَلظَّنَّ بِرَجُلٍ لَمْ تَظْهَرْ مِنْهُ حَوْبَةٌ فَقَدْ ظَلَمَ وَ إِذَا اِسْتَوْلَى اَلْفَسَادُ عَلَى اَلزَّمَانِ وَ أَهْلِهِ فَأَحْسَنَ رَجُلٌ اَلظَّنَّ بِرَجُلٍ فَقَدْ غَرَّرَ (1) -. يريد أن يتعين على العاقل سوء الظن حيث الزمان فاسد و لا ينبغي له سوء الظن حيث الزمان صالح و قد جاء في الخبر المرفوع النهي عن أن يظن المسلم بالمسلم ظن السوء و ذلك محمول على المسلم الذي لم تظهر منه حوبة كما أشار إليه 1علي ع و الحوبة المعصية

14- و الخبر هو ما رواه جابر قال نظر 14رسول الله ص إلى الكعبة فقال مرحبا بك من بيت ما أعظمك و أعظم حرمتك و الله إن المؤمن أعظم حرمة منك عند الله عز و جل لأن الله حرم منك واحدة و من المؤمن ثلاثة دمه و ماله و أن يظن به ظن السوء .

و من كلام عمر ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يجي‏ء ما يغلبك منه و لا تظنن بكلمة خرجت من في أخيك المسلم سوءا و أنت تجد لها في الخير محملا و من عرض نفسه للتهم فلا يلومن من أساء به الظن .

شاعر

أسأت إذ أحسنت ظني بكم # و الحزم سوء الظن بالناس.

279

قيل لعالم من أسوأ الناس حالا قال من لا يثق بأحد لسوء ظنه و لا يثق به أحد لسوء فعله .

شاعر

و قد كان حسن الظن بعض مذاهبي # فأدبني هذا الزمان و أهله.

قيل لصوفي ما صناعتك قال حسن الظن بالله و سوء الظن بالناس .

و كان يقال ما أحسن حسن الظن إلا أن فيه العجز و ما أقبح سوء الظن إلا أن فيه الحزم .

ابن المعتز

تفقد مساقط لحظ المريب # فإن العيون وجوه القلوب‏ (1)

و طالع بوادره في الكلام # فإنك تجني ثمار العيوب ديوانه‏

____________

(1) .

غ

280

*3111* 111 و من كلامه ع في من قال له كيف حالك‏

وَ قِيلَ لَهُ ع كَيْفَ تَجِدُكَ نَجِدُكَ يَا 1أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ كَيْفَ يَكُونُ حَالُ مَنْ يَفْنَى بِبَقَائِهِ وَ يَسْقَمُ بِصِحَّتِهِ وَ يُؤْتَى مِنْ مَأْمَنِهِ (1) -. هذا مثل قول عبدة بن الطبيب

أرى بصري قد رابني بعد صحة # و حسبك داء أن تصح و تسلما

و لن يلبث العصران يوم و ليلة # إذا طلبا أن يدركا من تيمما.

و قال آخر

كانت قناتي لا تلين لغامز # فألانها الإصباح و الإمساء

و دعوت ربي بالسلامة جاهدا # ليصحني فإذا السلامة داء

281

*3112* 112 و من كلامه ع في الاستدراج و الإملاء

وَ قَالَ ع كَمْ مِنْ مُسْتَدْرَجٍ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ وَ مَغْرُورٍ بِالسَّتْرِ عَلَيْهِ وَ مَفْتُونٍ بِحُسْنِ اَلْقَوْلِ فِيهِ وَ مَا اِبْتَلَى اَللَّهُ أَحَداً بِمِثْلِ اَلْإِمْلاَءِ لَهُ (1) -. قد تقدم القول في الاستدراج و الإملاء (2) - .

فأما القول في فتنة الإنسان بحسن القول فيه فقد ذكرنا أيضا طرفا صالحا يتعلق بها .

14- و قال 14رسول الله ص لرجل مدح رجلا و قد مر بمجلس 14رسول الله ص فلم يسمع و لكن قال ويحك لكدت تضرب عنقه لو سمعها لما أفلح.

282

*3113* 113 و من كلامه ع في من هلك فيه من المحبين و المبغضين‏

وَ قَالَ ع هَلَكَ فِيَّ رَجُلاَنِ مُحِبٌّ غَالٍ وَ مُبْغِضٌ قَالٍ (1) -. قد تقدم القول في مثل هذا

14- و قد قال 14رسول الله ص و الله لو لا أني أشفق أن تقول طوائف من أمتي فيك ما قالت النصارى في ابن مريم لقلت فيك اليوم مقالا لا تمر بأحد من الناس إلا أخذوا التراب من تحت قدميك للبركة.

و مع كونه ص لم يقل فيه ذلك المقال فقد غلت فيه غلاة كثيرة العدد منتشرة في الدنيا يعتقدون فيه ما يعتقد النصارى في ابن مريم و أشنع من ذلك الاعتقاد .

فأما المبغض القالي‏ فقد رأينا من يبغضه و لكن ما رأينا من يلعنه و يصرح بالبراءة منه و يقال إن في عمان و ما والاها من صحار و ما يجري مجراها قوما يعتقدون فيه ما كانت الخوارج تعتقده فيه و أنا أبرأ (1) إلى الله منهما

____________

(1) ا «و نحن نبرأ» .

283

*3114* 114 و من كلامه ع في إضاعة الفرصة

وَ قَالَ ع إِضَاعَةُ اَلْفُرْصَةِ غُصَّةٌ (1) -. في المثل انتهزوا الفرص فإنها تَمُرُّ مَرَّ اَلسَّحََابِ .

و قال الشاعر

و إن أمكنت فرصة في العدو # فلا يك همك إلا بها

فإن تك لم تأت من بابها # أتاك عدوك من بابها

و إياك من ندم بعدها # و تأميل أخرى و أنى بها

284

*3115* 115 و من كلامه ع في ذم الدنيا

وَ قَالَ ع مَثَلُ اَلدُّنْيَا كَمَثَلِ اَلْحَيَّةِ لَيِّنٌ مَسُّهَا وَ اَلسَّمُّ اَلنَّاقِعُ فِي جَوْفِهَا يَهْوِي إِلَيْهَا اَلْغِرُّ اَلْجَاهِلُ وَ يَحْذَرُهَا ذُو اَللُّبِّ اَلْعَاقِلُ (1) -. قد تقدم القول في الدنيا مرارا و قد أخذ أبو العتاهية هذا المعنى فقال إنما الدهر أرقم لين المس و في نابه السقام العقام‏

285

*3116* 116 و من كلامه ع في

وَ قَالَ ع : وَ قَدْ سُئِلَ عَنْ قُرَيْشٍ فَقَالَ أَمَّا بَنُو مَخْزُومٍ فَرَيْحَانَةُ قُرَيْشٍ تُحِبُّ نُحِبُّ حَدِيثَ رِجَالِهِمْ وَ اَلنِّكَاحَ فِي نِسَائِهِمْ وَ أَمَّا بَنُو عَبْدِ شَمْسٍ فَأَبْعَدُهَا رَأْياً وَ أَمْنَعُهَا لِمَا وَرَاءَ ظُهُورِهَا وَ أَمَّا نَحْنُ فَأَبْذَلُ لِمَا فِي أَيْدِينَا وَ أَسْمَحُ عِنْدَ اَلْمَوْتِ بِنُفُوسِنَا وَ هُمْ أَكْثَرُ وَ أَمْكَرُ وَ أَنْكَرُ وَ نَحْنُ أَفْصَحُ وَ أَنْصَحُ وَ أَصْبَحُ (1) -.

فصل في نسب‏ بني مخزوم و طرف من أخبارهم‏

قد تقدم القول في مفاخرة هاشم و عبد شمس فأما بنو مخزوم فإنهم بعد هذين البيتين أفخر قريش و أعظمها شرفا .

قال شيخنا أبو عثمان حظيت مخزوم بالأشعار فانتشر لهم صيت عظيم بها و اتفق لهم فيها ما لم يتفق لأحد و ذلك أنه يضرب بهم المثل في العز و المنعة و الجود و الشرف و أوضعوا في كل غاية فمن ذلك قول سيحان الجسري حليف بني أمية في كلمة له‏

و حين يناغي الركب موت هشام .

فدل ذلك على أن ما تقوله مخزوم في التاريخ حق و ذلك أنهم قالوا كانت قريش و كنانة و من والاهم من الناس يؤرخون بثلاثة أشياء كانوا يقولون كان ذلك زمن‏

286

مبنى الكعبة و كان ذلك من مجي‏ء الفيل و كان ذلك عام مات هشام بن المغيرة كما كانت العرب تؤرخ فتقول كان ذلك زمن الفطحل و كان ذلك زمن الحيان و كان ذلك زمن الحجارة و كان ذلك عام الحجاف و الرواة تجعل ضرب المثل من أعظم المفاخر و أظهر الدلائل و الشعر كما علمت كما يرفع يضع كما رفع من بني أنف الناقة قول الحطيئة

قوم هم الأنف و الأذناب غيرهم # و من يسوي بأنف الناقة الذنبا.

و كما وضع من بني نمير قول جرير

فعض الطرف إنك من نمير # فلا كعبا بلغت و لا كلابا .

فلقيت نمير من هذا البيت ما لقيت .

و جعلهم الشاعر مثلا فيمن وضعه الهجاء و هو يهجو قوما من العرب

و سوف يزيدكم ضعة هجائي # كما وضع الهجاء بني نمير .

و نمير قبيل شريف و قد ثلم في شرفهم هذا البيت .

و قال ابن غزالة الكندي و هو يمدح بني شيبان و لم يكن في موضع رغبة إلى بني مخزوم و لا في موضع رهبة

كأني إذ حططت الرحل فيهم # بمكة حين حل بها هشام .

فضرب بهشام المثل .

و قال رجل من بني حزم أحد بني سلمى و هو يمدح حرب بن معاوية الخفاجي و خفاجة من بني عقيل

إلى حزن الحزون سمت ركابي # بوابل خلفها عسلان جيش‏

287

فلما أن أنخت إلى ذراه # أمنت فراشني منه بريش

توسط بيته في آل كعب # كبيت بني مغيرة في قريش .

فضرب المثل ببيتهم في قريش .

و قال عبد الرحمن بن حسان لعبد الرحمن بن الحكم

ما رست أكيس من بني قحطان # صعب الذرا متمنع الأركان

إني طمعت بفخر من لو رامه # آل المغيرة أو بنو ذكوان

لملأتها خيلا تضب لثاتها # مثل الدبا و كواسر العقبان

منهم هشام و الوليد و عدلهم # و أبو أمية مفزع الركبان.

فضرب المثل بآل المغيرة .

و أما بنو ذكوان فبنو بدر بن عمرو بن حوية بن ذكوان أحد بني عدي بن فزارة منهم حذيفة و حمل و رهطهما و قال مالك بن نويرة

أ لم ينه عنا فخر بكر بن وائل # هزيمتهم في كل يوم لزام

فمنهن يوم الشر أو يوم منعج # و بالجزع إذ قسمن حي عصام

أحاديث شاعت في معد و غيرها # و خبرها الركبان حي هشام .

فجعل قريشا كلها حيا لهشام .

و قال عبد الله بن ثور الخفاجي

و أصبح بطن مكة مقشعرا # كأن الأرض ليس بها هشام‏ (1) .

و هذا مثل و فوق المثل .

قالوا و قال الخروف الكلبي و قد مر به ناس من تجار قريش يريدون الشام بادين

____________

(1) الكامل للمبرد 2: 142 من غير نسبة: قال في شرحه: «يقول: هو و إن كان مات فهو مدفون في الأرض؛ فقد كان يجب من أجله ألا ينالها جدب» .

288

قشفين ما لكم معاشر قريش هكذا أجدبتم أم مات هشام فجعل موت هشام بإزاء الجدب و المحل و في هذا المعنى قال مسافر بن أبي عمرو

تقول لنا الركبان في كل منزل # أ مات هشام أم أصابكم جدب.

فجعل موت هشام و فقد الغيث سواء .

و قال عبد الله بن سلمة بن قشير

دعيني أصطبح يا بكر إني # رأيت الموت نقب عن هشام‏ (1) .

و قال أبو الطمحان القيني أو أخوه‏

و كانت قريش لا تخون حريمها # من الخوف حتى ناهضت بهشام .

و قال أبو بكر بن شعوب لقومه كنانة

يا قومنا لا تهلكوا إخفاتا # إن هشام القرشي ماتا.

و قال خداش بن زهير

و قد كنت هجاء لهم ثم كفكفوا # نوافذ قولي بالهمام هشام .

و قال علي بن هرمة عم إبراهيم بن هرمة

و من يرتئي مدحي فإن مدائحي # نوافق عند الأكرمين سوام

نوافق عند المشتري الحمد بالندى # نفاق بنات الحارث بن هشام .

و قال الشاعر و هو يهجو رجلا

أ حسبت أن أباك يوم نسبتني # في المجد كان الحارث بن هشام

أولى قريش بالمكارم كلها # في الجاهلية كان و الإسلام .

____________

(1) الكامل 2: 143 من غير نسبة؛ و نقب، أي طوف حتّى أصاب هشاما. و انظر نسب قريش 301.

289

و قال الأسود بن يعفر النهشلي

إن الأكارم من قريش كلها # شهدوا فراموا الأمر كل مرام

حتى إذا كثر التجادل بينهم # حزم الأمور الحارث بن هشام .

و قال ثابت قطنة أو كعب الأشقري لمحمد بن الأشعث بن قيس

أ توعدني بالأشعثي و مالك # و تفخر جهلا بالوسيط الطماطم

كأنك بالبطحاء تذمر حارثا # و خالد سيف الدين بين الملاحم.

و قال الخزاعي في كلمته التي يذكر فيها أبا أحيحة

له سرة البطحاء و العد و الثرى # و لا كهاشم الخير و القلب مردف.

و سأل معاوية صعصعة بن صوحان العبدي عن قبائل قريش فقال إن قلنا غضبتم و إن سكتنا غضبتم فقال أقسمت عليك قال فيمن يقول شاعركم‏

و عشرة كلهم سيد # آباء سادات و أبناؤها

إن يسألوا يعطوا و إن يعدموا # يبيض من مكة بطحاؤها.

و قال عبد الرحمن بن سيحان الجسري حليف بني أمية و هو يهجو عبد الله بن مطيع من بني عدي

حرام كنتي مني بسوء # و أذكر صاحبي أبدا بذام‏ (1)

لقد أصرمت ود بني مطيع # حرام الدهر للرجل الحرام

و إن خيف الزمان مددت حبلا # متينا من حبال بني هاشم

وريق عودهم أبدا رطيب # إذا ما اهتز عيدان الكرام.

____________

(1) الأغانى 2: 255 مع اختلاف في الرواية.

290

و قال أبو طالب بن عبد المطلب و هو يفخر بخاليه هشام و الوليد على أبي سفيان بن حرب‏ (1)

و خالي هشام بن المغيرة ثاقب # إذا هم يوما كالحسام المهند

و خالي الوليد العدل عال مكانه # و خال أبي سفيان عمرو بن مرثد .

و قال ابن الزبعرى فيهم‏

لهم مشية ليست تليق بغيرهم # إذا احدودب المثرون في السنة الجدب.

و قال شاعر من بني هوازن أحد بني أنف الناقة حين سقى إبله عبد الله بن أبي أمية المخزومي بعد أن منعه الزبرقان بن بدر

أ تدري من منعت سيال حوض # سليل خضارم منعوا البطاحا

أ زاد الركب تمنع أم هشاما # و ذا الرمحين أمنعهم سلاحا

هم منعوا الأباطح دون فهر # و من بالخيف و البلد الكفاحا

بضرب دون بيضهم طلخف‏ (2) # إذا الملهوف لاذ بهم و صاحا

و ما تدري بأيهم تلاقي # صدور المشرفية و الرماحا.

فقال عبد الله بن أبي أمية مجيبا له‏

لعمري لأنت المرء يحسن باديا # و تحسن عودا شيمة و تصنعا

عرفت لقوم مجدهم و قديمهم # و كنت لما أسديت أهلا و موضعا.

قالوا و كان الوليد بن المغيرة يجلس بذي المجاز فيحكم بين العرب و قد كان رجل من بني عامر بن لؤي رافق رجلا من بني عبد مناف بن قصي فجرى بينهما كلام في حبل فعلاه بالعصا حتى قتله فكاد دمه يطل فقام دونه أبو طالب

____________

(1) ديوانه 76.

(2) الطلخف: الضرب الشديد.

291

بن عبد المطلب و قدمه إلى الوليد فاستحلفه خمسين يمينا أنه ما قتله ففي ذلك يقول أبو طالب

أ من أجل حبل ذي رمام علوته # بمنسأة قد جاء حبل و أحبل‏ (1)

هلم إلى حكم ابن صخرة إنه # سيحكم فيما بيننا ثم يعدل.

و قال أبو طالب أيضا في كلمة له‏

و حكمك يبقي الخير إن عز أمره # تخمط و استعلى على الأضعف الفرد.

و قال أبو طالب أيضا يرثي أبا أمية زاد الركب و هو خاله‏

كأن على رضراض قص و جندل # من اليبس أو تحت الفراش المجامر (2)

على خير حاف من معد و ناعل # إذا الخير يرجي أو إذا الشر حاسر

ألا إن زاد الركب غير مدافع # بسرو سحيم غيبته المقابر

تنادوا بأن لا سيد اليوم فيهم # و قد فجع الحيان كعب و عامر

و كان‏ (3) إذا يأتي من الشام قافلا # تقدمه قبل الدنو البشائر

فيصبح آل الله بيضا ثيابهم‏ (4) # و قدما حباهم و العيون كواسر

أخو جفنة لا تبرح الدهر عندنا # مجعجعة تدمي وشاء و باقر

ضروب بنصل السيف سوق سمانها # إذا أرسلوا يوما فإنك عاقر

فيا لك من راع رميت بآلة # شراعية تخضر منه الأظافر.

و قال أبو طالب أيضا يرثي خاله هشام بن المغيرة

____________

(1) ديوانه 142.

(2) ديوانه 77.

و كان ختنه فخرج تاجرا إلى الشام فمات بموضع يقال له سرد سحيم.

(3) الديوان: «كأنّما» .

(4) الديوان: «كستهم حبيرا ريدة و معافر » .

غ

292

فقدنا عميد الحي و الركن خاشع # كفقد أبي عثمان و البيت و الحجر (1)

و كان هشام بن المغيرة عصمة # إذا عرك الناس المخاوف و الفقر

بأبياته كانت أرامل قومه # تلوذ و أيتام العشيرة و السفر

فودت قريش لو فدته بشطرها # و قل لعمري لو فدوه له الشطر

نقول لعمرو أنت منه و إننا # لنرجوك في جل الملمات يا عمرو .

عمرو هذا هو أبو جهل بن هشام و أبو عثمان هو هشام .

و قالت ضباعة بنت عامر بن سلمة بن قرط ترثيه‏

إن أبا عثمان لم أنسه # و إن صبرا عن بكاه لحوب

تفاقدوا من معشر ما لهم # أي ذنوب صوبوا في القليب.

و قال حسان بن ثابت و هو يهجو أبا جهل و كان يكنى أبا الحكم

الناس كنوه أبا حكم # و الله كناه أبا جهل‏ (2)

أبقت رئاسته لأسرته # لؤم الفروع و دقة الأصل‏ (3) .

فاعترف له بالرئاسة و التقدم .

و قال أبو عبيد معمر بن المثنى لما تنافر عامر بن الطفيل و علقمة بن علاثة إلى هرم بن قطبة و توارى عنهما أرسل إليهما عليكما بالفتى الحديث السن الحديد الذهن فصارا إلى أبي جهل فقال له ابن الزبعرى

فلا تحكم فداك أبي و خالي # و كن كالمرء حاكم آل عمرو .

____________

(1) ديوانه 80.

(2) ديوانه 344، و روايته:

سمّاه معشره أبا حكم # و اللّه سمّاه أبا جهل.

(3) الديوان:

أبقت رئاسته لمعشره # غضب الإله و ذلّة الأصل.

.

293

فأبى أن يحكم فرجعا إلى هرم .

و قال عبد الله بن ثور

هريقا من دموعكما سجاما # ضباع و حاربي نوحا قياما

فمن للركب إذ جاءوا طروقا # و غلقت البيوت فلا هشاما .

و قال أيضا في كلمة له‏

و ما ولدت نساء بني نزار # و لا رشحن أكرم من هشام

هشام بن المغيرة خير فهر # و أفضل من سقى صوب الغمام.

و قال عمارة بن أبي طرفة الهذلي سمعت ابن جريح يقول في كلام له هلك سيد البطحاء بالرعاف قلت و من سيد البطحاء قال هشام بن المغيرة .

14- و قال 14النبي ص لو دخل أحد من مشركي قريش الجنة لدخلها هشام بن المغيرة كان أبذلهم للمعروف و أحملهم للكل.

و قال عمر بن الخطاب لا قليل في الله و لا كثير في غير الله و لو بالخلق الجزل و الفعال الدثر تنال المثوبة لنالها هشام بن المغيرة و لكن بتوحيد الله و الجهاد في سبيله .

و قال خداش بن زهير في‏ (1) و هو أحد أيام الفجار و هو عدو قريش و خصمها

و بلغ أن بلغت بنا هشاما # و ذا الرمحين بلغ و الوليدا (2)

أولئك إن يكن في الناس جود # فإن لديهم حسبا و جودا

هم خير المعاشر من قريش # و أوراها إذا قدحوا زنودا.

____________

(1) لقيس على كنانة و قريش. و شمطة: موضع قريب من عكاظ.

(2) أيام العرب في الجاهلية 332.

294

و قال أيضا و ذكرهما في تلك الحروب‏

يا شدة ما شددنا غير كاذبة # على سخينة لو لا الليل و الحرم (1)

إذا ثقفنا هشاما بالوليد و لو # أنا ثقفنا هشاما شالت الجذم.

و ذكرهم ابن الزبعرى في تلك الحروب فقال‏

ألا لله قوم # ولدت أخت بني سهم‏ (2)

هشام و أبو عبد # مناف مدره الخصم

و ذو الرمحين أشباك # من القوة و الحزم‏ (3)

فهذان يذودان # و ذا عن كثب يرمي

و هم # منعوا الناس من الهزم

بجأواء طحون فخمة # القونس كالنجم

أسود تزدهى الأقران # مناعون للهضم‏ (4)

فإن أحلف و بيت الله # لا أحلف على إثم

و ما من إخوة بين # دروب الشام و الردم

بأزكى من بني ريطة # أو أرزن من حلم.

ريطة هي أم ولد المغيرة و هي ريطة بنت سعيد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب و أبو عبد مناف هو أبو أمية بن المغيرة و يعرف بزاد الركب و اسمه حذيفة و إنما قيل له زاد الركب لأنه كان إذا خرج مسافرا لم يتزود معه أحد و كانت

____________

(1) الأغانى 19: 76؛ من أبيات أربعة، و الثاني في نسب قريش 300 مع اختلاف في الروايات.

(2) الأغانى: 1: 62، الأمالى 3: 196، 197 (طبعة دار الكتب) .

(3) في الأصول: «أشبال» ، صوابه من الأمالى 2: 208. قال، يقال: أشباك بفلان؛ كما يقال حسبك بفلان؛ و أنشد البيت.

(4) الأغانى: «منعوا الناس من الهزم» .

295

عنده عاتكة بنت عبد المطلب بن هشام و أما ذو الرمحين فهو أبو ربيعة بن المغيرة و اسمه عمرو و كان المغيرة يكنى باسم ابنه الأكبر و هو هاشم و لم يعقب إلا من حنتمة ابنته و هي أم عمر بن الخطاب .

و قال ابن الزبعرى يمدح أبا جهل

رب نديم ماجد الأصل # مهذب الأعراق و النجل

منهم أبو عبد مناف و كم # سربت بالضخم على العدل

عمرو الندى ذاك و أشياعه # ما شئت من قول و من فعل.

و قال الورد بن خلاس السهمي سهم باهلة يمدح الوليد

إذا كنت في حيي جذيمة ثاويا # فعند عظيم القريتين وليد

فذاك وحيد الرأي مشترك الندى # و عصمة ملهوف الجنان عميد.

و قال أيضا

إن الوليدين و الأبناء ضاحية # ربا تهامة في الميسور و العسر

هم الغياث و بعض القوم قرقمة # عز الذليل و غيظ الحاسد الوغر.

و قال‏

و رهطك يا ابن الغيث أكرم محتد # و امنع للجار اللهيف المهضم.

قالوا الغيث لقب المغيرة و جعل الوليد و أخاه هشاما ربي تهامة كما قال لبيد بن ربيعة في حذيفة بن بدر

و أهلكن يوما رب كندة و ابنه # و رب معد بين خبت و عرعر (1)

فجعله رب معد .

____________

(1) ديوانه 55.

296

قالوا يدل على قدر مخزوم ما رأينا من تعظيم القرآن لشأنهم دون غيرهم من سائر قريش قال الله تعالى مخبرا عن العرب إنهم قالوا لَوْ لاََ نُزِّلَ هََذَا اَلْقُرْآنُ عَلى‏ََ رَجُلٍ مِنَ اَلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ‏ (1) فأحد الرجلين العظيمين بلا شك الوليد بن المغيرة و الآخر مختلف فيه أ هو عروة بن مسعود أم جد المختار بن أبي عبيد .

و قال سبحانه في الوليد ذَرْنِي وَ مَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً `وَ جَعَلْتُ لَهُ مََالاً مَمْدُوداً `وَ بَنِينَ شُهُوداً (2) الآيات .

قالوا و في الوليد نزلت‏ أَمََّا مَنِ اِسْتَغْنى‏ََ `فَأَنْتَ لَهُ تَصَدََّى‏ (3) .

و في أبي جهل نزلت‏ ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ اَلْعَزِيزُ اَلْكَرِيمُ‏ (4) .

و فيه نزلت‏ فَلْيَدْعُ نََادِيَهُ‏ (5) .

و في مخزوم وَ ذَرْنِي وَ اَلْمُكَذِّبِينَ أُولِي اَلنَّعْمَةِ (6) .

و فيهم نزلت‏ مََا خَوَّلْنََاكُمْ وَرََاءَ ظُهُورِكُمْ‏ (7) .

و زعم اليقطري أبو اليقظان و أبو الحسن أن الحجاج سأل أعشى همدان عن بيوتات قريش في الجاهلية فقال إني قد آليت ألا أنفر أحدا على أحد و لكن أقول و تسمعون قالوا فقل قال من أيهم المحبب في أهله المؤرخ بذكره محلي الكعبة و ضارب القبة و الملقب بالخير و صاحب الخير و المير قالوا من بني مخزوم قال فمن أيهم ضجيع بسباسة و المنحور عنه ألف ناقة و زاد الركب و مبيض البطحاء قالوا من بني مخزوم قال فمن أيهم كان المقنع في حكمه و المنفذ وصيته على تهكمه و عدل الجميع في الرفادة و أول من وضع أساس الكعبة قالوا من بني مخزوم قال فمن

____________

(1) سورة الزخرف 31.

(2) سورة المدّثّر 11-13.

(3) سورة عبس 5، 6.

(4) سورة الدخان 49.

(5) سورة العلق 17.

(6) سورة المزّمّل 11.

(7) سورة الأنعام 94.

297

أيهم صاحب الأريكة و مطعم الخزيرة قالوا من بني مخزوم قال فمن أيهم الإخوة العشرة الكرام البررة قالوا من بني مخزوم قال فهو ذاك فقال رجل من بني أمية أيها الأمير لو كان لهم مع قديمهم حديث إسلام فقال الحجاج أ و ما علمت بأن منهم رداد الردة و قاتل مسيلمة و آسر طليحة و المدرك بالطائلة مع الفتوح العظام و الأيادي الجسام فهذا آخر ما ذكره أبو عثمان .

و يمكن أن يزاد عليه فيقال قالت مخزوم ما أنصفنا من اقتصر في ذكرنا على أن قال مخزوم ريحانة قريش تحب حديث رجالهم و النكاح في نسائهم و لنا في الجاهلية و الإسلام أثر عظيم و رجال كثيرة و رؤساء شهيرة فمنا المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم كان سيد قريش في الجاهلية و هو الذي منع فزارة من الحج لما عير خشين بن لأي الفزاري ثم الشمخي قوما من قريش إنهم يأخذون ما ينحره العرب من الإبل في الموسم فقال خشين لما منع من الحج‏

يا رب هل عندك من عقيره # أصلح مالي و أدع تنحيره

فإن منا مانع المغيره # و مانعا بعد منى بثيره

و مانعا بيتك أن أزوره.

منا بنو المغيرة العشرة أمهم ريطة و قد تقدم ذكر نسبها و أمها عاتكة بنت عبد العزى بن قصي و أمها الحظيا بنت كعب بن سعد بن تيم بن مرة أول امرأة من قريش ضربت قباب الأدم بذي المجاز و لها يقول الشاعر

مضى بالصالحات بنو الحظيا # و كان بسيفهم يغنى الفقير.

فمن هؤلاء أعني الحظيا الوليد بن المغيرة أمه صخرة بنت الحارث بن عبد الله‏

298

بن عبد شمس القشيري كان أبو طالب بن عبد المطلب يفتخر بأنه خاله و كفاك من رجل يفتخر أبو طالب بخئولته أ لا ترى إلى قول أبي طالب

و خالي الوليد قد عرفتم مكانه # و خالي أبو العاصي إياس بن معبد .

و منهم حفص بن المغيرة و كان شريفا و عثمان بن المغيرة و كان شريفا و منهم السيد المطاع هشام بن المغيرة و كان سيد قريش غير مدافع له يقول أبو بكر بن الأسود بن شعوب يرثيه‏

ذريني أصطبح يا بكر إني # رأيت الموت نقب عن هشام

تخيره و لم يعدل سواه # و نعم المرء بالبلد الحرام

و كنت إذا ألاقيه كأني # إلى حرم و في شهر حرام

فود بنو المغيرة لو فدوه # بألف مقاتل و بألف رام

و ود بنو المغيرة لو فدوه # بألف من رجال أو سوام

فبكيه ضباع و لا تملي # هشاما إنه غيث الأنام.

و يقول له الحارث بن أمية الضمري

ألا هلك القناص و الحامل الثقلا # و من لا يضن عن عشيرته فضلا

و حرب أبا عثمان أطفأت نارها # و لو لا هشام أوقدت حطبا جزلا

و عان تريك يستكين لعلة # فككت أبا عثمان عن يده الغلا

ألا لست كالهلكى فتبكى بكاءهم # و لكن أرى الهلاك في جنبه و غلا

غداة غدت تبكي ضباعة غيثنا # هشاما و قد أعلت بمهلكه ضحلا

أ لم تريا أن الأمانة أصعدت # مع النعش إذ ولى و كان لها أهلا.

299

و قال أيضا يبكيه و يرثيه‏

و أصبح بطن مكة مقشعرا # شديد المحل ليس به هشام

يروح كأنه أشلاء سوط # و فوق جفانه شحم ركام

فللكبراء أكل كيف شاءوا # و للولدان لقم و اغتنام

فبكيه ضباع و لا تملي # ثمال الناس إن قحط الغمام

و إن بني المغيرة من قريش # هم الرأس المقدم و السنام.

و ضباعة التي تذكرها الشعراء زوجة هشام و هي من بني قشير .

قال الزبير بن بكار فلما قال الحارث ألا لست كالهلكى البيت عظم ذلك على بني عبد مناف فأغروا به حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقص السلمي حليف بني عبد شمس و كانت قريش رضيت به و استعملته على سقائها ففر منه الحارث و قال‏

أفر من الأباطح كل يوم # مخافة أن ينكل بي حكيم .

فهدم حكيم داره فأعطاه بنو هشام داره التي بأجياد عوضا منها .

و قال عبد الله بن ثور البكائي يرثيه‏

هريقي من دموعهما سجاما # ضباع و جاوبى نوحا قياما

على خير البرية لن تراه # و لن تلقى مواهبه العظاما

جواد مثل سيل الغيث يوما # إذا علجانه يعلو الإكاما

إذا ما كان عام ذو عرام # حسبت قدوره جبلا صياما

300

فمن للركب إذا مسوا طروقا # و غلقت البيوت فلا هشاما

و أوحش بطن مكة بعد أنس # و مجد كان فيها قد أقاما

فلم أر مثله في أهل نجد # و لا فيمن بغورك يا تهاما

قال الزبير و كان فارس قريش في الجاهلية هشام بن المغيرة و أبو لبيد بن عبدة بن حجرة بن عبد بن معيص بن عامر بن لؤي و كان يقال لهشام فارس البطحاء فلما هلكا كان فارسي قريش بعدهما عمرو بن عبد العامري المقتول‏و ضرار بن الخطاب المحاربي الفهري ثم هبيرة بن أبي وهب و عكرمة بن أبي جهل المخزوميان قالوا و كان عام مات هشام تاريخاوو عام بنيان الكعبة و كان هشام رئيس بني مخزوم .

قالوا و منا أبو جهل بن هشام و اسمه عمرو و كنيته أبو الحكم و إنما كناه أبا جهل 14رسول الله ص كان سيدا أدخلته قريش دار الندوة فسودته و أجلسته فوق الجلة من شيوخ قريش و هو غلام لم يطر شاربه و هو أحد من ساد على الصبا و الحارث بن هشام أخو أبي جهل كان شريفا مذكورا و له يقول كعب بن الأشرف اليهودي الطائي

نبئت أن الحارث بن هشام # في الناس يبني المكرمات و يجمع‏ (1)

ليزور يثرب (2) بالجموع و إنما # يبني على الحسب القديم الأروع.

و هو الذي هاجر من مكة إلى الشام بأهله و ماله في خلافة عمر بن الخطاب فتبعه أهل مكة يبكون فرق و بكى و قال إنا لو كنا نستبدل دارا بدار و جارا

____________

(1) نسب قريش 301.

(2) في نسب قريش «أثرب» ؛ و هي لغة في «يثرب» .

301

بجار ما أردنا بكم بدلا و لكنها النقلة إلى الله عز و جل فلم يزل حابسا نفسه و من معه بالشام مجاهدا حتى مات .

قال الزبير جاء الحارث بن هشام و سهيل بن عمرو إلى عمر بن الخطاب فجلسا عنده و هو بينهما فجعل المهاجرون الأولون و الأنصار يأتون عمر فينحيهما و يقول هاهنا يا سهيل هاهنا يا حارث حتى صارا في آخر الناس فقال الحارث لسهيل أ لم تر ما صنع بنا عمر اليوم فقال سهيل أيها الرجل إنه لا لوم عليه ينبغي أن نرجع باللوم على أنفسنا دعي القوم و دعينا فأسرعوا و أبطأنا فلما قاما من عند عمر أتياه في غد فقالا له قد رأينا ما صنعت بالأمس و علمنا أنا أتينا من أنفسنا فهل من شي‏ء نستدرك به فقال لا أعلم إلا هذا الوجه و أشار لهما إلى ثغر الروم فخرجا إلى الشام فجاهدا بها حتى ماتا .

قالوا و منا عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أمه فاطمة بنت الوليد بن المغيرة و كان شريفا سيدا و هو الذي قال لمعاوية لما قتل حجر بن عدي و أصحابه أين عزب منك حلم أبي سفيان أ لا حبستهم في السجون و عرضتهم للطاعون فقال حين غاب عني مثلك من قومي و عبد الرحمن بن الحارث بن هشام هو الذي رغب فيه عثمان بن عفان و هو خليفة فزوجه ابنته .

قالوا و منا أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام كان سيدا جوادا و فقيها عالما و هو الذي قدم عليه بنو أسد بن خزيمة يسألونه في دماء كانت بينهم فاحتمل عنهم أربعمائة بعير دية أربعة من القتلى و لم يكن بيده مال فقال لابنه عبد الله بن أبي بكر اذهب إلى عمك المغيرة بن عبد الرحمن فاسأله المعونة فذهب عبد الله إلى عمه فذكر له ذلك فقال المغيرة لقد أكبر علينا أبوك فانصرف عنه عبد الله و أقام أياما

302

لا يذكر لأبيه شيئا و كان يقود أباه إلى المسجد و قد ذهب بصره فقال له أبوه يوما أ ذهبت إلى عمك قال نعم و سكت فعرف حين سكت أنه لن يجد عند عمه ما يحب فقال له يا بني أ لا تخبرني ما قال لك قال أ يفعل أبو هاشم و كانت كنية المغيرة فربما فعل و لكن اغد غدا إلى السوق فخذ لي عينة فغدا عبد الله فتعين عينة من السوق لأبيه و باعها فأقام أيام لا يبيع أحد في السوق طعاما و لا زيتا غير عبد الله بن أبي بكر من تلك العينة فلما فرغ أمره أبوه أن يدفعها إلى الأسديين فدفعها إليهم .

و كان أبو بكر خصيصا بعبد الملك بن مروان و قال عبد الملك لابنه الوليد لما حضرته الوفاة إن لي بالمدينة صديقين فاحفظني فيهما عبد الله بن جعفر بن أبي طالب و أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام .

و كان يقال ثلاثة أبيات من قريش توالت بالشرف خمسة خمسة و عدوا منها أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة .

قالوا و منا المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام كان أجود الناس بالمال و أطعمهم للطعام و كانت عينه أصيبت مع مسلمة بن عبد الملك في‏و كان المغيرة ينحر الجزور و يطعم الطعام حيث نزل و لا يرد أحدا فجاء قوم من الأعراب فجلسوا على طعامه فجعل أحدهم يحد النظر إليه فقال له المغيرة ما لك تحد النظر إلي قال إني ليريبني عينك و سماحك بالطعام قال و مم ارتبت قال أظنك الدجال لأنا روينا أنه أعور و أنه أطعم الناس للطعام فقال المغيرة ويحك إن الدجال لا تصاب عينه في سبيل الله و للمغيرة يقول الأقيشر الأسدي لما قدم الكوفة فنحر الجزر و بسط الأنطاع و أطعم الناس و صار صيته في العرب

303

أتاك البحر طم على قريش # معيرتي فقد راع ابن بشر (1)

و راع الجدي جدي التيم لما # رأى المعروف منه غير نزر

و من أوتار عقبة قد شفاني # و رهط الحاطبي و رهط صخر

فلا يغررك حسن الزي منهم # و لا سرح ببزيون و نمر (2) .

فابن بشر عبد الله بن بشر بن مروان بن الحكم و جدي التيم حماد بن عمران بن موسى بن طلحة بن عبيد الله و أوتار عقبة يعني أولاد عقبة بن أبي معيط و الحاطبي لقمان بن محمد بن حاطب الجمحي و رهط صخر بنو أبي سفيان بن حرب بن أمية و كل هؤلاء كانوا مشهورين بالكوفة فلما قدمها المغيرة أخمل ذكرهم و المغيرة هذا هو الذي بلغه أن سليم بن أفلح مولى أبي أيوب الأنصاري أراد أن يبيع المنزل الذي نزل فيه 14رسول الله ص مقدمه المدينة على أبي أيوب بخمسمائة دينار فأرسل إليه ألف دينار و سأله أن يبيعه إياه فباعه فلما ملكه جعله صدقة في يومه .

قال الزبير و كان يزيد بن المغيرة بن عبد الرحمن يطاف به بالكوفة على العجل و كان ينحر في كل يوم جزورا و في كل جمعة جزورين و رأى يوما إحدى جفناته مكللة بالسنام تكليلا حسنا فأعجبه فسأل فقال من كللها قيل اليسع ابنك فسر و أعطاه ستين دينارا .

و مر إبراهيم بن هشام على بردة المغيرة و قد أشرقت على الجفنة فقال لعبد من عبيد المغيرة يا غلام على أي شي‏ء نصبتم هذا الثريد على العمد قال لا و لكن على أعضاد الإبل فبلغ ذلك المغيرة فأعتق ذلك الغلام .

و المغيرة هو الذي مر بحرة الأعراب فقاموا إليه فقالوا يا أبا هاشم قد فاض

____________

(1) نسب قريش 305.

(2) البزيون، بالضم: السندس، و قال ابن برى: هو رقيق الديباج.

304

معروفك على الناس فما بالنا أشقى الخلق بك قال إنه لا مال معي و لكن خذوا هذا الغلام فهو لكم فأخذوه فبكى الغلام فقال يا مولاي خدمتي و حرمتي فقال أ تبيعوني إياه قالوا نعم فاشتراه منهم بمال ثم أعتقه و قال له و الله لا أعرضك لمثلها أبدا اذهب فأنت حر فلما عاد إلى الكوفة حمل ذلك المال إليهم .

و كان المغيرة يأمر بالسكر و الجوز فيدقان و يطعمهما أصحاب الصفة المساكين و يقول إنهم يشتهون كما يشتهي غيرهم و لا يمكنهم فخرج المغيرة في سفر و معه جماعة فوردوا غديرا ليس لهم ماء غيره و كان ملحا فأمر بقرب العسل فشقت في الغدير و خيضت بمائه فما شرب أحد منهم حتى راحوا إلا من قرب المغيرة .

و ذكر الزبير أن ابنا لهشام بن عبد الملك كان يسوم المغيرة ماله بالمكان المسمى بديعا فلا يبيعه فغزا ابن هشام أرض الروم و معه المغيرة فأصابت الناس مجاعة في غزاتهم فجاء المغيرة إلى ابن هشام فقال إنك كنت تسومني مالي ببديع (1) فآبى أن أبيعكه فاشتر الآن مني نصفه بعشرين ألف دينار فأطعم المغيرة بها الناس فلما رجع ابن هشام بالناس من غزوته تلك و قد بلغ هشاما الخبر قال لابنه قبح الله رأيك أنت أمير الجيش و ابن أمير المؤمنين يصيب الناس معك مجاعة فلا تطعمهم حتى يبيعك رجل سوقة ماله و يطعم به الناس ويحك أ خشيت أن تفتقر إن أطعمت الناس .

قالوا و لنا عكرمة بن أبي جهل الذي قام له 14رسول الله ص قائما و هو بعد مشرك لم يسلم و لم يقم 14رسول الله ص لرجل داخل عليه من الناس شريف و لا مشرف إلا عكرمة و عكرمة هو الذي اجتهد في نصرة الإسلام بعد أن كان شديد العداوة و هو الذي سأله أبو بكر أن يقبل منه معونة على الجهاد فأبى

____________

(1) بديع: ماء عليه نخيل و عيون جارية بقرب وادى القرى. ياقوت.

305

و قال لا آخذ على الجهاد أجرا و لا معونة و هو الشهيدو هو الذي

14- قال 14رسول الله ص لا تسألني اليوم شيئا إلا أعطيتك فقال فإني أسألك أن تستغفر لي و لم يسأل غير ذلك .

و كل قريش غيره سألوا المال كسهيل بن عمرو و صفوان بن أمية و غيرهما .

قالوا و لنا الحارث بن خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة كان شاعرا مجيدا مكثرا و كان أمير مكة استعمله عليها يزيد بن معاوية و من شعره‏

من كان يسأل عنا أين منزلنا # فالأقحوانة منا منزل قمن‏ (1)

إذ نلبس العيش غضا لا يكدره # قرب الوشاة و لا ينبو بنا الزمن.

و أخوه عكرمة بن خالد كان من وجوه قريش و روى الحديث و روى عنه .

و من ولد خالد بن العاص بن هاشم بن المغيرة خالد بن إسماعيل بن عبد الرحمن كان جوادا متلافا و فيه قال الشاعر

لعمرك إن المجد ما عاش خالد # على العمر من ذي كبدة لمقيم

و تندى البطاح البيض من جود خالد # و يخصبن حتى نبتهن عميم.

قالوا و لنا الأوقص و هو محمد بن عبد الرحمن بن هشام بن المغيرة كان قاضي مكة و كان فقيها .

قالوا و من قدماء المسلمين عبد الله بن أمية بن المغيرة أخو أم سلمة زوج 14رسول الله

____________

(1) نسب قريش 313، معجم البلدان 1: 309 من غير نسبة. و الأقحوانة: موضع بالأردن من أرض دمشق على شاطئ بحيرة طبرية.

306

ص كان شديد الخلاف على المسلمين ثم خرج مهاجرا و شهدوو قتل‏شهيدا .

و الوليد بن أمية غير 14رسول الله ص اسمه فسماه المهاجر و كان من صلحاء المسلمين .

قالوا و منا زهير بن أبي أمية بن المغيرة و بجير بن أبي ربيعة بن المغيرة غير 14رسول الله ص اسمه فسماه عبد الله كانا من أشراف قريش و عباس بن أبي ربيعة كان شريفا ـ قالوا و منا الحارث القباع و هو الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة كان أمير البصرة و عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة الشاعر المشهور ذي الغزل و التشبيب .

قالوا و من ولد الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة الفقيه المشهور و هو المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث كان فقيه المدينة بعد مالك بن أنس و عرض عليه الرشيد جائزة أربعة آلاف دينار فامتنع و لم يتقلد له القضاء .

قالوا و من يعد ما تعده مخزوم و لها خالد بن الوليد بن المغيرة سيف الله كان مباركا ميمون النقيبة شجاعا و كان إليه أعنة الخيل على عهد 14رسول الله ص و شهد معه‏و جرح‏فنفث 14رسول الله ص على جرحه فبرأ و هو الذي قتل مسيلمة و أسر طليحة و مهد خلافة أبي بكر و قال‏لقد شهدت كذا و كذا زحفا و ما في جسدي موضع إصبع إلا و فيه طعنة أو ضربه و ها أنا ذا أموت على فراشي كما يموت البعير فلا نامت أعين الجبناء و مر عمر بن الخطاب على دور بني مخزوم و النساء يندبن خالدا و قد وصل خبره إليهم‏