شرح نهج البلاغة - ج18

- ابن ابي الحديد المزيد...
419 /
307

و كان مات بحمص فوقف و قال ما على النساء أن يندبن أبا سليمان و هل تقوم حرة عن مثله ثم أنشد

أ تبكي ما وصلت به الندامى # و لا تبكي فوارس كالجبال

أولئك إن بكيت أشد فقدا # من الأنعام و العكر الحلال‏ (1)

تمنى بعدهم قوم‏ (2) مداهم # فما بلغوا لغايات الكمال.

و كان عمرو مبغضا لخالد و منحرفا عنه و لم يمنعه ذلك من أن صدق فيه .

قالوا و منا الوليد بن الوليد بن المغيرة كان رجل صدق من صلحاء المسلمين .

و منا عبد الرحمن بن خالد بن الوليد و كان عظيم القدر في أهل الشام و خاف معاوية منه أن يثب على الخلافة بعدهم فسمه أمر طبيبا له يدعى ابن أثال فسقاه فقتله .

و خالد بن المهاجر بن خالد بن الوليد قاتل ابن أثال بعمه عبد الرحمن و المخالف على بني أمية و المنقطع إلى بني هاشم و إسماعيل بن هشام بن الوليد كان أمير المدينة و إبراهيم و محمد ابنا هشام بن عبد الملك و أيوب بن سلمة بن عبد الله بن الوليد بن الوليد و كان من رجال قريش و من ولده هشام بن إسماعيل بن أيوب و سلمة بن عبد الله بن الوليد بن الوليد ولي شرطة المدينة .

قالوا و من ولد حفص بن المغيرة عبد الله بن أبي عمر بن حفص بن المغيرة هو أول خلق الله حاج يزيد بن معاوية .

قالوا و لنا الأزرق و هو عبد الله بن عبد الرحمن بن الوليد بن عبد شمس بن المغيرة والي اليمن لابن الزبير و كان من أجود العرب و هو ممدوح أبي دهبل الجمحي .

____________

(1) العكر: ما فوق الخمسمائة من الإبل.

(2) في د: «الناس» .

308

14- قالوا و لنا شريك 14رسول الله ص و هو عبد الله بن السائب بن أبي السائب و اسم أبي السائب صيفي بن عائذ بن عبد الله بن عمر بن مخزوم كان شريك 14النبي ص في الجاهلية فجاءه‏فقال له أ تعرفني قال أ لست شريكي قال بلى قال لقد كنت خير شريك لا تشاري و لا تماري .

قالوا و منا الأرقم بن أبي الأرقم الذي استتر 14رسول الله في داره بمكة في أول الدعوة و اسم أبي الأرقم عبد مناف بن أسد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم .

و منا أبو سلمة بن عبد الأسد و اسمه عبد الله و هو زوج أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة قبل 14رسول الله ص شهد أبو سلمة و كان من صلحاء المسلمين .

قالوا لنا هبيرة بن أبي وهب كان من الفرسان المذكورين و ابنه جعدة بن هبيرة و هو ابن أخت 1علي بن أبي طالب ع أمه أم هانئ بنت أبي طالب و ابنه عبد الله بن جعدة بن هبيرة هو الذي فتح القهندر و كثيرا من خراسان فقال فيه الشاعر

لو لا ابن جعدة لم تفتح قهندركم # و لا خراسان حتى ينفخ الصور.

قالوا و لنا سعيد بن المسيب الفقيه المشهور و أما الجواد المشهور فهو الحكم بن المطلب بن حنطب بن الحارث بن عبيد بن عمر بن مخزوم .

و قد اختصرنا و اقتصرنا على من ذكرنا و تركنا كثيرا من رجال مخزوم خوف الإسهاب .

و ينبغي أن يقال في الجواب إن 1أمير المؤمنين ع لم يقل هذا الكلام احتقارا لهم و لا استصغارا لشأنهم و لكن 1أمير المؤمنين ع كان أكثر همة يوم المفاخرة أن يفاخر بني عبد شمس لما بينه و بينهم فلما ذكر مخزوما بالعرض قال فيهم ما قال و لو كان يريد مفاخرتهم لما اقتصر لهم على ما ذكره عنهم على أن أكثر هؤلاء الرجال إسلاميون بعد عصر 1علي ع و 1علي ع إنما يذكر من قبله لا من يجي‏ء بعده .

309

فإن قلت إذا كان قد قال في بني عبد شمس إنهم أمنع لما وراء ظهورهم ثم قال في بني هاشم إنهم أسمح عند الموت بنفوسهم فقد تناقض الوصفان .

قلت لا مناقضة بينهما لأنه أراد كثرة بني عبد شمس فبالكثرة تمنع ما وراء ظهورها و كان بنو هاشم أقل عددا من بني عبد شمس إلا أن كل واحد منهم على انفراده أشجع و أسمح بنفسه عند الموت من كل واحد على انفراده من بني عبد شمس فقد بان أنه لا مناقضة بين القولين‏

310

*3117* 117 و من كلامه ع في اختلاف الأعمال‏

وَ قَالَ ع شَتَّانَ مَا بَيْنَ عَمَلَيْنِ عَمَلٍ تَذْهَبُ لَذَّتُهُ وَ تَبْقَى تَبِعَتُهُ وَ عَمَلٍ تَذْهَبُ مَئُونَتُهُ وَ يَبْقَى أَجْرُهُ (1) -. أخذ هذا المعنى بعض الشعراء فقال‏

تفنى اللذاذة ممن نال بغيته # من الحرام و يبقى الإثم و العار

تبقي عواقب سوء في مغبتها # لا خير في لذة من بعدها النار

311

*3118* 118 و من كلامه ع في الوعظ بالموت و بعض مكارم الأخلاق‏

وَ قَالَ ع وَ قَدْ تَبِعَ جِنَازَةً فَسَمِعَ رَجُلاً يَضْحَكُ فَقَالَ كَأَنَّ اَلْمَوْتَ فِيهَا عَلَى غَيْرِنَا كُتِبَ وَ كَأَنَّ اَلْحَقَّ فِيهَا عَلَى غَيْرِنَا وَجَبَ وَ كَأَنَّ اَلَّذِي نَرَى مِنَ اَلْأَمْوَاتِ سَفْرٌ عَمَّا قَلِيلٍ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ نُبَوِّئُهُمْ أَجْدَاثَهُمْ وَ نَأْكُلُ تُرَاثَهُمْ كَأَنَّا مُخَلَّدُونَ بَعْدَهُمْ ثُمَّ قَدْ نَسِينَا كُلَّ وَاعِظٍ وَ وَاعِظَةٍ وَ رُمِينَا بِكُلِّ فَادِحٍ وَ جَائِحَةٍ طُوبَى لِمَنْ ذَلَّ فِي نَفْسِهِ وَ طَابَ كَسْبُهُ وَ صَلَحَتْ سَرِيرَتُهُ وَ حَسُنَتْ خَلِيقَتُهُ وَ أَنْفَقَ اَلْفَضْلَ مِنْ مَالِهِ وَ أَمْسَكَ اَلْفَضْلَ مِنْ لِسَانِهِ وَ عَزَلَ عَنِ اَلنَّاسِ شَرَّهُ وَ وَسِعَتْهُ اَلسُّنَّةُ وَ لَمْ يُنْسَبْ إِلَى بِدْعَةٍ طُوبَى لِمَنْ ذَلَّ فِي نَفْسِهِ وَ طَابَ كَسْبُهُ وَ صَلَحَتْ سَرِيرَتُهُ وَ حَسُنَتْ خَلِيقَتُهُ وَ أَنْفَقَ اَلْفَضْلَ مِنْ مَالِهِ وَ أَمْسَكَ اَلْفَضْلَ مِنْ لِسَانِهِ وَ عَزَلَ عَنِ اَلنَّاسِ شَرَّهُ وَ وَسِعَتْهُ اَلسُّنَّةُ وَ لَمْ يُنْسَبْ إلَى اَلْبِدْعَةِ . قال الرضي أقول و من الناس من ينسب هذا الكلام إلى 14رسول الله ص و كذلك الذي قبله قال الرضي رحمه الله تعالى أقول و من الناس من ينسب هذا الكلام إلى 14رسول الله ص (1) - الأشهر الأكثر في الرواية-أن هذا الكلام من كلام 14رسول الله ص و مثل قوله‏ كأن الموت فيها على غيرنا كتب

2- قول 2الحسن ع ما رأيت حقا لا باطل فيه أشبه بباطل لا حق فيه من الموت.

و الألفاظ التي بعده واضحة ليس فيها ما يشرح و قد تقدم ذكر نظائرها

312

*3119* 119 و من كلامه ع في غيرة الرجل و المرأة

وَ قَالَ ع غَيْرَةُ اَلْمَرْأَةِ كُفْرٌ وَ غَيْرَةُ اَلرَّجُلِ إِيمَانٌ (1) -. المرجع في هذا إلى العقل و التماسك فلما كان الرجل أعقل و أشد تماسكا كانت غيرته في موضعها و كانت واجبة عليه لأن النهي عن المنكر واجب و فعل الواجبات من الإيمان و أما المرأة فلما كانت انقص عقلا و أقل صبرا كانت غيرتها على الوهم الباطل و الخيال غير المحقق فكانت قبيحة لوقوعها غير موقعها و سماها ع كفرا لمشاركتها الكفر في القبح فأجرى عليها اسمه .

و أيضا فإن المرأة قد تؤدي بها الغيرة إلى ما يكون كفرا على الحقيقة كالسحر فقد ورد في الحديث المرفوع أنه كفر و قد يفضي بها الضجر و القلق إلى أن تتسخط و تشتم و تتلفظ بألفاظ تكون كفرا لا محالة

313

*3120* 120 و من كلامه ع في بيان معنى الإسلام و الإيمان‏

وَ قَالَ ع لَأَنْسُبَنَّ اَلْإِسْلاَمَ نِسْبَةً لَمْ يَنْسُبْهَا أَحَدٌ قَبْلِي اَلْإِسْلاَمُ هُوَ اَلتَّسْلِيمُ وَ اَلتَّسْلِيمُ هُوَ اَلْيَقِينُ وَ اَلْيَقِينُ هُوَ اَلتَّصْدِيقُ وَ اَلتَّصْدِيقُ هُوَ اَلْإِقْرَارُ وَ اَلْإِقْرَارُ هُوَ اَلْأَدَاءُ وَ اَلْأَدَاءُ هُوَ اَلْعَمَلُ (1) -. خلاصة هذا الفصل تقتضي صحة مذهب أصحابنا المعتزلة في أن الإسلام و الإيمان عبارتان عن معبر واحد و أن العمل داخل في مفهوم هذه اللفظة أ لا تراه جعل كل واحدة من اللفظات قائمة مقام الأخرى في إفادة المفهوم كما تقول الليث هو الأسد و الأسد هو السبع و السبع هو أبو الحارث فلا شبهة أن الليث يكون أبا الحارث أي أن الأسماء مترادفة فإذا كان أول اللفظات الإسلام و آخرها العمل دل على أن العمل هو الإسلام و هكذا يقول أصحابنا إن تارك العمل و تارك الواجب لا يسمى مسلما .

فإن قلت هب أن كلامه ع يدل على ما قلت كيف يدل على أن الإسلام هو الإيمان قلت لأنه إذا دل على أن العمل هو الإسلام وجب أن يكون الإيمان هو الإسلام لأن كل من قال إن العمل داخل في مسمى الإسلام قال إن الإسلام هو الإيمان‏

314

فالقول بأن العمل داخل في مسمى الإسلام و ليس الإسلام هو الإيمان قول لم يقل به أحد فيكون الإجماع واقعا على بطلانه .

فإن قلت إن 1أمير المؤمنين ع لم يقل كما تقوله المعتزلة لأن المعتزلة تقول الإسلام اسم واقع على العمل و غيره من الاعتقاد و النطق باللسان و 1أمير المؤمنين ع جعل الإسلام هو العمل فقط فكيف ادعيت أن قول 1أمير المؤمنين ع يطابق مذهبهم قلت لا يجوز أن يريد غيره لأن لفظ العمل يشمل الاعتقاد و النطق باللسان و حركات الأركان بالعبادات إذ كل ذلك عمل و فعل و إن كان بعضه من أفعال القلوب و بعضه من أفعال الجوارح و لو لم يرد 1أمير المؤمنين ع ما شرحناه لكان قد قال الإسلام هو العمل بالأركان خاصة و لم يعتبر فيه الاعتقاد القلبي و لا النطق اللفظي و ذلك مما لا يقوله أحد

315

*3121* 121 و من كلامه ع في مساوئ الأخلاق و ذميمها

وَ قَالَ ع عَجِبْتُ لِلْبَخِيلِ يَسْتَعْجِلُ اَلْفَقْرَ اَلَّذِي مِنْهُ هَرَبَ وَ يَفُوتُهُ اَلْغِنَى اَلَّذِي إِيَّاهُ طَلَبَ فَيَعِيشُ فِي اَلدُّنْيَا عَيْشَ اَلْفُقَرَاءِ وَ يُحَاسَبُ فِي اَلآْخِرَةِ حِسَابَ اَلْأَغْنِيَاءِ وَ عَجِبْتُ لِلْمُتَكَبِّرِ اَلَّذِي كَانَ بِالْأَمْسِ نُطْفَةً وَ يَكُونُ غَداً جِيفَةً وَ عَجِبْتُ لِمَنْ شَكَّ فِي اَللَّهِ وَ هُوَ يَرَى خَلْقَ اَللَّهِ وَ عَجِبْتُ لِمَنْ نَسِيَ اَلْمَوْتَ وَ هُوَ يَرَى مَنْ يَمُوتُ اَلْمَوْتَى وَ عَجِبْتُ لِمَنْ أَنْكَرَ اَلنَّشْأَةَ اَلْأُخْرَى وَ هُوَ يَرَى اَلنَّشْأَةَ اَلْأُولَى وَ عَجِبْتُ لِعَامِرٍ دَارَ اَلْفَنَاءِ وَ تَارِكٍ دَارَ اَلْبَقَاءِ (1) -. قال أعرابي الرزق الواسع لمن لا يستمتع به بمنزلة الطعام الموضوع على قبر و رأى حكيم رجلا مثريا يأكل خبزا و ملحا فقال لم تفعل هذا قال أخاف الفقر قال فقد تعجلته فأما القول في الكبر و التيه فقد تقدم منه ما فيه كفاية و قال ابن الأعرابي ما تاه على أحد قط أكثر من مرة واحدة أخذ هذا المعنى شاعر فقال و أحسن‏

هذه منك فإن عدت # إلى الباب فمني.

و قد تقدم من كلامنا في نظائر هذه الألفاظ المذكورة ما يغني عن الإطالة هاهنا

316

*3122* 122 و من كلامه ع في التقصير في العمل‏

وَ قَالَ ع مَنْ قَصَّرَ فِي اَلْعَمَلِ اُبْتُلِيَ بِالْهَمِّ لاَ حَاجَةَ لِلَّهِ فِيمَنْ لَيْسَ لِلَّهِ فِي مَالِهِ وَ نَفْسِهِ نَصِيبٌ (1) - . هذا مخصوص بأصحاب اليقين و الاعتقاد الصحيح فإنهم الذين إذا قصروا في العمل ابتلوا بالهم فأما غيرهم من المسرفين على أنفسهم و ذوي النقص في اليقين و الاعتقاد فإنه لا هم يعروهم و إن قصروا في العمل و هذه الكلمة قد جربناها من أنفسنا فوجدنا مصداقها واضحا و ذلك أن الواحد منا إذا أخل بفريضة الظهر مثلا حتى تغيب الشمس و إن كان أخل بها لعذر وجد ثقلا في نفسه و كسلا و قلة نشاط و كأنه مشكول بشكال أو مقيد بقيد حتى يقضي تلك الفريضة فكأنما أنشط من عقال‏

317

*3123* 123 و من كلامه ع في ابتلاء العبد بماله و نفسه‏

لاَ حَاجَةَ لِلَّهِ فِيمَنْ لَيْسَ لِلَّهِ فِي مَالِهِ وَ نَفْسِهِ نَصِيبٌ (1) - .

14- قد جاء في الخبر المرفوع إذا أحب الله عبدا ابتلاه في ماله أو في نفسه.

14- و جاء في الحديث المرفوع اللهم أني أعوذ بك من جسد لا يمرض و من مال لا يصاب.

14- و روى عبد الله بن أنس 14عنه ص أنه قال أيكم يحب أن يصح فلا يسقم قالوا كلنا يا 14رسول الله قال أ تحبون أن تكونوا كالحمر الصائلة ألا تحبون أن تكونوا أصحاب بلايا و أصحاب كفارات و الذي بعثني بالحق إن الرجل لتكون له الدرجة في الجنة فلا يبلغها بشي‏ء من عمله فيبتليه الله ليبلغه الله درجة لا يبلغها بعمله .

14- و في الحديث أيضا ما من مسلم يمرض مرضا إلا حت الله به خطاياه كما تحت الشجرة ورقها.

14- و روى أبو عثمان النهدي قال دخل رجل أعرابي على 14رسول الله ص ذو جسمان عظيم فقال له متى عهدك بالحمى قال ما أعرفها قال بالصداع‏

318

قال ما أدري ما هو قال فأصبت بمالك قال لا قال فرزئت بولدك قال لا فقال ع إن الله ليكره العفريت النفريت الذي لا يرزأ في ولده و لا يصاب في ماله .

14- و جاء في بعض الآثار أشد الناس حسابا الصحيح الفارغ.

14- و في حديث حذيفة رضي الله عنه إن أقر يوم لعيني ليوم لا أجد فيه طعاما سمعت 14رسول الله ص يقول إن الله ليتعاهد عبده المؤمن بالبلاء كما يتعاهد الوالد ولده بالطعام و إن الله يحمي عبده المؤمن كما يحمي أحدكم المريض من الطعام.

14- و في الحديث المرفوع أيضا إذا أحب الله عبدا ابتلاه فإذا أحبه الحب البالغ اقتناه قالوا و ما اقتناؤه قال ألا يترك له مالا و لا ولدا.

16- مر موسى ع برجل كان يعرفه مطيعا لله قد مزقت السباع لحمه و أضلاعه و كبده ملقاة فوقف متعجبا فقال أي رب عبدك المطيع لك ابتليته بما أرى فأوحى الله إليه أنه سألني درجة لم يبلغها بعمله فجعلت له بما ترى سبيلا إلى تلك الدرجة.

14- و جاء في الحديث أن زكريا لم يزل يرى ولده يحيى مغموما باكيا مشغولا بنفسه فقال يا رب طلبت منك ولدا أنتفع به فرزقتنيه لا نفع لي فيه فقال له إنك طلبته وليا و الولي لا يكون إلا هكذا مسقاما فقيرا مهموما.

و قال سفيان الثوري كانوا لا يعدون الفقيه فقيها من لا يعد البلاء نعمة و الرخاء مصيبة .

14- جابر بن عبد الله يرفعه يود أهل العافية يوم القيامة أن لحومهم كانت تقرض بالمقاريض لما يرون من ثواب أهل البلاء.

319

*3124* 124 و من كلامه ع في التوقي من البرد و تلقيه‏

وَ قَالَ ع تَوَقَّوُا اَلْبَرْدَ فِي أَوَّلِهِ وَ تَلَقَّوْهُ فِي آخِرِهِ فَإِنَّهُ يَفْعَلُ فِي اَلْأَبْدَانِ كَفِعْلِهِ فِي اَلْأَشْجَارِ أَوَّلُهُ يُحْرِقُ وَ آخِرُهُ يُورِقُ (1) -. هذه مسألة طبيعية قد ذكرها الحكماء قالوا لما كان تأثير الخريف في الأبدان و توليده الأمراض كالزكام و السعال و غيرهما أكثر من تأثير الربيع مع أنهما جميعا فصلا اعتدال و أجابوا بأن برد الخريف يفجأ الإنسان و هو معتاد لحر الصيف فينكأ فيه و يسد مسام دماغه لأن البرد يكثف و يسد المسام فيكون كمن دخل من موضع شديد الحرارة إلى خيش بارد .

فأما المنتقل من الشتاء إلى فصل الربيع فإنه لا يكاد برد الربيع يؤذيه ذلك الأذى لأنه قد اعتاد جسمه برد الشتاء فلا يصادف من برد الربيع إلا ما قد اعتاد ما هو أكثر منه فلا يظهر لبرد الربيع تأثير في مزاجه فأما لم أورقت الأشجار و أزهرت في الربيع دون الخريف فلما في الربيع من الكيفيتين اللتين هما منبع النمو و النفس النباتية و هما الحرارة و الرطوبة و أما الخريف فخال من هاتين الكيفيتين و مستبدل بهما ضدهما

320

و هما البرودة و اليبس المنافيان للنشوء و حياة الحيوان و النبات فأما لم كان الخريف باردا يابسا و الربيع حارا رطبا مع أن نسبة كل واحد منهما إلى الفصلين الخارجين عن الاعتدال و هما الشتاء و الصيف نسبة واحدة فإن تعليل ذلك مذكور في الأصول الطبية و الكتب الطبيعية و ليس هذا الموضع مما يحسن أن يشرح فيه مثل ذلك‏

321

*3125* 125 و من كلامه ع في بيان عظمة الخالق و آثاره على العبد

وَ قَالَ ع عِظَمُ اَلْخَالِقِ عِنْدَكَ يُصَغِّرُ اَلْمَخْلُوقَ فِي عَيْنِكَ (1) -. لا نسبة للمخلوق إلى الخالق أصلا و خصوصا البشر لأنهم بالنسبة إلى فلك القمر كالذرة و نسبة فلك القمر كالذرة بالنسبة إلى قرص الشمس بل هم‏ (1) دون هذه النسبة مما (2) يعجز الحاسب الحاذق عن حساب ذلك و فلك القمر بالنسبة إلى الفلك المحيط دون هذه النسبة و نسبة الفلك المحيط إلى الباري سبحانه كنسبة العدم المحض و النفي الصرف إلى الموجود البائن بل هذا القياس أيضا غير صحيح لأن المعدوم يمكن أن يصير موجودا بائنا و الفلك لا يتصور أن يكون صانع العالم الواجب الوجود لذاته .

و على الجملة فالأمر أعظم من كل عظيم و أجل من كل جليل و لا طاقة للعقول و الأذهان أن تعبر عن جلالة ذلك الجناب و عظمته بل لو قيل إنها لا طاقة لها أن تعبر عن جلال مصنوعاته الأولى المتقدمة علينا بالرتبة العقلية و الزمانية لكان ذلك القول حقا و صدقا فمن هو المخلوق ليقال إن عظم الخالق يصغره في العين و لكن كلامه ع محمول على مخاطبة العامة الذين تضيق أفهامهم عما ذكرناه‏

____________

(1) ساقط من ا، ب.

(2) ب: «بما» .

322

*3126* 126 و من كلامه ع في مخاطبة أهل القبور

وَ قَالَ ع: وَ قَدْ رَجَعَ مِنْ‏فَأَشْرَفَ عَلَى اَلْقُبُورِ بِظَاهِرِ اَلْكُوفَةِ يَا أَهْلَ اَلدِّيَارِ اَلْمُوحِشَةِ وَ اَلْمَحَالِّ اَلْمُقْفِرَةِ وَ اَلْقُبُورِ اَلْمُظْلِمَةِ يَا أَهْلَ اَلتُّرْبَةِ يَا أَهْلَ اَلْغُرْبَةِ يَا أَهْلَ اَلْوَحْدَةِ يَا أَهْلَ اَلْوَحْشَةِ أَنْتُمْ لَنَا فَرَطٌ سَابِقٌ وَ نَحْنُ لَكُمْ تَبَعٌ لاَحِقٌ أَمَّا اَلدُّورُ فَقَدْ سُكِنَتْ وَ أَمَّا اَلْأَزْوَاجُ فَقَدْ نُكِحَتْ وَ أَمَّا اَلْأَمْوَالُ فَقَدْ قُسِمَتْ هَذَا خَبَرُ مَا عِنْدَنَا فَمَا خَبَرُ مَا عِنْدَكُمْ ثُمَّ اِلْتَفَتَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ أَمَا وَ اَللَّهِ لَوْ أُذِنَ لَهُمْ فِي اَلْكَلاَمِ لَأَخْبَرُوكُمْ أَنَ‏ خَيْرَ اَلزََّادِ اَلتَّقْوى‏ََ (1) - . الفرط المتقدمون و قد ذكرنا من كلام عمر ما يناسب هذا الكلام لما ظعن في القبور و عاد إلى أصحابه أحمر الوجه ظاهر العروق (2) - قال قد وقفت على قبور الأحبة فناديتها الحديث إلى آخره فقيل له فهل أجابتك قال نعم قالت إن‏ خَيْرَ اَلزََّادِ اَلتَّقْوى‏ََ .

و قد جاء في حديث القبور و مخاطبتها و حديث الأموات و ما يتعلق بذلك شي‏ء كثير يتجاوز الإحصاء .

323

14- و في وصية 14النبي ص أبا ذر رضي الله عنه زر القبور تذكر بها الآخرة و لا تزرها ليلا و غسل الموتى يتحرك قلبك فإن الجسد الخاوي‏ (1) عظة بليغة و صل على الموتى فإن ذلك يحزنك فإن الحزين في ظل الله.

وجد على قبر مكتوبا

مقيم إلى أن يبعث الله خلقه # لقاؤك لا يرجى و أنت رقيب

تزيد بلى في كل يوم و ليلة # و تنسى كما تبلى و أنت حبيب‏

2- و قال 2الحسن ع مات صديق لنا صالح فدفناه و مددنا على القبر ثوبا فجاء صلة بن أشيم فرفع طرف الثوب و نادى يا فلان‏

إن تنج منها تنج من ذي عظيمة # و إلا فإني لا إخالك ناجيا

.

14- و في الحديث المرفوع أنه ع كان إذا تبع الجنازة أكثر الصمات‏ (2) و رئي عليه كآبة ظاهرة و أكثر حديث النفس .

سمع أبو الدرداء رجلا يقول في جنازة من هذا فقال أنت فإن كرهت فأنا .

2- سمع 2الحسن ع امرأة تبكي خلف جنازة و تقول يا أبتاه مثل يومك لم أره فقال بل أبوك مثل يومه لم يره .

و كان مكحول إذا رأى جنازة قال اغد فإنا رائحون .

و قال ابن شوذب اطلعت امرأة صالحة في لحد فقالت لامرأة معها هذا كندوج العمل يعني خزانته و كانت تعطيها الشي‏ء بعد الشي‏ء تأمرها أن تتصدق به فتقول اذهبي فضعي هذا في كندوج العمل .

____________

(1) الخاوى: الخالى من الروح.

(2) الصمات، مصدر صمت.

324

شاعر

أ جازعة ردينة أن أتاها # نعيي أم يكون لها اصطبار

إذا ما أهل قبري ودعوني # و راحوا و الأكف بها غبار

و غودر أعظمي في لحد قبر # تراوحه الجنائب و القطار

تهب الريح فوق محط قبري # و يرعى حوله اللهق النوار (1)

مقيم لا يكلمني صديق # بقفر لا أزور و لا أزار

فذاك النأي لا الهجران حولا # و حولا ثم تجتمع الديار.

و قال آخر

كأني بإخواني على حافتي قبري # يهيلونه فوقي و أدمعهم تجري

فيا أيها المذري علي دموعه # ستعرض في يومين عني و عن ذكري

عفا الله عني يوم أترك ثاويا # أزار فلا أدري و أجفي فلا أدري‏

14- و جاء في الحديث المرفوع ما رأيت منظرا إلا و القبر أفظع منه.

14- و في الحديث أيضا القبر أول منزل من منازل الآخرة فمن نجا منه فما بعده أيسر و من لم ينج منه فما بعده شر منه.

____________

(1) اللهق بالتحريك: الثور الأبيض، و النوار: الناشز.

325

*3127* 127 و من كلامه ع في من ذم الدنيا

وَ قَالَ ع وَ قَدْ سَمِعَ رَجُلاً يَذُمُّ اَلدُّنْيَا أَيُّهَا اَلذَّامُّ لِلدُّنْيَا اَلْمُغْتَرُّ بِغُرُورِهَا اَلْمُنْخَدِعُ اَلْمَخْدُوعُ بِأَبَاطِيلِهَا أَ تَفْتَتِنُ تَغْتَرُّ بِهَا ثُمَّ تَذُمُّهَا أَنْتَ اَلْمُتَجَرِّمُ عَلَيْهَا أَمْ هِيَ اَلْمُتَجَرِّمَةُ عَلَيْكَ مَتَى اِسْتَهْوَتْكَ أَمْ مَتَى غَرَّتْكَ أَ بِمَصَارِعِ آبَائِكَ مِنَ اَلْبِلَى أَمْ بِمَضَاجِعِ أُمَّهَاتِكَ تَحْتَ اَلثَّرَى كَمْ عَلَّلْتَ بِكَفَّيْكَ وَ كَمْ مَرَّضْتَ بِيَدَيْكَ تَبْتَغِي لَهُمُ اَلشِّفَاءَ وَ تَسْتَوْصِفُ لَهُمُ اَلْأَطِبَّاءَ غَدَاةَ لاَ يُغْنِي عَنْهُمْ دَوَاؤُكَ وَ لاَ يُجْدِي عَلَيْهِمْ بُكَاؤُكَ لَمْ يَنْفَعْ أَحَدَهُمْ إِشْفَاقُكَ وَ لَمْ تُسْعَفْ فِيهِ بِطَلِبَتِكَ وَ لَمْ تَدْفَعْ عَنْهُ بِقُوَّتِكَ وَ قَدْ مَثَّلَتْ لَكَ بِهِ اَلدُّنْيَا نَفْسَكَ وَ بِمَصْرَعِهِ مَصْرَعَكَ إِنَّ اَلدُّنْيَا دَارُ صِدْقٍ لِمَنْ صَدَقَهَا وَ دَارُ عَافِيَةٍ لِمَنْ فَهِمَ عَنْهَا وَ دَارُ غِنًى لِمَنْ تَزَوَّدَ مِنْهَا وَ دَارُ مَوْعِظَةٍ لِمَنِ اِتَّعَظَ بِهَا مَسْجِدُ أَحِبَّاءِ اَللَّهِ وَ مُصَلَّى مَلاَئِكَةِ اَللَّهِ وَ مَهْبِطُ وَحْيِ اَللَّهِ وَ مَتْجَرُ أَوْلِيَاءِ اَللَّهِ اِكْتَسَبُوا فِيهَا اَلرَّحْمَةَ وَ رَبِحُوا فِيهَا اَلْجَنَّةَ فَمَنْ ذَا يَذُمُّهَا وَ قَدْ آذَنَتْ بِبَيْنِهَا وَ نَادَتْ بِفِرَاقِهَا وَ نَعَتْ نَفْسَهَا وَ أَهْلَهَا فَمَثَّلَتْ لَهُمْ بِبَلاَئِهَا اَلْبَلاَءَ وَ شَوَّقَتْهُمْ بِسُرُورِهَا إِلَى اَلسُّرُورِ رَاحَتْ بِعَافِيَةٍ وَ اِبْتَكَرَتْ بِفَجِيعَةٍ تَرْغِيباً وَ تَرْهِيباً وَ تَخْوِيفاً وَ تَحْذِيراً

326

فَذَمَّهَا رِجَالٌ غَدَاةَ اَلنَّدَامَةِ وَ حَمِدَهَا آخَرُونَ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ ذَكَّرَتْهُمُ اَلدُّنْيَا فَذَكَّرُوا فَتَذَكَّرُوا وَ حَدَّثَتْهُمْ فَصَدَّقُوا وَ وَعَظَتْهُمْ فَاتَّعَظُوا (1) - . ـ تجرمت‏ على فلان ادعيت عليه جرما و ذنبا (2) - و استهواه‏ كذا استزله (3) - .

و قوله ع‏ فمثلت لهم ببلائها البلاء أي بلاء الآخرة و عذاب جهنم و شوقتهم بسرورها إلى السرور أي إلى سرور الآخرة و نعيم الجنة (4) - .

و هذا الفصل كله لمدح الدنيا و هو ينبئ عن اقتداره ع على ما يريد من المعاني لأن كلامه كله في ذم الدنيا و هو الآن يمدحها و هو صادق في ذاك و في هذا و قد جاء عن 14النبي ص كلام يتضمن مدح الدنيا أو قريبا من المدح و هو

14- 14قوله ع الدنيا حلوة خضرة فمن أخذها بحقها بورك له فيها.

و احتذى عبد الله بن المعتز (1) حذو 1أمير المؤمنين ع في مدح الدنيا فقال في كلام له الدنيا دار التأديب‏ (2) و التعريف التي بمكروهها توصل إلى محبوب الآخرة و مضمار الأعمال السابقة بأصحابها إلى الجنان و درجة الفوز التي يرتقى عليها المتقون إلى دار الخلد و هي الواعظة لمن عقل و الناصحة لمن قبل و بساط المهل و ميدان العمل و قاصمة الجبارين و ملحقة الرغم معاطس المتكبرين و كاسية التراب أبدان المختالين و صارعة المغترين و مفرقة أموال الباخلين و قاتلة القاتلين و العادلة بالموت على جميع العالمين و ناصرة المؤمنين و مبيرة الكافرين الحسنات فيها مضاعفة و السيئات بآلامها ممحوة و مع عسرها يسران و الله تعالى قد ضمن أرزاق أهلها و أقسم في كتابه بما فيها و رب طيبة

____________

(1) د: «المغيرة» .

(2) د: «التأدب» .

327

من نعيمها قد حمد الله عليها فتلقتها أيدي الكتبة و وجبت بها الجنة و كم نائبة من نوائبها و حادثة من حوادثها قد راضت الفهم و نبهت الفطنة و أذكت القريحة و أفادت فضيلة الصبر و كثرت ذخائر الأجر .

1- و من الكلام المنسوب إلى 1علي ع الناس أبناء الدنيا و لا يلام المرء على حب أمه.

أخذه محمد بن وهب الحميري فقال‏

و نحن بنو الدنيا خلقنا لغيرها # و ما كنت منه فهو شي‏ء محبب‏

328

*3128* 128 و من كلامه ع في التنبيه على كون الدنيا دار فناء و زوال لا بقاء و سلامة

وَ قَالَ ع إِنَّ لِلَّهِ مَلَكاً يُنَادِي فِي كُلِّ يَوْمٍ لِدُوا لِلْمَوْتِ وَ اِجْمَعُوا لِلْفَنَاءِ وَ اِبْنُوا لِلْخَرَابِ (1) -. هذه اللام عند أهل العربية تسمى لام العاقبة و مثل هذا قوله تعالى‏ فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَ حَزَناً (1) ليس أنهم التقطوه لهذه العلة بل التقطوه فكان عاقبة التقاطهم إياه العداوة و الحزن و مثله‏

فللموت ما تلد الوالدة.

و مثله قوله تعالى‏ وَ لَقَدْ ذَرَأْنََا لِجَهَنَّمَ (2) ليس أنه ذرأهم ليعذبهم في جهنم بل ذرأهم و كان عاقبة ذرئهم أن صاروا فيها و بهذا الحرف يحصل الجواب عن كثير من الآيات المتشابهة التي تتعلق بها المجبرة .

و أما فحوى هذا القول و خلاصته فهو التنبيه على أن الدنيا دار فناء و عطب لا دار بقاء و سلامة و أن الولد يموت و الدور تخرب و ما يجمع من الأموال يفنى‏

____________

(1) سورة القصص 8.

(2) سورة الأعراف 179.

329

*3129* 129 و من كلامه ع في أن الناس في الدنيا رجلان منهم باع نفسه و منهم ابتاعها

وَ قَالَ ع اَلدُّنْيَا دَارُ مَمَرٍّ لاَ دَارُ (1) مَقَرٍّ وَ اَلنَّاسُ فِيهَا رَجُلاَنِ رَجُلٌ بَاعَ فِيهَا نَفْسَهُ فَأَوْبَقَهَا وَ رَجُلٌ اِبْتَاعَ نَفْسَهُ فَأَعْتَقَهَا (1) -. قال عمر بن عبد العزيز يوما لجلسائه أخبروني من أحمق الناس قالوا رجل باع آخرته بدنياه فقال أ لا أنبئكم بأحمق منه قالوا بلى قال رجل باع آخرته بدنيا غيره .

قلت لقائل أن يقول له ذاك باع آخرته بدنياه أيضا لأنه لو لم يكن له لذة في بيع آخرته بدنيا غيره لما باعها و إذا كان له في ذلك لذة فإذن إنما باع آخرته بدنياه لأن دنياه هي لذته‏

____________

(1) في د «إلى دار» و المعنى عليه يستقيم أيضا.

330

*3130* 130 و من كلامه ع في حفظ الصداقة و الصديق‏

وَ قَالَ ع لاَ يَكُونُ اَلصَّدِيقُ صَدِيقاً حَتَّى يَحْفَظَ أَخَاهُ فِي ثَلاَثٍ فِي نَكْبَتِهِ وَ غَيْبَتِهِ وَ وَفَاتِهِ (1) -. قد تقدم لنا كلام في الصديق و الصداقة و أما النكبة و حفظ الصديق فيها فإنه يقال في الحبوس‏ (1) مقابر الأحياء و شماتة الأعداء و تجربة الأصدقاء .

و أما الغيبة فإنه قد قال الشاعر

و إذا الفتى حسنت مودته # في القرب ضاعفها على البعد.

و أما الموت فقد قال الشاعر

و إني لأستحييه و الترب بيننا # كما كنت أستحييه و هو يراني‏

1- و من كلام 1علي ع الصديق من صدق في غيبته.

قيل لحكيم من أبعد الناس سفرا قال من سافر في ابتغاء الأخ الصالح .

أبو العلاء المعري

أزرت بكم يا ذوي الألباب أربعة # يتركن أحلامكم نهب الجهالات

ود الصديق و علم الكيمياء و أحكام # النجوم و تفسير المنامات.

قيل للثوري دلني على جليس أجلس إليه‏ (2) قال تلك ضالة لا توجد

____________

(1) د: «الحبس» .

(2) د: «عنده» .

331

*3131* 131 و من كلامه ع في أن من أعطي أربعا لم يحرم أربعا

وَ قَالَ ع مَنْ أُعْطِيَ أَرْبَعاً لَمْ يُحْرَمْ أَرْبَعاً مَنْ أُعْطِيَ اَلدُّعَاءَ لَمْ يُحْرَمِ اَلْإِجَابَةَ وَ مَنْ أُعْطِيَ اَلتَّوْبَةَ لَمْ يُحْرَمِ اَلْقَبُولَ وَ مَنْ أُعْطِيَ اَلاِسْتِغْفَارَ لَمْ يُحْرَمِ اَلْمَغْفِرَةَ وَ مَنْ أُعْطِيَ اَلشُّكْرَ لَمْ يُحْرَمِ اَلزِّيَادَةَ. قال الرضي رحمه الله تعالى و تصديق ذلك في كتاب الله تعالى قال في الدعاء اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ‏ (1) و قال في الاستغفار وَ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اَللََّهَ يَجِدِ اَللََّهَ غَفُوراً رَحِيماً (2) و قال في الشكر لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ‏ (3) و قال في التوبة إِنَّمَا اَلتَّوْبَةُ عَلَى اَللََّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ اَلسُّوءَ بِجَهََالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولََئِكَ يَتُوبُ اَللََّهُ عَلَيْهِمْ وَ كََانَ اَللََّهُ عَلِيماً حَكِيماً (1) - (4) في بعض الروايات أن ما نسب إلى الرضي رحمه الله من استنباط هذه المعاني من الكتاب العزيز من متن كلام 1أمير المؤمنين ع و قد سبق القول في كل واحدة من هذه الأربع مستقصى‏

____________

(1) سورة غافر 60.

(2) سورة النساء 110.

(3) سورة إبراهيم 7.

(4) سورة النساء 17.

332

*3132* 132 و من كلامه ع في الصلاة و الزكاة و الحج و جهاد المرأة

وَ قَالَ ع اَلصَّلاَةُ قُرْبَانُ كُلِّ تَقِيٍّ وَ اَلْحَجُّ جِهَادُ كُلِّ ضَعِيفٍ وَ لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ زَكَاةٌ وَ زَكَاةُ اَلْبَدَنِ اَلصَّوْمُ وَ جِهَادُ اَلْمَرْأَةِ حُسْنُ اَلتَّبَعُّلِ (1) -. قد تقدم القول في الصلاة و الحج و الصيام (2) - فأما أن جهاد المرأة حسن التبعل‏ فمعناه حسن معاشرة بعلها و حفظ ماله و عرضه و إطاعته فيما يأمر به و ترك الغيرة فإنها باب الطلاق

نبذ من الوصايا الحكيمة

و أوصت امرأة من نساء العرب بنتها ليلة إهدائها (1) فقالت لها لو تركت الوصية لأحد لحسن أدب و كرم حسب لتركتها لك و لكنها تذكرة للغافل و مئونة للعاقل إنك قد خلفت العش الذي فيه درجت و الوكر الذي منه خرجت إلى منزل لم تعرفيه و قرين لم تألفيه فكوني له أمة يكن لك عبدا و احفظي عني خصالا عشرا .

____________

(1) ليلة إهدائها، أي ليلة زواجها؛ يقال: هدى العروس إلى بعلها و أهداها هداء و إهداء.

333

أما الأولى و الثانية فحسن الصحابة بالقناعة و جميل المعاشرة بالسمع و الطاعة ففي حسن الصحابة راحة القلب و في جميل المعاشرة رضا الرب .

و الثالثة و الرابعة التفقد لمواقع عينه و التعهد لمواضع أنفه فلا تقع عينه منك على قبيح و لا يجد أنفه منك خبيث ريح و اعلمي أن الكحل أحسن الحسن المفقود و أن الماء أطيب الطيب الموجود و الخامسة و السادسة الحفظ لماله و الإرعاء على حشمه و عياله و اعلمي أن أصل الاحتفاظ بالمال حسن التقدير و أصل الإرعاء على الحشم و العيال حسن التدبير و السابعة و الثامنة التعهد لوقت طعامه و الهدو و السكون عند منامه فحرارة الجوع ملهبة و تنغيص النوم مغضبة و التاسعة و العاشرة لا تفشين له سرا و لا تعصين له أمرا فإنك إن أفشيت سره لم تأمني غدره و إن عصيت أمره أوغرت صدره .

و أوصت امرأة ابنتها و قد أهدتها إلى بعلها فقالت كوني له فراشا يكن لك معاشا و كوني له وطاء يكن لك غطاء و إياك و الاكتئاب إذا كان فرحا و الفرح إذا كان كئيبا و لا يطلعن منك على قبيح و لا يشمن منك إلا طيب ريح (1) .

و زوج عامر بن الظرب ابنته من ابن أخيه فلما أراد تحويلها قال لأمها مري ابنتك ألا تنزل مفازة إلا و معها ماء فإنه للأعلى جلاء و للأسفل نقاء و لا تكثر مضاجعته فإذا مل البدن مل القلب و لا تمنعه شهوته فإن الحظوة في المواقعة فلم يلبث إلا شهرا حتى جاءته مشجوجة فقال لابن أخيه يا بني ارفع عصاك عن بكرتك

____________

(1) د: «ريحا طيبا» .

334

فإن كان من غير أن تنفر بك فهو الداء الذي ليس له دواء و إن لم يكن بينكما وفاق ففراق الخلع أحسن من الطلاق و أن تترك أهلك و مالك .

فرد عليه صداقها و خلعها منه فهو أول خلع كان في العرب (1) .

و أوصى الفرافصة الكلبي ابنته نائلة حين أهداها إلى عثمان فقال يا بنية إنك تقدمين على نساء من نساء قريش هن أقدر على الطيب منك و لا تغلبين على خصلتين الكحل و الماء تطهري حتى يكون ريح جلدك ريح شن أصابه مطر و إياك و الغيرة على بعلك فإنها مفتاح الطلاق .

و روى أبو عمرو بن العلاء قال أنكح ضرار بن عمرو الضبي ابنته من معبد بن زرارة فلما أخرجها إليه قال يا بنية أمسكي عليك الفضلين فضل الغلمة و فضل الكلام .

قال أبو عمرو و ضرار هذا هو الذي رفع عقيرته بعكاظ و قال ألا إن شر حائل‏ (2) أم فزوجوا الأمهات قال و ذلك أنه صرع بين الرماح فأشبل عليه إخوته لأمه حتى استنقذوه .

و أوصت أعرابية ابنتها عند إهدائها فقالت لها اقلعي زج رمحه فإن أقر فاقلعي سنانه فإن أقر فاكسري العظام بسيفه فإن أقر فاقطعي اللحم على ترسه فإن أقر فضعي الإكاف على ظهره فإنما هو حمار .

و هذا هو قبح التبعل و ذكرناه نحن في باب حسن التبعل لأن الضد يذكر بضده‏

____________

(1) يقال: خلع الرجل امرأته و خالعها إذا افتدت منه بمال فطلقها و أبانها من نفسه.

(2) الحائل: التي لا تحمل.

335

*3133* 133 و من كلامه ع في استنزال الرزق بالصدقة

وَ قَالَ ع اِسْتَنْزِلُوا اَلرِّزْقَ بِالصَّدَقَةِ (1) -.

14- جاء في الحديث المرفوع و قيل إنه موقوف على عثمان تاجروا الله بالصدقة تربحوا.

و كان يقال الصدقة صداق الجنة .

14- و في الحديث المرفوع ما أحسن عبد الصدقة إلا أحسن الله الخلافة على مخلفيه.

14- و 14عنه ص ما من مسلم يكسو مسلما ثوبا إلا كان في حفظ الله ما دام منه رقعة.

و قال عمر بن عبد العزيز الصلاة تبلغك نصف الطريق و الصوم يبلغك باب الملك و الصدقة تدخلك عليه‏

336

*3134* 134 و من كلامه ع في أن من أيقن بالخلف جاد بالعطية

وَ قَالَ ع مَنْ أَيْقَنَ بِالْخَلَفِ جَادَ بِالْعَطِيَّةِ (1) -. هذا حق لأن من لم يوقن بالخلف و يتخوف الفقر يضن بالعطية و يعلم أنه إذا أعطى ثم أعطى استنفد ماله و احتاج إلى الناس لانقطاع مادته و أما من يوقن بالخلف فإنه يعلم أن الجود شرف لصاحبه و أن الجواد ممدوح عند الناس فقد وجد الداعي إلى السماح و لا صارف له عنه لأنه يعلم أن مادته دائمة غير منقطعة فالصارف الذي يخافه من قدمناه ذكره مفقود في حقه فلا جرم أنه يجود بالعطية

337

*3135* 135 و من كلامه ع في نزول المعونة على قدر المؤونة

وَ قَالَ ع تَنْزِلُ اَلْمَعُونَةُ عَلَى قَدْرِ اَلْمَئُونَةِ (1) -.

14- جاء في الحديث المرفوع من وسع وسع عليه و كلما كثر العيال كثر الرزق.

و كان على بعض الموسرين رسوم لجماعة من الفقراء يدفعها إليهم كل سنة فاستكثرها فأمر كاتبه بقطعها فرأى في المنام كأن له أهواء كثيرة في داره و كأنها تصعدها أقوام من الأرض إلى السماء و هو يجزع من ذلك فيقول يا رب رزقي رزقي فقيل له إنما رزقناك هذه لتصرفها فيما كنت تصرفها فيه فإذ قطعت ذلك رفعناها منك و جعلناها لغيرك فلما أصبح أمر كاتبه بإعادة تلك الرسوم أجمع‏

338

*3136* 136 و من كلامه ع في مدح الاقتصاد

مَا عَالَ مَنِ اِقْتَصَدَ (1) -. ما عال‏ أي ما افتقر و قد تقدم لنا قول مقنع في مدح الاقتصاد .

و قال أبو العلاء

و إن كنت تهوى العيش فابغ توسطا # فعند التناهي يقصر المتطاول‏ (1)

توقي البدور النقص و هي أهلة # و يدركها النقصان و هي كوامل.

و هذا الشعر و إن كان في الاقتصاد في المراتب و الولايات إلا أنه مدح للاقتصاد في الجملة فهو من هذا الباب .

و سمع بعض الفضلاء قول الحكماء التدبير نصف العيش فقال بل العيش كله‏

____________

(1) سقط الزند 522.

339

*3137* 137 و من كلامه ع في قلة العيال‏

وَ قَالَ ع قِلَّةُ اَلْعِيَالِ أَحَدُ اَلْيَسَارَيْنِ (1) -. اليسار الثاني كثرة المال يقول إن قلة العيال مع الفقر كاليسار الحقيقي مع كثرتهم .

و من أمثال الحكماء العيال أرضة المال

340

*3138* 138 و من كلامه ع في التودد

وَ قَالَ ع اَلتَّوَدُّدُ نِصْفُ اَلْعَقْلِ (1) -. دخل حبيب بن شوذب على جعفر بن سليمان بالبصرة فقال نعم المرء حبيب بن شوذب حسن التودد طيب الثناء يكره الزيارة المتصلة و القعدة المنسية .

و كان يقال التودد ظاهر حسن و المعاملة بين الناس على الظاهر فأما البواطن فإلى عالم الخفيات .

و كان يقال قل من تودد إلا صار محبوبا و المحبوب مستور العيوب‏

341

*3139* 139 و من كلامه ع في الهم‏

وَ قَالَ ع اَلْهَمُّ نِصْفُ اَلْهَرَمِ (1) -. من كلام بعض الحكماء الهم يشيب القلب و يعقم العقل فلا يتولد معه رأى و لا تصدق معه روية .

و قال الشاعر

هموم قد أبت إلا التباسا # تبت الشيب في رأس الوليد

و تقعد قائما بشجا حشاه # و تطلق للقيام حبا القعود

و أضحت خشعا منها نزار # مركبة الرواجب في الخدود.

و قال سفيان بن عيينة الدنيا كلها هموم و غموم فما كان منها سرور فهو ربح .

و من أمثالهم الهم كافور الغلمة .

و قال أبو تمام

شاب رأسي و ما رأيت مشيب الرأس # إلا من فضل شيب الفؤاد (1)

و كذاك القلوب في كل بؤس # و نعيم طلائع الأجساد

طال إنكاري البياض و لو عمرت # شيئا أنكرت لون السواد (2)

____________

(1) ديوانه 1: 360.

(2) الديوان: «و إن عمرت» .

342

*3140* 140 و من كلامه ع في الصبر و المصيبة

وَ قَالَ ع يَنْزِلُ اَلصَّبْرُ عَلَى قَدْرِ اَلْمُصِيبَةِ وَ مَنْ ضَرَبَ يَدَهُ عَلَى فَخِذِهِ عِنْدَ مُصِيبَتِهِ حَبِطَ أَجْرُهُ عَمَلُهُ (1) - . قد مضى لنا كلام شاف في الصبر و كان الحسن يقول في قصصه الحمد لله الذي كلفنا ما لو كلفنا غيره لصرنا فيه إلى معصيته و آجرنا على ما لا بد لنا منه يقول كلفنا الصبر و لو كلفنا الجزع لم يمكنا أن نقيم عليه و آجرنا على الصبر و لا بد لنا من الرجوع إليه .

و

1- من كلام 1أمير المؤمنين ع كان يقول عند التعزية عليكم بالصبر فإن به يأخذ الحازم و يعود إليه الجازع.

و قال أبو خراش الهذلي يذكر أخاه عروة

تقول أراه بعد عروة لاهيا # و ذلك رزء لو علمت جليل‏ (1)

فلا تحسبي أني تناسيت عهده # و لكن صبري يا أميم جميل.

و قال عمرو بن معديكرب

كم من أخ لي صالح # بوأته بيدي لحدا (2)

____________

(1) ديوان الهذليين 2: 116.

(2) ديوان الحماسة 1: 174، 175-بشرح التبريزى.

343

ألبسته أكفانه # و خلقت يوم خلقت جلدا.

و كان يقال من حدث نفسه بالبقاء و لم يوطنها على المصائب فهو عاجز الرأي .

و كان يقال كفى باليأس معزيا و بانقطاع الطمع زاجرا .

و قال الشاعر

أيا عمرو لم أصبر و لي فيك حيلة # و لكن دعاني اليأس منك إلى الصبر

تصبرت مغلوبا و إني لموجع # كما صبر القطان في البلد القفر

344

*3141* 141 و من كلامه ع في روح العبادة و جوهرها

وَ قَالَ ع كَمْ مِنْ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلاَّ اَلْجُوعُ وَ اَلظَّمَأُ وَ كَمْ مِنْ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلاَّ اَلسَّهَرُ وَ اَلْعَنَاءُ حَبَّذَا نَوْمُ اَلْأَكْيَاسِ وَ إِفْطَارُهُمْ (1) -. الأكياس‏ هاهنا العلماء العارفون و ذلك لأن عباداتهم تقع مطابقة لعقائدهم الصحيحة فتكون فروعا راجعة إلى أصل ثابت و ليس كذلك الجاهلون بالله تعالى لأنهم إذا لم يعرفوه و لم تكن عباداتهم متوجهة إليه فلم تكن مقبولة و لذلك فسدت عبادة النصارى و اليهود .

و فيهم ورد قوله تعالى‏ عََامِلَةٌ نََاصِبَةٌ `تَصْلى‏ََ نََاراً حََامِيَةً (1)

____________

(1) سورة الغاشية 3، 4.

345

*3142* 142 و من كلامه ع في الصدقة و الزكاة و الدعاء

وَ قَالَ ع سُوسُوا إِيمَانَكُمْ بِالصَّدَقَةِ وَ حَصِّنُوا أَمْوَالَكُمْ بِالزَّكَاةِ وَ اِدْفَعُوا أَمْوَاجَ اَلْبَلاَءِ بِالدُّعَاءِ (1) -. قد تقدم الكلام في الصدقة و الزكاة و الدعاء فلا معنى لإعادة القول في ذلك‏

346

*3143* 143 و من كلامه ع في وصاياه لكميل بن زياد النخعي‏

وَ مِنْ كَلاَمٍ لَهُ ع لِكُمَيْلِ بْنِ زِيَادٍ اَلنَّخَعِيِّ قَالَ كُمَيْلُ بْنُ زِيَادٍ أَخَذَ بِيَدِي 1أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ع فَأَخْرَجَنِي إِلَى اَلْجَبَّانِ فَلَمَّا أَصْحَرَ تَنَفَّسَ اَلصُّعَدَاءَ ثُمَّ قَالَ يَا كُمَيْلَ بْنَ زِيَادٍ إِنَّ هَذِهِ اَلْقُلُوبَ أَوْعِيَةٌ فَخَيْرُهَا أَوْعَاهَا فَاحْفَظْ عَنِّي مَا أَقُولُ لَكَ اَلنَّاسُ ثَلاَثَةٌ فَعَالِمٌ رَبَّانِيٌّ وَ مُتَعَلِّمٌ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ وَ هَمَجٌ رَعَاعٌ أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ يَمِيلُونَ مَعَ كُلِّ رِيحٍ لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِنُورِ اَلْعِلْمِ وَ لَمْ يَلْجَئُوا إِلَى رُكْنٍ وَثِيقٍ يَا كُمَيْلُ اَلْعِلْمُ خَيْرٌ مِنَ اَلْمَالِ اَلْعِلْمُ يَحْرُسُكَ وَ أَنْتَ تَحْرُسُ اَلْمَالَ وَ اَلْمَالُ تَنْقُصُهُ اَلنَّفَقَةُ وَ اَلْعِلْمُ يَزْكُوا عَلَى اَلْإِنْفَاقِ وَ صَنِيعُ اَلْمَالِ يَزُولُ بِزَوَالِهِ يَا كُمَيْلَ بْنَ زِيَادٍ مَعْرِفَةُ اَلْعِلْمِ دِينٌ يُدَانُ بِهِ بِهِ يَكْسِبُ اَلْإِنْسَانُ اَلطَّاعَةَ فِي حَيَاتِهِ وَ جَمِيلَ اَلْأُحْدُوثَةِ بَعْدَ وَفَاتِهِ وَ اَلْعِلْمُ حَاكِمٌ وَ اَلْمَالُ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ يَا كُمَيْلَ بْنَ زِيَادٍ هَلَكَ خُزَّانُ اَلْأَمْوَالِ وَ هُمْ أَحْيَاءٌ وَ اَلْعُلَمَاءُ بَاقُونَ مَا بَقِيَ اَلدَّهْرُ أَعْيَانُهُمْ مَفْقُودَةٌ وَ أَمْثَالُهُمْ فِي اَلْقُلُوبِ مَوْجُودَةٌ هَا إِنَّ هَاهُنَا لَعِلْماً جَمّاً وَ أَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى صَدْرِهِ لَوْ أَصَبْتُ لَهُ حَمَلَةً بَلَى أُصِيبُ أَصَبْتُ لَقِناً غَيْرَ مَأْمُونٍ عَلَيْهِ مُسْتَعْمِلاً آلَةَ اَلدِّينِ لِلدُّنْيَا وَ مُسْتَظْهِراً بِنِعَمِ اَللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ وَ بِحُجَجِهِ عَلَى أَوْلِيَائِهِ‏

347

أَوْ مُنْقَاداً لِحَمَلَةِ اَلْحَقِّ لاَ بَصِيرَةَ لَهُ فِي أَحْنَائِهِ يَنْقَدِحُ اَلشَّكُّ فِي قَلْبِهِ لِأَوَّلِ عَارِضٍ مِنْ شُبْهَةٍ أَلاَ لاَ ذَا وَ لاَ ذَاكَ أَوْ مَنْهُوماً بِاللَّذَّةِ سَلِسَ اَلْقِيَادِ لِلشَّهْوَةِ أَوْ مُغْرَماً بِالْجَمْعِ وَ اَلاِدِّخَارِ لَيْسَا مِنْ رُعَاةِ اَلدِّينِ فِي شَيْ‏ءٍ أَقْرَبُ شَيْ‏ءٍ شَبَهاً بِهِمَا اَلْأَنْعَامُ اَلسَّائِمَةُ كَذَلِكَ يَمُوتُ اَلْعِلْمُ بِمَوْتِ حَامِلِيهِ اَللَّهُمَّ بَلَى لاَ تَخْلُو اَلْأَرْضُ مِنْ قَائِمٍ لِلَّهِ بِحُجَّةٍ إِمَّا ظَاهِراً مَشْهُوراً وَ إِمَّا خَائِفاً مَغْمُوراً لِئَلاَّ تَبْطُلَ حُجَجُ اَللَّهِ وَ بَيِّنَاتُهُ وَ كَمْ ذَا وَ أَيْنَ أُولَئِكَ أُولَئِكَ وَ اَللَّهِ اَلْأَقَلُّونَ عَدَداً وَ اَلْأَعْظَمُونَ عِنْدَ اَللَّهِ قَدْراً يَحْفَظُ اَللَّهُ بِهِمْ حُجَجَهُ وَ بَيِّنَاتِهِ حَتَّى يُودِعُوهَا نُظَرَاءَهُمْ وَ يَزْرَعُوهَا فِي قُلُوبِ أَشْبَاهِهِمْ هَجَمَ بِهِمُ اَلْعِلْمُ عَلَى حَقِيقَةِ اَلْبَصِيرَةِ وَ بَاشَرُوا رُوحَ اَلْيَقِينِ وَ اِسْتَلاَنُوا مَا اِسْتَوْعَرَهُ اَلْمُتْرَفُونَ وَ أَنِسُوا بِمَا اِسْتَوْحَشَ مِنْهُ اَلْجَاهِلُونَ وَ صَحِبُوا اَلدُّنْيَا بِأَبْدَانٍ أَرْوَاحُهَا مُعَلَّقَةٌ بِالْمَحَلِّ اَلْأَعْلَى أُولَئِكَ خُلَفَاءُ اَللَّهِ فِي أَرْضِهِ وَ اَلدُّعَاةُ إِلَى دِينِهِ آهِ آهِ شَوْقاً إِلَى رُؤْيَتِهِمْ اِنْصَرِفْ يَا كُمَيْلُ إِذَا شِئْتَ (1) -. الجبان‏ و الجبانة الصحراء .

و تنفس الصعداء أي تنفس تنفسا ممدودا طويلا (2) - .

قوله ع‏ ثلاثة قسمة صحيحة و ذلك لأن البشر باعتبار الأمور الإلهية إما عالم على الحقيقة يعرف الله تعالى و إما شارع في ذلك فهو بعد في السفر إلى الله يطلبه بالتعلم و الاستفادة من العالم و إما لا ذا و لا ذاك و هو العامي الساقط الذي‏

348

لا يعبأ الله و صدق ع في أنهم همج رعاع أتباع كل ناعق‏ أ لا تراهم ينتقلون من التقليد لشخص إلى تقليد الآخر لأدنى خيال و أضعف وهم (1) - .

ثم شرع ع في ذكر العلم و تفضيله على المال فقال‏ العلم يحرسك و أنت تحرس المال و هذا أحد وجوه التفضيل .

ثم ابتدأ فذكر وجها ثانيا فقال المال ينقص بالإنفاق منه و العلم لا ينقص بالإنفاق بل يزكو و ذلك لأن إفاضة العلم على التلامذة تفيد المعلم زيادة استعداد و تقرر في نفسه تلك العلوم التي أفاضها على تلامذته و تثبتها و تزيدها رسوخا .

فأما قوله‏ و صنيع المال يزول بزواله فتحته سر دقيق حكمي و ذلك لأن المال إنما يظهر أثره و نفعه في الأمور الجسمانية و الملاذ الشهوانية كالنساء و الخيل و الأبنية و المأكل و المشرب و الملابس و نحو ذلك و هذه الآثار كلها تزول بزوال المال أو بزوال رب المال أ لا ترى أنه إذا زال المال اضطر صاحبه إلى بيع الأبنية و الخيل و الإماء و رفض تلك العادة من المآكل الشهية و الملابس البهية و كذلك إذا زال رب المال بالموت فإنه تزول آثار المال عنده فإنه لا يبقى بعد الموت آكلا شاربا لابسا و أما آثار العلم فلا يمكن أن تزول أبدا و الإنسان في الدنيا و لا بعد خروجه عن الدنيا أما في الدنيا فلأن العالم بالله تعالى لا يعود جاهلا به لأن انتفاء العلوم البديهية عن الذهن و ما يلزمها من اللوازم بعد حصولها محال فإذا قد صدق قوله ع في الفرق بين المال و العلم‏ أن صنيع المال يزول بزواله أي و صنيع المال لا يزول و لا يحتاج إلى أن يقول بزواله لأن تقدير الكلام و صنيع المال يزول لأن المال يزول و أما بعد خروج الإنسان من الدنيا فإن صنيع العلم لا يزول و ذلك لأن صنيع العلم في النفس الناطقة اللذة العقلية الدائمة لدوام سببها و هو حصول العلم في جوهر النفس الذي هو ممشوق‏

349

النفس مع انتفاء ما يشغلها عن التمتع به و التلذذ بمصاحبته و الذي كان يشغلها عنه في الدنيا استغراقها في تدبير البدن و ما تورده عليها الحواس من الأمور الخارجية و لا ريب أن العاشق إذا خلا بمعشوقه و انتفت عنه أسباب الكدر كان في لذة عظيمة فهذا هو سر قوله‏ و صنيع المال يزول بزواله (1) - .

فإن قلت ما معنى قوله ع‏ معرفة العلم دين يدان به و هل هذا إلا بمنزلة قولك معرفة المعرفة أو علم العلم و هذا كلام مضطرب قلت تقديره معرفة فضل العلم أو شرف العلم أو وجوب العلم دين يدان به أي المعرفة بذلك من أمر الدين أي ركن من أركان الدين واجب مفروض .

ثم شرح ع حال العلم الذي ذكر أن معرفة وجوبه أو شرفه دين يدان به فقال‏ العلم يكسب الإنسان الطاعة في حياته أي من كان عالما كان لله تعالى مطيعا كما قال سبحانه‏ إِنَّمََا يَخْشَى اَللََّهَ مِنْ عِبََادِهِ اَلْعُلَمََاءُ (1) .

ثم قال‏ و جميل الأحدوثة بعد وفاته أي الذكر الجميل بعد موته .

ثم شرع في تفضيل العلم على المال من وجه آخر فقال‏ العلم حاكم و المال محكوم عليه و ذلك لعلمك أن مصلحتك في إنفاق هذا المال تنفقه و لعلمك بأن المصلحة في إمساكه تمسكه فالعلم بالمصلحة داع و بالمضرة صارف و هما الأمران الحاكمان بالحركات و التصرفات إقداما و إحجاما و لا يكون القادر قادرا مختارا إلا باعتبارهما و ليسا إلا عبارة عن العلم أو ما يجرى مجرى العلم من الاعتقاد و الظن فإذن قد بان و ظهر أن العلم من حيث هو علم حاكم و أن المال ليس بحاكم بل محكوم عليه .

(2) -

____________

(1) سورة فاطر 28.

350

ثم قال ع‏ هلك خزان المال و هم أحياء و ذلك لأن المال المخزون لا فرق بينه و بين الصخرة المدفونة تحت الأرض فخازنه هالك لا محالة لأنه لم يلتذ بإنفاقه و لم يصرفه في الوجوه التي ندب الله تعالى إليها و هذا هو الهلاك المعنوي و هو أعظم من الهلاك الحسي .

ثم قال‏ و العلماء باقون ما بقي الدهر هذا الكلام له ظاهر و باطن فظاهره قوله‏ أعيانهم مفقودة و أمثالهم في القلوب موجودة أي آثارهم و ما دونوه من العلوم فكأنهم موجودون و باطنه أنهم موجودون حقيقة لا مجازا على قول من قال ببقاء الأنفس و أمثالهم في القلوب كناية و لغز و معناه ذواتهم في حظيرة القدوس و المشاركة بينها و بين القلوب ظاهرة لأن الأمر العام الذي يشملها هو الشرف فكما أن تلك أشرف عالمها كذا القلب أشرف عالمه فاستعير لفظ أحدهما و عبر به عن الآخر (1) - .

قوله ع‏ ها إن هاهنا لعلما جما و أشار بيده إلى صدره- هذا عندي إشارة إلى العرفان و الوصول إلى المقام الأشرف الذي لا يصل إليه إلا الواحد الفذ من العالم ممن لله تعالى فيه سر و له به اتصال ـ ثم قال‏ لو أصبت له حملة و من الذي يطيق حملة بل من الذي يطيق فهمه فضلا عن حمله .

ثم قال‏ بلى أصيب .

ثم قسم الذي يصيبهم خمسة أقسام أحدهم أهل الرياء و السمعة الذين يظهرون الدين و العلم و مقصودهم الدنيا فيجعلون الناموس الديني شبكة لاقتناص الدنيا .

و ثانيها قوم من أهل الخير و الصلاح ليسوا بذوي بصيرة في الأمور الإلهية الغامضة

351

فيخاف من إفشاء السر إليهم أن تنقدح في قلوبهم شبهة بأدنى خاطر فإن مقام المعرفة مقام خطر صعب لا يثبت تحته إلا الأفراد من الرجال الذين أيدوا بالتوفيق و العصمة (1) - .

و ثالثها رجل صاحب لذات و طرب مشتهر بقضاء الشهوة فليس من رجال هذا الباب .

و رابعها رجل عرف بجمع المال و ادخاره لا ينفقه في شهواته و لا في غير شهواته فحكمه حكم القسم الثالث .

ثم قال ع‏ كذلك يموت العلم بموت حامليه أي إذا مت مات العلم الذي في صدري لأني لم أجد أحدا أدفعه إليه و أورثه إياه (2) - ثم استدرك فقال‏ اللهم بلى لا تخلو الأرض من قائم بحجة الله تعالى كيلا يخلو الزمان ممن هو مهيمن لله تعالى على عباده و مسيطر عليهم و هذا يكاد يكون تصريحا بمذهب الإمامية إلا أن أصحابنا يحملونه على أن المراد به الأبدال الذين وردت الأخبار النبوية عنهم أنهم في الأرض سائحون فمنهم من يعرف و منهم من لا يعرف و أنهم لا يموتون حتى يودعوا السر و هو العرفان عند قوم آخرين يقومون مقامهم .

ثم استنزر عددهم فقال‏ و كم ذا أي كم ذا القبيل و كم ذا الفريق (3) - .

ثم قال‏ و أين أولئك استبهم مكانهم و محلهم .

ثم قال‏ هم الأقلون عددا الأعظمون قدرا (4) - .

ثم ذكر أن العلم هجم بهم‏ على حقيقة الأمر و انكشف لهم المستور المغطى و باشروا راحة اليقين و برد القلب و ثلج العلم و استلانوا ما شق على المترفين من الناس و وعر عليهم نحو التوحد و رفض الشهوات و خشونة العيشة .

352

قال‏ و أنسوا بما استوحش منه الجاهلون يعني العزلة و مجانبة الناس و طول الصمت و ملازمة الخلوة و نحو ذلك مما هو شعار القوم .

قال‏ و صحبوا الدنيا بأرواح أبدانها معلقة بالمحل الأعلى هذا مما يقوله أصحاب الحكمة من تعلق النفوس المجردة بمبادئها من العقول المفارقة فمن كان أزكى كان تعلقه بها أتم (1) - .

ثم قال‏ أولئك خلفاء الله في أرضه و الدعاة إلى دينه لا شبهة أن بالوصول يستحق الإنسان أن يسمى خليفة الله في أرضه و هو المعنى بقوله سبحانه للملائكة إِنِّي جََاعِلٌ فِي اَلْأَرْضِ خَلِيفَةً (1) و بقوله‏ هُوَ اَلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاََئِفَ فِي اَلْأَرْضِ‏ (2) .

ثم قال‏ آه آه شوقا إلى رؤيتهم هو ع أحق الناس بأن يشتاق إلى رؤيتهم لأن الجنسية علة الضم و الشي‏ء يشتاق إلى ما هو من سنخه و سوسته و طبيعته و لما كان هو ع شيخ العارفين و سيدهم لا جرم اشتاقت نفسه الشريفة إلى مشاهدة أبناء جنسه و إن كان كل واحد من الناس دون طبقته .

ثم قال لكميل انصرف إذا شئت و هذه الكلمة من محاسن الآداب و من لطائف الكلم لأنه لم يقتصر على أن قال‏ انصرف كيلا يكون أمرا و حكما بالانصراف لا محالة فيكون فيه نوع علو عليه فاتبع ذلك بقوله‏ إذا شئت ليخرجه من ذل الحكم و قهر الأمر إلى عزة المشيئة و الاختيار

____________

(1) سورة البقرة 30.

(2) سورة الأنعام 165.

353

*3144* 144 و من كلامه ع في بيان منزلة الإنسان أثناء كلامه‏

وَ قَالَ ع اَلْمَرْءُ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسَانِهِ (1) -. قد تكرر هذا المعنى مرارا فأما هذه اللفظة فلا نظير لها في الإيجاز و الدلالة على المعنى و هي من ألفاظه ع المعدودة .

و قال الشاعر

و كائن ترى من صامت لك معجب # زيادته أو نقصه في التكلم‏ (1)

لسان الفتى نصف و نصف فؤاده # فلم يبق إلا صورة اللحم و الدم.

و تكلم عبد الملك بن عمير و أعرابي حاضر فقيل له كيف ترى هذا فقال لو كان كلام يؤتدم به لكان هذا الكلام مما يؤتدم به .

و تكلم جماعة من الخطباء عند مسلمة بن عبد الملك فأسهبوا في القول و لم يصنعوا شيئا ثم أفرغ النطق رجل من أخرياتهم فجعل لا يخرج من فن إلا إلى أحسن منه فقال مسلمة ما شبهت كلام هذا بعقب كلام هؤلاء (2) إلا بسحابة لبدت عجاجة .

و سمع رجل منشدا ينشد

و كان أخلائي يقولون مرحبا # فلما رأوني مقترا مات مرحب .

____________

(1) ينسبان لزهير، من معلقته 94 بشرح الزوزنى.

(2) بعدها في د: «أصحابه» .

354

فقال أخطأ الشاعر إن مرحبا لم يمت و إنما قتله 1علي بن أبي طالب ع و قال رجل لأعرابي كيف أهلك قال صلبا إن شاء الله .

و كان مسلمة بن عبد الملك يعرض الجند فقال لرجل ما اسمك فقال عبد الله و خفض فقال ابن من فقال ابن عبد الله و فتح فأمر بضربه فجعل يقول سبحان الله و يضم فقال مسلمة ويحكم دعوه فإنه مجبول على اللحن و الخطإ لو كان تاركا للحن في وقت لتركه و هو تحت السياط

355

*3145* 145 و من كلامه ع في هلاك من لم يعرف قدره‏

وَ قَالَ ع هَلَكَ اِمْرُؤٌ لَمْ يَعْرِفْ قَدْرَهُ (1) -. هذه الكلمة من كلماته المعدودة و كتب النعمان بن عبد الله إلى القاسم بن عبيد الله كتابا يدل فيه بخدمته و يستزيد في رزقه فوقع على ظهره رحم الله امرأ عرف قدره أنت رجل قد أعجبتك نفسك فلست تعرفها فإن أحببت أن أعرفكها عرفتك فكتب إليه النعمان كنت كتبت إلى الوزير أعزه الله كتابا أستزيده في رزقي فوقع على ظهره توقيع ضجر لم يخرج فيه مع ضجره عما ألفته من حياطته و حسن نظره فقال إنه قد حدث لعبده عجب بنفسه و قد صدق أعلى الله قدره لقد شرفني الوزير بخدمته و أعلى ذكري بجميل ذكره و نبه على كفايتي باستكفائه و رفعني و كثرني‏ (1) عند نفسي فإن أعجبت فبنعمته عندي و جميل تطوله علي و لا عجب و هل خلا الوزير من قوم يصطنعهم بعد ملة و يرفعهم بعد خمول و يحدث لهم همما رفيعة و أنفسا عليه و فيهم شاكر و كفور و أرجو أن أكون أشكرهم للنعمة و أقومهم بحقها و قد أطال الله بقاءه إن عرف نفسه و إلا عرفناه إياها فما أنكرها و هي نفس أنشأتها نعمة الوزير و أحدثت فيها ما لم تزل تحدثه في نظرائها من سائر عبيده و خدمه و الله يعلم ما يأخذ به نفسه من خدمة مولاه و ولي نعمته إما عادة و دربة و إما تأدبا و هيبة و إما شكرا و استدامة للنعمة .

فلما قرأ القاسم بن عبيد الله كتابه استحسنه و زاد في رزقه‏

____________

(1) ب: «كبرنى» .

356

*3146* 146 و من كلامه ع في الوعظ و مكارم الأخلاق‏

وَ قَالَ ع لِرَجُلٍ سَأَلَهُ أَنْ يَعِظَهُ لاَ تَكُنْ مِمَّنْ يَرْجُو اَلآْخِرَةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ وَ يَرْجُو اَلتَّوْبَةَ بِطُولِ اَلْأَمَلِ يَقُولُ فِي اَلدُّنْيَا بِقَوْلِ اَلزَّاهِدِينَ وَ يَعْمَلُ فِيهَا بِعَمَلِ اَلرَّاغِبِينَ إِنْ أُعْطِيَ مِنْهَا لَمْ يَشْبَعْ وَ إِنْ مُنِعَ مِنْهَا لَمْ يَقْنَعْ يَعْجِزُ عَنْ شُكْرِ مَا أُوتِيَ وَ يَبْتَغِي اَلزِّيَادَةَ فِيمَا بَقِيَ يَنْهَى وَ لاَ يَنْتَهِي وَ يَأْمُرُ اَلنَّاسَ بِمَا لَمْ يَأْتِ بِمَا لاَ يَأْتِي يُحِبُّ اَلصَّالِحِينَ وَ لاَ يَعْمَلُ عَمَلَهُمْ وَ يُبْغِضُ اَلْمُذْنِبِينَ وَ هُوَ أَحَدُهُمْ يَكْرَهُ اَلْمَوْتَ لِكَثْرَةِ ذُنُوبِهِ وَ يُقِيمُ عَلَى مَا يَكْرَهُ اَلْمَوْتَ مِنْ أَجَلِهِ إِنْ سَقِمَ ظَلَّ نَادِماً وَ إِنْ صَحَّ أَمِنَ لاَهِياً يُعْجَبُ بِنَفْسِهِ إِذَا عُوفِيَ وَ يَقْنَطُ إِذَا اُبْتُلِيَ وَ إِنْ أَصَابَهُ بَلاَءٌ دَعَا مُضْطَرّاً وَ إِنْ نَالَهُ رَخَاءٌ أَعْرَضَ مُغْتَرّاً تَغْلِبُهُ نَفْسُهُ عَلَى مَا يَظُنُّ وَ لاَ يَغْلِبُهَا عَلَى مَا يَسْتَيْقِنُ يَخَافُ عَلَى غَيْرِهِ بِأَدْنَى مِنْ ذَنْبِهِ وَ يَرْجُو لِنَفْسِهِ بِأَكْثَرَ مِنْ عَمَلِهِ إِنِ اِسْتَغْنَى بَطِرَ وَ فُتِنَ وَ إِنِ اِفْتَقَرَ قَنِطَ وَ وَهَنَ يُقَصِّرُ إِذَا عَمِلَ وَ يُبَالِغُ إِذَا سَأَلَ إِنْ عَرَضَتْ لَهُ شَهْوَةٌ أَسْلَفَ اَلْمَعْصِيَةَ وَ سَوَّفَ اَلتَّوْبَةَ وَ إِنْ عَرَتْهُ مِحْنَةٌ اِنْفَرَجَ عَنْ شَرَائِطِ اَلْمِلَّةِ يَصِفُ اَلْعِبْرَةَ وَ لاَ يَعْتَبِرُ وَ يُبَالِغُ فِي اَلْمَوْعِظَةِ وَ لاَ يَتَّعِظُ فَهُوَ بِالْقَوْلِ مُدِلٌّ وَ مِنَ اَلْعَمَلِ مُقِلٌّ يُنَافِسُ فِيمَا يَفْنَى وَ يُسَامِحُ فِيمَا يَبْقَى يَرَى اَلْغُنْمَ مَغْرَماً وَ اَلْغُرْمَ مَغْنَماً يَخْشَى اَلْمَوْتَ وَ لاَ يُبَادِرُ اَلْفَوْتَ يَسْتَعْظِمُ مِنْ مَعْصِيَةِ غَيْرِهِ مَا يَسْتَقِلُّ أَكْثَرَ مِنْهُ‏