شرح نهج البلاغة - ج18

- ابن ابي الحديد المزيد...
419 /
357

مِنْ نَفْسِهِ وَ يَسْتَكْثِرُ مِنْ طَاعَتِهِ مَا يَحْقِرُهُ مِنْ طَاعَةِ غَيْرِهِ فَهُوَ عَلَى اَلنَّاسِ طَاعِنٌ وَ لِنَفْسِهِ مُدَاهِنٌ اَللَّغْوُ اَللَّهْوُ مَعَ اَلْأَغْنِيَاءِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ اَلذِّكْرِ مَعَ اَلْفُقَرَاءِ يَحْكُمُ عَلَى غَيْرِهِ لِنَفْسِهِ وَ لاَ يَحْكُمُ عَلَيْهَا لِغَيْرِهِ يُرْشِدُ نَفْسَهُ وَ يُغْوِي غَيْرَهُ (1) يُرْشِدُ غَيْرَهُ وَ يُغْوِي نَفْسَهُ فَهُوَ يُطَاعُ وَ يَعْصِي وَ يَسْتَوْفِي وَ لاَ يُوفِي وَ يَخْشَى اَلْخَلْقَ فِي غَيْرِ رَبِّهِ وَ لاَ يَخْشَى رَبَّهُ فِي خَلْقِهِ. قال الرضي رحمه الله تعالى و لو لم يكن في هذا الكتاب إلا هذا الكلام لكفى به موعظة ناجعة و حكمة بالغة و بصيرة لمبصر و عبرة لناظر مفكر (1) - كثير من الناس يرجون الآخرة بغير عمل و يقولون رحمة الله واسعة و منهم من يظن أن التلفظ بكلمتي الشهادة كاف في دخول الجنة و منهم من يسوف نفسه بالتوبة و يرجئ الأوقات من اليوم إلى غد و قد يخترم على غرة فيفوته ما كان أمله و أكثر هذا الفصل للنهي عن أن يقول الإنسان واعظا لغيره ما لم يعلم هو من نفسه كقوله تعالى‏ أَ تَأْمُرُونَ اَلنََّاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ‏ (2) .

فأول كلمة قالها ع في هذا المعنى من هذا الفصل قوله‏ يقول في الدنيا بقول الزاهدين و يعمل فيها بعمل الراغبين .

____________

(1) د «يرشد غيره و يغوى نفسه» .

(2) سورة البقرة 44.

358

ثم وصف صاحب هذا المذهب و هذه الطريقة فقال إنه إن أعطي من الدنيا لم يشبع لأن الطبيعة البشرية مجبولة على حب الازدياد و إنما يقهرها أهل التوفيق و أرباب العزم القوي .

قال‏ و إن منع منها لم يقنع بما كان وصل إليه قبل المنع (1) - .

ثم قال‏ يعجز عن شكر ما كان أنعم به عليه ليس يعني العجز الحقيقي بل المراد ترك الشكر فسمى ترك الشكر عجزا و يجوز أن يحمل على حقيقته أي أن الشكر على ما أولى من النعم لا تنتهي قدرته إليه أي نعم الله عليه أجل و أعظم من أن يقام بواجب شكرها .

قال‏ و يبتغي الزيادة فيما بقي هذا راجع إلى النحو الأول .

قال‏ ينهى و لا ينتهي و يأمر الناس بما لا يأتي هذا كما تقدم .

قال‏ يحب الصالحين و لا يعمل عملهم إلى قوله‏ و هو أحدهم و هو المعنى الأول بعينه .

قال‏ يكره الموت لكثرة ذنوبه‏ و يقيم على الذنوب و هذا من العجائب أن يكره إنسان شيئا ثم يقيم عليه و لكنه الغرور و تسويف النفس بالأماني (2) - .

ثم قال‏ إن سقم ظل نادما و إن صح أمن لاهيا فَإِذََا رَكِبُوا فِي اَلْفُلْكِ دَعَوُا اَللََّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ اَلدِّينَ‏ (1) الآيات .

قال‏ يعجب بنفسه إذا عوفي و يقنط إذا ابتلي فَأَمَّا اَلْإِنْسََانُ إِذََا مَا اِبْتَلاََهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَ نَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ `وَ أَمََّا إِذََا مَا اِبْتَلاََهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهََانَنِ‏ (2) و مثل الكلمة الأخرى‏ إن أصابه بلاء و إن ناله رخاء .

____________

(1) سورة العنكبوت 65.

(2) سورة الفجر 15، 16.

359

ثم قال‏ تغلبه نفسه على ما يظن و لا يغلبها على ما يستيقن هذه كلمة جليلة عظيمة يقول هو يستيقن الحساب و الثواب و العقاب و لا يغلب نفسه على مجانبة و متاركة ما يفضي به إلى ذلك الخطر العظيم و تغلبه نفسه على السعي إلى ما يظن أن فيه لذة عاجلة فوا عجبا ممن يترجح عنده جانب الظن على جانب العلم و ما ذاك إلا لضعف يقين الناس و حب العاجل (1) - .

ثم قال‏ يخاف على غيره بأدنى من ذنبه و يرجو لنفسه أكثر من عمله ما يزال يرى الواحد منا كذلك يقول إني لخائف على فلان من الذنب الفلاني و هو مقيم على أفحش من ذلك الذنب و يرجو لنفسه النجاة بما لا تقوم أعماله الصالحة بالمصير إلى النجاة به نحو أن يكون يصلي ركعات في الليل أو يصوم أياما يسيرة في الشهر و نحو ذلك .

قال‏ إن استغنى بطر و فتن و إن افتقر قنط و وهن قنط بالفتح يقنط بالكسر قنوطا مثل جلس يجلس جلوسا و يجوز قنط يقنط بالضم مثل قعد يقعد و فيه لغة ثالثة قنط يقنط قنطا مثل تعب يتعب تعبا و قناطة فهو قنط و به قرئ‏ فَلاََ تَكُنْ مِنَ اَلْقََانِطِينَ‏ (1) و القنوط اليأس و وهن الرجل يهن أي ضعف و هذا المعنى قد تكرر (2) - .

قال‏ يقصر إذا عمل و يبالغ إذا سئل هذا مثل ما

14- مدح به 14النبي ص الأنصار إنكم لتكثرون عند الفزع و تقلون عند الطمع .

قال‏ إن عرضت له شهوة أسلف المعصية و سوف التوبة و إن عرته محنة انفرج عن شرائط الملة هذا كما قيل أمدحه نقدا و يثيبني نسيئة و انفرج عن شرائط الملة قال أو فعل ما يقتضي الخروج عن الدين و هذا موجود في كثير من الناس إذا عرته المحن كفروا أو قال ما يقارب الكفر من التسخط و التبرم و التأفف .

(3) -

____________

(1) سورة الحجر 55، و هي قراءة الأعمش و يحيى بن وثاب، و انظر تفسير القرطبيّ 10: 36.

360

قال‏ يصف العبرة و لا يعتبر و يبالغ في الموعظة و لا يتعظ هذا هو المعنى الأول .

قال‏ فهو بالقول مدل و من العمل مقل هذا هو المعنى أيضا .

قال‏ ينافس فيما يفنى أي في شهوات الدنيا و لذاتها و يسامح فيما يبقى أي في الثواب .

قال‏ يرى الغنم مغرما و الغرم مغنما هذا هو المعنى الذي ذكرناه آنفا .

قال‏ يخشى الموت و لا يبادر الفوت قد تكرر هذا المعنى في هذا الفصل (1) - .

و كذلك قوله‏ يستعظم من معصية غيره ما يستقل أكثر منه من نفسه ... و إلى آخر الفصل كل مكرر المعنى و إن اختلفت الألفاظ و ذلك لاقتداره ع على العبارة و سعة مادة النطق عنده

361

*3147* 147 و من كلامه ع في العاقبة إما حلوة أو مرة

وَ قَالَ ع لِكُلِّ اِمْرِئٍ عَاقِبَةٌ حُلْوَةٌ أَوْ مُرَّةٌ (1) -. هكذا قرأناه و وجدناه في كثير من النسخ و وجدناه في كثير منها لكل أمر عاقبة و هو الأليق و مثل هذا المعنى قولهم في المثل لكل سائل قرار و قد أخذه الطائي فقال‏

فكانت لوعة ثم استقرت # كذلك لكل سائلة قرار (1) .

و قال الكميت في مثل هذا

فالآن صرت إلى أمية # و الأمور إلى مصاير (2) .

فأما الرواية الأولى و هي لكل امرئ‏ فنظائرها في القرآن كثيرة نحو قوله تعالى‏ يَوْمَ يَأْتِ لاََ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاََّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَ سَعِيدٌ (3) و قوله‏ يَوْمَ يَتَذَكَّرُ اَلْإِنْسََانُ مََا سَعى‏ََ `وَ بُرِّزَتِ اَلْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى‏ََ `فَأَمََّا مَنْ طَغى‏ََ `وَ آثَرَ اَلْحَيََاةَ اَلدُّنْيََا `فَإِنَّ اَلْجَحِيمَ هِيَ اَلْمَأْوى‏ََ `وَ أَمََّا مَنْ خََافَ مَقََامَ رَبِّهِ وَ نَهَى اَلنَّفْسَ عَنِ اَلْهَوى‏ََ `فَإِنَّ اَلْجَنَّةَ هِيَ اَلْمَأْوى‏ََ (4) و غير ذلك من الآيات‏

____________

(1) ديوانه 2: 153.

(2) الأغانى 15: 111 (ساسى) .

(3) سورة هود 105.

(4) سورة و النازعات 35-41.

362

*3148* 148 و من كلامه ع في الرضا بأفعال الناس‏

وَ قَالَ ع اَلرَّاضِي بِفِعْلِ قَوْمٍ كَالدَّاخِلِ فِيهِ مَعَهُمْ وَ عَلَى كُلِّ دَاخِلٍ فِي بَاطِلٍ إِثْمَانِ إِثْمُ اَلْعَمَلِ بِهِ وَ إِثْمُ اَلرِّضَا اَلرِّضَى بِهِ (1) -. لا فرق بين الرضا بالفعل و بين المشاركة فيه أ لا ترى أنه إذا كان ذلك الفعل قبيحا استحق الراضي به الذم كما يستحقه الفاعل له و الرضا يفسر على وجهين الإرادة و ترك الاعتراض فإن كان الإرادة فلا ريب أنه يستحق الذم لأن مريد القبيح فاعل للقبيح و إن كان ترك الاعتراض مع القدرة على الاعتراض فلا ريب أنه يستحق الذم أيضا لأن تارك النهي عن المنكر مع ارتفاع الموانع يستحق الذم .

فأما قوله ع‏ و على كل داخل في باطل إثمان فإن أراد الداخل فيه بأن يفعله حقيقة فلا شبهة في أنه يأثم من جهتين إحداهما من حيث إنه أراد القبيح .

و الأخرى من حيث إنه فعله و إن كان قوم من أصحابنا قالوا إن عقاب المراد هو عقاب الإرادة .

و إن أراد أن الراضي بالقبيح فقط يستحق إثمين أحدهما لأنه رضي به و الآخر لأنه كالفاعل فليس الأمر على ذلك لأنه ليس بفاعل للقبيح حقيقة ليستحق الإثم من جهة الإرادة و من جهة الفعلية جميعا فوجب إذن أن يحمل كلامه ع على الوجه الأول‏

363

*3149* 149 و من كلامه ع في الإقبال و الإدبار

وَ قَالَ ع لِكُلِّ مُقْبِلٍ إِدْبَارٌ وَ مَا أَدْبَرَ فَكَأَنْ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ (1) -. هذا معنى قد استعمل كثيرا جدا فمنه المثل‏

ما طار طير و ارتفع # إلا كما طار وقع.

و قول الشاعر

بقدر العلو يكون الهبوط # و إياك و الرتب العالية.

و قال بعض الحكماء حركة الإقبال بطيئة و حركة الإدبار سريعة لأن المقبل كالصاعد إلى مرقاة و مرقاة المدبر كالمقذوف به من علو إلى أسفل قال الشاعر

في هذه الدار في هذا الرواق على # هذي الوسادة كان العز فانقرضا.

آخر

إن الأمور إذا دنت لزوالها # فعلامة الإدبار فيها تظهر

14- و في الخبر المرفوع كانت ناقة 14رسول الله ص العضباء لا تسبق فجاء أعرابي على قعود له فسبقها فاشتد على الصحابة ذلك فقال 14رسول الله ص إن حقا على الله ألا يرفع شيئا من هذه الدنيا إلا وضعه.

و قال شيخ من همدان بعثني أهلي في الجاهلية إلى ذي الكلاع بهدايا فمكثت‏

364

تحت قصره حولا لا أصل إليه ثم أشرف إشرافة من كوة له فخر له من حول العرش سجدا ثم رأيته بعد ذلك بحمص فقيرا يشتري اللحم و يسمطه‏ (1) خلف دابته و هو القائل‏

أف لدنيا إذا كانت كذا # أنا منها في هموم و أذى

إن صفا عيش امرئ في صبحها # جرعته ممسيا كأس القذى

و لقد كنت إذا ما قيل من # أنعم العالم عيشا قيل ذا.

و قال بعض الأدباء في كلام له بينا هذه الدنيا ترضع‏تها و تصرح‏ (2) بزبدتها و تلحف فضل جناحها و تغر بركود رياحها إذ عطفت عطف الضروس و صرخت صراخ‏ (3) الشموس و شنت غارة الهموم و أراقت ما حلبت من النعيم فالسعيد من لم يغتر بنكاحها و استعد لو شك طلاقها شاعر هو إهاب بن همام بن صعصعة المجاشعي و كان عثمانيا

لعمر أبيك فلا تكذبن # لقد ذهب الخير إلا قليلا

و قد فتن الناس في دينهم # و خلى ابن عفان شرا طويلا.

و قال أبو العتاهية

يعمر بيت بخراب بيت # يعيش حي بتراث ميت‏

14- و قال أنس بن مالك ما من يوم و لا ليلة و لا شهر و لا سنة إلا و الذي قبله خير منه سمعت ذلك من 14نبيكم ع .

فقال شاعر

رب يوم بكيت منه فلما # صرت في غيره بكيت عليه.

____________

(1) يسمطه، أي يعلقه.

(2) ب: «تصرخ» ، تحريف.

(3) ب: «صرحت» تحريف.

365

قيل لبعض عظماء الكتاب بعد ما صودر ما تفكر في زوال نعمتك فقال لا بد من الزوال فلان تزول و أبقى خير من أن أزول و تبقى .

و من كلام الجاهلية الأولى كل مقيم شاخص و كل زائد ناقص .

شاعر

إنما الدنيا دول # فراحل قيل نزل

إذ نازل قيل رحل.

لما فتح خالد بن الوليد عين التمر سأل عن الحرقة بنت النعمان بن المنذر فأتاها و سألها عن حالها فقالت لقد طلعت علينا الشمس و ما من شي‏ء يدب تحت الخورنق إلا و هو تحت أيدينا ثم غربت و قد رحمنا كل من نلم به و ما بيت دخلته حبرة إلا ستدخله عبرة ثم قالت‏

فبينا نسوس الناس و الأمر أمرنا # إذا نحن فيهم سوقة نتنصف

فأف لدنيا لا يدوم نعيمها # تقلب تارات بنا و تصرف.

و جاءها سعد بن أبي وقاص مرة فلما رآها قال قاتل الله عدي بن زيد كأنه كان ينظر إليها حيث قال لأبيها

إن للدهر صرعة فاحذرنها # لا تبيتن قد أمنت الدهورا (1)

قد يبيت الفتى معافى فيردى # و لقد كان آمنا مسرورا.

و قال مطرف بن الشخير لا تنظروا إلى خفض عيش الملوك و لين رياشهم و لكن انظروا إلى سرعة ظعنهم و سوء منقلبهم و إن عمرا قصيرا يستوجب به صاحبه النار لعمر مشئوم على صاحبه .

لما قتل عامر بن إسماعيل مروان بن محمد و قعد على فراشه قالت ابنة مروان له يا عامر إن دهرا أنزل مروان عن فرشه و أقعدك عليها لمبلغ في عظتك إن عقلت‏

____________

(1) شعراء النصرانية، الأغانى.

366

*3150* 150 و من كلامه ع في الصبر

وَ قَالَ ع لاَ يَعْدَمُ اَلصَّبُورُ اَلظَّفَرَ وَ إِنْ طَالَ بِهِ اَلزَّمَانُ (1) -. قد تقدم كلامنا في الصبر .

و قالت الحكماء الصبر ضربان جسمي و نفسي فالجسمي تحمل المشاق بقدر القوة البدنية و ليس ذلك بفضيلة تامة و لذلك قال الشاعر

و الصبر بالأرواح يعرف فضله # صبر الملوك و ليس بالأجسام.

و هذا النوع إما في الفعل كالمشي و رفع الحجر أو في رفع الانفعال كالصبر على المرض و احتمال الضرب المفظع و إما النفسي ففيه تتعلق الفضيلة و هو ضربان صبر عن مشتهى و يقال له عفة و صبر على تحمل مكروه أو محبوب و تختلف أسماؤه بحسب اختلاف مواقعة فإن كان في نزول مصيبة لم يتعد به اسم الصبر و يضاده الجزع و الهلع و الحزن و إن كان في احتمال الغنى سمي ضبط النفس و يضاده البطر و الأشر و الرفغ و إن كان في محاربة سمي شجاعة و يضاده الجبن و إن كان في إمساك النفس عن قضاء وطر الغضب سمي حلما و يضاده التذمر و الاستشاطة و إن كان في نائبة مضجرة سمي سعة صدر و يضاده الضجر و ضيق العطن و التبرم و إن كان في إمساك كلام في الضمير سمي كتمان السر و يضاده الإفشاء و إن كان عن فضول العيش سمي قناعة و زهدا و يضاده الحرص و الشره فهذه كلها أنواع الصبر و لكن اللفظ العرفي واقع على الصبر الجسماني و على ما يكون في نزول المصائب و تنفرد (1) باقي الأنواع بأسماء تخصها

____________

(1) ب: «و ينفرد» .

367

*3151* 151 و من كلامه ع في ما إذا اختلفت دعوتان‏

وَ قَالَ ع مَا اِخْتَلَفَتْ دَعْوَتَانِ إِلاَّ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا ضَلاَلَةً (1) -. هذا عند أصحابنا مختص باختلاف الدعوة في أصول الدين و يدخل في ذلك الإمامة لأنها من أصول الدين و لا يجوز أن يختلف قولان متضادان في أصول الدين فيكونا صوابا لأنه إن عني بالصواب مطابقة الاعتقاد للخارج فمستحيل أن يكون الشي‏ء في نفسه ثابتا منفيا و إن أراد بالصواب سقوط الإثم كما يحكى عن عبيد بن الحسن العنبري فإنه جعل اجتهاد المجتهدين في الأصول عذرا فهو قول مسبوق بالإجماع .

و لا يحمل أصحابنا كلام 1أمير المؤمنين ع على عمومه لأن المجتهدين في فروع الشريعة و إن اختلفوا و تضادت أقوالهم ليسوا و لا واحد منهم على ضلال و هذا مشروح في كتبنا الكلامية في أصول الفقه‏

368

*3152* 152 و من كلامه ع في الإخبار عن الغيب صادقا

وَ قَالَ ع مَا كَذَبْتُ وَ لاَ كُذِبْتُ وَ لاَ ضَلَلْتُ وَ لاَ ضُلَّ بِي. هذه كلمة قد قالها مرارا إحداهن في.

و كذبت بالضم أخبرت بخبر كاذب أي لم يخبرني 14رسول الله ص عن المخدج خبرا كاذبا لأن أخباره ص كلها صادقة .

و ضل بي بالضم نحو ذلك أي لم يضللني مضلل عن الصدق و الحق لأنه كان يستند في أخباره عن الغيوب إلى 14رسول الله ص و هو منزه عن إضلاله و إضلال أحد من المكلفين .

فكأنه قال لما أخبرهم عن المخدج‏ (1) و إبطاء ظهوره لهم أنا لم أكذب على 14رسول الله ص و 14رسول الله ص لا يكذب فيما أخبرني بوقوعه فإذا لا بد من ظفركم بالمخدج فاطلبوه‏

____________

(1) المخدج: ناقص اليد؛ و هو ذو الثدية.

369

*3153* 153 و من كلامه ع في ندم الظالم يوم القيامة

وَ قَالَ ع لِلظَّالِمِ اَلْبَادِي غَداً بِكَفِّهِ عَضَّةٌ (1) -. هذا من قوله تعالى‏ وَ يَوْمَ يَعَضُّ اَلظََّالِمُ عَلى‏ََ يَدَيْهِ‏ (1) و إنما قال للبادي‏ لأن من انتصر بعد ظلمه فلا سبيل عليه و من أمثالهم البادي أظلم .

فإن قلت فإذا لم يكن باديا لم يكن ظالما فأي حاجة له إلى الاحتراز بقوله البادي‏ قلت لأن العرب تطلق على ما يقع في مقابلة الظلم اسم الظلم أيضا كقوله تعالى‏ وَ جَزََاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهََا (2)

____________

(1) سورة الفرقان 27.

(2) سورة الشورى 40.

370

*3154* 154 و من كلامه ع في ترك الدنيا و قرب الرحيل عنها

وَ قَالَ ع اَلرَّحِيلُ وَشِيكٌ (1) -. الوشيك‏ السريع و أراد بالرحيل‏ هاهنا الرحيل عن الدنيا و هو الموت .

و قال بعض الحكماء قبل وجود الإنسان عدم لا أول له و بعده عدم لا آخر له و ما شبهت وجوده القليل‏ (1) المتناهي بين العدمين غير المتناهيين إلا ببرق يخطف خطفة خفيفة (2) في ظلام معتكر ثم يخمد و يعود الظلام كما كان‏

____________

(1) ا: «الوجود القليل» .

(2) ا: «يسيرة» .

371

*3155* 155 و من كلامه ع في هلاك من حارب الله‏

وَ قَالَ ع مَنْ أَبْدَى صَفْحَتَهُ لِلْحَقِّ هَلَكَ (1) -. قد تقدم تفسيرنا لهذه الكلمة في أول الكتاب و معناها من نابذ الله و حاربه هلك يقال لمن خالف و كاشف قد أبدى صفحته‏

372

*3156* 156 و من كلامه ع في الاستعصام بالذمم‏

وَ قَالَ ع اِعْتَصِمُوا اِسْتَعْصِمُوا بِالذِّمَمِ فِي أَوْتَارِهَا أَوْتَادِهَا (1) - . أي في مظانها و في مركزها أي لا تستندوا إلى ذمام الكافرين و المارقين فإنهم ليسوا أهلا للاستعصام بذممهم كما قال الله تعالى‏ لاََ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَ لاََ ذِمَّةً (1) و قال‏ إِنَّهُمْ لاََ أَيْمََانَ لَهُمْ‏ (2) .

و هذه كلمة قالها بعد انقضاء أمرو حضور قوم من الطلقاء بين يديه ليبايعوه منهم مروان بن الحكم فقال و ما ذا أصنع ببيعتك أ لم تبايعني بالأمس يعني بعد قتل عثمان ثم أمر بإخراجهم و رفع نفسه عن مبايعة أمثالهم و تكلم بكلام ذكر فيه ذمام العربية و ذمام الإسلام و ذكر أن لا دين له فلا ذمام له .

ثم قال في أثناء الكلام‏ فاستعصموا بالذمم في أوتارها أي إذا صدرت عن ذوي الدين فمن لا دين له لا عهد له‏

____________

(1) سورة التوبة 10.

(2) سورة التوبة 12.

373

*3157* 157 و من كلامه ع في وجوب طاعة من وجبت طاعته‏

وَ قَالَ ع عَلَيْكُمْ بِطَاعَةِ مَنْ لاَ تُعْذَرُونَ فِي جَهَالَتِهِ بِجَهَالَتِهِ (1) - . يعني نفسه ع و هو حق على المذهبين جميعا أما نحن فعندنا أنه إمام واجب الطاعة بالاختبار فلا يعذر أحد من المكلفين في الجهل بوجوب طاعته و أما على مذهب الشيعة فلأنه إمام واجب الطاعة بالنص فلا يعذر أحد من المكلفين في جهالة إمامته و عندهم أن معرفة إمامته تجري مجرى معرفة 14محمد ص و مجرى معرفة البارئ سبحانه و يقولون لا تصح لأحد صلاة و لا صوم و لا عبادة إلا بمعرفة الله و النبي و الإمام .

و على التحقيق فلا فرق بيننا و بينهم في هذا المعنى لأن من جهل إمامة 1علي ع و أنكر صحتها و لزومها فهو عند أصحابنا مخلد في النار لا ينفعه صوم و لا صلاة لأن المعرفة بذلك من الأصول الكلية التي هي أركان الدين و لكنا لا نسمي منكر إمامته كافرا بل نسميه فاسقا و خارجيا و مارقا و نحو ذلك و الشيعة تسميه كافرا فهذا هو الفرق بيننا و بينهم و هو في اللفظ لا في المعنى

374

*3158* 158 و من كلامه ع في ذكر نعم الله على العبد بعد معرفته سبحانه‏

وَ قَالَ ع مَا شَكَكْتُ فِي اَلْحَقِّ مُنْذُ مُذْ أُرِيتُهُ (1) -. أي منذ أعلمته و يجب أن يقدر هاهنا مفعول محذوف أي منذ أريته حقا لأن أرى يتعدى إلى ثلاثة مفاعيل تقول أرى الله زيدا عمرا خير الناس فإذا بنيته للمفعول به قام واحد من الثلاثة مقام الفاعل و وجب أن يؤتى بمفعولين غيره تقول أريت زيدا خير الناس و إن كان أشار بالحق إلى أمر مشاهد بالبصر لم يحتج إلى ذلك و يجوز أن يعني بالحق الله سبحانه و تعالى لأن الحق من أسمائه عز و جل فيقول منذ عرفت الله لم أشك فيه و تكون الرؤية بمعنى المعرفة فلا يحتاج إلى تقدير مفعول آخر و ذلك مثل قوله تعالى‏ وَ آخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لاََ تَعْلَمُونَهُمُ اَللََّهُ يَعْلَمُهُمْ‏ (1) أي لا تعرفونهم الله يعرفهم و المراد من هذا الكلام ذكر نعمة الله عليه في أنه منذ عرف الله سبحانه لم يشك فيه أو منذ عرف الحق في العقائد الكلامية و الأصولية و الفقهية لم يشك في شي‏ء منها و هذه مزية له ظاهرة على غيره من الناس فإن أكثرهم أو كلهم يشك في الشي‏ء بعد أن عرفه و تعتوره الشبه و الوساوس-و يران على قلبه و تختلجه الشياطين عما أدى إليه نظره .

____________

(1) سورة الأنفال 60.

375

14,1- و قد روي أن 14النبي ص لما بعثه إلى اليمن قاضيا ضرب على صدره و قال‏اللهم اهد قلبه و ثبت لسانهفكان يقول ما شككت بعدها في قضاء بين اثنين .

14- و روي أن 14رسول الله ص لما قرأ وَ تَعِيَهََا أُذُنٌ وََاعِيَةٌ (1) قال‏اللهم اجعلها أذن 1علي و قيل له قد أجيبت دعوتك.

____________

(1) سورة الحاقة 12.

376

*3159* 159 و من كلامه ع في لزوم اتباع الحق بعد نصب الأدلة الواضحة دون الظلال عنها

وَ قَالَ ع وَ قَدْ بُصِّرْتُمْ إِنْ أَبْصَرْتُمْ وَ قَدْ هُدِيتُمْ إِنِ اِهْتَدَيْتُمْ وَ أُسْمِعْتُمْ إِنِ اِسْتَمَعْتُمْ (1) - . قال الله تعالى‏ وَ أَمََّا ثَمُودُ فَهَدَيْنََاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا اَلْعَمى‏ََ عَلَى اَلْهُدى‏ََ (1) .

و قال سبحانه‏ وَ هَدَيْنََاهُ اَلنَّجْدَيْنِ‏ (2) .

و قال بعض الصالحين ألا إنهما نجدا الخير و الشر فجعل نجد الشر أحب إليكم من نجد الخير .

قلت النجد الطريق .

و اعلم أن الله تعالى قد نصب الأدلة و مكن المكلف بما أكمل له من العقل من الهداية فإذا ضل فمن قبل نفسه أتى .

و قال بعض الحكماء الذي لا يقبل الحكمة هو الذي ضل عنها ليست هي الضالة عنه .

و قال متى أحسست بأنك قد أخطأت و أردت ألا تعود أيضا فتخطئ فانظر إلى أصل في نفسك حدث عنه ذلك الخطأ فاحتل في قلعه و ذلك أنك إن لم تفعل ذلك عاد فثبت خطأ آخر و كان يقال كما أن البدن الخالي من النفس تفوح منه رائحة النتن كذلك النفس الخالية من الحكمة و كما أن البدن الخالي من النفس ليس يحس ذلك بالبدن

____________

(1) سورة فصلت 17.

(2) سورة البلد 10.

377

بل الذين لهم حس يحسونه به كذلك النفس العديمة للحكمة ليس تحس به تلك النفس بل يحس به الحكماء و قيل لبعض الحكماء ما بال الناس ضلوا عن الحق أ تقول إنهم لم تخلق فيهم قوة معرفة فقال لا بل خلق لهم ذلك و لكنهم استعملوا تلك القوة على غير وجهها و في غير ما خلقت له كالسم تدفعه إلى إنسان ليقتل به عدوه فيقتل به نفسه‏

378

*3160* 160 و من كلامه ع في الرد على الإساءة بالإحسان‏

وَ قَالَ ع عَاتِبْ أَخَاكَ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ وَ اُرْدُدْ شَرَّهُ بِالْإِنْعَامِ عَلَيْهِ (1) -. الأصل في هذا قول الله تعالى‏ اِدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا اَلَّذِي بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ عَدََاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ‏ (1) و روى المبرد في الكامل عن ابن عائشة عن رجل من أهل الشام قال دخلت المدينة فرأيت رجلا راكبا على بغلة لم أر أحسن وجها و لا ثوبا و لا سمتا و لا دابة منه فمال قلبي إليه فسألت عنه فقيل هذا الحسن بن الحسن بن علي فامتلأ قلبي له بغضا و حسدت 1عليا أن يكون له ابن مثله فصرت إليه و قلت له أنت ابن أبي طالب فقال أنا ابن ابنه قلت فبك و بأبيك فلما انقضى كلامي قال أحسبك غريبا قلت أجل قال فمل بنا فإن احتجت إلى منزل أنزلناك أو إلى مال واسيناك أو إلى حاجة عاوناك .

فانصرفت عنه و ما على الأرض أحد أحب إلي منه (2) .

و قال محمود الوراق

إني شكرت لظالمي ظلمي # و غفرت ذاك له على علم

و رأيته أهدى إلي يدا # لما أبان بجهله حلمي

رجعت إساءته عليه و # إحساني فعاد مضاعف الجرم

____________

(1) سورة فصلت 34.

(2) الكامل 2: 5، 6.

379

و غدوت ذا أجر و محمدة # و غدا بكسب الظلم و الإثم

فكأنما الإحسان كان له # و أنا المسي‏ء إليه في الحكم

ما زال يظلمني و أرحمه # حتى بكيت له من الظلم.

قال المبرد أخذ هذا المعنى من قول رجل من قريش قال له رجل منهم إني مررت بآل فلان و هم يشتمونك شتما رحمتك منه قال أ فسمعتني أقول إلا خيرا قال لا قال إياهم فارحم (1) .

و قال رجل لأبي بكر لأشتمنك شتما يدخل معك قبرك فقال معك و الله يدخل لا معي‏ (2)

____________

(1) الكامل 2: 4، 5.

(2) الكامل 2: 5.

380

*3161* 161 و من كلامه ع في من وضع نفسه مواضع التهمة

وَ قَالَ ع مَنْ وَضَعَ نَفْسَهُ مَوَاضِعَ اَلتُّهَمَةِ فَلاَ يَلُومَنَّ مَنْ أَسَاءَ بِهِ اَلظَّنَّ (1) -.

14- رأى بعض الصحابة 14رسول الله ص واقفا في درب من دروب المدينة و معه امرأة فسلم عليه فرد عليه فلما جاوزه ناداه فقال هذه زوجتي فلانة قال يا 14رسول الله أ و فيك يظن فقال إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم .

14- و جاء في الحديث المرفوع دع ما يريبك إلى ما لا يريبك.

14- و قال أيضا لا يكمل إيمان عبد حتى يترك ما لا بأس به.

و قد أخذ هذا المعنى شاعر فقال‏

و زعمت أنك لا تلوط فقل لنا # هذا المقرطق واقفا ما يصنع

شهدت ملاحته عليك بريبة # و على المريب شواهد لا تدفع‏

381

*3162* 162 و من كلامه ع في استئثار من ملك على الرعية بالمال و العز و الجاه‏

وَ قَالَ ع مَنْ مَلَكَ اِسْتَأْثَرَ (1) -. المعنى أن الأغلب في كل ملك يستأثر على الرعية بالمال و العز و الجاه .

و نحو هذا المعنى قولهم من غلب سلب و من عز بز .

و نحوه قول أبي الطيب

و الظلم من شيم النفوس فإن تجد # ذا عفة فلعلة لا يظلم‏ (1)

____________

(1) ديوانه 4: 125.

382

*3163* 163 و من كلامه ع في المشورة و آثارها

وَ قَالَ ع مَنِ اِسْتَبَدَّ بِرَأْيِهِ هَلَكَ وَ مَنْ شَاوَرَ اَلرِّجَالَ شَارَكَهَا فِي عُقُولِهَا (1) -. قد تقدم لنا قول كاف في المشورة مدحا و ذما و كان عبد الملك بن صالح الهاشمي يذمها و يقول ما استشرت واحدا قط إلا تكبر علي و تصاغرت له و دخلته العزة و دخلتني الذلة فإياك و المشورة و إن ضاقت عليك المذاهب و اشتبهت عليك المسائل و أداك الاستبداد إلى الخطإ الفادح .

و كان عبد الله بن طاهر يذهب إلى هذا المذهب و يقول ما حك جلدك مثل ظفرك و لأن أخطئ مع الاستبداد ألف خطإ أحب إلي من أن أستشير و أرى بعين النقص و الحاجة .

و كان يقال الاستشارة إذاعة السر و مخاطرة بالأمر الذي ترومه بالمشاورة فرب مستشار أذاع عنك ما كان فيه فساد تدبيرك .

و أما المادحون للمشورة فكثير جدا و قالوا خاطر من استبد برأيه .

و قالوا المشورة راحة لك و تعب على غيرك .

و قالوا من أكثر من المشورة لم يعدم عند الصواب مادحا و عند الخطإ عاذرا .

383

و قالوا المستشير على طرف النجاح و الاستشارة من عزم الأمور .

و قالوا المشورة لقاح العقول و رائد الصواب .

و من ألفاظهم البديعة ثمرة رأي المشير أحلى من الأري المشور (1) .

و قال بشار

إذا بلغ الرأي النصيحة فاستعن # بعزم نصيح أو مشورة حازم‏ (2)

و لا تجعل الشورى عليك غضاضة # فإن الخوافي عدة للقوادم‏

____________

(1) الأرى: العسل، و المشور: المستخرج. شرت العسل: استخرجته.

(2) شرح مختار بشار 312.

384

*3164* 164 و من كلامه ع في السر و الأمر بكتمانه‏

وَ قَالَ ع مَنْ كَتَمَ سِرَّهُ كَانَتِ اَلْخِيَرَةُ فِي فِي يَدِهِ بِيَدِهِ (1) - . قد تقدم القول في السر و الأمر بكتمانه و نذكر هاهنا أشياء أخر .

من أمثالهم مقتل الرجل بين لحييه .

دنا رجل من آخر فساره فقال إن من حق السر التداني .

كان مالك بن مسمع إذا ساره إنسان قال له أظهره فلو كان فيه خير لما كان مكتوما .

حكيم يوصي ابنه يا بني كن جوادا بالمال في موضع الحق ضنينا بالإسرار عن جميع الخلق فإن أحمد جود المرء الإنفاق في وجه البر .

و من كلامهم سرك من دمك فإذا تكلمت به فقد أرقته .

و قال الشاعر

فلا تفش سرك إلا إليك # فإن لكل نصيح نصيحا

أ لم تر أن غواة الرجال # لا يتركون أديما صحيحا.

و قال عمر بن عبد العزيز القلوب أوعية الأسرار و الشفاه أقفالها و الألسن مفاتيحها فليحفظ كل امرئ مفتاح سره .

385

و قال بعض الحكماء من أفشى سره كثر عليه المتآمرون .

أسر رجل إلى صديق‏ (1) سرا ثم قال له أ فهمت قال له بل جهلت قال أ حفظت قال بل نسيت .

و قيل لرجل كيف كتمانك السر قال أجحد المخبر و أحلف للمستخبر .

أنشد الأصمعي قول الشاعر

إذا جاوز الاثنين سر فإنه # بنث و تكثير الوشاة قمين‏ (2) .

فقال و الله ما أراد بالاثنين إلا الشفتين‏

____________

(1) ا: «صديقه» .

(2) قمين: خليق.

386

*3165* 165 و من كلامه ع في الفقر و آثاره‏

وَ قَالَ ع اَلْفَقْرُ اَلْمَوْتُ اَلْأَكْبَرُ (1) -.

14- في الحديث المرفوع أشقى الأشقياء من جمع عليه فقر الدنيا و عذاب الآخرة.

و أتى بزرجمهر فقير جاهل فقال بئسما اجتمع على هذا البائس فقر ينقص دنياه و جهل يفسد آخرته .

شاعر

خلق المال و اليسار لقوم # و أراني خلقت للإملاق

أنا فيما أرى بقية قوم # خلقوا بعد قسمة الأرزاق.

أخذ السيواسي هذا المعنى فقال في قصيدته الطويلة المعروفة بالساسانية

ليت شعري لما بدا يقسم # الأرزاق في أي مطبق كنت‏ (1) .

قرئ على أحد جانبي دينار

قرنت بالنجح و بي كل ما # يراد من ممتنع يوجد.

و على الجانب الآخر

و كل من كنت له آلفا # فالإنس و الجن له أعبد.

____________

(1) المطبق: السجن.

387

و قال أبو الدرداء من حفظ ماله فقد حفظ الأكثر من دينه و عرضه .

بعضهم‏

و إذا رأيت صعوبة في مطلب # فاحمل صعوبته على الدينار

تردده كالظهر الذلول فإنه # حجر يلين قوة الأحجار.

و من دعاء السلف‏اللهم إني أعوذ بك من ذل الفقر و بطر الغنى

388

*3166* 166 و من كلامه ع في مدح من لا يقضى حقه‏

وَ قَالَ ع مَنْ قَضَى حَقَّ مَنْ لاَ يَقْضِي حَقَّهُ فَقَدْ عَبَّدَهُ عَبَدَهُ (1) - . عبده‏ بالتشديد أي اتخذه عبدا يقال عبده و استعبده بمعنى واحد و المعني بهذا الكلام مدح من لا يقضي حقه أي من فعل ذلك بإنسان فقد استعبد ذلك الإنسان لأنه لم يفعل معه ذلك مكافاة له عن حق قضاه إياه بل فعل ذلك إنعاما مبتدأ فقد استعبده بذلك (1) .

و قال الشاعر في نقيض هذه الحال يخاطب صاحبا له‏

كن كأن لم تلاقني قط في الناس # و لا تجعلن ذكراي شوقا

و تيقن بأنني غير راء # لك حقا حتى ترى لي حقا

و بأني مفوق ألف سهم # لك إن فوقت يمينك فوقا

____________

(1) ا: «بهذا» .

389

*3167* 167 و من كلامه ع في عدم مخالفة الخالق بطاعة المخلوق‏

وَ قَالَ ع لاَ طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اَلْخَالِقِ (1) -. هذه الكلمة قد رويت مرفوعة و قد جاء في كلام أبي بكر أطيعوني ما أطعت الله فإذا عصيته فلا طاعة لي عليكم و قال معاوية لشداد بن أوس قم فاذكر 1عليا فانتقصه‏ (1) فقام شداد فقال الحمد لله الذي افترض طاعته على عباده و جعل رضاه عند أهل التقوى آثر من رضا غيره على ذلك مضى أولهم و عليه مضى آخرهم أيها الناس إن الآخرة وعد صادق يحكم فيها ملك قاهر و إن الدنيا أكل حاضر يأكل منها البر و الفاجر و إن السامع المطيع لله لا حجة عليه و إن السامع العاصي لله لا حجة له و إنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق و إذا أراد الله بالناس خيرا استعمل عليهم صلحاءهم-و قضى بينهم فقهاؤهم‏ (2) و جعل المال في سمحائهم و إذا أراد بالعباد شرا عمل عليهم سفهاؤهم و قضى بينهم جهلاؤهم و جعل المال عند بخلائهم و إن من إصلاح الولاة أن تصلح قرناءها ثم التفت إلى معاوية فقال نصحك يا معاوية من أسخطك بالحق و غشك من أرضاك بالباطل فقطع معاوية عليه كلامه و أمر بإنزاله ثم لاطفه و أمر له بمال فلما قبضه قال أ لست من السمحاء الذين ذكرت فقال إن كان لك مال غير مال المسلمين أصبته حلالا و أنفقته إفضالا فنعم و إن كان مال المسلمين احتجبته دونهم أصبته اقترافا و أنفقته إسرافا فإن الله يقول‏ إِنَّ اَلْمُبَذِّرِينَ كََانُوا إِخْوََانَ اَلشَّيََاطِينِ‏ (3)

____________

(1) في د «و تنقصه» و هو مستقيم أيضا.

(2) في د «علماؤهم» .

(3) سورة الإسراء 27.

غ

390

*3168* 168 و من كلامه ع في ما يعاب فيه المرء

وَ قَالَ ع لاَ يُعَابُ اَلْمَرْءُ بِتَأْخِيرِ حَقِّهِ إِنَّمَا يُعَابُ مَنْ أَخَذَ مَا لَيْسَ لَهُ (1) -. لعل هذه الكلمة قالها في جواب سائل سأله لم أخرت المطالبة بحقك من الإمامة و لا بد من إضمار شي‏ء في الكلام على قولنا و قول الإمامية لأنا نحن نقول الأمر حقه بالأفضلية و هم يقولون إنه حقه بالنص و على كلا التقديرين فلا بد من إضمار شي‏ء في الكلام لأن لقائل أن يقول له ع لو كان حقك من غير أن يكون للمكلفين فيه نصيب لجاز ذلك أن يؤخر كالدين الذي يستحق على زيد يجوز لك أن تؤخره لأنه خالص لك وحدك فأما إذا كان للمكلفين فيه حاجة ماسة لم يكن حقك وحدك لأن مصالح المكلفين منوطة بإمامتك دون إمامة غيرك فكيف يجوز لك تأخير ما فيه مصلحة المكلفين فإذن لا بد من إضمار شي‏ء في الكلام و تقديره لا يعاب المرء بتأخير حقه إذا كان هناك مانع عن طلبه و يستقيم المعنى حينئذ على المذهبين جميعا لأنه إذا كان هناك مانع جاز تقديم غيره عليه و جاز له أن يؤخر طلب حقه خوف الفتنة و الكلام في هذا الموضع مستقصى في تصانيفنا في علم الكلام‏

391

*3169* 169 و من كلامه ع في العجب‏

وَ قَالَ ع اَلْإِعْجَابُ يَمْنَعُ مِنَ اَلاِزْدِيَادِ اَلاِزْدِيَادَ (1) - . قد تقدم لنا قول مقنع في العجب و إنما قال ع يمنع من الازدياد لأن المعجب بنفسه ظان أنه قد بلغ الغرض و إنما يطلب الزيادة من يستشعر التقصير لا من يتخيل الكمال و حقيقة العجب ظن الإنسان بنفسه استحقاق منزلة هو غير مستحق لها و لهذا قال بعضهم لرجل رآه معجبا بنفسه يسرني أن أكون عند الناس مثلك في نفسك و أن أكون عند نفسي مثلك عند الناس فتمنى حقيقة ما يقدره ذلك الرجل ثم تمنى أن يكون عارفا بعيوب نفسه كما يعرف الناس عيوب ذلك الرجل المعجب بنفسه .

و قيل للحسن من شر الناس قال من يرى أنه خيرهم .

و قال بعض الحكماء الكاذب في نهاية البعد من الفضل و المرائي أسوأ حالا من الكاذب لأنه يكذب فعلا و ذاك يكذب قولا و الفعل آكد من القول فأما المعجب بنفسه فأسوأ حالا منهما لأنهما يريان نقص أنفسهما و يريدان إخفاءه و المعجب بنفسه قد عمي عن عيوب نفسه فيراها محاسن و يبديها .

و قال هذا الحكيم أيضا ثم إن المرائي و الكاذب قد ينتفع بهما كملاح خاف‏

392

ركابه الغرق من مكان مخوف من البحر فبشرهم بتجاوزه قبل أن يتجاوزه لئلا يضطربوا فيتعجل غرقهم .

و قد يحمد رياء الرئيس إذا قصد أن يقتدى به في فعل الخير و المعجب لا حظ له في سبب من أسباب المحمدة بحال .

و أيضا فلأنك إذا وعظت الكاذب و المرائي فنفسهما تصدقك و تثلبهما لمعرفتهما بنفسهما و المعجب فلجهله بنفسه يظنك في وعظه لاغيا فلا ينتع بمقالك و إلى هذا المعنى أشار سبحانه بقوله‏ أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً (1) ثم قال سبحانه‏ فَلاََ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرََاتٍ‏ (1) تنبيها على أنهم لا يعقلون لإعجابهم .

1- و 1قال ع ثلاث مهلكات شح مطاع و هوى متبع و إعجاب المرء بنفسه.

و في المثل إن إبليس قال إذا ظفرت من ابن آدم بثلاث لم أطالبه بغيرها إذا أعجب بنفسه و استكثر عمله و نسي ذنوبه .

و قالت الحكماء كما أن المعجب بفرسه لا يروم أن يستبدل به غيره كذلك المعجب بنفسه لا يريد بحاله بدلا و إن كانت رديئة .

و أصل الإعجاب من حب الإنسان لنفسه

1- و قد 1قال ع حبك الشي‏ء يعمي و يصم.

و من عمي و صم تعذر عليه رؤية عيوبه و سماعها فلذلك وجب على الإنسان أن يجعل على نفسه عيونا تعرفه عيوبه نحو ما قال عمر أحب الناس إلي امرؤ أهدى إلي عيوبي .

و يجب على الإنسان إذا رأى من غيره سيئة أن يرجع إلى نفسه فإن رأى ذلك

____________

(1) سورة فاطر 8.

393

موجودا فيها نزعها و لم يغفل عنها فما أحسن ما قال المتنبي

و من جهلت نفسه قدره # رأى غيره منه ما لا يرى‏ (1) .

و أما التيه و ماهيته فهو قريب من العجب لكن المعجب يصدق نفسه و هما فيما يظن بها و التياه يصدقها قطعا كأنه متحير في تيه و يمكن أن يفرق بينهما بأمر آخر و يقول إن المعجب قد يعجب بنفسه و لا يؤذي أحدا بذلك الإعجاب و التياه يضم إلى الإعجاب الغض من الناس و الترفع عليهم فيستلزم ذلك الأذى لهم فكل تائه معجب و ليس كل معجب تائها

____________

(1) ديوانه 1: 44.

394

*3170* 170 و من كلامه ع في التذكير بالموت و سرعة زوال الدنيا

وَ قَالَ ع اَلْأَمْرُ قَرِيبٌ وَ اَلاِصْطِحَابُ قَلِيلٌ (1) -. هذه الكلمة تذكر بالموت و سرعة زوال الدنيا و قال أبو العلاء

نفسي و جسمي لما استجمعا صنعا # شرا إلى فجل الواحد الصمد

فالجسم يعذل فيه النفس مجتهدا # و تلك تزعم أن الظالم الجسد

إذا هما بعد طول الصحبة افترقا # فإن ذاك لأحداث الزمان يد

و أصبح الجوهر الحساس في محن # موصولة و استراح الآخر الجمد

395

*3171* 171 و من كلامه ع في وضوح الحق لمن له سلامة البصر

وَ قَالَ ع قَدْ أَضَاءَ اَلصُّبْحُ لِذِي عَيْنَيْنِ (1) -. هذا الكلام جار مجرى المثل و مثله‏

و الشمس لا تخفى عن الأبصار.

و مثله‏

إن الغزالة لا تخفى عن البصر.

و قال ابن هانئ يمدح المعتز

فاستيقظوا من رقدة و تنبهوا # ما بالصباح عن العيون خفاء (1)

ليست سماء الله ما ترونها # لكن أرضا تحتويه سماء

____________

(1) ديوانه 4.

396

*3172* 172 و من كلامه ع في أن ترك الذنب ابتداء أسهل من طلب التوبة

وَ قَالَ ع تَرْكُ اَلذَّنْبِ أَهْوَنُ مِنْ طَلَبِ اَلتَّوْبَةِ اَلْمَعُونَةِ (1) - . هذا حق لأن ترك الذنب هو الإحجام عنه و هذا سهل على من يعرف أثر الذنب على ما ذا يكون و هو أسهل من أن يواقع الإنسان الذنب ثم يطلب التوبة فقد لا يخلص داعيه إليها ثم لو خلص فكيف له بحصوله على شروطها و هي أن يندم على القبيح لأنه قبيح لا لخوف العقاب و لا لرجاء الثواب ثم لا يكفيه أن يتوب من الزنا وحده و لا من شرب الخمر وحده بل لا تصح توبته حتى تكون عامة شاملة لكل القبائح فيندم على ما قال و يود أنه لم يفعل و يعزم على ألا يعاود معصية أصلا و إن نقض التوبة عادت عليه الآثام القديمة و العقاب المستحق و لا الذي كان سقط بالتوبة على رأي كثير من أرباب علم الكلام و لا ريب أن ترك الذنب من الابتداء أسهل من طلب توبة هذه صفتها .

و هذا الكلام جار (1) مجرى المثل يضرب لمن يشرع في أمر يخاطر فيه و يرجو أن يتخلص منه فيما بعد بوجه من الوجوه‏

____________

(1) د: «يجرى» .

397

*3173* 173 و من كلامه ع في لزوم الحذر من طيبات الدنيا و لذائذها

وَ قَالَ ع كَمْ مِنْ أَكْلَةٍ تَمْنَعُ مَنَعَتْ أَكَلاَتٍ (1) -. أخذ هذا المعنى بلفظه الحريري فقال في المقامات رب أكلة هاضت الآكل و منعته مآكل و أخذه أبو العلاف الشاعر فقال في سنوره الذي يرثيه‏

أردت أن تأكل الفراخ و لا # يأكلك الدهر أكل مضطهد (1)

يا من لذيذ الفراخ أوقعه # ويحك هلا قنعت بالقدد

كم أكلة خامرت حشا شره # فأخرجت روحه من الجسد.

نوادر المكثرين من الأكل‏

و كان ابن عياش المنتوف يمازح المنصور أبا جعفر فيحتمله على أنه كان جدا كله فقدم المنصور لجلسائه يوما بطة كثيرة الدهن فأكلوا و جعل يأمرهم بالازدياد من الأكل لطيبها فقال ابن عياش قد علمت غرضك يا أمير المؤمنين إنما تريد أن ترميهم منها بالحجاب يعني الهيضة فلا يأكلوا إلى عشرة أيام شيئا .

و في المثل أكلة أبي خارجة و قال أعرابي و هو يدعو الله بباب الكعبة اللهم

____________

(1) ابن خلّكان 1: 138.

398

ميتة كميتة أبي خارجة فسألوه فقال أكل بذجا و هو الحمل و شرب وطبا من اللبن و يروى من النبيذ و هو كالحوض من جلود ينبذ فيه و نام في الشمس فمات فلقي الله تعالى شبعان ريان دفيئا .

و العرب تعير بكثرة الأكل و تعيب بالجشع و الشره و النهم و قد كان فيهم قوم موصوفون بكثرة الأكل منهم معاوية قال أبو الحسن المدائني في كتاب الأكلة كان يأكل في اليوم‏ (1) أربع أكلات أخراهن عظماهن ثم يتعشى بعدها بثريدة عليها بصل كثير و دهن كثير قد شغلها و كان أكله فاحشا يأكل فيلطخ منديلين أو ثلاثة قبل أن يفرغ و كان يأكل حتى يستلقي و يقول يا غلام ارفع فلأني و الله ما شبعت و لكن مللت .

و كان عبيد الله بن زياد يأكل في اليوم خمس أكلات أخراهن خبية بعسل و يوضع بين يديه بعد أن يفرغ الطعام عناق أو جدي فيأتي عليه وحده .

و كان سليمان بن عبد الملك المصيبة العظمى في الأكل دخل إلى الرافقة فقال لصاحب طعامه أطعمنا اليوم من خرفان الرافقة و دخل الحمام فأطال ثم خرج فأكل ثلاثين خروفا بثمانين رغيفا ثم قعد على المائدة فأكل مع الناس كأنه لم يأكل شيئا .

و قال الشمردل وكيل آل عمرو بن العاص قدم سليمان الطائف و قد عرفت استجاعته فدخل هو و عمر بن عبد العزيز و أيوب ابنه إلى بستان لي هناك يعرف بالرهط فقال ناهيك بمالك هذا لو لا جرار فيه قلت يا أمير المؤمنين إنها ليست بجرار و لكنها جرار الزبيب فضحك ثم جاء حتى ألقى صدره على غصن شجرة هناك و قال يا شمردل أ ما عندك شي‏ء تطعمني و قد كنت استعددت له فقلت بلى و الله عندي جدي كانت تغدو عليه حافلة و تروح عليه أخرى فقال عجل به فجئته

____________

(1) في د «كل يوم» .

399

به مشويا كأنه عكة سمن فأكله لا يدعو عليه عمر و لا ابنه حتى إذا بقي فخذ قال يا عمر هلم قال إني صائم ثم قال يا شمردل أ ما عندك شي‏ء قلت بلى دجاجات خمس كأنهن رئلان النعام فقال هات فأتيته بهن فكان يأخذ برجل الدجاجة حتى يعري عظامها ثم يلقيها حتى أتى عليهن ثم قال ويحك يا شمردل أ ما عندك شي‏ء قلت بلى سويق كأنه قراضة الذهب ملتوت بعسل و سمن قال هلم فجئته بعس تغيب فيه الرأس فأخذه فلطم به جبهته حتى أتى عليه فلما فرغ تجشأ كأنه صارخ في جب ثم التفت إلى طباخه فقال ويحك أ فرغت من طبيخك قال نعم قال و ما هو قال نيف و ثمانون قدرا قال فأتني بها قدرا قدرا فعرضها عليه و كان يأكل من كل قدر لقمتين أو ثلاثا ثم مسح يده و استلقى على قفاه و أذن للناس و وضعت الموائد فقعد فأكل مع الناس كأنه لم يطعم شيئا .

قالوا و كان الطعام الذي مات منه سليمان أنه قال لديراني كان صديقه قبل الخلافة ويحك لا تقطعني ألطافك التي كنت تلطفني بها على عهد الوليد أخي قال فأتيته يوما بزنبيلين كبيرين أحدهما بيض مسلوق و الآخر تين فقال لقمنيه فكنت أقشر البيضة و أقرنها بالتينة و ألقمه حتى أتى على الزنبيلين فأصابته تخمة عظيمة و مات ـ و يحكى أن عمرو بن معديكرب أكل عنزا رباعية و فرقا من ذرة و الفرق ثلاثة آصع و قال لامرأته عالجي لنا هذا الكبش حتى أرجع فجعلت توقد تحته و تأخذ عضوا عضوا فتأكله فاطلعت فإذا ليس في القدر إلا المرق فقامت إلى كبش آخر فذبحته و طبخته ثم أقبل عمرو فثردت له في جفنة العجين و كفأت القدر عليها فمد يده و قال يا أم ثور دونك الغداء قالت قد أكلت فأكل الكبش كله ثم اضطجع و دعاها إلى الفراش فلم يستطع الفعل فقالت له كيف تستطيع و بيني و بينك كبشان .

400

و قد روي هذا الخبر عن بعض العرب و قيل إنه أكل حوارا (1) و أكلت امرأته حائلا (2) فلما أراد أن يدنو منها و عجز قالت له كيف تصل إلي و بيني و بينك بعيران .

و كان الحجاج عظيم الأكل قال مسلم بن قتيبة كنت في دار الحجاج مع ولده و أنا غلام فقيل قد جاء الأمير فدخل الحجاج فأمر بتنور فنصب و أمر رجلا أن يخبز له خبز الماء و دعا بسمك فأتوه به فجعل يأكل حتى أكل ثمانين جاما من السمك بثمانين رغيفا من خبز الملة (3) .

و كان هلال بن أشعر المازني موصوفا بكثرة الأكل أكل ثلاث جفان ثريد و استسقى فجاءوه بقربة مملوءة نبيذا فوضعوا فمها في فمه حتى شربها بأسرها .

و كان هلال بن أبي بردة أكولا قال قصابه جاءني رسوله سحرة فأتيته و بين يديه كانون فيه جمر و تيس ضخم فقال دونك هذا التيس فاذبحه فذبحته و سلخته فقال أخرج هذا الكانون إلى الرواق و شرح اللحم و كبه على النار فجعلت كلما استوى شي‏ء قدمته إليه حتى لم يبق من التيس إلا العظام و قطعة لحم على الجمر فقال لي كلها فأكلتها ثم شرب خمسة أقداح و ناولني قدحا فشربته فهزني و جاءته جارية ببرمة فيها ناهضان‏ (4) و دجاجتان و أرغفة فأكل ذلك كله ثم جاءته جارية أخرى بقصعة مغطاة لا أدري ما فيها فضحك إلى الجارية فقال ويحك لم يبق في بطني موضع لهذا فضحكت الجارية و انصرفت فقال لي الحق بأهلك .

____________

(1) الحوار: ولد الناقة.

(2) الحائل: الناقة التي لم تحمل.

(3) الملّة: الرماد الحار.

(4) الناهض: فرخ العقاب.

401

و كان عنبسة بن زياد أكولا نهما فحدث رجل من ثقيف قال دعاني عبيد الله الأحمر فقلت لعنبسة هل لك يا ذبحة و كان هذا لقبة في إتيان الأحمر فمضينا إليه فلما رآه عبيد الله رحب به و قال للخباز ضع بين يدي هذا مثل ما تضع بين يدي أهل المائدة كلهم فجعل يأتيه بقصعة و أهل المائدة بقصعة و هو يأتي عليها ثم أتاه بجدي فأكله كله و نهض القوم فأكل كل ما تخلف على المائدة و خرجنا فلقينا خلف بن عبد الله القطامي فقال له يا خلف أ ما تغديني يوما فقلت لخلف ويحك لا تجده مثل اليوم فقال له ما تشتهي قال تمرا و سمنا فانطلق به إلى منزله فجاء بخمس جلال‏ (1) تمرا و جرة سمنا فأكل الجميع و خرج فمر برجل يبني داره و معه مائة رجل و قد قدم لهم سمنا و تمرا فدعاه إلى الأكل معهم فأكل حتى شكوه إلى صاحب الدار ثم خرج فمر برجل بين يديه زنبيل فيه خبز أرز يابس بسمسم و هو يبيعه فجعل يساومه و يأكل حتى أتى على الزنبيل فأعطيت صاحب الزنبيل ثمن خبزة .

و كان ميسرة الرأس أكولا حكي عنه عند المهدي محمد بن المنصور أنه يأكل كثيرا فاستدعاه و أحضر فيلا و جعل يرمي لكل واحد منهما رغيفا حتى أكل كل واحد منهما تسعة و تسعين رغيفا و امتنع الفيل من تمام المائة و أكل ميسرة تمام المائة و زاد عليها .

و كان أبو الحسن العلاف والد أبي بكر بن العلاف الشاعر المحدث أكولا دخل يوما على الوزير أبي بكر محمد المهلبي فأمر الوزير أن يؤخذ حماره فيذبح و يطبخ بماء و ملح ثم قدم له على مائدة الوزير فأكل و هو يظنه لحم

____________

(1) الجلال: جمع جلة، و هو وعاء التمر يصنع من الخوص.

402

البقر و يستطيبه حتى أتى عليه فلما خرج ليركب طلب الحمار فقيل له في جوفك .

و كان أبو العالية أكولا نذرت امرأة حامل إن أتت بذكر تشبع أبا العالية خبيصا فولدت غلاما فأحضرته فأكل سبع جفان خبيصا ثم أمسك و خرج فقيل له إنها كانت نذرت أن تشبعك فقال و الله لو علمت ما شبعت إلى الليل‏

403

*3174* 174 و من كلامه ع في أن الناس أعداء ما جهلوا

وَ قَالَ ع اَلنَّاسُ أَعْدَاءُ مَا جَهِلُوا (1) -. هذه الكلمة قد تقدمت و تقدم منا ذكر نظائرها و العلة في أن الإنسان عدو ما يجهله أنه يخاف من تقريعه‏ (1) بالنقص و بعدم العلم بذلك الشي‏ء خصوصا إذا ضمه ناد أو جمع من الناس فإنه تتصاغر نفسه عنده إذا خاضوا فيما لا يعرفه و ينقص في أعين الحاضرين و كل شي‏ء آذاك و نال منك فهو عدوك‏ (2)

____________

(1) د: «تعريضه» .

(2) ا: «فهو عدو لك» .

404

*3175* 175 و من كلامه ع في النهي عن تضييع الفرصة في الرأي ثم محاولة الاستدراك بعد أن فات وجه الرأي‏

وَ قَالَ ع مَنِ اِسْتَقْبَلَ وُجُوهَ اَلآْرَاءِ عَرَفَ مَوَاقِعَ اَلْخَطَإِ (1) -. قد قالوا في المثل شر الرأي الدبري .

و قال الشاعر

و خير الرأي ما استقبلت منه # و ليس بأن تتبعه اتباعا.

و ليس المراد بهذا الأمر سرعة فضل الحال لأول خاطر و لأول رأي إن ذلك خطأ و قديما قيل دع الرأي يغب .

و قيل كل رأي لم يخمر و يبيت‏ (1) فلا خير فيه .

و إنما المنهي عنه تضييع الفرصة في الرأي ثم محاولة الاستدراك بعد أن فات وجه الرأي فذاك هو الرأي الدبري‏

____________

(1) د: «يبث» .

405

*3176* 176 و من كلامه ع في إعانة الله تعالى من قوي على إزالة المنكر

وَ قَالَ ع مَنْ أَحَدَّ سِنَانَ اَلْغَضَبِ لِلَّهِ قَوِيَ عَلَى قَتْلِ أَشِدَّاءِ اَلْبَاطِلِ (1) -. هذا من باب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و الكلمة تتضمن استعارة تدل على الفصاحة و المعنى أن من أرهف عزمه على إنكار المنكر و قوي غضبه في ذات الله و لم يخف و لم يراقب مخلوقا أعانه الله على إزالة المنكر و إن كان قويا صادرا من جهة عزيزة الجانب و عنها وقعت الكناية بأشداء الباطل‏

406

*3177* 177 و من كلامه ع في أن كل أمر من خير أوشر يكون سماعه أعظم من عيانه‏

وَ قَالَ ع إِذَا هِبْتَ أَمْراً فَقَعْ فِيهِ فَإِنَّ شِدَّةَ تَوَقِّيهِ أَعْظَمُ مِمَّا تَخَافُ مِنْهُ (1) -. ما أحسن ما قال المتنبي في هذا المعنى‏

و إذا لم يكن من الموت بد # فمن العجز أن تكون جبانا

كل ما لم يكن من الصعب في الأنفس # سهل فيها إذا هو كانا.

و قال آخر

لعمرك ما المكروه إلا ارتقابه # و أعظم مما حل ما يتوقع.

و قال آخر

صعوبة الرزء تلقى في توقعه # مستقبلا و انقضاء الرزء أن يقعا.

و كان يقال توسط الخوف تأمن .

و من الأمثال العامية أم المقتول تنام و أم المهدد لا تنام .

و كان يقال كل أمر من خير أو شر فسماعه أعظم من عيانه .

و قال قوم من أهل الملة و ليسوا عند أصحابنا مصيبين إن عذاب الآخرة المتوعد به إذا حل بمستحقيه وجدوه أهون مما كانوا يسمعونه في الدنيا و الله أعلم بحقيقة ذلك‏