شرح نهج البلاغة - ج18

- ابن ابي الحديد المزيد...
419 /
407

*3178* 178 و من كلامه ع في ما تتم به الرئاسة

وَ قَالَ ع آلَةُ اَلرِّئَاسَةِ سَعَةُ اَلصَّدْرِ (1) -. الرئيس محتاج إلى أمور منها الجود و منها الشجاعة و منها و هو الأهم سعة الصدر فإنه لا تتم الرئاسة إلا بذلك .

و كان معاوية واسع الصدر كثير الاحتمال و بذلك بلغ ما بلغ

سعة الصدر و ما ورد في ذلك من حكايات‏

و نحن نذكر من سعة الصدر حكايتين دالتين على عظم محله في الرئاسة و إن كان مذموما في باب الدين و ما أحسن قول الحسن فيه و قد ذكر عنده عقيب ذكر أبي بكر و عمر فقال كانا و الله خيرا منه و كان أسود منهما .

الحكاية الأولى وفد أهل الكوفة على معاوية حين خطب لابنه يزيد بالعهد بعده و في أهل الكوفة هانئ بن عروة المرادي و كان سيدا في قومه فقال يوما في مسجد دمشق و الناس حوله العجب لمعاوية يريد أن يقسرنا على بيعة يزيد و حاله حاله و ما ذاك و الله بكائن و كان‏

408

في القوم غلام من قريش جالسا فتحمل الكلمة إلى معاوية فقال معاوية أنت سمعت هانئا يقولها قال نعم قال فاخرج فأت حلقته فإذا خف الناس عنه فقل له أيها الشيخ قد وصلت كلمتك إلى معاوية و لست في زمن أبي بكر و عمر و لا أحب أن تتكلم بهذا الكلام فإنهم بنو أمية و قد عرفت جرأتهم و إقدامهم و لم يدعني إلى هذا القول لك إلا النصيحة و الإشفاق عليك فانظر ما يقول فأتني به .

فأقبل الفتى إلى مجلس هانئ فلما خف من عنده دنا منه فقص عليه الكلام و أخرجه مخرج النصيحة له فقال هانئ و الله يا ابن أخي ما بلغت نصيحتك كل ما أسمع و إن هذا الكلام لكلام معاوية أعرفه فقال الفتى و ما أنا و معاوية و الله ما يعرفني قال فلا عليك إذا لقيته فقل له يقول لك هانئ و الله ما إلى ذلك من سبيل انهض يا ابن أخي راشدا .

فقام الفتى فدخل على معاوية فأعلمه فقال نستعين بالله عليه .

ثم قال معاوية بعد أيام للوفد ارفعوا حوائجكم و هانئ فيهم فعرض عليه كتابه فيه ذكر حوائجه فقال يا هانئ ما أراك صنعت شيئا زد فقام هانئ فلم يدع حاجة عرضت له إلا و ذكرها ثم عرض عليه الكتاب فقال أراك قصرت فيما طلبت زد فقام هانئ فلم يدع حاجة لقومه و لا لأهل مصره إلا ذكرها ثم عرض عليه الكتاب فقال ما صنعت شيئا زد فقال يا أمير المؤمنين حاجة بقيت قال ما هي قال أن أتولى أخذ البيعة ليزيد ابن أمير المؤمنين بالعراق قال افعل فما زلت لمثل ذلك أهلا فلما قدم هانئ العراق قام بأمر البيعة ليزيد بمعونة من المغيرة بن شعبة و هو الوالي بالعراق يومئذ .

409

و أما الحكاية الثانية

3- كان مال حمل من اليمن إلى معاوية فلما مر بالمدينة وثب عليه 3الحسين بن علي ع فأخذه و قسمه في أهل بيته و مواليه و كتب إلى معاوية من 3الحسين بن علي إلى معاوية بن أبي سفيان أما بعد فإن عيرا مرت بنا من اليمن تحمل مالا و حللا و عنبرا و طيبا إليك لتودعها خزائن دمشق و تعل بها بعد النهل بني أبيك و إني احتجت إليها فأخذتها و السلام .

فكتب إليه معاوية من عند عبد الله معاوية أمير المؤمنين إلى 3الحسين بن علي سلام عليك أما بعد فإن كتابك ورد علي تذكر أن عيرا مرت بك من اليمن تحمل مالا و حللا و عنبرا و طيبا إلي لأودعها خزائن دمشق و أعل بها بعد النهل بني أبي و أنك احتجت إليها فأخذتها و لم تكن جديرا بأخذها إذ نسبتها إلي لأن الوالي أحق بالمال ثم عليه المخرج منه و ايم الله لو ترك ذلك حتى صار إلي لم أبخسك حظك منه و لكني قد ظننت يا ابن أخي أن في رأسك نزوة و بودي أن يكون ذلك في زماني فأعرف لك قدرك و أتجاوز عن ذلك و لكني و الله أتخوف أن تبتلي بمن لا ينظرك فواق ناقة و كتب في أسفل كتابه‏

يا 3حسين بن علي ليس ما # جئت بالسائغ يوما في العلل

أخذك المال و لم تؤمر به # إن هذا من 3حسين لعجل

قد أجزناها و لم نغضب لها # و احتملنا من 3حسين ما فعل

يا 3حسين بن علي ذا الأمل # لك بعدي وثبة لا تحتمل

و بودي أنني شاهدها # فإليها منك بالخلق الأجل

إنني أرهب أن تصلى بمن # عنده قد سبق السيف العذل.

و هذه سعة صدر و فراسة صادقة .

410

*3179* 179 و من كلامه ع في الرد على الإساءة بالإحسان‏

وَ قَالَ ع اُزْجُرِ اَلْمُسِي‏ءَ بِثَوَابِ اَلْمُحْسِنِ (1) -. قد قال ابن هانئ المغربي في هذا المعنى‏

لو لا انبعاث السيف و هو مسلط # في قتلهم قتلتهم النعماء.

فأفصح به أبو العتاهية في قوله‏

إذا جازيت بالإحسان قوما # زجرت المذنبين عن الذنوب

فما لك و التناول من بعيد # و يمكنك التناول من قريب‏

411

*3180* 180 و من كلامه ع في النهي عن إضمار السوء للمسلم و الإقلاع عن ارتكاب المنكر قبل النهي عنه‏

وَ قَالَ ع اُحْصُدِ اَلشَّرَّ مِنْ صَدْرِ غَيْرِكَ بِقَلْعِهِ مِنْ صَدْرِكَ (1) -. هذا يفسر على وجهين أحدهما أنه يريد لا تضمر لأخيك سوءا فإنك لا تضمر ذاك إلا يضمر هو لك سوءا لأن القلوب يشعر بعضها ببعض فإذا صفوت لواحد صفا لك .

و الوجه الثاني أن يريد لا تعظ الناس و لا تنههم عن منكر إلا و أنت مقلع عنه فإن الواعظ الذي ليس بزكي لا ينجع‏ (1) وعظه و لا يؤثر نهيه .

و قد سبق الكلام في كلا المعنيين‏

____________

(1) ا: «ينفع» .

412

*3181* 181 و من كلامه ع في اللجاجة و آثارها

وَ قَالَ ع اَللَّجَاجَةُ تَسُلُّ اَلرَّأْيَ (1) -. هذا مشتق من

1- 1قوله ع لا رأي لمن لا يطاع.

و ذلك لأن عدم الطاعة هو اللجاجة و هو خلق يتركب من خلقين أحدهما الكبر و الآخر الجهل بعواقب الأمور و أكثر ما يعتري الولاة لما يأخذهم من العزة بالإثم .

و من كلام بعض الحكماء إذا اضطررت إلى مصاحبة السلطان فابدأ بالفحص عن معتاد طبعه و مألوف خلقه ثم استحدث لنفسك طبعا ففرغه في قالب إرادته و خلقا تركبه مع موضع وفاقه حتى تسلم معه و إن رأيته يهوى فنا من فنون المحبوبات فأظهر هواك لضد ذلك الفن ليبعد عنك إرهابه بل و يكثر سكونه إليك و إذا بدا لك منه فعل ذميم فإياك أن تبدأه فيه بقول ما لم يستبذل فيه نصحك و يستدعي رأيك و إن استدعى ذاك فليكن ما تفاوضه فيه بالرفق و الاستعطاف لا بالخشونة و الاستنكاف فيحمله اللجاج المركب في طبع الولاة على ارتكابه فكل وال لجوج و إن علم ما يتعقبه لجاجه من الضرر و أن اجتنابه هو 2الحسن

413

*3182* 182 و من كلامه ع في الطمع و آثاره‏

وَ قَالَ ع اَلطَّمَعُ رِقٌّ مُؤَبَّدٌ (1) -. هذا المعنى مطروق جدا و قد سبق لنا فيه قول شاف .

و قال الشاعر

تعفف و عش حرا و لا تك طامعا # فما قطع الأعناق إلا المطامع.

و في المثل أطمع من أشعب رأي سلالا يصنع سلة فقال له أوسعها قال ما لك و ذاك قال لعل صاحبها يهدي لي فيها شيئا .

و مر بمكتب و غلام يقرأ على الأستاذ إن أبي يدعوك فقال قم بين يدي حفظك الله و حفظ أباك فقال إنما كنت أقرأ وردي فقال أنكرت أن تفلح أو يفلح أبوك .

و قيل لم يكن أطمع من أشعب إلا كلبه رأى صورة القمر في البئر فظنه رغيفا فألقى نفسه في البئر يطلبه فمات‏

414

*3183* 183 و من كلامه ع في الحزم و التفريط

وَ قَالَ ع ثَمَرَةُ اَلتَّفْرِيطِ اَلنَّدَامَةُ وَ ثَمَرَةُ اَلْحَزْمِ اَلسَّلاَمَةُ (1) -. قد سبق من الكلام في الحزم و التفريط ما فيه كفاية و كان يقال الحزم ملكة يوجبها كثرة التجارب و أصله قوة العقل فإن العاقل خائف أبدا و الأحمق لا يخاف و إن خاف كان قليل الخوف و من خاف أمرا توقاه فهذا هو الحزم .

و كان أبو الأسود الدؤلي من عقلاء الرجال و ذوي الحزم و الرأي و حكى أبو العباس المبرد قال قال زياد لأبي الأسود و قد أسن لو لا ضعفك لاستعملناك على بعض أعمالنا فقال أ للصراع يريدني الأمير قال زياد إن للعمل مئونة و لا أراك إلا تضعف عنه فقال أبو الأسود

زعم الأمير أبو المغيرة إنني # شيخ كبير قد دنوت من البلى

صدق الأمير لقد كبرت و إنما # نال المكارم من يدب على العصا

يا با المغيرة رب أمر مبهم # فرجته بالحزم مني و الدها.

و كان يقال من الحزم و التوقي ترك الإفراط في التوقي .

لما نزل بمعاوية الموت و قدم عليه يزيد ابنه فرآه مسكتا لا يتكلم بكى و أنشد

لو فات شي‏ء يرى لفات أبو # حيان لا عاجز و لا وكل

الحول القلب الأريب و لا # تدفع يوم المنية الحيل‏

[1]الكامل.

[2]ديوانه.

415

*3184* 184 و من كلامه ع في الصبر و الجزع‏

مَنْ لَمْ يُنْجِهِ اَلصَّبْرُ أَهْلَكَهُ اَلْجَزَعُ (1) -. قد تقدم لنا قول شاف في الصبر و الجزع .

و كان يقال ما أحسن الصبر لو لا أن النفقة عليه من العمر أخذه شاعر فقال‏

و إني لأدري أن في الصبر راحة # و لكن إنفاقي على الصبر من عمري.

و قال ابن أبي العلاء يستبطئ بعض الرؤساء

فإن قيل لي صبرا فلا صبر للذي # غدا بيد الأيام تقتله صبرا

و إن قيل لي عذرا فو الله ما أرى # لمن ملك الدنيا إذا لم يجد عذرا.

فإن قلت أي فائدة في قوله ع من لم ينجه الصبر أهلكه الجزع و هل هذا إلا كقول من قال من لم يجد ما يأكل ضرة (1) الجوع .

قلت لو كانت الجهة واحدة لكان الكلام عبثا إلا أن الجهة مختلفة لأن معنى كلامه ع من لم يخلصه الصبر من هموم الدنيا و غمومها هلك من الله تعالى في الآخرة بما يستبدله من الصبر بالجزع و ذلك لأنه إذا لم يصبر فلا شك أنه يجزع و كل جازع آثم و الإثم مهلكة فلما اختلفت الجهة و كانت تارة للدنيا و تارة للآخرة لم يكن الكلام عبثا بل كان مفيدا

____________

(1) في د: «أهلكه» .

416

*3185* 185 و من كلامه ع في أن الخلافة بالصحبة و القرابة خير منها بالصحبة فقط

وَ قَالَ ع وَا عَجَبَا أَنْ تَكُونَ اَلْخِلاَفَةُ بِالصَّحَابَةِ وَ لاَ تَكُونَ وَا عَجَبَاهُ أَ تَكُونُ اَلْخِلاَفَةُ بِالصَّحَابَةِ وَ اَلْقَرَابَةِ. قال الرضي رحمه الله تعالى و قد روي له شعر قريب من هذا المعنى و هو

فإن كنت بالشورى ملكت أمورهم # فكيف بهذا و المشيرون غيب

و إن كنت بالقربى حججت خصيمهم # فغيرك أولى 14بالنبي و أقرب (1) -

حديثه ع في النثر و النظم المذكورين مع أبي بكر و عمر أما النثر فإلى عمر توجيهه لأن أبا بكر لما قال لعمر امدد يدك قال له عمر أنت صاحب 14رسول الله في المواطن كلها شدتها و رخائها فامدد أنت يدك

1- فقال 1علي ع إذا احتججت لاستحقاقه الأمر بصحبته إياه في المواطن كلها فهلا سلمت الأمر إلى من قد شركه في ذلك و زاد عليه بالقرابة .

و أما النظم فموجه إلى أبي بكر لأن أبا بكر حاج الأنصار في‏فقال نحن عترة 14رسول الله ص و بيضته التي تفقأت عنه فلما بويع احتج على الناس بالبيعة و أنها صدرت عن أهل الحل و العقد

1- فقال 1علي ع أما احتجاجك على الأنصار بأنك من بيضة 14رسول الله ص و من قومه فغيرك أقرب نسبا منك إليه و أما احتجاجك بالاختيار و رضا الجماعة بك فقد كان قوم من جملة الصحابة غائبين لم يحضروا العقد فكيف يثبت.

و اعلم أن الكلام في هذا تتضمنه كتب أصحابنا في الإمامة و لهم عن هذا القول أجوبة ليس هذا موضع ذكرها.

تم الجزء الثامن عشر من شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد و يليه الجزء التاسع عشر

417

1

فهرس الكتب‏

____________

*

65-و من كتاب له عليه السلام إلى معاوية 7-21

66-من كتاب له عليه السلام كتبه إلى عبد اللّه بن العباس 28

67-من كتاب له عليه السلام إلى قثم بن العباس و هو عاملة على مكّة 30

68-من كتاب له عليه السلام إلى سلمان فارسىّ قبل أيّام خلافته 34-39

69-من كتاب له عليه السلام كتبه إلى الحارث الهمدانيّ 41، 42

70-من كتاب له عليه السلام إلى سهل بن حنيف و هو عامله على المدينة 82

71-من كتاب له عليه السلام إلى المنذر بن الجارود 54

72-من كتاب له عليه السلام إلى عبد اللّه بن العباس 60

73-من كتاب له عليه السلام إلى معاوية 62

74-من حلف عليه السلام كتبه بين ربيعة و اليمن 66

75-من كتاب له عليه السلام إلى معاوية من المدينة في أول ما بويع له بالخلافة 68

76-من وصية له عليه السلام عند استخلافه إياه على البصرة 76

76-من وصية له عليه السلام لعبد اللّه بن العباس أيضا لما بعثه للاحتجاج على الخوارج 71

____________

(*) و هي الكتب الواردة في كتاب نهج البلاغة.

418

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

419

فهرس الموضوعات‏

____________

*

ذكر بقية الخبر عن فتح مكّة 7-21

الحارث الأعور و نسبه 42، 43

نبذ من الأقوال الحكمية 43، 51

ذكر المنذر و أبيه الجارود 55-57

حكمه عليه السلام و مواعظه، و يدخل في ذلك المختار من أجوبة مسائله و كلامه القصير في سائر أغراضه 82-416

نبذ ممّا قيل في الشيب و الخضاب 123-126

نبذ ممّا قيل في المروءة 128-130

نبذ و حكايات ممّا وقع بين يدي الملوك 143-148

في مجلس قتيبة بن مسلم الباهلى 152-154

أقوال و حكايات حول الحمقى و المغفلين 159-167

خباب بن الأرتّ 171

محمّد بن جعفر و المنصور 206-208

محنة ابن المقفع 269، 270

فصل في نسب بنى مخزوم و طرف من أخبارهم 285-309

نوادر المكثرين من الأكل 397-402

سعة الصدر و ما ورد في ذلك من حكايات 407-409

____________

(*) و هي الموضوعات الواردة في شرح نهج البلاغة .