شرح نهج البلاغة - ج19

- ابن ابي الحديد المزيد...
431 /
57

*3227* 227 و من كلامه ع في الحظ و البخت‏

وَ قَالَ ع شَارِكُوا اَلَّذِي اَلَّذِينَ قَدْ أَقْبَلَ عَلَيْهِمُ عَلَيْهِ اَلرِّزْقُ فَإِنَّهُ أَخْلَقُ لِلْغِنَى وَ أَجْدَرُ بِإِقْبَالِ اَلْحَظِّ عَلَيْهِ (1) - . قد تقدم القول في الحظ و البخت .

و كان يقال الحظ يعدي كما يعدي الجرب و هذا يطابق كلمة 1أمير المؤمنين ع لأن مخالطة المجدود ليست كمخالطة غير المجدود (1) فإن الأولى تقتضي الاشتراك في الحظ و السعادة و الثانية تقتضي الاشتراك في الشقاء و الحرمان .

و القول في الحظ وسيع جدا .

و قال بعضهم البخت على صورة رجل أعمى أصم أخرس و بين يديه جواهر و حجارة و هو يرمي بكلتا يديه .

و كان مالك بن أنس فقيه المدينة و أخذ الفقه عن الليث بن سعد و كانوا يزدحمون عليه و الليث جالس لا يلتفتون إليه فقيل لليث إن مالكا إنما أخذ عنك فما لك خاملا و هو أنبه الناس ذكرا فقال دانق بخت خير من جمل بختي حمل علما .

و قال الرضي

أسيغ الغيظ من نوب الليالي # و ما يحفلن بالحنق المغيظ (2)

و أرجو الرزق من خرق دقيق # يسد بسلك حرمان غليظ (3)

و أرجع ليس في كفي منه # سوى عض اليدين على الحظوظ

____________

(1) عبارة د: «ليست كمخالطة المحدود» ، و بها يستقيم المعنى أيضا.

(2) ديوانه 1: 453.

(3) في الديوان: «من خرت» ، و الخرت الثقب: .

غ

58

*3228* 228 و من كلامه ع في بيان معنى العدل و الإحسان‏

وَ قَالَ ع: فِي قَوْلِهِ تَعَالَى عَزَّ وَ جَلَّ إِنَّ اَللََّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ اَلْإِحْسََانِ‏ (1) اَلْعَدْلُ اَلْإِنْصَافُ وَ اَلْإِحْسَانُ اَلتَّفَضُّلُ (1) -. هذا تفسير صحيح اتفق عليه المفسرون كافة و إنما دخل الندب تحت الأمر لأن له صفة زائدة على حسنه و ليس كالمباح الذي لا صفة له زائدة على حسنه .

و قال الزمخشري العدل هو الواجب لأن الله عز و جل عدل فيه على عباده فجعل ما فرضه عليهم منه واقعا تحت طاقتهم و الإحسان الندب و إنما علق أمره بهما جميعا لأن الفرض لا بد أن يقع فيه تفريط فيجبره الندب و لذلك

14- قال 14رسول الله ص لإنسان علمه الفرائض فقال و الله لا زدت فيها و لا نقصت منها أفلح إن صدق.

فعقد الفلاح بشرط الصدق و السلامة من التفريط

14- و 14قال ص استقيموا و لن تحصوا.

فليس ينبغي أن يترك ما يجبر كسر التفريط من النوافل‏ (2) .

و لقائل أن يقول إن كان إنما سمي الواجب عدلا لأنه داخل تحت طاقة المكلف فليسم الندب عدلا لأنه داخل تحت طاقة المكلف و أما قوله إنما أمر بالندب لأنه يجبر ما وقع فيه التفريط من الواجب فلا يصح على مذهبه و هو من أعيان المعتزلة لأنه لو جبرت النافلة بالتفريط في الواجب لكانت واجبة مثله و كيف يقول الزمخشري هذا و من قول مشايخنا إن تارك صلاة واحدة من الفرائض لو صلى مائة ألف ركعة من النوافل لم يكفر ثوابها عقاب ترك تلك الصلاة

____________

(1) سورة النحل 50.

(2) تفسير الكشّاف 2: 490.

59

*3229* 229 و من كلامه ع في الإعطاء باليد القصيرة

وَ قَالَ ع: مَنْ يُعْطِ بِالْيَدِ اَلْقَصِيرَةِ يُعْطَ بِالْيَدِ اَلطَّوِيلَةِ. قال الرضي رحمه الله تعالى و معنى ذلك أن ما ينفقه المرء من ماله في سبيل الخير و البر و إن كان يسيرا فإن الله تعالى يجعل الجزاء عليه عظيما كثيرا و اليدان هاهنا عبارة (1) عن النعمتين ففرق ع بين نعمة العبد و نعمة الرب تعالى ذكره بالقصيرة و الطويلة فجعل تلك قصيرة و هذه طويلة لأن نعم الله أبدا تضعف على نعم المخلوقين أضعافا كثيرة إذ كانت نعم الله أصل النعم كلها فكل نعمة إليها ترجع و منها تنزع (1) - هذا الفصل قد شرحه الرضي رحمه الله فأغنى عن التعرض بشرحه‏

____________

(1) في ب: «عبارتان» تحريف.

60

*3230* 230 و من كلامه ع في الدعوة إلى المبارزة

وَ قَالَ ع لاِبْنِهِ 2اَلْحَسَنِ ع لاَ تَدْعُوَنَّ إِلَى مُبَارَزَةٍ وَ إِنْ فَإِنْ دُعِيتَ إِلَيْهَا فَأَجِبْ فَإِنَّ اَلدَّاعِيَ إِلَيْهَا بَاغٍ وَ اَلْبَاغِيَ مَصْرُوعٌ (1) -.

[مثل من شجاعة 1علي‏]

قد ذكر ع الحكمة ثم ذكر العلة و ما سمعنا أنه ع دعا إلى مبارزة قط و إنما كان يدعى هو بعينه أو يدعو من يبارز فيخرج إليه فيقتله دعا بنو ربيعة بن عبد بن شمس بني هاشم إلى البرازفخرج ع فقتل الوليد و اشترك هو و حمزة ع في قتل عتبة و دعا طلحة بن أبي طلحة إلى البرازفخرج إليه فقتله و دعا مرحب إلى البرازفخرج إليه فقتله .

فأما الخرجة التي خرجهاإلى عمرو بن عبد ود فإنها أجل من أن يقال جليلة و أعظم من أن يقال عظيمة و ما هي إلا كما قال شيخنا أبو الهذيل و قد سأله سائل أيما أعظم منزلة عند الله 1علي أم أبو بكر فقال يا ابن أخي و الله لمبارزة 1علي عمرا تعدل أعمال المهاجرين و الأنصار و طاعاتهم كلها و تربي عليها فضلا عن أبي بكر وحده و قد روي عن حذيفة بن اليمان ما يناسب هذا بل ما هو أبلغ منه

1- روى قيس بن الربيع عن أبي هارون العبدي عن ربيعة بن مالك السعدي قال أتيت حذيفة بن اليمان فقلت يا أبا عبد الله إن الناس يتحدثون‏ (1) عن 1علي بن أبي طالب و مناقبه فيقول لهم أهل

____________

(1) ب: «يستحدثون» تحريف.

61

البصيرة إنكم لتفرطون في تقريظ هذا الرجل فهل أنت محدثي بحديث عنه أذكره للناس فقال يا ربيعة و ما الذي تسألني عن 1علي و ما الذي أحدثك عنه و الذي نفس حذيفة بيده لو وضع جميع أعمال أمة 14محمد ص في كفة الميزان منذ بعث الله تعالى 14محمدا إلى يوم الناس هذا و وضع عمل واحد من أعمال 1علي في الكفة الأخرى لرجح على أعمالهم كلها فقال ربيعة هذا المدح الذي لا يقام له و لا يقعد و لا يحمل إني لأظنه إسرافا يا أبا عبد الله فقال حذيفة يا لكع و كيف لا يحمل و أين كان المسلمون‏و قد عبر إليهم عمرو و أصحابه فملكهم الهلع و الجزع و دعا إلى المبارزة فأحجموا عنه حتى برز إليه 1علي فقتله و الذي نفس حذيفة بيده لعمله ذلك اليوم أعظم أجرا من أعمال أمة 14محمد ص إلى هذا اليوم و إلى أن تقوم القيامة .

14- و جاء في الحديث المرفوع أن 14رسول الله ص قال ذلك اليوم حين برز إليه برز الإيمان كله إلى الشرك كله.

و قال أبو بكر بن عياش لقد ضرب 1علي بن أبي طالب ع ضربة ما كان في الإسلام أيمن منها ضربته عمرا و لقد ضرب 1علي ضربة ما كان في الإسلام أشأم منها يعني ضربة ابن ملجم لعنه الله .

و

14,1- في الحديث المرفوع أن 14رسول الله ص لما بارز 1علي عمرا ما زال رافعا يديه مقمحا (1) رأسه نحو السماء داعيا ربه قائلااللهم إنك أخذت مني عبيدة و حمزة فاحفظ علي اليوم 1عليا رَبِّ لاََ تَذَرْنِي فَرْداً وَ أَنْتَ خَيْرُ اَلْوََارِثِينَ‏ 2 .

و

1- قال جابر بن عبد الله الأنصاري و الله ما شبهت‏قتل 1علي عمرا

____________

(1) أقمح رأسه: كشفها.

(2) سورة الأنبياء 49.

62

و تخاذل المشركين بعده إلا بما قصه الله تعالى من قصة طالوت و جالوت في قوله‏ فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اَللََّهِ وَ قَتَلَ دََاوُدُ جََالُوتَ‏ (1) .

1,14- و روى عمرو بن أزهر عن عمرو بن عبيد عن الحسن أن 1عليا ع لما قتل عمرا احتز رأسه و حمله فألقاه بين يدي 14رسول الله ص فقام أبو بكر و عمر فقبلا رأسه و وجه 14رسول الله ص يتهلل فقال هذا النصر أو قال هذا أول النصر .

14- و في الحديث المرفوع أن 14رسول الله ص قال يوم قتل عمرو ذهبت ريحهم و لا يغزوننا بعد اليوم و نحن نغزوهم إن شاء الله.

[قصة

و ينبغي أن نذكر ملخص هذه القصة

14,1- من مغازي الواقدي و ابن إسحاق قالا خرج عمرو بن عبد ود و قد كان شهدفارتث‏ (2) جريحا و لم يشهدفحضرشاهرا سيفه‏ (3) معلما مدلا بشجاعته و بأسه و خرج معه ضرار بن الخطاب الفهري و عكرمة بن أبي جهل و هبيرة بن أبي وهب و نوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزوميون فطافوا بخيولهم على الخندق إصعادا و انحدارا يطلبون موضعا ضيقا يعبرونه حتى وقفوا على أضيق موضع فيه في المكان المعروف بالمزار فأكرهوا خيولهم على العبور فعبرت و صاروا مع المسلمين على أرض واحدة و 14رسول الله ص جالس و أصحابه قيام على رأسه فتقدم عمرو بن عبد ود فدعا

____________

(1) سورة البقرة 251.

(2) ارتث: حمل من المعركة جريحا و به رمق.

(3) ب: «نفسه» تحريف.

63

إلى البراز مرارا فلم يقم إليه أحد فلما أكثر قام 1علي ع فقال أنا أبارزه يا 14رسول الله فأمره بالجلوس و أعاد عمرو النداء و الناس سكوت كان على رءوسهم الطير فقال عمرو أيها الناس إنكم تزعمون أن قتلاكم في الجنة و قتلانا في النار أ فما يحب أحدكم أن يقدم على الجنة أو يقدم عدوا له إلى النار فلم يقم إليه أحد فقام 1علي ع دفعة ثانية و قال أنا له يا 14رسول الله فأمره بالجلوس فجال عمرو بفرسه مقبلا و مدبرا و جاءت عظماء الأحزاب فوقفت من وراء الخندق و مدت أعناقها تنظر فلما رأى عمرو أن أحدا لا يجيبه قال‏

و لقد بححت من الندا # بجمعهم هل من مبارز

و وقفت مذ جبن المشيع # موقف القرن المناجز

إني كذلك لم أزل # متسرعا قبل الهزاهز

أن الشجاعة في الفتى # و الجود من خير الغرائز

فقام 1علي ع فقال يا 14رسول الله ائذن لي في مبارزته فقال ادن فدنا فقلده سيفه و عممه بعمامته و قال امض لشأنك فلما انصرف قال‏اللهم أعنه عليهفلما قرب منه قال له مجيبا إياه عن شعره‏

لا تعجلن فقد أتاك # مجيب صوتك غير عاجز

ذو نية و بصيرة # يرجو بذاك نجاة فائز

إني لآمل أن أقيم # عليك نائحة الجنائز

من ضربة فوهاء يبقى # ذكرها عند الهزاهز

فقال عمرو من أنت و كان عمرو شيخا كبيرا قد جاوز الثمانين و كان نديم أبي طالب بن عبد المطلب في الجاهلية فانتسب 1علي ع له و قال أنا 1علي بن أبي طالب فقال أجل لقد كان أبوك نديما لي و صديقا فارجع فإني لا أحب أن‏

64

أقتلك كان شيخنا أبو الخير مصدق بن شبيب النحوي يقول إذا مررنا في القراءة عليه بهذا الموضع و الله ما أمره بالرجوع إبقاء عليه بل خوفا منه فقد عرف قتلاه‏وو علم أنه إن ناهضه قتله فاستحيا أن يظهر الفشل فأظهر الإبقاء و الإرعاء و إنه لكاذب فيهما قالوا فقال له 1علي ع لكني أحب أن أقتلك فقال يا ابن أخي إني لأكره أن أقتل الرجل الكريم مثلك فارجع وراءك خير لك فقال 1علي ع إن قريشا تتحدث عنك أنك قلت لا يدعوني أحد إلى ثلاث إلا أجبت و لو إلى واحدة منها قال أجل فقال 1علي ع فإني أدعوك إلى الإسلام قال دع عنك هذه قال فإني أدعوك إلى أن ترجع بمن تبعك من قريش إلى مكة قال إذن تتحدث نساء قريش عني أن غلاما خدعني قال فإني أدعوك إلى البراز فحمى عمرو و قال ما كنت أظن أن أحدا من العرب يرومها مني ثم نزل فعقر فرسه و قيل ضرب وجهه ففر و تجاولا فثارت لهما غبرة وارتهما عن العيون إلى أن سمع الناس التكبير عاليا من تحت الغبرة فعلموا أن 1عليا قتله و انجلت الغبرة عنهما و على راكب صدره يحز رأسه و فر أصحابه ليعبروا الخندق فظفرت بهم خيلهم إلا نوفل بن عبد الله فإنه قصر فرسه فوقع في الخندق فرماه المسلمون بالحجارة فقال يا معاشر الناس قتلة أكرم من هذه فنزل إليه 1علي ع فقتله و أدرك الزبير هبيرة بن أبي وهب فضربه فقطع ثفر (1) فرسه و سقطت درع كان حملها من ورائه فأخذها الزبير و ألقى عكرمة رمحه و ناوش عمر بن الخطاب ضرار بن عمرو فحمل عليه ضرار حتى إذا وجد عمر مس الرمح رفعه عنه و قال إنها لنعمة مشكورة فاحفظها يا ابن الخطاب إني كنت آليت ألا تمكنني يداي من قتل قرشي فأقتله و انصرف ضرار راجعا إلى أصحابه و قد كان جرى له معه مثل هذه في .

و قد ذكر هاتين القصتين معا محمد بن عمر الواقدي في كتاب المغازي‏ (2)

____________

(1) الثفر: السير في مؤخر السرج.

(2) و انظر سيرة ابن هشام 3: 241.

65

*3231* 231 و من كلامه ع في خيار خصال النساء

وَ قَالَ ع خِيَارُ خِصَالِ اَلنِّسَاءِ شِرَارُ خِصَالِ اَلرِّجَالِ اَلزَّهْوُ وَ اَلْجُبْنُ وَ اَلْبُخْلُ فَإِذَا كَانَتِ اَلْمَرْأَةُ مَزْهُوَّةً لَمْ تُمَكِّنْ مِنْ نَفْسِهَا وَ إِذَا كَانَتْ بَخِيلَةً حَفِظَتْ مَالَهَا وَ مَالَ بَعْلِهَا وَ إِذَا كَانَتْ جَبَانَةً فَرِقَتْ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ يَعْرِضُ لَهَا (1) -. أخذ هذا المعنى الطغرائي شاعر العجم فقال‏

الجود و الإقدام في فتيانهم # و البخل في الفتيات و الإشفاق

و الطعن في الأحداق دأب رماتهم # و الراميات سهاما الأحداق‏

و له‏

قد زاد طيب أحاديث الكرام بها # ما بالكرائم من جبن و من بخل.

و في حكمة أفلاطون من أقوى الأسباب في محبة الرجل لامرأته و اتفاق ما بينهما أن يكون صوتها دون صوته بالطبع و تميزها دون تميزه و قلبها أضعف من قلبه فإذا زاد من هذا عندها شي‏ء على ما عند الرجل تنافرا على مقداره .

و تقول زهي الرجل علينا فهو مزهو إذا افتخر و كذلك نخي فهو منخو من النخوة و لا يجوز زها (1) إلا في لغة ضعيفة .

و فرقت‏ خافت و الفرق الخوف‏

____________

(1) عن ابن السكيت.

66

*3232* 232 و من كلامه ع في وصف العاقل‏

وَ قِيلَ لَهُ ع صِفْ لَنَا اَلْعَاقِلَ فَقَالَ ع هُوَ اَلَّذِي يَضَعُ اَلشَّيْ‏ءَ مَوَاضِعَهُ فَقِيلَ فَصِفْ لَنَا اَلْجَاهِلَ قَالَ قَدْ قُلْتُ فَعَلْتُ . قال الرضي رحمه الله تعالى يعني أن الجاهل هو الذي لا يضع الشي‏ء مواضعه فكان ترك صفته صفة له إذ كان بخلاف وصف العاقل (1) - هذا مثل الكلام الذي تنسبه العرب إلى الضب قالوا اختصمت الضبع و الثعلب إلى الضب فقالت الضبع يا أبا الحسل‏ (1) إني التقطت تمرة قال طيبا جنيت قالت و إن هذا أخذها مني قال حظ نفسه أحرز قالت فإني لطمته قال كريم حمى حقيقته قالت فلطمني قال حر انتصر قالت اقض بيننا قال قد فعلت‏

____________

(1) الحسل: ولد الضب.

67

*3233* 233 و من كلامه ع في استحقار الدنيا و ذم الخلافة و الرئاسة

وَ قَالَ ع وَ اَللَّهِ لَدُنْيَاكُمْ هَذِهِ أَهْوَنُ فِي عَيْنِي مِنْ عِرَاقِ عُرَاقِ خِنْزِيرٍ فِي يَدِ مَجْذُومٍ (1) -. العراق‏ جمع عرق و هو العظم عليه شي‏ء من اللحم و هذا من الجموع النادرة نحو رخل و رخال و توأم و تؤام‏ (1) و لا يكون شي‏ء أحقر و لا أبغض إلى الإنسان من عراق خنزير في يد مجذوم فإنه لم يرض بأن يجعله في يد مجذوم و هو غاية ما يكون من التنفير حتى جعله عراق خنزير .

و لعمري لقد صدق و ما زال صادقا و من تأمل سيرته في حالتي خلوه من العمل و ولايته الخلافة عرف صحة هذا القول‏

____________

(1) ب: «تنام» تحريف.

68

*3234* 234 و من كلامه ع في بيان أنواع العبادة

وَ قَالَ ع إِنَّ قَوْماً عَبَدُوا اَللَّهَ رَغْبَةً فَتِلْكَ عِبَادَةُ اَلتُّجَّارِ وَ إِنَّ قَوْماً عَبَدُوا اَللَّهَ رَهْبَةً فَتِلْكَ عِبَادَةُ اَلْعَبِيدِ وَ إِنَّ قَوْماً عَبَدُوا اَللَّهَ شُكْراً فَتِلْكَ عِبَادَةُ اَلْأَحْرَارِ (1) -. هذا مقام جليل تتقاصر عنه قوى أكثر البشر و قد شرحناه فيما تقدم و قلنا إن العبادة لرجاء الثواب تجارة و معاوضة (2) - و إن العبادة لخوف العقاب لمنزلة من يستجدي لسلطان قاهر يخاف سطوته .

و هذا معنى قوله‏ عبادة العبيد أي خوف السوط و العصا و تلك ليس عبادة نافعة و هي كمن يعتذر إلى إنسان خوف أذاه و نقمته لا لأن ما يعتذر منه قبيح لا ينبغي له فعله (3) - فأما العبادة لله تعالى شكرا لأنعمه فهي عبادة نافعة لأن العبادة شكر مخصوص فإذا أوقعها على هذا الوجه فقد أوقعها الموقع الذي وضعت عليه .

فأما أصحابنا المتكلمون فيقولون ينبغي أن يفعل الإنسان الواجب لوجه وجوبه و يترك القبيح لوجه قبحه و ربما قالوا يفعل الواجب لأنه واجب و يترك القبيح لأنه قبيح و الكلام في هذا الباب مشروح مبسوط (1) في الكتب الكلامية

____________

(1) ساقطة من ا.

69

*3235* 235 و من كلامه ع في وصف المرأة

وَ قَالَ ع اَلْمَرْأَةُ شَرٌّ كُلُّهَا وَ شَرُّ مَا فِيهَا أَنَّهُ لاَ بُدَّ مِنْهَا (1) -. حلف إنسان عند بعض الحكماء أنه ما دخل بابي شر قط فقال الحكيم فمن أين دخلت امرأتك .

و كان يقال أسباب فتنة النساء ثلاثة عين ناظرة و صورة مستحسنة و شهوة قادرة فالحكيم من لا يردد النظرة حتى يعرف حقائق الصورة و لو أن رجلا رأى امرأة فأعجبته ثم طالبها فامتنعت هل كان إلا تاركها فإن تأبى عقله عليه في مطالبتها كتأبيها عليه في مساعفتها قدع‏ (1) نفسه عن لذته قدع الغيور إياه عن حرمة مسلم .

و كان يقال من أتعب نفسه في الحلال من النساء لم يتق إلى الحرام منهن كالطليح‏ (2) مناه أن يستريح‏

____________

(1) قدع نفسه: منعها و حدّ من شهوتها.

(2) الطليح: المتعب.

70

*3236* 236 و من كلامه ع في التواني و العجز و الوشاية و السعاية

وَ قَالَ ع مَنْ أَطَاعَ اَلتَّوَانِيَ ضَيَّعَ اَلْحُقُوقَ وَ مَنْ أَطَاعَ اَلْوَاشِيَ ضَيَّعَ اَلصَّدِيقَ (1) -. قد تقدم الكلام في التواني و العجز و تقدم أيضا الكلام في الوشاية و السعاية .

و رفع إلى كسرى أبرويز أن النصارى الذين يحضرون باب الملك يعرفون بالتجسس إلى ملك الروم فقال من لم يظهر له ذنب لم يظهر منا عقوبة له .

و رفع إليه أن بعض الناس ينكر إصغاء الملك إلى أصحاب الأخبار فوقع هؤلاء بمنزلة مداخل الضياء إلى البيت المظلم و ليس لقطع مواد النور مع الحاجة إليه وجه عند العقلاء .

قال أبو حيان أما الأصل في التدبير فصحيح لأن الملك محتاج إلى الأخبار لكن الأخبار تنقسم إلى ثلاثة أوجه خبر يتصل بالدين فالواجب عليه أن يبالغ و يحتاط في حفظه و حراسته و تحقيقه و نفى القذى عن طريقه و ساحته .

و خبر يتصل بالدولة و رسومها فينبغي أن يتيقظ في ذلك خوفا من كيد ينفذ و بغي يسري .

و خبر يدور بين الناس في منصرفهم و شأنهم و حالهم متى زاحمتهم فيه اضطغنوا

71

عليك و تمنوا زوالي ملكك و ارصدوا العداوة لك و جهروا إلى عدوك و فتحوا له باب الحيلة إليك .

و إنما لحق الناس من هذا الخبر هذا العارض لأن في منع الملك إياهم عن تصرفاتهم و تتبعه لهم في حركاتهم كربا على قلوبهم و لهيبا في صدورهم و لا بد لهم في الدهر الصالح و الزمان المعتدل و الخصب المتتابع و السبيل الآمن و الخير المتصل من فكاهة و طيب و استرسال و أشر و بطر و كل ذلك من آثار النعمة الدارة و القلوب القارة فإن أغضى الملك بصره على هذا القسم عاش محبوبا و إن تنكر لهم فقد استأسدهم أعداء و السلام

72

*3237* 237 و من كلامه ع في الغصب و إن كان حجرا في الدار

وَ قَالَ ع اَلْحَجَرُ اَلْغَصْبُ اَلْغَصِيُب فِي اَلدَّارِ رَهْنٌ عَلَى خَرَابِهَا. قال الرضي رحمه الله تعالى و قد روي ما يناسب هذا الكلام عن 14النبي ص و لا عجب أن يشتبه الكلامان فإن مستقاهما من قليب و مفرغهما من ذنوب (1) - الذنوب‏ الدلو الملأى و لا يقال لها و هي فارغة ذنوب و معنى الكلمة أن الدار المبنية بالحجارة المغصوبة و لو بحجر واحد لا بد أن يتعجل خرابها و كأنما ذلك الحجر رهن على حصول التخرب أي كما أن الرهن لا بد أن يفتك كذلك لا بد لما جعل ذلك الحجر رهنا عليه أن يحصل .

و قال ابن بسام لأبي علي بن مقلة لما بنى داره بالزاهر ببغداد من الغصب و ظلم الرعية

بجنبك داران مهدومتان # و دارك ثالثة تهدم

فليت السلامة للمنصفين # دامت فكيف لمن يظلم.

73

و الداران دار أبي الحسن بن الفرات و دار محمد بن داود بن الجراح و قال فيه أيضا

قل لابن مقلة مهلا لا تكن عجلا # فإنما أنت في أضغاث أحلام

تبني بأنقاض دور الناس مجتهدا # دارا ستنقض أيضا بعد أيام‏ (1)

و كان ما تفرسه ابن بسام فيه حقا فإن داره نقضت حتى سويت بالأرض في أيام الراضي بالله

____________

(1) تنقض: تقوض و تهدم.

74

*3238* 238 و من كلامه ع في الظلم‏

وَ قَالَ ع يَوْمُ اَلْمَظْلُومِ عَلَى اَلظَّالِمِ أَشَدُّ مِنْ يَوْمِ اَلظَّالِمِ عَلَى اَلْمَظْلُومِ (1) -. قد تقدم الكلام في الظلم مرارا و كان يقال اذكر عند الظلم عدل الله تعالى فيك و عند القدرة قدرة الله تعالى عليك .

و إنما كان يوم المظلوم على الظالم أشد من يومه على المظلوم لأن ذلك اليوم يوم الجزاء الكلي و الانتقام الأعظم و قصارى‏ (1) أمر الظالم في الدنيا أن يقتل غيره فيميته ميتة واحدة ثم لا سبيل له بعد إماتته إلى أن يدخل عليه ألما آخر و أما يوم الجزاء فإنه يوم لا يموت الظالم فيه فيستريح‏ (2) بل عذابه دائم متجدد نعوذ بالله من سخطه و عقابه‏

____________

(1) ا: «و قصر» .

(2) ا: «لا يستريح فيه الظالم» .

75

*3239* 239 و من كلامه ع في لزوم التقوى و إن قلت‏

وَ قَالَ ع اِتَّقِ اَللَّهَ بَعْضَ اَلتُّقَى وَ إِنْ قَلَّ وَ اِجْعَلْ بَيْنَكَ وَ بَيْنَ اَللَّهِ سِتْراً وَ إِنْ رَقَّ (1) -. يقال في المثل ما لا يدرك كله لا يترك كله .

فالواجب على من عسرت عليه التقوى بأجمعها أن يتقي الله في البعض و أن يجعل بينه و بينه سترا و إن كان رقيقا .

و في أمثال العامة اجعل بينك و بين الله روزنة (1) و الروزنة لفظة صحيحة معربة أي لا تجعل ما بينك و بينه مسدودا مظلما بالكلية

____________

(1) في اللسان: «الروزنة: الكوة، و في المحكم: الخرق في أعلى السقف. و عن التهذيب: يقال للكوة النافذة الروزن؛ قال: و أحسبه معربا.

76

*3240* 240 و من كلامه ع في تحري الإنصاف أثناء البحث و المناظرة

وَ قَالَ ع إِذَا اِزْدَحَمَ اَلْجَوَابُ خَفِيَ اَلصَّوَابُ (1) -. هذا نحو أن يورد الإنسان إشكالا في بعض المسائل النظرية بحضرة جماعة من أهل النظر فيتغالب القوم و يتسابقون إلى الجواب عنه كل منهم يورد ما خطر له .

فلا ريب أن الصواب يخفى حينئذ و هذه الكلمة في الحقيقة أمر للناظر البحاث أن يتحرى الإنصاف في بحثه و نظره مع رفيقه و ألا يقصد المراء (1) و المغالبة و القهر

____________

(1) المراء: الجدال.

77

*3241* 241 و من كلامه ع في أداء حق النعمة و شكرها

وَ قَالَ ع إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى فِي كُلِّ نِعْمَةٍ حَقّاً فَمَنْ أَدَّاهُ زَادَهُ مِنْهَا وَ مَنْ قَصَّرَ فِيهِ خَاطَرَ بِزَوَالِ نِعْمَتِهِ (1) -. قد تقدم الكلام في هذا المعنى

14- و جاء في الخبر من أوتي نعمة فأدى حق الله منها برد اللهفة و إجابة الدعوة و كشف المظلمة كان جديرا بدوامها [و من قصر قصر به‏] (1) .

____________

(1) تكملة من د.

78

*3242* 242 و من كلامه ع في تأثير زيادة المقدرة على الشهوة

وَ قَالَ ع إِذَا كَثُرَتِ اَلْمَقْدِرَةُ اَلْمَقْدُرَةُ قَلَّتِ اَلشَّهْوَةُ (1) - (1) . هذا مثل قولهم كل مقدور عليه مملول و مثل قول الشاعر

و كل كثير عدو الطبيعة.

و مثل قول الآخر

و أخ كثرت عليه حتى ملني # و الشي‏ء مملول إذا هو يرخص

يا ليته إذ باع ودي باعه # ممن يزيد عليه لا من ينقص.

و لهذا الحكم علة في العلم العقلي و ذلك أن النفس عندهم غنية بذاتها مكتفية بنفسها غير محتاجة إلى شي‏ء خارج عنها و إنما عرضت لها الحاجة و الفقر إلى ما هو خارج عنها لمقارنتها الهيولى و ذلك أن أمر الهيولى بالضد من أمر النفس في الفقر و الحاجة و لما كان الإنسان مركبا من النفس و الهيولى عرض له الشوق إلى تحصيل العلوم و القنيات‏ (2) لانتفاعه بهما و التذاذه بحصولهما فأما العلوم فإنه يحصلها في شبيه بالخزانة له يرجع إليها متى شاء و يستخرج منها ما أراد أعني القوى النفسانية التي هي محل الصور و المعاني على ما هو مذكور في موضعه و أما القنيات و المحسوسات

____________

(1) د: «المشورة» .

(2) القنيات: جمع قنية؛ بالضم و الكسر: ما اكتسبه الإنسان.

79

فإنه يروم منها مثل ما يروم من تلك و أن يودعها خزانة محسوسة خارجة عن ذاته لكنه يغلط في ذلك من حيث يستكثر منها إلى أن يتنبه بالحكمة على ما ينبغي أن يقتني منها و إنما حرص على ما منع لأن الإنسان إنما يطلب ما ليس عنده لأن تحصيل الحاصل محال و الطلب إنما يتوجه إلى المعدوم لا إلى الموجود فإذا حصله سكن و علم أنه قد ادخره و متى رجع إليه وحده إن كان مما يبقى بالذات خزنه و تشوق إلى شي‏ء آخر منه و لا يزال كذلك إلى أن يعلم أن الجزئيات لا نهاية لها و ما لا نهاية له فلا مطمع في تحصيله و لا فائدة في النزوع إليه و لا وجه لطلبه سواء كان معلوما أو محسوسا فوجب أن يقصد من المعلومات إلى الأهم و من المقتنيات إلى ضرورات البدن و مقيماته و يعدل عن الاستكثار منها فإن حصولها كلها مع أنها لا نهاية لها غير ممكن و كلما فضل عن الحاجة و قدر الكفاية فهو مادة الأحزان و الهموم و ضروب المكاره و الغلط في هذا الباب كثير و سبب ذلك طمع الإنسان في الغنى من معدن الفقر لأن الفقر هو الحاجة و الغنى هو الاستقلال إلى أن يحتاج إليه و لذلك قيل إن الله تعالى غني مطلقا لأنه غير محتاج البتة فأما من كثرت قنياته فإنه يستكثر حاجاته بحسب كثرة قنياته و على قدرها رغبه إلى الاستكثار بكثرة وجوه فقره و قد بين ذلك في شرائع الأنبياء و أخلاق الحكماء فأما الشي‏ء الرخيص الموجود كثيرا فإنما يرغب عنه لأنه معلوم أنه إذا التمس وجد و الغالي فإنما يقدر عليه في الأحيان و يصيبه الواحد بعد الواحد و كل إنسان يتمنى أن يكون ذلك الواحد ليصيبه و ليحصل له ما لا يحصل لغيره‏

80

*3243* 243 و من كلامه ع في الشكر على النعمة و ترك المعاصي‏

وَ قَالَ ع اِحْذَرُوا نِفَارَ اَلنِّعَمِ فَمَا كُلُّ شَارِدٍ بِمَرْدُودٍ (1) -. هذا أمر بالشكر على النعمة و ترك المعاصي فإن المعاصي تزيل النعم كما قيل‏

إذا كنت في نعمة فارعها # فإن المعاصي تزيل النعم‏

و قال بعض السلف كفران النعمة بوار و قلما أقلعت نافرة فرجعت في نصابها فاستدع شاردها بالشكر و استدم راهنها بكرم الجوار و لا تحسب أن سبوغ ستر الله عليك غير متقلص عما قليل عنك إذا أنت لم ترج لله وقارا .

و قال أبو عصمة شهدت سفيان و فضيلا (1) فما سمعتهما يتذاكران إلا النعم يقولان أنعم الله سبحانه علينا بكذا و فعل بنا كذا .

و قال الحسن‏ (2) إذا استوى يوماك فأنت ناقص قيل له كيف ذاك قال إن زادك الله اليوم نعما فعليك أن تزداد غدا له شكرا .

و كان يقال الشكر جنة (3) من الزوال و أمنة من الانتقال .

و كان يقال إذا كانت النعمة وسيمة فاجعل الشكر لها تميمة (4)

____________

(1) هو فضيل بن عياض.

(2) هو الحسن البصرى.

(3) جنة: وقاية.

(4) التميمة: العوذة.

81

*3244* 244 و من كلامه ع في الكرم‏

وَ قَالَ ع اَلْكَرَمُ أَعْطَفُ مِنَ اَلرَّحِمِ (1) -. مثل هذا المعنى قول أبي تمام لابن الجهم

إلا يكن نسب يؤلف بيننا # أدب أقمناه مقام الوالد (1)

أو يختلف ماء الوصال فماؤنا # عذب تحدر من غمام واحد

و من قصيدة لي في بعض أغراضي‏

و وشائج الآداب عاطفة # الفضلاء فوق وشائج النسب‏ (2)

____________

(1) ديوانه 1: 407، و قبله:

إن يكد مطّرف الإخاء فإنّنا # نغدو و نسرى في إخاء تالد.

(2) في الأصول: «الأنساب» ، و لا يستقيم الوزن.

82

*3245* 245 و من كلامه ع في تصديق الظان بالخير

وَ قَالَ ع مَنْ ظَنَّ بِكَ خَيْراً فَصَدِّقْ ظَنَّهُ (1) -. هذا قد تقدم في وصيته ع لولده 2الحسن .

و من كلام بعضهم إني لأستحيي أن يأتيني الرجل يحمر وجهه تارة من الخجل أو يصفر أخرى من خوف الرد قد ظن بي الخير و بات عليه و غدا علي أن أرده‏ (1) خائبا

____________

(1) ا: «يرد» .

83

*3246* 246 و من كلامه ع في بيان أفضل الأعمال‏

وَ قَالَ ع أَفْضَلُ اَلْأَعْمَالِ مَا أَكْرَهْتَ نَفْسَكَ عَلَيْهِ (1) -. لا ريب أن الثواب على قدر المشقة لأنه كالعوض عنها (1) كما أن العوض الحقيقي عوض عن الألم و لهذا

14- 14قال ص أفضل العبادة أحمزها (2) .

أي أشقها

____________

(1) ا: «منها» .

(2) نقله ابن الأثير في النهاية 1: 258 قال: يقال: رجل حامز الفؤاد و حميزه؛ أى شديد .

غ

84

*3247* 247 و من كلامه ع في كيفية معرفة الله‏

وَ قَالَ ع عَرَفْتُ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ بِفَسْخِ اَلْعَزَائِمِ وَ حَلِّ اَلْعُقُودِ وَ نَقْضِ اَلْهِمَمِ (1) -. هذا أحد الطرق إلى معرفة البارئ سبحانه و هو أن يعزم الإنسان على أمر و يصمم رأيه عليه ثم لا يلبث أن يخطر الله تعالى بباله خاطرا صارفا له عن ذلك الفعل و لم يكن في حسابه أي لو لا أن في الوجود (1) ذاتا مدبرة لهذا العالم لما خطرت الخواطر التي لم تكن محتسبة و هذا فصل يتضمن كلاما دقيقا يذكره المتكلمون في الخاطر الذي يخطر من غير موجب لخطوره فإنه لا يجوز أن يكون الإنسان أخطره بباله و إلا لكان ترجيحا من غير مرجح لجانب الوجود على جانب العدم فلا بد أن يكون المخطر له بالبال شيئا خارجا عن ذات الإنسان و ذاك هو الشي‏ء المسمى بصانع العالم .

و ليس هذا الموضع مما يحتمل استقصاء القول في هذا المبحث .

و يقال إن عضد الدولة وقعت في يده قصة و هو يتصفح القصص فأمر بصلب صاحبها ثم أتبع الخادم خادما آخر يقول له قل للمطهر و كان وزيره لا يصلبه و لكن أخرجه من الحبس فاقطع يده اليمنى ثم أتبعه خادما ثالثا فقال بل تقول له يقطع أعصاب رجليه ثم أتبعه خادما آخر فقال له ينقله إلى القلعة بسيراف في قيوده فيجعله هناك فاختلفت دواعيه في ساعة واحدة أربع مرات‏

____________

(1) في ب: «الجود» تحريف.

85

*3248* 248 و من كلامه ع في بيان مرارة الدنيا و حلاوتها مع الآخرة

وَ قَالَ ع مَرَارَةُ اَلدُّنْيَا حَلاَوَةُ اَلآْخِرَةِ وَ حَلاَوَةُ اَلدُّنْيَا مَرَارَةُ اَلآْخِرَةِ (1) -. لما كانت الدنيا (1) ضد الآخرة وجب أن يكون أحكام هذه ضد أحكام هذه كالسواد يجمع البصر و البياض يفرق البصر و الحرارة توجب الخفة و البرودة توجب الثقل فإذا كان في الدنيا أعمال هي مرة المذاق على الإنسان قد ورد الشرع بإيجابها فتلك الأفعال تقتضي‏ (2) و توجب لفاعلها ثوابا حلو المذاق في الآخرة .

و كذاك بالعكس ما كان من المشتهيات الدنياوية التي قد نهى الشرع عنها توجب و إن كانت حلوة المذاق مرارة العقوبة في الآخرة

____________

(1) ا: «الحياة الدنيا ضد الحياة الآخرة» .

(2) ا: «تقضى» .

86

*3249* 249 و من كلامه ع في بيان تعليل العبادات سلبا و إيجابا

وَ قَالَ ع فَرَضَ اَللَّهُ اَلْإِيمَانَ تَطْهِيراً مِنَ اَلشِّرْكِ وَ اَلصَّلاَةَ تَنْزِيهاً عَنِ اَلْكِبْرِ وَ اَلزَّكَاةَ تَسْبِيباً لِلرِّزْقِ وَ اَلصِّيَامَ اِبْتِلاَءً لِإِخْلاَصِ اَلْخَلْقِ وَ اَلْحَجَّ تَقْوِيَةً تَقْرِبَةً لِلدِّينِ وَ اَلْجِهَادَ عِزّاً لِلْإِسْلاَمِ وَ اَلْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ مَصْلَحَةً لِلْعَوَامِّ وَ اَلنَّهْيَ عَنِ اَلْمُنْكَرِ رَدْعاً لِلسُّفَهَاءِ وَ صِلَةَ اَلرَّحِمِ مَنْمَاةً لِلْعَدَدِ وَ اَلْقِصَاصَ حَقْناً لِلدِّمَاءِ وَ إِقَامَةَ اَلْحُدُودِ إِعْظَاماً لِلْمَحَارِمِ وَ تَرْكَ شُرْبِ اَلْخَمْرِ تَحْصِيناً لِلْعَقْلِ وَ مُجَانَبَةَ اَلسَّرِقَةِ إِيجَاباً لِلْعِفَّةِ وَ تَرْكَ اَلزِّنَى اَلزِّنَا تَحْصِيناً لِلنَّسَبِ وَ تَرْكَ اَللِّوَاطِ تَكْثِيراً لِلنَّسْلِ وَ اَلشَّهَادَاتِ اِسْتِظْهَاراً عَلَى اَلْمُجَاحَدَاتِ وَ تَرْكَ اَلْكَذِبِ تَشْرِيفاً لِلصِّدْقِ وَ اَلسَّلاَمَ أَمَاناً مِنَ اَلْمَخَاوِفِ وَ اَلْإِمَامَةَ نِظَاماً لِلْأُمَّةِ وَ اَلطَّاعَةَ تَعْظِيماً لِلْإِمَامَةِ (1) -. هذا الفصل يتضمن بيان تعليل العبادات إيجابا و سلبا .

قال ع فرض الله الإيمان تطهيرا من الشرك‏ و ذلك لأن الشرك نجاسة حكمية لا عينية و أي شي‏ء يكون أنجس من الجهل أو أقبح فالإيمان هو تطهير القلب من نجاسة ذلك الجهل (2) - .

و فرضت الصلاة تنزيها من الكبر لأن الإنسان يقوم فيها قائما و القيام مناف للتكبر و طارد له ثم يرفع يديه بالتكبير وقت الإحرام بالصلاة فيصير على هيئة من يمد عنقه ليوسطه السياف ثم يستكتف كما يفعله العبيد الأذلاء بين يدي‏

87

السادة العظماء ثم يركع على هيئة من يمد عنقه ليضربها السياف ثم يسجد فيضع أشرف أعضائه و هو جبهته على أدون المواضع و هو التراب ثم تتضمن الصلاة من الخضوع و الخشوع و الامتناع من الكلام و الحركة الموهمة لمن رآها أن صاحبها خارج عن الصلاة و ما في غضون الصلاة من الأذكار المتضمنة الذل و التواضع لعظمة الله تعالى (1) - .

و فرضت الزكاة تسبيبا للرزق‏ كما قال الله تعالى‏ وَ مََا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ‏ (1) و قال‏ مَنْ ذَا اَلَّذِي يُقْرِضُ اَللََّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضََاعِفَهُ لَهُ (2) - (2) .

و فرض الصيام ابتلاء لإخلاص الخلق‏

14- قال 14النبي ص حاكيا عن الله تعالى الصوم لي و أنا أجزي به.

و ذلك لأن الصوم أمر لا يطلع عليه أحد فلا يقوم به على وجهه إلا المخلصون (3) - .

و فرض الحج تقوية للدين‏ و ذلك لما يحصل للحاج في ضمنه من المتاجر و المكاسب قال الله تعالى‏ لِيَشْهَدُوا مَنََافِعَ لَهُمْ وَ يَذْكُرُوا اِسْمَ اَللََّهِ‏ (3) ... عَلى‏ََ مََا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ اَلْأَنْعََامِ و أيضا فإن المشركين كانوا يقولون لو لا أن أصحاب 14محمد كثير و أولو قوة لما حجوا فإن الجيش الضعيف يعجز عن الحج من المكان البعيد (4) - .

و فرض الجهاد عزا للإسلام و ذلك ظاهر قال الله تعالى‏ وَ لَوْ لاََ دَفْعُ اَللََّهِ اَلنََّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوََامِعُ وَ بِيَعٌ وَ صَلَوََاتٌ وَ مَسََاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اِسْمُ اَللََّهِ كَثِيراً (4) و قال سبحانه‏ وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَ مِنْ رِبََاطِ اَلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اَللََّهِ وَ عَدُوَّكُمْ‏ (5) .

(5) -

____________

(1) سورة سبأ 39.

(2) سورة الحديد 11.

(3) سورة الحجّ 28.

(4) سورة الحجّ 40.

(5) سورة الأنفال 60.

88

و فرض الأمر بالمعروف مصلحة للعوام‏ لأن الأمر بالعدل و الإنصاف و رد الودائع و أداء الأمانات إلى أهلها و قضاء الديون و الصدق في القول و إيجاز الوعد و غير ذلك من محاسن الأخلاق مصلحة للبشر عظيمة لا محالة (1) - .

و فرض النهي عن المنكر ردعا للسفهاء كالنهي عن الظلم و الكذب و السفه و ما يجري مجرى ذلك (2) - .

و فرضت صلة الرحم منماة للعدد

14- قال 14النبي ص صلة الرحم تزيد في العمر و تنمي العدد (3) -.

و فرض القصاص حقنا للدماء قال سبحانه‏ وَ لَكُمْ فِي اَلْقِصََاصِ حَيََاةٌ يََا أُولِي اَلْأَلْبََابِ (4) - (1) .

و فرضت إقامة الحدود إعظاما للمحارم‏ و ذلك لأنه إذا أقيمت الحدود امتنع كثير من الناس عن المعاصي التي تجب الحدود فيها و ظهر عظم تلك المعاصي عند العامة فكانوا إلى تركها أقرب (5) - .

و حرم شرب الخمر تحصينا للعقل‏ قال قوم لحكيم اشرب الليلة معنا فقال أنا لا أشرب ما يشرب عقلي

14- و في الحديث المرفوع أن ملكا ظالما خير إنسانا بين أن يجامع أمه أو يقتل نفسا مؤمنة أو يشرب الخمر حتى يسكر فرأى أن الخمر أهونها فشرب حتى سكر فلما غلبه قام إلى أمه فوطئها و قام إلى تلك النفس المؤمنة فقتلها ثم قال ع الخمر جماع الإثم الخمر أم المعاصي (6) -.

و حرمت السرقة إيجابا للعفة و ذلك لأن العفة خلق شريف و الطمع خلق دني‏ء فحرمت السرقة ليتمرن الناس على ذلك الخلق الشريف و يجانبوا ذلك الخلق الذميم و أيضا حرمت لما في تحريمها من تحصين أموال الناس .

(7) -

____________

(1) سورة البقرة 179.

89

و حرم الزنا تحصينا للنسب‏ فإنه يفضي إلى اختلاط المياه و اشتباه الأنساب و ألا ينسب أحد بتقدير ألا يشرع النكاح إلى أب بل يكون نسب الناس إلى أمهاتهم و في ذلك قلب الحقيقة و عكس الواجب لأن الولد مخلوق من ماء الأب و إنما الأم وعاء و ظرف (1) - .

و حرم اللواط تكثيرا للنسل‏ و ذلك اللواط بتقدير استفاضته بين الناس و الاستغناء به عن النساء يفضي إلى انقطاع النسل و الذرية و ذلك خلاف ما يريد الله تعالى من بقاء هذا النوع الشريف الذي ليس في الأنواع مثله في الشرف لمكان النفس الناطقة التي هي نسخة و مثال للحضرة الإلهية و لذلك سمت الحكماء الإنسان العالم الصغير .

و حرم الاستمناء باليد و إتيان البهائم للمعنى الذي لأجله حرم اللواط و هو تقليل النسل و من مستحسن الكلمات النبوية

14- 14قوله ع في الاستمناء باليد ذلك الوأد الخفي.

لأن الجاهلية كانت تئد البنات أي تقتلهن خنقا و قد قدمنا ذكر سبب ذلك فشبه ع إتلاف النطفة التي هي ولد بالقوة بإتلاف الولد بالفعل (2) - .

و أوجبت الشهادات‏ على الحقوق استظهارا على المجاحدات‏

14- قال 14النبي ص لو أعطي الناس بدعاويهم لاستحل قوم من قوم دماءهم و أموالهم (3) -.

و وجب ترك الكذب تشريفا للصدق‏ و ذلك لأن مصلحة العامة إنما تتم و تنتظم بالصدق فإن الناس يبنون أكثر أمورهم في معاملاتهم على الأخبار فإنها أعم من العيان و المشاهدة فإذا لم تكن صادقة وقع الخطأ في التدبيرات و فسدت أحوال الخلق (4) - .

و شرع رد السلام أمانا من المخاوف‏ لأن تفسير قول القائل سلام عليكم أي لا حرب بيني و بينكم بل بيني و بينكم السلام و هو الصلح (5) - .

90

و فرضت الإمامة نظاما للأمة و ذلك لأن الخلق لا يرتفع الهرج و العسف و الظلم و الغضب و السرقة عنهم إلا بوازع قوي و ليس يكفي في امتناعهم قبح القبيح و لا وعيد الآخرة بل لا بد لهم من سلطان قاهر ينظم مصالحهم فيردع ظالمهم و يأخذ على أيدي سفهائهم (1) - .

و فرضت الطاعة تعظيما للإمامة و ذلك لأن أمر الإمامة لا يتم إلا بطاعة الرعية و إلا فلو عصت الرعية إمامها لم ينتفعوا بإمامته و رئاسته عليهم

91

*3250* 250 و من كلامه ع في تحليف الظالم‏

وَ كَانَ ع يَقُولُ: أَحْلِفُوا اَلظَّالِمَ إِذَا أَرَدْتُمْ يَمِينَهُ بِأَنَّهُ بَرِي‏ءٌ مِنْ حَوْلِ اَللَّهِ وَ قُوَّتِهِ فَإِنَّهُ إِذَا حَلَفَ بِهَا كَاذِباً عُوجِلَ اَلْعُقُوبَةَ وَ إِذَا حَلَفَ بِاللَّهِ اَلَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَمْ يُعَاجَلْ لِأَنَّهُ قَدْ وَحَّدَ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى (1) -.

[ما جرى بين يحيى بن عبد الله و بين ابن المصعب عند الرشيد]

روى أبو الفرج علي بن الحسين الأصبهاني في كتاب مقاتل الطالبيين أن يحيى بن عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب ع لما أمنه الرشيد بعد خروجه بالديلم و صار إليه بالغ في إكرامه و بره فسعى به بعد مدة عبد الله بن مصعب الزبيري إلى الرشيد و كان يبغضه و قال له إنه قد عاد يدعو إلى نفسه سرا و حسن له نقض أمانه فأحضره و جمع بينه و بين عبد الله بن مصعب ليناظره فيما قذفه به و رفعه عليه فجبهه ابن مصعب بحضرة الرشيد و ادعى عليه الحركة في الخروج و شق العصا فقال يحيى يا أمير المؤمنين أ تصدق هذا علي و تستنصحه و هو ابن عبد الله بن الزبير الذي أدخل أباك عبد الله و ولده الشعب و أضرم عليهم النار حتى خلصه‏ (1) أبو عبد الله الجدلي صاحب 1علي بن أبي طالب ع منه عنوة و هو الذي ترك الصلاة على

____________

(1) مقاتل الطالبيين: «تخلصه» .

92

14رسول الله ص و أربعين جمعة في خطبته فلما التاث عليه الناس قال إن له أهيل سوء إذا صليت عليه أو ذكرته أتلعوا أعناقهم و اشرأبوا لذكره فأكره أن أسرهم أو أقر أعينهم‏ (1) و هو الذي كان يشتم أباك و يلصق به العيوب حتى ورم كبده و لقد ذبحت بقرة يوما لأبيك فوجدت كبدها سوداء قد نقبت فقال علي ابنه أ ما ترى كبد هذه البقرة يا أبت فقال يا بني هكذا ترك ابن الزبير كبد أبيك ثم نفاه إلى الطائف فلما حضرته الوفاة قال لابنه علي يا بني إذا مت فالحق بقومك من بني عبد مناف بالشام و لا تقم في بلد لابن الزبير فيه إمرة فاختار له صحبة يزيد بن معاوية على صحبة عبد الله بن الزبير و و الله إن عداوة هذا يا أمير المؤمنين لنا جميعا بمنزلة سواء و لكنه قوي علي بك و ضعف عنك فتقرب بي إليك ليظفر منك بي بما يريد إذا لم يقدر على مثله منك و ما ينبغي لك أن تسوغه ذلك في فإن معاوية بن أبي سفيان و هو أبعد نسبا منك إلينا ذكر 2الحسن بن علي يوما فسبه فساعده عبد الله بن الزبير على ذلك فزجره و انتهره فقال إنما ساعدتك يا أمير المؤمنين فقال إن 2الحسن لحمي آكله و لا أوكله و مع هذا فهو الخارج مع أخي محمد على أبيك المنصور أبي جعفر و القائل لأخي في قصيدة طويلة أولها

إن الحمامة يوم الشعب من وثن (2) # هاجت فؤاد محب دائم الحزن‏

يحرض أخي فيها على الوثوب و النهوض إلى الخلافة و يمدحه و يقول له‏

لا عز ركنا نزار عند سطوتها # إن أسلمتك و لا ركنا ذوي يمن

أ لست أكرمهم عودا إذا انتسبوا # يوما و أطهرهم ثوبا من الدرن

____________

(1) مقاتل الطالبيين: «فلا أحبّ أن أقر عينهم بذكره» .

93

و أعظم الناس عند الناس منزلة # و أبعد الناس من عيب و من وهن

قوموا ببيعتكم ننهض بطاعتها # إن الخلافة فيكم يا بني حسن

إنا لنأمل أن ترتد ألفتنا # بعد التدابر و البغضاء و الإحن

حتى يثاب على الإحسان محسننا # و يأمن الخائف المأخوذ بالدمن

و تنقضي دولة أحكام قادتها # فينا كأحكام قوم عابدي وثن

فطالما قد بروا بالجور أعظمنا # بري الصناع قداح النبع بالسفن.

فتغير وجه الرشيد عند سماع هذا الشعر و تغيظ على ابن مصعب فابتدأ ابن مصعب يحلف بالله الذي لا إله إلا هو و بأيمان البيعة أن هذا الشعر ليس له و أنه لسديف فقال يحيى و الله يا أمير المؤمنين ما قاله غيره و ما حلفت كاذبا و لا صادقا بالله قبل هذا و إن الله عز و جل إذا مجده العبد في يمينه فقال و الله الطالب الغالب الرحمن الرحيم استحيا أن يعاقبه فدعني أن أحلفه بيمين ما حلف بها أحد قط كاذبا إلا عوجل قال فحلفه قال قل‏برئت من حول الله و قوته و اعتصمت بحولي و قوتي و تقلدت الحول و القوة من دون الله استكبارا على الله و استعلاء عليه و استغناء عنهإن كنت قلت هذا الشعر فامتنع عبد الله من الحلف بذلك فغضب الرشيد و قال للفضل بن الربيع يا عباسي ما له لا يحلف إن كان صادقا هذا طيلساني علي و هذه ثيابي لو حلفني بهذه اليمين أنها لي لحلفت فوكز الفضل عبد الله برجله و كان له فيه هوى و قال له احلف ويحك فجعل يحلف بهذه اليمين و وجهه متغير و هو يرعد فضرب يحيى بين كتفيه و قال يا ابن مصعب قطعت عمرك لا تفلح بعدها أبدا .

قالوا فما برح من موضعه حتى عرض له أعراض الجذام استدارت عيناه‏

94

و تفقأ وجهه و قام إلى بيته فتقطع و تشقق لحمه و انتثر شعره و مات بعد ثلاثة أيام و حضر الفضل بن الربيع جنازته فلما جعل في القبر انخسف اللحد به حتى خرجت منه غبرة شديدة و جعل الفضل يقول التراب التراب فطرح التراب و هو يهوي فلم يستطيعوا سده حتى سقف بخشب و طم عليه فكان الرشيد يقول بعد ذلك للفضل أ رأيت يا عباسي ما أسرع ما أديل ليحيى‏ (1) من ابن مصعب‏ (2)

____________

(1) ب: «من يحيى» .

(2) مقاتل الطالبيين 474-478.

95

*3251* 251 و من كلامه ع في إنفاق المال في وجهه في الحياة قبل الوصية به للغير بعد الممات‏

وَ قَالَ ع يَا اِبْنَ آدَمَ كُنْ وَصِيَّ نَفْسِكَ فِي مَالِكَ وَ اِعْمَلْ فِي مَالِكَ فِيهِ مَا تُؤْثِرُ أَنْ يُعْمَلَ يَعْمَلَ فِيهِ مِنْ بَعْدِكَ مَنْ بَعْدَكَ (1) - . لا ريب أن الإنسان يؤثر أن يخرج ماله بعد موته في وجوه البر و الصدقات و القربات ليصل ثواب ذلك إليه لكنه يضن بإخراجه و هو حي في هذه الوجوه لحبه العاجلة و خوفه من الفقر و الحاجة إلى الناس في آخر العمر فيقيم وصيا يعمل ذلك في ماله بعد موته .

و أوصى 1أمير المؤمنين ع الإنسان أن يعمل في ماله و هو حي ما يؤثر أن يجعل فيه وصية بعد موته و هذه حالة لا يقدر عليها (1) إلا من أخذ التوفيق بيده‏

____________

(1) ا: «عليها أحد» .

96

*3252* 252 و من كلامه ع في الحدة و كونها ضرب من الجنون‏

وَ قَالَ ع اَلْحِدَّةُ ضَرْبٌ مِنَ اَلْجُنُونِ لِأَنَّ صَاحِبَهَا يَنْدَمُ فَإِنْ لَمْ يَنْدَمْ فَجُنُونُهُ مُسْتَحْكِمٌ (1) -. كان يقال الحدة كنية الجهل .

و كان يقال لا يصح لحديد رأي لأن الحدة تصدئ العقل كما يصدئ الخل المرآة فلا يرى صاحبه فيه صورة حسن فيفعله و لا صورة قبيح فيجتنبه .

و كان يقال أول الحدة جنون و آخرها ندم .

و كان يقال لا تحملنك الحدة على اقتراف الإثم فتشفي غيظك و تسقم دينك‏

97

*3253* 253 و من كلامه ع في الحسد و آثاره على الجسد

وَ قَالَ ع صِحَّةُ اَلْجَسَدِ مِنْ قِلَّةِ اَلْحَسَدِ (1) -. معناه أن القليل الحسد لا يزال معافى في بدنه و الكثير الحسد يمرضه ما يجده في نفسه من مضاضة المنافسة و ما يتجرعه من الغيظ و مزاج البدن يتبع أحوال النفس .

قال المأمون ما حسدت أحدا قط إلا أبا دلف على قول الشاعر فيه‏

إنما الدنيا أبو دلف # بين باديه و محتضره‏ (1)

فإذا ولى أبو دلف # ولت الدنيا على أثره.

و روى أبو الفرج الأصبهاني عن عبدوس بن أبي دلف قال حدثني أبي قال قال لي المأمون يا قاسم أنت الذي يقول فيك علي بن جبله

إنما الدنيا أبو دلف

البيتين فقلت مسرعا و ما ينفعني ذلك يا أمير المؤمنين مع قوله في‏

أبا دلف يا أكذب الناس كلهم # سواي فإني في مديحك أكذب‏

____________

(1) الأغانى 8: 255.

98

و مع قول بكر بن النطاح في‏

أبا دلف إن الفقير بعينه # لمن يرتجي جدوى يديك و يأمله

أرى لك بابا مغلقا متمنعا # إذا فتحوه عنك فالبؤس داخله

كأنك طبل هائل الصوت معجب # خلي من الخيرات تعس مداخله

و أعجب شي‏ء فيك تسليم إمرة # عليك على طنز و أنك قابله‏

قال فلما انصرفت قال المأمون لمن حوله لله دره حفظ هجاء نفسه حتى انتفع به عندي و أطفأ لهيب المنافسة ـ

99

*3254* 254 و من كلامه ع في وصيته لكميل بن زياد النخعي‏

وَ قَالَ ع لِكُمَيْلِ بْنِ زِيَادٍ اَلنَّخَعِيِّ يَا كُمَيْلُ مُرْ أَهْلَكَ أَنْ يَرُوحُوا فِي كَسْبِ اَلْمَكَارِمِ وَ يُدْلِجُوا فِي حَاجَةِ مَنْ هُوَ نَائِمٌ فَوَالَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ اَلْأَصْوَاتَ مَا مِنْ أَحَدٍ أَوْدَعَ قَلْباً سُرُوراً إِلاَّ وَ خَلَقَ اَللَّهُ لَهُ مِنْ ذَلِكَ اَلسُّرُورِ لُطْفاً فَإِذَا نَزَلَتْ بِهِ نَائِبَةٌ جَرَى إِلَيْهَا كَالْمَاءِ فِي اِنْحِدَارِهِ حَتَّى يَطْرُدَهَا عَنْهُ كَمَا تُطْرَدُ غَرِيبَةُ اَلْإِبِلِ (1) -. قال عمرو بن العاص لمعاوية ما بقي من لذتك فقال ما من شي‏ء يصيبه الناس من اللذة إلا و قد أصبته حتى مللته فليس شي‏ء عندي اليوم ألذ من شربة ماء بارد في يوم صائف و نظري إلى بني و بناتي يدرجون حولي فما بقي من لذتك أنت فقال أرض أغرسها و آكل ثمرتها لم يبق لي لذة غير ذلك فالتفت معاوية إلى وردان غلام عمرو فقال فما بقي من لذتك يا وريد فقال سرور أدخله قلوب الإخوان و صنائع أعتقدها في أعناق الكرام فقال معاوية لعمرو تبا لمجلسي و مجلسك لقد غلبني و غلبك هذا العبد ثم قال يا وردان أنا أحق بهذا منك قال قد أمكنتك‏ (1) فافعل .

____________

(1) في «أمكنك» .

100

فإن قلت السرور عرض فكيف يخلق الله تعالى منه لطفا قلت من‏ هاهنا هي مثل من في قوله‏ وَ لَوْ نَشََاءُ لَجَعَلْنََا مِنْكُمْ مَلاََئِكَةً فِي اَلْأَرْضِ يَخْلُفُونَ‏ (1) أي عوضا منكم .

و مثله‏

فليت لنا من ماء زمزم شربة # مبردة باتت على طهيان‏ (2)

أي ليت لنا شربة مبردة باتت على طهيان و هو اسم جبل بدلا و عوضا من ماء زمزم

____________

(1) سورة الزخرف 60.

(2) البيت للأحول الكندي-اللسان طها.

101

*3255* 255 و من كلامه ع في الصدقة

وَ قَالَ ع إِذَا أَمْلَقْتُمْ فَتَاجِرُوا اَللَّهَ بِالصَّدَقَةِ (1) -. قد تقدم القول في الصدقة .

و قالت الحكماء أفضل العبادات الصدقة لأن نفعها يتعدى و نفع الصلاة و الصوم لا يتعدى .

1- و جاء في الأثر أن 1عليا ع عمل ليهودي في سقي نخل له في حياة 14رسول الله ص بمد من شعير فخبزه قرصا فلما هم أن يفطر عليه أتاه سائل يستطعم فدفعه إليه و بات طاويا و تاجر الله تعالى بتلك الصدقة فعد الناس هذه الفعلة من أعظم السخاء و عدوها أيضا من أعظم العبادة .

و قال بعض شعراء الشيعة يذكر إعادة الشمس عليه و أحسن فيما قال‏

جاد بالقرص و الطوى مل‏ء جنبيه # و عاف الطعام و هو سغوب‏ (1)

فأعاد القرص المنير عليه القرص # و المقرض الكرام كسوب‏ (2)

____________

(1) السغوب: الجائع.

(2) في د «و القرض للكرام» ، و هو وجه أيضا.

102

*3256* 256 و من كلامه ع في الوفاء لأهل الغدر و الغدر بهم‏

وَ قَالَ ع اَلْوَفَاءُ لِأَهْلِ اَلْغَدْرِ غَدْرٌ عِنْدَ اَللَّهِ وَ اَلْغَدْرُ بِأَهْلِ اَلْغَدْرِ وَفَاءٌ عِنْدَ اَللَّهِ (1) -. معناه أنه إذا اعتيد من العدو أن يغدر و لا يفي بأقواله و أيمانه و عهوده لم يجز الوفاء له و وجب أن ينقض عهوده و لا يوقف مع العهد المعقود بيننا و بينه فإن الوفاء لمن هذه حاله ليس بوفاء عند الله تعالى بل هو كالغدر في قبحه و الغدر بمن هذه‏ (1) حاله ليس بقبيح بل هو في الحسن كالوفاء لمن يستحق الوفاء عند الله تعالى‏

____________

(1) ا: «ذلك» .

103

*3257* 257 و من كلامه ع في الاستدراج و الإملاء

وَ قَالَ ع كَمْ مِنْ مُسْتَدْرَجٍ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ وَ مَغْرُورٍ بِالسَّتْرِ بِالسِّتْرِ عَلَيْهِ وَ مَفْتُونٍ بِحُسْنِ اَلْقَوْلِ فِيهِ وَ مَا اِبْتَلَى اَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَحَداً بِمِثْلِ اَلْإِمْلاَءِ لَهُ. قال الرضي رحمه الله تعالى و قد مضى هذا الكلام فيما تقدم إلا أن فيه هاهنا زيادة جيدة (1) - قد تقدم الكلام في الاستدراج و الإملاء و قال بعض الحكماء احذر النعم المتواصلة إليك أن تكون استدراجا كما يحذر المحارب من اتباع عدوه في الحرب إذا فر من بين يديه من الكمين و كم من عدو فر مستدرجا ثم إذ هو عاطف و كم من ضارع في يديك ثم إذ هو خاطف‏

104

*3258* 258 و من كلامه ع في الإخبار عن آخر الزمان و ظهور المهدي ع‏

و من كلامه ع المتضمن ألفاظا من الغريب تحتاج إلى تفسير قوله ع في حديثه فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ ضَرَبَ يَعْسُوبُ اَلدِّينِ بِذَنَبِهِ فَيَجْتَمِعُونَ إِلَيْهِ كَمَا يَجْتَمِعُ قَزَعُ اَلْخَرِيفِ. قال الرضي رحمه الله تعالى يعسوب الدين السيد العظيم المالك لأمور الناس يومئذ و القزع قطع الغيم التي لا ماء فيها (1) - أصاب في اليعسوب فأما القزع فلا يشترط فيها أن تكون خالية من الماء بل القزع قطع من السحاب رقيقة سواء كان فيها ماء أو لم يكن الواحدة قزعة بالفتح و إنما غره قول الشاعر يصف جيشا بالقلة و الخفة

كأن رعاله قزع الجهام‏ (1) .

و ليس يدل ذلك على ما ذكره لأن الشاعر أراد المبالغة فإن الجهام الذي لا ماء فيه إذا كان أقطاعا متفرقة خفيفة كان ذكره أبلغ فيما يريده من التشبيه و هذا الخبر من أخبار الملاحم التي كان يخبر بها ع و هو يذكر فيه 12المهدي الذي يوجد عند أصحابنا في آخر الزمان و معنى قوله ضرب بذنبه أقام و ثبت بعد

____________

(1) ب: «الهجام» تصحيف.

105

اضطرابه و ذلك لأن اليعسوب فحل النحل و سيدها و هو أكثر زمانه طائر بجناحيه فإذا ضرب بذنبه الأرض فقد أقام و ترك الطيران و الحركة .

فإن قلت فهذا يشبه مذهب الإمامية في أن 12المهدي خائف مستتر ينتقل في الأرض و أنه يظهر آخر الزمان و يثبت و يقيم في دار ملكه .

قلت لا يبعد على مذهبنا أن يكون الإمام 12المهدي الذي يظهر في آخر الزمان مضطرب الأمر منتشر الملك في أول أمره لمصلحة يعلمها الله تعالى ثم بعد ذلك يثبت ملكه و تنتظم أموره .

و قد وردت لفظة اليعسوب عن 1أمير المؤمنين ع في غير هذا الموضع

1- قال لعبد الرحمن بن عتاب بن أسيد و قد مر به قتيلا هذا يعسوب قريش .

أي سيدها

106

*3259* 259 و من كلامه ع في تسمية الماهر بالخطبة بالشحشح‏

وَ فِي حَدِيثِهِ ع: هَذَا اَلْخَطِيبُ اَلشَّحْشَحُ. قال يريد الماهر بالخطبة الماضي فيها و كل ماض في كلام أو سير فهو شحشح و الشحشح في غير هذا الموضع البخيل الممسك (1) - قد جاء الشحشح بمعنى الغيور و الشحشح بمعنى الشجاع و الشحشح بمعنى المواظب على الشي‏ء الملازم له و الشحشح الحاوي و مثله الشحشحان .

و هذه الكلمة قالها 1علي ع لصعصعة بن صوحان العبدي رحمه الله و كفى صعصعة بها فخرا أن يكون مثل 1علي ع يثني عليه بالمهارة و فصاحة اللسان و كان صعصعة من أفصح الناس ذكر ذلك شيخنا أبو عثمان الجاحظ (1)

____________

(1) البيان و التبيين 1: 97.