شرح نهج البلاغة - ج19

- ابن ابي الحديد المزيد...
431 /
157

*3275* 275 و من كلامه ع في عامل الدنيا

وَ قَالَ ع اَلنَّاسُ فِي اَلدُّنْيَا عَامِلاَنِ عَامِلٌ عَمِلَ فِي اَلدُّنْيَا لِلدُّنْيَا قَدْ شَغَلَتْهُ دُنْيَاهُ عَنْ آخِرَتِهِ يَخْشَى عَلَى مَنْ يَخْلُفُ‏هُ يُخَلِّفُ اَلْفَقْرَ وَ يَأْمَنُهُ عَلَى نَفْسِهِ فَيُفْنِي عُمُرَهُ فِي مَنْفَعَةِ غَيْرِهِ وَ عَامِلٌ عَمِلَ فِي اَلدُّنْيَا لِمَا بَعْدَهَا فَجَاءَهُ اَلَّذِي لَهُ مِنَ اَلدُّنْيَا بِغَيْرِ عَمَلٍ فَأَحْرَزَ اَلْحَظَّيْنِ مَعاً وَ مَلَكَ اَلدَّارَيْنِ جَمِيعاً فَأَصْبَحَ وَجِيهاً عِنْدَ اَللَّهِ لاَ يَسْأَلُ اَللَّهَ حَاجَةً فَيَمْنَعُهُ فَيَمْنَعَهُ (1) - . معنى قوله‏ و يأمنه على نفسه أي و لا يبالي أن يكون هو فقيرا لأنه يعيش عيش الفقراء و إن كان ذا مال لكنه يدخر المال لولده فيفني عمره في منفعة غيره .

و يجوز أن يكون معناه أنه لكثرة ماله قد أمن الفقر على نفسه ما دام حيا و لكنه لا يأمن الفقر على ولده لأنه لا يثق من ولده بحسن الاكتساب كما وثق من نفسه فلا يزال في الاكتساب و الازدياد منه لمنفعة ولده الذي يخاف عليه الفقر بعد موته (2) - .

فأما العامل في الدنيا لما بعدها فهم أصحاب العبادة يأتيهم رزقهم بغير اكتساب و لا كد و قد حصلت لهم الآخرة فقد حصل لهم الحظان جميعا

158

*3276* 276 و من كلامه ع في حلي الكعبة و كثرته‏

وَ رُوِيَ: أَنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ اَلْخَطَّابِ فِي أَيَّامِهِ حَلْيُ اَلْكَعْبَةِ وَ كَثْرَتُهُ فَقَالَ قَوْمٌ لَوْ أَخَذْتَهُ فَجَهَّزْتَ بِهِ جُيُوشَ اَلْمُسْلِمِينَ كَانَ أَعْظَمَ لِلْأَجْرِ وَ مَا تَصْنَعُ اَلْكَعْبَةُ بِالْحَلْيِ فَهَمَّ عُمَرُ بِذَلِكَ وَ سَأَلَ عَنْهُ 1أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ ع فَقَالَ ع إِنَّ هَذَا اَلْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى 14اَلنَّبِيِّ ص 14مُحَمَّدٍ ص وَ اَلْأَمْوَالُ أَرْبَعَةٌ أَمْوَالُ اَلْمُسْلِمِينَ فَقَسَّمَهَا بَيْنَ اَلْوَرَثَةِ فِي اَلْفَرَائِضِ وَ اَلْفَيْ‏ءُ فَقَسَّمَهُ عَلَى مُسْتَحِقِّيهِ وَ اَلْخُمُسُ اَلْخُمْسُ فَوَضَعَهُ اَللَّهُ حَيْثُ وَضَعَهُ وَ اَلصَّدَقَاتُ فَجَعَلَهَا اَللَّهُ حَيْثُ جَعَلَهَا وَ كَانَ حَلْيُ اَلْكَعْبَةِ فِيهَا يَوْمَئِذٍ فَتَرَكَهُ اَللَّهُ عَلَى حَالِهِ وَ لَمْ يَتْرُكْهُ نِسْيَاناً وَ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ عَنْهُ مَكَاناً فَأَقِرَّهُ حَيْثُ أَقَرَّهُ اَللَّهُ وَ 14رَسُولُهُ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ لَوْلاَكَ لاَفْتَضَحْنَا وَ تَرَكَ اَلْحَلْيَ بِحَالِهِ (1) -. هذا استدلال صحيح و يمكن أن يورد على وجهين أحدهما أن يقال أصل الأشياء الحظر و التحريم كما هو مذهب كثير من أصحابنا البغداديين فلا يجوز التصرف في شي‏ء من الأموال و المنافع إلا بإذن شرعي و لم يوجد إذن شرعي في حلي الكعبة فبقينا فيه على حكم الأصل .

و الوجه الثاني أن يقال حلي الكعبة مال مختص بالكعبة هو جار مجرى ستور الكعبة و مجرى باب الكعبة فكما لا يجوز التصرف في ستور الكعبة و بابها

159

إلا بنص فكذلك حلي الكعبة و الجامع بينهما الاختصاص الجاعل كل واحد من ذلك كالجزء من الكعبة فعلى هذا الوجه ينبغي أن يكون الاستدلال .

و يجب أن يحمل كلام 1أمير المؤمنين ع عليه و إلا يحمل على ظاهره لأن لمعترض أن يعترض استدلاله إذا حمل على ظاهره بأن يقول الأموال الأربعة التي عددها إنما قسمها الله تعالى حيث قسمها لأنها أموال متكررة بتكرر الأوقات على مر الزمان يذهب الموجود منها و يخلفه غيره فكان الاعتناء بها أكثر و الاهتمام بوجوه متصرفها أشد لأن حاجات الفقراء و المساكين و أمثالهم من ذوي الاستحقاق كثيرة و متجددة بتجدد الأوقات و ليس كذلك حلي الكعبة لأنه مال واحد باق غير متكرر و أيضا فهو شي‏ء قليل يسير ليس مثله مما يقال ينبغي أن يكون الشارع قد تعرض لوجوه مصرفه حيث تعرض لوجوه مصرف الأموال فافترق الموضعان‏

160

*3277* 277 و من كلامه ع في بيان حكم السرقة من مال الله و من عرض الناس‏

رُوِيَ: أَنَّهُ ع رُفِعَ إِلَيْهِ رَجُلاَنِ سَرَقَا مِنْ مَالِ اَللَّهِ أَحَدُهُمَا عَبْدٌ مِنْ مَالِ اَللَّهِ وَ اَلآْخَرُ مِنْ عُرُوضِ عُرْضِ اَلنَّاسِ فَقَالَ ع أَمَّا هَذَا فَهُوَ مِنْ مَالِ اَللَّهِ فَلاَ وَ لاَ حَدَّ عَلَيْهِ مَالُ اَللَّهِ أَكَلَ بَعْضُهُ بَعْضاً وَ أَمَّا اَلآْخَرُ فَعَلَيْهِ اَلْحَدُّ اَلشَّدِيدُ فَقَطَعَ يَدَهُ (1) -. هذا مذهب الشيعة أن عبد المغنم إذا سرق من المغنم لم يقطع فأما العبد الغريب إذا سرق من المغنم فإنه يقطع إذا كان ما سرقه زائدا عما يستحقه من الغنيمة بمقدار النصاب الذي يجب فيه القطع و هو ربع دينار و كذلك الحر إذا سرق من المغنم حكمه هذا الحكم بعينه فوجب أن يحمل كلام 1أمير المؤمنين على أن العبد المقطوع قد كان سرق من المغنم ما هو أزيد من حقه من الغنيمة بمقدار النصاب المذكور أو أكثر .

فأما الفقهاء فإنهم لا يوجبون القطع على من سرق من مال الغنيمة قبل قسمتها سواء كان ما سرقه أكثر من حقه أو لم يكن لأن مخالطة حقه و ممازجته للمسروق شبهة في الجملة تمنع من وجوب القطع هذا إن كان له حق في الغنيمة بأن يكون شهد القتال بإذن سيده فإن لم يكن ذلك و كان لسيده فيها حق لم يقطع أيضا لأن حصة سيده المشاعة شبهة تمنع من قطعه فإن لم يشهد القتال‏ (1) و لا شهده سيده و سرق من الغنيمة قبل القسمة ما يجب في مثله القطع وجب عليه القطع‏

____________

(1) ا: «و لم يشهده سيده » .

غ

161

*3278* 278 و من كلامه ع في كيفية حكمه في القضايا و الأحكام الشرعية أنها بالنص أو بالاجتهاد

وَ قَالَ ع لَوْ قَدِ اِسْتَوَتْ قَدَمَايَ مِنْ هَذِهِ اَلْمَدَاحِضِ لَغَيَّرْتُ أَشْيَاءَ (1) -. لسنا نشك أنه كان يذهب في الأحكام الشرعية و القضايا إلى أشياء يخالف فيها أقوال الصحابة نحو قطعه يد السارق من رءوس الأصابع و بيعه أمهات الأولاد و غير ذلك و إنما كان يمنعه من تغير أحكام من تقدمه اشتغاله بحرب البغاة و الخوارج و إلى ذلك يشير بالمداحض التي كان يؤمل استواء قدميه منها و لهذا

1- قال لقضاته اقضوا كما كنتم تقضون حتى يكون للناس جماعة.

فلفظة حتى هاهنا مؤذنة بأنه فسح لهم في اتباع عادتهم في القضايا و الأحكام التي يعهدونها إلى أن يصير للناس جماعة و ما بعد إلى و حتى ينبغي أن يكون مخالفا لما قبلهما .

فأما أصحابنا فيقولون إنه كان فيما يحاول أن يحكم بين الناس مجتهدا و يجوز لغيره من المجتهدين مخالفته .

و الإمامية تقول ما كان يحكم إلا عن نص و توقيف و لا يجوز لأحد من الناس مخالفته .

و القول في صحة ذلك و فساده فرع من فروع مسألة الإمامة (1)

____________

(1) د: «الإماميّة» .

162

*3279* 279 و من كلامه ع في الحرص و الجشع و ذمهما و ذم الكادح في طلب الرزق و مدح القناعة و الاقتصار

اِعْلَمُوا عِلْماً يَقِيناً أَنَّ اَللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ لِلْعَبْدِ وَ إِنْ عَظُمَتْ حِيلَتُهُ وَ اِشْتَدَّتْ طَلِبَتُهُ وَ قَوِيَتْ مَكِيدَتُهُ أَكْثَرَ مِمَّا سُمِّيَ لَهُ فِي اَلذِّكْرِ اَلْحَكِيمِ وَ لَمْ يَحُلْ بَيْنَ اَلْعَبْدِ فِي ضَعْفِهِ وَ قِلَّةِ حِيلَتِهِ وَ بَيْنَ أَنْ يَبْلُغَ مَا سُمِّيَ لَهُ فِي اَلذِّكْرِ اَلْحَكِيمِ وَ اَلْعَارِفُ لِهَذَا اَلْعَامِلُ بِهِ أَعْظَمُ اَلنَّاسِ رَاحَةً رَحْمَةً فِي مَنْفَعَةٍ وَ اَلتَّارِكُ لَهُ اَلشَّاكُّ فِيهِ أَعْظَمُ اَلنَّاسِ شُغُلاً شُغْلاً فِي مَضَرَّةٍ وَ رُبَّ مُنْعَمٍ عَلَيْهِ مُسْتَدْرَجٌ بِالنُّعْمَى وَ رُبَّ مُبْتَلًى مَصْنُوعٌ لَهُ بِالْبَلْوَى فَزِدْ أَيُّهَا اَلْمُسْتَنْفِعُ اَلْمُسْتَمِعُ فِي شُكْرِكَ وَ قَصِّرْ مِنْ عَجَلَتِكَ وَ قِفْ عِنْدَ مُنْتَهَى رِزْقِكَ (1) -. قد تقدم القول في الحرص و الجشع و ذمهما و ذم الكادح في طلب الرزق و مدح القناعة و الاقتصار و نذكر هنا طرفا آخر من ذلك قال بعض الحكماء وجدت أطول الناس غما الحسود و أهنأهم عيشا القنوع و أصبرهم على الأذى الحريص و أخفضهم عيشا أرفضهم للدنيا و أعظمهم ندامة العالم المفرط .

و قال عمر الطمع فقر و اليأس غنى و من يئس مما عند الناس استغنى عنهم .

163

و قيل لبعض الحكماء ما الغنى قال قلة تمنيك و رضاك بما يكفيك و لذلك قيل العيش ساعات تمر و خطوب تكر .

و قال الشاعر

اقنع بعيشك ترضه # و اترك هواك و أنت حر

فلرب حتف فوقه # ذهب و ياقوت و در

و قال آخر

إلى متى أنا في حل و ترحال # من طول سعي و إدبار و إقبال

و نازح الدار لا أنفك مغتربا # عن الأحبة لا يدرون ما حالي

بمشرق الأرض طورا ثم مغربها # لا يخطر الموت من حرص على بالي

و لو قنعت أتاني الرزق في دعة # إن القنوع الغنى لا كثرة المال.

و جاء

14- في الخبر المرفوع أجملوا في الطلب فإنه ليس لعبد إلا ما كتب له و لن يخرج عبد من الدنيا حتى يأتيه ما كتب له في الدنيا و هي راغمة.

164

*3280* 280 و من كلامه ع في نهي العلماء عن ترك العمل‏

وَ قَالَ ع لاَ تَجْعَلُوا عِلْمَكُمْ جَهْلاً وَ يَقِينَكُمْ شَكّاً إِذَا عَلِمْتُمْ فَاعْمَلُوا وَ إِذَا تَيَقَّنْتُمْ فَأَقْدِمُوا (1) -. هذا (1) نهي للعلماء عن ترك العمل يقول لا تجعلوا علمكم كالجهل فإن الجاهل قد يقول جهلت فلم أعمل و أنتم فلا عذر لكم لأنكم قد علمتم و انكشف لكم سر الأمر فوجب عليكم أن تعملوا و لا تجعلوا علمكم جهلا فإن من‏ (2) علم المنفعة في أمر و لا حائل بينه و بينه ثم لم يأته كان سفيها

____________

(1) ا: «فى» .

(2) ا: «الذي» .

165

*3281* 281 و من كلامه ع في الطمع‏

وَ قَالَ ع إِنَّ اَلطَّمَعَ مُورِدُ غَيْرُ مُصْدِرٍ وَ ضَامِنٌ غَيْرُ وَفِيٍّ وَ رُبَّمَا شَرِقَ شَارِبُ اَلْمَاءِ قَبْلَ رِيِّهِ وَ كُلَّمَا عَظُمَ قَدْرُ اَلشَّيْ‏ءِ اَلْمُتَنَافَسِ فِيهِ عَظُمَتِ اَلرَّزِيَّةُ لِفَقْدِهِ وَ اَلْأَمَانِيُّ تُعْمِي أَعْيُنَ اَلْبَصَائِرِ وَ اَلْحَظُّ يَأْتِي مَنْ لاَ يَأْتِيهِ (1) -. قد تقدم القول في هذه المعاني كلها و قد ضرب الحكماء مثالا لفرط الطمع فقالوا إن رجلا صاد قبرة فقالت ما تريد أن تصنع بي قال أذبحك و آكلك قالت و الله ما أشفي من قرم و لا أشبع من جوع و لكني أعلمك ثلاث خصال هن خير لك من أكلي أما واحدة فأعلمك إياها و أنا في يدك و أما الثانية فإذا صرت على الشجرة أما الثالثة فإذا صرت على الجبل فقال هاتي الأولى قالت لا تلهفن على ما فات فخلاها فلما صارت على الشجرة قال هاتي الثانية قالت لا تصدقن بما لا يكون أنه يكون ثم طارت فصارت على الجبل فقالت يا شقي لو ذبحتني لأخرجت من حوصلتي درتين وزن كل واحدة ثلاثون مثقالا فعض على يديه و تلهف تلهفا شديدا و قال هاتي الثالثة فقالت أنت قد أنسيت الاثنتين فما تصنع بالثالثة أ لم أقل لك لا تلهفن على‏

166

ما فات و قد تلهفت و أ لم أقل لك لا تصدقن بما لا يكون أنه يكون و أنا و لحمي و دمي و ريشي لا يكون عشرين مثقالا فكيف صدقت أن في حوصلتي درتين كل واحدة منهما ثلاثون مثقالا ثم طارت و ذهبت (1) - .

و قوله‏ و ربما شرق شارب الماء قبل ريه كلام فصيح و هو مثل لمن يخترم‏ (1) بغتة أو تطرقه الحوادث و الخطوب و هو في تلهية من عيشه (2) - .

و مثل الكلمة الأخرى قولهم على قدر العطية تكون الرزية .

و القول في الأماني قد أوسعنا القول فيه من قبل و كذلك في الحظوظ

____________

(1) يخترم بغته، أي يأتيه الموت بغتة.

167

*3282* 282 و من كلامه ع في الرياء

وَ قَالَ ع اَللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ تُحَسِّنَ تَحْسُنَ فِي لاَمِعَةِ اَلْعُيُونِ عَلاَنِيَتِي وَ تُقَبِّحَ تَقْبُحَ فِيمَا أُبْطِنُ لَكَ سَرِيرَتِي مُحَافِظاً عَلَى رِثَاءِ رِيَاءِ اَلنَّاسِ مِنْ نَفْسِي بِجَمِيعِ مَا أَنْتَ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ مِنِّي فَأُبْدِيَ لِلنَّاسِ حُسْنَ ظَاهِرِي وَ أُفْضِيَ إِلَيْكَ بِسُوءِ عَمَلِي تَقَرُّباً إِلَى عِبَادِكَ وَ تَبَاعُداً مِنْ مَرْضَاتِكَ (1) -. قد تقدم القول في الرياء و أن يظهر الإنسان من العبادة و الفعل الجميل ما يبطن غيره و يقصد بذلك السمعة و الصيت لا وجه الله تعالى .

و قد جاء

14- في الخبر المرفوع أخوف ما أخاف على أمتي الرياء و الشهوة الخفية.

قال المفسرون و الرياء من الشهوة الخفية لأنه شهوة الصيت و الجاه بين الناس بأنه متين الدين مواظب على نوافل العبادات و هذه هي الشهوة الخفية أي ليست كشهوة الطعام و النكاح و غيرهما من الملاذ الحسية .

14- و في الخبر المرفوع أيضا أن اليسير من الرياء شرك‏ (1) و أن الله يحب الأتقياء الأخفياء الذين هم في بيوتهم إذا غابوا لم يفتقدوا و إذا حضروا لم يعرفوا قلوبهم مصابيح الهدى ينجون من كل غبراء مظلمة.

____________

(1) كلمة غامضة في الأصول.

168

*3283* 283 و من كلامه ع في ما قاله من جهة التفاؤل أو إخبار بالغيب‏

وَ قَالَ ع: لاَ وَ اَلَّذِي أَمْسَيْنَا مِنْهُ فِي غُبْرِ غُبَّرِ لَيْلَةٍ دَهْمَاءَ تَكْشِرُ عَنْ يَوْمٍ أَغَرَّ مَا كَانَ كَذَا وَ كَذَا (1) -. قد روي تفتر عن يوم أغر و الغبر البقايا (1) و كذلك الأغبار و كشر أي بسم و أصله الكشف .

و هذا الكلام إما أن يكون قاله على جهة التفاؤل أو أن يكون إخبارا بغيب و الأول أوجه‏ (2)

____________

(1) و منه قول أبى كبير الهذلى:

و مبرأ من كل غبّر حيضة # و فساد مرضعة و داء مغيل‏

قال في اللسان: «و غبر الحيض: بقاياه» .

(2) ا: «و الوجه الأوّل» .

169

*3284* 284 و من كلامه ع في أن حفظ القليل خير و أرجى من حفظ الكثير

وَ قَالَ ع قَلِيلٌ تَدُومُ عَلَيْهِ أَرْجَى مِنْ كَثِيرٍ مَمْلُولٍ مِنْهُ (1) -. لا ريب أن من أراد حفظ كتاب من الكتب العلمية فحفظ منه قليلا قليلا و دام على ذلك فإن ذلك أنفع له و أرجى لفلاحه من أن يحفظ كثيرا و لا يدوم عليه لملاله إياه و ضجره منه و التجربة تشهد بذلك .

و القول في غير الحفظ كالقول في الحفظ نحو الزيارة القليلة للصديق و نحو العطاء اليسير الدائم‏ (1) الذي هو خير من الكثير المنقطع و نحو ذلك‏

____________

(1) بعدها في ا: «غير المنقطع» .

170

*3285* 285 و من كلامه ع في بيان حكم صلاة النافلة و لم يصل الفريضة

وَ قَالَ ع إِذَا أَضَرَّتِ اَلنَّوَافِلُ بِالْفَرَائِضِ فَارْفُضُوهَا (1) -. قد تقدم القول في النافلة هل تصح ممن عليه فريضة لم يؤدها و ذكرنا مذاهب الفقهاء في ذلك .

و لا ريب أن من استغرق الوقت بالنوافل حتى آن أوقات الفرائض لم يفعل الفرائض فيها و شغلها بالعبادة النفلية فقد أخطأ و الواجب أن يرفض النافلة حيث يتضيق وقت الفريضة لا خلاف بين المسلمين في ذلك و يصلح أن يكون هذا مثلا ظاهره ما ذكرنا و باطنه أمر آخر

171

*3286* 286 و من كلامه ع في التزود و الاستعداد لسفر الآخرة

وَ قَالَ ع مَنْ تَذَكَّرَ بُعْدَ اَلسَّفَرِ اِسْتَعَدَّ (1) -. هذا مثل قولهم في المثل الليل طويل و أنت مقمر (1) و قال أيضا عش و لا تغتر (2) .

و قال أصحاب المعاني مثل الدنيا كركب في فلاة وردوا ماء طيبا فمنهم من شرب من ذلك الماء شربا يسيرا ثم أفكر في بعد المسافة التي يقصدونها و أنه ليس بعد ذلك الماء ماء آخر فتزود منه ماء أوصله إلى مقصده و منهم من شرب من ذلك الماء شرب عظيما و لها عن التزود و الاستعداد و ظن أن ما شرب كاف له و مغن عن ادخار شي‏ء آخر فقطع به و أخلفه ظنه فعطش في تلك الفلاة و مات .

14- و قد روي عن 14النبي ص أنه قال لأصحابه إنما مثلي و مثلكم و مثل الدنيا كقوم سلكوا مفازة غبراء حتى إذا لم يدروا ما سلكوا منها أكثر أم ما بقي أنفدوا الزاد و حسروا الظهر و بقوا بين ظهراني المفازة لا زاد و لا حمولة فأيقنوا بالهلكة فبينما هم كذلك خرج عليهم رجل في حلة يقطر رأسه ماء فقالوا هذا قريب عهد بريف و ما جاءكم هذا إلا من قريب فلما انتهى إليهم و شاهد حالهم قال أ رأيتم إن هديتكم إلى ماء رواء و رياض خضر ما تعملون قالوا لا نعصيك شيئا

____________

(1) الميداني....

(2) الميداني 2: 16.

172

قال عهودكم و مواثيقكم بالله فأعطوه ذلك فأوردهم ماء رواء و رياضا خضرا و مكث بينهم ما شاء الله ثم قال إني مفارقكم قالوا إلى أين قال إلى ماء ليس كمائكم و رياض ليست كرياضكم فقال الأكثرون منهم و الله ما وجدنا ما نحن فيه حتى ظننا أنا لا نجده و ما نصنع بمنزل خير من هذا و قال الأقلون منهم أ لم تعطوا هذا الرجل مواثيقكم و عهودكم بالله لا تعصونه شيئا و قد صدقكم في أول حديثه و الله ليصدقنكم في آخره فراح فيمن تبعه منهم و تخلف الباقون فدهمهم عدو شديد البأس عظيم الجيش فأصبحوا ما بين أسير و قتيل .

173

*3287* 287 و من كلامه ع في اليقينيات بأنها المحسوسات أم المعقولات‏

وَ قَالَ ع لَيْسَتِ اَلرُّؤْيَةُ كَالْمُعَايَنَةِ مَعَ اَلْإِبْصَارِ فَقَدْ تَكْذِبُ اَلْعُيُونُ أَهْلَهَا وَ لاَ يَغُشُّ اَلْعَقْلُ مَنِ اِسْتَنْصَحَهُ (1) -. هذا مثل قوله تعالى‏ فَإِنَّهََا لاََ تَعْمَى اَلْأَبْصََارُ وَ لََكِنْ تَعْمَى اَلْقُلُوبُ اَلَّتِي فِي اَلصُّدُورِ (1) أي ليس العمى عمى العين بل عمى القلب .

كذلك

1- قول 1أمير المؤمنين ع ليست الرؤية مع العيون و إنما الرؤية الحقيقية مع العقول.

و قد ذهب أكابر الحكماء إلى أن اليقينيات هي المعقولات لا المحسوسات قالوا لأن حكم الحس في مظنة الغلط و طال ما كذب الحس و اعتقدنا بطريقة اعتقادات باطلة كما نرى الكبير صغيرا و الصغير كبيرا و المتحرك ساكنا و الساكن متحركا فأما العقل فإذا كان المعقول به بديهيا أو مستندا إلى مقدمات بديهية فإنه لا يقع فيه غلط أصلا

____________

(1) سورة الحجّ 46.

174

*3288* 288 و من كلامه ع في ذكر الدنيا و غرورها

وَ قَالَ ع بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَ اَلْمَوْعِظَةِ حِجَابٌ مِنَ اَلْغِرَّةِ (1) -. قد تقدم ذكر الدنيا و غرورها و أنها بشهواتها و لذاتها حجاب بين العبد و بين الموعظة لأن الإنسان يغتر بالعاجلة و يتوهم دوام ما هو فيه و إذا خطر بباله الموت و الفناء وعد نفسه رحمة الله تعالى و عفوه هذا إن كان ممن يعترف بالمعاد فإن كثيرا ممن يظهر القول بالمعاد هو في الحقيقة غير مستيقن له و الإخلاد إلى عفو الله تعالى و الاتكال على المغفرة مع الإقامة على المعصية غرور لا محالة و الحازم من عمل لما بعد الموت و لم يمن نفسه الأماني التي لا حقيقة لها

175

*3289* 289 و من كلامه ع في أن الجاهل من الناس مزداد من جهله و مسوف من توهماته‏

وَ قَالَ ع جَاهِلُكُمْ مُزْدَادٌ وَ عَالِمُكُمْ مُسَوِّفٌ (1) -. هذا قريب مما سلف يقول إن الجاهل من الناس مزداد من جهله مصر على خطيئته مسوف من توهماته و عقيدته الباطلة بالعفو عن ذنبه و ليس الأمر كما توهمه .

لَيْسَ بِأَمََانِيِّكُمْ وَ لاََ أَمََانِيِّ أَهْلِ اَلْكِتََابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَ لاََ يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اَللََّهِ وَلِيًّا وَ لاََ نَصِيراً (1)

____________

(1) سورة النساء 123.

176

*3290* 290 و من كلامه ع في قطع العلم عذر أصحاب التعلل و التمني‏

وَ قَالَ ع قَطَعَ اَلْعِلْمُ عُذْرَ اَلْمُتَعَلِّلِينَ (1) -. هذا أيضا قريب مما تقدم يقول قطع العلم عذر الذين يعللون أنفسهم بالباطل و يقولون إن الرب كريم رحيم فلا حاجة لنا إلى إتعاب أنفسنا بالعبادة كما قال الشاعر

قدمت على الكريم بغير زاد # من الأعمال ذا ذنب عظيم

و سوء الظن أن تعتد زادا # إذا كان القدوم على الكريم‏

و هذا هو التعليل بالباطل فإن الله تعالى و إن كان كريما رحيما عفوا غفورا إلا أنه صادق القول و قد توعد العصاة و قال‏ وَ إِنَّ اَلْفُجََّارَ لَفِي جَحِيمٍ `يَصْلَوْنَهََا يَوْمَ اَلدِّينِ `وَ مََا هُمْ عَنْهََا بِغََائِبِينَ‏ (1) و قال‏ لاََ تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَ قَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ `مََا يُبَدَّلُ اَلْقَوْلُ لَدَيَّ وَ مََا أَنَا بِظَلاََّمٍ لِلْعَبِيدِ (2) و يكفي في رحمته و عفوه و كرمه أن يغفر للتائب أو لمن ثوابه أكثر مما يستحقه من العقاب فالقول بالوعيد معلوم بأدلة السمع المتظاهرة المتناصرة التي قد أطنب أصحابنا في تعدادها و إيضاحها و إذا كان الشي‏ء معلوما فقد قطع العلم به عذر أصحاب التعلل و التمني و وجب العمل بالمعلوم و رفض ما يخالفه‏

____________

(1) سورة الانفطار 64-66.

(2) سورة ق 28، 29.

177

*3291* 291 و من كلامه ع في سؤال الإنظار لمن عوجل و تعليل من أجل بالتسويف‏

وَ قَالَ ع كُلُّ مُعَاجَلٍ يَسْأَلُ اَلْإِنْظَارَ وَ كُلُّ مُؤَجَّلٍ يَتَعَلَّلُ بِالتَّسْوِيفِ (1) -. قال الله سبحانه‏ حَتََّى إِذََا جََاءَ أَحَدَهُمُ اَلْمَوْتُ قََالَ رَبِّ اِرْجِعُونِ `لَعَلِّي أَعْمَلُ صََالِحاً فِيمََا تَرَكْتُ كَلاََّ إِنَّهََا كَلِمَةٌ هُوَ قََائِلُهََا وَ مِنْ وَرََائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى‏ََ يَوْمِ يُبْعَثُونَ‏ (1) فهذا هو سؤال الإنظار لمن عوجل فأما من أجل فإنه يعلل نفسه بالتسويف و يقول سوف أتوب سوف أقلع عما أنا عليه فأكثرهم يخترم‏ (2) من غير أن يبلغ هذا الأمل و تأتيه المنية و هو على أقبح حال و أسوئها و منهم من تشمله السعادة فيتوب قبل الموت و أولئك الذين ختمت أعمالهم بخاتمة الخير و هم في العالم كالشعرة البيضاء في الثور الأسود

____________

(1) سورة المؤمنون 99، 100.

(2) يقال: اخترمته المنية؛ أى أخذته من بينهم.

178

*3292* 292 و من كلامه ع في تقلبات الدهر و تصرفاته‏

وَ قَالَ ع مَا قَالَ اَلنَّاسُ لِشَيْ‏ءٍ طُوبَى لَهُ إِلاَّ وَ قَدْ خَبَّأَ لَهُ اَلدَّهْرُ يَوْمَ سَوْءٍ (1) -. قد تقدم هذا المعنى و ذكرنا فيه نكتا جيدة حميدة

[نبذ من الأقوال الحكمية في تقلبات الدهر و تصرفاته‏]

كان محمد بن عبد الله بن طاهر أمير بغداد في قصره على دجلة يوما و إذا بحشيش على وجه الماء في وسطه قصبة عليها رقعة فأمر بأخذها فإذا فيها

تاه الأعيرج و استولى به البطر # فقل له خير ما استعملته الحذر

أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت # و لم تخف سوء ما يأتي به القدر

و سالمتك الليالي فاغتررت بها # و عند صفو الليالي يحدث الكدر

فما انتفع بنفسه مدة .

و في المثل الدهر إذا أتى بسحواء سحسح‏ (1) يعقبها بنكباء زعزع و كذاك شرب العيش فيه تلون بيناه عذبا إذ تحول آجنا .

____________

(1) أي سحابة تصب مطرا شديدا.

179

يحيى بن خالد أعطانا الدهر فأسرف ثم مال علينا فأجحف .

و قال الشاعر

فيا لنعيم ساعدتنا رقابه # و خاست بنا أكفاله و الروادف.

إسحاق بن إبراهيم الموصلي

هي المقادير تجري في أعنتها # فاصبر فليس لها صبر على حال

يوما تريش خسيس الحال ترفعه # إلى السماء و يوما تخفض العالي‏

إذا أدبر الأمر أتى الشر من حيث كان يأتي الخير .

هانئ بن مسعود

إن كسرى أبى على الملك النعمان # حتى سقاه أم الرقوب

كل ملك و إن تصعد يوما # بأناس يعود للتصويب.

أحيحة بن الجلاح

و ما يدري الفقير متى غناه # و ما يدري الغني متى يعيل

و ما تدري إذا أضربت شولا # أ تلقح بعد ذلك أم تحيل‏ (1)

و ما تدري إذا أزمعت سيرا # بأي الأرض يدركك المقيل.

آخر

فما درن الدنيا بباق لأهله # و لا شرة الدنيا بضربة لازم.

آخر

رب قوم غبروا من عيشهم # في سرور و نعيم و غدق

____________

(1) الشول: الناقة التي نقصت ألبانها.

180

سكت الدهر زمانا عنهم # ثم أبكاهم دما حين نطق.

و من الشعر المنسوب إلى محمد الأمين بن زبيدة

يا نفس قد حق الحذر # أين الفرار من القدر

كل امرئ مما يخاف # و يرتجيه على خطر

من يرتشف صفو الزمان # يغص يوما بالكدر

181

*3293* 293 و من كلامه ع في القضاء و القدر

وَ قَالَ ع وَ قَدْ وَ سُئِلَ عَنِ اَلْقَدَرِ فَقَالَ طَرِيقٌ مُظْلِمٌ فَلاَ تَسْلُكُوهُ ثُمَّ سُئِلَ ثَانِياً فَقَالَ وَ بَحْرٌ عَمِيقٌ فَلاَ تَلِجُوهُ ثُمَّ سُئِلَ ثَالِثاً فَقَالَ وَ سِرُّ اَللَّهِ فَلاَ تَتَكَلَّفُوهُ (1) -. قد جاء

14- في الخبر المرفوع القدر سر الله في الأرض.

14- و روي سر الله في عباده.

و المراد نهي المستضعفين عن الخوض في إرادة الكائنات و في خلق أعمال العباد فإنه ربما أفضى بهم القول بالجبر لما في ذلك من الغموض و ذلك أن العامي إذا سمع قول القائل كيف يجوز أن يقع في عالمه ما يكرهه و كيف يجوز أن تغلب إرادة المخلوق إرادة الخالق .

و يقول أيضا إذا علم في القدم أن زيدا يكفر فكيف لزيد أن لا يكفر و هل يمكن أن يقع خلاف ما علمه الله تعالى في القدم اشتبه عليه الأمر و صار شبهة في نفسه و قوي في ظنه مذهب المجبرة فنهى ع هؤلاء عن الخوض في هذا النحو من البحث و لم ينه غيرهم من ذوي العقول الكاملة و الرياضة القوية و الملكة التامة و من له قدرة على حل الشبه و التفصي عن المشكلات .

فإن قلت فإنكم تقولون إن العامي و المستضعف يجب عليهما النظر قلت نعم إلا أنه لا بد لهما من موقف بعد أعمالها ما ينتهي إليه جهدهما من النظر بحيث يرشدهما إلى الصواب و النهي إنما هو لمن يستبد من ضعفاء العامة بنفسه في النظر و لا يبحث مع غيره ليرشده‏

182

*3294* 294 و من كلامه ع في علامة بغض الله تعالى للعبد أن يبغض إليه العلم‏

إِذَا أَرْذَلَ اَللَّهُ عَبْداً حَظَرَ عَلَيْهِ اَلْعِلْمَ (1) -. أرذله‏ جعله رذلا و كان يقال من علامة بغض الله تعالى للعبد أن يبغض إليه العلم .

و قال الشاعر

شكوت إلى وكيع سوء حفظي # فأرشدني إلى ترك المعاصي

و قال لأن حفظ العلم فضل # و فضل الله لا يؤتيه عاصي.

و قال رجل لحكيم ما خير الأشياء لي قال أن تكون عالما قال فإن لم أكن قال أن تكون مثريا قال فإن لم أكن قال أن تكون شاريا قال فإن لم أكن قال فأن تكون ميتا .

أخذ هذا المعنى بعض المحدثين فقال‏

إذا فاتك العلم جد بالقرى # و إن فاتك المال سد بالقراع

فإن فات هذا و هذا و ذاك # فمت فحياتك شر المتاع.

و قال أيضا في المعنى بعينه‏

و لو لا الحجا و القرى و القراع # لما فضل الآخر الأولا

ثلاث متى يخل منها الفتى # يكن كالبهيمة أو أرذلا

183

*3295* 295 و من كلامه ع في بيان الأخ في الله و مدح القناعة و قلة الأكل‏

وَ قَالَ ع: كَانَ لِي فِيمَا مَضَى أَخٌ فِي اَللَّهِ وَ كَانَ يُعَظِّمُهُ فِي عَيْنِي صِغَرُ اَلدُّنْيَا فِي عَيْنِهِ وَ كَانَ خَارِجاً مِنْ سُلْطَانِ بَطْنِهِ فَلاَ يَشْتَهِي يَتَشَهَّى مَا لاَ يَجِدُ وَ لاَ يُكْثِرُ إِذَا وَجَدَ وَ كَانَ أَكْثَرَ دَهْرِهِ صَامِتاً فَإِنْ قَالَ بَذَّ اَلْقَائِلِينَ وَ نَقَعَ غَلِيلَ اَلسَّائِلِينَ وَ كَانَ ضَعِيفاً مُسْتَضْعَفاً فَإِنْ جَاءَ اَلْجِدُّ فَهُوَ لَيْثُ غَابٍ لَيْثٌ عَادٍ وَ صِلُّ وَادٍ لاَ يُدْلِي بِحُجَّةٍ حَتَّى يَأْتِيَ قَاضِياً وَ كَانَ لاَ يَلُومُ أَحَداً عَلَى مَا لاَ يَجِدُ اَلْعُذْرَ فِي مِثْلِهِ حَتَّى يَسْمَعَ اِعْتِذَارَهُ وَ كَانَ لاَ يَشْكُو وَجَعاً إِلاَّ عِنْدَ بُرْئِهِ وَ كَانَ يَقُولُ مَا يَفْعَلُ مَا يَقُولُ وَ لاَ يَقُولُ مَا لاَ يَفْعَلُ وَ كَانَ إِذَا إِنْ غُلِبَ عَلَى اَلْكَلاَمِ لَمْ يُغْلَبْ عَلَى اَلسُّكُوتِ وَ كَانَ عَلَى أَنْ يَسْمَعَ مَا يَسْمَعُ أَحْرَصَ مِنْهُ عَلَى أَنْ يَتَكَلَّمَ وَ كَانَ إِذَا بَدَهَهُ أَمْرَانِ يَنْظُرُ نَظَرَ أَيُّهُمَا أَقْرَبُ إِلَى اَلْهَوَى فَخَالَفَهُ فَيُخَالِفُهُ فَعَلَيْكُمْ بِهَذِهِ اَلْخَلاَئِقِ فَالْزَمُوهَا وَ تَنَافَسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِيعُوهَا فَاعْلَمُوا أَنَّ أَخْذَ اَلْقَلِيلِ خَيْرٌ مِنْ تَرْكِ اَلْكَثِيرِ (1) -. قد اختلف الناس في المعني بهذا الكلام و من هو هذا الأخ المشار إليه فقال قوم هو 14رسول الله ص و استبعده قوم لقوله‏ و كان ضعيفا مستضعفا فإن 14النبي ص لا يقال في صفاته مثل هذه الكلمة

184

و إن أمكن تأويلها على لين كلامه و سماحة أخلاقه إلا أنها غير لائقة به ع .

و قال قوم هو أبو ذر الغفاري و استبعده قوم لقوله‏ فإن جاء الجد فهو ليث عاد و صل واد فإن أبا ذر لم يكن من الموصوفين بالشجاعة و المعروفين بالبسالة .

و قال قوم هو المقداد بن عمرو المعروف بالمقداد بن الأسود و كان من شيعة 1علي ع المخلصين و كان شجاعا مجاهدا حسن الطريقة و قد ورد في فضله حديث صحيح مرفوع .

و قال قوم أنه ليس بإشارة إلى أخ معين و لكنه كلام خارج مخرج المثل و عادة العرب جارية بمثل ذلك مثل قولهم في الشعر فقلت لصاحبي و يا صاحبي و هذا عندي أقوى الوجوه

[نبذ من الأقوال الحكمية في حمد القناعة و قلة الأكل‏] و من كلامه ع في (1) -

و قد مضى القول في صغر الدنيا في عين أهل التحقيق فأما سلطان البطن و مدح الإنسان بأنه لا يكثر من الأكل إذا وجد أكلا و لا يشتهي من الأكل ما لا يجده فقد قال الناس فيه فأكثروا .

قال أعشى باهلة يرثي المنتشر بن وهب

طاوي المصير على العزاء منصلت # بالقوم ليلة لا ماء و لا شجر (1)

تكفيه فلذة لحم إن ألم بها # من الشواء و يروي شربه الغمر

و لا يباري لما في القدر يرقبه # و لا تراه أمام القوم يفتقر

____________

(1) الكامل للمبرد 4: 65، المصير: واحد المصران. و العزاء: الأمر الشديد.

185

لا يغمز الساق من أين و لا وصب # و لا يعض على شرسوفه الصفر.

و قال الشنفري

و أطوي على الخمص الحوايا كما انطوت # خيوطة ماري تغار و تفتل‏ (1)

و إن مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن # بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل

و ما ذاك إلا بسطة عن تفضل # عليهم و كان الأفضل المتفضل.

و قال بعضهم لابنه يا بني عود نفسك الأثرة و مجاهدة الهوى و الشهوة و لا تنهش نهش السباع و لا تقضم قضم البراذين و لا تدمن الأكل إدمان النعاج و لا تلقم لقم الجمال إن الله جعلك إنسانا فلا تجعل نفسك بهيمة و لا سبعا و احذر سرعة الكظة و داء البطنة فقد قال الحكيم إذا كنت بطنا فعد نفسك من الزمنى‏ (2) .

و قال الأعشى

و البطنة يوما تسفه الأحلاما (3) .

و اعلم أن الشبع داعية البشم و البشم داعية السقم و السقم داعية الموت و من مات هذه الميتة فقد مات موتة لئيمة و هو مع هذا قاتل نفسه و قاتل نفسه ألوم من قاتل غيره يا بني و الله ما أدى حق السجود و الركوع ذو كظة و لا خشع لله ذو بطنة و الصوم مصحة و لربما طالت أعمار الهند و صحت أبدان العرب و لله در الحارث بن كلدة حيث زعم أن الدواء هو الأزم و أن الداء إدخال الطعام في أثر الطعام يا بني لم صفت أذهان الأعراب و صحت أذهان الرهبان مع طول الإقامة في الصوامع حتى لم تعرف وجع المفاصل و لا الأورام إلا لقلة الرزء و وقاحة الأكل و كيف لا ترغب في تدبير يجمع لك بين صحة البدن و ذكاء الذهن و صلاح المعاد

____________

(1) لامية العرب 27.

(2) الزمنى: المرضى عن كبر و هرم.

(3) ديوانه 247، و البيت بتمامه:

يا بنى المنذر بن عبد اللّه و البطنة يوما قد تأفن الأحلاما.

186

و القرب و عيش الملائكة يا بني لم صار الضب أطول شي‏ء ذماء إلا لأنه يتبلغ بالنسيم و لم زعم 14رسول الله ص أن الصوم وجاء إلا ليجعله حجابا دون الشهوات فافهم تأديب الله و 14رسوله فإنهما لا يقصدان إلا مثلك يا بني إني قد بلغت تسعين عاما ما نقص لي سن و لا انتشر لي عصب و لا عرفت دنين أنف و لا سيلان عين و لا تقطير بول ما لذلك علة إلا التخفيف من الزاد فإن كنت تحب الحياة فهذه سبيل الحياة و إن كنت تريد الموت فلا يبعد الله إلا من ظلم .

و كان يقال البطنة تذهب الفطنة .

و قال عمرو بن العاص لأصحابه يوم حكم الحكمان أكثروا لأبي موسى من الطعام الطيب فو الله ما بطن قوم قط إلا فقدوا عقولهم أو بعضها و ما مضى عزم رجل بات بطينا .

و كان يقال أقلل طعاما تحمد مناما ـ و دعا عبد الملك بن مروان رجلا إلى الغداء فقال ما في فضل فقال إني أحب الرجل يأكل حتى لا يكون فيه فضل فقال يا أمير المؤمنين عندي مستزاد و لكني أكره أن أصير إلى الحال التي استقبحها أمير المؤمنين .

و كان يقال مسكين ابن آدم أسير الجوع صريع الشبع .

و سأل عبد الملك أبا الزعيرعة فقال هل أتخمت قط قال لا قال و كيف قال لأنا إذا طبخنا أنضجنا و إذا مضغنا دققنا و لا نكظ المعدة و لا نخليها .

و كان يقال من المروءة أن يترك الإنسان الطعام و هو بعد يشتهيه .

و قال الشاعر

فإن قراب البطن يكفيك ملؤه # و يكفيك سوآت الأمور اجتنابها.

و قال عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي كان عمي يقول لي لا تخرج يا بني من منزلك‏

187

حتى تأخذ حلمك يعني تتغذى فإذا أخذت حلمك فلا تزدد إليه حلما فإن الكثرة تئول إلى قلة

14- و في الحديث المرفوع ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطن بحسب الرجل من طعامه ما أقام صلبه و أما إذا أبيت فثلث طعام و ثلث شراب و ثلث نفس.

14- و روى حذيفة عن 14النبي ص من قل طعمه صح بطنه و صفا قلبه و من كثر طعمه سقم بطنه و قسا قلبه.

14- و 14عنه ص لا تميتوا القلوب بكثرة الطعام و الشراب فإن القلب يموت بهما كالزرع يموت إذا أكثر عليه الماء.

14- و روى عون بن أبي جحيفة عن أبيه قال أكلت يوما ثريدا و لحما سمينا ثم أتيت 14رسول الله و أنا أتجشأ فقال احبس جشأك أبا جحيفة إن أكثركم شبعا في الدنيا أكثركم جوعا في الآخرة قال فما أكل أبو جحيفة بعدها مل‏ء بطنه إلى أن قبضه الله .

1- أكل 1علي ع قليلا من تمر دقل‏ (1) و شرب عليه ماء و أمر يده على بطنه و قال من أدخله بطنه النار فأبعده الله ثم تمثل‏

فإنك مهما تعط بطنك سؤله # و فرجك نالا منتهى الذم أجمعا

.

1- و كان ع يفطر في رمضان الذي قتل فيه عند 2الحسن ليلة و عند 3الحسين ليلة و عند عبد الله بن جعفر ليلة لا يزيد على اللقمتين أو الثلاث فيقال له فيقول إنما هي ليال قلائل حتى يأتي أمر الله و أنا خميص البطن فضربه ابن ملجم لعنه الله تلك الليلة .

و قال الحسن لقد أدركت أقواما ما يأكل أحدهم إلا في ناحية بطنه ما شبع رجل منهم من طعام حتى فارق الدنيا كان يأكل فإذا قارب الشبع أمسك .

و أنشد المبرد

____________

(1) النمر الدقل: أردأ التمر.

188

فإن امتلاء البطن في حسب الفتى # قليل الغناء و هو في الجسم صالح.

و

16- قال عيسى ع يا بني إسرائيل لا تكثروا الأكل فإنه من أكثر من الأكل أكثر من النوم و من أكثر النوم أقل الصلاة و من أقل الصلاة كتب من الغافلين.

16- و قيل ليوسف ع ما لك لا تشبع و في يديك خزائن مصر قال إني إذا شبعت نسيت الجائعين .

و قال الشاعر

و أكلة أوقعت في الهلك صاحبها # كحبة القمح دقت عنق عصفور

لكسرة بجريش الملح آكلها # ألذ من تمرة تحشى بزنبور.

و وصف لسابور ذي الأكتاف رجل من إصطخر للقضاء فاستقدمه فدعاه إلى الطعام فأخذ الملك دجاجة من بين يديه فنصفها و جعل نصفها بين يدي ذلك الرجل فأتى عليه قبل أن يفرغ الملك من أكل النصف الآخر فصرفه إلى بلده و قال إن سلفنا كانوا يقولون من شره إلى طعام الملك كان إلى أموال الرعية أشره .

قيل لسميرة بن حبيب إن ابنك أكل طعاما فأتخم و كاد يموت فقال و الله لو مات منه ما صليت عليه

14- أنس يرفعه إن من السرف أن تأكل كل ما اشتهيت.

دخل عمر على عاصم ابنه و هو يأكل لحما فقال ما هذا قال قرمنا إليه قال أ و كلما قرمت إلى اللحم أكلته كفى بالمرء شرها أن يأكل كل ما يشتهي .

14- أبو سعيد يرفعه استعينوا بالله من الرعب.

قالوا هو الشره و يقال الرعب شؤم

14- أنس يرفعه أصل كل داء البردة.

قالوا هي التخمة و قال أبو دريد العرب تعير بكثرة الأكل و أنشد

لست بأكال كأكل العبد # و لا بنوام كنوم الفهد.

189

و قال الشاعر

إذا لم أزر إلا لآكل أكلة # فلا رفعت كفي إلي طعامي

فما أكلة إن نلتها بغنيمة # و لا جوعة إن جعتها بغرام.

14- ابن عباس كان 14رسول الله ص يبيت طاويا ليالي ما له و لأهله عشاء و كان عامة طعامه الشعير .

14- و قالت عائشة و الذي بعث 14محمدا بالحق ما كان لنا منخل و لا أكل 14رسول الله ص خبزا منخولا منذ بعثه الله إلى أن قبض قالوا فكيف كنتم تأكلون دقيق الشعير قالت كنا نقول أف أف .

14- أنس ما أكل 14رسول الله ص رغيفا محورا إلى أن لقي ربه عز و جل .

14- أبو هريرة ما شبع 14رسول الله ص و أهله ثلاثة أيام متوالية من خبز حنطة حتى فارق الدنيا .

14- و روى مسروق قال دخلت على عائشة و هي تبكي فقلت ما يبكيك قالت ما أشاء أن أبكي إلا بكيت مات 14رسول الله ص و لم يشبع من خبز البر في يوم مرتين ثم انهارت علينا الدنيا .

حاتم الطائي

و إني لأستحيي صحابي أن يروا # مكان يدي من جانب الزاد أقرعا (1)

أقصر كفي أن تنال أكفهم # إذا نحن أهوينا و حاجاتنا معا

أبيت خميص البطن مضطمر الحشا # حياء أخاف الضيم أن أتضلعا

____________

(1) ديوانه 115.

190

فإنك إن أعطيت نفسك سؤلها # و فرجك نالا منتهى الذم أجمعا.

فأما قوله ع‏ كان لا يتشهى ما لا يجد فإنه قد نهى أن يتشهى الإنسان ما لا يجد و قالوا إنه دليل على سقوط المروءة .

و قال الأحنف جنبوا مجالسنا ذكر تشهي الأطعمة و حديث النكاح .

و قال الجاحظ جلسنا في دار فجعلنا نتشهى الأطعمة فقال واحد و أنا أشتهي سكباجا كثيرة الزعفران و قال آخر أنا أشتهي طباهجة ناشفة و قال آخر أنا أشتهي هريسة كثيرة الدارصيني و إلى جانبنا امرأة بيننا و بينها بئر الدار فضربت الحائط و قالت أنا حامل فأعطوني مل‏ء هذه الغضارة من طبيخكم فقال ثمامة جارتنا تشم رائحة الأماني‏

191

*3296* 296 و من كلامه ع في توعد الله تعالى على معصيته و آثاره‏

وَ قَالَ ع لَوْ لَمْ يَتَوَعَّدِ اَللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى مَعْصِيَتِهِ لَكَانَ يَجِبُ أَلاَّ يُعْصَى شُكْراً لِنِعَمِهِ (1) -. قالت المعتزلة إنا لو قدرنا أن الوعيد السمعي لم يرد لما أخل ذلك بكون الواجب واجبا في العقل نحو العدل و الصدق و العلم و رد الوديعة هذا في جانب الإثبات و أما في جانب السلب فيجب في العقل ألا يظلم و ألا يكذب و ألا يجهل و ألا يخون الأمانة ثم اختلفوا فيما بينهم فقالت معتزلة بغداد ليس الثواب واجبا على الله تعالى بالعقل لأن الواجبات إنما تجب على المكلف لأن أداءها كالشكر لله تعالى و شكر المنعم واجب لأنه شكر منعم فلم يبق وجه يقتضي وجوب الثواب على الله سبحانه و هذا قريب من قول 1أمير المؤمنين ع .

و قال البصريون بل الثواب واجب على الله تعالى عقلا كما يجب عليه العوض عن إيلام الحي لأن التكليف إلزام بما فيه مضرة كما أن الإيلام إنزال مضرة و الإلزام كالإنزال

192

*3297* 297 و من كلامه ع في تعزيته الأشعث بابنه‏

وَ قَالَ ع لِلْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ وَ قَدْ عَزَّاهُ عَنِ اِبْنٍ لَهُ وَ قَدْ عَزَّى اَلْأَشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ عَنِ اِبْنٍ لَهُ يَا أَشْعَثُ إِنْ تَحْزَنْ عَلَى اِبْنِكَ فَقَدِ اِسْتَحَقَّتْ ذَلِكَ مِنْكَ مِنْكَ ذَلِكَ اَلرَّحِمُ وَ إِنْ تَصْبِرْ فَفِي اَللَّهِ مِنْ كُلِّ مُصِيبَةٍ خَلَفٌ يَا أَشْعَثُ إِنْ صَبَرْتَ جَرَى عَلَيْكَ اَلْقَدَرُ وَ أَنْتَ مَأْجُورٌ وَ إِنْ جَزِعْتَ جَرَى عَلَيْكَ اَلْقَدَرُ وَ أَنْتَ مَأْزُورٌ يَا أَشْعَثُ اِبْنُكَ سَرَّكَ وَ هُوَ بَلاَءٌ وَ فِتْنَةٌ وَ حَزَنَكَ وَ هُوَ ثَوَابٌ وَ رَحْمَةٌ (1) -. قد روي هذا الكلام عنه ع على وجوه مختلفة و روايات متنوعة هذا الوجه أحدها و أخذ أبو العتاهية ألفاظه ع فقال لمن يعزيه عن ولد

و لا بد من جريان القضاء # إما مثابا و إما أثيما.

و من كلامهم في التعازي إذا استأثر الله بشي‏ء فاله عنه و تنسب هذه الكلمة إلى عمر بن عبد العزيز .

و ذكر أبو العباس في الكامل أن عقبة بن عياض بن تميم أحد بني عامر بن لؤي استشهد فعزى أباه معز فقال احتسبه و لا تجزع عليه فقد مات شهيدا فقال عياض أ تراني كنت أسر به و هو من زينة الحياة الدنيا و أساء به و هو من الباقيات الصالحات .

193

و هذا الكلام مأخوذ من كلام 1أمير المؤمنين ع .

و من التعازي الجيدة قول القائل‏

و من لم يزل غرضا للمنون # يتركه كل يوم عميدا (1)

فإن هن أخطأنه مرة # فيوشك مخطئها أن يعودا

فبينا يحيد و أخطأنه # قصدن فأعجلنه أن يحيدا.

و قال آخر

هو الدهر قد جربته و عرفته # فصبرا على مكروهه و تجلدا

و ما الناس إلا سابق ثم لاحق # و فائت موت سوف يلحقه غدا.

و قال آخر

أينا قدمت صروف الليالي # فالذي أخرت سريع اللحاق

غدرات الأيام منتزعات # عنقينا من أنس هذا العناق‏ (2) .

ابن نباتة السعدي

نعلل بالدواء إذا مرضنا # و هل يشفي من الموت الدواء

و نختار الطبيب و هل طبيب # يؤخر ما يقدمه القضاء

و ما أنفاسنا إلا حساب # و ما حركاتنا إلا فناء.

البحتري

إن الرزية في الفقيد فإن هفا # جزع بلبك فالرزية فيكا (3)

و متى وجدت الناس إلا تاركا # لحميمه في الترب أو متروكا

لو ينجلي لك ذخرها من نكبة # جلل لأضحكك الذي يبكيكا.

____________

(1) رجل عميد: هده العشق.

(2) حاشية ب: قوله: «عنقينا» التثنية باعتبار التقدّم و التأخر.

(3) ديوانه 2: 153، من رثائه لمحمّد بن وهب.

194

و كتب بعضهم إلى صديق له مات ابنه كيف شكرك لله تعالى على ما أخذ من وديعته و عوض من مثوبته .

و عزى عمر بن الخطاب أبا بكر عن طفل فقال عوضك الله منه ما عوضه منك فإن الطفل يعوض من أبويه الجنة .

و

14- في الحديث المرفوع من عزى مصابا كان له مثل أجره.

14- و 14قال ع من كنوز السر كتمان المصائب و كتمان الأمراض و كتمان الصدقة.

و قال شاعر في رثاء ولده‏

و سميته يحيى ليحيا و لم يكن # إلى رد أمر الله فيه سبيل

تخيرت فيه الفأل حين رزقته # و لم أدر أن الفأل فيه يفيل.

و قال آخر

و هون وجدي بعد فقدك أنني # إذا شئت لاقيت امرأ مات صاحبه.

آخر

و قد كنت أرجو لو تمليت عيشة # عليك الليالي مرها و انتقالها

فأما و قد أصبحت في قبضة الردى # فقل لليالي فلتصب من بدا لها

أخذه المتنبئ فقال‏

قد كنت أشفق من دمعي على بصري # فاليوم كل عزيز بعدكم هانا (1)

و مثله لغيره‏

فراقك كنت أخشى فافترقنا # فمن فارقت بعدك لا أبالي‏

____________

(1) ديوانه 4: 222.

195

*3298* 298 و من كلامه ع في وقوفه على قبر رسول الله ص ساعة دفنه‏

وَ قَالَ ع عِنْدَ وقُوُفِهِ عَلَى قَبْرِ 14رَسُولِ اَللَّهِ ص سَاعَةَ دَفْنِهِ دُفِنَ 14رَسُولُ اَللَّهِ ص إِنَّ اَلصَّبْرَ لَجَمِيلٌ إِلاَّ عَنْكَ وَ إِنَّ اَلْجَزَعَ لَقَبِيحٌ إِلاَّ عَلَيْكَ وَ إِنَّ اَلْمُصَابَ بِكَ لَجَلِيلٌ وَ إِنَّهُ قَبْلَكَ وَ بَعْدَكَ لَجَلَلٌ لَقَلِيلٌ (1) - . قد أخذت هذا المعنى الشعراء فقال بعضهم‏

أمست بجفني للدموع كلوم # حزنا عليك و في الخدود رسوم‏ (1)

و الصبر يحمد في المواطن كلها # إلا عليك فإنه مذموم‏

و قال أبو تمام

و قد كان يدعى لابس الصبر حازما # فقد صار يدعى حازما حين يجزع‏ (2)

و قال أبو الطيب

أجد الجفاء على سواك مروءة # و الصبر إلا في نواك جميلا (3)

و قال أبو تمام أيضا

الصبر أجمل غير أن تلذذا # في الحب أولى أن يكون جميلا (4) .

____________

(1) الكامل: 2: 41، و نسبهما إلى محمّد بن عبد اللّه العتبى.

(2) ديوانه 333 (بشرح الخياط) ، التبيان 1: 246.

(3) ديوانه 3: 233.

(4) ديوانه 242 (بشرح الخياط) .

196

و قالت خنساء أخت عمرو بن الشريد

أ لا يا صخر إن أبكيت عيني # لقد أضحكتني دهرا طويلا

بكيتك في نساء معولات # و كنت أحق من أبدى العويلا

دفعت بك الجليل و أنت حي # فمن ذا يدفع الخطب الجليلا

إذا قبح البكاء على قتيل # رأيت بكاءك الحسن الجميلا (1) .

و مثل قوله ع و إنه بعدك لقليل يعني المصاب أي لا مبالاة بالمصائب بعد المصيبة بك قول بعضهم‏

قد قلت للموت حين نازله # و الموت مقدامة على البهم

اذهب بمن شئت إذ ظفرت به # ما بعد يحيى للموت من ألم.

و قال الشمردل اليربوعي يرثي أخاه‏

إذا ما أتى يوم من الدهر بيننا # فحياك عنا شرقه و أصائله‏ (2)

أبى الصبر أن العين بعدك لم تزل # يحالف جفنيها قذى ما تزايله

و كنت أعير الدمع قبلك من بكى # فأنت على من مات بعدك شاغله

أ عيني إذ أبكاكما الدهر فابكيا # لمن نصره قد بان عنا و نائله

و كنت به أغشى القتال فعزني # عليه من المقدار من لا أقاتله

لعمرك إن الموت منا لمولع # بمن كان يرجى نفعه و فواضله‏

قوله فأنت على من مات بعدك شاغله هو المعنى الذي نحن فيه-و ذكرنا سائر الأبيات لأنها فائقة بعيدة النظير .

____________

(1) ديوانها 225.

(2) أمالي اليزيدى 32، 33.

197

و قال آخر يرثي رجلا اسمه جارية

أ جاري ما أزداد إلا صبابة # عليك و ما تزداد إلا تنائيا

أ جاري لو نفس فدت نفس ميت # فديتك مسرورا بنفسي و ماليا

و قد كنت أرجو أن أراك حقيقة # فحال قضاء الله دون قضائيا

ألا فليمت من شاء بعدك إنما # عليك من الأقدار كان حذاريا.

1- و من الشعر المنسوب إلى 1علي ع و يقال إنه قاله يوم مات 14رسول الله ص

كنت السواد لناظري # فبكى عليك الناظر

من شاء بعدك فليمت # فعليك كنت أحاذر.

و من شعر الحماسة

سأبكيك ما فاضت دموعي فإن تغض # فحسبك مني ما تجن الجوانح

كأن لم يمت حي سواك و لم تقم # على أحد إلا عليك النوائح

لئن حسنت فيك المراثي بوصفها # لقد حسنت من قبل فيك المدائح

فما أنا من رزء و إن جل جازع # و لا بسرور بعد موتك فارح‏

198

*3299* 299 و من كلامه ع في النهي عن مصاحبة المائق الأحمق‏

وَ قَالَ ع لاَ تَصْحَبِ اَلْمَائِقَ فَإِنَّهُ يُزَيِّنُ لَكَ فِعْلَهُ وَ يَوَدُّ أَنْ تَكُونَ مِثْلَهُ (1) -. المائق‏ الشديد الحمق و الموق شدة الحمق و إنما يزين لك فعله لأنه يعتقد فعله صوابا بحمقه فيزينه لك كما يزين العاقل لصاحبه فعله لاعتقاد كونه صوابا و لكن هذا صواب في نفس الأمر و ذلك صواب في اعتقاد المائق لا في نفس الأمر و أما كونه يود أن تكون مثله فليس معناه أنه يود أن تكون أحمق مثله و كيف و هو لا يعلم من نفسه أنه أحمق و لو علم أنه أحمق لما كان أحمق و إنما معناه أنه لحبه لك و صحبته إياك يود أن تكون مثله لأن كل أحد يود أن يكون صديقه مثل نفسه في أخلاقه و أفعاله إذ كل أحد يعتقد صواب أفعاله و طهارة أخلاقه و لا يشعر بعيب نفسه لأنه يهوى نفسه فعيب نفسه مطوى مستور عن نفسه كما تخفى عن العاشق عيوب المعشوق‏

199

*3300* 300 و من كلامه ع في بيان المسافة ما بين المشرق و المغرب‏

وَ قَالَ ع وَ قَدْ سُئِلَ عَنْ مَسَافَةِ مَا بَيْنَ اَلْمَشْرِقِ وَ اَلْمَغْرِبِ فَقَالَ ع مَسِيرَةُ يَوْمٍ لِلشَّمْسِ (1) -. هكذا تقول العرب بينهما مسيرة يوم بالهاء و لا يقولون مسير يوم لأن المسير المصدر و المسيرة الاسم .

و هذا الجواب تسميه الحكماء جوابا إقناعيا لأن السائل أراد أن يذكر له كمية المسافة مفصلة نحو أن يقول بينهما ألف فرسخ أو أكثر أو أقل فعدل ع عن ذلك و أجابه بغيره و هو جواب صحيح لا ريب فيه لكنه غير شاف لغليل السائل و تحته غرض صحيح و ذلك لأنه سأله بحضور العامة تحت المنبر فلو قال له بينهما ألف فرسخ مثلا لكان للسائل أن يطالبه بالدلالة على ذلك و الدلالة على ذلك يشق حصولها على البديهة و لو حصلت لشق عليه أن يوصلها إلى فهم السائل و لو فهمها السائل لما فهمتها العامة الحاضرون و لصار فيها قول و خلاف و كانت تكون فتنة أو شبيها بالفتنة فعدل إلى جواب صحيح إجمالي أسكت السائل به و قنع به السامعون أيضا و استحسنوه و هذا من نتائج حكمته ع‏

200

*3301* 301 و من كلامه ع في ذكر أنواع الأصدقاء و الأعداء

وَ قَالَ ع أَصْدِقَاؤُكَ ثَلاَثَةٌ وَ أَعْدَاؤُكَ ثَلاَثَةٌ فَأَصْدِقَاؤُكَ صَدِيقُكَ وَ صَدِيقُ صَدِيقِكَ وَ عَدُوُّ عَدُوِّكَ وَ أَعْدَاؤُكَ عَدُوُّكَ وَ عَدُوُّ صَدِيقِكَ وَ صَدِيقُ عَدُوِّكَ (1) -. قد تقدم القول في هذا المعنى و الأصل في هذا أن صديقك جار مجرى نفسك فاحكم عليه بما تحكم به على نفسك و عدوك ضدك فاحكم عليه بما تحكم به على الضد فكما أن من عاداك عدو لك و كذلك من عادى صديقك عدو لك و كذلك من صادق صديقك فكأنما صادق نفسك فكان صديقا لك أيضا و أما عدو عدوك فضد ضدك و ضد ضدك ملائم لك لأنك أنت ضد لذلك الضد فقد اشتركتما في ضديه ذلك الشخص فكنتما متناسبين و أما من صادق عدوك فقد ماثل ضدك فكان ضدا لك أيضا و مثل ذلك بياض مخصوص يعادي سوادا مخصوصا و يضاده .

و هناك بياض ثان هو مثل البياض الأول و صديقه و هناك بياض ثالث مثل البياض الثاني فيكون أيضا مثل البياض الأول و صديقه و هناك بياض‏

201

رابع تأخذه باعتبار ضدا للسواد المخصوص المفروض فإنه يكون مماثلا و صديقا للبياض الأول لأنه عدو عدوه ثم نفرض‏ (1) سوادا ثانيا مضادا للبياض الثاني فهو عدو للبياض الأول لأنه عدو صديقه ثم نفرض سوادا ثالثا هو مماثل السواد المخصوص المفروض فإنه يكون ضدا للبياض المفروض المخصوص لأنه مثل ضده و إن مثلت ذلك بالحروف كان أظهر و أكشف‏

____________

(1) ب: «نفض تحريف» .

غ

202

*3302* 302 و من كلامه ع في الساعي خلف عدو له‏

وَ قَالَ ع لِرَجُلٍ رَآهُ يَسْعَى عَلَى عَدُوٍّ لَهُ بِمَا فِيهِ إِضْرَارٌ بِنَفْسِهِ إِنَّمَا أَنْتَ كَالطَّاعِنِ نَفْسَهُ لِيَقْتُلَ رِدْفَهُ (1) -. هذا يختلف باختلاف حال الساعي فإنه إن كان يضر نفسه أولا ثم يضر عدوه تبعا لإضراره بنفسه كان كما قال 1أمير المؤمنين ع كالطاعن نفسه ليقتل ردفه‏ و الردف‏ الرجل الذي ترتدفه خلفك على فرس أو ناقة أو غيرهما و فاعل ذلك يكون أسفه الخلق و أقلهم عقلا لأنه يبدأ بقتل نفسه و إن كان يضر عدوه أولا يحصل في ضمن إضراره بعدوه إضراره بنفسه فليس يكون مثال 1أمير المؤمنين ع منطبقا على ذلك و لكن يكون كقولي في غزل من قصيدة لي‏

إن ترم قلبي تصم نفسك إنه # لك موطن تأوي إليه و منزل‏ (1)

____________

(1) تصمى أي تصيب.

203

*3303* 303 و من كلامه ع في العبر و الاعتبار

وَ قَالَ ع مَا أَكْثَرَ اَلْعِبَرَ وَ أَقَلَّ اَلاِعْتِبَارَ (1) -. ما أوجز هذه الكلمة و ما أعظم فائدتها و لا ريب أن العبر كثيرة جدا بل كل شي‏ء في الوجود ففيه عبرة و لا ريب أن المعتبرين بها قليلون و أن الناس قد غلب عليهم الجهل و الهوى و أرداهم حب الدنيا و أسكرهم خمرها و إن اليقين في الأصل ضعيف عندهم و لو لا ضعفه لكانت أحوالهم غير هذه الأحوال‏

204

*3304* 304 و من كلامه ع في النهي عن الجدل و الخصومة

وَ قَالَ ع مَنْ بَالَغَ فِي اَلْخُصُومَةِ أَثِمَ وَ مَنْ قَصَّرَ فِيهَا ظَلَمَ وَ لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَّقِيَ اَللَّهَ مَنْ خَاصَمَ (1) -. هذا مثل

1- 1قوله ع في موضع آخر الغالب بالشر مغلوب.

و كان يقال ما تساب اثنان إلا غلب ألأمهما .

و قد نهى العلماء عن الجدل و الخصومة في الكلام و الفقه و قالوا إنهما مظنة المباهاة و طلب الرئاسة و الغلبة و المجادل يكره أن يقهره خصمه فلا يستطيع أن يتقي الله و هذا هو كلام 1أمير المؤمنين ع بعينه .

و أما الخصومة في غير العلم كمنازعة الناس بعضهم بعضا في أمورهم الدنياوية فقد جاء في ذمها و النهي عنها شي‏ء كثير و قد ذكرنا منه فيما تقدم قولا كافيا على أن منهم من مدح الجهل و الشر في موضعهما .

و قال الأحنف ما قل سفهاء قوم إلا ذلوا .

و قال بعض الحكماء لا يخرجن أحد من بيته إلا و قد أخذ في حجزته قيراطين من جهل فإن الجاهل لا يدفعه إلا الجهل و قالوا الجاهل من لا جاهل له .

و قال الشاعر

إذا كنت بين الجهل و الحلم قاعدا # و خيرت أنى شئت فالعلم أفضل

و لكن إذا أنصفت من ليس منصفا # و لم يرض منك الحلم فالجهل أمثل

إذا جاءني من يطلب الجهل عامدا # فإني سأعطيه الذي هو سائل‏

205

*3305* 305 و من كلامه ع في فتح باب التوبة و التطريق إلى طريقها و التعليم للنهضة بها

وَ قَالَ ع مَا أَهَمَّنِي أَمْرٌ ذَنْبٌ أُمْهِلْتُ بَعْدَهُ حَتَّى أُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ وَ أَسْأَلَ اَللَّهَ اَلْعَافِيَةَ (1) -. هذا فتح لباب التوبة و تطريق إلى طريقها و تعليم للنهضة إليها و الاهتمام بها و معنى الكلام أن الذنب الذي لا يعاجل الإنسان عقيبه بالموت ينبغي للإنسان ألا يهتم به أي لا ينقطع رجاؤه عن العفو و تأميله الغفران و ذلك بأن يقوم إلى الصلاة عاجلا و يستغفر الله و يندم و يعزم على ترك المعاودة و يسأل الله العافية من الذنوب و العصمة من المعاصي و العون على الطاعة فإنه إذا فعل ذلك بنية صحيحة و استوفى شرائط التوبة سقط عنه عقاب ذلك الذنب .

و في هذا الكلام تحذير عظيم من مواقعة الذنوب لأنه إذا كان هذا هو محصول الكلام فكأنه قد قال الحذر الحذر من الموت المفاجئ قبل التوبة و لا ريب أن الإنسان ليس على ثقة من الموت المفاجئ قبل التوبة إنه لا يفاجئه و لا يأخذه بغتة فالإنسان إذا كان عاقلا بصيرا يتوقى الذنوب و المعاصي التوقي‏

206

*3306* 306 و من كلامه ع في كيفية حساب الله الخلائق يوم القيامة على كثرتهم‏

وَ سُئِلَ ع كَيْفَ يُحَاسِبُ اَللَّهُ اَلْخَلْقَ عَلَى كَثْرَتِهِمْ فَقَالَ ع كَمَا يَرْزُقُهُمْ عَلَى كَثْرَتِهِمْ فَقِيلَ كَيْفَ يُحَاسِبُهُمْ وَ لاَ يَرَوْنَهُ فَقَالَ ع كَمَا يَرْزُقُهُمْ وَ لاَ يَرَوْنَهُ (1) -. هذا جواب صحيح لأنه تعالى لا يرزقهم على الترتيب أعني واحدا بعد واحد و إنما يرزقهم جميعهم دفعة واحدة و كذلك تكون محاسبتهم يوم القيامة .

و الجواب الثاني صحيح أيضا لأنه إذا صح أن يرزقنا و لا نرى الرازق صح أن يحاسبنا و لا نرى المحاسب .

فإن قلت فقد ورد أنهم يمكثون في الحساب ألف سنة و قيل أكثر من ذلك فكيف يجمع بين ما ورد في الخبر و بين قولكم إن حسابهم يكون ضربة واحدة و لا ريب أن الأخبار تدل على أن الحساب يكون لواحد بعد واحد .

قلت إن أخبار الآحاد لا يعمل عليها لا سيما الأخبار الواردة في حديث الحساب و النار و الجنة فإن المحدثين طعنوا في أكثرها و قالوا إنها موضوعة و جملة الأمر أنه ليس هناك تكليف فيقال إن ترتيب المحاسبة في زمان طويل جدا يتضمن لطفا في التكليف فيفعله الباري تعالى لذلك و إنما الغرض من المحاسبة صدق الوعد و ما سبق من القول و الكتاب العزيز لم ينطق إلا بالمحاسبة مجملة فوجب القول بالمتيقن المعلوم فيها و رفض ما لم يثبت‏