شرح نهج البلاغة - ج19

- ابن ابي الحديد المزيد...
431 /
257

*3349* 349 و من كلامه ع في عموم النقص الناس إلا المعصومين و ذم السؤال تعنتا

وَ قَالَ ع اَلْأَقَاوِيلُ مَحْفُوظَةٌ وَ اَلسَّرَائِرُ مَبْلُوَّةٌ وَ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ وَ اَلنَّاسُ مَنْقُوصُونَ مَدْخُولُونَ إِلاَّ مَنْ عَصَمَ اَللَّهُ سَائِلُهُمْ مُتَعَنِّتٌ وَ مُجِيبُهُمْ مُتَكَلِّفٌ يَكَادُ أَفْضَلُهُمْ رَأْياً يَرُدُّهُ عَنْ فَضْلِ رَأْيِهِ اَلرِّضَا اَلرِّضَى وَ اَلسُّخْطُ وَ يَكَادُ أَصْلَبُهُمْ عُوداً تَنْكَؤُهُ اَللَّحْظَةُ وَ تَسْتَحِيلُهُ اَلْكَلِمَةُ اَلْوَاحِدَةُ (1) -. السرائر هاهنا ما أسر في القلوب من النيات و العقائد و غيرها و ما يخفى من أعمال الجوارح أيضا و بلاؤها تعرفها و تصفحها و التمييز بين ما طاب منها و ما خبث .

و قال عمر بن عبد العزيز للأحوص لما قال‏

ستبلى لها في مضمر القلب و الحشا # سريرة حب‏ يَوْمَ تُبْلَى اَلسَّرََائِرُ

إنك يومئذ عنها لمشغول (2) - .

ذكر ع الناس فقال قد عمهم النقص إلا المعصومين ثم قال سائلهم يسأل تعنتا و السؤال على هذا الوجه مذموم و مجيبهم متكلف للجواب و أفضلهم رأيا يكاد رضاه تارة و سخطه أخرى يرده عن فضل رأيه‏ أي يتبعون الهوى‏

258

و يكاد أصلبهم عودا أي أشدهم احتمالا .

و تنكؤه اللحظة نكأت القرحة إذا صدمتها بشي‏ء فتقشرها .

قال‏ و تستحيله الكلمة الواحدة أي تحيله و تغيره عن مقتضى طبعه يصفهم بسرعة التقلب و التلون و أنهم مطيعون دواعي الشهوة و الغضب و استفعل بمعنى فعل قد جاء كثيرا استغلظ العسل أي غلظ

259

*3350* 350 و من كلامه ع في أن الآمال التي لا تبلغ لا تحصى و لا نهاية لها

وَ قَالَ ع : مَعَاشِرَ اَلنَّاسِ اِتَّقُوا اَللَّهَ وَ قَالَ ع فَكَمْ مِنْ مُؤَمِّلٍ مَا لاَ يَبْلُغُهُ وَ بَانٍ مَا لاَ يَسْكُنُهُ وَ جَامِعٍ مَا سَوْفَ يَتْرُكُهُ وَ لَعَلَّهُ مِنْ بَاطِلٍ جَمَعَهُ وَ مِنْ حَقٍّ مَنَعَهُ أَصَابَهُ حَرَاماً وَ اِحْتَمَلَ بِهِ آثَاماً فَبَاءَ بِوِزْرِهِ وَ قَدِمَ عَلَى رَبِّهِ آسِفاً لاَهِفاً قَدْ خَسِرَ اَلدُّنْيََا وَ اَلْآخِرَةَ ذََلِكَ هُوَ اَلْخُسْرََانُ اَلْمُبِينُ (1) - . قد تقدم شرح هذه المعاني و الكلام عليها أما الآمال التي لا تبلغ فأكثر من أن تحصى بل لا نهاية لها .

و ما أحسن قول القائل‏

وا حسرتى مات حظي من وصالكم # و للحظوظ كما للناس آجال

إن مت شوقا و لم أبلغ مدى أملي # كم تحت هذي القبور الخرس آمال‏

و أما بناء ما لا يسكن فنحو ذلك و قال الشاعر

أ لم تر حوشبا بالأمس يبني # بناء نفعه لبني نفيله

يؤمل أن يعمر عمر نوح # و أمر الله يطرق كل ليله‏

و أما جامع ما سوف يتركه فأكثر الناس قال الشاعر

و ذي إبل يسعى و يحسبها له # أخو تعب في رعيها و دءوب

غدت و غدا رب سواه يسوقها # و بدل أحجارا و جال قليب‏

260

*3351* 351 و من كلامه ع في بيان معنى العصمة التي تعذر المعاصي‏

وَ قَالَ ع مِنَ اَلْعِصْمَةِ تَعَذُّرُ اَلْمَعَاصِي (1) -. قد وردت هذه الكلمة على صيغ مختلفة من العصمة ألا تقدر و أيضا من العصمة ألا تجد و قد رويت مرفوعة أيضا .

و ليس المراد بالعصمة هاهنا العصمة التي ذكرها المتكلمون لأن العصمة عند المتكلمين من شرطها القدرة و حقيقتها راجعة إلى لطف يمنع القادر على المعصية من المعصية و إنما المراد أن غير القادر في اندفاع العقوبة عنه كالقادر الذي لا يفعل‏

261

*3352* 352 و من كلامه ع في تقطير ماء الوجه بالسؤال‏

وَ قَالَ ع مَاءُ وَجْهِكَ جَامِدٌ يُقْطِرُهُ اَلسُّؤَالُ فَانْظُرْ عِنْدَ مَنْ تُقْطِرُهُ (1) -. هذا حسن و قد أخذه شاعر فقال‏

إذا أظمأتك أكف اللئام # كفتك القناعة شبعا و ريا

فكن رجلا رجله في الثرى # و هامة همته في الثريا

فإن إراقة ماء الحياة # دون إراقة ماء المحيا

و قال آخر

رددت لي ماء وجهي في صفيحته # رد الصقال بهاء الصارم الجذم

و ما أبالي و خير القول أصدقه # حقنت لي ماء وجهي أو حقنت دمي.

و قال مصعب بن الزبير إني لأستحيي من رجل وجه إلي رغبته فبات ليلته يتململ و يتقلقل على فراشه ينتظر الصبح قد جعلني أهلا لأن يقطر ماء وجهه لدي إن أرده خائبا .

و قال آخر

ما ماء كفيك إن أرسلت مزنته # من ماء وجهي إذا استقطرته عوض‏

262

*3353* 353 و من كلامه ع في الثناء المفرط في وجه الإنسان‏

وَ قَالَ ع اَلثَّنَاءُ بِأَكْثَرَ مِنَ اَلاِسْتِحْقَاقِ مَلَقٌ وَ اَلتَّقْصِيرُ عَنِ اَلاِسْتِحْقَاقِ عِيٌّ أَوْ حَسَدٌ (1) -. كانوا يكرهون أن يثنى الشاعر في شعره على الممدوح الثناء المفرط و يقولون خير المدح ما قارب فيه الشاعر و اقتصد و هذا هو المذهب الصحيح و إن كان قوم يقولون إن خير الشعر المنظوم في المدح ما كان أشد مغالاة و أكثر تبجيلا و تعظيما و وصفا و نعتا .

و ينبغي أن يكون قوله ع محمولا على الثناء في وجه الإنسان لأنه هو الموصوف بالملق إذا أفرط فأما من يثنى بظهر الغيب فلا يوصف ثناؤه بالملق سواء كان مقتصدا أو مسرفا .

و قوله ع‏ و التقصير عن الاستحقاق عي أو حسد لا مزيد عليه في الحسن لأنه إذا قصر به عن استحقاقه كان المانع إما من جانب المثني فقط من غير تعلق له بالمثنى عليه أو مع تعلق به فالأول هو العي و الحصر و الثاني هو الحسد و المنافسة

263

*3354* 354 و من كلامه ع في بيان أشد الذنوب‏

وَ قَالَ ع أَشَدُّ اَلذُّنُوبِ مَا اِسْتَهَانَ بِهِ صَاحِبُهَا صَاحِبُهُ (1) - . قد ذكرنا هذا فيما تقدم و ذكرنا العلة فيه و هي أن فاعل ذلك الذنب قد جمع بين فعل الذنب و فعل ذنب آخر و هو الاستهانة بما لا يستهان به لأن المعاصي لا هين فيها و الصغير منها كبير و الحقير منها عظيم و ذلك لجلالة شأن المعصي سبحانه .

فأما من يذنب و يستعظم ما أتاه فحاله أخف من حال الأول لأنه يكاد يكون نادما (1)

____________

(1) بعدها في ا: «على ما فعل» .

264

*3355* 355 و من كلامه ع في مكارم الأخلاق‏

وَ قَالَ ع مَنْ نَظَرَ فِي عَيْبِ نَفْسِهِ اِشْتَغَلَ عَنْ عَيْبِ غَيْرِهِ وَ مَنْ رَضِيَ بِرِزْقِ اَللَّهِ لَمْ يَحْزَنْ عَلَى مَا فَاتَهُ وَ مَنْ سَلَّ سَيْفَ اَلْبَغْيِ قُتِلَ بِهِ وَ مَنْ كَابَدَ اَلْأُمُورَ عَطِبَ وَ مَنِ اِقْتَحَمَ اَللُّجَجَ غَرِقَ وَ مَنْ دَخَلَ مَدَاخِلَ اَلسُّوءِ اُتُّهِمَ وَ مَنْ كَثُرَ كَلاَمُهُ كَثُرَ خَطَؤُهُ وَ مَنْ كَثُرَ خَطَؤُهُ قَلَّ حَيَاؤُهُ وَ مَنْ قَلَّ حَيَاؤُهُ قَلَّ وَرَعُهُ وَ مَنْ قَلَّ وَرَعُهُ مَاتَ قَلْبُهُ وَ مَنْ مَاتَ قَلْبُهُ دَخَلَ اَلنَّارَ وَ مَنْ نَظَرَ فِي عُيُوبِ غَيْرِهِ فَأَنْكَرَهَا ثُمَّ رَضِيَهَا لِنَفْسِهِ فَذَلِكَ اَلْأَحْمَقُ بِعَيْنِهِ وَ اَلْقَنَاعَةُ مَالٌ لاَ يَنْفَدُ وَ مَنْ أَكْثَرَ مِنْ ذِكْرِ اَلْمَوْتِ رَضِيَ مِنَ اَلدُّنْيَا بِالْيَسِيرِ وَ مَنْ عَلِمَ أَنَّ كَلاَمَهُ مِنْ عَمَلِهِ قَلَّ كَلاَمُهُ إِلاَّ فِيمَا يَعْنِيهِ (1) -. كل هذه الفصول قد تقدم الكلام فيها و هي عشرة أولها من نظر في عيب نفسه اشتغل عن عيب غيره‏ كان يقال أصلح نفسك أولا ثم أصلح غيرك (2) - .

و ثانيها من رضي برزق الله لم يحزن على ما فاته‏ كان يقال الحزن على المنافع الدنيوية سم ترياقه الرضا بالقضاء (3) - ـ

265

و ثالثها من سل سيف البغي قتل به‏ كان يقال الباغي مصر وع و إن كثر جنوده (1) - .

و رابعها من كابد الأمور عطب و من اقتحم اللجج غرق‏ مثل هذا قول القائل‏

من حارب الأيام أصبح رمحه # قصدا و أصبح سيفه مفلولا (2) -.

و خامسها من دخل مداخل السوء اتهم‏ هذا مثل قولهم من عرض نفسه للشبهات فلا يلومن من أساء به الظن (3) - .

و سادسها من كثر كلامه‏ إلى قوله دخل النار قد تقدم القول في المنطق الزائد و ما فيه من المحذور و كان يقال قلما سلم مكثار أو أمن من عثار (4) - .

و سابعها من نظر في عيوب غيره فأنكرها ثم رضيها لنفسه فذاك هو الأحمق بعينه‏ و كان يقال أجهل الناس من يرضى لنفسه بما يسخطه من غيره .

و ثامنها القناعة مال لا ينفد قد سبق القول في هذا و سيأتي أيضا (5) - .

و تاسعها من ذكر الموت رضي من الدنيا باليسير كان يقال إذا أحببت ألا تحسد أحدا فأكثر ذكر الموت و اعلم أنك و من تحسده عن قليل من عديد الهلكى (6) - .

و عاشرها من علم أن كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه‏ لا ريب أن الكلام عمل من الأعمال و فعل من الأفعال فكما يستهجن من الإنسان ألا يزال يحرك يده و إن كان عابثا كذلك يستهجن ألا يزال يحرك لسانه فيما هو عبث أو يجري مجرى العبث .

و قال الشاعر

يخوض أناس في الكلام ليوجزوا # و للصمت في بعض الأحايين أوجز

إذا كنت عن أن تحسن الصمت عاجزا # فأنت عن الإبلاغ في القول أعجز

266

*3356* 356 و من كلامه ع في بيان علامات الظالم‏

وَ قَالَ ع لِلظَّالِمِ مِنَ اَلرِّجَالِ ثَلاَثُ عَلاَمَاتٍ يَظْلِمُ مَنْ فَوْقَهُ بِالْمَعْصِيَةِ وَ مَنْ دُونَهُ بِالْغَلَبَةِ وَ يُظَاهِرُ اَلْقَوْمَ اَلظَّلَمَةَ (1) -. يمكن أن يفسر هذا الكلام على وجهين أحدهما أن كل من وجدت فيه إحدى هذه الثلاث فهو ظالم إما أن يكون قد وجبت عليه طاعة من فوقه فعصاه فهو بعصيانه ظالم له لأنه قد وضعه في غير موضعه و الظلم في أصل اللغة هو هذا المعنى و لذلك سموا اللبن يشرب قبل أن يبلغ الروب مظلوما لأن الشرب منه كان في غير موضعه إذا لم يرب و لم يخرج زبده فكذلك من عصى من فوقه فقد زحزحه عن مقامه إذ لم يطعه و إما أن يكون قد قهر من دونه و غلبه و إما أن يكون قد ظاهر الظلمة .

و الوجه الثاني أن كل ظالم فلا بد من اجتماع هذه العلامات الثلاث فيه و هذا هو الأظهر

267

*3357* 357 و من كلامه ع في الفرج بعد الشدة و اليسر بعد العسر

وَ قَالَ ع عِنْدَ تَنَاهِي اَلشِّدَّةِ تَكُونُ اَلْفَرْجَةُ وَ عِنْدَ تَضَايُقِ حَلَقِ اَلْبَلاَءِ يَكُونُ اَلرَّخَاءُ (1) -. كان يقال إذا اشتد المضيق اتسعت الطريق و كان يقال توقعوا الفرج عند ارتتاج المخرج و قال الشاعر

إذا بلغ الحوادث منتهاها # فرج بعيدها الفرج المطلا

فكم كرب تولى إذ توالى # و كم خطب تجلى حين جلى.

و في الأثر تضايقي تنفرجي‏ سَيَجْعَلُ اَللََّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً .

و الفرجة بفتح الفاء التفصي من الهم قال الشاعر

ربما تجزع النفوس من الأمر # له فرجة كحل العقال‏ (1)

فأما الفرجة بالضم ففرجة الحائط و ما أشبهه‏

____________

(1) لأمية ابن أبي الصلت، و قبله:

لا تضيقنّ في الأمور فقد يكشف غماؤها بغير احتيال.

268

*3358* 358 و من كلامه ع في الأمر بالتفويض و التوكل على الله فيمن يخلفه الإنسان من ولده و أهله‏

وَ قَالَ ع لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ لاَ تَجْعَلَنَّ أَكْثَرَ شُغُلِكَ بِأَهْلِكَ وَ وَلَدِكَ فَإِنْ يَكُنْ أَهْلُكَ وَ وَلَدُكَ أَوْلِيَاءَ اَللَّهِ فَإِنَّ اَللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَوْلِيَاءَهُ وَ إِنْ يَكُونُوا أَعْدَاءَ اَللَّهِ فَمَا هَمُّكَ وَ شُغُلُكَ بِأَعْدَاءِ اَللَّهِ (1) -. قد تقدم القول نحو هذا المعنى و هو أمر بالتفويض و التوكل على الله تعالى فيمن يخلفه الإنسان من ولده و أهله فإن الله تعالى أعلم بالمصلحة و أرأف بالإنسان من أبيه و أمه ثم إن كان الولد في علم الله تعالى وليا من أولياء الله سبحانه فإن الله تعالى لا يضيعه قال سبحانه‏ وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اَللََّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ‏ (1) و كل ولي لله فهو متوكل عليه لا محالة و إن كان عدوا لله لم يجز الاهتمام له و الاعتناء بأمره لأن أعداء الله تجب مقاطعتهم و يحرم توليهم فعلى كل حال لا ينبغي للإنسان أن يحفل بأهله و ولده بعد موته .

و اعلم أن هذا كلام العارفين الصديقين لا كلام أهل هذه الطبقات التي نعرفها فإن هذه الطبقات تقصر أقدامهم عن الوصول إلى هذا المقام .

و يعجبني قول الشاعر

أيا جامع المال وفرته # لغيرك إذ لم تكن خالدا

فإن قلت أجمعه للبنين # فقد يسبق الولد الوالدا

و إن قلت أخشى صروف الزمان # فكن من تصاريفه واحدا

____________

(1) سورة الطلاق 3.

269

*3359* 359 و من كلامه ع في العيب على الغير و فيه مثله‏

وَ قَالَ ع أَكْبَرُ اَلْعَيْبِ أَنْ تَعِيبَ مَا فِيكَ مِثْلُهُ (1) -. قد تقدم هذا المعنى مرارا و قال الشاعر

إذا أنت عبت الأمر ثم أتيته # فأنت و من تزري عليه سواء

270

*3360* 360 و من كلامه ع في تحية الجاهلية

وَ هَنَّأَ بِحَضْرَتِهِ رَجُلٌ رَجُلاً آخَرَ بِغُلاَمٍ وُلِدَ لَهُ فَقَالَ لَهُ لِيَهْنِئْكَ اَلْفَارِسُ فَقَالَ ع لاَ تَقُلْ ذَلِكَ وَ لَكِنْ قُلْ شَكَرْتَ اَلْوَاهِبَ وَ بُورِكَ لَكَ فِي اَلْمَوْهُوبِ وَ بَلَغَ أَشُدَّهُ وَ رُزِقْتَ بِرَّهُ (1) -. هذه كلمة كانت من شعار الجاهلية فنهي عنها كما نهي عن تحية الجاهلية أبيت اللعن و جعل عوضها سلام عليكم .

و قال رجل للحسن البصري و قد بشره بغلام ليهنئك الفارس فقال بل الراجل ثم قال لا مرحبا بمن إن عاش كدني و إن مات هدني و إن كنت مقلا أنصبني و إن كنت غنيا أذهلني ثم لا أرضى بسعيي له سعيا و لا بكدي عليه في الحياة كدا حتى أشفق عليه بعد موتي من الفاقة و أنا في حال لا يصل إلي من فرحه سرور و لا من همه حزن‏

271

*3361* 361 و من كلامه ع في رجل من عماله بنى بناء فخما

وَ بَنَى رَجُلٌ مِنْ عُمَّالِهِ بِنَاءً فَخْماً فَقَالَ ع أَطْلَعَتِ اَلْوَرِقُ رُءُوسَهَا إِنَّ اَلْبِنَاءَ يَصِفُ لَكَ اَلْغِنَى (1) -. قد رويت هذه الكلمة عن عمر رضي الله عنه ذكر ذلك ابن قتيبة في عيون الأخبار .

و روي عنه أيضا لي على كل خائن أمينان الماء و الطين .

قال يحيى بن خالد لابنه جعفر حين اختط داره ببغداد ليبنيها هي قميصك فإن شئت فوسعه و إن شئت فضيقه .

و رآه و هو يجصص حيطان داره المبنية بالآجر فقال له إنك تغطي الذهب بالفضة فقال جعفر ليس في كل مكان يكون الذهب خيرا من الفضة و لكن هل ترى عيبا قال نعم مخالطتها دور السوقة .

و قيل ليزيد بن المهلب أ لا يبني الأمير دارا فقال منزلي دار الإمارة أو الحبس .

و كان يقال في الدار لتكن أول ما يبتاع و آخر ما تباع .

و مر رجل من الخوارج بآخر من أصحابهم و هو يبني دارا فقال من ذا الذي يقيم كفيلا و قالوا كل ما يخرج بخروجك و يرجع برجوعك كالدار و النخل و نحوهما فهو كفيل‏

272

*3362* 362 و من كلامه ع في إتيان الرزق من حيث إتيان الأجل‏

وَ قِيلَ لَهُ ع لَوْ سُدَّ عَلَى رَجُلٍ بَابُ بَيْتٍ وَ تُرِكَ فِيهِ مِنْ أَيْنَ كَانَ يَأْتِيهِ رِزْقُهُ فَقَالَ ع مِنْ حَيْثُ يَأْتِيهِ أَجَلُهُ (1) -. ليس يعني ع أن كل من يسد عليه باب بيت فإنه لا بد أن يرزقه الله تعالى لأن العيان و المشاهدة تقتضي خلاف ذلك و ما رأينا من سد عليه باب بيت مدة طويلة فعاش و لا ريب أن من شق أسطوانة و جعل فيها حيا ثم بنيت الأسطوانة عليه فإنه يموت مختنقا و لا يأتيه رزقه و لا حياته و لأن للحكماء أن يقولوا في الفرق بين الموضعين إن أجله إنما يأتيه لأن الأجل عدم الحياة و الحياة تعدم لعدم ما يوجبها و الذي يوجب استمرارها الغذاء فلما انقطع الغذاء حضر الأجل فهذا هو الوجه الذي يأتيه منه أجله و لا سبيل إلى ذكر مثله في حضور الرزق لمن يسد عليه الباب .

فإذا معنى كلامه ع أن الله تعالى إذا علم فيمن يجعل في دار و يسد عليه بابها أن في بقاء حياته لطفا لبعض المكلفين فإنه يجب على الله تعالى أن يديم حياته كما يشاء سبحانه إما بغذاء يقيم به مادة حياته أو

273

يديم حياته بغير سبب و هذا هو الوجه الذي منه يأتيه أجله أيضا لأن إماتة الله المكلف أمر تابع للمصلحة لأنه لا بد من انقطاع التكليف على كل حال للوجه الذي يذكره أصحابنا في كتبهم فإذا كان الموت تابعا للمصلحة و كان الإحياء تابعا للمصلحة فقد أتى الإنسان رزقه يعني حياته من حيث يأتيه أجله و انتظم الكلام

274

*3363* 363 و من كلامه ع في تعزيته قوما مات لهم ميت‏

وَ عَزَّى قَوْماً عَنْ مَيِّتٍ مَاتَ لَهُمْ فَقَالَ ع إِنَّ هَذَا اَلْأَمْرَ لَيْسَ بِكُمْ لَكُمْ بَدَأَ وَ لاَ إِلَيْكُمُ اِنْتَهَى وَ قَدْ كَانَ صَاحِبُكُمْ هَذَا يُسَافِرُ فَقَالُوا نَعَمْ- قَالَ فَعُدُّوهُ فِي بَعْضِ سَفَرَاتِهِ أَسْفَارِهِ فَإِنْ قَدِمَ عَلَيْكُمْ وَ إِلاَّ قَدِمْتُمْ عَلَيْهِ (1) -. قد ألم إبراهيم بن المهدي ببعض هذا في شعره الذي رثى به ولده فقال‏

يئوب إلى أوطانه كل غائب # و أحمد في الغياب ليس يئوب‏ (1)

تبدل دارا غير داري و جيرة # سواي و أحداث الزمان تنوب

أقام بها مستوطنا غير أنه # على طول أيام المقام غريب‏ (2)

و إني و إن قدمت قبلي لعالم # بأني و إن أبطأت عنك قريب

و إن صباحا نلتقي في مسائه # صباح إلى قلبي الغداة حبيب‏

____________

(1) من كلمة له في: الكامل 4: 23-25.

(2) بعده:

كأن لم يكن كالغصن في ميعة الضّحى # سقاه النّدى فاهتزّ و هو رطيب.

.

275

*3364* 364 و من كلامه ع في استدراج المترف الغني و اختبار الفقير الشقي‏

وَ قَالَ ع أَيُّهَا اَلنَّاسُ لِيَرَاكُمُ لِيَرَكُمُ اَللَّهُ مِنَ اَلنِّعْمَةِ وَجِلِينَ كَمَا يَرَاكُمْ مِنَ اَلنِّقْمَةِ فَرِقِينَ إِنَّهُ مَنْ وُسِّعَ عَلَيْهِ فِي ذَاتِ يَدِهِ فَلَمْ يَرَ ذَلِكَ اِسْتِدْرَاجاً فَقَدْ أَمِنَ مَخُوفاً وَ مَنْ ضُيِّقَ عَلَيْهِ فِي ذَاتِ يَدِهِ فَلَمْ يَرَ ذَلِكَ اِخْتِبَاراً فَقَدْ ضَيَّعَ مَأْمُولاً (1) -. قد تقدم القول في استدراج المترف الغني و اختبار الفقير الشقي و أنه يجب على الإنسان و إن كان مشمولا بالنعمة أن يكون وجلا (1) كما يجب عليه إذا كان فقيرا أن يكون شكورا صبورا

____________

(1) وجلا : خائفا.

276

*3365* 365 و من كلامه ع في الدنيا و الرغبة فيها

وَ قَالَ ع يَا أَسْرَى اَلرَّغْبَةِ اُقْصُرُوا أَقْصِرُوا فَإِنَّ اَلْمُعَرِّجَ عَلَى اَلدُّنْيَا لاَ يَرُوعُهُ مِنْهَا إِلاَّ صَرِيفُ أَنْيَابِ اَلْحِدْثَانِ أَيُّهَا اَلنَّاسُ تَوَلَّوْا عَنْ أَنْفُسِكُمْ تَأْدِيبَهَا وَ اِعْدِلُوا بِهَا عَنْ ضِرَايَةِ ضَرَاوَةِ عَادَاتِهَا (1) -. ضرى يضري ضراية مثل رمى يرمي رماية أي جرى و سال ذكره ابن الأعرابي و عليه ينبغي أن يحمل كلام 1أمير المؤمنين ع أي اعدلوا بها عن عاداتها الجارية من باب إضافة الصفة إلى الموصوف و هذا خير من تفسير الراوندي و قوله إنه من ضري الكلب بالصيد لأن المصدر من ذلك الضراوة بالواو و فتح الضاد و لم يأت فيه ضراية (2) - .

و قوله‏ يا أسرى الرغبة كلمة فصيحة و كذلك قوله‏ لا يروعه منها إلا صريف أنياب الحدثان و ذلك لأن الفهد إذا وثب و الذئب إذا حمل يصرف نابه و يقولون لكل خطب و داهية جاءت تصرف نابها و الصريف صوت الأسنان إما عند رعدة أو عند شدة الغضب و الحنق و الحرص على الانتقام أو نحو ذلك .

و قد تقدم الكلام في الدنيا و الرغبة فيها و غدرها و حوادثها و وجوب العدول عنها و كسر عادية عادات السوء المكتسبة فيها

277

*3366* 366 و من كلامه ع في حمل كلمة السوء على أحسن المحامل‏

وَ قَالَ ع لاَ تَظُنَّنَّ بِكَلِمَةٍ خَرَجَتْ مِنْ أَحَدٍ سُوءاً وَ أَنْتَ تَجِدُ لَهَا فِي اَلْخَيْرِ مُحْتَمَلاً (1) - (1) . هذه الكلمة يرويها كثير من الناس لعمر بن الخطاب و يرويها بعضهم 1لأمير المؤمنين ع و كان ثمامة يحدث بسؤدد يحيى بن خالد و ابنه جعفر و يقول إن الرشيد نكب علي بن عيسى بن ماهان‏ (2) و ألزمه مائة ألف دينار أدى منها خمسين ألفا و يلح بالباقي فأقسم الرشيد إن لم يؤد المال في بقية هذا اليوم و إلا قتله و كان علي بن عيسى عدوا للبرامكة مكاشفا فلما علم أنه مقتول سأل أن يمكن من السعي إلى الناس يستنجدهم ففسح له في ذلك فمضى و معه وكيل الرشيد و أعوانه إلى باب يحيى و جعفر فأشبلا عليه‏ (3) و صححا من صلب أموالهما خمسين ألف دينار في باقي نهار ذلك اليوم بديوان الرشيد باسم علي بن عيسى و استخلصاه فنقل بعض المتنصحين لهما إليهما أن علي بن عيسى قال في آخر نهار ذلك اليوم متمثلا

فما بقيا علي تركتماني # و لكن خفتما صرد النبال‏ (4)

____________

(1) في د «محلا» ؛ و هو يستقيم أيضا.

(2) ب: «هامان» تصحيف.

(3) أشبلا: عطفا.

(4) اللسان (صرد) ، و نسبه إلى المنقريّ يخاطب جريرا و الفرزدق. و صرد السهم: نفذ حده.

278

فقال يحيى للناقل إليه ذلك يا هذا إن المرعوب ليسبق لسانه إلى ما لم يخطر بقلبه .

و قال جعفر و من أين لنا أنه تمثل بذلك و عنانا و لعله أراد أمرا آخر فكان ثمامة يقول ما في الأرض أسود من رجل يتأول كلام عدوه فيه و يحمله على أحسن محامله .

و قال الشاعر

إذا ما أتت من صاحب لك زلة # فكن أنت محتالا لزلته عذرا (1)

____________

(1) لسام بن وابصة، من كلمة له في أمالي القالى 2: 224.

279

*3367* 367 و من كلامه ع في طلب الصلاة على النبي ص و آله قبل سؤال الحاجة من الله تعالى‏

وَ قَالَ ع إِذَا كَانَتْ لَكَ إِلَى اَللَّهِ سُبْحَانَهُ حَاجَةٌ فَابْدَأْ بِمَسْأَلَةِ اَلصَّلاَةِ عَلَى رَسُولِهِ ص ثُمَّ سَلْ حَاجَتَكَ فَإِنَّ اَللَّهَ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يُسْأَلَ حَاجَتَيْنِ فَيَقْضِيَ إِحْدَاهُمَا وَ يَمْنَعَ اَلْأُخْرَى (1) -. هذا الكلام على حسب الظاهر الذي يتعارفه الناس بينهم و هو ع يسلك هذا المسلك كثيرا و يخاطب الناس على قدر عقولهم و أما باطن الأمر فإن الله تعالى لا يصلي على 14النبي ص لأجل دعائنا إياه أن يصلي عليه لأن معنى قولنااللهم صل على 14محمد أي أكرمه و ارفع درجته و الله سبحانه قد قضى له بالإكرام التام و رفعة الدرجة من دون دعائنا و إنما تعبدنا نحن بأن نصلي عليه لأن لنا ثوابا في ذلك لا لأن إكرام الله تعالى له أمر يستعقبه و يستتبعه دعاؤنا .

و أيضا فأي غضاضة على الكريم إذا سئل حاجتين فقضى إحداهما دون الأخرى إن كان عليه في ذلك غضاضة فعليه في رد الحاجة الواحدة غضاضة أيضا

280

*3368* 368 و من كلامه ع في المراء

وَ قَالَ ع مَنْ ضَنَّ بِعِرْضِهِ فَلْيَدَعِ اَلْمِرَاءَ (1) -. قد تقدم من القول في المراء ما فيه كفاية و حد المراء الجدال المتصل لا يقصد به الحق .

و قيل لميمون بن مهران ما لك لا تفارق أخا لك عن قلى قال لأني لا أشاريه و لا أماريه .

و كان يقال ما ضل قوم بعد إذ هداهم الله [تعالى‏] (1) إلا بالمراء و الإصرار في الجدال على نصرة الباطل .

و قال سفيان الثوري إذا رأيتم الرجل لجوجا مماريا معجبا بنفسه فقد تمت خسارته‏

____________

(1) من د.

281

*3369* 369 و من كلامه ع في أن العجلة قبل التمكن و إهمال الفرصة حتى تفوت دليل على الحمق و النقص‏

وَ قَالَ ع مِنَ اَلْخُرْقِ اَلْمُعَاجَلَةُ قَبْلَ اَلْإِمْكَانِ وَ اَلْأَنَاةُ بَعْدَ اَلْفُرْصَةِ (1) -. قد تقدم القول في هذين المعنيين .

و من كلام ابن المعتز إهمال الفرصة حتى تفوت عجز و العجلة قبل التمكن خرق .

و قد جعل 1أمير المؤمنين ع كلتا الحالتين خرقا و هو صحيح لأن الخرق الحمق و قلة العقل و كلتا الحالتين دليل على الحمق و النقص‏

282

*3370* 370 و من كلامه ع في ترك السؤال عما كان‏

وَ قَالَ ع لاَ تَسْأَلْ عَمَّا لَمْ يَكُنْ لاَ يَكُونُ فَفِي اَلَّذِي قَدْ كَانَ لَكَ شُغُلٌ (1) -. من هذا الباب قول أبي الطيب في سيف الدولة (1)

ليس المدائح تستوفي مناقبه # فمن كليب و أهل الأعصر الأول‏ (2)

خذ ما تراه و دع شيئا سمعت به # في طلعة البدر ما يغنيك عن زحل‏ (3)

____________

(1) ديوانه 3: 81.

(2) كليب هو ابن ربيعة رئيس بنى تغلب و سيدهم في الجاهلية.

(3) بعده:

و قد وجدت مكان القول ذا سعة # فإن وجدت لسانا قائلا فقل.

.

283

*3371* 371 و من كلامه ع في لزوم التعاظ بالموت و الاعتبار و وجوب تجنب الإنسان ما يكرهه من غيره‏

وَ قَالَ ع اَلْفِكْرُ مِرْآةٌ صَافِيَةٌ وَ اَلاِعْتِبَارُ مُنْذِرٌ نَاصِحٌ وَ كَفَى أَدَباً لِنَفْسِكَ تَجَنُّبُكَ مَا كَرِهْتَهُ لِغَيْرِكَ (1) -. قد تقدم القول في نحو هذا و في المثل كفى بالاعتبار منذرا و كفى بالشيب زاجرا و كفى بالموت واعظا و قد سبق القول في وجوب تجنب الإنسان ما يكرهه من غيره .

و قال بعض الحكماء إذا أحببت أخلاق امرئ فكنه و إن أبغضتها فلا تكنه أخذه شاعرهم فقال‏

إذا أعجبتك خصال امرئ # فكنه يكن منك ما يعجبك

فليس على المجد و المكرمات # إذا جئتها حاجب يحجبك‏

284

*3372* 372 و من كلامه ع في اقتران العلم بالعمل‏

وَ قَالَ ع اَلْعِلْمُ مَقْرُونٌ بِالْعَمَلِ فَمَنْ عَلِمَ عَمِلَ وَ اَلْعِلْمُ يَهْتِفُ بِالْعَمَلِ فَإِنْ أَجَابَ أَجَابَهُ وَ إِلاَّ اِرْتَحَلَ عَنْهُ (1) -. لا خير في علم بلا عمل و العلم بغير العمل حجة على صاحبه و كلام 1أمير المؤمنين ع يشعر بأنه لا عالم إلا و هو عامل و مراده بالعلم هاهنا العرفان و لا ريب أن العارف لا بد أن يكون عاملا .

ثم استأنف فقال العلم يهتف بالعمل أي يناديه و هذه اللفظة استعارة .

قال فإن أجابه و إلا ارتحل أي إن كان الإنسان عالما بالأمور الدينية ثم لم يعمل بها سلبه الله تعالى علمه و لم يمت إلا و هو معدود في زمرة الجاهلين و يمكن أن يفسر على أنه أراد بقوله ارتحل ارتحلت ثمرته و نتيجته و هي الثواب فإن الله تعالى لا يثيب المكلف على علمه بالشرائع إذا لم يعمل بها لأن إخلاله بالعمل يحبط ما يستحقه من ثواب العلم لو قدرنا أنه استحق على العلم ثوابا و أتى به على الشرائط التي معها يستحق الثواب

285

*3373* 373 و من كلامه ع في وصف الدنيا و صروفها

وَ قَالَ ع يَا أَيُّهَا اَلنَّاسُ مَتَاعُ اَلدُّنْيَا حُطَامٌ مُوبِئٌ فَتَجَنَّبُوا مَرْعَاةً مَرْعَاهُ قُلْعَتُهَا أَحْظَى مِنْ طُمَأْنِينَتِهَا وَ بُلْغَتُهَا أَزْكَى مِنْ ثَرْوَتِهَا حُكِمَ عَلَى مُكْثِرِيهَا مُكْثِرٍ مِنْهَا بِالْفَاقَةِ وَ أُغْنِيَ أُعِينَ مَنْ غَنِيَ عَنْهَا بِالرَّاحَةِ مَنْ رَاقَهُ زِبْرِجُهَا أَعْقَبَتْ نَاظِرَيْهِ كَمَهاً وَ مَنِ اِسْتَشْعَرَ اَلشَّغَفَ بِهَا مَلَأَتْ ضَمِيرَهُ أَشْجَاناً لَهُنَّ رَقْصٌ عَلَى سُوَيْدَاءِ قَلْبِهِ هَمٌّ يَشْغَلُهُ وَ غَمٌّ يَحْزُنُهُ كَذَلِكَ حَتَّى يُؤْخَذَ بِكَظَمِهِ فَيُلْقَى بِالْفَضَاءِ مُنْقَطِعاً أَبْهَرَاهُ هَيِّناً عَلَى اَللَّهِ فَنَاؤُهُ وَ عَلَى اَلْإِخْوَانِ إِلْقَاؤُهُ وَ إِنَّمَا يَنْظُرُ اَلْمُؤْمِنُ إِلَى اَلدُّنْيَا بِعَيْنِ اَلاِعْتِبَارِ وَ يَقْتَاتُ مِنْهَا بِبَطْنِ اَلاِضْطِرَارِ وَ يَسْمَعُ فِيهَا بِأُذُنِ اَلْمَقْتِ وَ اَلْإِبْغَاضِ إِنْ قِيلَ أَثْرَى قِيلَ أَكْدَى وَ إِنْ فُرِحَ لَهُ بِالْبَقَاءِ حُزِنَ لَهُ بِالْفَنَاءِ هَذَا وَ لَمْ يَأْتِهِمْ يَوْمٌ‏ هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ يُبْلِسُونَ (1) - . متاع الدنيا أموالها و قنيانها .

و الحطام‏ ما تكسر من الحشيش و اليبس و شبه متاع الدنيا بذلك لحقارته .

و موبئ محدث للوباء و هو المرض العام .

و مرعاة بقعة ترعى كقولك مأسدة فيها الأسد و محياة فيها الحيات .

و قلعتها بسكون اللام خير من طمأنينتها أي كون الإنسان فيها منزعجا متهيئا

286

للرحيل عنها خير له من أن يكون ساكنا إليها مطمئنا بالمقام فيها .

و البلغة ما يتبلغ به و الثروة اليسار و الغنى (1) - و إنما حكم على مكثريها بالفاقة و الفقر لأنهم لا ينتهون إلى حد من الثروة و المال إلا و جدوا و اجتهدوا و حرصوا في طلب الزيادة عليه فهم في كل أحوالهم فقراء إلى تحصيل المال كما أن من لا مال له أصلا يجد و يجتهد في تحصيل المال بل ربما كان جدهم و حرصهم على ذلك أعظم من كدح الفقير و حرصه و روي و أعين من غني عنها و من رواه أغنى أي أغنى الله من غني عنها و زهد فيها بالراحة و خلو البال و عدم الهم و الغم (2) - .

و الزبرج‏ الزينة و راقه‏ أعجبه .

و الكمه‏ العمى الشديد و قيل هو أن يولد أعمى (3) - .

و الأشجان‏ الأحزان .

و الرقص‏ بفتح القاف الاضطراب‏ (1) و الغليان و الحركة .

و الكظم‏ بفتح الظاء مجرى النفس .

و الأبهران‏ عرقان متصلان بالقلب و يقال للميت قد انقطع أبهراه (4) - .

قوله‏ و إنما ينظر المؤمن إخبار في الصورة و أمر في المعنى أي لينظر المؤمن إلى الدنيا بعين الاعتبار و ليأكل منها ببطن الاضطرار أي قدر الضرورة لا احتكار أو استكثار و ليسمع حديثها بأذن المقت و البغض أي ليتخذها عدوا قد صاحبه في طريق فليأخذ حذره منه جهده و طاقته و ليسمع كلامه و حديثه لا استماع مصغ و محب وامق بل استماع مبغض محترز من غائلته .

(5) -

____________

(1) ب: «الاضطرار» تحريف.

287

ثم عاد إلى وصف الدنيا و طالبها فقال‏ إن قيل أثرى قيل أكدى و فاعل أثرى هو الضمير العائد إلى من استشعر الشغف بها يقول بينا يقال أثرى قيل افتقر لأن هذه صفة الدنيا في تقلبها بأهلها و إن فرح له بالحياة و دوامها قيل مات و عدم هذا و لم يأتهم يوم القيامة يوم‏ هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ أبلس الرجل يبلس إبلاسا أي قنط و يئس و اللفظ من لفظات الكتاب العزيز (1)

[نبذ من الأقوال الحكيمة في وصف حال الدنيا و صروفها]

و قد ذكرنا من حال الدنيا و صروفها و غدرها بأهلها فيما تقدم أبوابا كثيرة نافعة .

و نحن نذكر هاهنا زيادة على ذلك .

فمن كلام بعض الحكماء ويل لصاحب الدنيا كيف يموت و يتركها و تغره و يأمنها و تخذله و يثق بها ويل للمغترين كيف أرتهم ما يكرهون و فاتهم ما يحبون و جاءهم ما يوعدون ويل لمن الدنيا همه و الخطايا عمله كيف يفتضح غدا بذنبه .

14- و روى أنس قال كانت ناقة 14رسول الله ص العضباء لا تسبق فجاء أعرابي بناقة له فسبقها فشق ذلك على المسلمين فقال 14رسول الله ص حق على الله ألا يرفع في الدنيا شيئا إلا وضعه.

و قال بعض الحكماء من ذا الذي يبني على موج البحر دارا تلكم الدنيا فلا تتخذوها قرارا .

____________

(1) و هو قوله تعالى في سورة الروم 12: وَ يَوْمَ تَقُومُ اَلسََّاعَةُ يُبْلِسُ اَلْمُجْرِمُونَ. .

288

و قيل لحكيم علمنا عملا واحدا إذا عملناه أحبنا الله عليه فقال أبغضوا الدنيا يحببكم الله .

14- و قال أبو الدرداء قال 14رسول الله ص لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا و لبكيتم كثيرا و لهانت عليكم الدنيا و لآثرتم الآخرة .

ثم قال أبو الدرداء من قبل نفسه أيها الناس لو تعلمون ما أعلم لخرجتم إلى الصعدات تبكون على أنفسكم و لتركتم أموالكم لا حارس لها و لا راجع إليها إلا ما لا بد لكم منه و لكن غاب عن قلوبكم ذكر الآخرة و حضرها الأمل فصارت الدنيا أملك بأعمالكم و صرتم كالذين لا يعلمون فبعضكم شر من البهائم التي لا تدع هواها ما لكم لا تحابون و لا تناصحون في أموركم و أنتم إخوان على دين واحد ما فرق بين أهوائكم إلا خبث سرائركم و لو اجتمعتم على البر لتحاببتم ما لكم لا تناصحون في أموركم ما هذا إلا من قلة الإيمان في قلوبكم و لو كنتم توقنون بأمر الآخرة كما توقنون بالدنيا لآثرتم طلب الآخرة فإن قلت حب العاجلة غالب فإنا نراكم تدعون العاجل من الدنيا للآجل منها ما لكم تفرحون باليسير من الدنيا و تحزنون على اليسير منها بفوتكم حتى يتبين ذلك في وجوهكم و يظهر على ألسنتكم و تسمونها المصائب و تقيمون فيها المآتم و عامتكم قد تركوا كثيرا من دينهم ثم لا يتبين ذلك في وجوههم و لا تتغير حال بهم يلقى بعضهم بعضا بالمسرة و يكره كل منكم أن يستقبل صاحبه بما يكره مخافة أن يستقبله صاحبه بمثله فاصطحبتم على الغل و بنيتم مراعيكم على الدمن و تصافيتم على رفض الأجل أراحني الله منكم و ألحقني بمن أحب رؤيته.

و قال حكيم لأصحابه ارضوا بدنئ الدنيا مع سلامة الدين كما رضي أهل الدنيا بدنئ الدين مع سلامة الدنيا .

289

و قيل في معناه‏

أرى رجالا بأدنى الدين قد قنعوا # و لا أراهم رضوا في العيش بالدون

فاستغن بالدين عن دنيا الملوك كما استغنى # الملوك بدنياهم عن الدين.

14- و في الحديث المرفوع لتأتينكم بعدي دنيا تأكل إيمانكم كما تأكل النار الحطب.

و قال الحسن رحمه الله أدركت أقواما كانت الدنيا عندهم وديعة فأدوها إلى من ائتمنهم عليها ثم ركضوا خفافا .

و قال أيضا من نافسك في دينك فنافسه و من نافسك في دنياك فألقها في نحره .

و قال الفضيل طالت فكرتي في هذه الآية إِنََّا جَعَلْنََا مََا عَلَى اَلْأَرْضِ زِينَةً لَهََا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً `وَ إِنََّا لَجََاعِلُونَ مََا عَلَيْهََا صَعِيداً جُرُزاً (1) .

و من كلام بعض الحكماء لن تصبح في شي‏ء من الدنيا إلا و قد كان له أهل قبلك و يكون له أهل من بعدك و ليس لك من الدنيا إلا عشاء ليلة و غداء يوم فلا تهلك نفسك في أكلة و صم عن الدنيا و أفطر على الآخرة فإن رأس مال الدنيا الهوى و ربحها النار .

و قيل لبعض الرهبان كيف ترى الدهر قال يخلق الأبدان و يجدد الآمال و يقرب المنية و يباعد الأمنية قيل فما حال أهله قال من ظفر به تعب و من فاته اكتأب .

و من هذا المعنى قول الشاعر

و من يحمد الدنيا لعيش يسره # فسوف لعمري عن قليل يلومها

____________

(1) سورة الكهف 7، 8.

290

إذا أدبرت كانت على المرء حسرة # و إن أقبلت كانت كثيرا همومها.

و قال بعض الحكماء كانت الدنيا و لم أكن فيها و تذهب الدنيا و لا أكون فيها و لست أسكن إليها فإن عيشها نكد و صفوها كدر و أهلها منها على وجل إما بنعمة زائلة أو ببلية نازلة أو ميتة قاضية .

و قال بعضهم من عيب الدنيا أنها لا تعطي أحدا ما يستحق إما أن تزيد له و إما أن تنقص .

و قال سفيان الثوري أ ما ترون النعم كأنها مغضوب عليها قد وضعت في غير أهلها .

و قال يحيى بن معاذ الدنيا حانوت الشيطان فلا تسرق من حانوته شيئا فإنه يجي‏ء في طلبك حتى يأخذك .

و قال الفضيل لو كانت الدنيا من ذهب يفنى و الآخرة من خزف يبقى لكان ينبغي لنا أن نختار خزفا يبقى على ذهب يفنى فكيف و قد اخترنا خزفا يفنى على ذهب يبقى .

و قال بعضهم ما أصبح أحد في الدنيا إلا و هو ضيف و لا شبهة في أن الضيف مرتحل و ما أصبح ذو مال فيها إلا و ماله عارية عنده و لا ريب أن العارية مردودة .

و مثل هذا قول الشاعر

و ما المال و الأهلون إلا وديعة # و لا بد يوما أن ترد الودائع‏ (1) .

و قيل لإبراهيم بن أدهم كيف أنت فأنشد

نرقع دنيانا بتمزيق ديننا # فلا ديننا يبقى و لا ما نرقع‏

____________

(1) للبيد ديوانه، 170.

غ

291

و زار رابعة العدوية أصحابها فذكروا الدنيا فأقبلوا على ذمها فقالت اسكتوا عن ذكرها و كفوا فلو لا موقعها في قلوبكم ما أكثرتم من ذكرها إن من أحب شيئا أكثر من ذكره .

و قال مطرف بن الشخير لا تنظروا إلى خفض عيش الملوك و لين رياشهم و لكن انظروا إلى سرعة ظعنهم و سوء منقلبهم .

قال الشاعر

أرى طالب الدنيا و إن طال عمره # و نال من الدنيا سرورا و أنعما

كبان بنى بنيانه فأقامه # فلما استوى ما قد بناه تهدما.

و قال أبو العتاهية

تعالى الله يا سلم بن عمرو # أذل الحرص أعناق الرجال‏ (1)

هب الدنيا تساق إليك عفوا # أ ليس مصير ذلك إلى الزوال

و ما دنياك إلا مثل في‏ء # أظلك ثم آذن بانتقال.

و قال بعضهم الدنيا جيفة فمن أراد منها شيئا فليصبر على معاشرة الكلاب .

و قال أبو أمامة الباهلي لما بعث الله 14محمدا ص أتت إبليس جنوده و قالوا قد بعث نبي و جدت ملة و أمة فقال كيف حالهم أ يحبون الدنيا قالوا نعم قال إن كانوا يحبونها فلا أبالي ألا يعبدوا الأصنام فإنما أغدو عليهم و أروح بثلاث أخذ المال من غير حقه و إنفاقه في غير حقه و إمساكه عن حقه و الشر كله لهذه الثلاث تبع .

و كان مالك بن دينار يقول اتقوا السحارة فإنها تسحر قلوب العلماء يعني الدنيا .

____________

(1) ديوانه 206.

292

و قال أبو سليمان الرازي إذا كانت الآخرة في القلب جاءت الدنيا فزاحمتها و إذا كانت الدنيا في القلب لم تزاحمها الآخرة لأن الآخرة كريمة و الدنيا لئيمة .

و قال مالك بن دينار بقدر ما تحزن للدنيا يخرج هم الآخرة من قلبك و بقدر ما تحزن للآخرة يخرج هم الدنيا من قلبك و هذا مقتبس

1- من قول 1أمير المؤمنين ع الدنيا و الآخرة ضرتان فبقدر ما ترضي إحداهما تسخط (1) الأخرى.

و قال الشاعر

يا خاطب الدنيا إلى نفسها # تنح عن خطبتها تسلم

إن التي تخطب غدارة # قريبة العرس من المأتم.

و قالوا لو وصفت الدنيا نفسها لما قالت أحسن من قول أبي نواس فيها

إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت # له عن عدو في ثياب صديق‏ (2) .

و من كلام الشافعي يعظ أخا له يا أخي إن الدنيا دحض مزلة (3) و دار مذلة عمرانها إلى الخراب سائر و ساكنها إلى القبور زائر شملها على الفرقة موقوف و غناها إلى الفقر مصروف الإكثار فيها إعسار و الإعسار فيها يسار فافزع إلى الله و ارض برزق الله و لا تستسلف من دار بقائك في دار فنائك فإن عيشك في‏ء زائل و جدار مائل أكثر من عملك و أقصر من أملك .

و قال إبراهيم بن أدهم لرجل أ درهم في المنام أحب إليك أم دينار في اليقظة فقال دينار في اليقظة فقال كذبت إن الذي تحبه في الدنيا فكأنك تحبه في المنام و الذي تحبه في الآخرة فكأنك تحبه في اليقظة .

و قال بعض الحكماء من فرح قلبه بشي‏ء من الدنيا فقد أخطأ الحكمة و من

____________

(1) ب «تسقط» .

(2) ديوانه 192.

(3) الدحض: المكان الزلق.

293

جعل شهوته تحت قدميه فرق الشيطان من ظله و من غلب علمه هواه فهو الغالب .

و قال بعضهم الدنيا تبغض إلينا نفسها و نحن نحبها فكيف لو تحببت إلينا .

و قال بعضهم الدنيا دار خراب و أخرب منها قلب من يعمرها و الجنة دار عمران و أعمر منها قلب من يطلبها .

و قال يحيى بن معاذ العقلاء ثلاثة من ترك الدنيا قبل أن تتركه و بنى قبره قبل أن يدخله و أرضى خالقه قبل أن يلقاه .

و قال بعضهم من أراد أن يستغني عن الدنيا بالدنيا كان كمطفئ النار بالتبن .

و من كلام بعض فصحاء الزهاد أيها الناس اعملوا في مهل و كونوا من الله على وجل و لا تغتروا بالأمل و نسيان الأجل و لا تركنوا إلى الدنيا فإنها غدارة غرارة خداعة قد تزخرفت لكم بغرورها و فتنتكم بأمانيها و تزينت لخطابها فأضحت كالعروس المتجلية العيون إليها ناظرة و القلوب عليها عاكفة و النفوس لها عاشقة فكم من عاشق لها قتلت و مطمئن إليها خذلت فانظروا إليها بعين الحقيقة فإنها دار كثرت بوائقها و ذمها خالقها جديدها يبلى و ملكها يفنى و عزيزها يذل و كثيرها يقل و حيها يموت و خيرها يفوت فاستيقظوا من غفلتكم و انتبهوا من رقدتكم قبل أن يقال فلان عليل و مدنف ثقيل فهل على الدواء من دليل و هل إلى الطبيب من سبيل فتدعى لك الأطباء و لا يرجى لك الشفاء ثم يقال فلان أوصى و ماله أحصى ثم يقال قد ثقل لسانه فما يكلم إخوانه و لا يعرف جيرانه و عرق عند ذلك جبينك و تتابع أنينك و ثبت يقينك و طمحت جفونك و صدقت ظنونك و تلجلج لسانك و بكى إخوانك و قيل لك هذا ابنك فلان و هذا أخوك‏

294

فلان منعت من الكلام فلا تنطق و ختم على لسانك فلا ينطبق ثم حل بك القضاء و انتزعت روحك من الأعضاء ثم عرج بها إلى السماء فاجتمع عند ذلك إخوانك و أحضرت أكفانك فغسلوك و كفنوك ثم حملوك فدفنوك فانقطع عوادك و استراح حسادك و انصرف أهلك إلى مالك و بقيت مرتهنا بأعمالك .

و قال بعض الزهاد لبعض الملوك إن أحق الناس بذم الدنيا و قلاها من بسط له فيها و أعطي حاجته منها لأنه يتوقع آفة تغدو على ماله فتجتاحه و على جمعه فتفرقه أو تأتي على سلطانه فتهدمه من القواعد أو تدب إلى جسمه فتسقمه أو تفجعه بشي‏ء هو ضنين به من أحبابه فالدنيا الأحق بالذم و هي الآخذة ما تعطي الراجعة فيما تهب فبينا هي تضحك صاحبها إذ أضحكت منه غيره و بينا هي تبكي له إذ أبكت عليه و بينا هي تبسط كفه بالإعطاء إذ بسطت كفها إليه بالاسترجاع و الاسترداد تعقد التاج على رأس صاحبها اليوم و تعفره في التراب غدا سواء عليها ذهاب من ذهب و بقاء من بقي تجد في الباقي من الذاهب خلفا و ترضى بكل من كل بدلا .

و كتب الحسن البصري إلى عمر بن عبد العزيز أما بعد فإن الدنيا دار ظعن ليست بدار إقامة و إنما أنزل إليها عقوبة فاحذرها فإن الزاد منها ربحها و الغنى منها فقرها لها في كل حين قتيل تذل من أعزها و تفقر من جمعها هي كالسم يأكله من لا يعرفه و هو حتفه فكن فيها كالمداوي جراحه يحمي قليلا مخافة ما يكرهه طويلا و يصبر على شدة الدواء مخافة طول البلاء فاحذر هذه الدنيا الغدارة المكارة الختالة الخداعة التي قد تزينت بخدعها و فتنت بغرورها و تحلت بآمالها و تشرفت لخطابها فأصبحت بينهم كالعروس تجلى على بعلها العيون إليها ناظرة و القلوب عليها والهة و النفوس لها عاشقة و هي لأزواجها كلهم قاتلة فلا الباقي بالماضي معتبر و لا الآخر بالأول مزدجر و لا العارف بالله حين أخبره عنها مدكر فمن عاشق لها قد

295

ظفر منها بحاجته فاغتر و طغي و نسي المعاد و شغل بها لبه حتى زلت عنها قدمه فعظمت ندامته و كثرت حسرته و اجتمعت عليه سكرات الموت بألمه و حسرات الفوت بغصته و من راغب فيها لم يدرك منها ما طلب و لم يرح نفسه من التعب خرج منها بغير زاد و قدم على غير مهاد فاحذرها ثم احذرها و كن أسر ما تكون فيها أحذر ما تكون لها فإن صاحبها كلما اطمأن منها إلى سرور أشخصته إلى مكروه و السار منها لأهلها غار و النافع منها في غد ضار قد وصل الرخاء منها بالبلاء و جعل البقاء فيها للفناء فسرورها مشوب بالأحزان و نعيمها مكدر بالأشجان لا يرجع ما ولى منها و أدبر و لا يدرى ما هو آت فينتظر أمانيها كاذبة و آمالها باطلة و صفوها كدر و عيشها نكد و الإنسان فيها على خطر إن عقل و نظر و هو من النعماء على غرر و من البلاء على حذر فلو كان الخالق لها لم يخبر عنها خبرا و لم يضرب لها مثلا لكانت هي نفسها قد أيقظت النائم و نبهت الغافل فكيف و قد جاء من الله عنها زاجر و بتصاريفها واعظ فما لها عند الله قدر و لا نظر إليها منذ خلقها و لقد عرضت على نبيك 14محمد ص بمفاتيحها و خزائنها لا ينقصه ذلك عند الله جناح بعوضة فأبى أن يقبلها كره أن يخالف على الله أمره أو يحب ما أبغضه خالقه أو يرفع ما وضعه مليكه زواها الرب سبحانه عن الصالحين اختبارا و بسطها لأعدائه اغترارا فيظن المغرور بها المقتدر عليها أنه أكرم بها و ينسى ما صنع الله تعالى 14بمحمد ص من شده الحجر على بطنه

14- و قد جاءت الرواية عنه عن ربه سبحانه أنه قال لموسى إذا رأيت الغنى مقبلا فقل ذنب عجلت عقوبته و إذا رأيت الفقر مقبلا فقل مرحبا بشعار الصالحين و إن شئت اقتديت بصاحب الروح و الكلمة عيسى كان يقول إدامي الجوع و شعاري الخوف و لباسي الصوف و صلائي في الشتاء مشارق الشمس و سراجي القمر و وسادي الحجر و دابتي رجلاي‏

296

و فاكهتي و طعامي ما أنبتت الأرض أبيت و ليس لي شي‏ء و ليس على الأرض أحد أغنى مني .

و في بعض الكتب القديمة أن الله تعالى لما بعث موسى و هارون ع إلى فرعون قال لا يروعنكما لباسه الذي لبس من الدنيا فإن ناصيته بيدي ليس ينطق و لا يطرف و لا يتنفس إلا بإذني و لا يعجبكما ما متع به منها فإن ذلك زهرة الحياة الدنيا و زينة المترفين و لو شئت أن أزينكما بزينة من الدنيا يعرف فرعون حين يراها أن مقدرته تعجز عما وهبتما لفعلت و لكني أرغب بكما عن ذلك و أزوي ذلك عنكما و كذلك أفعل بأوليائي إني لأذودهم عن نعيمها كما يذود الراعي الشفيق غنمه عن مراتع الهلكة و إني لأجنبهم حب المقام فيها كما يجنب الراعي الشفيق إبله عن مبارك العر و ما ذاك لهوانهم علي و لكن ليستكملوا نصيبهم من كرامتي سالما موفورا إنما يتزين لي أوليائي بالذل و الخضوع و الخوف و إن التقوى لتثبت في قلوبهم فتظهر على وجوههم فهي ثيابهم التي يلبسونها و دثارهم الذي يظهرون و ضميرهم الذي يستشعرون و نجاتهم التي بها يفوزون و رجاؤهم الذي إياه يأملون و مجدهم الذي به يفتخرون و سيماهم التي بها يعرفون فإذا لقيهم أحدكما فليخفض لهم جناحه و ليذلل لهم قلبه و لسانه و ليعلم أنه من أخاف لي وليا فقد بارزني بالمحاربة ثم أنا الثائر به يوم القيامة .

و من كلام بعض الحكماء الأيام سهام و الناس أغراض و الدهر يرميك كل يوم بسهامه و يتخرمك بلياليه و أيامه حتى يستغرق جميع أجزائك و يصمي جميع أبعاضك فكيف بقاء سلامتك مع وقوع الأيام بك و سرعة الليالي في بدنك و لو كشف لك عما أحدثت الأيام فيك من النقص لاستوحشت من كل يوم يأتي عليك و استثقلت ممر الساعات بك و لكن تدبير الله تعالى فوق النظر و الاعتبار .

297

و قال بعض الحكماء و قد استوصف الدنيا و قدر بقائها الدنيا وقتك الذي يرجع إليه طرفك لأن ما مضى عنك فقد فاتك إدراكه و ما لم يأت فلا علم لك به و الدهر يوم مقبل تنعاه ليلته و تطويه ساعاته و أحداثه تتوالى على الإنسان بالتغيير و النقصان و الدهر موكل بتشتيت الجماعات و انخرام الشمل و تنقل الدول و الأمل طويل و العمر قصير و إِلَى اَللََّهِ تَصِيرُ اَلْأُمُورُ .

و قال بعض الفضلاء الدنيا سريعة الفناء قريبة الانقضاء تعد بالبقاء و تخلف في الوفاء تنظر إليها فتراها ساكنة مستقرة و هي سائرة سيرا عنيفا و مرتحلة ارتحالا سريعا و لكن الناظر إليها قد لا يحس بحركتها فيطمئن إليها و إنما يحس بذلك بعد انقضائها و مثالها الظل فإنه متحرك ساكن متحرك في الحقيقة و ساكن في الظاهر لا تدرك حركته بالبصر الظاهر بل بالبصيرة الباطنة

298

*3374* 374 و من كلامه ع في تكليف العباد و منح الثواب على الطاعة و العقاب على المعصية منه تعالى‏

وَ قَالَ ع إِنَّ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ وَضَعَ اَلثَّوَابَ عَلَى طَاعَتِهِ وَ اَلْعِقَابَ عَلَى مَعْصِيَتِهِ ذِيَادَةً لِعِبَادِهِ عَنْ نِقْمَتِهِ وَ حِيَاشَةً لَهُمْ إِلَى جَنَّتِهِ (1) - . ذِيادة أي دفعا ذدته عن كذا أي دفعته و رددته و حياشة مصدر حشت الصيد بضم الحاء أحوشه إذا جئته من حواليه لتصرفه إلى الحبالة و كذلك أحشت الصيد و أحوشته و قد احتوش القوم الصيد إذا نفره بعضهم إلى بعض .

و هذا هو مذهب أصحابنا إن الله تعالى لما كلف العباد التكاليف الشاقة و قد كان يمكنه أن يجعلها غير شاقة عليهم بأن يزيد في قدرهم وجب أن يكون في مقابلة تلك التكاليف ثواب لأن إلزام المشاق كإنزال المشاق فكما يتضمن ذلك عوضا وجب أن يتضمن هذا ثوابا و لا بد أن يكون في مقابلة فعل القبيح عقاب و إلا كان سبحانه ممكنا الإنسان من القبيح مغريا له‏ (1) بفعله إذ الطبع البشري يهوى العاجل و لا يحفل بالذم و لا يكون القبيح قبيحا حينئذ في العقل فلا بد من العقاب ليقع الانزجار

____________

(1) ب ا: «به» .

299

*3375* 375 و من كلامه ع في بيان صفة حال أهل الظلال و الفسق و الرياء في الأمة

وَ قَالَ ع يَأْتِي عَلَى اَلنَّاسِ زَمَانٌ لاَ يَبْقَى فِيهِمْ مِنَ اَلْقُرْآنِ إِلاَّ رَسْمُهُ وَ مِنَ اَلْإِسْلاَمِ إِلاَّ اِسْمُهُ مَسَاجِدُهُمْ يَوْمَئِذٍ عَامِرَةٌ مِنَ اَلْبِنَاءِ خَرَابٌ مِنَ اَلْهُدَى سُكَّانُهَا وَ عُمَّارُهَا شَرُّ أَهْلِ اَلْأَرْضِ مِنْهُمْ تَخْرُجُ اَلْفِتْنَةُ وَ إِلَيْهِمْ تَأْوِي اَلْخَطِيئَةُ يَرُدُّونَ مَنْ شَذَّ عَنْهَا فِيهَا وَ يَسُوقُونَ مَنْ تَأَخَّرَ عَنْهَا إِلَيْهَا يَقُولُ اَللَّهُ سُبْحَانَهُ فَبِي حَلَفْتُ لَأَبْعَثَنَّ عَلَى أُولَئِكَ فِتْنَةً أَتْرُكُ تَتْرُكُ اَلْحَلِيمَ فِيهَا حَيْرَانَ وَ قَدْ فَعَلَ وَ نَحْنُ نَسْتَقِيلُ اَللَّهَ عَثْرَةَ اَلْغَفْلَةِ (1) -. هذه صفة حال أهل الضلال و الفسق و الرياء من هذه الأمة أ لا تراه يقول سكانها و عمارها يعني سكان المساجد و عمار المساجد شر أهل الأرض لأنهم أهل ضلالة كمن يسكن المساجد الآن ممن يعتقد التجسم و التشبيه و الصورة و النزول و الصعود و الأعضاء و الجوارح و من يقول بالقدر يضيف فعل الكفر و الجهل و القبيح إلى الله تعالى فكل هؤلاء أهل فتنة يردون من خرج منها إليها و يسوقون من لم يدخل فيها إليها أيضا .

ثم قال حاكيا عن الله تعالى إنه حلف بنفسه ليبعثن على أولئك فتنة يعني استئصالا و سيفا حاصدا يترك الحليم أي العاقل اللبيب فيها حيران لا يعلم كيف وجه خلاصه .

ثم قال ع‏ و قد فعل و ينبغي أن يكون قد قال هذا الكلام في أيام خلافته لأنها كانت أيام السيف المسلط على أهل الضلال من المسلمين و كذلك ما بعثه الله تعالى على بني أمية و أتباعهم من سيوف بني هاشم بعد انتقاله ع‏

300

*3376* 376 و من كلامه ع في أن خلق العباد ليس عبثا و ظلال الإنسان باختياره و سوء نظره‏

وَ قَالَ ع وَ رُوِيَ أَنَّهُ ع قَلَّمَا اِعْتَدَلَ بِهِ اَلْمِنْبَرُ إِلاَّ قَالَ أَمَامَ خُطْبَتِهِ أَيُّهَا اَلنَّاسُ اِتَّقُوا اَللَّهَ فَمَا خُلِقَ اِمْرُؤٌ عَبَثاً فَيَلْهُوَ وَ لاَ تُرِكَ سُدًى فَيَلْغُوَ وَ مَا دُنْيَاهُ اَلَّتِي تَحَسَّنَتْ لَهُ بِخَلَفٍ مِنَ اَلآْخِرَةِ اَلَّتِي قَبَّحَهَا سُوءُ اَلنَّظَرِ عِنْدَهُ وَ مَا اَلْمَغْرُورُ اَلَّذِي ظَفِرَ مِنَ اَلدُّنْيَا بِأَعْلَى هِمَّتِهِ كَالآْخَرِ اَلَّذِي ظَفِرَ مِنَ اَلآْخِرَةِ بِأَدْنَى سُهْمَتِهِ (1) -. قال تعالى‏ أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّمََا خَلَقْنََاكُمْ عَبَثاً وَ أَنَّكُمْ إِلَيْنََا لاََ تُرْجَعُونَ‏ (1) .

14- و من الكلمات النبوية أن المرء لم يترك سدى و لم يخلق عبثا.

و قال 1أمير المؤمنين ع إن من ظفر من الدنيا بأعلى و أعظم أمنية ليس كآخر ظفر من الآخرة بأدون درجات أهل الثواب لا مناسبة و لا قياس بين نعيم الدنيا و الآخرة .

و في قوله ع‏ التي قبحها سوء المنظر عنده تصريح بمذهب أصحابنا أهل العدل رحمهم الله و هو أن الإنسان هو الذي أضل نفسه لسوء نظره و لو كان الله تعالى هو الذي أضله لما قال قبحها سوء النظر عنده‏

____________

(1) سورة المؤمنون 115.

301

*3377* 377 و من كلامه ع في مكارم الأخلاق‏

وَ قَالَ ع لاَ شَرَفَ أَعْلَى مِنَ اَلْإِسْلاَمِ وَ لاَ عِزَّ أَعَزُّ مِنَ اَلتَّقْوَى وَ لاَ مَعْقِلَ أَحْسَنُ مِنَ اَلْوَرَعِ وَ لاَ شَفِيعَ أَنْجَحُ مِنَ اَلتَّوْبَةِ وَ لاَ كَنْزَ أَغْنَى مِنَ اَلْقَنَاعَةِ وَ لاَ مَالَ أَذْهَبُ لِلْفَاقَةِ مِنَ اَلرِّضَا اَلرِّضَى بِالْقُوتِ وَ مَنِ اِقْتَصَرَ عَلَى بُلْغَةِ اَلْكَفَافِ فَقَدِ اِنْتَظَمَ اَلرَّاحَةَ وَ تَبَوَّأَ خَفْضَ اَلدَّعَةِ وَ اَلدَّعَةُ اَلرَّغْبَةُ مِفْتَاحُ اَلنَّصَبِ وَ مَطِيَّةُ اَلتَّعَبِ وَ اَلْحِرْصُ وَ اَلْكِبْرُ وَ اَلْحَسَدُ دَوَاعٍ إِلَى اَلتَّقَحُّمِ فِي اَلذُّنُوبِ وَ اَلشَّرُّ جَامِعٌ لِمَسَاوِئِ جَامِعُ مَسَاوِئِ اَلْعُيُوبِ (1) -. كل هذه المعاني قد سبق القول فيها مرارا شتى نأتي كل مرة بما لم نأت به فيما تقدم و إنما يكررها 1أمير المؤمنين ع لإقامة الحجة على المكلفين كما يكرر الله سبحانه في القرآن المواعظ و الزواجر لذلك كان أبو ذر رضي الله عنه جالسا بين الناس فأتته امرأته فقالت أنت جالس بين هؤلاء و لا و الله ما عندنا في البيت هفة و لا سفة (1) فقال يا هذه إن بين أيدينا عقبة كئودا لا ينجو منها إلا كل مخف فرجعت و هي راضية .

____________

(1) نهاية ابن الأثير 2: 167، 4: 250. الهفة: السحاب لا ماء فيه؛ و السفة: ما ينسج من الخوص كالزبيل؛ أى لا مشروب في بيتك و لا مأكول.

302

و قيل لبعض الحكماء ما مالك قال التجمل في الظاهر و القصد في الباطن و الغنى عما في أيدي الناس .

و قال أبو سليمان الداراني تنفس فقير دون شهوة لا يقدر عليها أفضل من عبادة غني ألف عام .

و قال رجل لبشر بن الحارث ادع لي فقد أضر الفقر بي و بعيالي فقال إذا قال لك عيالك ليس عندنا دقيق و لا خبز فادع لبشر بن الحارث في ذلك الوقت فإن دعاءك أفضل من دعائه .

و من دعاء بعض الصالحين‏اللهم إني أسألك ذل نفسي و الزهد فيما جاوز الكفاف

303

*3378* 378 و من كلامه ع في بيان قوام الدين و الدنيا

وَ قَالَ ع لِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اَللَّهِ اَلْأَنْصَارِيِّ يَا جَابِرُ قِوَامُ اَلدِّينِ وَ اَلدُّنْيَا بِأَرْبَعَةٍ عَالِمٍ يَسْتَعْمِلُ مُسْتَعْمِلٍ عِلْمَهُ وَ جَاهِلٍ لاَ يَسْتَنْكِفُ أَنْ يَتَعَلَّمَ وَ جَوَادٍ لاَ يَبْخَلُ بِمَعْرُوفِهِ وَ فَقِيرٍ لاَ يَبِيعُ آخِرَتَهُ بِدُنْيَاهُ فَإِذَا ضَيَّعَ اَلْعَالِمُ عِلْمَهُ اِسْتَنْكَفَ اَلْجَاهِلُ أَنْ يَتَعَلَّمَ وَ إِذَا بَخِلَ اَلْغَنِيُّ بِمَعْرُوفِهِ بَاعَ اَلْفَقِيرُ آخِرَتَهُ بِدُنْيَاهُ يَا جَابِرُ مَنْ كَثُرَتْ نِعْمَةُ نِعَمُ اَللَّهِ عَلَيْهِ كَثُرَتْ حَوَائِجُ اَلنَّاسِ إِلَيْهِ فَمَنْ قَامَ بِمَا يَجِبُ لِلَّهِ فِيهَا عَرَّضَ نِعْمَةَ اَللَّهِ لِدَوَامِهَا وَ مَنْ ضَيَّعَ مَا يَجِبُ لِلَّهِ فِيهَا عَرَّضَ نِعْمَتَهُ لِزَوَالِهَا لِلَّهِ فِيهَا بِمَا يَجِبُ فِيهَا عَرَّضَهَا لِلدَّوَامِ وَ اَلْبَقَاءِ وَ مَنْ لَمْ يَقُمْ فِيهَا بِمَا يَجِبُ عَرَّضَهَا لِلزَّوَالِ وَ اَلْفَنَاءِ (1) - . قد تقدم القول في هذه المعاني و الحاصل أنه ربط اثنتين من أربعة إحداهما بالأخرى و كذلك جعل في الاثنتين الأخريين فقال إن قوام الدين و الدنيا بأربعة عالم يستعمل علمه يعني يعمل و لا يقتصر على أن يعلم فقط و لا يعمل و جاهل لا يستنكف أن يتعلم و أضر ما على الجهلاء الاستنكاف من التعلم فإنهم يستمرون على الجهالة إلى الموت و الثالث جواد لا يبخل بالمعروف و الرابع فقير لا يبيع آخرته بدنياه أي لا يسرق و لا يقطع الطريق أو يكتسب الرزق من حيث لا يحبه الله كالقمار و المواخير و المزاجر و المآصر و نحوها (2) - .

304

ثم قال فالثانية مرتبطة بالأولى إذا لم يستعمل العالم علمه استنكف الجاهل من التعلم و ذلك لأن الجاهل إذا رأى العالم يعصي و يجاهر الله بالفسق زهد في التعلم و قال لما ذا تعلم العلم إذا كانت ثمرته الفسق و المعصية .

ثم قال و الرابعة مرتبطة بالثالثة إذا بخل الغني بمعروفه باع الفقير آخرته بدنياه‏ و ذلك لأنه إذا عدم الفقير المواساة مع حاجته إلى القوت دعته الضرورة إلى الدخول في الحرام و الاكتساب من حيث لا يحسن و ينبغي أن يكون عوض لفظة جواد لفظة غني ليطابق أول الكلام آخره إلا أن الرواية هكذا وردت و جواد لا يبخل بمعروفه و في ضمير اللفظ كون ذلك الجواد غنيا لأنه قد جعل له معروفا و المعروف لا يكون إلا عن ظهر غنى و باقي الفصل قد سبق شرح أمثاله‏

305

*3379* 379 و من كلامه ع في النهي عن المنكر و كيفية ترتيبه‏

وَ رَوَى اِبْنُ جَرِيرٍ اَلطَّبَرِيُّ فِي تَارِيخِهِ : عَنْ عَبْدِ اَلرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى اَلْفَقِيهِ وَ كَانَ مِمَّنْ خَرَجَ لِقِتَالِ اَلْحَجَّاجِ مَعَ اِبْنِ اَلْأَشْعَثِ أَنَّهُ قَالَ فِيمَا كَانَ يَحُضُّ بِهِ اَلنَّاسَ عَلَى اَلْجِهَادِ إِنِّي سَمِعْتُ 1عَلِيّاً رَفَعَ اَللَّهُ دَرَجَتَهُ فِي اَلصَّالِحِينَ وَ أَثَابَهُ ثَوَابَ اَلشُّهَدَاءِ وَ اَلصِّدِّيقِينَ يَقُولُ يَوْمَ لَقِينَا أَهْلَ اَلشَّامِ أَيُّهَا اَلْمُؤْمِنُونَ إِنَّهُ مَنْ رَأَى عُدْوَاناً يُعْمَلُ بِهِ وَ مُنْكَراً يُدْعَى إِلَيْهِ فَأَنْكَرَهُ بِقَلْبِهِ فَقَدْ سَلِمَ وَ بَرِئَ وَ مَنْ أَنْكَرَهُ بِلِسَانِهِ فَقَدْ أُجِرَ وَ هُوَ أَفْضَلُ مِنْ صَاحِبِهِ وَ مَنْ أَنْكَرَهُ بِالسَّيْفِ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اَللَّهِ اَلْعُلْيَا وَ كَلِمَةُ اَلظَّالِمِينَ هِيَ اَلسُّفْلَى فَذَلِكَ اَلَّذِي أَصَابَ سَبِيلَ اَلْهُدَى وَ قَامَ عَلَى اَلطَّرِيقِ وَ نُوِّرَ نَوَّرَ فِي قَلْبِهِ اَلْيَقِينُ (1) -. قد تقدم الكلام في النهي عن المنكر و كيفية ترتيبه و كلام 1أمير المؤمنين في هذا الفصل مطابق‏ (1) لما يقوله المتكلمون رحمهم الله .

و قد ذكرنا فيما تقدم و سنذكر فيما بعد من هذا المعنى ما يجب و كان النهي عن المنكر معروفا في العرب في جاهليتها كان في قريش تحالفت قبائل منها على أن يردعوا الظالم و ينصروا المظلوم و يردوا عليه حقه ما بل بحر صوفة و قد ذكرنا فيما تقدم‏

____________

(1) د: «يطابق» .

306

*3380* 380 و من كلامه ع في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر

وَ قَالَ ع فِي كَلاَمٍ آخَرَ لَهُ غَيْرِ هَذَا يَجْرِي هَذَا اَلْمَجْرَى: فَمِنْهُمُ اَلْمُنْكِرُ لِلْمُنْكَرِ بِيَدِهِ وَ لِسَانِهِ وَ قَلْبِهِ فَذَلِكَ اَلْمُسْتَكْمِلُ لِخِصَالِ اَلْخَيْرِ وَ مِنْهُمُ اَلْمُنْكِرُ بِلِسَانِهِ وَ قَلْبِهِ وَ اَلتَّارِكُ بِيَدِهِ فَذَلِكَ مُتَمَسِّكٌ بِخَصْلَتَيْنِ مِنْ خِصَالِ اَلْخَيْرِ وَ مُضَيِّعٌ خَصْلَةً وَ مِنْهُمُ اَلْمُنْكِرُ بِقَلْبِهِ وَ اَلتَّارِكُ بِيَدِهِ وَ لِسَانِهِ فَذَاكَ فَذَالِكَ اَلَّذِي ضَيَّعَ أَشْرَفَ اَلْخَصْلَتَيْنِ مِنَ اَلثَّلاَثِ وَ تَمَسَّكَ بِوَاحِدَةٍ وَ مِنْهُمْ تَارِكٌ لِإِنْكَارِ اَلْمُنْكَرِ بِلِسَانِهِ وَ قَلْبِهِ وَ يَدِهِ فَذَلِكَ مَيِّتُ اَلْأَحْيَاءِ وَ مَا أَعْمَالُ اَلْبِرِّ كُلُّهَا وَ اَلْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ عِنْدَ اَلْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَ اَلنَّهْيِ عَنْ اَلْمُنْكَرِ إِلاَّ كَنَفْثَةٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ وَ إِنَّ اَلْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَ اَلنَّهْيَ عَنِ اَلْمُنْكَرِ لاَ يُقَرِّبَانِ مِنْ أَجَلٍ وَ لاَ يَنْقُصَانِ مِنْ رِزْقٍ وَ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ إِمَامٍ جَائِرٍ (1) -. قد سبق قولنا في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و هو أحد الأصول الخمسة عند أصحابنا (2) - و لجة الماء أعظمه و بحر لجي‏ ذو ماء عظيم و النفثة الفعلة الواحدة من نفثت الماء من فمي أي قدفته بقوة (3) - .

قال ع لا يعتقدن أحد أنه إن أمر ظالما بالمعروف أو نهى ظالما عن منكر أن ذلك يكون سببا لقتل ذلك الظالم المأمور أو المنهي إياه أو يكون سببا لقطع رزقه من جهته فإن الله تعالى قدر الأجل و قضى الرزق و لا سبيل لأحد أن يقطع على أحد عمره أو رزقه .