شرح نهج البلاغة - ج19

- ابن ابي الحديد المزيد...
431 /
307

و هذا الكلام ينبغي أن يحمل على أنه حث و حض و تحريض على النهي عن المنكر و الأمر بالمعروف و لا يحمل على ظاهره لأن الإنسان لا يجوز أن يلقي بنفسه إلى التهلكة معتمدا على أن الأجل مقدر و أن الرزق مقسوم و أن الإنسان متى غلب على ظنه أن الظالم يقتله و يقيم على ذلك المنكر و يضيف إليه منكرا آخر لم يجز له الإنكار .

فأما كلمة العدل عند الإمام الجائر فنحو

14,3- ما روي أن زيد بن أرقم رأى عبيد الله بن زياد و يقال بل يزيد بن معاوية يضرب بقضيب في يده ثنايا 3الحسين ع حين حمل إليه رأسه فقال له إيها ارفع يدك فطالما رأيت 14رسول الله ص يقبلها .

[فصل في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر]

و نحن نذكر خلاصة ما يقوله أصحابنا في النهي عن المنكر و نترك الاستقصاء فيه للكتب الكلامية التي هي أولى ببسط القول فيها من هذا الكتاب .

قال أصحابنا الكلام في ذلك يقع من وجوه منها وجوبه و منها طريق وجوبه و منها كيفية وجوبه و منها شروط حسنه و منها شروط وجوبه و منها كيفية إيقاعه و منها الكلام في الناهي عن المنكر و منها الكلام في النهي عن المنكر .

أما وجوبه فلا ريب فيه لأن المنكر قبيح كله و القبيح يجب تركه فيجب النهي عنه .

و أما طريق وجوبه فقد قال الشيخ أبو هاشم رحمه الله إنه لا طريق إلى وجوبه إلا السمع و قد أجمع المسلمون على ذلك و ورد به نص القرآن في غير موضع .

308

قال الشيخ أبو علي رحمه الله العقل يدل على وجوبه و إلى هذا القول مال شيخنا أبو الحسين رحمه الله .

و أما كيفية وجوبه فإنه واجب على الكفاية دون الأعيان لأن الغرض ألا يقع المنكر فإذا وقع لأجل إنكار طائفة لم يبق وجه لوجوب الإنكار على من سواها .

و أما شروط حسنه فوجوه منها أن يكون ما ينكره قبيحا لأن إنكار الحسن و تحريمه قبيح و القبيح على ضروب فمنه ما يقبح من كل مكلف و على كل حال كالظلم و منها ما يقبح من كل مكلف على وجه دون وجه كالرمي بالسهام و تصريف الحمام و العلاج بالسلاح لأن تعاطي ذلك لمعرفة الحرب و التقوى على العدو و لتعرف أحوال البلاد بالحمام حسن لا يجوز إنكاره و إن قصد بالاجتماع على ذلك الاجتماع على السخف و اللهو و معاشرة ذوي الريب و المعاصي فهو قبيح يجب إنكاره .

و منه ما يقبح من مكلف و يحسن من آخر على بعض الوجوه كشرب النبيذ و التشاغل بالشطرنج فأما من يرى حظرهما أو يختار تقليد من يفتي بحظرهما فحرام عليه تعاطيهما على كل حال و متى فعلهما حسن الإنكار عليه و أما من يرى إباحتهما أو من يختار تقليد من يفتي بإباحتهما فإنه يجوز له تعاطيهما على وجه دون وجه و ذلك أنه يحسن شرب النبيذ من غير سكر و لا معاقرة و الاشتغال بالشطرنج للفرجة و تخريج الرأي و العقل و يقبح ذلك إذا قصد به السخف و قصد بالشرب المعاقرة و السكر فالثاني يحسن إنكاره و يجب و الأول لا يحسن إنكاره لأنه حسن من فاعله .

و منها أن يعلم المنكر أن ما ينكره قبيح لأنه إذا جوز حسنه كان بإنكاره له و تحريمه إياه محرما لما لا يأمن أن يكون حسنا فلا يأمن أن يكون ما فعله من النهي‏

309

نهيا عن حسن و كل فعل لا يأمن فاعله أن يكون مختصا بوجه قبيح فهو قبيح أ لا ترى أنه يقبح من الإنسان أن يخبر على القطع بأن زيدا في الدار إذا لم يأمن ألا يكون فيها لأنه لا يأمن أن يكون خبره كذبا ـ و منها أن يكون ما ينهى عنه واقعا لأن غير الواقع لا يحسن النهي عنه و إنما يحسن الذم عليه و النهي عن أمثاله .

و منها ألا يغلب على ظن المنكر أنه إن أنكر المنكر فعله المنكر عليه و ضم إليه منكرا آخر و لو لم ينكر عليه لم يفعل المنكر الآخر فمتى غلب على ظنه ذلك قبح إنكاره لأنه يصير مفسدة نحو أن يغلب على ظننا أنا إن أنكرنا على شارب الخمر شربها شربها و قرن إلى شربها القتل و إن لم ننكر عليه شربها و لم يقتل أحدا .

و منها ألا يغلب على ظن الناهي عن المنكر أن نهيه لا يؤثر فإن غلب على ظنه ذلك قبح نهيه عند من يقول من أصحابنا إن التكليف من المعلوم منه أنه يكفر لا يحسن إلا أن يكون فيه لطف لغير ذلك المكلف و أما من يقول من أصحابنا إن التكليف من المعلوم منه أنه يكفر حسن و إن لم يكن فيه لطف لغير المكلف فإنه لا يصح منه القول بقبح هذا الإنكار .

فأما شرائط وجوب النهي عن المنكر فأمور منها أن يغلب على الظن وقوع المعصية نحو أن يضيق وقت صلاة الظهر و يرى الإنسان لا يتهيأ للصلاة أو يراه تهيأ لشرب الخمر بإعداد آلته و متى لم يكن كذلك حسن منا أن ندعوه إلى الصلاة و إن لم يجب علينا دعاؤه .

و منها ألا يغلب على ظن الناهي عن المنكر أنه إن أنكر المنكر لحقته في نفسه و أعضائه مضرة عظيمة فإن غلب ذلك على ظنه و أنه لا يمتنع من ينكر عليه من فعل‏

310

ما ينكره عليه أيضا فإنه لا يجب عليه الإنكار بل و لا يحسن منه لأنه مفسدة .

و إن غلب على ظنه أنه لا يفعل ما أنكره عليه و لكنه يضر به نظر فإن كان إضراره به أعظم قبحا مما يتركه إذا أنكر عليه فإنه لا يحسن الإنكار عليه لأن الإنكار عليه قد صار و الحالة هذه مفسدة نحو أن ينكر الإنسان على غيره شرب الخمر فيترك شربها و يقتله و إن كان ما يتركه إذا أنكر عليه أعظم قبحا مما ينزل به من المضرة نحو أن يهم بالكفر فإذا أنكر عليه تركه و جرح المنكر عليه أو قتله فإنه لا يجب عليه الإنكار و يحسن منه الإنكار أما قولنا لا يجب عليه الإنكار فلأن الله تعالى قد أباحنا التكلم بكلمة الكفر عند الإكراه فبأن يبيحنا ترك غيرنا أن يتلفظ بذلك عند الخوف على النفس أولى و أما قولنا إنه يحسن الإنكار فلأن في الإنكار مع الظن لما ينزل بالنفس من المضرة إعزازا للدين كما أن في الامتناع من إظهار كلمة الكفر مع الصبر على قتل النفس إعزازا للدين لا فضل بينهما .

فأما كيفية إنكار المنكر فهو أن يبتدئ بالسهل فإن نفع و إلا ترقى إلى الصعب لأن الغرض ألا يقع المنكر فإذا أمكن ألا يقع بالسهل فلا معنى لتكلف الصعب و لأنه تعالى أمر بالإصلاح قبل القتال في قوله‏ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمََا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدََاهُمََا عَلَى اَلْأُخْرى‏ََ فَقََاتِلُوا اَلَّتِي تَبْغِي‏ (1) .

فأما الناهي عن المنكر من هو فهو كل مسلم تمكن منه و اختص بشرائطه لأن الله تعالى قال‏ وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى اَلْخَيْرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ اَلْمُنْكَرِ (2) و لإجماع المسلمين على أن كل من شاهد غيره تاركا للصلاة غير محافظ عليها فله أن يأمره بها بل يجب عليه إلا أن الإمام و خلفاءه أولى بالإنكار بالقتال لأنه أعرف بسياسة الحرب و أشد استعدادا لآلاتها .

____________

(1) سورة الحجرات 9.

(2) سورة آل عمران 104.

311

فأما المنهي من هو فهو كل مكلف اختص بما ذكرناه من الشروط و غير المكلف إذا هم بالإضرار لغيره منه و يمنع الصبيان و ينهون عن شرب الخمر حتى لا يتعودوه كما يؤاخذون بالصلاة حتى يمرنوا عليها و هذا ما ذكره أصحابنا (1) - .

فأما قوله ع‏ و منهم المنكر بلسانه و قلبه و التارك بيده فذلك متمسك بخصلتين من خصال الخير و مضيع خصلة فإنه يعني به من يعجز عن الإنكار باليد لمانع لأنه لم يخرج هذا الكلام مخرج الذم و لو كان لم يعن العاجز لوجب أن يخرج الكلام مخرج الذم لأنه ليس بمعذور في أن ينكر بقلبه و لسانه إذا أخل بالإنكار باليد مع القدرة على ذلك و ارتفاع الموانع (2) - .

و أما قوله‏ ضيع أشرف الخصلتين فاللام زائدة و أصله ضيع أشرف خصلتين من الثلاث لأنه لا وجه لتعريف المعهود هاهنا في الخصلتين بل تعريف الثلاث باللام أولى و يجوز حذفها من الثلاث و لكن إثباتها أحسن كما تقول قتلت أشرف رجلين من الرجال الثلاثة (3) - .

و أما قوله‏ فذلك ميت الأحياء فهو نهاية ما يكون من الذم .

و اعلم أن النهي عن المنكر و الأمر بالمعروف عند أصحابنا أصل عظيم من أصول الدين و إليه تذهب الخوارج الذين خرجوا على السلطان متمسكين بالدين و شعار الإسلام مجتهدين في العبادة لأنهم إنما خرجوا لما غلب على ظنونهم أو علموا جور الولاة و ظلمهم و أن أحكام الشريعة قد غيرت و حكم بما لم يحكم به الله و على هذا الأصل تبنى الإسماعيلية من الشيعة قتل ولاة الجور غيلة و عليه بناء أصحاب الزهد في الدنيا الإنكار على الأمراء و الخلفاء و مواجهتهم بالكلام الغليظ لما عجزوا عن الإنكار باليد و بالجملة فهو أصل شريف أشرف من جميع أبواب البر و العبادة كما قال 1أمير المؤمنين ع

312

*3381* 381 و من كلامه ع في بيان مراتب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و أن الإنكار بالقلب و هو آخر المراتب لا بد منه على كل حال‏

وَ رَوَى أَبُو جُحَيْفَةَ عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ سَمِعْتُ 1أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ ع يَقُولُ: إِنَّ أَوَّلَ أَوَّلُ مَا تُغْلَبُونَ عَلَيْهِ مِنَ اَلْجِهَادِ اَلْجِهَادُ بِأَيْدِيكُمْ ثُمَّ بِأَلْسِنَتِكُمْ ثُمَّ بِقُلُوبِكُمْ فَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ بِقَلْبِهِ مَعْرُوفاً وَ لَمْ يُنْكِرْ مُنْكَراً قُلِبَ فَجُعِلَ أَعْلاَهُ أَسْفَلَهُ وَ أَسْفَلُهُ أَعْلاَهُ (1) -. إنما قال ذلك لأن الإنكار بالقلب آخر المراتب و هو الذي لا بد منه على كل حال فأما الإنكار باللسان و باليد فقد يكون منهما بد و عنهما عذر فمن ترك النهي عن المنكر بقلبه و الأمر بالمعروف بقلبه فقد سخط الله عليه لعصيانه فصار كالممسوخ الذي يجعل الله تعالى أعلاه أسفله و أسفله أعلاه تشويها لخلقته و من يقول بالأنفس الجسمانية و إنها بعد المفارقة يصعد بعضها إلى العالم العلوي و هي نفوس الأبرار و بعضها ينزل إلى المركز و هي نفوس الأشرار يتأول هذا الكلام على مذهبه فيقول إن من لا يعرف بقلبه معروفا أي لا يعرف من نفسه باعثا عليه و لا متقاضيا بفعله و لا ينكر بقلبه منكرا أي لا يأنف منه و لا يستقبحه و يمتعض من فعله يقلب نفسه التي قد كان سبيلها أن تصعد إلى عالمها فتجعل هاوية في حضيض الأرض و ذلك عندهم هو العذاب و العقاب‏

313

*3382* 382 و من كلامه ع في ثقل الحق و حسن عاقبته و خفة الباطل و سوء عاقبته‏

وَ قَالَ ع إِنَّ اَلْحَقَّ ثَقِيلٌ مَرِي‏ءٌ وَ إِنَّ اَلْبَاطِلَ خَفِيفٌ وَبِي‏ءٌ (1) -. تقول مرؤ الطعام بالضم يمرؤ مراءة فهو مري‏ء على فعيل مثل خفيف و ثقيل و قد جاء مرئ الطعام بالكسر كما قالوا فقه الرجل و فقه و وبي‏ء البلد بالكسر يوبأ وباءة فهو وبي‏ء على فعيل أيضا و يجوز فهو وبئ على فعل مثل حذر و أشر .

يقول ع الحق و إن كان ثقيلا إلا أن عاقبته محمودة و مغبته صالحة و الباطل و إن كان خفيفا إلا أن عاقبته مذمومة و مغبته غير صالحة فلا يحملن أحدكم حلاوة عاجل الباطل على فعله فلا خير في لذة قليلة عاجلة يتعقبها مضار عظيمة آجلة و لا يصرفن أحدكم عن الحق ثقله فإنه سيحمد عقبى ذلك كما يحمد شارب الدواء المر شربه فيما بعد إذا وجد لذة العافية

314

*3383* 383 و من كلامه ع في النهي عن القطع على مغيب أحد من الناس بأنه من أهل الجنة أو النار

وَ قَالَ ع لاَ تَأْمَنَنَّ عَلَى خَيْرِ هَذِهِ اَلْأُمَّةِ عَذَابَ اَللَّهِ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى‏ فَلاََ يَأْمَنُ مَكْرَ اَللََّهِ إِلاَّ اَلْقَوْمُ اَلْخََاسِرُونَ‏ (1) وَ لاَ تَيْأَسَنَّ لِشَرِّ هَذِهِ اَلْأُمَّةِ مِنْ رَوْحِ اَللَّهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى‏ إِنَّهُ لاََ يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اَللََّهِ إِلاَّ اَلْقَوْمُ اَلْكََافِرُونَ (1) - (2) . هذا كلام ينبغي أن يحمل على أنه أراد ع النهي عن القطع على مغيب أحد من الناس و أنه لا يجوز لأحد أن يقول فلان قد نجا و وجبت له الجنة و لا فلان قد هلك و وجبت له النار و هذا القول حق لأن الأعمال الصالحة لا يحكم لصاحبها بالجنة إلا بسلامة العاقبة و كذلك الأعمال السيئة لا يحكم لصاحبها بالنار إلا أن مات عليها فأما الاحتجاج بالآية الأولى فلقائل أن يقول إنها لا تدل على ما أفتى ع به و ذلك لأن معناها أنه لا يجوز للعاصي أن يأمن مكر الله على نفسه و هو مقيم على عصيانه أ لا ترى أن أولها أَ فَأَمِنَ أَهْلُ اَلْقُرى‏ََ أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنََا بَيََاتاً وَ هُمْ نََائِمُونَ `أَ وَ أَمِنَ أَهْلُ اَلْقُرى‏ََ أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنََا ضُحًى وَ هُمْ يَلْعَبُونَ `أَ فَأَمِنُوا مَكْرَ اَللََّهِ فَلاََ يَأْمَنُ مَكْرَ اَللََّهِ إِلاَّ اَلْقَوْمُ اَلْخََاسِرُونَ‏ (3) و ليست دالة على ما نحن

____________

(1) سورة الأعراف 99.

(2) سورة يوسف 87.

(3) سورة الأعراف 97-99.

315

فيه لأن الذي نحن فيه هل يجوز لأحد أن يأمن على الصالحين من هذه الأمة عذاب الله .

فأما الآية الثانية فالاحتجاج بها جيد لا شبهة فيه لأنه يجوز أن يتوب العاصي و التوبة من روح الله .

فإن قلت و كذاك يجوز أن يكفر المسلم المطيع قلت صدقت و لكن كفره ليس من مكر الله فدل على أن المراد بالآية أنه لا ينبغي للعاصي أن يأمن من عقوبة الله ما دام عاصيا و هذا غير مسألتنا

316

*3384* 384 و من كلامه ع في البخل و الشح‏

وَ قَالَ ع اَلْبُخْلُ جَامِعٌ لِمَسَاوِئِ اَلْعُيُوبِ وَ هُوَ زِمَامٌ يُقَادُ بِهِ إِلَى كُلِّ سُوءٍ (1) -. قد تقدم القول في البخل و الشح و نحن نذكر هاهنا زيادات أخرى

[أقوال مأثورة في الجود و البخل‏]

قال بعض الحكماء السخاء هيئة للإنسان داعية إلى بذل المقتنيات حصل معه البذل لها أو لم يحصل و ذلك خلق و يقابله الشح و أما الجود فهو بذل المقتنى و يقابله البخل هذا هو الأصل و إن كان كل واحد منها قد يستعمل في موضع الآخر و الذي يدل على صحة هذا الفرق أنهم جعلوا اسم الفاعل من السخاء و الشح على بناء الأفعال الغريزية فقالوا شحيح و سخي فبنوه على فعيل كما قالوا حليم و سفيه و عفيف و قالوا جائد و باخل فبنوهما على فاعل كضارب و قاتل فأما قولهم بخيل فمصروف عن لفظ فاعل للمبالغة كقولهم في راحم رحيم و يدل أيضا على أن السخاء غريزة و خلق أنهم لم يصفوا البارئ سبحانه به فيقولوا سخي فأما الشح فقد عظم أمره و خوف منه و لهذا

14- قال ع ثلاث مهلكات شح مطاع و هوى متبع و إعجاب المرء بنفسه.

فخص المطاع تنبيها على أن وجود الشح‏

317

في النفس فقط ليس مما يستحق به ذم لأنه ليس من فعله و إنما يذم بالانقياد له قال سبحانه‏ وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ‏ (1) و قال‏ وَ أُحْضِرَتِ اَلْأَنْفُسُ اَلشُّحَ‏ (2) .

14- و 14قال ع لا يجتمع شح و إيمان في قلب أبدا.

فأما الجود فإنه محمود على جميع ألسنة العالم و لهذا قيل كفى بالجود مدحا أن اسمه مطلقا لا يقع إلا في حمد و كفى بالبخل ذما أن اسمه مطلقا لا يقع إلا في ذم .

و قيل لحكيم أي أفعال البشر أشبه بأفعال الباري سبحانه فقال الجود .

14- و قال 14النبي ص الجود شجرة من أشجار الجنة من أخذ بغصن من أغصانها أداه إلى الجنة و البخل شجرة من أشجار النار من أخذ بغصن من أغصانها أداه إلى النار .

و من شرف الجود أن الله سبحانه قرن ذكره بالإيمان و وصف أهله بالفلاح و الفلاح اسم جامع لسعادة الدارين قال سبحانه‏ اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاََةَ وَ مِمََّا رَزَقْنََاهُمْ يُنْفِقُونَ إلى قوله‏ وَ أُولََئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ‏ (3) و قال‏ وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولََئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ‏ (4) .

و حق للجود بأن يقرن بالإيمان فلا شي‏ء أخص به و أشد مجانسة له منه فإن من صفة المؤمن انشراح الصدر كما قال تعالى‏ فَمَنْ يُرِدِ اَللََّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلاََمِ وَ مَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمََا يَصَّعَّدُ فِي اَلسَّمََاءِ (5) و هذا من صفات الجواد و البخيل لأن الجواد واسع الصدر منشرح مستبشر للإنفاق و البذل و البخيل قنوط ضيق الصدر حرج القلب ممسك .

14- و قال 14النبي ص و أي داء أدوأ من البخل.

و البخل على ثلاثة أضرب بخل الإنسان بماله على نفسه و بخله بماله على غيره و بخله

____________

(1) سورة التغابن 16.

(2) سورة النساء 128.

(3) سورة البقرة 3-5.

(4) سورة الحشر 9.

(5) سورة الأنعام 125.

318

بمال غيره على نفسه أو على غيره و أفحشها بخله بمال غيره على نفسه و أهونها و إن كان لا هين فيها بخله بماله على غيره .

14- و 14قال ع اللهم اجعل لمنفق خلفا و لممسك تلفا.

14- و قال إن الله عز و جل ينزل المعونة على قدر المئونة.

14- و قال أيضا من وسع وسع عليه.

و قالت الفلاسفة الجود على أقسام فمنها الجود الأعظم و هو الجود الإلهي و هو الفيض العام المطلق و إنما يختلف لاختلاف المواد و استعداداتها و إلا فالفيض في نفسه عام غير خاص و بعده جود الملوك و هو الجود بجزء من المال على من تدعوهم الدواعي و الأغراض إلى الجود عليه و يتلوه جود السوقة و هو بذل المال للعفاة أو الندامى و الشرب و المعاشرين و الإحسان إلى الأقارب .

قالوا و اسم الجود مجاز إلا الجود (1) الإلهي العام فإنه عار عن الغرض و الداعي و أما من يعطي لغرض و داع نحو أن يحب الثناء و المحمدة فإنه مستعيض و تاجر يعطي شيئا ليأخذ شيئا قالوا قول أبي نواس

فتى يشتري حسن الثناء بماله # و يعلم أن الدائرات تدور

ليس بغاية في الوصف بالجود التام بل هو وصف بتجارة محمودة و أحسن منه قول ابن الرومي

و تاجر البر لا يزال له # ربحان في كل متجر تجره

أجر و حمد و إنما طلب الأجر # و لكن كلاهما اعتوره.

و أحسن منهما قول بشار

ليس يعطيك للرجاء و لا الخوف # و لكن يلذ طعم العطاء (2)

و نحن قد ذكرنا ما في هذا الموضع من البحث العقلي في كتبنا العقلية

____________

(1) ب: «على الجود» .

319

*3385* 385 و من كلامه ع في بيان أنواع الرزق‏

وَ قَالَ ع يَا اِبْنَ آدَمَ اَلرِّزْقُ رِزْقَانِ رِزْقٌ تَطْلُبُهُ وَ رِزْقٌ يَطْلُبُكَ فَإِنْ لَمْ تَأْتِهِ أَتَاكَ فَلاَ تَحْمِلْ هَمَّ سَنَتِكَ عَلَى هَمِّ يَوْمِكَ كَفَاكَ كُلَّ يَوْمٍ كُلُّ يَوْمٍ عَلَى مَا فِيهِ فَإِنْ تَكُنِ اَلسَّنَةُ مِنْ عُمُرِكَ فَإِنَّ اَللَّهَ تَعَالَى سَيُؤْتِيكَ فِي كُلِّ غَدٍ جَدِيدٍ مَا قَسَمَ لَكَ وَ إِنْ لَمْ تَكُنِ اَلسَّنَةُ مِنْ عُمُرِكَ فَمَا تَصْنَعُ بِالْهَمِّ فِيمَا لَيْسَ لَكَ وَ لَمْ يَسْبِقْكَ لَنْ يَسْبِقَكَ إِلَى رِزْقِكَ طَالِبٌ وَ لَنْ يَغْلِبَكَ عَلَيْهِ غَالِبٌ وَ لَنْ يُبْطِئَ عَنْكَ مَا قَدْ قُدِّرَ لَكَ. قال و قد مضى هذا الكلام فيما تقدم من هذا الباب إلا أنه هاهنا أوضح و أشرح فلذلك كررناه على القاعدة المقررة في أول هذا الكتاب (1) - قد تقدم القول في معاني هذا الفصل و روي أن جماعة دخلوا على الجنيد فاستأذنوه في طلب الرزق فقال إن علمتم في أي موضع هو فاطلبوه قالوا فنسأل الله تعالى ذلك قال إن علمتم أنه ينساكم فذكروه قالوا فندخل البيت و نتوكل و ننتظر ما يكون فقال التوكل على التجربة شك قالوا فما الحيلة قال ترك الحيلة .

و روي أن رجلا لازم باب عمر فضجر منه فقال له يا هذا هاجرت إلى الله تعالى أم إلى باب عمر اذهب فتعلم القرآن فإنه سيغنيك عن باب عمر فذهب الرجل‏

320

و غاب مدة حتى افتقده عمر فإذا هو معتزل مشتغل بالعبادة فأتاه عمر فقال له إني اشتقت إليك فما الذي شغلك عنا قال إني قرأت القرآن فأغناني عن عمر و آل عمر فقال رحمك الله فما وجدت فيه قال وجدت فيه‏ وَ فِي اَلسَّمََاءِ رِزْقُكُمْ وَ مََا تُوعَدُونَ‏ (1) فقلت رزقي في السماء و أنا أطلبه في الأرض إني لبئس الرجل فبكى عمر و قال صدقت و كان بعد ذلك ينتابه و يجلس إليه‏

____________

(1) سورة الذاريات 22.

غ

321

*3386* 386 و من كلامه ع في بيان سرعة الأجل و عدم الاغترار بالدنيا

وَ قَالَ ع رُبَّ مُسْتَقْبِلٍ يَوْماً لَيْسَ بِمُسْتَدْبِرِهِ وَ مَغْبُوطٍ فِي أَوَّلِ لَيْلِهِ قَامَتْ بَوَاكِيهِ فِي آخِرِهِ (1) - (1) . مثل هذا قول الشاعر

يا راقد الليل مسرورا بأوله # إن الحوادث قد يطرقن أسحارا.

و مثله‏

لا يغرنك عشاء ساكن # قد يوافي بالمنيات السحر

____________

(1) في د «و مغبوط في أول ليل قامت بواكيه في آخره» .

322

*3387* 387 و من كلامه ع في مدح الصمت و ذم الكلام الكثير

وَ قَالَ ع اَلْكَلاَمُ فِي وَثَاقِكَ مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ بِهِ فَإِذَا تَكَلَّمْتَ بِهِ صِرْتَ فِي وَثَاقِهِ فَاخْزُنْ لِسَانَكَ كَمَا تَخْزُنُ ذَهَبَكَ وَ وَرِقَكَ فَرُبَّ كَلِمَةٍ سَلَبَتْ نِعْمَةً وَ جَلَبَتْ نِقْمَةً (1) - . قد تقدم القول في مدح الصمت و ذم الكلام الكثير .

و كان يقال لا خير في الحياة إلا لصموت واع أو ناطق محسن .

و قيل لحذيفة قد أطلت سجن لسانك فقال لأنه غير مأمون [إذا أطلق‏] (1) .

و من أمثال العرب رب كلمة تقول دعني .

و قالوا أصلها أن بعض ملوك الحيرة كان قد استراب ببعض خوله فنزل يوما و هو يتصيد على تلعة و نزل أصحابه حوله فأفاضوا في حديث كثير فقال ذلك الإنسان أ ترى لو أن رجلا ذبح على رأس هذه التلعة هل كان يسيل دمه إلى أول الغائط فقال الملك هلموا فاذبحوه لننظر فذبحوه فقال الملك رب كلمة تقول دعني .

و قال أكثم بن صيفي من إكرام الرجل نفسه ألا يتكلم بكل ما يعلم .

و تذاكر قوم من العرب و فيهم رجل باهلي ساكت فقيل له بحق ما سميتم خرس العرب‏ (2) فقال أ ما علمتم أن لسان المرء لغيره و سمعه لنفسه‏

____________

(1) من ا، د.

(2) كذا في ا، و بعدها في ب: فنالوا له: لم لا تتكلم؟فقال: أ ما علمتم... » .

323

*3388* 388 و من كلامه ع في النهي عن الكذب أو القول ما لا يأمن من كونه كذبا

وَ قَالَ ع لاَ تَقُلْ مَا لاَ تَعْلَمُ بَلْ لاَ تَقُلْ كُلَّ مَا تَعْلَمُ فَإِنَّ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدْ فَرَضَ عَلَى جَوَارِحِكَ كُلِّهَا فَرَائِضَ يَحْتَجُّ بِهَا عَلَيْكَ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ (1) - . هذا نهي عن الكذب و أن تقول ما لا تأمن من كونه كذبا فإن الأمرين كليهما قبيحان عقلا عند أصحابنا .

فإن قلت كيف يقول أصحابكم أن الخبر الذي لا يأمن كونه كذبا قبيح و الناس يستحسنون الأخبار عن المظنون‏ (1) قلت إذا قال الإنسان زيد في الدار و هو يظنه في الدار و لا يقطع عليه فإن الحسن منه أن يخبر عن ظنه كأن يقول أخبر عن أني أظن أن زيدا في الدار و إذا كان هذا هو تقديره فالخبر إذن خبر عن معلوم لا عن مظنون لأنه قاطع على أنه ظان أن زيدا في الدار .

فأما إذا فرض الخبر لا على هذا الوجه بل على القطع بأن زيدا في الدار و هو لا يقطع على أن زيدا في الدار فقد أخبر بخبر ليس على ما أخبر به عنه لأنه أخبر عن أنه قاطع و ليس بقاطع فكان قبيحا

____________

(1) كذا في ا، ب و في د: «المظنونات» .

324

*3389* 389 و من كلامه ع في الابتعاد عن أماكن المعصية و الحضور في أماكن الطاعة و عدم التجرأ على فعل المعصية طمعا في المغفرة و العفو العام‏

وَ قَالَ ع اِحْذَرْ أَنْ يَرَاكَ اَللَّهُ عِنْدَ مَعْصِيَتِهِ وَ يَفْقِدَكَ عِنْدَ طَاعَتِهِ فَتَكُونَ مِنَ اَلْخَاسِرِينَ وَ إِذَا قَوِيتَ فَاقْوَ عَلَى طَاعَةِ اَللَّهِ وَ إِذَا ضَعُفْتَ فَاضْعُفْ عَنْ مَعْصِيَةِ اَللَّهِ (1) -. من علم يقينا أن الله تعالى يراه عند معصيته كان أجد الناس أن يجتنبها كما إذا علمنا يقينا أن الملك يرى الواحد منا و هو يراود جاريته عن نفسها أو يحادث ولده ليفجر به و لكن اليقين في البشر ضعيف جدا أو أنهم أحمق الحيوان و أجهله و بحق أقول إنهم إن اعتقدوا ذلك اعتقادا لا يخالطه الشك ثم واقعوا المعصية و عندهم عقيدة أخرى ثابتة أن العقاب لاحق بمن عصى فإن الإبل و البقر أقرب إلى الرشاد منهم .

و أقول إن الذي جرأ الناس على المعصية الطمع في المغفرة و العفو العام و قولهم الحلم و الكرم و الصفح من أخلاق ذوي النباهة و الفضل من الناس فكيف لا يكون من الباري سبحانه عفو عن الذنوب .

و ما أحسن قول شيخنا أبي علي رحمه الله لو لا القول بالإرجاء لما عصي الله في الأرض‏

325

*3390* 390 و من كلامه ع في الدنيا و حمق من يركن إليها مع معاينة غدرها

وَ قَالَ ع اَلرُّكُونُ إِلَى اَلدُّنْيَا مَعَ مَا تُعَايِنُ مِنْهَا جَهْلٌ وَ اَلتَّقْصِيرُ فِي حُسْنِ اَلْعَمَلِ إِذَا وَثِقْتَ بِالثَّوَابِ عَلَيْهِ غَبْنٌ وَ اَلطُّمَأْنِينَةُ إِلَى كُلِّ أَحَدٍ قَبْلَ اَلاِخْتِبَارِ لَهُ عَجْزٌ (1) -. قد تقدم الكلام في الدنيا و حمق من يركن إليها مع معاينة غدرها و قلة وفائها و نقضها عهودها و قتلها عشاقها .

و لا ريب أن الغبن و أعظم الغبن هو التقصير في الطاعة مع يقين الثواب عليها و أما الطمأنينة إلى من لم يعرف و لم يختبر فإنها عجز كما قال ع يعني عجزا في العقل و الرأي فإن الوثوق مع التجربة فيه ما فيه فكيف قبل التجربة .

و قال الشاعر

و كنت أرى أن التجارب عدة # فخانت ثقات الناس حين التجارب‏

326

*3391* 391 و من كلامه ع في بيان حال الدنيا و هوانها و اغترار الناس بها

وَ قَالَ ع مِنْ هَوَانِ اَلدُّنْيَا عَلَى اَللَّهِ أَنَّهُ لاَ يُعْصَى إِلاَّ فِيهَا وَ لاَ يُنَالُ مَا عِنْدَهُ إِلاَّ بِتَرْكِهَا (1) -. هذا الكلام نسبه الغزالي في كتاب إحياء علوم الدين إلى أبي الدرداء و الصحيح أنه من كلام 1علي ع ذكره شيخنا أبو عثمان الجاحظ في غير موضع من كتبه و هو أعرف بكلام الرجال

[نبذ مما قيل في حال الدنيا و هوانها و اغترار الناس بها]

و قد تقدم من كلامنا في حال الدنيا و هوانها على الله و اغترار الناس بها و غدرها بهم‏ (1) و ذم العقلاء لها و تحذيرهم منها ما فيه كفاية .

و نحن نذكر هاهنا زيادة على ذلك .

يقال إن في بعض كتب الله القديمة الدنيا غنيمة الأكياس و غفلة الجهال لم يعرفوها حتى خرجوا منها فسألوا الرجعة فلم يرجعوا .

و قال بعض العارفين من سأل الله [تعالى‏] (2) الدنيا فإنما سأله طول الوقوف بين يديه .

____________

(1) ا: «و غدرهم بها» .

(2) من د.

327

و قال الحسن لا تخرج نفس ابن آدم من الدنيا إلا بحسرات ثلاث أنه لم يشبع مما جمع و لم يدرك ما أمل و لم يحسن الزاد لما يقدم‏ (1) عليه .

و من كلامه أهينوا الدنيا فو الله ما هي لأحد بأهنأ منها لمن أهانها .

و قال محمد بن المنكدر (2) أ رأيت لو أن رجلا صام الدهر لا يفطر و قام الليل لا يفتر و تصدق بماله و جاهد في سبيل الله و اجتنب محارم الله تعالى غير أنه يؤتى به يوم القيامة فيقال إن هذا مع ما قد عمل كان يعظم في عينه ما صغر الله و يصغر في عينه ما عظم الله كيف ترى يكون حاله فمن منا ليس هكذا الدنيا عظيمة عنده مع ما اقترفنا من الذنوب و الخطايا .

و قد ضربت الحكماء مثلا للدنيا نحن نذكره هاهنا قالوا مثل الدنيا و أهلها كقوم ركبوا سفينة فانتهت بهم إلى جزيرة فأمرهم الملاح بالخروج لقضاء الحاجة و حذرهم المقام و خوفهم مرور السفينة و استعجالها فتفرقوا في نواحي الجزيرة فقضى بعضهم حاجته و بادر إلى السفينة فصادف المكان خاليا فأخذ أوسع المواضع و ألينها و أوفقها لمراده و بعضهم توقف في الجزيرة ينظر إلى أزهارها و أنوارها العجيبة و غياضها الملتفة و نغمات طيورها الطيبة و ألحانها الموزونة الغريبة و لحظ في تزيينها أحجارها و جواهرها و معادنها المختلفة الألوان ذوات الأشكال الحسنة المنظر العجيبة النقش السالبة أعين الناظرين بحسن زبرجها و عجائب صورها ثم تنبه لخطر فوات السفينة فرجع إليها فلم يصادف إلا مكانا ضيقا حرجا فاستقر فيه و بعضهم أكب فيها على تلك الأصداف و الأحجار و قد أعجبه حسنها و لم تسمح نفسه بإهمالها و تركها فاستصحب منها جملة فجاء إلى السفينة فلم يجد إلا مكانا ضيقا و زاده ما حمله ضيقا و صار ثقلا عليه و وبالا فندم على أخذه و لم تطعه نفسه على رميه و لم يجد موضعا له فحمله على عنقه

____________

(1) ا: «قدم عليه» .

(2) كذا في ا، و هو الصواب، و في ب، د: «المنذر» .

328

و رأسه و جلس في المكان الضيق في السفينة و هو متأسف على أخذه و نادم و ليس ينفعه ذلك ـ و بعضهم تولج بتلك الأنوار و الغياض و نسي السفينة و أبعد في متفرجه و متنزهه حتى أن نداء الملاح لم يبلغه لاشتغاله بأكل تلك الثمار و اشتمامه تلك الأنوار و التفرج بين تلك الأشجار و هو مع ذلك خائف على نفسه من السباع و السقطات و النكبات و نهش الحيات و ليس ينفك عن شوك يتشبث بثيابه و غصن يجرح جسمه و مروة تدمي رجله و صوت هائل يفزع منه و عوسج يملأ طريقه و يمنعه عن الانصراف لو أراده و كان في جماعة ممن كان معه في السفينة حالهم حاله فلما بلغهم نداء السفينة راح بعضهم مثقلا بما معه فلم يجد في السفينة موضعا واسعا و لا ضيقا فبقي على الشط حتى مات جوعا و بعضهم بلغه النداء فلم يعرج عليه و استغرقته اللذة و سارت السفينة فمنهم من افترسته السباع و منهم من تاه و هام على وجهه حتى هلك و منهم من ارتطم في الأوحال و منهم من نهشته الحيات فتفرقوا هلكى كالجيف المنتنة فأما من وصل إلى السفينة مثقلا بما أخذه من الأزهار و الفاكهة اللذيذة و الأحجار المعجبة فإنها استرقته و شغله الحزن بحفظها و الخوف من ذهابها عن جميع أموره و ضاق عليه بطريقها مكانه فلم تلبث أن ذبلت تلك الأزهار و فسدت تلك الفاكهة الغضة و كمدت ألوان الأحجار و حالت فظهر له نتن رائحتها فصارت مع كونها مضيقة عليه مؤذية له بنتنها و وحشتها فلم يجد حيلة إلا أن ألقاها في البحر هربا منها و قد أثر في مزاجه ما أكله منها فلم ينته إلى بلده إلا بعد أن ظهرت عليه الأسقام بما أكل و ما شم من تلك الروائح فبلغ سقيما وقيذا مدبرا و أما من كان رجع عن قريب و ما فاته إلا سعة المحل فإنه تأذى بضيق المكان مدة و لكن لما وصل إلى الوطن استراح و أما من رجع أولا فإنه وجد المكان الأوسع و وصل إلى الوطن سالما طيب القلب مسرورا .

329

فهذا مثال أهل الدنيا في اشتغالهم بحظوظهم العاجلة و نسيانهم موردهم و مصدرهم و غفلتهم عن عاقبة أمرهم و ما أقبح حال من يزعم أنه بصير عاقل و تغره حجارة الأرض و هي الذهب و الفضة و هشيم النبت و هو زينة الدنيا و هو يعلم يقينا أن شيئا من ذلك لا يصحبه عند الموت بل يصير كله وبالا عليه و هو في الحال الحاضرة شاغل له بالخوف عليه و الحزن و الهم لحفظه و هذه حال الخلق كلهم إلا من عصمه الله .

و قد ضرب أيضا لها مثال آخر في عبور الإنسان عليها قالوا الأحوال ثلاثة حال لم يكن الإنسان فيها شيئا و هي ما قبل وجوده إلى الأزل و حال لا يكون فيها موجودا مشاهدا للدنيا و هي بعد موته إلى الأبد و حالة متوسطة بين الأزل و الأبد و هي أيام حياته في الدنيا فلينظر العاقل إلى الطرفين الطويلين و لينظر إلى الحالة المتوسطة هل يجد لها نسبة إليها (1) و إذا رأى العاقل الدنيا بهذه العين لم يركن إليها و لم يبال كيف تقضت أيامه فيها في ضر و ضيق أو في سعة و رفاهة بل لا يبني لبنة على لبنة

14- توفي 14رسول الله ص و ما وضع لبنة على لبنة و لا قصبة على قصبة و رأى بعض الصحابة بنى بيتا من جص فقال أرى الأمر أعجل من هذا و أنكر ذلك.

و لهذا

14- قال 14النبي ص ما لي و للدنيا إنما مثلي و مثلها كراكب سار في يوم صائف فرفعت له شجرة فقام تحت ظلها ساعة ثم راح و تركها.

16- و إلى هذا أشار عيسى ابن مريم حيث قال الدنيا قنطرة فاعبروها و لا تعمروها.

و هو مثل صحيح فإن الحياة الدنيا قنطرة إلى الآخرة و المهد هو أحد جانبي القنطرة و اللحد الجانب الآخر و بينهما مسافة محدودة فمن الناس من قطع نصف القنطرة و منهم من قطع ثلثيها و منهم من لم يبق له إلا خطوة واحدة و هو غافل عنها و كيفما كان فلا بد من العبور و الانتهاء و لا ريب أن عمارة هذه القنطرة و تزيينها بأصناف الزينة لمن

____________

(1) كذا في ا، و في ب، د: «إليهما» .

330

هو محمول قسرا و قهرا على عبورها يسوقه سائق عنيف غاية الجهل و الخذلان .

14- و في الحديث المرفوع أن 14رسول الله ص مر على شاة ميتة فقال أ ترون أن هذه الشاة هينة على أهلها قالوا نعم و من هوانها ألقوها فقال و الذي نفسي بيده للدنيا أهون على الله من هذه الشاة على أهلها و لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة لما سقى كافرا منها شربة ماء.

14- و 14قال ص الدنيا سجن المؤمن و جنة الكافر.

14- و قال أيضا الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ما كان لله منها.

14- و قال أيضا من أحب دنياه أضر بآخرته و من أحب آخرته أضر بدنياه فآثروا ما يبقى على ما يفنى.

14- و قال أيضا حب الدنيا رأس كل خطيئة.

14- و روى زيد بن أرقم قال كنا مع أبي بكر فدعا بشراب فأتي بماء و عسل فلما أدناه من فيه بكى حتى أبكى أصحابه فسكتوا و ما سكت ثم عاد ليشرب فبكى حتى ظنوا أنهم لا يقدرون على مسألته ثم مسح عينيه فقالوا يا خليفة 14رسول الله ما أبكاك قال كنت مع 14رسول الله ص فرأيته يدفع بيده عن نفسه شيئا و لم أر معه أحدا فقلت يا 14رسول الله ما الذي تدفع عن نفسك قال هذه الدنيا مثلت لي فقلت لها إليك عني فرجعت و قالت إنك إن أفلت مني لم يفلت مني من بعدك و قال ص يا عجبا كل العجب للمصدق بدار الخلود و هو يسعى لدار الغرور .

16- و من الكلام المأثور عن عيسى ع لا تتخذوا الدنيا ربا فتتخذكم الدنيا عبيدا فاكنزوا كنزكم عند من لا يضيعه فإن صاحب كنز الدنيا يخاف عليه الآفة و صاحب كنز الآخرة لا يخاف عليه.

331

*3392* 392 و من كلامه ع في التفاخر بالأنساب و قد أبطأ العمل‏

وَ قَالَ ع مَنْ أَبْطَأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ: وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: مَنْ فَاتَهُ حَسَبُ نَفْسِهِ لَمْ يَنْفَعْهُ حَسَبُ آبَائِهِ (1) -. قد تقدم مثل هذا و قد ذكرنا ما عندنا فيه و قال الشاعر

لئن فخرت بآباء ذوي حسب # لقد صدقت و لكن بئس ما ولدوا.

و كان يقال أجهل الناس من افتخر بالعظام البالية و تبجح بالقرون الماضية و اتكل على الأيام الخالية .

و كان يقال من طريف الأمور حي يتكل على ميت .

و كان يقال ضعة الدني‏ء في نفسه و الرفيع في أصله أقبح من ضعة الوضيع في نفسه و أصله لأن هذا تشبه بآبائه و سلفه و ذاك قصر عن أصله و سلفه فهو إلى الملامة أقرب و عن العذر أبعد .

افتخر شريف بأبيه فقال خصمه لو وفقت لما ذكرت أباك لأنه حجة عليك تنادي بنقصك و تقر بتخلفك .

كان جعفر بن يحيى يقول ليس من الكرام من افتخر بالعظام .

و قال الفضل بن الربيع كفى بالمرء عارا أن يفتخر بغيره .

332

و قال الرشيد من افتخر بآبائه فقد نادى على نفسه بالعجز و أقر على همته بالدناءة .

و قال ابن الرومي

و ما الحسب الموروث لا در دره # بمحتسب إلا بآخر مكتسب

إذا العود لم يثمر و إن كان شعبة # من الثمرات أعتده الناس في الحطب.

و قال عبد الله بن جعفر

لسنا و إن أحسابنا كرمت # يوما على الآباء نتكل

نبني كما كانت أوائلنا # تبني و نفعل مثل ما فعلوا

و قال آخر-

و ما فخري بمجد قام غيري # إليه إذا رقدت الليل عنه

إلى حسب الفتى في نفسه انظر # و لا تنظر هديت إلى ابن من هو

و قال آخر

إذا فخرت بآبائي و أجدادي # فقد حكمت على نفسي لأضدادي

هل نافعي إن سعى جدي لمكرمة # و نمت عن أختها في جانب الوادي‏

و قال آخر

أ يقنعني كوني بمن كوني ابنه # أبا لي أن أرضى لفخري بمجده

إذا المرء لم يحو العلاء بنفسه # فليس بحاو للعلاء بجده

و هل يقطع السيف الحسام بأصله # إذا هو لم يقطع بصارم حده.

و قيل لرجل يدل بشرف آبائه لعمري لك أول و لكن ليس لأولك آخر .

333

و مثله أن شريفا بآبائه فاخر شريفا بنفسه فقال الشريف بنفسه انتهى إليك شرف أهلك و مني ابتدأ شرف أهلي و شتان بين الابتداء و الانتهاء .

و قيل لشريف ناقص الأدب إن شرفك بأبيك لغيرك و شرفك بنفسك لك فافرق بين ما لك و ما لغيرك و لا تفرح بشرف النسب فإنه دون شرف الأدب‏

334

*3393* 393 و من كلامه ع في الوصول إلى الحاجة بعد الجد و المثابرة

وَ قَالَ ع مَنْ طَلَبَ شَيْئاً نَالَهُ أَوْ بَعْضَهُ (1) -. هذا مثل قولهم من طلب و جد وجد .

و قال بعض الحكماء ما لازم أحد باب الملك فاحتمل الذل و كظم الغيظ و رفق بالبواب و خالط الحاشية إلا وصل إلى حاجته من الملك

335

*3394* 394 و من كلامه ع في أن الخير لا تعقبه النار و أن الشر لا تعقبه الجنة

وَ قَالَ ع مَا خَيْرٌ بِخَيْرٍ بَعْدَهُ اَلنَّارُ وَ مَا شَرٌّ بِشَرٍّ بَعْدَهُ اَلْجَنَّةُ وَ كُلُّ نَعِيمٍ دُونَ اَلْجَنَّةِ فَهُوَ مَحْقُورٌ وَ كُلُّ بَلاَءٍ دُونَ اَلنَّارِ عَافِيَةٌ (1) -. موضع بعده النار رفع لأنه صفة خير الذي بعد ما و خير يرفع لأنه اسم ما و موضع الجار و المجرور نصب لأنه خبر ما و الباء زائدة مثلها في قولك ما أنت بزيد كما تزاد في خبر ليس و التقدير ما خير تتعقبه النار بخير كما تقول ما لذة تتلوها نغصة بلذة و لا ينقدح في ما الوجهان اللذان ذكرهما أرباب الصناعة النحوية في لا في قولهم لا خير بخير بعده النار أحدهما ما ذكرناه في ما و الآخر أن يكون موضع بعده النار جرا لأنه صفة خير المجرور و يكون معنى الباء معنى في كقولك زيد بالدار و في الدار و يصير تقدير الكلام لا خير في خير تعقبه النار و ذلك أن ما تستدعي خبرا موجودا في الكلام بخلاف لا فإن خبرها محذوف في مثل قولك لا إله إلا الله و نحوه أي في الوجود أو لنا أو ما أشبه ذلك و إذا جعلت بعده صفة خير المجرور لم يبق معك ما تجعله خبر ما .

و أيضا فإن معنى الكلام يفسد في ما بخلاف لا لأن لا لنفي الجنس فكأنه‏

336

نفى جنس الخير عن خير تتعقبه النار و هذا معنى صحيح و كلام منتظم و ما هاهنا إن كانت نافية احتاجت إلى خبر ينتظم به الكلام و إن كانت استفهاما فسد المعنى لأن ما لفظ يطلب به معنى الاسم كقوله ما العنقاء أو يطلب به حقيقة الذات كقولك ما الملك و لست تطيق أن تدعي أن ما للاستفهام هاهنا عن أحد القسمين مدخلا لأنك تكون كأنك قد قلت أي شي‏ء هو خير في خير تتعقبه النار و هذا كلام لا معنى له‏

337

*3395* 395 و من كلامه ع في الفاقة و الغنى و المرض و العافية

وَ قَالَ ع أَلاَ وَ إِنَّ مِنَ اَلْبَلاَءِ اَلْفَاقَةَ وَ أَشَدُّ مِنَ اَلْفَاقَةِ مَرَضُ اَلْبَدَنِ وَ أَشَدُّ مِنْ مَرَضِ اَلْبَدَنِ مَرَضُ اَلْقَلْبِ أَلاَ وَ إِنَّ مِنَ اَلنِّعَمِ سَعَةَ اَلْمَالِ وَ أَفْضَلُ مِنْ سَعَةِ اَلْمَالِ صِحَّةُ اَلْبَدَنِ وَ أَفْضَلُ مِنْ صِحَّةِ اَلْبَدَنِ تَقْوَى اَلْقَلْبِ (1) -. قد تقدم الكلام في الفاقة و الغنى فأما المرض و العافية

14- ففي الحديث المرفوع إليك انتهت الأماني يا صاحب العافية.

فأما مرض القلب و صحته فالمراد به التقوى و ضدها و قد سبق القول في ذلك .

و قال أحمد بن يوسف الكاتب

المال للمرء في معيشته # خير من الوالدين و الولد

و إن تدم نعمة عليك تجد # خيرا من المال صحة الجسد

و ما بمن نال فضل عافية # و قوت يوم فقر إلى أحد

338

*3396* 396 و من كلامه ع في تقسيم المؤمن العاقل الوقت إلى ثلاث أقسام‏

وَ قَالَ ع لِلْمُؤْمِنِ ثَلاَثُ سَاعَاتٍ فَسَاعَةٌ يُنَاجِي فِيهَا رَبَّهُ وَ سَاعَةٌ يَرُمُّ فِيهَا مَعَايِشَهُ مَعَاشَهُ وَ سَاعَةٌ يُخَلِّي فِيهَا بَيْنَ نَفْسِهِ وَ بَيْنَ لَذَّتِهَا فِيمَا يَحِلُّ وَ يَجْمُلُ وَ لَيْسَ لِلْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ شَاخِصاً إِلاَّ فِي ثَلاَثٍ مَرَمَّةٍ لِمَعَاشٍ أَوْ خُطْوَةٍ فِي مَعَادٍ أَوْ لَذَّةٍ فِي غَيْرِ مُحَرَّمٍ (1) -. تقدير الكلام ينبغي أن يكون زمان العاقل مقسوما ثلاثة أقسام .

و يرم معاشه‏ يصلحه و شاخصا راحلا و خطوة في معاد يعني في عمل المعاد و هو العبادة و الطاعة .

و كان شيخنا أبو علي رحمه الله يقسم زمانه على ما أصف لك كان يصلي الصبح و الكواكب طالعة و يجلس في محرابه للذكر و التسبيح إلى بعد طلوع الشمس بقليل ثم يتكلم مع التلامذة و طلبة العلم إلى ارتفاع النهار ثم يقوم فيصلي الضحى ثم يجلس فيتمم البحث مع التلامذة إلى أن يؤذن للظهر فيصليها بنوافلها ثم يدخل إلى أهله فيصلح شأنه و يقضي حوائجه ثم يخرج للعصر فيصليها بنوافلها و يجلس مع التلامذة إلى المغرب فيصليها و يصلي العشاء ثم يشتغل بالقرآن إلى ثلث الليل ثم ينام الثلث الأوسط ثم يقعد فيصلي الثلث الأخير كله إلى الصبح‏

339

*3397* 397 و من كلامه ع في الزهد في الدنيا و جعل جزاء الشرط تبصير الله تعالى عورات الدنيا

وَ قَالَ ع اِزْهَدْ فِي اَلدُّنْيَا يُبَصِّرْكَ اَللَّهُ عَوْرَاتِهَا وَ لاَ تَغْفُلْ فَلَسْتَ بِمَغْفُولٍ عَنْكَ (1) -. أمره بالزهد في الدنيا و جعل جزاء الشرط تبصير الله تعالى له عورات الدنيا و هذا حق لأن الراغب في الدنيا عاشق لها و العاشق لا يرى عيب معشوقه كما قال القائل‏

و عين الرضا عن كل عيب كليلة # و لكن عين السخط تبدي المساويا (1)

فإذا زهد فيها فقد سخطها و إذا سخطها أبصر عيوبها مشاهدة لا رواية (2) - .

ثم نهاه عن الغفلة و قال له إنك غير مغفول عنك فلا تغفل أنت عن نفسك فإن أحق الناس و أولاهم ألا يغفل عن نفسه من ليس بمغفول عنه و من عليه رقيب شهيد يناقشه على الفتيل و النقير (2)

____________

(1) هو عبد اللّه بن معاوية، الأغانى 12: 214 (طبعة دار الكتب) .

(2) الفتيل: ما يكون في شق النواة، و النقير: النقرة التي في ظاهر النواة.

340

*3398* 398 و من كلامه ع في معرفة قيمة الإنسان في كلامه‏

وَ قَالَ ع تَكَلَّمُوا تُعْرَفُوا فَإِنَّ اَلْمَرْءَ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسَانِهِ (1) -. هذه إحدى كلماته ع التي لا قيمة لها و لا يقدر قدرها و المعنى قد تداوله الناس قال‏

و كائن ترى من صامت لك معجب # زيادته أو نقصه في التكلم‏ (1)

لسان الفتى نصف و نصف فؤاده # فلم يبق إلا صورة اللحم و الدم.

و كان يحيى بن خالد يقول ما جلس إلى أحد قط إلا هبته حتى يتكلم فإذا تكلم إما أن تزداد الهيبة أو تنقص‏

____________

(1) ينسبان لزهير، من معلقته بشرح الزوزنى 94، و ينسبان أيضا للأحنف بن قيس، و انظر سرح العيون 112.

341

*3399* 399 و من كلامه ع في الطيب‏

وَ قَالَ ع نِعْمَ اَلطِّيبُ اَلْمِسْكُ خَفِيفٌ مَحْمِلُهُ عَطِرٌ رِيحُهُ (1) -.

[فصل فيما ورد في الطيب من الآثار]

كان 14النبي ص كثير التطيب بالمسك و بغيره من أصناف الطيب .

14- و جاء الخبر الصحيح عنه حبب إلي من دنياكم ثلاث الطيب و النساء و قرة عيني في الصلاة.

و قد رويت لفظة 1أمير المؤمنين ع عنه مرفوعة و نحوها

14- لا تردوا الطيب فإنه طيب الريح خفيف المحمل.

سرق أعرابي نافجة مسك فقيل له‏ وَ مَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمََا غَلَّ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ (1) قال إذن أحملها طيبة الريح خفيفة المحمل .

14- و في الحديث المرفوع أنه ع بايع قوما كان بيد رجل منهم ردع‏ (2) خلوق فبايعه بأطراف أصابعه و قال خير طيب الرجال ما ظهر ريحه و خفي لونه و خير طيب النساء ما ظهر لونه و خفي ريحه .

14- و 14عنه ع في صفة أهل الجنة و مجامرهم الألوة (3) .

و هي العود الهندي .

____________

(1) سورة آل عمران 161.

(2) ردع الزعفران: لطخه.

(3) نهاية ابن الأثير 4: 70.

342

14- و روى سهل بن سعد 14عنه ع أن في الجنة لمراغا من مسك مثل مراغ دوابكم هذه.

14- و روي 14عنه ع أيضا في صفة الكوثر جاله المسك أي جانبه و رضراضة التوم و حصباؤه اللؤلؤ (1) .

14- و قالت عائشة كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفارق 14رسول الله ص و هو محرم‏ (2) .

14- و كان ابن عمر يستجمر بعود غير مطرى و يجعل معه الكافور و يقول هكذا رأيت 14رسول الله ص يصنع .

14- و روى أنس بن مالك قال دخل علينا 14رسول الله ص فقال عندنا و الوقت صيف فعرق فجاءت أمي بقارورة فجعلت تسلت عرقه فاستيقظ و قال يا أم سليم ما تصنعين قالت هذا عرقك نجعله في طيبنا فإنه من أطيب الطيب و نرجو به بركة صبياننا فقال أصبت .

و من كلام عمر لو كنت تاجرا ما اخترت غير العطر إن فاتني ربحه لم يفتني ريحه .

ناول المتوكل أحمد بن أبي فنن فأرة مسك فأنشده‏

لئن كان هذا طيبنا و هو طيب # لقد طيبته من يديك الأنامل.

قالوا سميت الغالية غالية لأن عبد الله بن جعفر أهدى لمعاوية قارورة منها فسأله كم أنفق عليها فذكر مالا فقال هذه غالية فسميت غالية .

شم مالك بن أسماء بن خارجة الفزاري من أخته هند بنت أسماء ريح غالية و كانت تحت الحجاج فقال علميني طيبك قالت لا أفعل أ تريد أن تعلمه

____________

(1) التوم: الدر. و هي من «د» .

(2) الوبيص: البريق:

343

جواريك هو لك عندي ما أردته ثم ضحكت و قالت و الله ما تعلمته إلا من شعرك حيث قلت‏

أطيب الطيب طيب أم أبان # فأر مسك بعنبر مسحوق

خلطته بعودها و ببان # فهو أحوى على اليدين شريق.

و روى أبو قلابة قال كان ابن مسعود إذا خرج من بيته إلى المسجد عرف من في الطريق أنه قد مر من طيب ريحه .

و روى الحسن بن زيد عن أبيه قال رأيت ابن عباس حين أحرم و الغالية على صلعته كأنها الرب .

أولم المتوكل في طهر بنيه فلما كثر اللعب قال ليحيي بن أكثم انصرف أيها القاضي قال و لم قال لأنهم يريدون أن يخلطوا قال أحوج ما يكونون إلى قاض إذا خلطوا فاستظرفه و أمر أن تغلف لحيته ففعل فقال يحيى إنا لله ضاعت الغالية كانت هذه تكفيني دهرا لو دفعت إلي فأمر له بزورق لطيف من ذهب مملوء من غالية و درج بخور فأخذهما و انصرف .

و روى عكرمة أن ابن عباس كان يطلي جسده بالمسك فإذا مر بالطريق قال الناس أ مر ابن عباس أم المسك ـ و قال أبو الضحى رأيت على رأس ابن الزبير من المسك ما لو كان لي لكان رأس مالي .

لما بنى عمر بن عبد العزيز على فاطمة بنت عبد الملك أسرج في مسارجه تلك الليلة الغالية إلى أن طلعت الشمس .

كانت لابن عمر بندقة من مسك يبوكها بين راحتيه فتفوح رائحتها (1) .

كان عمر بن عبد العزيز في إمارته المدينة يجعل المسك بين قدميه و نعله فقال فيه الشاعر يمدحه‏

له نعل لا تطبي الكلب ريحها (2) # و إن وضعت في مجلس القوم شمت.

____________

(1) يبوكها بين راحتيه؛ أى يقلبها.

(2) يطّبي: يستميل. و البيت لكثير، انظر خزانة الأدب 4: 147.

344

سمع عمر قول سحيم عبد بني الحسحاس

و هبت شمال آخر الليل قرة # و لا ثوب إلا درعها و ردائيا (1)

فما زال بردي طيبا من ثيابها # مدى الحول حتى أنهج البرد باليا

فقال له ويحك إنك مقتول فلم تمض عليه أيام حتى قتل .

قال الشعبي الرائحة الطيبة تزيد في العقل .

كان عبد الله بن زيد يتخلق بالخلوق ثم يجلس في المجلس .

و كانوا يستحبون إذا قاموا من الليل أن يمسحوا مقاديم لحاهم بالطيب .

و اشترى تميم الداري حلة بثمانمائة درهم و هيأ طيبا فكان إذا قام من الليل تطيب و لبس حلته و قام في المحراب .

و قال أنس يا جميلة هيئي لنا طيبا أمسح به يدي فإن ابن أم ثابت إذا جاء قبل يدي يعني ثابتا البناني .

و قال سلم بن قتيبة لقد شممت من فلان رائحة أطيب من مشطة العروس الحسناء في أنف العاشق الشبق .

و من كلام بعض الصالحين الفاسق رجس و لو تضمخ بالغالية .

عرضت مدنية لكثير فقالت له أنت القائل‏

فما روضة بالحزن طيبة الثرى # يمج الندى جثجاثها و عرارها

بأطيب من أردان عزة موهنا # و قد أوقدت بالمندل الرطب نارها

لو كانت هذه الصفة لزنجية تجتلي الحلة لطابت هلا قلت كما قال سيدك‏ (2) إمرؤ القيس

____________

(1) ديوانه 20.

(2) في د «سيد الشعراء» .

345

أ لم ترياني كلما جئت طارقا # وجدت بها طيبا و إن لم تطيب‏ (1) .

و قال الزمخشري إن النوى المنقع بالمدينة ينتاب أشرافها المواضع التي يكون فيها التماسا لطيب ريحه و إذا وجدوا ريحه بالعراق هربوا منها لخبثها قال و من اختلف في طرقات المدينة وجد رائحة طيبة و بنة (2) عجيبة و لذلك سميت طيبة و الزنجية بها تجعل في رأسها شيئا من بلح و ما لا قيمة له فتجد له خمرة لا يعدلها بيت عروس من ذوات الأقدار .

قال و لو دخلت كل غالية و عطر قصبة الأهواز و قصبة أنطاكية لوجدتها قد تغيرت و فسدت في مدة يسيرة .

أراد الرشيد المقام في أنطاكية فقال له شيخ منها إنها ليست من بلادك فإن الطيب الفاخر يتغير فيها حتى لا ينتفع منه بشي‏ء و السلاح يصدأ فيها .

سيراف من بلاد فارس لها فغمة طيبة .

فأرة المسك دويبة شبيهة بالخشف‏ (3) تكون في ناحية تبت تصاد لأجل سرتها فإذا صادها الصائد عصب سرتها بعصاب شديد و هي مدلاة فيجتمع فيها دمها ثم يذبحها و ما أكثر من يأكلها ثم يأخذ السرة فيدفنها في الشعر حتى يستحيل الدم المحتقن فيها مسكا ذكيا بعد أن كان لا يرام نتنا و قد يوجد في البيوت جرذان سود يقال لها فأر المسك ليس عندها إلا رائحة لازمة لها .

و ذكر شيخنا أبو عثمان الجاحظ قال سألت بعض أصحابنا المعتزلة عن شأن المسك فقال لو لا أن 14رسول الله ص تطيب بالمسك لما تطيبت به لأنه دم فأما

____________

(1) ديوانه 41.

(2) البنّة: الرائحة مطلقا.

(3) الخشف: ولد الظبى.

346

الزباد فليس مما يقرب ثيابي فقلت له قد يرتضع الجدي من لبن خنزيرة فلا يحرم لحمه لأن ذلك اللبن استحال لحما و خرج من تلك الطبيعة و عن تلك الصورة و عن ذلك الاسم و كذا لحم الجلالة فالمسك غير الدم و الخل غير الخمر و الجوهر لا يحرم لذاته و عينه و إنما يحرم للأعراض و العلل فلا تقزز (1) منه عند ذكرك الدم فليس به بأس .

قال الزمخشري و الزبادة هرة و يقال للزيلع و هم الذين يجتلبون الزباد يا زيلع الزبادة ماتت فيغضب .

و قال ابن جزلة الطبيب في المنهاج (2) الزباد طيب يؤخذ من حيوان كالسنور يقال إنه وسخ في رحمها- و قال الزمخشري العنبر يأتي طفاوة على الماء لا يدري أحد معدنه يقذفه البحر إلى البر فلا يأكل منه شي‏ء إلا مات و لا ينقره طائر إلا بقي منقاره فيه و لا يقع عليه إلا نصلت أظفاره و البحريون و العطارون ربما وجدوا فيه المنقار و الظفر .

قال و البال و هو سمكة طولها خمسون ذراعا يؤكل منه اليسير فيموت .

قال و سمعت ناسا من أهل مكة يقولون هو ضفع‏ (3) ثور في بحر الهند و قيل هو من زبد بحر سرنديب و أجوده الأشهب ثم الأزرق و أدونه الأسود .

و

17- في حديث ابن عباس ليس في العنبر زكاة إنما هو شي‏ء يدسره البحر أي يدفعه.

____________

(1) تقزز منه: تباعد.

(2) كتاب المنهاج لابن جزلة الطبيب؛ منه نسخة مخطوطة بدار الكتب رقم 107-طب.

(3) ضفع الثور: نجوه.

347

فأما صاحب المنهاج في الطب فقال العنبر من عين في البحر و يكون جماجم أكبرها وزنه ألف مثقال و الأسود أردأ أصنافه و كثيرا ما يوجد في أجواف السمك التي تأكله و تموت و توجد فيه سهوكة .

و قال في المسك أنه سرة دابة كالظبي له نابان أبيضان معقفان إلى الجانب الإنسي كقرنين .

14- جاء في الحديث المرفوع لا تمنعوا إماء الله مساجد الله و ليخرجن إذا خرجن ثفلات.

أي غير متطيبات‏ (1) .

14- و في الحديث أيضا إذا شهدت إحداكن العشاء فلا تمس طيبا.

و المراد من ذلك ألا تهيج عليهن شهوة الرجال .

قال الشاعر

و المسك بينا تراه ممتهنا # بفهر عطاره و ساحقه

حتى تراه في عارضي ملك # أو موضع التاج من مفارقه.

الصنوبري في استهداء المسك‏

المسك أشبه شي‏ء بالشباب فهب # بعض الشباب لبعض العصبة الشيب‏

يقال إن رجلا وجد قرطاسا فيه اسم الله تعالى فرفعه و كان عنده دينار فاشترى به مسكا فطيبه فرأى في المنام قائلا يقول له كما طيبت اسمي لأطيبن ذكرك .

قال خالد بن صفوان ليزيد بن المهلب ما رأيت صدا المغفر و لا عبق العنبر بأحد أليق منه بك فقال حاجتك قال ابن أخ لي في حبسك فقال يسبقك إلى المنزل .

____________

(1) المنهاج. الورقة: 174.

348

شاعر

كأن دخان الند ما بين جمره # بقايا ضباب في رياض شقيق.

قالوا خير العود المندلي و هو منسوب إلى مندل قرية من قرى الهند و أجوده أصلبه و امتحان رطبة أن ينطبع فيه نقش الخاتم و اليابس تفصح عنه النار و من خاصية المندلي أن رائحته تثبت في الثواب أسبوعا و أنه لا يقمل ما دامت فيه .

قال صاحب المنهاج (1) العود عروق أشجار تقلع و تدفن في الأرض حتى تتعفن منها الخشبية و القشرية و يبقى العود الخالص و أجوده المندلي و يجلب من وسط بلاد الهند ثم العود الهندي و هو يفضل على المندلي بأنه لا يولد القمل و هو أعبق بالثياب .

قال و أفضل العود أرسبه في الماء و الطافي ردي‏ء .

قال أبو العباس الأعمى

ليت شعري من أين رائحة المسك # و ما إن أخال بالخيف أنسي

حين غابت بنو أمية عنه # و البهاليل من بني عبد شمس

خطباء على المنابر فرسان # على الخيل قالة غير خرس

بحلوم مثل الجبال رزان # و وجوه مثل الدنانير ملس.

المسيب بن علس‏ (2)

تبيت الملوك على عتبها # و شيبان إن غضبت تعتب (4)

و كالشهد بالراح ألفاظهم # و أخلاقهم منهما أعذب

____________

(1) المنهاج الورقة 174.

(2) ديوان الأعشين 350.

349

و كالمسك ترب مقاماتهم # و ترب قبورهم أطيب.

أخذه العباس بن الأحنف فقال‏

و أنت إذا ما وطئت التراب # كان ترابك للناس طيبا.

و هجا بعض الشعراء العمال في أيام عمر و وقع عليهم فقال في بعض شعره‏

نئوب إذا آبوا و نغزو إذا غزوا # فأنى لهم وفر و لسنا ذوي وفر

إذا التاجر الداري جاء بفأرة # من المسك راحت في مفارقهم تجري‏

فقبض عمر على العمال و صادرهم .

قالوا في الكافور إنه ماء في شجر مكفور فيه يغرزونه بالحديد فإذا خرج إلى ظاهر ذلك الشجر ضربه الهواء فانعقد كالصموغ الجامدة على الأشجار .

و قال صاحب المنهاج‏ (1) هو أصناف منها الفنصوري‏ (2) و الرباحي‏ (3) و الأزاد و الإسفرك‏ (4) الأزرق و هو المختط بخشبه و قيل إن شجرته عظيمة تظلل أكثر من مائة فارس و هي بحرية و خشب الكافور أبيض إلى الحمرة خفيف و الرباحي يوجد في بدن شجرته قطع كالثلج فإذا شققت الشجرة تناثر منها الكافور ـ الند هو الغالية و هو العود المطري بالمسك و العنبر و دهن البان و من الناس من لا يضيف إليه دهن البان و يجعل عوضه الكافور و منهم من لا يضيف إليه الكافور أيضا و من الناس من يركب الغالية من المسك و العنبر و الكافور و دهن النيلوفر .

قال الأصمعي قلت لأبي المهدية الأعرابي كيف تقول ليس الطيب إلا المسك فلم يحفل الأعرابي و ذهب إلى مذهب آخر فقال فأين أنت عن العنبر فقلت كيف تقول ليس الطيب إلا المسك و العنبر قال فأين أنت عن البان قلت فكيف

____________

(1) المنهاج: ورقة 177.

(2) فنصور: جزيرة سرنديب . انظر المفردات لابن البيطار ج 4: 52 طبع بولاق.

(3) نسبة إلى ملك اسمه رباح انظر نهاية الأرب ج 11: 294.

(4) كذا في قانون ابن سينا و شرح الأدوية المفردة للكازرونى و نهاية الأرب جـ 11: 294.

350

تقول ليس الطيب إلا المسك و العنبر و البان قال فأين أنت عن ادهان بحجر يعني اليمامة قلت فكيف تقول ليس الطيب إلا المسك و العنبر و البان و ادهان بحجر قال فأين أنت عن فأرة الإبل صادرة فرأيت أني قد أكثرت عليه فتركته قال و فأرة الإبل ريحها حين تصدر عن الماء و قد أكلت العشب الطيب .

و في فأرة الإبل يقول الشاعر

كأن فأرة مسك في مباءتها # إذا بدا من ضياء الصبح تنتشر

كان لأبي أيوب المرزباني وزير المنصور دهن طيب يدهن به إذا ركب إلى المنصور فلما رأى الناس غلبته على المنصور و طاعته له فيما يريده حتى إنه ربما كان يستحضره ليوقع به فإذا رآه تبسم إليه و طابت نفسه قالوا دهن أبي أيوب من عمل السحرة و ضربوا به المثل فقالوا لمن يغلب على الإنسان معه دهن أبي أيوب .

أعرابي فيها مدر كف و مشم أنف .

و قال عيينة بن أسماء بن خارجة الفزاري

لو كنت أحمل خمرا حين زرتكم # لم ينكر الكلب أني صاحب الدار

لكن أتيت و ريح المسك يقدمني # و العنبر الورد مشبوبا على النار

فأنكر الكلب ريحي حين خالطني # و كان يألف ريح الزق و القار

قال الأصمعي ذكر لأبي أيوب هؤلاء الذين يتقشفون فقال ما علمت أن القذر و الذفر من الدين .

ريح الكلب مثل في النتن قال الشاعر

ريحها ريح كلاب # هارشت في يوم طل.

و قال آخر

يزداد لؤما على المديح كما # يزداد نتن الكلاب في المطر.

351

و قالت امرأة إمرئ القيس له و كان مفركا عند النساء إذا عرقت عرقت بريح كلب قال صدقت إن أهلي أرضعوني مرة بلبن كلبة .

قال سلمة بن عياش يقول لجعفر بن سليمان

فما شم أنفي ريح كف رأيتها # من الناس إلا ريح كفك أطيب‏

فأمر له بألف دينار و مائة مثقال من المسك و مائة مثقال من العنبر .

1- وجه عمر إلى ملك الروم بريدا فاشترت أم كلثوم امرأة عمر طيبا بدنانير و جعلته في قارورتين و أهدتهما إلى امرأة ملك الروم فرجع البريد إليها و معه مل‏ء القارورتين جواهر فدخل عليها عمر و قد صبت الجواهر في حجرها فقال من أين لك هذا فأخبرته فقبض عليه و قال هذا للمسلمين قالت كيف و هو عوض هديتي قال بيني و بينك أبوك فقال 1علي ع لك منه بقيمة دينارك و الباقي للمسلمين جملة لأن بريد المسلمين حمله.

قيل لخديجة بنت الرشيد رسل العباس بن محمد على الباب معهم زنبيل يحمله رجلان فقالت تراه بعث إلي باقلاء فكشف الزنبيل عن جرة مملوءة غالية فيها مسحاة من ذهب و إذا برقعة هذه جرة أصيبت هي و أختها في خزائن بني أمية فأما أختها فغلب عليها الخلفاء و أما هذه فلم أر أحدا أحق بها منك‏

352

*3400* 400 و من كلامه ع في العجب و الكبر و الفخر

وَ قَالَ ع ضَعْ فَخْرَكَ وَ اُحْطُطْ كِبْرَكَ وَ اُذْكُرْ قَبْرَكَ (1) -. قد تقدم القول في العجب و الكبر و الفخر

[نبذ مما قيل في التيه و الفخر]

14- في الحديث المرفوع أن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية و فخرها بالآباء الناس لآدم و آدم من تراب مؤمن تقي و فاجر شقي لينتهين أقوام يتفاخرون برجال إنما هم فحم من فحم جهنم أو ليكونن أهون على الله من جعلات‏ (1) تدفع النتن بأنفها.

14- و من وصيته ص إلى 1علي ع لا فقر أشد من الجهل و لا وحشة أفحش من العجب.

أتى وائل بن حجر النبي ص فأقطعه أرضا و أمر معاوية أن يمضي معه فيريه الأرض و يعرضها عليه و يكتبها له فخرج مع وائل في هاجرة

____________

(1) الجعلات: جمع جعل؛ بضم ففتح: دويبة معروفة تغشى الأمكنة القذرة.

353

شاوية و مشى خلف ناقته فأحرقته الرمضاء فقال أردفني قال لست من أرداف الملوك قال فادفع إلي نعليك قال ما بخل يمنعني يا ابن أبي سفيان و لكن أكره أن يبلغ أقيال‏ (1) اليمن أنك لبست نعلي و لكن امش في ظل ناقتي فحسبك بذاك شرفا و يقال إنه عاش حتى أدرك زمن معاوية فأجلسه معه على سريره .

قيل لحكيم ما الشي‏ء الذي لا يحسن أن يقال و إن كان حقا فقال الفخر .

حبس هشام بن عبد الملك الفرزدق في سجن خالد بن عبد الله القسري فوفد جرير إلى خالد ليشفع فيه فقال له خالد أ لا يسرك أن الله قد أخزى الفرزدق فقال أيها الأمير و الله ما أحب أن يخزيه الله إلا بشعري و إنما قدمت لأشفع فيه قال فاشفع فيه في ملإ ليكون أخزى له‏ (2) فشفع فيه فدعا به فقال إني مطلقك بشفاعة جرير فقال أسير قسري و طليق كلبي فبأي وجه أفاخر العرب بعدها ردني إلى السجن .

ذكر أعرابي قوما فقال ما نالوا بأناملهم شيئا إلا و قد وطئناه بأخامص أقدامنا و إن أقصى مناهم لأدنى فعالنا .

نظر رجل إلى بعض ولد أبي موسى يختال في مشيته فقال أ لا ترون مشيته كأن أباه خدع عمرو بن العاص .

و سمع الفرزدق أبا بردة يقول كيف لا أتبختر و أنا ابن أحد الحكمين فقال أحدهما مائق و الآخر فاسق فكن ابن أيهما شئت .

14- نظر 14رسول الله ص إلى أبي دجانة و هو يتبختر بين الصفين فقال إن هذه مشية يبغضها الله إلا في هذا الموطن .

____________

(1) الأقيال: جمع قيل؛ و هو الملك.

(2) في د: «أذل له» ؛ و هو مستقيم أيضا.

354

2- لما بلغ 2الحسن بن علي ع قول معاوية إذا لم يكن الهاشمي جوادا و الأموي حليما و العوامي شجاعا و المخزومي تياها لم يشبهوا آباءهم فقال إنه و الله ما أراد بها النصيحة و لكن أراد أن يفنى بنو هاشم ما في أيديهم فيحتاجوا إليه و أن يشجع بنو العوام فيقتلوا و أن يتيه بنو مخزوم فيمقتوا و أن يحلم بنو أمية فيحبهم الناس.

كان قاضي القضاة محمد بن أبي الشوارب الأموي تائها فهجاه عبد الأعلى البصري فقال‏

إني رأيت محمدا متشاوسا # مستصغرا لجميع هذي الناس‏ (1)

و يقول لما أن تنفس خاليا # نفسا له يعلو على الأنفاس

ويح الخلافة في جوانب لحيتي # تستن دون لحى بني العباس .

بعض الأموية

إذا تائه من عبد شمس رأيته # يتيه فرشحه لكل عظيم

و إن تاه تياه سواه فإنه # يتيه لحمق أو يتيه للوم.

لبعض الأموية أيضا

أ لسنا بني مروان كيف تبدلت # بنا الحال أو دارت علينا الدوائر

إذا ولد المولود منا تهللت # له الأرض و اهتزت إليه المنابر.

بعض التياهين‏

أتيه على إنس البلاد و جنها # و لو لم أجد خلقا أتيه على نفسي

أتيه فلا أدري من التيه من أنا # سوى ما يقول الناس في و في جنسي

فإن زعموا أني من الإنس مثلهم # فما لي عيب غير أني من الإنس.

____________

(1) المتشاوس: المختال عجبا و كبرا.

355

بعض العلوية

لقد نازعتنا من قريش عصابة # بمط خدود و امتداد أصابع

فلما تنازعنا الفخار قضى لنا # عليهم بما نهوى نداء الصوامع

ترانا سكوتا و الشهيد بفضلنا # عليهم أذان الناس في كل جامع

بأن 14رسول الله لا شك جدنا # و أن بنيه كالنجوم الطوالع.

كان عمارة بن حمزة بن ميمون مولى بني العباس مثلا في التيه حتى قيل أتيه من عمارة و كان يتولى دواوين السفاح و المنصور و كان إذا أخطأ مضى على خطئه تكبرا عن الرجوع و يقول نقض و إبرام في حالة واحدة الإصرار على الخطإ أهون من ذلك ـ و افتخرت أم سلمة المخزومية امرأة السفاح ذات ليلة بقومها على السفاح و بنو مخزوم يضرب بهم المثل في الكبر و التيه فقال أنا أحضرك الساعة على غير أهبة مولى من موالي ليس في أهلك مثله فأرسل إلى عمارة و أمر الرسول أن يعجله عن تغيير زيه فجاء على الحال التي وجده عليها الرسول في ثياب ممسكة مزررة بالذهب و قد غلف لحيته بالغالية حتى قامت فرمى إليه السفاح بمدهن ذهب مملوء غالية فلم يلتفت إليه و قال هل ترى لها في لحيته موضعا فأخرجت أم سلمة عقدا لها ثمينا و أمرت خادما أن يضعه بين يديه فقام و تركه فأمرت الخادم أن يتبعه به و يقول إنها تسألك قبوله فقال للخادم هو لك فانصرف بالعقد إليها فأعطت الخادم فكاكه عشرة آلاف دينار و استرجعته و عجبت من نفس عمارة و كان عمارة لا يذل للخلفاء و هم مواليه و يتيه عليهم .

نظر رجل إلى المهدي و يده في يد عمارة و هما يمشيان فقال يا أمير المؤمنين‏

356

من هذا قال هذا أخي و ابن عمي عمارة بن حمزة فلما ولى الرجل ذكر المهدي الكلمة كالممازح لعمارة فقال عمارة و الله لقد انتظرت أن تقول مولاي فأنفض يدي من يدك فتبسم المهدي .

و كان أبو الربيع الغنوي أعرابيا جافيا تياها شديد الكبر قال أبو العباس المبرد في الكامل فذكر الجاحظ أنه أتاه و معه رجل هاشمي قال فناديت أبو الربيع هنا فخرج إلي و هو يقول خرج إليك رجل أكرم الناس فلما رأى الهاشمي استحيا و قال أكرم الناس رديفا و أشرفهم حليفا (1) أراد بذلك أبا مرثد الغنوي لأنه كان رديف 14رسول الله ص و حليف أبي بكر قال حدثنا ساعة ثم نهض الهاشمي فقلت له من خير الخلق قال الناس و الله قلت من خير الناس قال العرب و الله قلت فمن خير العرب قال مضر و الله قلت فمن خير مضر قال قيس و الله قلت فمن خير قيس قال يعصر و الله قلت فمن خير يعصر قال غني و الله قلت فمن خير غني قال المخاطب لك و الله قلت أ فأنت خير الناس قال إي و الله قلت أ يسرك أن تكون تحتك ابنة يزيد بن المهلب قال لا و الله قلت و لك ألف دينار قال لا و الله قلت فألفا دينار قال لا و الله قلت و لك الجنة قال فأطرق ثم قال على ألا تلد مني ثم أنشد

تأبى ليعصر أعراق‏ (2) مهذبة # من أن تناسب قوما غير أكفاء

فإن يكن ذاك حتما لا مرد له # فاذكر حذيف فإني غير أباء (3)

____________

(1) قال أبو العباس: قوله: «و أشرفهم حليفا» ؛ كان أبو مرثد حليف حمزة بن عبد المطلب.

(2) في د: «أخلاق» و المعنى عليه يستقيم أيضا.

(3) قال أبو العباس: قوله: «فاذكر حذيف» ؛ أراد حذيفة بن بدر الفزارى؛ و إنّما ذكره من بين الأشراف لأنّه أقربهم إليه نسبا؛ و ذاك يعصر بن سعد بن قيس، و هؤلاء بنو ريث بن غطفان بن سعد بن قيس.