شرح نهج البلاغة - ج19

- ابن ابي الحديد المزيد...
431 /
357

أراد حذيفة بن بدر الفزاري و كان سيد قيس في زمانه (1) .

رأى عمر رجلا يمشي مرخيا يديه طارحا رجليه يتبختر فقال له دع هذه المشية فقال ما أطيق فجلده ثم خلاه فترك التبختر فقال عمر إذا لم أجلد في هذا ففيم أجلد فجاءه الرجل بعد ذلك فقال جزاك الله يا أمير المؤمنين خيرا إن كان إلا شيطانا سلط علي فأذهبه الله بك‏

____________

(1) الكامل 2: 205، 206.

358

*3401* 401 و من كلامه ع في القناعة بالرزق و الإجمال في الطلب‏

وَ قَالَ ع خُذْ مِنَ اَلدُّنْيَا مَا أَتَاكَ وَ تَوَلَّ عَمَّا تَوَلَّى عَنْكَ فَإِنْ أَنْتَ لَمْ تَفْعَلْ فَأَجْمِلْ فِي اَلطَّلَبِ (1) -. كان يقال اجعل الدنيا كغريم السوء حصل منه ما يرضخ لك به و لا تأس على ما دفعك عنه ثم قال ع فإن لم تفعل فأجمل في الطلب و هي

14- من الألفاظ النبوية لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها فأجملوا في الطلب.

قيل لبعض الحكماء ما الغنى فقال قلة تمنيك و رضاك بما يكفيك‏

359

*3402* 402 و من كلامه ع في أن بعض القول كالسهم في نفاذه و قوته‏

وَ قَالَ ع رُبَّ قَوْلٍ أَنْفَذُ مِنْ صَوْلٍ (1) -. قد قيل هذا المعنى كثيرا فمنه قولهم‏

و القول ينفذ ما لا تنفذ الإبر.

و من ذلك القول لا تملكه إذا نما كالسهم لا تملكه إذا رمى و قال الشاعر

و قافية مثل حد السنان # تبقى و يذهب من قالها

تخيرتها ثم أرسلتها # و لم يطق الناس إرسالها.

و قال محمود الوراق

أتاني منك ما ليس # على مكروهه صبر

فأغضيت على عمد # و كم يغضي الفتى الحر

و أدبتك بالهجر # فما أدبك الهجر

و لا ردك عما كان # منك الصفح و البر

فلما اضطرني المكروه # و اشتد بي الأمر

تناولتك من شعري # بما ليس له قدر

فحركت جناح الضر # لما مسك الضر

إذا لم يصلح الخير # امرأ أصلحه الشر.

360

و قال الرضي رحمه الله‏

سأمضغ بالأقوال أعراض قومكم # و للقول أنياب لدي حداد (1)

يرى للقوافي و السماء جلية # عليكم بروق جمة و رعاد.

و قال أيضا

كعمت لساني أن يقول و إن يقل # فقل في الجراز العضب إن فارق الغمدا (2)

و إن برودا للمخازي معدة # فمن شاء من ذا الحي أسحبته بردا

قلائد في الأعناق بالعار لا تهي # على مر أيام الزمان و لا تصدا

إذا صلصلت بين القنا قضت القنا # و إن زفرت في السر قطعت السردا (3)

____________

(1) ديوانه: 312.

(2) ديوانه 1: 309 كعمت: شددت. و الجراز العضب: السيف القاطع.

(3) صلصلت: صوّتت. و السرد: الدروع.

361

*3403* 403 و من كلامه ع في القناعة

وَ قَالَ ع كُلُّ مُقْتَصَرٍ عَلَيْهِ كَافٍ (1) -. هذا من باب القناعة و إن من اقتصر على شي‏ء و قنعت به نفسه فقد كفاه و قام مقام الفضول التي يرغب فيها المترفون و قد تقدم القول في ذلك‏

362

*3404* 404 و من كلامه ع في الرضا بالمنية دون الدنية و الرضا بالتقلل دون التوسل‏

وَ قَالَ ع اَلْمَنِيَّةُ وَ لاَ اَلدَّنِيَّةُ وَ اَلتَّقَلُّلُ وَ لاَ اَلتَّوَسُّلُ (1) -. قد تقدم من كلامنا في هذا الباب شي‏ء كثير و قال الشاعر

أقسم بالله لمص النوى # و شرب ماء القلب المالحه‏ (1)

أحسن بالإنسان من ذله # و من سؤال الأوجه الكالحه

فاستغن بالله تكن ذا غنى # مغتبطا بالصفقة الرابحه

فالزهد عز و التقى سؤدد # و ذلة النفس لها فاضحه

كم سالم صحيح به بغتة # و قائل عهدي به البارحه

أمسى و أمست عنده قينة # و أصبحت تندبه نائحه

طوبى لمن كانت موازينه # يوم يلاقي ربه راجحه.

و قال أيضا

لمص الثماد و خرط القتاد # و شرب الأجاج أوان الظمإ

على المرء أهون من أن يرى # ذليلا لخلق إذا أعدما

و خير لعينيك من منظر # إلى ما بأيدي اللئام العمى.

قلت لحاه الله هلا قال بأيدي الرجال‏

____________

(1) القلب بضمتين: جمع قليب؛ و هي البئر.

363

*3405* 405 و من كلامه ع في قسمة الله تعالى الأرزاق‏

وَ قَالَ ع مَنْ لَمْ يُعْطَ قَاعِداً لَمْ يُعْطَ قَائِماً (1) -. مراده أن الرزق قد قسمه الله تعالى فمن لم يرزقه قاعدا لم يجب عليه القيام و الحركة .

و قد جاء

14- في الحديث أنه ص ناول أعرابيا تمرة و قال له خذها فلو لم تأتها لأتتك .

و قال الشاعر

جرى قلم القضاء بما يكون # فسيان التحرك و السكون

جنون منك أن تسعى لرزق # و يرزق في غشاوته الجنين‏

364

*3406* 406 و من كلامه ع في أنواع الدهر و الزمان‏

وَ قَالَ ع اَلدَّهْرُ يَوْمَانِ يَوْمٌ لَكَ وَ يَوْمٌ عَلَيْكَ فَإِذَا كَانَ لَكَ فَلاَ تَبْطَرْ وَ إِذَا كَانَ عَلَيْكَ فَاصْبِرْ (1) -. قديما قيل هذا المعنى الدهر يومان‏ يوم بلاء و يوم رخاء و الدهر ضربان حبرة و عبرة و الدهر وقتان وقت سرور و وقت ثبور (1) .

و قال أبو سفيان يوم‏و الدنيا دول .

قال ع‏ فإذا كان لك فلا تبطر و إذا كان عليك فاصبر .

قد تقدم القول في ذم البطر و مدح الصبر و يحمل ذم البطر هاهنا على محملين أحدهما البطر بمعنى الأشر و شدة المرح بطر الرجل بالكسر يبطر و قد أبطره المال و قالوا بطر فلان معيشته كما قالوا رشد فلان أمره و الثاني البطر بمعنى الحيرة و الدهش أي إذا كان الوقت لك فلا تقطعن زمانك بالحيرة و الدهش عن شكر الله و مكافأة النعمة بالطاعة و العبادة و المحمل الأول أوضح‏

____________

(1) الثبور: الهلاك.

365

*3407* 407 و من كلامه ع في رسالة الحقوق بين الأولاد و الآباء

وَ قَالَ ع إِنَّ لِلْوَالِدِ عَلَى اَلْوَلَدِ حَقّاً وَ إِنَّ لِلْوَلَدِ عَلَى اَلْوَالِدِ حَقّاً فَحَقُّ اَلْوَالِدِ عَلَى اَلْوَلَدِ أَنْ يُطِيعَهُ فِي كُلِّ شَيْ‏ءٍ إِلاَّ فِي مَعْصِيَةِ اَللَّهِ سُبْحَانَهُ وَ حَقُّ اَلْوَلَدِ عَلَى اَلْوَالِدِ أَنْ يُحَسِّنَ اِسْمَهُ وَ يُحَسِّنَ أَدَبَهُ وَ يُعَلِّمَهُ اَلْقُرْآنَ (1) - . أما صدر الكلام فمن قول الله سبحانه‏ أَنِ اُشْكُرْ لِي وَ لِوََالِدَيْكَ إِلَيَّ اَلْمَصِيرُ `وَ إِنْ جََاهَدََاكَ عَلى‏ََ أَنْ تُشْرِكَ بِي مََا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاََ تُطِعْهُمََا (1)

[طرائف حول الأسماء و الكنى‏]

و أما تعليم الوالد الولد القرآن و الأدب فمأمور به و كذلك القول في تسميته باسم حسن و قد جاء

14- في الحديث تسموا بأسماء الأنبياء و أحب الأسماء إلى الله عبد الله و عبد الرحمن و أصدقها حارث و همام و أقبحها حرب و مرة .

14- و روى أبو الدرداء عن 14النبي ص أنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم و أسماء آبائكم فأحسنوا أسماءكم.

____________

(1) سورة لقمان 14، 15.

366

14- و 14قال ع إذا سميتم فعبدوا.

أي سموا بنيكم عبد الله و نحوه من أسماء الإضافة إليه عز اسمه ـ و كان 14رسول الله ص يغير بعض الأسماء سمى أبا بكر عبد الله و كان اسمه في الجاهلية عبد الكعبة و سمى ابن عوف عبد الرحمن و كان اسمه عبد الحارث و سمى شعب الضلالة شعب الهدى و سمى يثرب طيبة و سمى بني الريبة بني الرشدة و بني معاوية بني مرشدة .

كان سعيد بن المسيب بن حزن المخزومي أحد الفقهاء المشهورين

14- أتى جده 14رسول الله ص فقال له ما اسمك قال حزن قال لا بل أنت سهل فقال لا بل أنا حزن عاوده فيها ثلاثا ثم قال لا أحب هذا الاسم السهل يوطأ و يمتهن فقال فأنت حزن فكان سعيد يقول فما زلت أعرف تلك الحزونة فينا .

14- و روى جابر 14عنه ع ما من بيت فيه أحد اسمه محمد إلا وسع الله عليه الرزق فإذا سميتموهم به فلا تضربوهم و لا تشتموهم و من ولد له ثلاثة ذكور و لم يسم أحدهم أحمد أو محمدا فقد جفاني.

14- أبو هريرة 14عنه ع أنه نهى أن يجمع بين اسمه و كنيته لأحد .

14,1- و روي أنه أذن 1لعلي بن أبي طالب ع في ذلك فسمى ابنه محمد بن الحنفية محمدا و كناه أبا القاسم .

و قد روي أن جماعة من أبناء الصحابة جمع لهم بين الاسم و الكنية .

و قال الزمخشري قد قدم الخلفاء و غيرهم من الملوك رجالا بحسن أسمائهم و أقصوا قوما لشناعة أسمائهم و تعلق المدح و الذم بذلك في كثير من الأمور .

367

و في رسالة الجاحظ إلى أبي الفرج نجاح بن سلمة قد أظهر الله في أسمائكم و أسماء آبائكم و كناكم و كنى أجدادكم من برهان الفأل الحسن و نفي طيرة السوء ما جمع لكم صنوف الأمل و صرف إليكم وجوه الطلب فأسماؤكم و كناكم بين فرج و نجاح و سلامة و فضل و وجوهكم و أخلاقكم و وفق أعراقكم و أفعالكم فلم يضرب التفاوت فيكم بنصيب .

أراد عمر الاستعانة برجل فسأله عن اسمه و اسم أبيه فقال سراق بن ظالم فقال تسرق أنت و يظلم أبوك فلم يستعن به .

سأل رجل رجلا ما اسمك فقال بحر قال أبو من قال أبو الفيض قال ابن من قال ابن الفرات قال ما ينبغي لصديقك أن يلقاك إلا في زورق .

و كان بعض الأعراب اسمه وثاب و له كلب اسمه عمرو فهجاه أعرابي آخر فقال‏

و لو هيأ له الله # من التوفيق أسبابا

لسمى نفسه عمرا # و سمى الكلب وثابا .

قالوا و كلما كان الاسم غريبا كان أشهر لصاحبه و أمنع من تعلق النبز (1) به قال رؤبة

قد رفع العجاج ذكري فادعني # باسمي إذا الأسماء طالت تكفني.

و من هاهنا أخذ المعري قوله يمدح الرضي و المرتضى رحمهما الله‏

أنتم ذوو النسب القصير فطولكم # باد على الكبراء و الأشراف‏ (2)

و الراح إن قيل ابنة العنب اكتفت # بأب عن الأسماء و الأوصاف.

____________

(1) النبز: أن يلقب الإنسان بما يكره.

(2) سقط الزند 1302.

368

و سأل النسابة البكري رؤبة عن نسبه و لم يكن يعرفه قال أنا ابن العجاج قال قصرت و عرفت .

صاح أعرابي بعبد الله بن جعفر يا أبا الفضل قيل ليست كنيته قال و إن لم تكن كنيته فإنها صفته نظر عمر إلى جارية له سوداء تبكي فقال ما شأنك قالت ضربني ابنك أبو عيسى قال أ و قد تكنى بأبي عيسى علي به فأحضروه فقال ويحك أ كان لعيسى أب فتكنى به أ تدري ما كنى العرب أبو سلمة أبو عرفطة أبو طلحة أبو حنظلة ثم أدبه .

لما أقبل قحطبة بن شبيب نحو ابن هبيرة أراد ابن هبيرة أن يكتب إلى مروان بخبره و كره أن يسميه فقال اقلبوا اسمه فوجدوه هبط حق فقال دعوه على هيئته .

قال برصوما الزامر لأمه ويحك أ ما وجدت لي اسما تسميني به غير هذا قالت لو علمت أنك تجالس الخلفاء و الملوك سميتك يزيد بن مزيد .

قيل لبعض صبيان الأعراب ما اسمك قال قراد قيل لقد ضيق أبوك عليك الاسم قال إن ضيق الاسم لقد أوسع الكنية قال ما كنيتك قال أبو الصحاري .

نظر المأمون إلى غلام حسن الوجه في الموكب فقال له يا غلام ما اسمك قال لا أدري قال أ و يكون أحد لا يعرف اسمه فقال يا أمير المؤمنين اسمي الذي أعرف به لا أدري فقال المأمون‏

و سميت لا أدري لأنك لا تدري # بما فعل الحب المبرح في صدري.

ولد لعبد الله بن جعفر بن أبي طالب ولد ذكر فبشر به و هو عند معاوية

369

بن أبي سفيان فقال له معاوية سمه باسمي و لك خمسمائة ألف درهم فسماه معاوية فدفعها إليه و قال اشتر بها لسميي ضيعة .

14- و من حديث 1علي ع عن 14النبي ص إذا سميتم الولد محمدا فأكرموه و أوسعوا له في المجلس و لا تقبحوا له وجها.

14- و 14عنه ص ما من قوم كانت لهم مشورة فحضر معهم عليها من اسمه محمدا أو أحمد فأدخلوه في مشورتهم إلا خير لهم و ما من مائدة وضعت فحضر عليها من اسمه محمدا أو أحمد إلا قدس ذلك المنزل في كل يوم مرتين.

من أبيات المعاني‏

و حللت من مضر بأمنع ذروة # منعت بحد الشوك و الأحجار

قالوا يريد بالشوك أخواله و هم قتادة و طلحة و عوسجة و بالأحجار أعمامه و هم صفوان و فهر و جندل و صخر و جرول .

سمى عبد الملك ابنا له الحجاج لحبه الحجاج بن يوسف و قال فيه‏

سميته الحجاج بالحجاج # الناصح المكاشف المداجي.

استأذن الجاحظ و الشكاك و هو من المتكلمين على رئيس فقال الخادم لمولاه الجاحد و الشكاك فقال هذان من الزنادقة لا محالة فصاح الجاحظ ويحك ارجع قل الحدقي (1) بالباب و به كان يعرف فقال الخادم الحلقي بالباب فصاح الجاحظ ويلك ارجع إلى الجاحد .

جمع ابن دريد ثمانية أسماء في بيت واحد فقال‏

فنعم أخو الجلى و مستنبط الندى # و ملجأ مكروب و مفزع لاهث

عياذ بن عمرو بن الجليس بن جابر # بن زيد بن منظور بن زيد بن وارث .

____________

(1) الحدقى، من ألقاب الجاحظ.

370

قال محمد بن صدقة المقرئ ليموت بن المزرع صدق الله فيك اسمك فقال له أحوجك الله إلى اسم أبيك .

سأل رجل أبا عبيدة عن اسم رجل من العرب فلم يعرفه فقال كيسان غلامه أنا أعرف الناس به هو خراش أو خداش أو رياش (1) أو شي‏ء آخر فقال أبو عبيدة ما أحسن ما عرفته يا كيسان قال إي و الله و هو قرشي أيضا قال و ما يدريك به قال أ ما ترى كيف احتوشته الشينات من كل جانب قال الفرزدق

و قد تلتقي الأسماء في الناس و الكنى # كثيرا و لكن ميزوا في الخلائق‏ (2) .

رأى الإسكندر في عسكره رجلا لا يزال ينهزم في الحرب فسأله عن اسمه فقال اسمي الإسكندر فقال يا هذا إما أن تغير اسمك و إما أن تغير فعلك .

قال شيخنا أبو عثمان لو لا أن القدماء من الشعراء سمت الملوك و كنتها في أشعارها و أجازت و اصطلحت عليه ما كان جزاء من فعل ذلك إلا العقوبة على أن ملوك بني سامان لم يكنها أحد من رعاياها قط و لا سماها في شعر و لا خطبة و إنما حدث هذا في ملوك الحيرة و كانت الجفاة من العرب لسوء أدبها و غلظ تركيبها إذا أتوا 14النبي ص خاطبوه باسمه و كنيته فأما أصحابه فكانت مخاطبتهم له يا 14رسول الله و هكذا يجب أن يقال للملك في المخاطبة يا خليفة الله و يا أمير المؤمنين .

و ينبغي للداخل على الملك أن يتلطف في مراعاة الأدب كما حكى سعيد بن مرة الكندي دخل على معاوية فقال أنت سعيد فقال أمير المؤمنين السعيد و أنا ابن مرة .

و قال المأمون للسيد بن أنس الأزدي أنت السيد فقال أنت السيد يا أمير المؤمنين و أنا ابن أنس .

____________

(1) ب: «دياس» .

(2) ديوانه 578، و روايته: «و لكن لا تلاقى الخلائق» .

371

شاعر

لعمرك ما الأسماء إلا علامة # منار و من خير المنار ارتفاعها.

14- كان قوم من الصحابة يخاطبون 14رسول الله ص يا نبي‏ء الله بالهمزة فأنكر ذلك و قال لست بنبي‏ء الله و لكني نبي الله.

و كان البحتري إذا ذكر الخثعمي الشاعر يقول ذاك الغث العمي .

و كان صاحب ربيع يتشيع فارتفع إليه خصمان اسم أحدهما علي و الآخر معاوية فانحنى على معاوية فضربه مائة سوط من غير أن اتجهت عليه حجة ففطن من أين أتي فقال أصلحك الله سل خصمي عن كنيته فإذا هو أبو عبد الرحمن و كانت كنية معاوية بن أبي سفيان فبطحه و ضربه مائة سوط فقال لصاحبه ما أخذته مني بالاسم استرجعته منك بالكنية

372

*3408* 408 و من كلامه ع في العين و السحر و الفأل و العدوى و الطيرة

وَ قَالَ ع اَلْعَيْنُ حَقٌّ وَ اَلرُّقَى حَقٌّ وَ اَلسِّحْرُ حَقٌّ وَ اَلْفَأْلُ حَقٌّ وَ اَلطِّيَرَةُ لَيْسَتْ بِحَقٍّ وَ اَلْعَدْوَى لَيْسَتْ بِحَقٍّ وَ اَلطِّيبُ نُشْرَةٌ وَ اَلْعَسَلُ نُشْرَةٌ وَ اَلرُّكُوبُ نُشْرَةٌ (1) وَ اَلنَّظَرُ إِلَى اَلْخُضْرَةِ نُشْرَةٌ (1) -. و يروى و الغسل نشرة بالغين المعجمة أي التطهير بالماء

[أقوال في العين و السحر و الفأل و العدوى و الطيرة]

و قد جاء

14- في الحديث المرفوع العين حق و لو كان شي‏ء يسبق القدر لسبقته العين و إذا استغسلتم فاغسلوا.

قالوا في تفسيره إنهم كانوا يطلبون من العائن أن يتوضأ بماء ثم يسقي منه المعين‏ (2) و يغتسل بسائره .

و في حديث عائشة العين حق كما أن 14محمدا حق .

و للحكماء في تعليل ذلك قول لا بأس به قالوا هذا عائد إلى نفس العائن و ذلك لأن الهيولى مطيعة للأنفس متأثرة بها أ لا ترى أن نفوس الأفلاك تؤثر فيها بتعاقب الصور عليها و النفوس البشرية من جوهر نفوس الأفلاك و شديدة الشبه بها إلا أن نسبتها إليها نسبة السراج إلى الشمس فليست عامة التأثير بل تأثيرها في أغلب الأمر في بدنها خاصة و لهذا يحمى مزاج الإنسان عند الغضب

____________

(1) النشرة: كالعوذة و الرقية.

(2) المعين: المعيون، أي المصاب بالعين.

373

يستعد للجماع عند تصور النفس صورة المعشوق فإذن قد صار تصور النفس مؤثرا فيما هو خارج عنها لأنها ليست حالة في البدن فلا يستبعد وجود نفس لها جوهر مخصوص مخالف لغيره من جواهر النفوس تؤثر في غير بدنها و لهذا يقال إن قوما من الهند يقتلون بالوهم و الإصابة بالعين من هذا الباب و هو أن تستحسن النفس صورة مخصوصة و تتعجب منها و تكون تلك النفس خبيثة جدا فينفعل جسم تلك الصورة مطيعا لتلك النفس كما ينفعل البدن للسم .

14- و في حديث أم سلمة أن 14رسول الله ص رأى في وجه جارية لها سعفة (1) فقال إن بها نظرة فاسترقوا لها .

14- و قال عوف بن مالك الأشجعي كنا نرقي في الجاهلية فقلت يا 14رسول الله ما ترى في ذلك فقال أعرضوا على رقاكم فلا بأس بالرقى ما لم يكن فيها شرك .

14- كان ناس من أصحاب 14رسول الله ص في سفر فمروا بحي من أحياء العرب فاستضافوهم فلم يضيفوهم و قالوا لهم هل فيكم من راق فإن سيد الحي لديغ فقال رجل منهم نعم فأتاه فرقاه بفاتحة الكتاب فبرأ فأعطي قطيعا من الغنم فأبى أن يقبلها حتى يأتي 14رسول الله ص فذكر ذلك 14لرسول الله ص و قال و عيشك ما رقيته إلا بفاتحة الكتاب فقال ما أدراكم إنها رقية خذوا منهم و اضربوا لي معكم بسهم (1) - .

14- و روى بريدة قال قال 14رسول الله ص و قد ذكرت عنده الطيرة من عرض له من هذه الطيرة شي‏ء فليقل‏اللهم لا طير إلا طيرك و لا خير إلا خيرك و لا إله غيرك و لا حول و لا قوة إلا بالله.

14- و 14عنه ع ليس منا من تطير أو تطير له أو تكهن أو تكهن له.

____________

(1) السعفة: قروح تخرج على رأس الصبى. و استرقوا، أي اطلبوا من يرقيها.

374

14- أنس بن مالك يرفعه لا عدوى و لا طيرة و يعجبني الفأل الصالح قالوا فما الفأل الصالح قال الكلمة الطيبة.

14- و 14عنه ع تفاءلوا و لا تطيروا.

14- و روى عبد الله بن بريدة عن أبيه أن 14رسول الله ص كان لا يتطير من شي‏ء و كان إذا بعث عاملا سأل عن اسمه فإذا أعجبه سر به و رئي بشر ذلك في وجهه و إن كره اسمه رئيت الكراهة على وجهه و إذا دخل قرية سأل عن اسمها فإن أعجبه ظهر على وجهه .

بنى عبيد الله بن زياد بالبصرة دارا عظيمة فمر بها بعض الأعراب فرأى في دهليزها صورة أسد و كلب و كبش فقال أسد كالح و كبش ناطح و كلب نابح و الله لا يمتع بها فلم يلبث عبيد الله فيها إلا أياما يسيرة .

14- أبو هريرة يرفعه إذا ظننتم فلا تحققوا و إذا تطيرتم فامضوا و على الله فتوكلوا.

14- و 14قال ع أحسنها الفأل و لا يرد قدرا و لكن إذا رأى أحدكم ما يكره فليقل‏اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت و لا يدفع السيئات إلا أنت و لا حول و لا قوة إلا بك.

و قال بعض الشعراء

لا يعلم المرء ليلا ما يصبحه # إلا كواذب ما يجري به الفأل

و الفأل و الزجر و الكهان كلهم # مضللون و دون الغيب أقفال.

14- و عن 14النبي ص القيافة و الطرق و الطيرة من الخبث.

14- ابن عباس يرفعه من اقتبس علما من النجوم اقتبس شعبة من السحر.

14- أبو هريرة يرفعه من أتى كاهنا فصدقه فيما يقول فقد برئ مما أنزل الله على أبي القاسم .

375

شاعر

لعمرك ما تدري الطوارق بالحصى # و لا زاجرت الطير ما الله صانع‏ (1) .

و قال آخر

لا يقعدنك عن بغاء # الخير تعقاد العزائم‏ (2)

فلقد غدوت و كنت لا # أغدو على راق و حائم

فإذا الأشائم كالأيامن # و الأيامن كالأشائم

و كذاك لا خير و لا # شر على أحد بدائم.

تفاءل هشام بن عبد الملك بنصر بن سيار فقلده خراسان فبقي فيها عشر سنين .

و تفاءل عامر بن إسماعيل قاتل مروان بن محمد باسم رجل لقيه فسأله عن اسمه فقال منصور بن سعد قال من أي العرب قال من سعد العشيرة فاستصحبه و طلب مروان فظفر به و قتله .

و تفاءل المأمون بمنصور بن بسام فكان سبب مكانته عنده .

قالوا إنما أصل اليد اليسرى العسرى إلا أنهم أبدلوا اليسرى من اليسر تفاؤلا .

مزرد بن ضرار

و إني امرؤ لا تقشعر ذؤابتي # من الذئب يعوي و الغراب المحجل.

الكميت

و لا أنا ممن يزجر الطير همه # أ صاح غراب أم تعرض ثعلب‏ (3) .

و قال بعض العرب خرجت في طلب ناقة ضلت لي فسمعت قائلا يقول‏

و لئن بعثت لها بغاة # فما البغاة بواجدينا (4)

____________

(1) للبيد، ديوانه 172.

(2) عيون الأخبار 1: 145، و نسبها إلى المرقش.

(3) الهاشميات 36.

(4) للبيد، ديوانه 323.

376

فلم أتطير و مضيت لوجهي فلقيني رجل قبيح الوجه به ما شئت من عاهة فلم أتطير و تقدمت فلاحت لي أكمة (1) فسمعت منها صائحا

و الشر يلقى مطالع الأكم‏

فلم أكترث و لا انثنيت و علوتها فوجدت ناقتي قد تفاجت‏ (2) للولادة فنتجتها (3) و عدت إلى منزلي بها و معها ولدها .

1- و قيل 1لعلي ع لا تحاربهم اليوم فإن القمر في العقرب فقال قمرنا أم قمرهم .

14- و روي 14عنه ع أنه كان يكره أن يسافر أو يتزوج في محاق‏ (4) الشهر و إذا كان القمر في العقرب.

و روي أن ابن عباس قال على منبر البصرة إن الكلاب من الحن و إن الحن من ضعفاء الجن فإذ غشيكم منهم شي‏ء فألقوا إليه شيئا أو اطردوه فإن لها أنفس سوء .

و قال أبو عثمان الجاحظ كان علماء الفرس و الهند و أطباء اليونانيين و دهاة العرب و أهل التجربة من نازلة الأمصار و حذاق المتكلمين يكرهون الأكل بين يدي السباع يخافون عيونها للذي فيها من النهم و الشره و لما ينحل عند ذلك من أجوافها من البخار الردي‏ء و ينفصل من عيونها مما إذا خالط الإنسان نقض بنية قلبه و أفسده و كانوا يكرهون قيام الخدم بالمذاب و الأشربة على رءوسهم خوفا من أعينهم و شدة ملاحظتهم إياهم و كانوا يأمرون بإشباعهم قبل أن يأكلوا و كانوا يقولون في الكلب و السنور إما أن يطرد أو يشغل بما يطرح له .

____________

(1) الأكمة: الموضع يكون أشدّ ارتفاعا ممّا حوله، و انظر عيون الأخبار 1: 145.

(2) تفاجت: وسعت ما بين رجليها.

(3) نتجتها أي أولدتها.

(4) المحاق مثلثة: آخر الشهر أو ثلاث ليال من آخره، أو أن يستتر القمر فلا يرى غدوة و لا عشية، سمى محاقا لأنّه طلع مع الشمس فمحقته.

377

و قالت الحكماء نفوس السباع أردأ النفوس و أخبثها لفرط شرهها و شرها قالوا و قد وجدنا الرجل يضرب الحية بعصا فيموت الضارب و الحية لأن سم الحية فصل منها حتى خالط أحشاء الضارب و قلبه و نفذ في مسام جسده .

و قد يديم الإنسان النظر إلى العين المحمرة فتعتري عينه حمرة و التثاؤب يعدي أعداء ظاهرا و يكره دنو الطامث من اللبن لتسوطه لأن لها رائحة و بخارا يفسد اللبن المسوط (1) .

و قال الأصمعي رأيت رجلا عيونا (2) كان يذكر عن نفسه أنه إذا أعجبه الشي‏ء وجد حرارة تخرج من عينه .

و قال أيضا كان عندنا عيونان فمر أحدهما بحوض من حجارة فقال تالله ما رأيت كاليوم حوضا فانصدع فلقتين فمر عليه الثاني فقال و أبيك لقلما ضررت أهلك فيك فتطاير أربع فلق .

و سمع آخر صوت بول من وراء جدار حائط فقال إنك كثير الشخب فقالوا هو ابنك فقال أوه انقطع ظهره فقيل لا بأس عليه إن شاء الله فقال و الله لا يبول بعدها أبدا فما بال حتى مات .

و سمع آخر صوت شخب ناقة بقوة فأعجبه فقال أيتهن هذه فوروا بأخرى عنها-فهلكتا جميعا المورى بها و المورى عنها ـ قال رجل من خاصة الممنصور له قبل أن يقتل أبا مسلم بيوم واحد إني رأيت اليوم لأبي مسلم ثلاثا تطيرت له منها قال ما هي قال ركب فوقعت قلنسوته

____________

(1) الطامث: الحائض. و المسوط: المخلوط.

(2) العيون: الشديد الإصابة بالعين.

378

عن رأسه فقال الممنصور الله أكبر تبعها و الله رأسه فقال و كبا به فرسه فقال الله أكبر كبا و الله جده و أصلد زنده فما الثالثة قال إنه قال لأصحابه أنا مقتول و إنما أخادع نفسي و إذا رجل ينادي آخر من الصحراء اليوم آخر الأجل يا فلان فقال الله أكبر انقضى أجله إن شاء الله و انقطع من الدنيا أثره فقتل في غد ذلك اليوم .

تجهز النابغة الذبياني للغزو و اسمه زياد بن عمرو مع زبان بن سيار الفزاري فلما أراد الرحيل سقطت عليه جرادة فتطير و قال ذات لونين تجرد غري من خرج فأقام و لم يلتفت زبان إلى طيرته فذهب و رجع غانما فقال‏

تطير طيرة يوما زياد # لتخبره و ما فيها خبير (1)

أقام كان لقمان بن عاد # أشار له بحكمته مشير

تعلم إنه لا طير إلا # على متطير و هو الثبور

بلى شي‏ء يوافق بعض شي‏ء # أحايينا و باطله كثير.

حضر عمر بن الخطاب الموسم فصاح به صائح يا خليفة 14رسول الله فقال رجل من بني لهب و هم أهل عيافة و زجر دعاه باسم ميت مات و الله أمير المؤمنين فلما وقف الناس للجمار إذا حصاة صكت صلعة عمر فأدمي منها فقال ذلك القائل أشعر و الله أمير المؤمنين لا و الله ما يقف هذا الموقف أبدا فقتل عمر قبل أن يحول الحول و قال كثير بن عبد الرحمن

تيممت لهبا أبتغي العلم عندها # و قد صار علم العائفين إلى لهب‏ (2) .

____________

(1) الحيوان 3: 447.

(2) عيون الأخبار 1: 149.

379

كان للعرب كاهنان اسم أحدهما شق و كان نصف إنسان و اسم الآخر سطيح و كان يطوى طي الحصير و يتكلمان بكل أعجوبة في الكهانة فقال ابن الرومي

لك رأي كأنه رأي شق # و سطيح قريعي الكهان

يستشف الغيوب عما تواري # بعيون جلية الإنسان.

و قال أبو عثمان الجاحظ كان مسيلمة قبل أن يتنبأ يدور في الأسواق التي كانت بين دور العرب و العجم كسوق الأبلة و سوق بقة و سوق الأنبار و سوق الحيرة يلتمس تعلم الحيل و النيرنجيات و احتيالات أصحاب الرقى و العزائم و النجوم و قد كان أحكم علم الحزاة و أصحاب الزجر و الخط فعمد إلى بيضة فصب إليها خلا حاذقا قاطعا فلانت حتى إذا مدها الإنسان استطالت و دقت كالعلك ثم أدخلها قارورة ضيقة الرأس و تركها حتى انضمت و استدارت و جمدت فعادت كهيئتها الأولى فأخرجها إلى قوم و هم أعراب و استغواهم بها و فيه قيل‏

ببيضة قارور و راية شادن # و توصيل مقطوع من الطير حاذق‏

قالوا أراد براية الشادن التي يعملها الصبي من القرطاس الرقيق و يجعل لها ذنبا و جناحين و يرسلها يوم الريح بخيط طويل .

كان مسيلمة يعمل رايات من هذا الجنس و يعلق فيها الجلاجل و يرسلها ليلا في شدة الريح و يقول هذه الملائكة تنزل علي و هذه خشخشة الملائكة و زجلها و كان يصل جناح الطير المقصوص بريش معه فيطير و يستغوي به الأعراب .

شاعر في الطيرة

380

و أمنع الياسمين الغض من حذري # عليك إذ قيل لي نصف اسمه ياس.

و قال آخر

أهدت إليه سفرجلا فتطيرا # منه و ظل مفكرا مستعبرا (1)

خوف الفراق لأن شطر هجائه # سفر و حق له بأن يتطيرا.

و قال آخر

يا ذا الذي أهدى لنا سوسنا # ما كنت في إهدائه محسنا

نصف اسمه سو فقد ساءني # يا ليت إني لم أر السوسنا.

و مثله‏

لا تراني طوال دهري # أهوى الشقائقا

إن يكن يشبه الخدود # فنصف اسمه شقا.

و كانوا يتفاءلون بالآس لدوامه و يتطيرون من النرجس لسرعة انقضائه و يسمونه الغدار .

و قال العباس بن الأحنف

إن الذي سماك يا منيتي # بالنرجس الغدار ما أنصفا (2)

لو أنه سماك بالآسة # وفيت إن الآس أهل الوفا.

خرج كثير يريد عزة و معه صاحب له من نهد فرأى غرابا ساقطا فوق بانة ينتف ريشه فقال له النهدي إن صدق الطير فقد ماتت عزة فوافى أهلها و قد أخرجوا جنازتها فقال‏

و ما أعيف النهدي لا در دره # و أزجره للطير لا عز ناصره‏ (3)

رأيت غرابا ساقطا فوق بانة # ينتف أعلى ريشه و يطايره

____________

(1) مستعبرا؛ أى سالت عبرته، أي دموعه.

(2) ديوانه 190.

(3) عيون الأخبار 1: 148.

381

فقال غراب لاغتراب و بانة # لبين و فقد من حبيب تعاشره.

و قال الشاعر

و سميته يحيى ليحيا و لم يكن # إلى رد حكم الله فيه سبيل

تيممت فيه الفأل حين رزقته # و لم أدر أن الفأل فيه يفيل.

فأما القول في السحر فإن الفقهاء يثبتونه و يقولون فيه القود و قد جاء في الخبر أن 14رسول الله ص سحره لبيد بن أعصم اليهودي حتى كان يخيل إليه أنه عمل الشي‏ء و لم يعمله .

14,1- و روي أن امرأة من يهود سحرته بشعر و قصاص ظفر و جعلت السحر في بئر و أن الله تعالى دله على ذلك فبعث 1عليا ع فاستخرجه و قتل المرأة .

و قوم من المتكلمين ينفون هذا عنه ع و يقولون إنه معصوم من مثله .

و الفلاسفة تزعم أن السحر من آثار النفس الناطقة و أنه لا يبعد أن يكون في النفوس نفس تؤثر في غير بدنها المرض و الحب و البغض و نحو ذلك و أصحاب الكواكب يجعلون للكواكب في ذلك تأثيرا و أصحاب خواص الأحجار و النبات و غيرها يسندون ذلك إلى الخواص و كلام 1أمير المؤمنين ع دال على تصحيح ما يدعى من السحر .

و أما العدوى

14- فقد قال 14رسول الله ص لا عدوى في الإسلام .

14- و قال لمن قال أعدى بعضها بعضا يعني الإبل فمن أعدى الأول.

14- و قال لا عدوى و لا هامة و لا صفر.

فالعدوى معروفة و الهامة ما كانت العرب تزعمه في المقتول‏

382

لا يؤخذ بثأره و الصفر ما كانت العرب تزعمه من الحية في البطن تعض عند الجوع‏

[نكت في مذاهب العرب و تخيلاتها]

و سنذكر هاهنا نكتا ممتعة من مذاهب العرب و تخيلاتها لأن الموضع قد ساقنا إليه أنشد هشام بن الكلبي لأمية بن أبي الصلت

سنة أزمة تبرح بالناس # ترى للعضاة فيها صريرا (1)

لا على كوكب تنوء و لا ريح # جنوب و لا ترى طحرورا (2)

و يسقون باقر السهل للطود # مهازيل خشية أن تبورا

عاقدين النيران في ثكن الأذناب # منها لكي تهيج البحورا

سلع ما و مثله عشر ما # عامل ما و عالت البيقورا.

يروى أن عيسى بن عمر قال ما أدري معنى هذا البيت و يقال إن الأصمعي صحف فيه فقال و غالت البيقورا بالغين المعجمة و فسره غيره فقال عالت بمعنى أثقلت البقر بما حملتها من السلع و العشر و البيقور البقر و عائل غالب أو مثقل و كانت العرب إذا أجدبت و أمسكت السماء عنهم و أرادوا أن يستمطروا عمدوا إلى السلع و العشر فحزموهما و عقدوهما في أذناب البقر و أضرموا فيها النيران و أصعدوها في جبل وعر و اتبعوها يدعون الله و يستسقونه و إنما يضرمون النيران في أذناب البقر تفاؤلا للبرق بالنار و كانوا يسوقونها نحو المغرب من دون الجهات و قال أعرابي‏

شفعنا ببيقور إلى هاطل الحيا # فلم يغن عنا ذاك بل زادنا جدبا

فعدنا إلى رب الحيا فأجارنا # و صير جدب الأرض من عنده خصبا

____________

(1) شعراء النصرانية 235، في وصف سنة و مجاعة.

(2) الطحرور: القطع من السحاب .

غ

383

و قال آخر

قل لبني نهشل أصحاب الحور # أ تطلبون الغيث جهلا بالبقر

و سلع من بعد ذاك و عشر # ليس بذا يجلل الأرض المطر.

و يمكن أن يحمل تفسير الأصمعي على محمل صحيح فيقال غالت بمعنى أهلكت يقال غاله كذا و اغتاله أي أهلكه و غالتهم غول يعني المنية و منه الغضب غول الحلم .

و قال آخر

لما كسونا الأرض أذناب البقر # بالسلع المعقود فيها و العشر.

و قال آخر

يا كحل قد أثقلت أذناب البقر # بسلع يعقد فيها و عشر

فهل تجودين ببرق و مطر

و قال آخر يعيب العرب بفعلهم هذا

لا در در رجال خاب سعيهم # يستمطرون لدى الإعسار بالعشر

أ جاعل أنت بيقورا مسلعة # ذريعة لك بين الله و المطر.

و قال بعض الأذكياء كل أمة قد تحذو في مذاهبها مذاهب ملة أخرى و قد كانت الهند تزعم أن البقر ملائكة سخط الله عليها فجعلها في الأرض و أن لها عنده حرمة و كانوا يلطخون الأبدان بأخثائها (1) و يغسلون الوجوه ببولها و يجعلونها مهور نسائهم و يتبركون بها في جميع أحوالهم فلعل أوائل العرب حذوا هذا الحذو و انتهجوا هذا المسلك

____________

(1) الأخثاء: جمع خثة؛ و هي البعرة اللينة.

384

و للعرب في البقر خيال آخر و ذلك أنهم إذا أوردوها فلم ترد ضربوا الثور ليقتحم الماء فتقتحم البقر بعده و يقولون إن الجن تصد البقر عن الماء و إن الشيطان يركب قرني الثور و قال قائلهم‏

إني و قتلي سليكا حين أعقله # كالثور يضرب لما عافت البقر (1) .

و قال نهشل بن حري

كذاك الثور يضرب بالهراوى # إذا ما عافت البقر الظماء.

و قال آخر

كالثور يضرب للورود # إذا تمنعت البقر.

فإن كان ليس إلا هذا فليس ذاك بعجيب من البقر و لا بمذهب من مذاهب العرب لأنه قد يجوز أن تمتنع البقر من الورود حتى يرد الثور كما تمتنع الغنم من سلوك الطرق أو دخول الدور و الأخبية حتى يتقدمها الكبش أو التيس و كالنحل تتبع اليعسوب و الكراكي تتبع أميرها و لكن الذي تدل عليه أشعارها أن الثور يرد و يشرب و لا يمتنع و لكن البقر تمتنع و تعاف الماء و قد رأت الثور يشرب فحينئذ يضرب الثور مع إجابته إلى الورود فتشرب البقر عند شربه و هذا هو العجب قال الشاعر

فإني إذن كالثور يضرب جنبه # إذا لم يعف شربا و عافت صواحبه.

و قال آخر

فلا تجعلوني كالبقير و فحلها # يكسر ضربا و هو للورد طائع

و ما ذنبه إن لم يرد بقراته # و قد فاجأتها عند ذاك الشرائع.

____________

(1) للسليك بن السلكة، و البيت من شواهد ابن عقيل 2: 282.

385

و قال الأعشى

لكالثور و الجني يضرب وجهه # و ما ذنبه إن عافت الماء مشربا (1)

و ما ذنبه إن عافت الماء باقر # و ما إن يعاف الماء إلا ليضربا.

قالوا في تفسيره لما كان امتناعها يتعقبه الضرب حسن أن يقال عافت الماء لتضرب و هذه اللام هي لام العاقبة كقوله لدوا للموت و على هذا فسر أصحابنا قوله سبحانه‏ وَ لَقَدْ ذَرَأْنََا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ اَلْجِنِّ وَ اَلْإِنْسِ‏ (2) .

و من مذاهب العرب أيضا تعليق الحلي و الجلاجل على اللديغ يرون أنه يفيق بذلك و يقال إنه إنما يعلق عليه لأنهم يرون [أنه‏] إن نام يسري السم فيه فيهلك فشغلوه بالحلي و الجلاجل و أصواتها عن النوم و هذا قول النضر بن شميل و بعضهم يقول إنه إذا علق عليه حلي الذهب برأ و إن علق الرصاص أو حلي الرصاص مات .

و قيل لبعض الأعراب أ تريدون شهرة فقال إن الحلي لا تشهر و لكنها سنة ورثناها .

و قال النابغة

فبت كأني ساورتني ضئيلة # من الرقش في أنيابها السم ناقع‏ (3)

يسهد من ليل التمام سليمها # لحلي النساء في يديه قعاقع.

و قال بعض بني عذرة

كأني سليم ناله كلم حية # ترى حوله حلي النساء مرصعا.

____________

(1) ديوانه 90.

(2) سورة الأعراف 179.

(3) ديوانه 51.

386

و قال آخر

و قد عللوا بالبطل في كل موضع # و غروا كما غر السليم الجلاجل‏

و قال جميل و ظرف في قوله و لو قاله العباس بن الأحنف لكان ظريفا

إذا ما لديغ أبرأ الحلي داءه # فحليك أمسى يا بثينة دائيا (1) .

و قال عويمر النبهاني و هو يؤكد قول النضر بن شميل

فبت معنى بالهموم كأنني # سليم نفى عنه الرقاد الجلاجل.

و مثله قول الآخر

كأني سليم سهد الحلي عينه # فراقب من ليل التمام الكواكبا.

و يشبه مذهبهم في ضرب الثور مذهبهم في العر يصيب الإبل فيكوى الصحيح ليبرأ السقيم و قال النابغة

و كلفتني ذنب امرئ و تركته # كذي العر يكوى غيره و هو راتع‏ (2) .

و قال بعض الأعراب‏

كمن يكوى الصحاح يروم برءا # به من كل جرباء الإهاب.

و هذا البيت يبطل رواية من روى بيت النابغة كذي العر بضم العين لأن العر بالضم قرح في مشافر الإبل غير الجرب و العر بالفتح الجرب نفسه فإذا دل الشعر على أنه يكوى الصحيح ليبرأ الأجرب فالواجب أن يكون بيت النابغة كذي العر بالفتح .

و مثل هذا البيت قول الآخر

فألزمتني ذنبا و غيري جره # حنانيك لا يكوى الصحيح بأجربا.

إلا أن يكون إطلاق لفظ الجرب على هذا المرض المخصوص من باب المجاز لمشابهته له

____________

(1) ديوانه 218.

(2) ديوانه 54.

387

و من تخيلات العرب و مذاهبها أنهم كانوا يفقئون عين الفحل من الإبل إذا بلغت ألفا كأنهم يدفعون العين عنها قال الشاعر

فقأنا عيونا من فحول بهازر # و أنتم برعي البهم أولى و أجدر.

و قال آخر

وهبتها و كنت ذا امتنان # تفقأ فيها أعين البعران.

و قال الآخر

أعطيتها ألفا و لم تبخل بها # ففقأت عين فحيلها معتافا.

و قد ظن قوم أن بيت الفرزدق و هو

غلبتك بالمفقئ و المعنى # و بيت المحتبي و الخافقات‏ (1)

من هذا الباب و ليس الأمر على ذلك و إنما أراد بالفق‏ء قوله لجرير

و لست و لو فقأت عينيك واجدا # أخا كلقيط أو أبا مثل دارم‏ (2) .

و أراد بالمعنى قوله لجرير أيضا

و إنك إذ تسعى لتدرك دارما # لأنت المعنى يا جرير المكلف‏ (3) .

و أراد بقوله بيت المحتبي قوله‏

بيت زرارة محتب بفنائه # و مجاشع و أبو الفوارس نهشل‏ (4) .

و بيت الخافقات قوله‏

و معصب بالتاج يخفق فوقه # خرق الملوك له خميس جحفل‏ (5) .

____________

(1) ديوانه 131. و الخافقات: الرايات.

(2) في شرح ديوانه: «أو أبا مثل نهشل.

(3) ديوانه 436.

(4) 714.

(5) ديوانه 715؛ و في شرح الديوان. و الخافقات يريد قوله:

و أين تقضّى المالكان أمورها # بحقّ و أين الخافقات اللوامع‏

قال أبو الهيثم: «فخر الفرزدق في هذا البيت على جرير؛ لأن العرب كانت إذا بلغ لأحدهم ألف بعير فقأ عين بعير منها؛ فإذا تمت ألفان أعماه؛ فافتخر عليه بكثرة ماله» .

388

فأما مذهبهم في البلية و هي ناقة تعقل عند القبر حتى تموت فمذهب مشهور و البلية أنهم إذا مات منهم كريم بلوا ناقته أو بعيره فعكسوا عنقها و أداروا رأسها إلى مؤخرها و تركوها في حفيرة لا تطعم و لا تسقى حتى تموت و ربما أحرقت بعد موتها و ربما سلخت و ملئ جلدها ثماما و كانوا يزعمون أن من مات و لم يبل عليه حشر ماشيا و من كانت له بلية حشر راكبا على بليته قال جريبة (1) بن الأشيم الفقعسي لابنه‏

يا سعد إما أهلكن فإنني # أوصيك إن أخا الوصاة الأقرب

لا أعرفن أباك يحشر خلفكم # تعبا يجر على اليدين و ينكب

و احمل أباك على بعير صالح # و تق الخطيئة إنه هو أصوب

و لعل لي مما جمعت مطية # في الحشر أركبها إذا قيل اركبوا.

و قال جريبة أيضا

إذا مت فادفني بجداء ما بها # سوى الأصرخين أو يفوز راكب

فإن أنت لم تعقر علي مطيتي # فلا قام في مال لك الدهر جالب

و لا تدفنني في صوى و ادفننني # بديمومة تنزو عليها الجنادب.

و قد ذكرت في مجموعي المسمى بالعبقري الحسان أن أبا عبد الله الحسين بن محمد بن جعفر الخالع رحمه الله ذكر في كتابه في آراء العرب و أديانها هذه الأبيات و استشهد بها على ما كانوا يعتقدون في البلية و قلت إنه وهم في ذلك و إنه ليس في هذه الأبيات دلالة على هذا المعنى و لا لها به تعلق و إنما هي وصية لولده أن يعقر مطيته بعد موته إما لكيلا يركبها غيره بعده أو على هيئة القربان كالهدي المعقور

____________

(1) ديوانه 346.

389

بمكة أو كما كانوا يعقرون عند القبور و مذهبهم في العقر على القبور كقول زياد الأعجم في المغيرة بن المهلب

إن السماحة و المروءة ضمنا # قبرا بمرو على الطريق الواضح‏ (1)

فإذا مررت بقبره فاعقر به # كوم الهجان و كل طرف سابح‏ (2) .

و قال الآخر

نفرت قلوصي عن حجارة حرة # بنيت على طلق اليدين وهوب‏ (3)

لا تنفري يا ناق منه فإنه # شريب خمر مسعر لحروب

لو لا السفار و بعد خرق مهمه # لتركتها تحبو على العرقوب

و مذهبهم في العقر على القبور مشهور و ليس في هذا الشعر ما يدل على مذهبهم في البلية فإن ظن ظان أن قوله أو يفوز راكب فيه إيماء إلى ذلك فليس الأمر كما ظنه و معنى البيت ادفني بفلاة جداء مقطوعة عن الإنس ليس بها إلا الذئب و الغراب أو أن يعتسف راكبها المفازة و هي المهلكة سموها مفازة على طريق الفأل و قيل إنها تسمى مفازة من فوز أي هلك فليس في هذا البيت ذكر البلية و لكن الخالع أخطأ في إيراده في هذا الباب كما أخطأ في هذا الباب أيضا في إيراده قول مالك بن الريب

و عطل قلوصي في الركاب فإنها # ستبرد أكبادا و تبكي بواكيا (4) .

فظن أن ذلك من هذا الباب الذي نحن فيه و لم يرد الشاعر ذلك و إنما أراد

____________

(1) الشعر و الشعراء 397.

(2) بعده في الشعر و الشعراء:

و انضح جوانب قبره بدمائها # فلقد يكون أخادم و ذبائح.

(3) من أبيات في رثاء ربيعة بن مكدم، تنسب إلى ضرار بن الخطّاب، و تنسب لحسان أيضا؛ و انظر الأغانى 16: 58، 59 (طبعة دار الكتب) .

(4) أمالي القالى 3: 138.

390

لا تركبوا راحلتي بعدي و عطلوها بحيث لا يشاهدها أعادي و أصادقي ذاهبة جائية تحت راكبها فيشمت العدو و يساء الصديق و قد أخطأ الخالع في مواضع عده من هذا الكتاب و أورد أشعارا في غير موضعها و ظنها مناسبة لما هو فيه فمنها ما ذكرناه و منها أنه ذكر مذهب العرب في الحلي و وضعه على اللديغ و استشهد عليه بقول الشاعر

يلاقي من تذكر آل ليلى # كما يلقى السليم من العداد (1) .

و لا وجه لإيراد هذا البيت في هذا الموضع فالعداد معاودة السم الملسوع في كل سنة في الوقت الذي لدغ فيه و ليس هذا من باب الحلي بسبيل .

و من ذلك إيراده قول الفرزدق غلبتك بالمفقئ‏ (2) في باب فق‏ء عيون الفحول إذا بلغت الإبل ألفا و قد تقدم شرحنا لموضع الوهم في ذلك و سنذكر هاهنا كثيرا من المواضع التي وهم فيها إن شاء الله .

و مما ورد عن العرب في البلية قول بعضهم‏

أ بني زودني إذا فارقتني # في القبر راحلة برحل فاتر

للبعث أركبها إذا قيل اركبوا # مستوثقين معا لحشر الحاشر.

و قال عويم النبهاني

أ بني لا تنسى البلية إنها # لأبيك يوم نشوره مركوب.

____________

(1) اللسان 4: 274.

(2) و هو قوله:

غلبتك بالمفقّئ و المعنّى # و بيت المحتبى و الخافقات.

.

391

و من تخيلات العرب و مذاهبها ما حكاه ابن الأعرابي قال كانت العرب إذا نفرت الناقة فسميت لها أمها سكنت من النفار قال الراجز

أقول و الوجناء بي تقحم # ويلك قل ما اسم أمها يا علكم .

علكم اسم عبد له و إنما سأل عبده ترفعا أن يعرف اسم أمها لأن العبيد بالإبل أعرف و هم رعاتها .

و أنشد السكري

فقلت له ما اسم أمها هات فادعها # تجبك و يسكن روعها و نفارها.

و مما كانت العرب كالمجتمعة عليه الهامة و ذلك أنهم كانوا يقولون ليس من ميت يموت و لا يقتل إلا و يخرج من رأسه هامة فإن كان قتل و لم يؤخذ بثأره نادت الهامة على قبره اسقوني فإني صدية و عن هذا

14- قال 14النبي ص لا هامة.

و حكي أن أبا زيد كان يقول الهامة مشددة الميم إحدى هوام الأرض و أنها هي المتلونة المذكورة .

و قيل إن أبا عبيد قال ما أرى أبا زيد حفظ هذا و قد يسمونها الصدى و الجمع أصداء قال‏

و كيف حياة أصداء و هام.

و قال أبو دواد الإيادي

سلط الموت و المنون عليهم # فلهم في صدى المقابر هام‏ (1) .

____________

(1) ديوانه 339.

392

و قال بعضهم لابنه‏

و لا تزقون لي هامة فوق مرقب # فإن زقاء الهام للمرء عائب

تنادي ألا اسقوني و كل صدى به # و تلك التي تبيض منها الذوائب.

يقول له لا تترك ثأري إن قتلت فإنك إن تركته صاحت هامتي اسقوني فإن كل صدى و هو هاهنا العطش بأبيك و تلك التي تبيض منها الذوائب لصعوبتها و شدتها كما يقال أمر يشيب رأس الوليد و يحتمل أن يريد به صعوبة الأمر عليه و هو مقبور إذا لم يثأر به و يحتمل أن يريد به صعوبة الأمر على ابنه يعني أن ذلك عار عليك و قال ذو الإصبع

يا عمرو إلا تدع شتمي و منقصتي # أضربك حيث تقول الهامة اسقوني‏ (1) .

و قال آخر

فيا رب إن أهلك و لم ترو هامتي # بليلى أمت لا قبر أعطش من قبري‏ (2) .

و يحتمل هذا البيت أن يكون خارجا عن هذا المعنى الذي نحن فيه و أن يكون ري هامته الذي طلبه من ربه هو وصال ليلى و هما في الدنيا و هم يكنون عما يشفيهم بأنه يروي هامتهم .

و قال مغلس الفقسي

و إن أخاكم قد علمت مكانه # بسفح قبا تسفي عليه الأعاصر

له هامة تدعو إذا الليل جنها # بني عامر هل للهلالي ثائر.

و قال توبة بن الحمير

و لو أن ليلى الأخيلية سلمت # علي و دوني جندل و صفائح

____________

(1) المفضلية 31.

(2) للمجنون، ديوانه 165.

393

لسلمت تسليم البشاشة أو زقا # إليها صدى من جانب القبر صائح‏ (1) .

و قال قيس بن الملوح و هو المجنون

و لو تلتقي أصداؤنا بعد موتنا # و من دوننا رمس من الأرض أنكب‏ (2)

لظل صدى رمسي و إن كنت رمة # لصوت صدى ليلى يهش و يطرب.

و قال حميد بن ثور

ألا هل صدى أم الوليد مكلم # صداي إذا ما كنت رمسا و أعظما (3) .

و مما أبطله الإسلام قول العرب بالصفر زعموا أن في البطن حية إذا جاع الإنسان عضت على شرسوفه و كبده و قيل هو الجوع بعينه ليس أنها تعض بعد حصول الجوع فأما لفظ الحديث

14- لا عدوى و لا هامة و لا صفر و لا غول.

فإن أبا عبيدة معمر بن المثنى قال هو صفر الشهر الذي بعد المحرم قال نهى ع عن تأخيرهم المحرم إلى صفر يعني ما كانوا يفعلونه من النسي‏ء و لم يوافق أحد من العلماء أبا عبيدة على هذا التفسير و قال الشاعر

لا يتأرى لما في القدر يرقبه # و لا يعض على شرسوفه الصفر (4) .

و قال بعض شعراء بني عبس يذكر قيس بن زهير لما هجر الناس و سكن الفيافي

____________

(1) ديوان الحماسة-بشرح التبريزى 3: 267.

(2) ديوانه 46، و روايته: *و من دون رمسينا من الأرض سبسب*.

(3) ديوانه 30.

(4) لأعشى باهلة؛ الكامل للمبرد (4: 65، و الرواية فيه:

لا يتأرّى لما في القدر يرقبه # و لا تراه أمام القدر يقتفر

لا يغمز السّاق من أين و لا وصب # و لا يعضّ على شرسوفه الصّفر.

.

394

و أنس بالوحش ثم رأى ليلة نارا فعشا إليها فشم عندها قتار اللحم فنازعته شهوته فغلبها و قهرها و مال إلى شجرة سلم فلم يزل يكدمها و يأكل من خبطها (1) إلى أن مات‏

إن قيسا كان ميتته # كرم و الحي منطلق

شام نارا بالهوى فهوى # و شجاع البطن يختفق

في دريس ليس يستره # رب حر ثوبه خلق.

و قوله بالهوى اسم موضع بعينه و قال أبو النجم العجلي

إنك يا خير فتى نستعدي # على زمان مسنت بجهد

عضا كعض صفر بكبد.

و قال آخر

أرد شجاع البطن قد تعلمينه # و أوثر غيري من عيالك بالطعم.

و من خرافات العرب أن الرجل منهم كان إذا أراد دخول قرية فخاف وباءها أو جنها وقف على بابها قبل أن يدخلها فنهق نهيق الحمار ثم علق عليه كعب أرنب كان ذلك عوذة له و رقية من الوباء و الجن و يسمون هذا النهيق التعشير قال شاعرهم‏

و لا ينفع التعشير أن حم واقع # و لا زعزع و لا كعب أرنب.

و قال الهيثم بن عدي خرج عروة بن الورد إلى خيبر في رفقه ليمتاروا فلما قربوا منها عشروا و عاف عروة أن يفعل فعلهم و قال

____________

(1) الخبط هنا: الورق.

395

لعمري لئن عشرت من خيفة الردى # نهاق حمير إنني لجزوع‏ (1)

فلا وألت تلك النفوس و لا أتت # قفولا إلى الأوطان و هي جميع

و قالوا إلا انهق لا تضرك خيبر # و ذلك من فعل اليهود ولوع.

الولوع بالضم الكذب ولع الرجل إذا كذب فيقال إن رفقته مرضوا و مات بعضهم و نجا عروة من الموت و المرض .

و قال آخر

لا ينجينك من حمام واقع # كعب تعلقه و لا تعشير.

و يشابه هذا أن الرجل منهم كان إذا ضل في فلاة قلب قميصه و صفق بيديه كأنه يومئ بهما إلى إنسان فيهتدي قال أعرابي‏

قلبت ثيابي و الظنون تجول بي # و ترمي برحلي نحو كل سبيل

فلأيا بلأي ما عرفت جليتي # و أبصرت قصدا لم يصب بدليل.

و قال أبو العملس الطائي

فلو أبصرتني بلوى بطان # أصفق بالبنان على البنان

فأقلب تارة خوفا ردائي # و أصرخ تارة بأبي فلان

لقلت أبو العملس قد دهاه # من الجنان خالعة العنان.

و الأصل في قلب الثياب التفاؤل بقلب الحال و قد جاء في الشريعة الإسلامية نحو ذلك في الاستسقاء ديوانه

____________

(1) 95.

غ

396

و من مذاهب العرب أن الرجل منهم كان إذا سافر عمد إلى خيط فعقده في غصن شجرة أو في ساقها فإذا عاد نظر إلى ذلك الخيط فإن وجده بحاله علم أن زوجته لم تخنه و إن لم يجده أو وجده محلولا قال قد خانتني و ذلك العقد يسمى الرتم و يقال بل كانوا يعقدون طرفا من غصن الشجرة بطرف غصن آخر و قال الراجز

هل ينفعنك اليوم إن همت بهم # كثرة ما توصي و تعقاد الرتم‏ (1) .

و قال آخر

خانته لما رأت شيبا بمفرقه # و غره حلفها و العقد للرتم.

و قال آخر

لا تحسبن رتائما عقدتها # تنبيك عنها باليقين الصادق.

و قال آخر

يعلل عمرو بالرتائم قلبه # و في الحي ظبي قد أحلت محارمه

فما نفعت تلك الوصايا و لا جنت # عليه سوى ما لا يحب رتائمه.

و قال آخر

ما ذا الذي تنفعك الرتائم # إذ أصبحت و عشقها ملازم

و هي على لذاتها تداوم # يزورها طب الفؤاد عارم

بكل أدواء النساء عالم.

و قد كانوا يعقدون الرتم للحمى و يرون أن من حلها انتقلت الحمى إليه و قال الشاعر

حللت رتيمة فمكثت شهرا # أكابد كل مكروه الدواء.

____________

(1) اللسان (رتم) من غير نسبة.

397

و قال ابن السكيت إن العرب كانت تقول إن المرأة المقلات و هي التي لا يعيش لها ولد إذا وطئت القتيل الشريف عاش ولدها قال بشر بن أبي خازم

تظل مقاليت النساء تطأنه # يقلن أ لا يلقى على المرء مئزر (1) .

و قال أبو عبيدة تتخطاه المقلات سبع مرات فذلك وطؤها له .

و قال ابن الأعرابي يمرون به و يطئون حوله و قيل إنما كانوا يفعلون ذلك بالشريف يقتل غدرا أو قودا .

و قال الكميت

و تطيل المرزآت المقاليت # إليه القعود بعد القيام.

و قال الآخر

تركنا الشعثمين برمل خبت # تزورهما مقاليت النساء.

و قال الآخر

بنفسي التي تمشي المقاليت حوله # يطاف له كشحا هضيما مهشما.

و قال آخر

تباشرت المقالت حين قالوا # ثوى عمرو بن مرة بالحفير.

و من تخيلات العرب و خرافاتها أن الغلام منهم كان إذا سقطت له سن أخذها بين السبابة و الإبهام و استقبل الشمس إذا طلعت و قذف بها و قال يا شمس أبدليني بسن أحسن منها و ليجر في ظلمها إياتك أو تقول إياؤك و هما جميعا شعاع الشمس قال طرفة

____________

(1) ديوانه 88.

398

سقته إياة الشمس‏ (1) .

و إلى هذا الخيال أشار شاعرهم بقوله‏

شادن يجلو إذا ما ابتسمت # عن أقاح كأقاح الرمل غر

بدلته الشمس من منبته # بردا أبيض مصقول الأشر.

و قال آخر

و أشنب واضح عذب الثنايا # كأن رضابه صافي المدام

كسته الشمس لونا من سناها # فلاح كأنه برق الغمام.

و قال آخر

بذي أشر عذب المذاق تفردت # به الشمس حتى عاد أبيض ناصعا.

و الناس اليوم في صبيانهم على هذا المذهب .

و كانت العرب تعتقد أن دم الرئيس يشفي من عضة الكلب الكلب .

و قال الشاعر

بناة مكارم و أساة جرح # دماؤهم من الكلب الشفاء.

و قال عبد الله بن الزبير الأسدي

من خير بيت علمناه و أكرمه # كانت دماؤهم تشفي من الكلب.

و قال الكميت

أحلامكم لسقام الجهل شافية # كما دماؤكم تشفي من الكلب.

و من تخيلات العرب أنهم كانوا إذا خافوا على الرجل الجنون و تعرض الأرواح

____________

(1) البيت بتمامه:

سقته إياة الشمس إلاّ لثاته # أسفّ و لم تكدم عليه بإثمد.

.

399

الخبيثة له نجسوه بتعليق الأقذار عليه كخرقة الحيض و عظام الموتى قالوا و أنفع من ذلك أن تعلق عليه طامث عظام موتى ثم لا يراها يومه ذلك و أنشدوا للمزق العبدي

فلو أن عندي جارتين و راقيا # و علق أنجاسا على المعلق.

قالوا و التنجيس يشفي إلا من العشق قال أعرابي‏

يقولون علق يا لك الخير رمة # و هل ينفع التنجيس من كان عاشقا.

و قالت امرأة و قد نجست ولدها فلم ينفعه و مات‏

نجسته لو ينفع التنجيس # و الموت لا تفوته النفوس.

و كان أبو مهدية يعلق في عنقه العظام و الصوف حذر الموت و أنشدوا

أتوني بأنجاس لهم و منجس # فقلت لهم ما قدر الله كائن.

و من مذاهبهم أن الرجل منهم كان إذا خدرت رجله ذكر من يحب أو دعاه فيذهب خدرها .

و روي أن عبد الله بن عمر خدرت رجله فقيل له ادع أحب الناس إليك فقال يا 14رسول الله .

و قال الشاعر

على أن رجلي لا يزال امذلالها # مقيما بها حتى أجيلك في فكري.

و قال كثير

إذا مذلت رجلي ذكرتك أشتفي # بدعواك من مذل بها فيهون‏ (1) .

و قال جميل

و أنت لعيني قرة حين نلتقي # و ذكرك يشفيني إذا خدرت رجلي‏ (2) .

____________

(1) اللسان (مذل) من غير نسبة.

(2) ديوانه 172.

400

و قالت امرأة

إذا خدرت رجلي دعوت ابن مصعب # فإن قلت عبد الله أجلى فتورها.

و قال آخر

صب محب إذا ما رجله خدرت # نادى كبيشة حتى يذهب الخدر.

و قال المؤمل

و الله ما خدرت رجلي و لا عثرت # إلا ذكرتك حتى يذهب الخدر.

و قال الوليد بن يزيد

أثيبي هائما كلفا معنى # إذا خدرت له رجل دعاك.

و نظير هذا الوهم أن الرجل منهم كان إذا اختلجت عينه قال أرى من أحبه فإن كان غائبا توقع قدومه و إن كان بعيدا توقع قربه .

و قال بشر

إذا اختلجت عيني أقول لعلها # فتاة بني عمرو بها العين تلمع‏ (1) .

و قال آخر

إذا اختلجت عيني تيقنت أنني # أراك و إن كان المزار بعيدا.

و قال آخر

إذا اختلجت عيني أقول لعلها # لرؤيتها تهتاج عيني و تطرف.

و هذا الوهم باق في الناس اليوم .

و من مذاهبهم أن الرجل منهم كان إذا عشق و لم يسل و أفرط عليه العشق حمله

____________

(1) ديوانه 118.

401

رجل على ظهره كما يحمل الصبي و قام آخر فأحمى حديدة أو ميلا و كوى به بين أليتيه فيذهب عشقه فيما يزعمون .

و قال أعرابي‏

كويتم بين رانفتي جهلا # و نار القلب يضرمها الغرام.

و قال آخر

شكوت إلى رفيقي اشتياقي # فجاءاني و قد جمعا دواء

و جاءا بالطبيب ليكوياني # و لا أبغي عدمتهما اكتواء

و و لو أتيا بسلمى حين جاءا # لعاضاني من السقم الشفاء.

و استشهد الخالع على هذا المعنى بقول كثير

أ غاضر لو شهدت غداة بنتم # حنو العائدات على وسادي

أويت لعاشق لم ترحميه # بواقدة تلذع بالزناد.

هذا البيت ليس بصريح في هذا الباب و يحتمل أن يكون مراده فيه المعنى المشهور المطروق بين الشعراء من ذكر حرارة الوجد و لذعه و تشبيهه بالنار إلا أنه قد روى في كتابه خبرا يؤكد المقصد الذي عزاه و ادعاه و هو عن محمد بن سليمان بن فليح عن أبيه عن جده قال كنت عند عبد الله بن جعفر فدخل عليه كثير و عليه أثر علة فقال عبد الله ما هذا بك قال هذا ما فعلت بي أم الحويرث ثم كشف عن ثوبه و هو مكوي و أنشد

عفا الله عن أم الحويرث ذنبها # علام تعنيني و تكمي دوائيا

و لو آذنوني قبل أن يرقموا بها # لقلت لهم أم الحويرث دائيا.

402

و من أوهامهم و تخيلاتهم أنهم كانوا يزعمون أن الرجل إذا أحب امرأة و أحبته فشق برقعها و شقت رداءه صلح حبهما و دام فإن لم يفعلا ذلك فسد حبهما قال سحيم عبد بني الحسحاس

و كم قد شفقنا من رداء محبر # و من برقع عن طفلة غير عابس‏ (1)

إذا شق برد شق بالبرد برقع # دواليك حتى كلنا غير لابس

نروم بهذا الفعل بقيا على الهوى # و إلف الهوى يغري بهذي الوساوس.

و قال آخر

شققت ردائي يوم برقة عالج # و أمكنني من شق برقعك السحقا

فما بال هذا الود يفسد بيننا # و يمحق حبل الوصل ما بيننا محقا.

و من مذاهبهم أنهم كانوا يرون أن أكل لحوم السباع تزيد في الشجاعة و القوة و هذا مذهب طبي و الأطباء يعتقدونه قال بعضهم‏

أبا المعارك لا تتعب بأكلك ما # تظن أنك تلفى منه كرارا

فلو أكلت سباع الأرض قاطبة # ما كنت إلا جبان القلب خوارا.

و قال بعض الأعراب و أكل فؤاد الأسد ليكون شجاعا فعدا عليه نمر فجرحه‏

أكلت من الليث الهصور فؤاده # لأصبح أجرى منه قلبا و أقدما

فأدرك مني ثأره بابن أخته # فيا لك ثأرا ما أشد و أعظما.

و قال آخر

إذا لم يكن قلب الفتى غدوة الوغى # أصم فقلب الليث ليس بنافع

____________

(1) ديوانه 16، و لم يذكر البيت الثالث.

403

و ما نفع قلب الليث في حومة الوغى # إذا كان سيف المرء ليس بقاطع

و من مذاهبهم أن صاحب الفرس المهقوع إذا ركبه فعرق تحته اغتلمت امرأته و طمحت إلى غيره و الهقعة دائرة تكون بالفرس و ربما كانت على الكتف في الأكثر و هي مستقبحة عندهم قال بعضهم لصاحبه‏

إذا عرق المهقوع بالمرء أنعظت # حليلته و ازداد حر عجانها.

فأجابه صاحبه‏

قد يركب المهقوع من ليس مثله # و قد يركب المهقوع زوج حصان‏ (1) .

و من مذاهبهم أنهم كانوا يوقدون النار خلف المسافر الذي لا يحبون رجوعه يقولون في دعائهم أبعده الله و أسحقه و أوقد نارا أثره قال بعضهم‏

صحوت و أوقدت للجهل نارا # و رد عليك الصبا ما استعارا.

و كانوا إذا خرجوا إلى الأسفار أوقدوا نارا بينهم و بين المنزل الذي يريدونه و لم يوقدوها بينهم و بين المنزل الذي خرجوا منه تفاؤلا بالرجوع إليه .

و من مذاهبهم المشهورة تعليق كعب الأرنب قال ابن الأعرابي قلت لزيد بن كثوة أ تقولون إن من علق عليه كعب أرنب لم تقربه جنان الدار و لا عمار الحي قال إي و الله و لا شيطان الخماطة و لا جار العشيرة و لا غول القفر و قال إمرؤ القيس

____________

(1) اللسان (هقع) دون نسبة.

404

أ يا هند لا تنكحي بوهة # عليه عقيقته أحسبا (1)

مرسعة بين أدباقه # به عسم يبتغي أرنبا

ليجعل في رجله كعبها # حذار المنية أن يعطبا.

و الخماطة شجرة و العشيرة تصغير العشرة و هي شجرة أيضا .

و قال أبو محلم كانت العرب تعلق على الصبي سن ثعلب و سن هرة خوفا من الخطفة و النظرة و يقولون إن جنية أرادت صبي قوم فلم تقدر عليه فلامها قومها من الجن في ذلك فقالت تعتذر إليهم‏

كأن عليه نفره # ثعالب و هرره

و الحيض حيض السمرة.

و السمرة شي‏ء يسيل من السمر كدم الغزال و كانت العرب إذا ولدت المرأة أخذوا من دم السمر و هو صمغه الذي يسيل منه ينقطونه بين عيني النفساء و خطوا على وجه الصبي خطا و يسمى هذا الصمغ السائل من السمر الدودم و يقال بالذال المعجمة أيضا و تسمى هذه الأشياء التي تعلق على الصبي النفرات .

قال عبد الرحمن بن أخي الأصمعي إن بعض العرب قال لأبي إذا ولد لك ولد فنفر عنه فقال له أبي و ما التنفير قال غرب اسمه فولد له ولد فسماه قنفذا و كناه أبا العداء قال و أنشد أبي‏

كالخمر مزج دوائها منها بها # تشفي الصداع و تبرئ المنجودا (2) .

قال يريد أن القنفذ من مراكب الجن فداوى منهم ولده بمراكبهم .

____________

(1) ديوانه 128.

(2) المنجود: المكروب.

405

و من مذاهبهم أن الرجل منهم كان إذا ركب مفازة و خاف على نفسه من طوارق الليل عمد إلى وادي شجر فأناخ راحلته في قرارته و عقلها و خط عليها خطا ثم قال أعوذ بصاحب هذا الوادي و ربما قال بعظيم هذا الوادي و عن هذا قال الله سبحانه في القرآن وَ أَنَّهُ كََانَ رِجََالٌ مِنَ اَلْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجََالٍ مِنَ اَلْجِنِّ فَزََادُوهُمْ رَهَقاً (1) .

و استعاذ رجل منهم و معه ولد فأكله الأسد فقال‏

قد استعذنا بعظيم الوادي # من شر ما فيه من الأعادي

فلم يجرنا من هزبر عاد.

و قال آخر

أعوذ من شر البلاد البيد # بسيد معظم مجيد

أصبح يأوي بلوى زرد # ذي عزة و كاهل شديد.

و قال آخر

يا جن أجراع اللوى من عالج # عاذ بكم ساري الظلام الدالج

لا ترهقوه بغوي هائج.

و قال آخر

قد بت ضيفا لعظيم الوادي # المانعي من سطوة الأعادي

راحلتي في جاره و زادي.

و قال آخر

هيا صاحب الشجراء هل أنت مانعي # فإني ضيف نازل بفنائكا

____________

(1) سورة الجن 6.

406

و إنك للجنان في الأرض سيد # و مثلك آوى في الظلام الصعالكا.

و من مذاهبهم أن المسافر إذا خرج من بلده إلى آخر فلا ينبغي له أن يلتفت فإنه إذا التفت عاد فلذلك لا يلتفت إلا العاشق الذي يريد العود قال بعضهم‏

دع التلفت يا مسعود و ارم بها # وجه الهواجر تأمن رجعة البلد.

و قال آخر أنشده الخالع

عيل صيري بالثعلبية لما # طال ليلي و ملني قرنائي

كلما سارت المطايا بنا ميلا # تنفست و التفت ورائي.

هذان البيتان ذكرهما الخالع في هذا الباب و عندي أنه لا دلالة فيهما على ما أراد لأن التلفت في أشعارهم كثير و مرادهم به الإبانة و الإعراب عن كثرة الشوق و التأسف على المفارقة و كون الراحل عن المنزل حيث لم يمكنه المقام فيه بجثمانه يتبعه بصره و يتزود من رؤيته كقول الرضي رحمه الله‏

و لقد مررت على طلولهم # و رسومهم بيد البلى نهب‏ (1)

فوقفت حتى ضج من لغب # نضوي و لج بعذلي الركب

و تلفتت عيني فمذ خفيت # عني الطلول تلفت القلب.

و ليس يقصد بالتلفت هاهنا التفاؤل بالرجوع إليها لأن رسومها قد صارت نهبا ليد البلى فأي فائدة في الرجوع إليها و إنما يريد ما قدمنا ذكره من الحنين و التذكر لما مضى من أيامه فيها و كذلك قول الأول

____________

(1) ديوانه 1: 145.