شرح نهج البلاغة - ج20

- ابن ابي الحديد المزيد...
364 /
53

و قالت الحرقة بنت النعمان بن المنذر

و بينا نسوس الناس و الأمر أمرنا # إذا نحن فيهم سوقة نتنصف‏ (1) .

و قال الشاعر

أستقدر الله خيرا و أرضين به # فبينما العسر إذ دارت مياسير

و بينما المرء في الأحياء مغتبط # إذ صار في اللحد تعفوه الأعاصير.

و مما جاء في وصف الدنيا مما يناسب كلام 1أمير المؤمنين قول أبي العتاهية

إن دارا نحن فيها لدار # ليس فيها لمقيم قرار

كم و كم قد حلها من أناس # ذهب الليل بهم و النهار

فهم الركب قد أصابوا مناخا # فاسترحوا ساعة ثم ساروا

و كذا الدنيا على ما رأينا # يذهب الناس و تخلو الديار

____________

(1) في الأصل «نتصف» و هو غير مستقيم، و الصواب ما أثبتنا.

54

*3424* 424 و من كلامه ع في وصيته لابنه الحسن ع‏

وَ قَالَ ع لاِبْنِهِ 2اَلْحَسَنِ ع يَا بُنَيَّ لاَ تُخَلِّفَنَّ وَرَاءَكَ شَيْئاً مِنَ اَلدُّنْيَا فَإِنَّكَ تَخَلِّفُهُ لِأَحَدِ رَجُلَيْنِ إِمَّا رَجُلٌ عَمِلَ فِيهِ بِطَاعَةِ اَللَّهِ فَسَعِدَ بِمَا شَقِيتَ بِهِ وَ إِمَّا رَجُلٌ عَمِلَ فِيهِ بِمَعْصِيَةِ اَللَّهِ فَشَقِيَ بِمَا جَمَعْتَ لَهُ فَكُنْتَ عَوْناً لَهُ عَلَى مَعْصِيَتِهِ وَ لَيْسَ أَحَدُ هَذَيْنِ حَقِيقاً أَنْ تُؤْثِرَهُ عَلَى نَفْسِكَ قَالَ اَلرَّضِيُّ وَ يُرْوَى هَذَا اَلْكَلاَمُ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ وَ هُوَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اَلَّذِي فِي يَدَيْكَ يَدِكَ مِنَ اَلدُّنْيَا قَدْ كَانَ لَهُ أَهْلٌ قَبْلَكَ وَ هُوَ صَائِرٌ إِلَى أَهْلٍ بَعْدَكَ وَ إِنَّمَا أَنْتَ جَامِعٌ لِأَحَدِ رَجُلَيْنِ رَجُلٍ عَمِلَ فِيمَا جَمَعْتَهُ بِطَاعَةِ اَللَّهِ فَسَعِدَ بِمَا شَقِيتَ بِهِ أَوْ رَجُلٍ عَمِلَ فِيمَا جَمَعْتَهُ فِيهِ بِمَعْصِيَةِ اَللَّهِ فَشَقِيَ فَشَقِيتَ بِمَا جَمَعْتَ لَهُ وَ لَيْسَ أَحَدُ هَذَيْنِ أَهْلاً أَنْ تُؤْثِرَهُ عَلَى نَفْسِكَ أَوْ وَ لاَ أَنْ تَحْمِلَ لَهُ عَلَى ظَهْرِكَ فَارْجُ لِمَنْ مَضَى رَحْمَةَ اَللَّهِ وَ لِمَنْ بَقِيَ رِزْقَ اَللَّهِ تَعَالَى (1) - . روي فإنك لا تخلفه إلا لأحد رجلين و هذا الفصل نهي عن الادخار و قد سبق لنا فيه كلام مقنع .

و خلاصة هذا الفصل أنك إن خلفت مالا فإما أن تخلفه لمن يعمل فيه بطاعة الله أو لمن يعمل فيه بمعصيته فالأول يسعد بما شقيت به أنت و الثاني يكون معانا

55

منك على المعصية بما تركته له من المال و كلا الأمرين مذموم و إنما قال له فارج لمن مضى رحمة الله و لمن بقي رزق الله لأنه قال في أول الكلام قد كان لهذا المال أهل قبلك و هو صائر إلى أهل بعدك .

و الكلام في ذم الادخار و الجمع كثير و للشعراء فيه مذاهب واسعة و معان حسنة و قال بعضهم‏

يا جامعا مانعا و الدهر يرمقه # مدبرا أي باب عنه يغلقه

و ناسيا كيف تأتيه منيته # أ غاديا أم بها يسري فتطرقه

جمعت مالا فقل لي هل جمعت له # يا جامع المال أياما تفرقه

المال عندك مخزون لوارثه # ما المال مالك إلا يوم تنفقه

أرفه ببال فتى يغدو على ثقة # أن الذي قسم الأرزاق يرزقه

فالعرض منه مصون لا يدنسه # و الوجه منه جديد ليس يخلقه

إن القناعة من يحلل بساحتها # لم يلق في ظلها هما يؤرقه

56

*3425* 425 و من كلامه ع في الاستغفار و التوبة

وَ قَالَ ع لِقَائِلٍ قَالَ بِحَضْرَتِهِ أَسْتَغْفِرُ اَللَّهَ ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ أَ تَدْرِي مَا اَلاِسْتِغْفَارُ إِنَّ لِلاِسْتِغْفَارِ دَرَجَةَ اَلْعِلِّيِّينَ اَلاِسْتِغْفَارُ دَرَجَةُ اَلْعِلِّيِّينَ وَ هُوَ اِسْمٌ وَاقِعٌ عَلَى سِتَّةِ مَعَانٍ أَوَّلُهَا اَلنَّدَمُ عَلَى مَا مَضَى وَ اَلثَّانِي اَلْعَزْمُ عَلَى تَرْكِ اَلْعَوْدِ إِلَيْهِ أَبَداً وَ اَلثَّالِثُ أَنْ تُؤَدِّيَ إِلَى اَلْمَخْلُوقِينَ حُقُوقَهُمْ حَتَّى تَلْقَى اَللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَمْلَسَ لَيْسَ عَلَيْكَ تَبِعَةٌ وَ اَلرَّابِعُ أَنْ تَعْمِدَ إِلَى كُلِّ فَرِيضَةٍ عَلَيْكَ ضَيَّعْتَهَا فَتُؤَدِّيَ حَقَّهَا وَ اَلْخَامِسُ أَنْ تَعْمِدَ إِلَى اَللَّحْمِ اَلَّذِي نَبَتَ عَلَى اَلسُّحْتِ فَتُذِيبَهُ بِالْأَحْزَانِ حَتَّى تُلْصِقَ اَلْجِلْدَ بِالْعَظْمِ وَ يَنْشَأَ بَيْنَهُمَا لَحْمٌ جَدِيدٌ وَ اَلسَّادِسُ أَنْ تُذِيقَ اَلْجِسْمَ أَلَمَ اَلطَّاعَةِ كَمَا أَذَقْتَهُ حَلاَوَةَ اَلْمَعْصِيَةِ فَعِنْدَ ذَلِكَ تَقُولُ أَسْتَغْفِرُ اَللَّهَ (1) -.

14- قد روي أن الاستغفار درجة العليين.

فيكون على تقدير حذف مضاف أي أن درجة الاستغفار درجة العليين و على الرواية الأولى يكون على تقدير حذف مضاف أي أن لصاحب الاستغفار درجة العليين و هو هاهنا جمع على فعيل كضليل و خمير تقول هذا رجل علي أي كثير العلو و منه العلية للغرفة على إحدى اللغتين و لا يجوز أن يفسر بما فسر به الراوندي من قوله إنه اسم السماء السابعة و نحو قوله هو سدرة المنتهى و نحو قوله هو موضع تحت قائمة العرش اليمنى لأنه لو كان كذلك لكان‏

57

علما فلم تدخله اللام كما لا يقال الجهنم و كذلك أيضا لا يجوز تفسيره بما فسره الراوندي أيضا قال العليين جمع علي الأمكنة في السماء لأنه لو كان كذلك لم يجمع بالنون لأنها تختص بمن يعقل و تصلح أن تكون الوجوه الأولى تفسيرا لقوله تعالى‏ كَلاََّ إِنَّ كِتََابَ اَلْأَبْرََارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (1) - (1) .

قوله‏ نبت على السحت أي على الحرام يقال سحت بالتسكين و سحت بالضم و أسحت الرجل في تجارته أي اكتسب السحت

[فصل في الاستغفار و التوبة] و من كلامه ع في

و ينبغي أن نذكر في هذا الموضوع كلاما مختصرا مما يقوله أصحابنا في التوبة فإن كلام 1أمير المؤمنين هو الأصل الذي أخذ منه أصحابنا مقالتهم و الذي يقولونه في التوبة فقد أتى على جوامعه ع في هذا الفصل على اختصاره .

قال أصحابنا الكلام في التوبة يقع من وجوه منها الكلام في ماهية التوبة و الكلام في إسقاطها الذم و العقاب و الكلام في أنه يجب علينا فعلها و الكلام في شرطها أما ماهية التوبة فهي الندم و العزم لأن التوبة هي الإنابة و الرجوع و ليس يمكن أن يرجع الإنسان عما فعله إلا بالندم عليه و العزم على ترك معاودته و ما يتوب الإنسان منه إما أن يكون فعلا قبيحا و إما أن يكون إخلالا بواجب فالتوبة من الفعل القبيح هي أن يندم عليه و يعزم ألا يعود إلى مثله و عزمه على ذلك هو كراهيته لفعله و التوبة من الإخلال بالواجب هي أن يندم على إخلاله بالواجب

____________

(1) المطففين: 18.

58

و يعزم على أداء الواجب فيما بعد فأما القول في أن التوبة تسقط العذاب فعندنا أن العقل يقتضي قبح العقاب بعد التوبة و خالف أكثر المرجئة في ذلك من الإمامية و غيرهم و احتج أصحابنا بقبح عقوبة المسي‏ء إلينا بعد ندمه و اعتذاره و تنصله و العلم بصدقه و العلم بأنه عازم على ألا يعود .

فأما القول في وجوب التوبة على العصاة فلا ريب أن الشرع يوجب ذلك فأما العقل فالقول فيه أنه لا يخلو المكلف إما أن يعلم أن معصيته كبيرة أو يعلم أنها صغيرة أو يجوز فيها كلا الأمرين فإن علم كونها كبيرة وجب عليه في العقول التوبة منها لأن التوبة مزيلة لضرر الكبيرة و إزالة المضار واجبة في العقول و إن جوز كونها كبيرة و جوز كونها صغيرة لزمه أيضا في العقل التوبة منها لأنه يأمن بالتوبة من مضرة مخوفة و فعل ما يؤمن من المضار المخوفة واجب و إن علم أن معصيته صغيرة و ذلك كمعاصي الأنبياء و كمن عصى ثم علم بإخبار نبي أن معصيته صغيرة محبطة فقد قال الشيخ أبو علي إن التوبة منها واجبة في العقول لأنه إن لم يتب كان مصر ا و الإصرار قبيح .

و قال الشيخ أبو هاشم لا تجب التوبة منها في العقل بالشرع لأن فيها مصلحة يعلمها الله تعالى قال إنه يجوز أن يخلو الإنسان من التوبة عن الذنب و من الإصرار عليه لأن الإصرار عليه هو العزم على معاودة مثله و التوبة منه أن يكره معاودة مثله مع الندم على ما مضى و يجوز أن يخلو الإنسان من العزم على الشي‏ء و من كراهته .

و مال شيخنا أبو الحسين رحمه الله إلى وجوب التوبة هاهنا عقلا لدليل غير دليل أبي علي رحمه الله .

59

فأما القول في صفات التوبة و شروطها فإنها على ضربين أحدهما يعم‏ (1) كل توبة و الآخر يختلف بحسب اختلاف ما يتاب منه فالأول هو الندم و العزم على ترك المعاودة .

و أما الضرب الثاني فهو أن ما يتوب منه المكلف إما أن يكون فعلا أو إخلالا بواجب فإن كان فعلا قبيحا وجب عند الشيخ أبي هاشم رحمه الله أن يندم عليه لأنه فعل قبيح و أن يكره معاودة مثله لأنه قبيح و إن كان إخلالا بواجب وجب عليه عنده أن يندم عليه لأنه إخلال بواجب و أن يعزم على فعل مثل ما أخل به لأنه واجب فإن ندم خوف النار فقط أو شوقا إلى الجنة فقط أو لأن القبيح الذي فعله يضر ببدنه كانت توبته صحيحة (2) و إن ندم على القبيح لقبحه و لخوف النار و كان لو انفرد قبحه ندم عليه فإن توبته تكون صحيحة و إن كان لو انفرد القبح لم يندم عليه فإنه لا تكون توبته صحيحة عنده و الخلاف فيه مع الشيخ أبي علي و غيره من الشيوخ رحمهم الله و إنما اختار أبو هاشم هذا القول لأن التوبة تجري مجرى الاعتذار بيننا و معلوم أن الواحد منا لو أساء إلى غيره ثم ندم على إساءته إليه و اعتذر منها خوفا من معاقبته له عليها أو من معاقبة السلطان حتى لو أمن العقوبة لما اعتذر و لا ندم بل كان يواصل الإساءة فإنه لا يسقط ذمه فكذلك التوبة خوف النار لا لقبح الفعل .

و قد نقل قاضي القضاة هذا المذهب عن 1أمير المؤمنين ع و الحسن البصري و 8علي بن موسى الرضا و القاسم بن إبراهيم الزينبي .

قال أصحابنا و للتوبة شروط أخر تختلف بحسب اختلاف المعاصي و ذلك أن

____________

(1) د: «يغمر» .

(2) في ب: «توبة كانت صحيحة» .. و صوابه من: د، ا.

60

ما يتوب منه المكلف إما أن يكون فيه لآدمي حق أو لا حق فيه لآدمي فما ليس للآدمي فيه حق فنحو ترك الصلاة فإنه لا يجب فيه إلا الندم و العزم على ما قدمنا و ما لآدمي فيه حق على ضربين أحدهما أن يكون جناية عليه في نفسه أو أعضائه أو ماله أو دينه و الآخر ألا يكون جناية عليه في شي‏ء من ذلك فما كان جناية عليه في نفسه أو أعضائه أو ماله فالواجب فيه الندم و العزم و أن يشرع في تسليم بدل ما أتلف فإن لم يتمكن من ذلك لفقر أو غيره عزم على ذلك إذا تمكن منه فإن مات قبل التمكن لم يكن من أهل العقاب و إن جنى عليه في دينه بأن يكون قد أضله بشبهة استزله بها فالواجب عليه مع الندم العزم و الاجتهاد في حل شبهته من نفسه فإن لم يتمكن من الاجتماع به عزم على ذلك إذا تمكن فإن مات قبل التمكن أو تمكن منه و اجتهد في حل الشبهة فلم تنحل من نفس ذلك الضال فلا عقاب عليه لأنه قد استفرغ جهده فإن كانت المعصية غير جناية نحو أن يغتابه أو يسمع غيبته فإنه يلزمه الندم و العزم و لا يلزمه أن يستحله أو يعتذر إليه لأنه ليس يلزمه أرش‏ (1) لمن اغتابه فيستحله ليسقط عنه الأرش و لا غمه فيزيل غمه بالاعتذار و في ذكر الغيبة له ليستحله فيزيل غمه منها إدخال غم عليه فلم يجز ذلك فإن كان قد أسمع المغتاب غيبته فذلك جناية عليه لأنه قد أوصل إليه مضرة الغم فيلزمه إزالة ذلك بالاعتذار

____________

(1) الأرش: دية الجراحات؛ و قيل هو الجراحات نفسها تكون على قدر معلوم .

غ

61

*3426* 426 و من كلامه ع في الحلم‏

وَ قَالَ ع اَلْحِلْمُ عَشِيرَةٌ (1) -. كان يقال الحلم جنود مجندة لا أرزاق لها .

1- و 1قال ع وجدت الاحتمال أنصر لي من الرجال.

و قال الشاعر

و للكف عن شتم اللئيم تكرما # أضر له من شتمه حين يشتم.

و كان يقال من غرس شجرة الحلم اجتنى ثمرة (1) السلم .

و قد تقدم من القول في الحلم ما فيه كفاية

____________

(1) في ب «شجرة» و هو تصحيف.

62

*3427* 427 و من كلامه ع في الصفات التي تجتمع في المسكين‏

وَ قَالَ ع: مِسْكِينٌ اِبْنُ آدَمَ مَكْتُومُ اَلْأَجَلِ مَكْنُونُ اَلْعِلَلِ مَحْفُوظُ اَلْعَمَلِ تُؤْلِمُهُ اَلْبَقَّةُ وَ تَقْتُلُهُ اَلشَّرْقَةُ وَ تُنْتِنُهُ اَلْعَرْقَةُ (1) -. قد تقدم هاهنا خبر المبتدإ عليه و التقدير ابن آدم مسكين ثم بين مسكنته من أين هي فقال إنها من ستة أوجه أجله مكتوم لا يدري متى يخترم و علله باطنة لا يدري بها حتى تهيج عليه و عمله محفوظ مََا لِهََذَا اَلْكِتََابِ لاََ يُغََادِرُ صَغِيرَةً وَ لاََ كَبِيرَةً إِلاََّ أَحْصََاهََا (1) و قرص البقة يؤلمه و الشرقة بالماء تقتله و إذا عرق أنتنته العرقة الواحدة و غيرت ريحه فمن هو على هذه الصفات فهو مسكين لا محالة لا ينبغي أن يأمن و لا أن يفخر

____________

(1) سورة الكهف 49.

63

*3428* 428 و من كلامه ع في امرأة جميلة مرت على قوم فأعجبتهم‏

وَ يُرْوَى رُوِيَ أَنَّهُ ع كَانَ جَالِساً فِي أَصْحَابِهِ إِذْ مَرَّتْ فَمَرَّتْ بِهِمُ اِمْرَأَةٌ جَمِيلَةٌ فَرَمَقَهَا اَلْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ فَقَالَ ع إِنَّ أَبْصَارَ هَذِهِ اَلْفُحُولِ طَوَامِحُ وَ إِنَّ ذَلِكَ سَبَبُ هِبَابِهَا فَإِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى اِمْرَأَةٍ تُعْجِبُهُ فَلْيُلاَمِسْ أَهْلَهُ فَإِنَّمَا هِيَ اِمْرَأَةٌ كَامْرَأَتِهِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ اَلْخَوَارِجِ قَاتَلَهُ اَللَّهُ كَافِراً مَا أَفْقَهَهُ قَالَ فَوَثَبَ اَلْقَوْمُ لِيَقْتُلُوهُ فَقَالَ ع رُوَيْداً إِنَّمَا هُوَ سَبٌّ بِسَبٍّ أَوْ عَفْوٌ عَنْ ذَنْبٍ (1) -. تقول هب الفحل و التيس يهب بالكسر هبيبا أو هبابا إذا هاج للضراب أو للفساد و الهباب أيضا صوت و التيس إذا هب فهو مهباب و قد هبهبته أي دعوته لينزو (1) فتهبهب أي تزعزع .

و سألني صديقنا علي بن البطريق عن هذه القصة فقال ما باله عفا عن الخارجي و قد طعن فيه بالكفر

1- و أنكر على الأشعث قوله هذه عليك لا لك .

فقال

____________

(1) نزا: وثب .

64

ما يدريك عليك لعنة الله ما علي مما لي حائك ابن حائك منافق ابن كافر و ما واجهه به الخارجي أفظع مما واجهه الأشعث فقلت لا أدري .

قال لأن كل صاحب فضيلة يعظم عليه أن يطعن في فضيلته تلك و يدعى عليه أنه فيها ناقص و كان 1علي ع بيت العلم فلما طعن فيه الأشعث طعن بأنك لا تدري ما عليك مما لك فشق ذلك عليه و امتعض منه و جبهه و لعنه و أما الخارجي فلم يطعن في علمه بل أثبته له و اعترف به و تعجب منه فقال قاتله الله كافرا ما أفقهه فاغتفر له لفظة كافر بما اعترف له به من علو طبقته في الفقه و لم يخشن عليه خشونته على الأشعث و كان قد مرن على سماع قول الخوارج أنت كافر و قد كفرت يعنون التحكيم فلم يحفل بتلك اللفظة و نهى أصحابه عن قتله محافظة و رعاية له على ما مدحه به‏

65

*3429* 429 و من كلامه ع في كفاية العقل في تفرقته بين الغي و الرشادو الحق و الباطل‏

وَ قَالَ ع: كَفَاكَ مِنْ عَقْلِكَ مَا أَوْضَحَ لَكَ سُبُلَ غَيِّكَ مِنْ رُشْدِكَ (1) -. يقول ع كفى الإنسان من عقله ما يفرق به بين الغي و الرشاد و بين الحق من العقائد و الباطل فإنه بذلك يتم تكليفه و لا حاجة في التكليف و الفرق بين الغي و الرشد إلى زيادة على ذلك نحو التجارب التي تفيده الحزم التام و معرفة أحوال الدنيا و أهلها و أيضا لا حاجة له إلى أن يكون عنده من الفطنة الثاقبة و الذكاء التام ما يستنبط به دقائق الكلام في الحكمة و الهندسة و العلوم الغامضة فإن ذلك كله فضل مستغنى عنه فإن حصل للإنسان فقد كمل و إن لم يحصل للإنسان فقد كفاه في تكليفه و نجاته من معاطب العصيان ما يفرق به بين الغي و الرشاد و هو حصول العلوم البديهية في القلب و ما جرى مجراها من علوم العادات و ما يذكره أصحابنا في باب التكليف‏

66

*3430* 430 و من كلامه ع في الوصية بفعل الخير صغيرا كان أو كبيرا

وَ قَالَ ع: اِفْعَلُوا اَلْخَيْرَ وَ لاَ تَحْقِرُوا مِنْهُ شَيْئاً فَإِنَّ صَغِيرَهُ كَبِيرٌ وَ قَلِيلَهُ كَثِيرٌ وَ لاَ يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ إِنَّ أَحَداً أَوْلَى بِفِعْلِ اَلْخَيْرِ مِنِّي فَيَكُونَ وَ اَللَّهِ كَذَلِكَ (1) -. القليل من الخير خير من عدم الخير أصلا .

قال ع لا يقولن أحدكم إن فلانا أولى بفعل الخير مني فيكون و الله كذلك مثاله قوم موسرون في محلة واحدة قصد واحدا منهم سائل فرده و قال له اذهب إلى فلان فهو أولى بأن يتصدق عليك مني فإن هذه الكلمة تقال دائما نهى ع عن قولها و قال‏ فيكون و الله كذلك أي إن الله تعالى يوفق ذلك الشخص الذي أحيل ذلك السائل عليه و ييسر الصدقة عليه و يقوي دواعيه إليها فيفعلها فتكون كلمة ذلك الإنسان الأول قد صادفت قدرا و قضاء و وقع الأمر بموجبها

67

*3431* 431 و من كلامه ع في أهل الخير و الشر

إِنَّ لِلْخَيْرِ وَ لِلشَّرِّ أَهْلاً فَمَهْمَا تَرَكْتُمُوهُ مِنْهُمَا كَفَاكُمُوهُ أَهْلُهُ. يقول ع إن عن لك باب من أبواب الخير و تركته فسوف يكفيكه بعض الناس ممن جعله الله تعالى أهلا للخير و إسداء المعروف إلى الناس و إن عن لك باب من أبواب الشر فتركته فسوف يكفيكه بعض الناس ممن جعلتهم أنفسهم و سوء اختيارهم أهلا للشر و أذى الناس فاختر لنفسك أيما أحب إليك أن تحظى بالمحمدة و الثواب و تفعل ما إن تركته فعله غيرك و حظي بحمده و ثوابه أو أن تتركه و أيما أحب إليك أن تشقى بالذم عاجلا و العقاب آجلا و تفعل ما إن تركته كفاكه غيرك و بلغت غرضك منه على يد غيرك أو أن تفعله و لا ريب أن العاقل يختار فعل الخير و ترك الشر إذا أفكر حق الفكر فيما قد أوضحناه‏ (1)

____________

(1) ا: «وضح» .

68

*3432* 432 و من كلامه ع في تبعية الأعمال الظاهرة للأعمال الباطنة

وَ قَالَ ع: مَنْ أَصْلَحَ سَرِيرَتَهُ أَصْلَحَ اَللَّهُ عَلاَنِيَتَهُ وَ مَنْ عَمِلَ لِدِينِهِ كَفَاهُ اَللَّهُ أَمْرَ دُنْيَاهُ وَ مَنْ أَحْسَنَ فِيمَا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ اَللَّهِ أَحْسَنَ اَللَّهُ مَا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ اَلنَّاسِ (1) -. لا ريب أن الأعمال الظاهرة تبع للأعمال الباطنة فمن صلح باطنه صلح ظاهره و بالعكس و ذلك لأن القلب أمير مسلط على الجوارح و الرعية تتبع أميرها و لا ريب أن من عمل لدينه كفاه الله أمر دنياه و قد شهد بذلك الكتاب العزيز في قوله سبحانه‏ وَ مَنْ يَتَّقِ اَللََّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً `وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاََ يَحْتَسِبُ‏ (1) .

و لهذا أيضا علة ظاهرة و ذاك أن من عمل لله سبحانه و للدين فإنه لا يخفى حاله في أكثر الأمر عن الناس و لا شبهة أن الناس إذا حسنت عقيدتهم في إنسان و علموا متانة دينه بوبوا له إلى الدنيا أبوابا لا يحتاج أن يتكلفها و لا يتعب فيها فيأتيه رزقه من غير كلفة و لا كد و لا ريب أن من أحسن فيما بينه و بين الله أحسن الله ما بينه و بين الناس و ذلك لأن القلوب بالضرورة تميل إليه و تحبه و ذلك لأنه إذا كان محسنا بينه و بين الناس عف عن أموال الناس و دمائهم و أعراضهم و ترك الدخول فيما لا يعنيه و لا شبهة أن من كان بهذه الصفة فإنه يحسن ما بينه و بين الناس‏

____________

(1) سورة الطلاق آية (2، 3) .

69

*3433* 433 و من كلامه ع في الحلم و العقل‏

وَ قَالَ ع: اَلْحِلْمُ غِطَاءٌ سَاتِرٌ وَ اَلْعَقْلُ حُسَامٌ قَاطِعٌ فَاسْتُرْ خَلَلَ خُلُقِكَ بِحِلْمِكَ وَ قَاتِلْ هَوَاكَ بِعَقْلِكَ (1) -. لما جعل الله الحلم غطاء و العقل حساما أمره أن يستر خلل خلقه بذلك الغطاء و أن يقاتل هواه بذلك الحسام و قد سبق القول في الحلم و العقل‏

70

*3434* 434 و من كلامه ع في لزوم ظهور النعمة على العباد و إلا زالت‏

وَ قَالَ ع: إِنَّ لِلَّهِ عِبَاداً يَخْتَصُّهُمْ يَخْتَصُّهُمُ اَللَّهُ بِالنِّعَمِ لِمَنَافِعِ اَلْعِبَادِ فَيُقِرُّهَا فِي أَيْدِيهِمْ مَا بَذَلُوهَا فَإِذَا مَنَعُوهَا نَزَعَهَا مِنْهُمْ ثُمَّ حَوَّلَهَا إِلَى غَيْرِهِمْ (1) -. قد ذكرنا هذا المعنى فيما تقدم و قد قالت الشعراء فيه فأكثروا و قريب من ذلك قول الشاعر

و بالناس عاش الناس قدما و لم يزل # من الناس مرغوب إليه و راغب.

و أشد تصريحا بالمعنى قول الشاعر

لم يعطك الله ما أعطاك من نعم # إلا لتوسع من يرجوك إحسانا

فإن منعت فأخلق أن تصادفها # تطير عنك زرافات و وحدانا

71

*3435* 435 و من كلامه ع في خصلتين لا ينبغي للإنسان أن يثق بهما

وَ قَالَ ع: لاَ يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يَثِقَ بِخَصْلَتَيْنِ اَلْعَافِيَةِ وَ اَلْغِنَى بَيْنَا تَرَاهُ مُعَافًى إِذْ سَقِمَ وَ بَيْنَا تَرَاهُ غَنِيّاً إِذِ اِفْتَقَرَ (1) -. قد تقدم القول في هذا المعنى .

و قال الشاعر

و بينما المرء في الأحياء مغتبط # إذ صار في اللحد تسفيه الأعاصير.

و قال آخر

لا يغرنك عشاء ساكن # قد يوافي بالمنيات السحر.

و قال عبيد الله بن طاهر

و إذا ما أعارك الدهر شيئا # فهو لا بد آخذ ما أعارا.

آخر

يغر الفتى مر الليالي سليمة # و هن به عما قليل عواثر.

و قال آخر

و رب غني عظيم الثراء # أمسى مقلا عديما فقيرا

و كم بات من مترف في القصور # فعوض في الصبح عنها القبورا

72

*3436* 436 و من كلامه ع في كراهية شكوى الحال إلى غير المؤمن‏

وَ قَالَ ع: مَنْ شَكَا اَلْحَاجَةَ إِلَى مُؤْمِنٍ فَكَأَنَّمَا فَكَأَنَّهُ شَكَاهَا إِلَى اَللَّهِ وَ مَنْ شَكَاهَا إِلَى كَافِرٍ فَكَأَنَّمَا شَكَا اَللَّهَ (1) -. قد تقدم القول في شكوى الحال و كراهيتها و كلام 1أمير المؤمنين ع يدل على أنه لا يكره شكوى الحال إلى المؤمن و يكرهها إلى غير المؤمن و هذا مذهب ديني غير المذهب العرفي .

و أكثر مذاهبه و مقاصده ع في كلامه ينحو فيها نحو الدين و الورع و الإسلام و كأنه يجعل الشكوى إلى المؤمن كالشكوى إلى الخالق سبحانه لأنه لا يشكو إلى المؤمن إلا و قد خلت شكواه من التسخط و التأفف و لا يشكو إلى الكافر إلا و قد شاب شكواه بالاستزادة و التضجر فافترقت الحال في الموضعين .

فأما المذهب المشهور في العرف و العادة فاستهجان الشكوى على الإطلاق لأنها دليل على ضعف النفس و خذلانها و قلة الصبر على حوادث الدهر و ذلك عندهم غير محمود

73

*3437* 437 و من كلامه ع في بعض الأعياد

وَ قَالَ ع فِي بَعْضِ اَلْأَعْيَادِ إِنَّمَا هُوَ عِيدٌ لِمَنْ قَبِلَ اَللَّهُ صِيَامَهُ وَ شَكَرَ قِيَامَهُ وَ كُلُّ يَوْمٍ لاَ نَعْصِي اَللَّهَ يُعْصَى اَللَّهُ فِيهِ فَهُوَ يَوْمُ عِيدٍ عِيدٌ (1) - . المعنى ظاهر و قد نقله بعض المحدثين إلى الغزل فقال‏

قالوا أتى العيد قلت أهلا # إن جاء بالوصل فهو عيد

من ظفرت بالمنى يداه # فكل أيامه سعود.

و رأيت بعض الصوفية و قد سمع هذين البيتين من مغن حاذق فطرب و صفق و أخذهما لمعنى عنده .

و قد قال بعض المحدثين في هذا المعنى أيضا

قالوا أتى العيد و الأيام مشرقة # و أنت تبكي و كل الناس مسرور

فقلت إن واصل الأحباب كان لنا # عيدا و إلا فهذا اليوم عاشور

74

*3438* 438 و من كلامه ع في أعظم الحسرات يوم القيامة

وَ قَالَ ع: إِنَّ أَعْظَمَ اَلْحَسَرَاتِ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ حَسْرَةُ رَجُلٍ كَسَبَ مَالاً فِي غَيْرِ طَاعَةِ اَللَّهِ فَوَرَّثَهُ رَجُلاً فَوَرِثَهُ رَجُلٌ فَأَنْفَقَهُ فِي طَاعَةِ اَللَّهِ سُبْحَانَهُ فَدَخَلَ بِهِ اَلْجَنَّةَ وَ دَخَلَ اَلْأَوَّلُ بِهِ اَلنَّارَ (1) - . كان يقال لعمر بن عبد العزيز بن مروان السعيد ابن الشقي و ذلك أن عبد العزيز بن مروان ملك ضياعا كثيرة بمصر و الشام و العراق و المدينة من غير طاعة الله بل بسلطان أخيه عبد الملك و بولاية عبد العزيز نفسه مصر و غيرها ثم تركها لابنه عمر فكان ينفقها في طاعة الله سبحانه و في وجوه البر و القربات إلى أن أفضت الخلافة إليه فلما أفضت إليه أخرج سجلات عبد الملك بها لعبد العزيز فمزقها بمحضر من الناس و قال هذه كتبت من غير أصل شرعي و قد أعدتها إلى بيت المال‏

75

*3439* 439 و من كلامه ع في أخسر الناس صفقة و أخيبهم حسرة في الدنيا

وَ قَالَ ع: إِنَّ أَخْسَرَ اَلنَّاسِ صَفْقَةً وَ أَخْيَبَهُمْ سَعْياً رَجُلٌ أَخْلَقَ بَدَنَهُ فِي طَلَبِ آمَالِهِ مَالِهِ وَ لَمْ تُسَاعِدْهُ اَلْمَقَادِيرُ عَلَى إِرَادَتِهِ فَخَرَجَ مِنَ اَلدُّنْيَا بِحَسْرَتِهِ وَ قَدِمَ عَلَى اَلآْخِرَةِ بِتَبِعَتِهِ (1) -. هذه صورة أكثر الناس و ذلك لأن أكثرهم يكد بدنه و نفسه في بلوغ الآمال الدنيوية و القليل منهم من تساعد المقادير على إرادته و إن ساعدته على شي‏ء منها بقي في نفسه ما لا يبلغه كما قيل‏

نروح و نغدو لحاجاتنا # و حاجة من عاش لا تنقضي

تموت مع المرء حاجاته # و تبقى له حاجة ما بقي.

فأكثرهم إذن يخرج من الدنيا بحسرته و يقدم على الآخرة بتبعته لأن تلك الآمال التي كانت الحركة و السعي فيها ليست متعلقة بأمور الدين و الآخرة لا جرم أنها تبعات و عقوبات و نسأل الله عفوه‏

76

*3440* 440 و من كلامه ع في أنواع الرزق‏

وَ قَالَ ع: اَلرِّزْقُ رِزْقَانِ طَالِبٌ وَ مَطْلُوبٌ فَمَنْ طَلَبَ اَلدُّنْيَا طَلَبَهُ اَلْمَوْتُ حَتَّى يُخْرِجَهُ عَنْهَا وَ مَنْ طَلَبَ اَلآْخِرَةَ طَلَبَتْهُ اَلدُّنْيَا حَتَّى يَسْتَوْفِيَ مِنْهَا رِزْقَهُ (1) رِزْقَهُ مِنْهَا (1) - . هذا تحريض على طلب الآخرة و وعد لمن طلبها بأنه سيكفي طلب الدنيا و إن الدنيا ستطلبه حتى يستوفي رزقه منها .

و قد قيل مثل الدنيا مثل ظلك كلما طلبته بعد عنك فإن أدبرت عنه تبعك‏

____________

(1) د «رزقه منها» .

77

*3441* 441 و من كلامه ع في بيان حال أولياء الله و هم الأئمة ع‏

وَ قَالَ ع: إِنَّ أَوْلِيَاءَ اَللَّهِ هُمُ اَلَّذِينَ نَظَرُوا إِلَى بَاطِنِ اَلدُّنْيَا إِذَا نَظَرَ اَلنَّاسُ إِلَى ظَاهِرِهَا وَ اِشْتَغَلُوا بِآجِلِهَا إِذَا اِشْتَغَلَ اَلنَّاسُ بِعَاجِلِهَا فَأَمَاتُوا مِنْهَا مَا خَشُوا أَنْ يُمِيتَهُمْ وَ تَرَكُوا مِنْهَا مَا عَلِمُوا أَنَّهُ سَيَتْرُكُهُمْ وَ رَأَوُا اِسْتِكْثَارَ غَيْرِهِمْ مِنْهَا اِسْتِقْلاَلاً وَ دَرْكَهُمْ دَرَكَهُمْ لَهَا فَوَاتاً فَوْتاً أَعْدَاءٌ لِمَا أَعْدَاءُ مَا سَالَمَ اَلنَّاسُ وَ سَلْمٌ لِمَنْ سَلْمُ مَا عَادَى اَلنَّاسُ بِهِمْ عُلِمَ اَلْكِتَابُ وَ بِهِ عُلِمُوا عَلِمُوا وَ بِهِمْ قَامَ كِتَابُ اَللَّهِ تَعَالَى اَلْكِتَابُ وَ بِهِ قَامُوا لاَ يَرَوْنَ مَرْجُوّاً فَوْقَ مَا يَرْجُونَ وَ لاَ مَخُوفاً فَوْقَ مَا يَخَافُونَ (1) -. هذا يصلح أن تجعله الإمامية شرح حال الأئمة المعصومين على مذاهبهم لقوله فوق ما يرجون بهم علم الكتاب و به علموا و أما نحن فنجعله شرح حال العلماء العارفين و هم أولياء الله الذين ذكرهم ع لما نظر الناس إلى ظاهر الدنيا و زخرفها من المناكح و الملابس و الشهوات الحسية نظروا هم إلى باطن الدنيا فاشتغلوا بالعلوم و المعارف و العبادة و الزهد في الملاذ الجسمانية فأماتوا من شهواتهم و قواهم المذمومة كقوة الغضب و قوة الحسد ما خافوا أن يميتهم و تركوا من الدنيا اقتناء الأموال لعلمهم أنها ستتركهم و أنه لا يمكن دوام الصحبة معها فكان استكثار الناس من تلك الصفات استقلالا عندهم و بلوغ الناس لها فوتا أيضا عندهم فهم خصم لما سالمه الناس‏

78

من الشهوات و سلم لما عاداه الناس من العلوم و العبادات و بهم علم الكتاب لأنه لولاهم لما عرف تأويل الآيات المتشابهات و لأخذها الناس على ظواهرها فضلوا و بالكتاب علموا لأن الكتاب دل عليهم و نبه الناس على مواضعهم نحو قوله‏ إِنَّمََا يَخْشَى اَللََّهَ مِنْ عِبََادِهِ اَلْعُلَمََاءُ (1) .

و قوله‏ هَلْ يَسْتَوِي اَلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ اَلَّذِينَ لاََ يَعْلَمُونَ‏ (2) .

و قوله‏ وَ مَنْ يُؤْتَ اَلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً (3) .

و نحو ذلك من الآيات التي تنادي عليهم و تخطب بفضلهم و بهم قام الكتاب لأنهم قرروا البراهين على صدقه و صحة وروده من الله تعالى على لسان جبريل ع و لولاهم لم يقم على ذلك دلالة للعوام و بالكتاب قاموا أي باتباع أوامر الكتاب و آدابه قاموا لأنه لو لا تأدبهم بآداب القرآن و امتثالهم أوامره لما أغنى عنهم علمهم شيئا بل كان وباله عليهم ثم قال إنهم لا يرون مرجوا فوق ما يرجون و لا مخوفا فوق ما يخافون و كيف لا يكونون كذلك و مرجوهم مجاورة الله تعالى في حظائر قدسه و هل فوق هذا مرجو لراج و مخوفهم سخط الله عليهم و إبعادهم عن جنابه و هل فوق هذا مخوف لخائف‏

____________

(1) سورة فاطر 28.

(2) سورة الزمر 9.

(3) سورة البقرة 269.

79

*3442* 442 و من كلامه ع في انقطاع لذات الدنيا و شهواتها بالموت و بقاء تبعاتها

وَ قَالَ ع: اُذْكُرُوا اِنْقِطَاعَ اَللَّذَّاتِ وَ بَقَاءَ اَلتَّبِعَاتِ (1) -. قد تقدم القول في نحو هذا مرارا و قال الشاعر

تفنى اللذاذة ممن نال بغيته # من الحرام و يبقى الإثم و العار

تبقى عواقب سوء في مغبتها # لا خير في لذة من بعدها النار .

و راود رجل امرأة عن نفسها فقالت له إن امرأ يبيع جنة عرضها السموات و الأرض بمقدار إصبعين لجاهل بالمساحة فاستحيا و رجع‏

80

*3443* 443 و من كلامه ع في أن التجربة و المعاشرة تكشف حقائق الناس و مساوئهم‏

وَ قَالَ ع: اُخْبُرْ تَقْلِهِ. قال الرضي رحمه الله تعالى و من الناس من يروي هذا 14لرسول الله ص و مما يقوي أنه من كلام 1أمير المؤمنين ما حكاه ثعلب قال حدثنا ابن الأعرابي قال قال المأمون لو لا أن 1عليا ع قال اخبر تقله لقلت أنا اقله تخبر (1) - المعنى اختبر الناس و جربهم تبغضهم فإن التجربة تكشف لك مساويهم و سوء أخلاقهم فضرب مثلا لمن يظن به الخير و ليس هناك فأما قول المأمون لو لا أن 1عليا قاله لقلت اقله تخبر فليس المراد حقيقة القلى و هو البغض بل المراد الهجر و القطيعة يقول قاطع أخاك مجربا له هل يبقى على عهدك أم ينقضه و يحوله عنك .

و من كلام عتبة بن أبي سفيان طيروا الدم في وجوه الشباب فإن حلموا و أحسنوا الجواب فهم هم و إلا فلا تطمعوا فيهم يقول أغضبوهم لأن الغضبان يحمر وجهه فإن ثبتوا لذلك الكلام المغضب و حلموا و أجابوا جواب الحليم العاقل فهم ممن يعقد عليه الخنصر و يرجى فلاحه و إن سفهوا و شتموا و لم يثبتوا لذلك الكلام فلا رجاء لفلاحهم و من المعنى الأول قول أبي العلاء

81

جربت دهري و أهليه فما تركت # لي التجارب في ود امرئ غرضا (1) .

و قال آخر

و كنت أرى أن التجارب عدة # فخانت ثقات الناس حتى التجارب.

و قال عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب

رأيت فضيلا كان شيئا ملففا # فأبرزه التمحيص حتى بدا ليا (2) .

آخر

عتبت على سلم فلما فقدته # و جربت أقواما رجعت إلى سلم.

مثله‏

ذممتك أولا حتى إذا ما # بلوت سواك عاد الذم حمدا

و لم أحمدك من خير و لكن # وجدت سواك شرا منك جدا

فعدت إليك مضطرا ذليلا # لأني لم أجد من ذاك بدا

كمجهود تحامى أكل ميت # فلما اضطر عاد إليه شدا.

الذي يتعلق به غرضنا من الأبيات هو البيت الأول و ذكرنا سائرها لحسنها

____________

(1) سقط الزند 656.

(2) الأغانى 12: 214، و روايته «رأيت قصيا » .

غ

82

*3444* 444 و من كلامه ع في الشكر و الدعاء و التوبة و اقتضاءات كل منهم‏

وَ قَالَ ع: مَا كَانَ اَللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لِيَفْتَحَ عَلَى عَبْدٍ بَابَ اَلشُّكْرِ وَ يُغْلِقَ عَنْهُ بَابَ اَلزِّيَادَةِ وَ لاَ لِيَفْتَحَ عَلَى عَبْدٍ بَابَ اَلدُّعَاءِ وَ يُغْلِقَ عَنْهُ بَابَ اَلْإِجَابَةِ وَ لاَ لِيَفْتَحَ عَلَيْهِ لِعَبْدٍ بَابَ اَلتَّوْبَةِ وَ يُغْلِقَ عَنْهُ بَابَ اَلْمَغْفِرَةِ (1) -. قد تقدم القول في الشكر و اقتضائه الزيادة [و] (1) اقتضاء الدعاء الإجابة و التوبة المغفرة على وجه الاستقصاء في الجميع‏

____________

(1) تكملة من د.

83

*3445* 445 و من كلامه ع في أولى الناس بالكرم‏

وَ قَالَ ع: أَوْلَى اَلنَّاسِ بِالْكَرَمِ مَنْ عَرَّقَتْ عُرِفَتْ فِيهِ اَلْكِرَامُ (1) -. أعرقت و عرقت في هذا الموضع بمعنى أي ضربت عروقه في الكرم أي له سلف و آباء كرام و قال المبرد أنشدني أبو محلم السعدي

إنا سألنا قومنا فخيارهم # من كان أفضلهم أبوه الأفضل‏ (1)

أعطى الذي أعطى أبوه قبله # و تبخلت أبناء من يتبخل.

قال و أنشدني أيضا في المعنى‏

لطلحة بن خثيم حين تسأله # أندى و أكرم من فند بن هطال‏ (2)

و بيت طلحة في عز و مكرمة # و بيت فند إلى ربق و أحمال‏ (3)

أ لا فتى من بني ذبيان يحملني # و ليس يحملني إلا ابن حمال‏ (4)

فقلت طلحة أولى من عمدت له # و جئت أمشي إليه مشي مختال

مستيقنا أن حبلي سوف يعلقه # في رأس ذيالة أو رأس ذيال‏ (5) .

____________

(1) الكامل 1: 363، و روايته: «أبوه الأول» .

(2) الكامل 1: 363، و روايته: «لطلحة بن حبيب» .

(3) ربق: حبل فيه عدة عرا، تشد به البهم. و أحمال: جمع جمل، بالتحريك؛ و هو الخروف.

(4) قال أبو العباس: «يعنى ذبيان بن بغيض بن ربث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان بن مضر» .

(5) قوله: «فى رأس ذيالة» ، يعنى فرسا أنثى أو حصانا. و الذيال: الطويل الذنب.

84

و قال آخر

عند الملوك مضرة و منافع # و أرى البرامك لا تضر و تنفع

إن العروق إذا استسر بها الثرى # أثرى النبات بها و طاب المزرع

و إذا جهلت من امرئ أعراقه # و قديمه فانظر إلى ما يصنع.

و قال آخر

إن السري إذا سرى فبنفسه # و ابن السري إذا سرى أسراهما.

و قال البحتري

و أرى النجابة لا يكون تمامها # لنجيب قوم ليس بابن نجيب‏ (1)

____________

(1) ديوانه 1: 57.

85

*3446* 446 و من كلامه ع في تفضيل العدل على الجود

وَ سُئِلَ ع أَيُّمَا أَيُّهُمَا أَفْضَلُ اَلْعَدْلُ أَوِ اَلْجُودُ فَقَالَ اَلْعَدْلُ يَضَعُ اَلْأُمُورَ مَوَاضِعَهَا وَ اَلْجُودُ يُخْرِجُهَا مِنْ جِهَتِهَا وَ اَلْعَدْلُ سَائِسٌ عَامٌّ وَ اَلْجُودُ عَارِضٌ خَاصٌّ فَالْعَدْلُ أَشْرَفُهُمَا وَ أَفْضَلُهُمَا (1) -. هذا كلام شريف جليل القدر فضل ع العدل بأمرين أحدهما أن العدل وضع الأمور مواضعها و هكذا العدالة في الاصطلاح الحكمي لأنها المرتبة المتوسطة بين طرفي الإفراط و التفريط و الجود يخرج الأمر من موضعه و المراد بالجود هاهنا هو الجود العرفي و هو بذل المقتنيات للغير لا الجود الحقيقي لأن الجود الحقيقي ليس يخرج الأمر من جهته نحو جود البارئ تعالى .

و الوجه الثاني أن العدل سائس عام في جميع الأمور الدينية و الدنيوية و به نظام العالم و قوام الوجود و أما الجود فأمر عارض خاص ليس عموم نفعه كعموم نفع العدل‏

86

*3447* 447 و من كلامه ع في معاداة الناس ما جهلوا

وَ قَالَ ع: اَلنَّاسُ أَعْدَاءُ مَا جَهِلُوا (1) -. هذه من ألفاظه الشريفة التي لا نظير لها و قد تقدم ذكرها و ذكر ما يناسبها و كان يقال من جهل شيئا عاداه .

و قال الشاعر

جهلت أمرا فأبديت النكير له # و الجاهلون لأهل العلم أعداء.

و قيل لأفلاطون لم يبغض الجاهل العالم و لا يبغض العالم الجاهل فقال لأن الجاهل يستشعر النقص في نفسه و يظن أن العالم يحتقره و يزدريه فيبغضه و العالم لا نقص عنده و لا يظن أن الجاهل يحتقره فليس عنده سبب لبغض الجاهل‏

87

*3448* 448 و من كلامه ع في اجتماع الزهد كله في كلمتين في القرآن‏

وَ قَالَ ع: اَلزُّهْدُ كُلُّهُ بَيْنَ كَلِمَتَيْنِ مِنَ اَلْقُرْآنِ قَالَ اَللَّهُ سُبْحَانَهُ‏ لِكَيْلاََ تَأْسَوْا عَلى‏ََ مََا فََاتَكُمْ وَ لاََ تَفْرَحُوا بِمََا آتََاكُمْ‏ (1) وَ مَنْ لَمْ يَأْسَ عَلَى اَلْمَاضِي وَ لَمْ يَفْرَحْ بِالآْتِي فَقَدْ أَخَذَ اَلزُّهْدَ بِطَرَفَيْهِ (1) -. قد تقدم القول في هذين المعنيين بما فيه كفاية

____________

(1) سورة الحديد 23.

88

*3449* 449 و من كلامه ع في أن الحكومة و الرئاسة تكشف عن حقائق الرجال و أخلاقهم‏

وَ قَالَ ع: اَلْوِلاَيَاتُ مَضَامِيرُ اَلرِّجَالِ (1) -. أي تعرف الرجال بها كما تعرف الخيل بالمضمار و هو الموضع أو المدة التي تضمر فيها الخيل فمن الولاة من يظهر منه أخلاق حميدة و منهم من يظهر منه أخلاق ذميمة و قال الشاعر

سكرات خمس إذا مني المرء # بها صار عرضة للزمان

سكرة المال و الحداثة و العشق # و سكر الشراب و السلطان.

و قال آخر

يا ابن وهب و المرء في دولة السلطان # أعمى ما دام يدعى أميرا

فإذا زالت الولاية عنه # و استوى بالرجال عاد بصيرا.

و قال البحتري

و تاه سعيد أن أعير رئاسة # و قلد أمرا كان دون رجاله

و ضاق على حقي بعقب اتساعه # فأوسعته عذرا لضيق احتماله

فأدبر عني عند إقبال حظه # و غير حالي عنده حسن حاله

فليت أبا عثمان أمسك تيهه # كإمساكه عند الحقوق بماله‏

89

*3450* 450 و من كلامه ع في أن ينقض عزائم اليوم‏

وَ قَالَ ع: مَا أَنْقَضَ اَلنَّوْمَ لِعَزَائِمِ اَلْيَوْمِ (1) -. هذه الكلمة قد سبقت و تكلمنا عليها و ما أحسن قول المعري‏

ما قضى الحاجات إلا شمل # نومه فوق فراش من نمال‏ (1) .

و قال الرضي رحمه الله‏

عليها أخامس مثل الصقور # طوال الرجاء جسام الأرب

و كل فتى حظ أجفانه # من النوم مضمضة يستلب‏ (2)

فبينا يقال كرى جفنه # بقطع من الليل إذ قيل هب‏

____________

(1) الشمل: السريع.

(2) يقال: مضمض النعاس في عينه، إذا دب.

90

*3451* 451 و من كلامه ع في أن الوطن هو ما حمل الإنسان دون الفرق بين بعض البلاد على غيرها

وَ قَالَ ع: لَيْسَ بَلَدٌ بِأَحَقَّ بِكَ مِنْ بَلَدٍ خَيْرُ اَلْبِلاَدِ مَا حَمَلَكَ (1) -. هذا المعنى قد قيل كثيرا و من ذلك قول الشاعر

لا يصدفنك عن أمر تحاوله # فراق أهل و أحباب و جيران‏ (1)

تلقى بكل ديار ما حللت بها (2) # أهلا بأهل و أوطانا بأوطان.

و قال شيخي أبو جعفر يحيى بن أبي زيد نقيب البصرة

أنسيتني بلدي و أرض عشيرتي # و نزلت من نعماك أكرم منزل

و أخذت فيك مدائحي فكأنها # في آل شماس مدائح جرول.

أبو عبادة البحتري

في نعمة أوطأتها و أقمت في # أكنافها فكأنني في منبج‏ (3)

و منبج هي مدينة البحتري أبو تمام

كل شعب كنتم به آل وهب # فهو شعبي و شعب كل أديب‏ (4)

____________

(1) في د: «نراق ربع» و المعنى عليه يستقيم أيضا.

(2) في د «بلاد» و هو مستقيم أيضا.

(3) ديوانه 1: 103.

(4) ديوانه 1: 131.

91

إن قلبي لكم لكالكبد الحرى # و قلبي لغيركم كالقلوب.

و قد ذهب كثير من الناس إلى غير هذا المذهب فجعلوا بعض البلاد أحق بالإنسان من بعض و هو الوطن الأول و مسقط الرأس قال الشاعر

أحب بلاد الله ما بين منبج # إلي و سلمى أن يصوب سحابها (1)

بلاد بها نيطت علي تمائمي # و أول أرض مس جلدي ترابها.

و كان يقال ميلك إلى مولدك من كرم محتدك .

و قال ابن عباس لو قنع الناس بأرزاقهم قناعتهم بأوطانهم لما اشتكى أحد الرزق .

و كان يقال كما أن لحاضنتك حق لبنها فلأرضك حرمة وطنها .

و كانت العرب تقول حماك أحمى لك و أهلك أحفى بك .

و قال الشاعر

و كنا ألفناها و لم تك مألفا # و قد يؤلف الشي‏ء الذي ليس بالحسن

كما تؤلف الأرض التي لم يطب بها # هواء و لا ماء و لكنها وطن.

أعرابي رملة حضنتني أحشاؤها و أرضعتني أحساؤها .

كانت العرب إذا سافرت حملت معها من تربة أرضها ما تستنشق ريحه و تطرحه في الماء إذا شربته و كذلك كانت فلاسفة يونان تفعل .

و قال الشاعر في هذا المعنى‏

نسير على علم بكنه مسيرنا # بعفة زاد في بطون المزاود (2)

____________

(1) معجم البلدان 8: 180 في ثلاثة أبيات نسبها إلى بعض الأعراب.

(2) العفة: بقية اللبن في الضرع بعد أن يحلب أكثر ما فيه.

92

و لا بد في أسفارنا من قبيصة # من الترب نسقاها لحب الموالد.

و قالت الهند حرمة بلدك عليك كحرمة أبويك كان غذاؤك منهما و أنت جنين و كان غذاؤهما منك .

و من الكلام القديم لو لا الوطن و حبه لخرب بلد السوء .

ابن الرومي

و حبب أوطان الرجال إليهم # مآرب قضاها الشباب هنالكا

إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم # عهود الصبا فيها فحنوا لذلكا

93

*3452* 452 و من كلامه ع في خبر وصله بنعي مالك الأشتر

وَ قَالَ ع وَ قَدْ جَاءَهُ نَعْيُ اَلْأَشْتَرِ رَحِمَهُ اَللَّهُ مَالِكٌ وَ مَا مَالِكٌ وَ اَللَّهِ لَوْ كَانَ جَبَلاً لَكَانَ فِنْداً أَوْ وَ لَوْ كَانَ حَجَراً لَكَانَ صَلْداً لاَ يَرْتَقِيهِ اَلْحَافِرُ وَ لاَ يُوفِي عَلَيْهِ اَلطَّائِرُ. قال الرضي رحمه الله تعالى الفند المنفرد من الجبال (1) - يقال إن الرضي ختم كتاب نهج البلاغة بهذا الفصل و كتبت به نسخ متعددة ثم زاد عليه إلى أن وفى الزيادات التي نذكرها فيما بعد .

و قد تقدم ذكر الأشتر و إنما قال لو كان جبلا لكان فندا لأن الفند قطعة الجبل طولا و ليس الفند القطعة من الجبل كيفما كانت و لذلك قال لا يرتقيه الحافر لأن القطعة المأخوذة من الجبل طولا في دقة لا سبيل للحافر إلى صعودها و لو أخذت عرضا لأمكن صعودها .

ثم وصف تلك القطعة بالعلو العظيم فقال و لا يوفي عليه الطائر أي لا يصعد عليه يقال أوفى فلان على الجبل أشرف‏

94

*3453* 453 و من كلامه ع في مخاطبة أهل العباداة و النوافل من الصلوات‏

وَ قَالَ ع: قَلِيلٌ مَدُومٌ عَلَيْهِ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ مَمْلُولٍ مِنْهُ (1) -. هذا كلام يخاطب به أهل العبادات و الصلاة قال قليل من النوافل يدوم المرء عليه خير له من كثير منها يمله و يتركه .

و الجيد النادر في هذا

14- قول 14رسول الله ص إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق فإن المنبت لا أرضا قطع و لا ظهرا أبقى.

و كان يقال كل كثير مملول .

و قالوا كل كثير عدو للطبيعة .

و قال الشاعر

إني كثرت عليه في زيارته # فمل و الشي‏ء مملول إذا كثرا

و رابني أني لا أزال أرى # في طرفه قصرا عني إذا نظرا

95

*3454* 454 و من كلامه ع في لزوم انتظار الإنسان في أفعاله و عدم الحكم عليه في ما يرتكبه أولا من المعاصي أو أفعال الخير

وَ قَالَ ع: إِذَا كَانَ فِي رَجُلٍ خَلَّةٌ رَائِعَةٌ رَائِقَةٌ فَانْتَظِرُوا مِنْهُ أَخَوَاتِهَا (1) -. مثال ذلك إنسان مستور الحال عنا رأيناه و قد صدرت عنه حركة تروعك و تعجبك إما لحسنها أو لقبحها مثل أن يتصدق بشي‏ء له وقع و مقدار من ماله أو ينكر منكرا عجز غيره عن إنكاره أو يسرق أو يزني فينبغي أن ينتظر و يترقب منه أخوات ما وقع منه و ذلك لأن العقل و الطبيعة التي فيه المحركة له إلى فعل تلك الحركة لا بد أن تحركه إلى فعل ما يناسبها لأنها ما دعته إلى فعل تلك الحركة لخصوصية تلك الحركة بل لما فيها من المعنى المقتضي وقوعها و هذا يتعدى إلى غيرها مما يجانسها و لذلك لا ترى أحدا قد اطلعت من حاله يوما على أنه قد شرب الخمر إلا و سوف تطلع فيما بعد منه على أنه يشربها و بالعكس في الأمور الحسنة لا ترى أحدا قد صدر عنه فعل من أفعال الخير و المروءة إلا و ستراه فيما بعد فاعلا نظيره أو ما يقاربه .

و شتم بعض سفهاء البصرة الأحنف شتما قبيحا فحلم عنه فقيل له في ذلك فقال دعوه فإني قد قتلته بالحلم عنه و سيقتل نفسه بجراءته فلما كان بعد أيام جاء ذلك السفيه فشتم زيادا و هو أمير البصرة حينئذ و ظن أنه كالأحنف فأمر به فقطع لسانه و يده‏

96

*3455* 455 و من كلامه ع في موعظة لغالب بن صعصعة و ابنه الفرزدق‏

وَ قَالَ ع لِغَالِبِ بْنِ صَعْصَعَةَ أَبِي اَلْفَرَزْدَقِ فِي كَلاَمٍ دَارَ بَيْنَهُمَا مَا فَعَلَتْ إِبِلُكَ اَلْكَثِيرَةُ قَالَ ذَعْذَعَتْهَا دَغْدَغَتْهَا اَلْحُقُوقُ يَا 1أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ ع ذَلِكَ أَحْمَدُ سُبُلِهَا (1) -. ذعذعتها بالذال المعجمة مكررة فرقتها ذعذعته فتذعذع و ذعذعة السر أذاعته و الذعاذع الفرق المتفرقة الواحدة ذعذعة و ربما قالوا تفرقوا ذعاذع .

1- دخل غالب بن صعصعة بن ناجية بن عقال المجاشعي على 1أمير المؤمنين ع أيام خلافته و غالب شيخ كبير و معه ابنه همام الفرزدق و هو غلام يومئذ فقال له 1أمير المؤمنين ع من الشيخ قال أنا غالب بن صعصعة قال ذو الإبل الكثيرة قال نعم قال ما فعلت إبلك قال ذعذعتها الحقوق‏ و أذهبتها الحملات و النوائب قال ذاك أحمد سبلها من هذا الغلام معك قال هذا ابني قال ما اسمه قال همام و قد رويته الشعر يا 1أمير المؤمنين و كلام العرب و يوشك أن يكون شاعرا مجيدا فقال لو أقرأته‏ (1) القرآن فهو خير له فكان الفرزدق بعد يروي هذا الحديث و يقول ما زالت كلمته في نفسي حتى قيد نفسه بقيد و آلى ألا يفكه حتى يحفظ القرآن فما فكه حتى حفظه .

____________

(1) في د «أقرئه» و المعنى عليه يستقيم أيضا .

غ

97

*3456* 456 و من كلامه ع في ضرورة تعلم الفقه مع التجارة حتى لا يصطدم بالربا

وَ قَالَ ع: مَنِ اِتَّجَرَ بِغَيْرِ فِقْهٍ فَقَدِ اِرْتَطَمَ فِي اَلرِّبَا (1) -. يقول تجر فلان و اتجر فهو تاجر و الجمع تجر مثل صاحب و صحب و التجارة و التجر بمعنى واحد إذا أخذتهما مصدرين لتجر و أرض متجرة يتجر فيها .

و ارتطم فلان في الوحل و الأمر إذا ارتبك فيه و لم يقدر على الخروج منه و إنما قال ع ذلك لأن مسائل الربا مشتبهة بمسائل البيع و لا يفرق بينهما إلا الفقيه حتى أن العظماء من الفقهاء قد اشتبه عليهم الأمر فيها فاختلفوا فيها أشد اختلاف كبيع لحم البقر بالغنم متفاضلا هل يجوز أم لا و كذلك لبن البقر بلبن الغنم و جلود البقر بجلود الغنم فقال أبو حنيفة اللحوم و الألبان و الجلود أجناس مختلفة فيجوز بيع بعضها ببعض متفاضلا نظرا إلى أن أصولها أجناس مختلفة و الشافعي لا يجيز ذلك و يقول هو ربا و كذلك القول في مدى عجوة و درهم بمد عجوة و كذلك بيع الرطب بالتمر متساويا كيلا كل ذلك يقول الشافعي إنه ربا و أبو حنيفة يخرجه عن كونه ربا و مسائل هذا الباب كثيرة

98

*3457* 457 و من كلامه ع في عدم تعظيم صغار المصائب حتى لا يبتلى بكبارها

وَ قَالَ ع: مَنْ عَظَّمَ صِغَارَ اَلْمَصَائِبِ اِبْتَلاَهُ اَللَّهُ بِكِبَارِهَا (1) -. إنما كان كذلك لأنه يشكو الله و يتسخط قضاءه و يجحد النعمة في التخفيف عنه و يدعي فيما ليس بمجحف به من حوادث الدهر أنه مجحف و يتألم بين الناس لذلك أكثر مما تقتضيه نكبته و من فعل ذلك استوجب السخط من الله تعالى و ابتلي بالكثير من النكبة و إنما الواجب على من وقع في أمر يشق عليه و يتألم منه و ينال من نفسه أو من ماله نيلا ما أن يحمد الله تعالى على ذلك و يقول لعله قد دفع بهذا عني ما هو أعظم منه و لئن كان قد ذهب من مالي جزء فلقد بقي أجزاء كثيرة .

و قال عروة بن الزبير لما وقعت الأكلة في رجله فقطعها و مات ابنه‏اللهم إنك أخذت عضوا و تركت أعضاء و أخذت ابنا و تركت أبناء فليهنك لئن كنت أخذت لقد أبقيت و لئن كنت ابتليت لقد عافيت

99

*3458* 458 و من كلامه ع في الإمساك بعنان النفس حتى لا تهن عليه الشهوات‏

وَ قَالَ ع: مَنْ كَرُمَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ هَانَتْ عَلَيْهِ شَهْوَتُهُ شَهَوَاتُهُ (1) - . قد تقدم مثل هذا المعنى مرارا و من الكلام المشهور بين العامة قبح الله أمرا تغلب شهوته على نخوته .

و الجيد النادر في هذا قول الشاعر

فإنك إن أعطيت بطنك سؤله # و فرجك نالا منتهى الذم أجمعا (1)

____________

(1) لحاتم الطائى، ديوانه 114.

100

*3459* 459 و من كلامه ع في المزاح و آثاره‏

وَ قَالَ ع: مَا مَزَحَ اِمْرُؤٌ مَزْحَةً إِلاَّ مَجَّ مِنْ عَقْلِهِ مَجَّةً (1) -. قد تقدم القول في المزاح .

و كان يقال خير المزاح لا ينال و شره لا يستقال .

و قيل إنما سمي المزاح مزاحا لأنه أزيح عن الحق‏

101

*3460* 460 و من كلامه ع في الزهد في الراغب و الرغبة في الزاهد و آثارهما

وَ قَالَ ع: زُهْدُكَ فِي رَاغِبٍ فِيكَ نُقْصَانُ حَظٍّ وَ رَغْبَتُكَ فِي زَاهِدٍ فِيكَ ذُلُّ نَفْسٍ (1) -. أي نقصان حظ لك و ذلك لأنه ليس من حق من رغب فيك أن تزهد فيه لأن الإحسان لا يكافأ بالإساءة و للقصد حرمة و للآمل ذمام و من طلب مودتك فقد قصدك و أملك فلا يجوز رفضه و اطراحه و الزهد فيه و إذا زهدت فيه فذلك لنقصان حظك لا لنقصان حظه فأما رغبتك في زاهد فيك فمذلة لأنك تطرح نفسك لمن لا يعبأ بك و هذا ذل و صغار .

و قال العباس بن الأحنف في نسيبه و كان جيد النسيب‏

ما زلت أزهد في مودة راغب # حتى ابتليت برغبة في زاهد

هذا هو الداء الذي ضاقت به # حيل الطبيب و طال يأس العائد

أي ما زلت عزيزا حتى أذلني الحب‏

102

*3461* 461 و من كلامه ع في بيان شخصية الزبير و ابنه عبد الله‏

وَ قَالَ ع: مَا زَالَ اَلزُّبَيْرُ رَجُلاً مِنَّا أَهْلَ اَلْبَيْتِ حَتَّى نَشَأَ اِبْنُهُ اَلْمَشْئُومُ عَبْدُ اَللَّهِ (1) - . ذكر هذا الكلام أبو عمر بن عبد البر في كتاب الإستيعاب عن 1أمير المؤمنين ع في عبد الله بن الزبير إلا أنه لم يذكر لفظة المشئوم

[عبد الله بن الزبير و ذكر طرف من أخباره‏]

و نحن نذكر ما ذكره ابن عبد البر في ترجمة عبد الله بن الزبير فإن هذا المصنف يذكر جمل أحوال الرجل دون تفاصيلها ثم نذكر تفصيل أحواله من مواضع أخرى .

قال أبو عمر رحمه الله يكنى‏ (1) عبد الله بن الزبير أبا بكر و قال بعضهم أبا بكير ذكر ذلك أبو أحمد الحاكم الحافظ في كتابه في الكنى و الجمهور من أهل السير و أهل الأثر على أن كنيته أبو بكر و له كنية أخرى أبو خبيب بابنه خبيب

____________

(1) الاستيعاب 904، طبعة نهضة مصر.