شرح نهج البلاغة - ج20

- ابن ابي الحديد المزيد...
364 /
153

*3464* 464 و من كلامه ع في أشعر الشعراء

وَ سُئِلَ عَنْ أَشْعَرِ اَلشُّعَرَاءِ فَقَالَ ع إِنَّ اَلْقَوْمَ لَمْ يَجْرُوا فِي حَلْبَةٍ تُعْرَفُ اَلْغَايَةُ عِنْدَ قَصَبَتِهَا فَإِنْ كَانَ وَ لاَ بُدَّ فَالْمَلِكُ اَلضِّلِّيلُ (1) -. قال يريد إمرأ القيس

[في مجلس 1علي بن أبي طالب‏]

1- قرأت في أمالي ابن دريد قال أخبرنا الجرموزي عن ابن المهلبي عن ابن الكلبي عن شداد بن إبراهيم عن عبيد الله بن الحسن العنبري عن ابن عرادة قال كان 1علي بن أبي طالب ع يعشي الناس في شهر رمضان باللحم و لا يتعشى معهم فإذا فرغوا خطبهم و وعظهم فأفاضوا ليلة في الشعراء و هم على عشائهم فلما فرغوا خطبهم ع و قال في خطبته اعلموا أن ملاك أمركم الدين و عصمتكم التقوى و زينتكم الأدب و حصون أعراضكم الحلم ثم قال قل يا أبا الأسود فيم‏ (1) كنتم تفيضون فيه أي الشعراء أشعر فقال يا 1أمير المؤمنين الذي يقول‏

و لقد أغتدي يدافع ركني # أعوجي ذو ميعة إضريج‏ (2)

____________

(1) في د «ما كنتم» ؛ و هو وجه أيضا.

(2) ديوان أبى دواد 299.

154

مخلط مزيل معن مفن # منفح مطرح سبوح خروج.

يعني أبا دواد الإيادي فقال ع ليس به قالوا فمن يا 1أمير المؤمنين فقال لو رفعت للقوم غاية فجروا إليها معا علمنا من السابق منهم و لكن إن يكن فالذي لم يقل عن رغبة و لا رهبة قيل من هو يا 1أمير المؤمنين قال هو الملك الضليل ذو القروح قيل إمرؤ القيس يا 1أمير المؤمنين قال هو قيل فأخبرنا عن ليلة القدر قال ما أخلو من أن أكون أعلمها فأستر علمها و لست أشك أن الله إنما يسترها عنكم نظرا لكم لأنه لو أعلمكموها عملتم فيها و تركتم غيرها و أرجو أن لا تخطئكم إن شاء الله انهضوا رحمكم الله .

و قال ابن دريد لما فرغ من الخبر إضريج ينبثق في عدوه و قيل واسع الصدر و منفح يخرج الصيد من مواضعه و مطرح يطرح ببصره و خروج سابق .

و الغاية بالغين المعجمة الراية قال الشاعر

و إذا غاية مجد رفعت # نهض الصلت إليها فحواها.

و يروى قول الشماخ

إذا ما راية رفعت لمجد # تلقاها غرابة باليمين‏ (1) .

بالغين و الراء أكثر فأما البيت الأول فبالغين لا غير أنشده الخليل في عروضه

14- و في حديث طويل في الصحيح فيأتونكم تحت ثمانين غاية تحت كل غاية اثنا عشر ألفا.

و الميعة أول جري الفرس و قيل الجري بعد الجري‏

____________

(1) ديوانه 97.

155

[اختلاف العلماء في تفضيل بعض الشعراء على بعض‏]

و أنا أذكر في هذا الموضع ما اختلف فيه العلماء من تفضيل بعض الشعراء على بعض و أبتدئ في ذلك بما ذكره أبو الفرج علي بن الحسين الأصفهاني في كتاب الأغاني قال أبو الفرج الثلاثة المقدمون على الشعراء إمرؤ القيس و زهير و النابغة لا اختلاف في أنهم مقدمون على الشعراء كلهم و إنما اختلف في تقديم بعض الثلاثة على بعض‏ (1) .

قال فأخبرني أبو خليفة عن محمد بن سلام عن أبي قبيس عن عكرمة بن جرير عن أبيه قال شاعر أهل الجاهلية زهير .

قال و أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثني عمر بن شبة عن هارون بن عمر عن أيوب بن سويد عن يحيى بن زياد عن عمر بن عبد الله الليثي قال قال عمر بن الخطاب ليلة في مسيره إلى الجابية أين عبد الله بن عباس فأتي به فشكا إليه تخلف 1علي بن أبي طالب ع عنه قال ابن عباس فقلت له أ و لم يعتذر إليك قال بلى قلت فهو ما اعتذر به قال ثم أنشأ يحدثني فقال إن أول من راثكم عن هذا الأمر أبو بكر إن قومكم كرهوا أن يجمعوا لكم الخلافة و النبوة قال أبو الفرج ثم ذكر قصة طويلة ليست من هذا الباب‏ (2) فكرهت ذكرها ثم قال يا ابن عباس هل تروي لشاعر الشعراء قلت و من هو قال ويحك شاعر الشعراء الذي يقول‏

فلو أن حمدا يخلد الناس خلدوا # و لكن حمد الناس ليس بمخلد.

____________

(1) الأغانى 10: 288.

(2) ذكرت هذه القصة مفضلة في الطبريّ 4: 222-224 (طبع المعارف) .

156

فقلت ذاك زهير فقال ذاك شاعر الشعراء قلت و بم كان شاعر الشعراء قال إنه كان لا يعاظل الكلام و يتجنب وحشيه و لا يمدح أحدا إلا بما فيه .

قال أبو الفرج و أخبرني أبو خليفة قال ابن سلام و أخبرني عمر بن موسى الجمحي عن أخيه قدامة بن موسى و كان من أهل العلم أنه كان يقدم زهيرا قال فقلت له أي شعره كان أعجب إليه فقال الذي يقول فيه‏

قد جعل المبتغون الخير في هرم # و السائلون إلى أبوابه طرقا (1) .

قال ابن سلام و أخبرني أبو قيس العنبري و لم أر بدويا يفي به عن عكرمة بن جرير قال قلت لأبي يا أبت من أشعر الناس قال أ عن أهل الجاهلية تسألني أم عن أهل الإسلام قال قلت ما أردت إلا الإسلام فإذا كنت قد ذكرت الجاهلية فأخبرني عن أهلها فقال زهير أشعر أهلها قلت فالإسلام قال الفرزدق نبعة الشعر قلت فالأخطل قال يجيد مدح الملوك و يصيب وصف الخمر قلت فما تركت لنفسك قال إني نحرت الشعر نحرا (2) .

قال و أخبرني الحسن بن علي قال أخبرنا الحارث بن محمد عن المدائني عن عيسى بن يزيد قال سأل معاوية الأحنف عن أشعر الشعراء فقال زهير قال و كيف ذاك قال ألقى على المادحين فضول الكلام و أخذ خالصه و صفوته قال مثل ما ذا قال مثل قوله‏

و ما يك من خير أتوه فإنما # توارثه آباء آبائهم قبل

و هل ينبت الخطي إلا وشيجه # و تغرس إلا في منابتها النخل‏ (3) .

قال و أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا

____________

(1) الأغانى 10: 288، 289.

(2) الأغانى 10: 289، 290 و في د «نجرت الشعر نجرا» .

(3) الأغانى 10: 290.

157

عبد الله بن عمرو القيسي قال حدثنا خارجة بن عبد الله بن أبي سفيان عن أبيه عن ابن عباس قال خرجت مع عمر في أول غزاة غزاها فقال لي ليلة يا ابن عباس أنشدني لشاعر الشعراء قلت من هو قال ابن أبي سلمى قلت و لم صار كذلك قال لأنه لا يتبع حوشي الكلام و لا يعاظل في منطقه و لا يقول إلا ما يعرف و لا يمدح الرجل إلا بما فيه أ ليس هو الذي يقول‏

إذا ابتدرت قيس بن عيلان غاية # إلى المجد من يسبق إليها يسود

سبقت إليها كل طلق مبرز # سبوق إلى الغايات غير مزند.

قال أي لا يحتاج إلى أن يجلد الفرس بالسوط .

كفعل جواد يسبق الخيل عفوه # السراع و إن يجهد و يجهدن يبعد

فلو كان حمدا يخلد الناس لم تمت‏ (1) # و لكن حمد الناس ليس بمخلد.

أنشدني له فأنشدته حتى برق الفجر فقال حسبك الآن اقرأ القرآن قلت ما أقرأ قال الواقعة فقرأتها و نزل فأذن و صلى (2) .

ـو قال محمد بن سلام في كتاب طبقات الشعراء دخل الحطيئة على سعيد بن العاص متنكرا فلما قام الناس و بقي الخواص أراد الحاجب أن يقيمه فأبى أن يقوم فقال سعيد دعه و تذاكروا أيام العرب و أشعارها فلما أسهبوا قال الحطيئة ما صنعتم شيئا فقال سعيد فهل عندك علم من ذلك قال نعم قال فمن أشعر العرب قال الذي يقول‏

قد جعل المبتغون الخير في هرم # و السائلون إلى أبوابه طرقا.

قال ثم من قال الذي يقول

____________

(1) في د «خلدوا» .

(2) الأغانى 10: 290، 291.

158

فإنك شمس و الملوك كواكب # إذا طلعت لم يبد منهن كوكب.

يعني زهيرا ثم النابغة ثم قال و حسبك بي إذا وضعت إحدى رجلي على الأخرى ثم عويت في أثر القوافي كما يعوي الفصيل في أثر أمه قال فمن أنت قال أنا الحطيئة فرحب به سعيد و أمر له بألف دينار .

قال و قال من احتج لزهير كان أحسنهم شعرا و أبعدهم من سخف و أجمعهم لكثير من المعنى في قليل من المنطق و أشدهم مبالغة في المدح و أبعدهم تكلفا و عجرفية و أكثرهم حكمة و مثلا سائرا في شعره .

14- و قد روى ابن عباس عن 14النبي ص أنه قال أفضل شعرائكم القائل و من من يعني زهيرا .

و ذلك في قصيدته التي أولها أ من أم أوفى يقول فيها

و من يك ذا فضل فيبخل بفضله # على قومه يستغن عنه و يذمم

و من لم يذد عن حوضه بسلاحه # يهدم و من لا يظلم الناس يظلم

و من هاب أسباب المنايا ينلنه # و لو نال أسباب السماء بسلم

و من يجعل المعروف من دون عرضه # يفره و من لا يتق الشتم يشتم.

فأما القول في النابغة الذبياني فإن أبا الفرج الأصفهاني قال في كتاب الأغاني كنية النابغة أبو أمامة و اسمه زياد بن معاوية و لقب بالنابغة لقوله‏ (1)

فقد نبغت لهم منا شئون.

و هو أحد الأشراف الذين غض الشعر منهم و هو من الطبقة الأولى المقدمين على سائر الشعراء .

____________

(1) الأغانى 11: 3.

159

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري و حبيب بن نصر قالا حدثنا عمر بن شبة قال حدثني أبو نعيم قال شريك عن مجالد عن الشعبي عن ربعي بن حراش قال قال لنا عمر يا معشر غطفان من الذي يقول‏

أتيتك عاريا خلقا ثيابي # على خوف تظن بي الظنون.

قلنا النابغة قال ذاك أشعر شعرائكم‏ (1) .

قلت قوله أشعر شعرائكم لا يدل على أنه أشعر العرب لأنه جعله أشعر شعراء غطفان فليس كقوله في زهير شاعر الشعراء و لكن أبا الفرج قد روى بعد هذا خبرا آخر صريحا في أن النابغة عند عمر أشعر العرب قال حدثني أحمد و حبيب عن عمر بن شبة قال حدثنا عبيد بن جناد قال حدثنا معن بن عبد الرحمن عن عيسى بن عبد الرحمن السلمي عن جده عن الشعبي قال قال عمر يوما من أشعر الشعراء فقيل له أنت أعلم يا أمير المؤمنين قال من الذي يقول‏

إلا سليمان إذ قال المليك له # قم في البرية فاحددها عن الفند (2)

و خيس الجن إني قد أذنت لهم‏ (3) # يبنون تدمر بالصفاح و العمد (4)

قالوا النابغة قال فمن الذي يقول‏

أتيتك عاريا خلقا ثيابي # على خوف تظن بي الظنون‏

قالوا النابغة قال فمن الذي يقول‏

حلفت فلم أترك لنفسك ريبة # و ليس وراء الله للمرء مذهب

لئن كنت قد بلغت عني خيانة # لمبلغك الواشي أغش و أكذب‏ (5)

____________

(1) الأغانى 11: 3، 4.

(2) فاحددها: فامنعها. و الفند: الخطأ.

(3) خيس الجن، أي ذللهم؛ و في الأغانى: «و خبر الجن» .

(4) تدمر: مدينة مشهورة قديمة كانت ببرية الشام. و الصفاح: حجارة دقاق عراض واحدها صفاحة و العمد: جمع عمود.

(5) بعده في الأغانى:

و لست بمستبق أخا لا تلمّه # على شعث؛ أىّ الرجال المهذّب!.

.

160

قالوا النابغة قال فهو أشعر العرب‏ (1) .

قال و أخبرني أحمد قال حدثنا عمر قال حدثني علي بن محمد المدائني قال قام رجل إلى ابن عباس فقال له أي الناس أشعر قال أخبره يا أبا الأسود فقال أبو الأسود الذي يقول‏

فإنك كالليل الذي هو مدركي # و إن خلت أن المنتأى عنك واسع‏

يعني النابغة (2) .

قال أبو الفرج و أخبرني أحمد و حبيب عن عمر عن أبي بكر العليمي عن الأصمعي قال كان يضرب للنابغة قبة أدم بسوق عكاظ فتأتيه الشعراء فتعرض عليه أشعارها فأنشده مرة الأعشى ثم حسان بن ثابت ثم قوم من الشعراء ثم جاءت الخنساء فأنشدته‏

و إن صخرا لتأتم الهداة به # كأنه علم في رأسه نار.

فقال لو لا أن أبا بصير يعني الأعشى أنشدني آنفا لقلت إنك أشعر الإنس و الجن فقام حسان بن ثابت فقال أنا و الله أشعر منها و من أبيك فقال له النابغة يا ابن أخي أنت لا تحسن أن تقول‏

فإنك كالليل الذي هو مدركي # و إن خلت أن المنتأى عنك واسع

خطاطيف حجن في حبال متينة # تمد بها أيد إليك نوازع‏ (3) .

قال فخنس حسان لقوله‏ (4) .

قال و أخبرني أحمد و حبيب عن عمر عن الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء

____________

(1) الأغانى 11: 4، 5.

(2) الأغانى 11: 5.

(3) الخطاطيف: جمع خطاف، و خطاف البئر حديدة حجناء تستخرج بها الدلاء و غيرها. و حجن:

معوجة، واحدها أحجن، و الأنثى حجناء. و نوازع: جواذب.

(4) خنس: انقبض، و الخبر في الأغانى 11: 6.

161

قال حدثني رجل سماه أبو عمرو و أنسيته قال بينما نحن نسير بين أنقاء من الأرض فتذاكرنا الشعر فإذا راكب أطيلس‏ (1) يقول أشعر الناس زياد بن معاوية ثم تملس فلم نره .

قال و أخبرني أحمد بن عبد العزيز عن عمر بن شبة عن الأصمعي قال سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول ما ينبغي لزهير إلا أن يكون أجيرا للنابغة .

قال أبو الفرج و أخبرنا أحمد عن عمر قال قال عمرو بن المنتشر المرادي وفدنا على عبد الملك بن مروان فدخلنا عليه فقام رجل فاعتذر من أمر و حلف عليه فقال له عبد الملك ما كنت حريا أن تفعل و لا تعتذر ثم أقبل على أهل الشام فقال أيكم يروي اعتذار النابغة إلى النعمان في قوله‏

حلفت فلم أترك لنفسك ريبة # و ليس وراء الله للمرء مذهب.

فلم يجد فيهم من يرويه فأقبل علي و قال أ ترويه قلت نعم فأنشدته القصيدة كلها فقال هذا أشعر العرب .

قال و أخبرني أحمد و حبيب عن عمر عن معاوية بن بكر الباهلي قال قلت لحماد الراوية لم قدمت النابغة قال لاكتفائك بالبيت الواحد من شعره لا بل بنصف البيت لا بل بربع البيت مثل قوله‏

حلفت فلم أترك لنفسك ريبة # و ليس وراء الله للمرء مذهب

و لست بمستبق أخا لا تلمه # على شعث أي الرجال المهذب‏

ربع البيت يغنيك عن غيره فلو تمثلت به لم تحتج إلى غيره .

قال و أخبرني أحمد بن عبد العزيز عن عمر بن شبة عن هارون بن عبد الله

____________

(1) الأنقاء: جمع نقا، و هو القطعة من الرمل. و أطيلس تصغير أطلس؛ و هو ما في لونه غبرة إلى السواد.

و تملس: تملص و أفلت.

162

الزبيري‏ (1) قال حدثني شيخ يكنى أبا داود عن الشعبي قال دخلت على عبد الملك و عنده الأخطل و أنا لا أعرفه و ذلك أول يوم وفدت فيه من العراق على عبد الملك فقلت حين دخلت عامر بن شراحيل الشعبي يا أمير المؤمنين فقال على علم ما أذنا لك فقلت هذه واحدة على وافد أهل العراق يعني أنه أخطأ قال ثم إن عبد الملك سأل الأخطل من أشعر الناس فقال أنا فعجلت و قلت لعبد الملك من هذا يا أمير المؤمنين فتبسم و قال الأخطل فقلت في نفسي اثنتان على وافد أهل العراق فقلت له أشعر منك الذي يقول‏

هذا غلام حسن وجهه # مستقبل الخير سريع التمام

للحارث الأكبر و الحارث # الأصغر فالأعرج خير الأنام

ثم لعمرو و لعمرو و قد # أسرع في الخيرات منه أمام‏ (2)

قال هي أمامة أم عمرو الأصغر بن المنذر بن إمرئ القيس بن النعمان بن الشقيقة

خمسة آباء هم ما هم # أفضل من يشرب صوب الغمام.

و الشعر للنابغة فالتفت إلي الأخطل فقال إن أمير المؤمنين إنما سألني عن أشعر أهل زمانه و لو سألني عن أشعر أهل الجاهلية كنت حريا أن أقول كما قلت أو شبيها به فقلت في نفسي ثلاث على وافد أهل العراق .

قال أبو الفرج و قد وجدت هذا الخبر أتم من هذه الرواية ذكره أحمد بن الحارث الخراز في كتابه عن المدائني عن عبد الملك بن مسلم قال كتب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج أنه ليس شي‏ء من لذة الدنيا إلا و قد أصبت منه و لم يبق

____________

(1) ب: «الزهرى» ، و صوابه في ا، د و الأغانى.

(2) في الأغانى: «ثم لهند و لهند فقد» .

163

عندي شي‏ء ألذ من مناقلة الإخوان الحديث و قبلك عامر الشعبي فابعث به إلي فدعا الحجاج الشعبي فجهزه و بعث به إليه و قرظه و أطراه في كتابه فخرج الشعبي حتى إذا كان بباب عبد الملك قال للحاجب استأذن لي قال من أنت قال أنا عامر الشعبي قال يرحمك‏ (1) الله قال ثم نهض فأجلسني على كرسيه فلم يلبث أن خرج إلي فقال ادخل يرحمك الله فدخلت فإذا عبد الملك جالس على كرسي و بين يديه رجل أبيض الرأس و اللحية جالس على كرسي فسلمت فرد علي السلام فأومأ إلي بقضيبه فجلست عن يساره ثم أقبل على ذلك الإنسان الذي بين يديه فقال له من أشعر الناس فقال أنا يا أمير المؤمنين قال الشعبي فأظلم ما بيني و بين عبد الملك فلم أصبر أن قلت و من هذا الذي يزعم أنه أشعر الناس يا أمير المؤمنين فعجب عبد الملك من عجلتي قبل أن يسألني عن حالي فقال هذا الأخطل فقلت يا أخطل أشعر و الله منك الذي يقول‏

هذا غلام حسن وجهه # مستقبل الخير سريع التمام الأبيات‏

ـقال فاستحسنها عبد الملك ثم رددتها عليه حتى حفظها فقال الأخطل من هذا يا أمير المؤمنين قال هذا الشعبي فقال و الجيلون ما استعذت بالله من شر إلا من هذا أي و الإنجيل صدق و الله يا أمير المؤمنين النابغة أشعر مني قال الشعبي فأقبل عبد الملك حينئذ علي فقال كيف أنت يا شعبي قلت بخير يا أمير المؤمنين فلا زلت به ثم ذهبت لأصنع معاذير لما كان من خلافي مع ابن الأشعث على الحجاج فقال مه إنا لا نحتاج إلى هذا المنطق و لا تراه منا في قول و لا فعل حتى تفارقنا ثم أقبل علي فقال ما تقول في النابغة قلت يا أمير المؤمنين قد فضله عمر بن الخطاب

____________

(1) رواية د «حياك اللّه» .

164

في غير موطن على جميع الشعراء ثم أنشدته الشعر الذي كان عمر يعجب به من شعره و قد تقدم ذكره قال فأقبل عبد الملك على الأخطل فقال له أ تحب أن لك قياضا بشعرك شعر أحد من العرب أم تحب أنك قلته قال لا و الله يا أمير المؤمنين إلا أني وددت أني كنت قلت أبياتا قالها رجل منا ثم أنشده قول القطامي

إنا محيوك فاسلم أيها الطلل # و إن بليت و إن طالت بك الطيل‏ (1)

ليس الجديد به تبقى بشاشته‏ (2) # إلا قليلا و لا ذو خلة يصل

و العيش لا عيش إلا ما تقر به # عين و لا حال إلا سوف تنتقل

إن ترجعي من أبي عثمان منجحة # فقد يهون على المستنجح العمل‏ (3)

و الناس من يلق خيرا قائلون له # ما يشتهي و لأم المخطئ الهبل

قد يدرك المتأني بعض حاجته # و قد يكون مع المستعجل الزلل.

قال الشعبي فقلت قد قال القطامي أفضل من هذا قال و ما قال قلت قال‏

طرقت جنوب رحالنا من مطرق # ما كنت أحسبها قريب المعنق‏ (4)

إلى آخرها (5) فقال عبد الملك ثكلت القطامي أمه هذا و الله الشعر قال فالتفت إلى الأخطل فقال يا شعبي إن لك فنونا في الأحاديث و إنما لي فن واحد فإن رأيت ألا تحملني على أكتاف قومك فأدعهم حرضا فقلت لا أعرض‏ (6) لك في شي‏ء من الشعر أبدا فأقلني هذه المرة فقال من يتكفل بك قلت

____________

(1) الطلل: ما شخص من آثار الديار. و الطيل: جمع طيلة، و هي الدهر.

(2) الضمير في «به» يعود على الدهر.

(3) منجحة: ظافرة. و المستنجح: طالب النجاح.

(4) المعنق: المكان الذي أعنقت منه، و العنق (بالتحريك) ضرب من السير السريع.

(5) أوردها صاحب الأغانى.

(6) الحرض: الردى‏ء من الناس، أي أجعلهم بهجائى من أراذل الناس.

165

أمير المؤمنين فقال عبد الملك هو علي أنه لا يعرض لك أبدا ثم قال عبد الملك يا شعبي أي نساء الجاهلية أشعر قلت الخنساء قال و لم فضلتها على غيرها قلت لقولها

و قائلة و النعش قد فات خطوها # لتدركه يا لهف نفسي على صخر

ألا هبلت أم الذين غدوا به # إلى القبر ما ذا يحملون إلى القبر

فقال عبد الملك أشعر منها و الله التي تقول‏ (1)

مهفهف أهضم الكشحين منخرق‏ (2) # عنه القميص بسير الليل محتقر

لا يأمن الدهر ممساه و مصبحه # من كل أوب و إن يغز ينتظر.

قال ثم تبسم عبد الملك و قال لا يشقن عليك يا شعبي فإنما أعلمتك هذا لأنه بلغني أن أهل العراق يتطاولون على أهل الشام و يقولون إن كان غلبونا على الدولة فلم يغلبونا على العلم و الرواية و أهل الشام أعلم بعلم أهل العراق من أهل العراق ثم ردد علي أبيات ليلى حتى حفظتها ثم لم أزل عنده أول داخل و آخر خارج فكنت كذلك سنين و جعلني في ألفين من العطاء و جعل عشرين رجلا من ولدي و أهل بيتي في ألف ألف ثم بعثني إلى أخيه عبد العزيز بمصر و كتب إليه يا أخي قد بعثت إليك بالشعبي فانظر هل رأيت قط مثله‏ (3) .

قال أبو الفرج الأصبهاني في ترجمة أوس بن حجر إن أبا عبيدة قال كان أوس شاعر مضر حتى أسقطه النابغة قال و قد ذكر الأصمعي أنه سمع أبا عمرو بن العلاء يقول كان أوس بن حجر فحل العرب فلما نشأ النابغة طأطأ منه (4) .

و قال محمد بن سلام في كتاب طبقات الشعراء و قال من احتج للنابغة كان أحسنهم

____________

(1) هى ليلى أخت المنتشر بن وهب الباهلى.

(2) مهفهف الكشح: ضامره.

(3) الأغانى 11: 21-26.

166

ديباجة شعر و أكثرهم رونق كلام و أجزلهم بيتا كأن شعره كلام ليس بتكلف و المنطق على المتكلم أوسع منه على الشاعر لأن الشاعر يحتاج إلى البناء و العروض و القوافي و المتكلم مطلق يتخير الكلام كيف شاء قالوا و النابغة نبغ بالشعر بعد أن احتنك و هلك قبل أن يهتر .

قلت و كان أبو جعفر يحيى بن محمد بن أبي زيد العلوي البصري يفضل النابغة و استقرأني يوما و بيدي ديوان النابغة قصيدته التي يمدح بها النعمان بن المنذر و يذكر مرضه و يعتذر إليه مما كان اتهم به و قذفه به أعداؤه و أولها

كتمتك ليلا بالجمومين ساهرا # و همين هما مستكنا و ظاهرا (1)

أحاديث نفس تشتكي ما يريبها # و ورد هموم لو يجدن مصادرا

تكلفني أن يغفل الدهر همها # و هل وجدت قبلي على الدهر ناصرا.

يقول هذه النفس تكلفني ألا يحدث لها الدهر هما و لا حزنا و ذلك مما لم يستطعه أحد قبلي .

أ لم تر خير الناس أصبح نعشه # على فتية قد جاوز الحي سائرا.

كان الملك منهم إذا مرض حمل على نعش و طيف به على أكتاف الرجال بين الحيرة و الخورنق و النجف ينزهونه .

و نحن لديه نسأل الله خلده # يرد لنا ملكا و للأرض عامرا (2)

و نحن نرجي الخير إن فاز قدحنا # و نرهب قدح الدهر إن جاء قامرا

لك الخير إن وارت بك الأرض واحدا # و أصبح جد الناس بعدك عاثرا

و ردت مطايا الراغبين و عريت # جيادك لا يحفي لها الدهر حافرا

____________

(1) ديوانه 39-42. و الجمومان: موضع.

(2) الخلد: البقاء.

167

رأيتك ترعاني بعين بصيرة # و تبعث حراسا علي و ناظرا

و ذلك من قول أتاك أقوله # و من دس أعداء إليك المآبرا (1)

فآليت لا آتيك إن كنت مجرما # و لا أبتغي جارا سواك مجاورا.

أي لا آتيك حتى يثبت عندك أني غير مجرم .

فأهلي فداء لامرئ إن أتيته # تقبل معروفي و سد المفاقرا (2)

سأربط كلبي إن يريبك نبحه # و إن كنت أرعى مسحلان و حامرا (3) .

أي سأمسك لساني عن هجائك و إن كنت بالشام في هذين الواديين البعيدين عنك .

و حلت بيوتي في يفاع ممنع # تخال به راعي الحمولة طائرا (4)

تزل الوعول العصم عن قذفاته # و يضحي ذراه بالسحاب كوافرا

حذارا على ألا تنال مقادتي # و لا نسوتي حتى يمتن حرائرا

يقول أنا لا أهجرك و إن كنت من المنعة و العصمة على هذه الصفة .

أقول و قد شطت بي الدار عنكم # إذا ما لقيت من معد مسافرا

ألا أبلغ النعمان حيث لقيته # فأهدى له الله الغيوث البواكرا

و أصبحه فلجا و لا زال كعبه # على كل من عادى من الناس ظاهرا

و رب عليه الله أحسن صنعه # و كان على كل المعادين ناصرا (5) .

فجعل أبو جعفر رحمه الله يهتز و يطرب ثم قال و الله لو مزجت هذه القصيدة بشعر البحتري لكادت تمتزج لسهولتها و سلامة ألفاظها و ما عليها من الديباجة و الرونق من يقول إن إمرأ القيس و زهيرا أشعر من هذا هلموا فليحاكموني .

____________

(1) المآبر: النمائم.

(2) تقبل، بمعنى قبل. و المفاقر: جمعه فقر.

(3) الديوان «سأكعم كلبى» أي سأمسك. و مسحلان و عامر: موضعان.

(4) اليفاع: المشرف من الأرض. و الحمولة: الإبل التي أطاقت الحمل.

(5) ربه: أتمه.

168

فأما إمرؤ القيس بن حجر فقال محمد بن سلام الجمحي في كتاب طبقات الشعراء أخبرني يونس بن حبيب أن علماء البصرة كانوا يقدمونه على الشعراء كلهم و أن أهل الكوفة كانوا يقدمون الأعشى و أن أهل الحجاز و البادية يقدمون زهيرا و النابغة (1) .

قال ابن سلام فالطبقة الأولى إذن أربعة قال و أخبرني شعيب بن صخر عن هارون بن إبراهيم قال سمعت قائلا يقول للفرزدق من أشعر الناس يا أبا فراس فقال ذو القروح يعني إمرأ القيس قال حين يقول ما ذا قال حين يقول‏

وقاهم جدهم ببني أبيهم # و بالأشقين ما كان العقاب.

قال و أخبرني أبان بن عثمان البجلي قال مر لبيد بالكوفة في بني نهد فأتبعوه رسول يسأله من أشعر الناس فقال الملك الضليل فأعادوه إليه فقال ثم من فقال الغلام القتيل يعنى طرفة بن العبد و قال غير أبان قال ثم ابن العشرين قال ثم من قال الشيخ أبو عقيل يعني نفسه‏ (2) .

قال ابن سلام و احتج لإمرئ القيس من يقدمه فقال إنه ليس‏ (3) قال ما لم يقولوه و لكنه سبق العرب إلى أشياء ابتدعها استحسنتها العرب فاتبعه فيها الشعراء منها استيقاف صحبه و البكاء في الديار و رقة النسيب و قرب المأخذ و تشبيه النساء بالظباء و بالبيض و تشبيه الخيل بالعقبان و العصي و قيد الأوابد و أجاد في النسيب و فصل بين النسيب و بين المعنى و كان أحسن الطبقة تشبيها (4) .

قال و حدثني معلم لبني داود بن علي قال بينا أنا أسير في البادية إذا أنا برجل على ظليم قد زمه و خطمه و هو يقول

____________

(1) طبقات الشعراء 44.

(2) طبقات الشعراء 44.

(3) طبقات الشعراء: «ما قال ما لم يقولوا» .

(4) طبقات الشعراء 46.

غ

169

هل يبلغنيهم إلى الصباح # هقل كأن رأسه جماح.

قال فما زال يذهب به ظليمه و يجي‏ء حتى أنست به و علمت أنه ليس بإنسي فقلت يا هذا من أشعر العرب فقال الذي يقول‏

أ غرك مني أن حبك قاتلي # و أنك مهما تأمري القلب يفعل‏

يعني إمرأ القيس قلت ثم من قال الذي يقول‏

و يبرد برد رداء العروس # بالصيف رقرقت فيه العبيرا

و يسخن ليلة لا يستطيع # نباحا بها الكلب إلا هريرا.

ثم ذهب به ظليمة فلم أره (1) .

14- قال و حدث عوانة عن الحسن أن 14رسول الله ص قال لحسان بن ثابت من أشعر العرب قال الزرق العيون من بني قيس قال لست أسألك عن القبيلة إنما أسألك عن رجل واحد فقال حسان يا 14رسول الله إن مثل الشعراء و الشعر كمثل ناقة نحرت فجاء إمرؤ القيس بن حجر فأخذ سنامها و أطائبها ثم جاء المتجاوران من الأوس و الخزرج فأخذا ما والى ذلك منها ثم جعلت العرب تمزعها حتى إذا بقي الفرث و الدم جاء عمرو بن تميم و النمر بن قاسط فأخذاه فقال 14رسول الله ص ذاك رجل مذكور في الدنيا شريف فيها خامل يوم القيامة معه لواء الشعراء إلى النار (2) .

فأما الأعشى فقد احتج أصحابه لتفضيله بأنه كان أكثرهم عروضا و أذهبهم في فنون الشعر و أكثرهم قصيدة طويلة جيدة و أكثرهم مدحا و هجاء و كان أول من سأل‏

170

بشعره و إن لم يكن له بيت نادر على أفواه الناس كأبيات أصحابه الثلاثة .

و قد سئل خلف الأحمر من أشعر الناس فقال ما ينتهى إلى واحد يجمع عليه كما لا ينتهى إلى واحد هو أشجع الناس و لا أخطب الناس و لا أجمل الناس فقيل له يا أبا محرز فأيهم أعجب إليك فقال الأعشى كان أجمعهم .

قال ابن سلام و كان أبو الخطاب الأخفش مستهترا به يقدمه و كان أبو عمرو بن العلاء يقول مثله مثل البازي يضرب كبير الطير و صغيره و يقول نظيره في الإسلام جرير و نظير النابغة الأخطل و نظير زهير الفرزدق‏ (1) .

فأما قول 1أمير المؤمنين ع الملك الضليل فإنما سمي إمرؤ القيس ضليلا لما يعلن به في شعره من الفسق و الضليل الكثير الضلال كالشريب و الخمير و السكير و الفسيق للكثير الشرب و إدمان الخمر و السكر و الفسق فمن ذلك قوله‏

فمثلك حبلى قد طرقت و مرضعا # فألهيتها عن ذي تمائم محول‏ (2)

إذا ما بكى من خلفها انصرفت له # بشق و تحتي شقها لم يحول.

و قوله‏

سموت إليها بعد ما نام أهلها # سمو حباب الماء حالا على حال‏ (3)

فقالت لحاك الله إنك فاضحي # أ لست ترى السمار و الناس أحوالي

فقلت لها تالله أبرح قاعدا # و لو قطعوا رأسي لديك و أوصالي

____________

(1) طبقات الشعراء.

(2) ديوانه 12.

(3) ديوانه 31-32.

171

فلما تنازعنا الحديث و أسمحت # هصرت بغصن ذي شماريخ ميال

فصرنا إلى الحسنى و رق كلامنا # و رضت فذلت صعبة أي إذلال

حلفت لها بالله حلفة فاجر # لناموا فما إن من حديث و لا صالي

فأصبحت معشوقا و أصبح بعلها # عليه القتام كاسف الوجه و البال.

و قوله في اللامية الأولى‏

و بيضة خدر لا يرام خباؤها # تمتعت من لهو بها غير معجل‏ (1)

تخطيت أبوابا إليها و معشرا # علي حراصا لو يسرون مقتلي

فجئت و قد نضت لنوم ثيابها # لدى الستر إلا لبسة المتفضل

فقالت يمين الله ما لك حيلة # و ما إن أرى عنك الغواية تنجلي

فقمت بها أمشي نجر وراءنا # على إثرنا أذيال مرط مرجل

فلما أجزنا ساحة الحي و انتحى # بنا بطن خبت ذي حقاف عقنقل

هصرت بفودي رأسها فتمايلت # علي هضيم الكشح ريا المخلخل.

و قوله‏

فبت أكابد ليل التمام # و القلب من خشية مقشعر

فلما دنوت تسديتها # فثوبا نسيت و ثوابا أجر

و لم يرنا كالئ كاشح # و لم يبد منا لدى البيت سر

و قد رابني قولها يا هناه # ويحك ألحقت شرا بشر.

____________

(1) ديوانه 13-15.

172

و قوله‏

تقول و قد جردتها من ثيابها # كما رعت مكحول المدامع أتلعا (1)

لعمرك لو شي‏ء أتانا رسوله # سواك و لكن لم نجد لك مدفعا

فبتنا نصد الوحش عنا كأننا # قتيلان لم يعلم لنا الناس مصرعا

تجافى عن المأثور بيني و بينها # و تدني علي السابري المضلعا

و في شعر إمرئ القيس من هذا الفن كثير فمن أراده فليطلبه من مجموع شعره‏

____________

(1) ديوانه 241.

173

*3465* 465 و من كلامه ع في أن النفس لا تباع إلا بالجنة لا غيرها

وَ قَالَ ع: أَلاَ حُرٌّ يَدَعُ هَذِهِ اَللُّمَاظَةَ لِأَهْلِهَا إِنَّهُ لَيْسَ لِأَنْفُسِكُمْ ثَمَنٌ إِلاَّ اَلْجَنَّةَ فَلاَ تَبِيعُوهَا إِلاَّ بِهَا (1) -. اللماظة بفتح اللام ما تبقى في الفم من الطعام قال يصف الدنيا

لماظة أيام كأحلام نائم.

و لمظ الرجل يلمظ بالضم لمظا إذا تتبع بلسانه بقية الطعام في فمه و أخرج لسانه فمسح به شفتيه و كذلك التلمظ يقال تلمظت الحية إذا أخرجت لسانها كما يتلمظ الآكل .

و قال ألا حر مبتدأ و خبره محذوف أي في الوجود و ألا حرف قال‏

ألا رجل جزاه الله خيرا # يدل على محصلة تبيت.

ثم قال‏ إنه ليس لأنفسكم ثمن إلا الجنة فلا تبيعوها إلا بها من الناس من يبيع نفسه بالدراهم و الدنانير و من الناس من يبيع نفسه بأحقر الأشياء و أهونها و يتبع هواه فيهلك و هؤلاء في الحقيقة أحمق الناس إلا أنه قد رين على القلوب فغطتها الذنوب و أظلمت الأنفس بالجهل و سوء العادة و طال الأمد أيضا على القلوب فقست و لو أفكر الإنسان حق الفكر لما باع نفسه إلا بالجنة لا غير

174

*3466* 466 و من كلامه ع في منهومان لا يشبعان‏

وَ قَالَ ع: مَنْهُومَانِ لاَ يَشْبَعَانِ طَالِبُ عِلْمٍ وَ طَالِبُ دُنْيَا (1) -. تقول نهم فلان بكذا فهو منهوم أي مولع به و هذه الكلمة

14- مروية عن 14النبي ص منهومان لا يشبعان منهوم بالمال و منهوم بالعلم.

و النهم‏ بالفتح إفراط الشهوة في الطعام تقول منه نهمت إلى الطعام بكسر الهاء أنهم فأنا نهم و كان في القرآن آية أنزلت ثم رفعت لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى لهما ثالثا و لا يملأ عين ابن آدم إلا التراب و يتوب الله على من تاب .

فأما طالب العلم العاشق له فإنه لا يشبع منه أبدا و كلما استكثر منه زاد عشقه له و تهالكه عليه مات أبو عثمان الجاحظ و الكتاب على صدره .

و كان شيخنا أبو علي رحمه الله في النزع و هو يملي على ابنه أبي هاشم مسائل في علم الكلام و كان القاضي أحمد بن أبي دواد يأخذ الكتاب في خفه و هو راكب فإذا جلس في دار الخليفة اشتغل بالنظر فيه إلى أن يجلس الخليفة و يدخل إليه و قيل ما فارق ابن أبي دواد الكتاب قط إلا في الخلاء و أعرف أنا في زماننا من مكث نحو خمس سنين لا ينام إلا وقت السحر صيفا و شتاء مكبا على كتاب صنفه و كانت وسادته التي ينام عليها الكتاب‏

175

*3467* 467 و من كلامه ع في بيان علامة الإيمان‏

وَ قَالَ ع: عَلاَمَةُ اَلْإِيمَانِ اَلْإِيمَانُ أَنْ تُؤْثِرَ اَلصِّدْقَ حَيْثُ يَضُرُّكَ عَلَى اَلْكَذِبِ حَيْثُ يَنْفَعُكَ وَ أَلاَّ يَكُونَ فِي حَدِيثِكَ فَضْلٌ عَنْ عِلْمِكَ عَمَلِكَ وَ أَنْ تَتَّقِيَ اَللَّهَ فِي حَدِيثِ غَيْرِكَ (1) -. قد أخذ المعنى الأول القائل‏

عليك بالصدق و لو أنه # أحرقك الصدق بنار الوعيد.

و ينبغي أن يكون هذا الحكم مقيدا لا مطلقا لأنه إذا أضر الصدق ضررا عظيما يؤدي إلى تلف النفس أو إلى قطع بعض الأعضاء لم يجز فعله صريحا و وجبت المعاريض حينئذ .

فإن قلت فالمعاريض صدق أيضا فالكلام على إطلاقه قلت هي صدق في ذاتها و لكن مستعملها لم يصدق فيما سئل عنه و لا كذب أيضا لأنه لم يخبر عنه و إنما أخبر عن شي‏ء آخر و هي المعاريض و التارك للخبر لا يكون صادقا و لا كاذبا فوجب أن يقيد إطلاق الخبر بما إذا كان الضرر غير عظيم و كانت نتيجة الصدق أعظم نفعا من تلك المضرة .

قال ع‏ و ألا يكون في حديثك فضل عن علمك متى زاد منطق الرجل على علمه فقد لغا و ظهر نقصه و الفاضل من كان علمه أكثر من منطقه قوله‏ و إن تتقي الله في حديث غيرك أي في نقله و روايته فترويه كما سمعته من غير تحريف‏

176

*3468* 468 و من كلامه ع في غلبة القدر و كون الآفة في التدبير

وَ قَالَ ع: يَغْلِبُ اَلْمِقْدَارُ عَلَى اَلتَّقْدِيرِ حَتَّى تَكُونَ اَلآْفَةُ فِي اَلتَّدْبِيرِ. قال و قد مضى هذا المعنى فيما تقدم برواية تخالف بعض هذه الألفاظ (1) - قد تقدم هذا المعنى و هو كثير جدا و من جيده قول الشاعر

لعمرك ما لام ابن أخطب نفسه # و لكنه من يخذل الله يخذل

لجاهد حتى تبلغ النفس عذرها # و قلقل يبغي العز كل مقلقل.

و قال أبو تمام

و ركب كأطراف الأسنة عرسوا # على مثلها و الليل تسطو غياهبه‏ (1)

لأمر عليهم أن تتم صدوره # و ليس عليهم أن تتم عواقبه.

و قال آخر

فإن بين حيطانا عليه فإنما # أولئك عقالاته لا معاقله ديوانه‏

____________

(1) 1: 229.

غ

177

*3469* 469 و من كلامه ع في الحلم و الأناة

وَ قَالَ ع: اَلْحِلْمُ وَ اَلْأَنَاةُ تَوْأَمَانِ يُنْتِجُهُمَا عُلُوُّ اَلْهِمَّةِ (1) -. قد تقدم هذا المعنى و شرحه مرارا .

و قال ابن هانئ

و كل أناة في المواطن سؤدد # و لا كأناة من تدبر محكم‏ (1)

و من يتبين أن للسيف موضعا # من الصفح يصفح عن كثير و يحلم.

و قال أرباب المعاني علمنا الله تعالى فضيلة الأناة بما حكاه عن سليمان سَنَنْظُرُ أَ صَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ اَلْكََاذِبِينَ‏ (2) .

و كان يقال الأناة حصن السلامة و العجلة مفتاح الندامة .

و كان يقال التأني مع الخيبة خير من التهور مع النجاح .

و قال الشاعر

الرفق يمن و الأناة سعادة # فتأن في أمر تلاق نجاحا.

____________

(1) ديوانه 123 و في د «من قدير محكم» .

(2) سورة النمل 27.

178

و قال من كره الأناة و ذمها لو كانت الأناة محمودة و العجلة مذمومة لما قال موسى لربه‏ وَ عَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى‏ََ (1) .

و أنشدوا

عيب الأناة و إن سرت عواقبها # أن لا خلود و أن ليس الفتى حجرا.

و قال آخر

كم من مضيع فرصة قد أمكنت # لغد و ليس له غد بمواتي

حتى إذا فاتت و فات طلابها # ذهبت عليها نفسه حسرات‏

____________

(1) سورة طه 84.

179

*3470* 470 و من كلامه ع في الغيبة

وَ قَالَ ع: اَلْغِيبَةُ جُهْدُ اَلْعَاجِزِ (1) -. قد تقدم كلامنا في الغيبة مستقصى .

و قيل للأحنف من أشرف الناس قال من إذا حضر هابوه و إذا غاب اغتابوه .

و قال الشاعر

و يغتابني من لو كفاني اغتيابه # لكنت له العين البصيرة و الأذنا

و عندي من الأشياء ما لو ذكرتها # إذا قرع المغتاب من ندم سنا.

و قد نظمت أنا كلمة الأحنف فقلت‏

أكل عرضي إن غبت ذما فإن أبت # فمدح و رهبة و سجود

هكذا يفعل الجبان شجاع # حين يخلو و في الوغى رعديد

لك مني حالان في عينك الجنة # حسنا و في الفؤاد وقود

180

*3471* 471 و من كلامه ع في أن ثناء الناس على الإنسان يقتضي اعتراء العجب له‏

وَ قَالَ ع: رُبَّ مَفْتُونٍ بِحُسْنِ اَلْقَوْلِ فِيهِ (1) -. طالما فتن الناس بثناء الناس عليهم فيقصر العالم في اكتساب العلم اتكالا على ثناء الناس عليه و يقصر العابد في العبادة اتكالا على ثناء الناس عليه و يقول كل واحد منهما إنما أردت ما اشتهرت به للصيت و قد حصل فلما ذا أتكلف الزيادة و أعاني التعب و أيضا فإن ثناء الناس على الإنسان يقتضي اعتراء العجب له و إعجاب المرء بنفسه مهلك .

و اعلم أن الرضي رحمه الله قطع كتاب نهج البلاغة على هذا الفصل و هكذا وجدت النسخة بخطه و قال هذا حين انتهاء الغاية بنا إلى قطع المنتزع من كلام 1أمير المؤمنين ع حامدين لله سبحانه على ما من به من توفيقنا لضم ما انتشر من أطرافه و تقريب ما بعد من أقطاره مقررين العزم كما شرطنا أولا على تفضيل أوراق من البياض في آخر كل باب من الأبواب لتكون لاقتناص الشارد و استلحاق الوارد و ما عساه أن يظهر لنا بعد الغموض و يقع إلينا بعد الشذوذ و ما توفيقنا إلا بالله‏ عَلَيْهِ تَوَكَّلْنََا و هو حسبنا وَ نِعْمَ اَلْوَكِيلُ نِعْمَ اَلْمَوْلى‏ََ وَ نِعْمَ اَلنَّصِيرُ .

ثم وجدنا نسخا كثيرة فيها زيادات بعد هذا الكلام قيل إنها وجدت في نسخة كتبت في حياة الرضي رحمه الله و قرئت عليه فأمضاها و أذن في إلحاقها بالكتاب نحن نذكرها

181

*3472* 472 و من كلامه ع في أن الدنيا لم تخلق لنفسها بل لغيرها

وَ قَالَ ع: اَلدُّنْيَا خُلِقَتْ لِغَيْرِهَا وَ لَمْ تُخْلَقْ لِنَفْسِهَا (1) -. قال أبو العلاء المعري مع ما كان يرمى به في هذا المعنى ما يطابق إرادة 1أمير المؤمنين ع بلفظه هذا

خلق الناس للبقاء فضلت # أمة يحسبونهم للنفاد (1)

إنما ينقلون من دار أعمال # إلى دار شقوة أو رشاد

____________

(1) سقط الزند 978، 979.

182

*3473* 473 و من كلامه ع في بني أمية و انتظام ملكهم‏

وَ قَالَ ع: إِنَّ لِبَنِي أُمَيَّةَ مِرْوَداً يَجْرُونَ فِيهِ وَ لَوْ قَدِ اِخْتَلَفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَوْ كَادَتْهُمُ اَلضِّبَاعُ لَغَلَبَتْهُمْ. قال الرضي رحمه الله تعالى و هذا من أفصح الكلام و أغربه و المرود هاهنا مفعل من الإرواد و هو الإمهال و الإنظار فكأنه ع شبه المهلة التي هم فيها بالمضمار الذي يجرون فيه إلى الغاية فإذا بلغوا منقطعها انتقض نظامهم بعدها (1) - هذا إخبار عن غيب صريح لأن بني أمية لم يزل ملكهم منتظما لما لم يكن بينهم اختلاف و إنما كانت حروبهم مع غيرهم كحرب معاوية في‏و حرب يزيد أهل المدينة و ابن الزبير بمكة و حرب مروان الضحاك و حرب عبد الملك ابن الأشعث و ابن الزبير و حرب يزيد ابنه بني المهلب و حرب هشام زيد بن علي فلما ولي الوليد بن يزيد و خرج عليه ابن عمه يزيد بن الوليد و قتله اختلف بنو أمية فيما بينهما و جاء الوعد و صدق من وعد به فإنه منذ قتل الوليد دعت دعاة بني العباس بخراسان و أقبل‏

183

مروان بن محمد من الجزيرة يطلب الخلافة فخلع إبراهيم بن الوليد و قتل قوما من بني أمية و اضطرب أمر الملك و انتشر و أقبلت الدولة الهاشمية و نمت و زال ملك بني أمية و كان زوال ملكهم على يد أبي مسلم و كان في بدايته أضعف خلق الله و أعظمهم فقرا و مسكنة و في ذلك تصديق قوله ع‏ ثم لو كادتهم الضباع لغلبتهم

184

*3474* 474 و من كلامه ع في مدح الأنصار

وَ قَالَ ع فِي مَدْحِ اَلْأَنْصَارِ هُمْ وَ اَللَّهِ رَبَّوُا اَلْإِسْلاَمَ كَمَا يُرَبَّى اَلْفِلْوُ مَعَ غَنَائِهِم بِأَيْدِيهِمُ اَلسِّبَاطِ وَ أَلْسِنَتِهِمُ اَلسِّلاَطِ (1) -. الفلو المهر و يروى بأيديهم البساط أي الباسطة و الأولى جمع سبط يعني السماح و قد يقال للحاذق بالطعن إنه لسبط اليدين يريد الثقافة و ألسنتهم السلاط يعني الفصيحة .

و قد تقدم القول في مدح الأنصار و لو لم يكن إلا

14- قول 14رسول الله ص فيهم إنكم لتكثرون عند الفزع و تقلون عند الطمع.

و لو لم يكن إلا ما قاله لعامر بن الطفيل فيهم لما قال له لأغزونك في كذا و كذا من الخيل يتوعده

14- 14فقال ع يكفي الله ذلك و أبناء قيلة .

لكان فخرا لهم و هذا عظيم جدا و فوق العظيم و لا ريب أنهم الذين أيد الله بهم الدين و أظهر بهم الإسلام بعد خفائه و لولاهم لعجز المهاجرون عن حرب قريش و العرب و عن حماية 14رسول الله ص و لو لا مدينتهم لم يكن للإسلام ظهر يلجئون عليه و يكفيهم فخرا

185

يوم خرج بهم 14رسول الله ص إلى قريش بعد انكسار أصحابه و قتل من قتل منهم و خرجوا نحو القوم و الجراح فيهم فاشية و دماؤهم تسيل و إنهم مع ذلك كالأسد الغراث تتواثب على فرائسها و كم لهم من يوم أغر محجل و قالت الأنصار لو لا 1علي بن أبي طالب ع في المهاجرين لأبينا لأنفسنا أن يذكر المهاجرون معنا أو أن يقرنوا بنا و لكن رب واحد كألف بل كألوف .

و قد تقدم ذكر الشعر المنسوب إلى الوزير المغربي و ما طعن به القادر بالله الخليفة العباسي في دينه بطريقه و كان الوزير المغربي يتبرأ منه و يجحده و قيل إنه وجدت مسودة بخطه فرفعت إلى القادر بالله .

و مما وجد بخطه أيضا و كان شديد العصبية للأنصار و لقحطان قاطبة على عدنان و كان ينتمي إلى الأزد أزد شنوءة قوله‏

إن الذي أرسى دعائم 14أحمد # و علا بدعوته على كيوان

أبناء قيلة وارثو شرف العلا # و عراعر الأقيال من قحطان

بسيوفهم يوم الوغى و أكفهم # ضربت مصاعب ملكه بجران‏ (1)

لو لا مصارعهم و صدق قراعهم # خرت عروش الدين للأذقان

فليشكرن 14محمد أسياف من # لولاه كان كخالد بن سنان .

و هذا إفراط قبيح و لفظ شنيع و الواجب أن يصان قدر النبوة عنه و خصوصا البيت الأخير فإنه قد أساء فيه الأدب و قال ما لا يجوز قوله و خالد بن سنان كان من بني عبس بن بغيض من قيس عيلان ادعى النبوة و قيل إنه كانت تظهر عليه آيات و معجزات ثم مات و انقرض دينه و دثرت دعوته و لم يبق إلا اسمه و ليس يعرفه كل الناس بل البعض منهم‏

____________

(1) يقال: ضرب البعير بجرانه: إذا برك.

186

*3475* 475 و من كلامه ع في أن اليقظة رباط الاست‏

وَ قَالَ ع: اَلْعَيْنُ وِكَاءُ اَلسَّتَهِ اَلسَّهِ . قال الرضي رحمه الله تعالى و هذه من الاستعارات العجيبة كأنه شبه السته بالوعاء و العين بالوكاء فإذا أطلق الوكاء لم ينضبط الوعاء و هذا القول في الأشهر الأظهر من كلام 14النبي ص و قد رواه قوم 1لأمير المؤمنين ع و ذكر ذلك المبرد في الكتاب المقتضب في باب اللفظ المعروف قال الرضي و قد تكلمنا على هذه الاستعارة في كتابنا الموسوم بمجازات الآثار النبوية (1) - المعروف أن هذا من كلام 14رسول الله ص ذكره المحدثون في كتبهم و أصحاب غريب الحديث في تصانيفهم و أهل الأدب في تفسير هذه اللفظة في مجموعاتهم اللغوية و لعل المبرد اشتبه عليه فنسبه إلى 1أمير المؤمنين ع و الرواية بلفظ التثنية

1- العينان وكاء السته.

و السته الاست .

187

و قد جاء في تمام الخبر

14- في بعض الروايات فإذا نامت العينان استطلق الوكاء.

و الوكاء رباط القربة فجعل العينين وكاء و المراد اليقظة للسته كالوكاء للقربة و منه

14- الحديث في اللقطة احفظ عفاصها و وكاءها و عرفها سنة فإن جاء صاحبها و إلا فشأنك بها.

و العفاص السداد و الوكاء السداد و هذه من الكنايات اللطيفة ـ

[فصل في ألفاظ الكنايات و ذكر الشواهد عليها]

و قد كنا قدمنا قطعة صالحة من الكنايات المستحسنة و وعدنا أن نعاود ذكر طرف منها و هذا الموضع موضعه فمن الكناية عن الحدث الخارج و هو الذي كنى عنه 1أمير المؤمنين ع أو 14رسول الله ص الكناية التي ذكرها يحيى بن زياد في شعره قيل إن يحيى بن زياد و مطيع بن إياس و حمادا الراوية جلسوا على شرب لهم و معهم رجل منهم فانحل وكاؤه فاستحيا و خرج و لم يعد إليهم فكتب إليه يحيى بن زياد

أ من قلوص غدت لم يؤذها أحد # إلا تذكرها بالرمل أوطانا

خان العقال لها فانبت إذ نفرت # و إنما الذنب فيها للذي خانا

منحتنا منك هجرانا و مقلية # و لم تزرنا كما قد كنت تغشانا

خفض عليك فما في الناس ذو إبل # إلا و أينقه يشردن أحيانا.

و ليس هذا الكتاب أهلا أن يضمن حكاية سخيفة أو نادرة خليعة فنذكر فيه ما جاء في هذا المعنى و إنما جرأنا على ذكر هذه الحكاية خاصة كناية 1أمير المؤمنين ع أو 14رسول الله ص عنها و لكنا نذكر كنايات كثيرة في غير هذا المعنى مستحسنة ينتفع القارئ بالوقوف عليها .

188

يقال فلان من قوم موسى إذا كان ملولا إشارة إلى قوله تعالى‏ وَ إِذْ قُلْتُمْ يََا مُوسى‏ََ لَنْ نَصْبِرَ عَلى‏ََ طَعََامٍ وََاحِدٍ (1) .

قال الشاعر

فيا من ليس يكفيه صديق # و لا ألفا صديق كل عام

أظنك من بقايا قوم موسى # فهم لا يصبرون على طعام.

و قال العباس بن الأحنف

كتبت تلوم و تستريث زيارتي # و تقول لست لنا كعهد العاهد

فأجبتها و دموع عيني سجم # تجري على الخدين غير جوامد

يا فوز لم أهجركم لملالة # عرضت و لا لمقال واش حاسد

لكنني جربتكم فوجدتكم # لا تصبرون على طعام واحد.

و يقولون للجارية الحسناء قد أبقت من رضوان قال الشاعر

جست العود بالبنان الحسان # و تثنت كأنها غصن بان

فسجدنا لها جميعا و قلنا # إذ شجتنا بالحسن و الإحسان

حاش لله أن تكوني من الإنس # و لكن أبقت من رضوان.

و يقولون للمكشوف الأمر الواضح الحال ابن جلا و هو كناية عن الصبح و منه ما تمثل به الحجاج

أنا ابن جلا و طلاع الثنايا # متى أضع العمامة تعرفوني‏ (2) .

و منه قول القلاخ بن حزن

____________

(1) سورة البقرة 61.

(2) الكامل 1: 224، و نسبه إلى سحيم بن وثيل الرياحي.

189

أنا القلاخ بن القلاخ ابن جلا .

و منه قولهم فلان قائد الجمل لأنه لا يخفى لعظم الجمل و كبر جثته و في المثل ما استتر من قاد جملا و قالوا كفى برغائها نداء و مثل هذا قولهم ما يوم حليمة بسر يقال ذلك في الأمر المشهور الذي لا يستر و يوم حليمة يوم التقى المنذر الأكبر و الحارث الغساني الأكبر و هو أشهر أيام العرب يقال إنه ارتفع من العجاج ما ظهرت معه الكواكب نهارا و حليمة اسم امرأة أضيف اليوم إليها لأنها أخرجت إلى المعركة مراكن الطيب فكانت تطيب بها الداخلين إلى القتال فقاتلوا حتى تفانوا .

و يقولون في الكناية عن الشيخ الضعيف قائد الحمار و إشارة إلى ما أنشده الأصمعي

آتي الندي فلا يقرب مجلسي # و أقود للشرف الرفيع حماري.

أي أقوده من الكبر إلى موضع مرتفع لأركبه لضعفي و مثل ذلك كنايتهم عن الشيخ الضعيف بالعاجن لأنه إذا قام عجن في الأرض بكفيه قال الشاعر

فأصبحت كنتيا و أصبحت عاجنا # و شر خصال المرء كنت و عاجن.

قالوا الكنتي الذي يقول كنت أفعل كذا و كنت أركب الخيل يتذكر ما مضى من زمانه و لا يكون ذلك إلا عند الهرم أو الفقر و العجز .

و مثله قولهم للشيخ راكع قال لبيد

أخبر أخبار القرون التي مضت # أدب كأني كلما قمت راكع‏ (1) .

و الركوع هو التطأطؤ و الانحناء بعد الاعتدال و الاستواء و يقال للإنسان إذا انتقل من الثروة إلى الفقر قد ركع قال‏

لا تهين الفقير علك أن تركع # يوما و الدهر قد رفعه‏ (2) .

____________

(1) ديوانه 171.

(2) للأضبط بن قريع السعدى، أمالي القالى 1: 108.

190

و في هذا المعنى قال الشاعر

ارفع ضعيفك لا يحر بك ضعفه # يوما فتدركه الحوادث قد نما (1)

يجزيك أو يثني عليك و إن من # يثني عليك بما فعلت فقد جزى.

و مثله أيضا

و أكرم كريما إن أتاك لحاجة # لعاقبة إن العضاه تروح.

تروح الشجر إذا انفطر بالنبت يقول إن كان فقيرا فقد يستغنى كما إن الشجر الذي لا ورق عليه سيكتسى ورقا و يقال ركع الرجل أي سقط .

و قال الشاعر

خرق إذا ركع المطي من الوجى # لم يطو دون رفيقه ذا المرود

حتى يئوب به قليلا فضله # حمد الرفيق نداك أو لم يحمد.

و كما يشبهون الشيخ بالراكع فيكنون به عنه كذلك يقولون يحجل في قيده لتقارب خطوه قال أبو الطمحان القيني

حنتني حانيات الدهر حتى # كأني خاتل أدنو لصيد

قريب الخطو يحسب من رآني # و لست مقيدا أني بقيد.

و نحو هذا قولهم للكبير بدت له الأرنب و ذلك أن من يختل الأرنب ليصيدها يتمايل في مشيته و أنشد ابن الأعرابي في النوادر

و طالت بي الأيام حتى كأنني # من الكبر العالي بدت لي أرنب.

و نحوه يقولون للكبير قيد بفلان البعير أي لا قوة ليده على أن يصرف البعير تحته على حسب إرادته فيقوده قائد يحمله حيث يريد .

____________

(1) للسموِّأل بن عادياء، ملحق ديوانه 53.

191

و من أمثالهم لقد كنت و ما يقاد بي البعير يضرب لمن كان ذا قوة و عزم ثم عجز و فتر .

و من الكنايا عن شيب العنفقة قولهم قد عض على صوفه .

و يكنون عن المرأة التي كبر سنها فيقولون امرأة قد جمعت الثياب أي تلبس القناع و الخمار و الإزار و ليست كالفتاة التي تلبس ثوبا واحدا .

و يقولون لمن يخضب يسود وجه النذير و قالوا في قوله تعالى‏ وَ جََاءَكُمُ اَلنَّذِيرُ (1) إنه الشيب و قال الشاعر

و قائلة لي اخضب فالغواني # تطير من ملاحظة القتير

فقلت لها المشيب نذير موتي # و لست مسودا وجه النذير.

و زاحم شاب شيخا في طريق فقال الشاب كم ثمن القوس يعيره بانحناء الظهر فقال الشيخ يا ابن أخي إن طال بك عمر فسوف تشتريها بلا ثمن .

و أنشد لابن خلف

تعيرني وخط المشيب بعارضي # و لو لا الحجول البلق لم تعرف الدهم

حنى الشيب ظهري فاستمرت مريرتي # و لو لا انحناء القوس لم ينفذ السهم.

و يقولون لمن رشا القاضي أو غيره صب في قنديله زيتا و أنشد

و عند قضاتنا خبث و مكر # و زرع حين تسقيه يسنبل

إذا ما صب في القنديل زيت # تحولت القضية للمقندل.

و كان أبو صالح كاتب الرشيد ينسب إلى أخذ الرشا و كان كاتب أم جعفر .

____________

(1) سورة فاطر 37.

192

و هو سعدان بن يحيى كذلك فقال لها الرشيد يوما أ ما سمعت ما قيل في كاتبك قالت ما هو فأنشدها

صب في قنديل سعدان # مع التسليم زيتا (1)

و قناديل بنيه # قبل أن تخفى الكميتا.

قالت فما قيل في كاتبك أشنع و أنشدته‏

قنديل سعدان علا ضوءه # فرخ لقنديل أبي صالح‏ (2)

تراه في مجلسه أحوصا # من لمحه للدرهم اللائح.

و يقولون لمن طلق ثلاثا قد نحرها بمثلثه .

و يقولون أيضا أعطاها نصف السنة .

و يقولون لمن يفخر بآبائه هو عظامي و لمن يفخر بنفسه هو عصامي إشارة إلى قول النابغة في عصام بن سهل حاجب النعمان

نفس عصام سودت عصاما # و علمته الكر و الإقداما (3)

و جعلته ملكا هماما.

و أشار بالعظامي إلى فخره بالأموات من آبائه و رهطه و قال الشاعر

إذا ما الحي عاش بعظم ميت # فذاك العظم حي و هو ميت.

و نحو هذا أن عبد الله بن زياد بن ظبيان التميمي دخل على أبيه و هو يجود بنفسه فقال أ لا أوصي بك الأمير فقال إذا لم يكن للحي إلا وصية الميت فالحي هو الميت و يقال إن عطاء بن أبي سفيان قال ليزيد بن معاوية أغنني عن غيرك قال

____________

(1) ثمار القلوب....

(2) ثمار القلوب....

(3) العقد الثمين، ملحق ديوانه 175.

193

حسبك ما أغناك به معاوية قال فهو إذن الحي و أنت الميت و مثل قولهم عظامي قولهم خارجي أي يفخر بغير أولية كانت له قال كثير لعبد العزيز

أبا مروان لست بخارجي # و ليس قديم مجدك بانتحال.

و يكنون عن العزيز و عن الذليل أيضا فيقولون بيضة البلد فمن يقولها للمدح يذهب إلى أن البيضة هي الحوزة و الحمى يقولون فلان يحمي بيضته أي يحمي حوزته و جماعته و من يقولها للذم يعني أن الواحدة من بيض النعام إذا فسدت تركها أبواها في البلد و ذهبا عنها قال الشاعر في المدح‏

لكن قائله من لا كفاء له # من كان يدعى أبوه بيضة البلد (1) .

و قال الآخر في الذم‏

تأبى قضاعة لم تعرف لكم نسبا # و ابنا نزار فأنتم بيضة البلد (2) .

و يقولون للشي‏ء الذي يكون في الدهر مرة واحدة هو بيضة الديك قال بشار

يا أطيب الناس ريقا غير مختبر # إلا شهادة أطراف المساويك‏ (3)

قد زرتنا زورة في الدهر واحدة # ثني و لا تجعليها بيضة الديك.

و يكنون عن الثقيل بالقذى في الشراب قال الأخطل يذكر الخمر و الاجتماع عليها

و ليس قذاها بالذي قد يضيرها # و لا بذباب نزعه أيسر الأمر (4)

و لكن قذاها كل جلف مكلف # أتتنا به الأيام من حيث لا ندري

____________

(1) من أبيات لامرأة من بنى عامر بن لؤى، ترثى عمرو بن ود، اللسان (بيض) .

(2) اللسان (بيض) و نسبه إلى ابن الرقاع.

(3) من أمالي القالى 1: 228.

(4) كنايات الجرجانى 111.

194

فذاك القذى و ابن القذى و أخو القذى # فإن له من زائر آخر الدهر

و يكنون أيضا عنه بقدح اللبلاب قال الشاعر

يا ثقيلا زاد في الثقل # على كل ثقيل‏ (1)

أنت عندي قدح اللبلاب # في كف العليل.

و يكنون عنه أيضا بالقدح الأول لأن القدح الأول من الخمر تكرهه الطبيعة و ما بعده فدونه لاعتياده قال الشاعر

و أثقل من حضين باديا # و أبغض من قدح أول.

و يكنون عنه بالكانون قال الحطيئة يهجو أمه‏

تنحي فاقعدي عني بعيدا # أراح الله منك العالمينا (2)

أ غربالا إذا استودعت سرا # و كانونا على المتحدثينا.

قالوا و أصله من كننت أي سترت فكأنه إذا دخل على قوم و هم في حديث ستروه عنه و قيل بل المراد شدة برده .

و يكنون عن الثقيل أيضا برحى البزر قال الشاعر

و أثقل من رحى بزر علينا # كأنك من بقايا قوم عاد (3) .

و يقولون لمن يحمدون جواره جاره جار أبي دواد و هو كعب بن مامة الإيادي كان إذا جاوره رجل فمات وداه و إن هلك عليه شاة أو بعير أخلف عليه فجاوره أبو دواد الإيادي فأحسن إليه فضرب به المثل .

و مثله قولهم هو جليس قعقاع بن شور و كان قد قدم إلى معاوية فدخل عليه و المجلس غاص بأهله ليس فيه مقعد فقام له رجل من القوم و أجلسه مكانه فلم

____________

(1) كنايات الجرجانى 111.

(2) ديوانه 61.

(3) كنايات الجرجانى 111.

195

يبرح القعقاع من ذلك الموضع يكلم معاوية و معاوية يخاطبه حتى أمر له بمائة ألف درهم فأحضرت إليه فجعلت إلى جانبه فلما قام قال للرجل القائم له من مكانه ضمها إليك فهي لك بقيامك لنا عن مجلسك فقيل فيه‏

و كنت جليس قعقاع بن شور # و لا يشقى بقعقاع جليس‏ (1)

ضحوك السن إن نطقوا بخير # و عند الشر مطراق عبوس.

أخذ قوله و لا يشقى بقعقاع جليس من

14- قول 14النبي ص هم القوم لا يشقى بهم جليسهم.

و يكنون عن السمين من الرجال بقولهم هو جار الأمير و ضيف الأمير و أصله أن الغضبان بن القبعثرى كان محبوسا في سجن الحجاج فدعا به يوما فكلمه فقال له في جملة خطابه إنك لسمين يا غضبان فقال القيد و الرتعة و الخفض و الدعة و من يكن ضيف الأمير يسمن .

و يكني الفلاسفة عن السمين بأنه يعرض سور حبسه و ذلك أن أفلاطون رأى رجلا سمينا فقال يا هذا ما أكثر عنايتك بتعريض سور حبسك .

و نظر أعرابي إلى رجل جيد الكدنة (2) فقال أرى عليك قطيفة محكمة قال نعم ذاك عنوان نعمة الله عندي .

و يقولون للكذاب هو قموص الحنجرة و أيضا هو زلوق الكبد و أيضا لا يوثق بسيل بلقعه و أيضا أسير الهند لأنه يدعي أنه ابن الملك و إن كان من أولاد السفلة .

و يكنى عنه أيضا بالشيخ الغريب لأنه يحب أن يتزوج في الغربة فيدعي أنه ابن خمسين سنة و هو ابن خمس و سبعين .

____________

(1) كنايات الجرجانى 111.

(2) الكدنة: كثرة الشحم و اللحم.

196

و يقولون هو فاختة البلد من قول الشاعر

أكذب من فاختة # تصيح فوق الكرب‏ (1)

و الطلع لم يبد لها # هذا أوان الرطب.

و قال آخر في المعنى‏

حديث أبي حازم كله # كقول الفواخت جاء الرطب‏ (1)

و هن و إن كن يشبهنه # فلسن يدانينه في الكذب.

و يكنون عن النمام بالزجاج لأنه يشف على ما تحته قال الشاعر

أنم بما استودعته من زجاجة # يرى الشي‏ء فيها ظاهرا و هو باطن.

و يكنون عنه بالنسيم من قول الآخر

و إنك كلما استودعت سرا # أنم من النسيم على الرياض.

و يقولون إنه لصبح و إنه لطيب كله في النمام و يقولون ما زال يفتل له في الذروة و الغارب حتى أسمحت قرونته و هي النفس و الذروة أعلى السنام و الغارب مقدمه .

و يقولون في الكناية عن الجاهل ما يدري أي طرفيه أطول قالوا ذكره و لسانه و قالوا هل نسب أبيه أفضل أم نسب أمه .

و مثله لا يعرف قطانه من لطانه أي لا يعرف جبهته مما بين وركيه .

و قالوا الحدة كنية الجهل و الاقتصاد كنية البخل و الاستقصاء كنية الظلم .

____________

(1) الكنايات للجرجانى 112.

197

و قالوا للجائع عضه الصفر و عضه شجاع البطن .

و قال الهذلي

أرد شجاع البطن قد تعلمينه # و أوثر غرثى من عيالك بالطعم‏ (1)

مخافة أن أحيا برغم و ذلة # و للموت خير من حياة على رغم.

و يقولون زوده زاد الضب أي لم يزوده شيئا لأن الضب لا يشرب الماء و إنما يتغذى بالريح و النسيم و يأكل القليل من عشب الأرض .

و قال ابن المعتز

يقول أكلنا لحم جدي و بطة # و عشر دجاجات شواء بألبان‏ (2)

و قد كذب الملعون ما كان زاده # سوى زاد ضب يبلع الريح عطشان.

و قال أبو الطيب

لقد لعب البين المشت بها و بي # و زودني في السير ما زود الضبا (3) .

و يقولون للمختلفين من الناس هم كنعم الصدقة و هم كبعر الكبش قال عمرو بن لجأ

و شعر كبعر الكبش ألف بينه # لسان دعي في القريض دخيل‏ (4) .

و ذلك لأن بعر الكبش يقع متفرقا .

و قال بعض الشعراء لشاعر آخر أنا أشعر منك لأني أقول البيت و أخاه و تقول البيت و ابن عمه فأما قول جرير في ذي الرمة إن شعره‏

بعر ظباء و نقط عروس‏

فقد فسره الأصمعي فقال يريد أن شعره حلو أول ما تسمعه فإذا كرر إنشاده ضعف لأن أبعار الظباء أول ما تشم توجد لها رائحة ما أكلت من الجثجاث و الشيح

____________

(1) لأبى خراش الهذلى، ديوان الهذليين 2: 128.

(2) كنايات الجرجانى 115.

(3) ديوانه ا: 60.

(4) كنايات الجرجانى 117.

198

و القيصوم فإذا أدمت شمها عدمت تلك الرائحة و نقط العروس إذا غسلتها ذهبت .

و يقولون أيضا للمختلفين أخياف و الخيف سواد إحدى العينين و زرق الأخرى و يقولون فيهم أيضا أولاد علات كالإخوة لأمهات شتى و العلة الضرة .

و يقولون فيهم خبز كتاب لأنه يكون مختلفا قال شاعر يهجو الحجاج بن يوسف

أ ينسى كليب زمان الهزال # و تعليمه سورة الكوثر (1)

رغيف له فلكة ما ترى # و آخر كالقمر الأزهر.

و مثله‏

أ ما رأيت بني سلم وجوههم # كأنها خبز كتاب و بقال‏ (2) .

و يقال للمتساوين في الرداءة كأسنان الحمار قال الشاعر

سواء كأسنان الحمار فلا ترى # لذي شيبة منهم على ناشئ فضلا (2) .

و قال آخر

شبابهم و شيبهم سواء # فهم في اللؤم أسنان الحمار (3) .

و أنشد المبرد في الكامل لأعرابي يصف قوما من طيئ بالتساوي في الرداءة

و لما أن رأيت بني جوين # جلوسا ليس بينهم جليس‏ (3)

يئست من الذي أقبلت أبغي # لديهم إنني رجل يئوس

إذا ما قلت أيهم لأي # تشابهت المناكب و الرءوس.

قال فقوله ليس بينهم جليس هجاء قبيح يقول لا ينتجع الناس معروفهم

____________

(1) سرح العيون 170 و كنايات الجرجانى 118.

(2) كنايات الجرجانى 121.

(3) الكامل 1: 172، و نسبه إلى أعرابى من طيئ.

199

فليس بينهم غيرهم و يقولون في المتساويين في الرداءة أيضا هما كحماري العبادي قيل له أي حماريك شر قال هذا ثم هذا و يقال في التساوي في الشر و الخير هم كأسنان المشط و يقال وقعا كركبتي البعير و كرجلي النعامة .

و قال ابن الأعرابي كل طائر إذا كسرت إحدى رجليه تحامل على الأخرى إلا النعام فإنه متى كسرت إحدى رجليه جثم فلذلك قال الشاعر يذكر أخاه‏

و إني و إياه كرجلي نعامة # على ما بنا من ذي غنى و فقير (1) .

و قال أبو سفيان بن حرب لعامر بن الطفيل و علقمة بن علاثة و قد تنافرا إليه أنتما كركبتي البعير فلم ينفر واحدا منهما فقالا فأينا اليمنى فقال كل منكما يمنى .

و سأل الحجاج رجلا عن أولاد المهلب أيهم أفضل فقال هم كالحلقة الواحدة .

و سئل ابن دريد عن المبرد و ثعلب فأثنى عليهما فقيل فابن قتيبة قال ربوة بين جبلين أي خمل ذكره بنباهتهما .

و يكنى عن الموت بالقطع عند المنجمين و عن السعاية بالنصيحة عند العمال و عن الجماع بالوطء عند الفقهاء و عن السكر بطيب النفس عند الندماء و عن السؤال بالزوار عند الأجواد و عن الصدقة بما أفاء الله عند الصوفية .

و يقال للمتكلف بمصالح الناس إنه وصي آدم على ولده و قد قال شاعر في هذا الباب‏

فكأن آدم عند قرب وفاته # أوصاك و هو يجود بالحوباء

ببنيه أن ترعاهم فرعيتهم # و كفيت آدم عيلة الأبناء.

و يقولون فلان خليفة الخضر إذا كان كثير السفر قال أبو تمام

____________

(1) كنايات الجرجانى 119.

200

خليفة الخضر من يربع على وطن # أو بلدة فظهور العيس أوطاني‏ (1)

بغداد أهلي و بالشام الهوى و أنا # بالرقتين و بالفسطاط إخواني

و ما أظن النوى ترضى بما صنعت # حتى تبلغ بي أقصى خراسان .

و يقولون للشي‏ء المختار المنتخب هو ثمرة الغراب لأنه ينتفي خير الثمر .

و يقولون سمن فلان في أديمه كناية عمن لا ينتفع به أي ما خرج منه يرجع إليه و أصله أن نحيا (2) من السمن انشق في ظرف من الدقيق فقيل ذلك قال الشاعر

ترحل فما بغداد دار إقامة # و لا عند من أضحى ببغداد طائل‏ (2)

محل ملوك سمنهم في أديمهم # و كلهم من حلية المجد عاطل

فلا غرو أن شلت يد المجد و العلى # و قل سماح من رجال و نائل

إذا غضغض البحر الغطامط ماءه # فليس عجيبا أن تغيض الجداول‏ (3) .

و يقولون لمن لا يفي بالعهد فلان لا يحفظ أول المائدة لأن أولها يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (4) .

و يقولون لمن كان حسن اللباس و لا طائل عنده هو مشجب و المشجب خشبة القصار التي يطرح الثياب عليها قال ابن الحجاج

لي سادة طائر السرور بهم # يطرده اليأس بالمقاليع‏ (5)

مشاجب للثياب كلهم # و هذه عادة المشاقيع

جائزتي عندهم إذا سمعوا # شعري هذا كلام مطبوع

____________

(1) ديوانه 3: 308، 310.

(2) كنايات الجرجانى 120، و نسبها إلى أبى العالية.

(3) بحر غطامط: كثير الأمواج.

(4) سورة المائدة 1.

(5) كنايات الجرجانى 121.

201

و إنهم يضحكون إن ضحكوا # مني و أبكي أنا من الجوع

و قال آخر

إذا لبسوا دكن الخزوز و خضرها # و راحوا فقد راحت عليك المشاجب‏ (1) .

و روي أن كيسان غلام أبي عبيدة وفد على بعض البرامكة فلم يعطه شيئا فلما وافى البصرة قيل له كيف وجدته قال وجدته مشجبا من حيث ما أتيته وجدته .

و يكنون عن الطفيلي فيقولون هو ذباب لأنه يقع في القدور قال الشاعر

أتيتك زائرا لقضاء حق # فحال الستر دونك و الحجاب‏ (2)

و لست بواقع في قدر قوم # و إن كرهوا كما يقع الذباب.

و قال آخر

و أنت أخو السلام و كيف أنتم # و لست أخا الملمات الشداد (3)

و أطفل حين يجفى من ذباب # و ألزم حين يدعى من قراد.

و يكنون عن الجرب بحب الشباب قال الوزير المهلبي

يا صروف الدهر حسبي # أي ذنب كان ذنبي‏ (3)

علة خصت و عمت # في حبيب و محب

دب في كفيه يا من # حبه دب بقلبي

فهو يشكو حر حب # و شكاتي حر حب.

و يكنون عن القصير القامة بأبي زبيبة و عن الطويل بخيط باطل و كانت كنية مروان بن الحكم لأنه كان طويلا مضطربا قال فيه الشاعر

لحا الله قوما أمروا خيط باطل # على الناس يعطي من يشاء و يمنع‏ (3) .

و في خيط باطل قولان أحدهما أنه الهباء الذي يدخل من ضوء الشمس في الكوة

____________

(1) لدعبل، ديوانه 22.

(2) كنايات الجرجانى 122، و نسبه لابن أبي عيينة.

(3) كنايات الجرجانى 122.

202

من البيت و تسميه العامة غزل الشمس و الثاني أنه الخيط الذي يخرج من في العنكبوت و تسميه العامة مخاط الشيطان .

و تقول العرب للملقو (1) لطيم الشيطان .

و كان لقب عمرو بن سعيد الأشدق لأنه كان ملقوا .

و قال بعضهم لآخر ما حدث قال قتل عبد الملك عمرا فقال قتل أبو الذبان لطيم الشيطان وَ كَذََلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ اَلظََّالِمِينَ بَعْضاً بِمََا كََانُوا يَكْسِبُونَ .

و يقولون للحزين المهموم يعد الحصى و يخط في الأرض و يفت اليرمع‏ (2) قال المجنون‏

عشية ما لي حيلة غير أنني # بلقط الحصى و الخط في الدار مولع‏ (3)

أخط و أمحو كل ما قد خططته # بدمعي و الغربان حولي وقع.

و هذا كالنادم يقرع السن و البخيل ينكت الأرض ببنانه أو بعود عند الرد قال الشاعر

عبيد إخوانهم حتى إذا ركبوا # يوم الكريهة فالآساد في الأجم‏ (4)

يرضون في العسر و الإيسار سائلهم # لا يقرعون على الأسنان من ندم.

و قال آخر في نكت الأرض بالعيدان‏

قوم إذا نزل الغريب بدارهم # تركوه رب صواهل و قيان

لا ينكتون الأرض عند سؤالهم # لتطلب العلات بالعيدان.

و يقولون للفارغ فؤاد أم موسى .

____________

(1) الملقو: المصاب باللقوة، و هو مرض يعرض للوجه فيميله إلى أحد جانبيه.

(2) اليرمع: الحجارة الرخوة.

(3) ديوانه 188.

(4) كنايات الجرجانى، و نسبه إلى عمر بن أميّة بن أبي الصلت.