تعريب كامل البهائي - ج1

- عماد الدين الطبري‏ المزيد...
570 /
53

و الفسّاق و الكفّار الذين جاء ذكرهم في القرآن هؤلاء جميعا قدماء، «سبحانك هذا بهتان عظيم».

الفصل الثالث‏

و أكثر أهل السنّة و الجماعة يثبتون الرؤية، و يرون مشاهدة اللّه بالعين الباصرة جائزة.

و الجواب عنه: قال الشيعة: إنّ سلامة الرؤية مرتبطة بسلامة العين و سلامة المرئي، و رفع الحجاب عنه، و اليوم هذه الشروط الثلاثة متوفّرة، فلو كان اللّه يرى لرأيناه اليوم، و حيث لا نراه اليوم فهو دليل على استحالة رؤيته.

و لو جازت الرؤية عليه لا يخلو من كونه جسما أو جوهرا أو عرضا، و هذا محال لأنّ هذه حادثة و هو قديم، و قال اللّه سبحانه كذلك: لَنْ تَرانِي وَ لكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ‏ (1)، فكيف لم يره موسى على عظمته و جلالة قدره و رتبة نبوّته، و يراه الجاهل؟

سؤال: و ربّما قيل: إذا كانت الرؤية ممتنعة فكيف طلبها موسى من ربّه، فقال:

أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ‏ (2)، و الأنبياء لا يسألون المحال؟

و الجواب عنه: إنّ موسى كان مضطرّا بسؤاله الرؤية، كما قال تعالى: يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى‏ أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ (3)، و لو كانت الرؤية تحصل بالسؤال لم يهلكهم اللّه بالصاعقة

____________

(1) الأعراف: 143.

(2) الأعراف: 143.

(3) النساء: 153.

54

و لم يقل: فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى‏ أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ‏.

و للشيعة دليلان على عدم الرؤية: عقليّ و نقليّ، و أمّا أهل السنّة فقد تمسّكوا بالنقل وحده فتعارض النقلان ما لنا و ما لهم، و ترجّح ما عندنا عليهم لوجود الحجّة العقليّة عندنا و عدم وجودها عندهم. ثمّ إنّ الدليل النقليّ لا يعدو التأويل.

و أظهر دليل على امتناع الرؤية قوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ (1).

أضف إلى ذلك أنّه لو أمكنت رؤيته فلا تمكن بالكيفيّة، و لو عدم الكيفيّة لم يكن مشاهدا مرئيّا، و الكيف محدث.

و بناءا على ما تقدّم: فلو أمكنت رؤيته لكان أحدهما معرضا على الآخر، فلو أعرض اللّه عن عبده فويل لذلك العبد، و لو أعرض العبد عن ربّه فهو الكفر بعينه.

الفصل الرابع‏

و أكثر أهل السنّة لا يقولون بالعدل كما يقولون: إنّ اللّه تعالى يجوز أن يكلّف عبده بما لا يطاق، و أمر أبا جهل و هو لا يريده، و ليس من المستحيل أن يسلب الإيمان من المؤمن عند موته و يعطيه الكفر ... كما لا يستحيل أن يسوق المؤمن يوم القيامة إلى النار و الكافر إلى الجنّة، و لا يقولون بالحسن و القبح العقليّين و إنّما يعرف ذلك بالنقل، و فعل اللّه خال من الحكمة، و أمثال هذه الطامّات.

و الجواب عنه: يقول الشيعة: إنّ اللّه لا يكلّف بما لا يطاق، و العقلاء يقبّحون القبيح لقبحه بالضرورة كتكليف الأعمى بتنقيط المصاحف على الدقّة، و أمر الإنسان بالطيران في الهواء.

____________

(1) الأنعام: 103.

55

و مع هذا فإنّ نفي التكليف بما لا يطاق ورد سمعا من اللّه تعالى حيث يقول:

لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها (1)، و قال: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ (2)، و قال تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَ خُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً (3)، و لهذه نظائر جمّة.

مسألة: و لمّا كان التلبيس و التعمية ممتنعين على اللّه تعالى فلا يصحّ أن يأمر عبده بالإيمان و هو لا يريده، و لو صحّ لكان أبو جهل ممدوحا على كفره و يستحقّ المثوبة على ترك الإيمان، لأنّ ما فعله ما هو إلّا الامتثال لأمر اللّه، فلو عذّبه اللّه بالنار لكان ظالما له على مذهبهم، و له أن يخاطب ربّه يوم القيامة: يا ربّ، إنّك أردت الكفر منّي ففعلته فلم تعذّبني بنارك؟! «سبحانك هذا بهتان عظيم على اللّه».

و يقال أيضا: كيف يجوز على اللّه تعالى أن يبعث نبيّا مثل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) و معه كتاب كالقرآن و فيه الأوامر و النواهي و كلاهما كذب لأنّهما أنزلهما و هو لا يريد هما و لا يريد ما قاله الرسول الذي أمر باتّباعه أو ورد في القرآن؟! «نعوذ باللّه من هذا الاعتقاد».

مسألة: و لو جاز أن يسلب العبد إيمانه عند الموت فهو الظلم الصريح، و الجور القبيح، فكيف يستساغ أن يرسل اللّه تعالى مأة ألف نبيّ و أربعة و عشرين ألفا و مع مأة كتاب و أربع كتب منها عشرة مع آدم الصفي، و خمسون مع هبة اللّه شيث ابن آدم، و ثلاثون مع إدريس و هو أوّل من تعلّم الكتابة، و عشر مع إبراهيم، و ينزل التوراة على موسى، و الإنجيل على عيسى، و الزبور على داود، و الفرقان على‏

____________

(1) البقرة: 286.

(2) البقرة: 185.

(3) النساء: 28.

56

محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)، و قال في هذه الكتب كلّها: آمنوا بي لأدخلكم الجنّة، فآمن المكلّف المسكين رجاء أن يدخل الجنّة و ينال الثواب الأبدي، و جاهد في سبيل الحقّ سنين عددا، و حارب الشيطان و عبد الرحمان بناءا على ما وعده اللّه و طمعا بثوابه فكيف يجوز على اللّه خلف الوعد و يكذّب هذه الكتب كلّها و يردّ دعوى أنبيائه و رسله فيسلب عبده وقت الموت إيمانه و يهبه لآخر غيره، و ربّما كان هذا الغير مشركا باللّه سنيّه كلّها، عاصيا لربّه، فيكذّب الكتب المنزلة و من أنزلت عليهم من الرسل؟!

انصفوا أيّها العقلاء، أيّ فاسق يرضى بهذا؟ و أيّ ظلم أظهر من هذا الظلم؟

حاشاه من ذلك، سبحانه و تعالى عمّا يقولون علوّا كبيرا.

قال سحرة فرعون لفرعون: إذا نحن غلبنا موسى ألنا أجر عندك؟ قال: بلى، و ذلك قوله تعالى: أَ إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ* قالَ نَعَمْ وَ إِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ‏ (1)، فالعجب كلّ العجب من عبيد فرعون المجازيين يتمنّون نيل الخير منه، و أنزلوا الثقة بفرعون، و راحوا يتمنّون عليه و هم يصدّقونه، و عبيد اللّه الحقيقيّون يرون اللّه يكذب عليهم!!

مسألة: ما يقولون من عدم معرفة الحسن و القبح بالعقل قول باطل.

اعلم أنّ البراهمة و نظائرهم المنكرين للشرع و المكذّبين للرسل يحكمون بحسن المحسنات و قبح المقبّحات، مع أنّهم ليس لهم سماعيّات و لا نقليّات و لكنّ العقلاء على العموم يعرفون القبح في ضرب شخص ليخرج من كونه إنسانا، أو ليكون جمادا، أو ليترك النفس في الهواء، أو يخرج من ملك اللّه، أو يزيل جبل أحد من مكانه، أو ماء البحر الأبيض المتوسّط بكفّه بالضرورة. كذلك يعرفون حسن شكر المنعم و برّ الوالدين و قضاء حاجة المحتاج.

____________

(1) الشعراء: 41 و 42.

57

مسألة: لو كانت أفعال اللّه من غير غرض معتدّ به لجرّ ذلك إلى العبث و هو يستحيل على الحكيم، و قال تعالى: ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ‏ (1)، و قال تعالى: وَ ما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ‏ (2) و أمثال هذه الآيات و الأخبار، كذلك ما بيّنه الحديث القدسي: كنت كنزا مخفيّا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لكي أعرف.

الفصل الخامس‏

ما يقال عن الأكثر من أهل السنّة جبريّ و قدريّ بناءا على أنّهم سلبوا الاختيار من العبد و ما يفعله العبد من خير أو شرّ فهو من اللّه، و الظلم و الشرك و المعاصي كلّها و الزنا و اللواط و شرب الخمر و قتل المؤمنين و الفاسقين و نواهي العالم كلّما ما هي إلّا بمشيئة اللّه تعالى و إرادته، و جرى التقدير على هذا، و لا يجري غيره و ما يصدر من المؤمن و الكافر بتقدير حكم اللّه عليها، و لا يقدران على التغيير.

و الجواب عنه: و الشيعة يقولون بأنّ العبد فاعل مختار في ما يفعله من خير و شرّ، من الطاعة و المعصية و الإباحة، و هذا ضروريّ لا يحتاج إلى دليل. و لو لم يكن مختارا لما استحقّ المدح أو الذمّ على فعله، ألا ترى لا يمدح زيد بفعل عمر و لا يذمّ، و لمّا كان المدح و الذمّ على الفعل عائدا إلينا كان عود الفعل علينا أيضا.

و أيضا: لو لم يكن العبد فاعلا مختارا لبطل الأمر و النهي و وعيد الأنبياء و إنزال الكتب و الجنّة و النار و التماس الفعل و الترك و طلب عمل و استدعاء عامل و قضاء الحاجة و ما شابه ذلك، كان جميعه عبثا و كذبا و خال من الحكمة، و حاشا اللّه من‏

____________

(1) الذاريات: 56.

(2) البيّنة: 5.

58

ذلك، و كيف يجوز على اللّه أن يدخل عبدا النار بذنب غيره؟!

حكاية: يحكى عن محمّد بن سليمان و هو من ملوك بني أميّة. و كان المجبّرة دائموا النقص عليه و القدح فيه أمام محمّد بن سليمان و كان مجبّرا مثلهم، و ذات يوم اجتمع المجبّرة عنده و رجوه أن يحضر ذلك العالم الشيعيّ حتّى يحاججوه و يفلجوا حجّته، و قالوا: إنّه يطعن في مذهبك و يقبّحه و أنت سلطان الوقت، و يكفّر علماء الإسلام و يضلّلهم، و يراك مخطئا بقبولك هذا المذهب، و يرى ملوك بني أميّة كلّهم فسّاقا فجّارا.

فأمر محمّد بن سليمان بإحضاره، فلمّا حضر بالغ في تهديده و توبيخه، و قال له في ختام كلامه معه: أنت القائل بأنّ العبد فاعل مختار، و ليس فعله بتقدير من اللّه؟!

فقال الشيعيّ: أيّها الأمير، ائذن لي بقول كلمة واحدة قبل إصدار أمرك.

فقال: قد أذنت لك.

فقال العالم الشيعيّ: افترض أيّها الأمير أنّني و صاحبا لي كنّا ليلا عندك و كنت عند صاحبتك فلانة التي تهواها و سمرت عندها، فلمّا أصبح الصباح عمدت أنا في السوق إلى ذكر محاسنك و عدلك و عفّتك و طهرك و كتمت ما رأيته منك من الزنا و الفواحش و المكر و الخديعة و الظلم، و أمّا صاحبي فقد فضح أمرك و شهّر بك بين الناس و أفشى سرّك، فأسألك باللّه أيّ منّا نحن الاثنين تحبّه دون صاحبه؟

قال: أحبّك أنت الذي كتمت سرّي و أأمر بإكرامك.

فقال الشيعيّ: أنت صاحب الكبائر الذي ارتكبت هذا كلّه لا ترضى أن أفضحك و أكشف أمرك و أبوح بسرّك، و اللّه المنزّه عن هذا كلّه: وَ لا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً (1) أعني كيف يرضى الكريم الغني أّينسب إليه شرك أهل العالم كلّهم و كفر بني‏

____________

(1) الكهف: 49.

59

آدم و معاصي الفسّاق و الأجلاف و أولاد الزنا و قتل الأنبياء و الأوصياء من لدن آدم إلى انقراض العالم؟!

ثمّ قال: يا أمير، هذا هو مذهب إبليس: بِما أَغْوَيْتَنِي‏ (1).

فهزم المجبّرة الحاضرون شرّ هزيمة، فأكرم الأمير العالم الشيعي الإكرام الذي يستحقّه و أجازه جائزة سنيّة، و قال: إذهب آمنا و لا تطعن على الأمير فإنّك لا تسلم من العتاب.

حكاية: يقول أبو بكر طاهر بن الحسين السمّان: دعى مجبّر مجوسيّا إلى الإسلام، فقال المجوسيّ: ليس الأمر لي، يريد أنّه غير مختار ليترك أو يفعل إنّما قضى اللّه عليه هذا و قدّره. فقال الجبري: صدقت يا مجوسي.

و روي أيضا أنّه كان لعبد اللّه بن داود مولى و كان عبد اللّه علما من أعلام زمانه، فقرأ قارئ في مجلسه قوله تعالى: ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ‏ (2) و كان المولى عالما بمذهب الجبر، فقال: هو الذي منعه من السجود، و لو قال إبليس ذلك لكان صادقا و قد أخطأ إبليس الحجّة، و لو كانت أنا حاضرا لقلت له أنت منعته.

و كان في المجلس شيعيّ، فقال: ألا تستحي أيّها الرجل من ربّك! تحتجّ لإبليس عليه و إبليس مع ما هو عليه من الشيطنة لم يحتجّ بها لنفسه، بعدا لك و سحقا، فانقطع الجبريّ و سكت.

و قال أبو بكر أيضا: سأل عدليّ جبريّ: هل الزنا خير أو تركه؟ فقال الجبريّ:

بل الزنا خير. فقال العدليّ: لم ذلك؟!

فقال الجبريّ: لأنّ اللّه قضى عليه و قضاء اللّه خير.

____________

(1) الحجر: 39.

(2) ص: 75.

60

فقال العدليّ: ويلك يا جبريّ، أتقول الكفر خير من الإيمان و الزنا خير من الإحصان؟!

أيّها العاقل، فهذا هو مذهب القوم، الكفر لأبي جهل خير من الإيمان لأنّه أطاع اللّه بكفره، فلو آمن لكان خلاف مشيئة اللّه تعالى، و العجب كلّ العجب أن يقاد إلى النار بعد هذه الطاعة.

أحلف باللّه الذي لا يموت بأنّي سمعت من علماء المجبّرة يقولون: إبليس خير من آدم لأنّ إبليس انقاد إلى إرادة اللّه و عمل آدم خلاف إرادته، و إنّ موسى لمّا دعا إبليس تاب إبليس و لكنّه لم يقبل توبته، فكان إبليس مطيعا و موسى عاصيا، نعوذ باللّه من هذا المذهب.

و أمّا الأخبار الواردة في هذا الباب فقد روى الشيخ الفقيه الزاهد أبو بكر بن الحسين بن عليّ السمّان عن الحسن البصريّ عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): لن يلقى العبد ربّه بذنب أعظم من الإشراك باللّه، و أن يعمل بمعصية ثمّ يزعم أنّها من اللّه.

و عن أنس بن مالك عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): لا تقوم الساعة حتّى يحمل على اللّه كلّ ذنب عصي به.

و عنه عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: سمعت رسول اللّه يقول: سيأتي قوم يعملون و يقولون: هي من عند اللّه، فإذا رأيتموهم فكذّبوهم فكذّبوهم فكذّبوهم- ثلاث مرّات-.

و عن أنس عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): إنّه كان يذكّرنا في آخر الزمان من الشدّة و الظلم، قال: إذا كان ذلك نشأ نشو، يعملون بالمعاصي ثمّ يزعمون أنّها من اللّه، عليهم لحق اللعنة و عليهم تقوم الساعة ...

و عن الحسن أنّه قرأ: وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ‏

61

مُسْوَدَّةٌ (1)، فقال: هم المجوس و اليهود و النصارى و ناس من هذه الأمّة زعموا أنّ اللّه قدّر عليهم المعاصي و عذّبهم عليها و كذبوا و أثموا على اللّه، و اللّه تعالى يسوّد وجوههم لذلك.

روي عن أبي الشعثاء أنّ لصّا اجتاز بابن عبّاس، فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: قدّر عليّ. فقال ابن عبّاس: كلمته أشدّ من سرقته، يحمل ذنبه على اللّه.

و روى الزهري عن مولانا حجّة اللّه على الخلق عليّ بن الحسين زين العابدين (عليهما السلام) أنّ سارقا مرّ بحلقة عبد اللّه بن عبّاس، فقال أحد الحاضرين: نعوذ باللّه من قضاء السوء. فغضب ابن عبّاس و قال: لقولكم أعظم من سرقته، ثمّ ما زال يشنّع على قولهم حتّى تابوا منه.

و عن ابن عمر قال: القدريّة مجوس هذه الأمّة؛ إن مرضوا فلا تعودوهم، و إن ماتوا فلا تصلّوا عليهم، و إن لقيتموهم فلا تسلّموا عليهم. قيل: أيّهم؟ قال: الذين يعملون بالمعاصي ثمّ يزعمون أنّها من اللّه، كتبها عليهم.

أمّا الآيات الواردة في ذلك لا سيّما تلك التي تصف القرشيين بالجبريّة فقد رفعوها من القرآن، و كان معاوية و يزيد ابنه لعنهما اللّه قد أحييا هذه السنّة الخبيثة في عهدهما و أدخلوها إلى الإسلام، فكان الجبريّة من أتباعهما، و الدليل على ذلك قوله تعالى: سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَ لا آباؤُنا (2)، و قوله تعالى:

وَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَ اللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ

____________

(1) الزمر: 60.

(2) الأنعام: 148.

62

أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ‏ (1).

ألم يقل آدم و هو في الدنيا: رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَ تَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ‏ (2)؟

و قال موسى: رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي‏ (3).

و قال ذو النون: لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ‏ (4).

و قال داود: فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَ خَرَّ راكِعاً وَ أَنابَ‏ (5).

فتبيّن ممّا تقدّم أنّ الأنبياء جميعا ينزّهون اللّه تعالى و ينسبون ذنوبهم إلى أنفسهم، و لو كان الذنب ليس من العبد فما الحاجة إلى التوبة؟ و قال: قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى‏ نَفْسِي وَ إِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي‏ (6).

و قال: ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَ ما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ‏ (7).

و قال: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَ مِنْكُمْ مُؤْمِنٌ‏ (8) أي: إنّ كفركم و إيمانكم على أنفسكم لا على اللّه، و هذا من أوّل القرآن إلى آخره يلقي التبعة في المعاصي على الإنسان.

و قال إبليس: لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ‏ (9)، و لو كان الفعل من اللّه لكان لعن إبليس‏

____________

(1) الأعراف: 28.

(2) الأعراف: 23.

(3) القصص: 16.

(4) الأنبياء: 87.

(5) ص: 24.

(6) سبأ: 50.

(7) النساء: 79.

(8) التغابن: 2.

(9) ص: 82.

63

غير سائغ حيث قال: إِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى‏ يَوْمِ الدِّينِ‏ (1).

و غرضهم من هذا الاعتقاد حيث ردّوا شقاوة الأشقياء إلى تقدير اللّه تعالى و إرادته أنّهم حين رأوا بعض الصحابة و التابعين ظلموا عترة المصطفى و غصبوهم حقّهم، و أفتوا بالظلم و الطغيان، وسعوا في هلاك أهل البيت (عليهم السلام) فلطّخوا أيديهم بدمائهم، و حملوا الأمّة عليهم، و جرّأوهم على الاستخفاف بحقّهم، و أصبحوا تحت طائلة ملام العقلاء، فوضعوا هذه البدع لدفع هذه الملامات، من أنّ العبد لا اختيار له، و الفعل كلّه من اللّه تعالى لأنّ هذا هو قضاء إرادته و محلّ تقديره أن يكون الأمر على هذه الكيفيّة، ليقصروا من لوم الناس لهم و لعنتهم إيّاهم، و ذلك حين اتّضح للناس أنّ الصحابة هم الذين ظلموا الصدّيقة (عليها السلام) في فدك، و ظلموا أمير المؤمنين و الإمام الحسن و الإمام الحسين و عليّ بن الحسين (عليهم السلام).

و يجيب المخالفون على هذا أنّ اللّه تعالى أراد هذا منهم: فأراد من آدم أن يعصيه، و كذلك موسى و ذو النون و يوسف و داود و محمّد، و يقولون بأنّ يوسف داعب زليخا، و ارتكب داود القبيح مع زوج وزيره أوريا، و النبيّ مع امرأة زيد، و اللّه تعالى يقول: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى‏ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ‏ (2)، و قال في سورة الأنعام: وَ تِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ‏ (3)، إلى أن يقول بعد ذكر الأنبياء: وَ اجْتَبَيْناهُمْ وَ هَدَيْناهُمْ إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ‏ (4)، و قال بعد ذلك: أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ‏ (5)، أمر محمّدا (صلّى اللّه عليه و آله) بالاقتداء بهم، فلو جازت عليهم‏

____________

(1) ص: 78.

(2) آل عمران: 33.

(3) الأنعام: 83.

(4) الأنعام: 87.

(5) الأنعام: 90.

64

الذنوب و المعاصي فلا يبقى فرق بينهم و بين الفسّاق و الأجلاف حينئذ.

و الأدلّة العقليّة تعضد الآيات القرآنيّة الدالّة على العصمة من قبيل «اصطفى» و «اجتبيناهم» و «هديناهم».

و سبب نفيهم للعصمة هو ما يقول به الشيعة من وجوب عصمة الإمام و أنّ المشرك لا ينال الإمامة و إن تاب، من ثمّ نفوا وجوب العصمة عن اللّه تعالى و جوّزوا المعصية من الأنبياء من أجل تنزيه عمل الشيخين و معاوة و يزيد و أمثالهم ليجنّبوهم لعنة اللاعنين، فجعلوا اللّه تعالى و الأنبياء في منزلة الفسّاق و محلّهم.

الفصل السادس‏

جلّ أهل السنّة يقولون بجواز القياس في الشريعة.

الجواب عنه: و لا يجيز الشيعة القياس في الشرع كما قال عبد اللّه بن عبّاس:

أوّل من قاس إبليس حيث قال: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ‏ (1)، و قال: ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (2) و لم يأت النبيّ بالقياس، و لو جاز لأحد من الناس لكان رسول اللّه أولى به.

و قال تعالى: وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ‏ (3) فلو أنّه فارق الدنيا من دون تبليغ لكان مخطئا، و يكون القرآن كذب علينا و حاشاهما من ذلك.

و قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «أدنى الشرك أن يبتدع الرجل رأيا» أي يوجد من نفسه ما لا يوجد.

____________

(1) الأعراف: 12، ص 76.

(2) الحشر: 7.

(3) النحل: 44.

65

و الغرض من وضع القياس هو التستّر على جهل أئمّتهم لأنّهم تصدّوا للإمامة فارغي الوفاض من العلم فالتجئوا إلى القياس، و القياس يعارض اللّه تعالى لأنّه يقوم في مقابل حكم اللّه و رسوله فيحكم عليهما فكأنّه قال: سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ‏ (1).

و حرّم اللّه الخمر و النرد و الشطرنج و غيرها من أنواع القمار و هؤلاء يستحلّونها ردّا على اللّه و خلافا للقرآن حيث يقول: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصابُ‏ (2)، و قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «كلّ مسكر حرام» و لم يفرّق بين القليل و الكثير، و هؤلاء يستحلّونه إلى حدّ الإسكار و يرون ذلك تديّنا و عبادة مخالفة لقول اللّه تعالى القائل:

الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَ لَعِباً (3)، و قال: إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ الآية (4).

و بناءا على مذهب الشيعة أنّ من ارتكب هذه المعاصي و اعتقد بأنّه مصيب بفعل هذا و مات على غير توبة فإنّه يحرم يوم القيامة من نعيم الجنّة كما قال تعالى:

أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا (5).

سؤال: و هذه المعاصي يفعلها كثير من الشيعة.

الجواب: نعم و لكن علماء الشيعة و صلحائهم و زهّادهم مبرّؤون من هذه الترّهات، و لا يفعلون ذلك قطّ، و لكن أهل الدنيا منهم و ملوكهم و سلاطينهم و العامّة الذين يأتون هذه الموبقات يعدّون أنفسهم عصاة مخطئين، و كلّما ذكروا استغفروا منها و استقالوا من جريرتها، و هم دائبون في تطلّب التوبة يوما بعد يوم.

____________

(1) الأنعام: 93.

(2) المائدة: 90.

(3) الأعراف: 51.

(4) محمّد (صلّى اللّه عليه و آله): 36.

(5) الأحقاف: 20.

66

و لكن المخالف يخرج من هذه الدنيا عن غير توبة لأنّهم يرونها من الطاعات و هي معاصي، ثمّ إنّهم لا يرون لأنفسهم اختيارا في الفعل أو الترك، و إنّما فعلوا ذلك بإرادة من اللّه تعالى، و بعضهم يرى وطئ المملوك فعلا مباحا كما يقول مالك.

حكاية: في سنة اثنين و سبعين و ستّمائة (672) لمّا سافرت- أنا الداعي إلى المؤمنين و مصنّف هذا الكتاب الحسن بن عليّ بن الطبريّ- من قم إلى اصفهان بقيت هناك سبعة أشهر بأمر من سيّد العالم بهاء الحقّ و الدين صاحب الديوان محمّد، فنال توفيق الهداية جماعة بسبب مثولي في تلك الخطّة و أفادوا من العلوم الدينيّة من أهل اصفهان و شيراز و أبرقوه و يزد و نواحي أذربيجان من السادات و الصدور و الأكابر، الذين كانوا في ذلك الجزء من العالم ملتجئين إلى غوث العالم، فنالوا النفع كما كان عليه الحال بين العرب و العجم ممّا لا يكاد يخفى، و يعترفون اليوم به و سوف يظلّون كذلك مذعنين إلى يوم القيامة.

و خلاصة القول: أنّ بعض السادة حضروا من شيراز و حكوا لنا، قالوا: كنّا في شيراز و متى ما خرجنا من بيوتنا لطلب التطهّر و الاستنجاء ورآنا أهل السنّة و معنا المطهّرة، رفعوا عقائرهم بشتمنا.

فيا للعجب! إنّ من لم يتطهّر من الحدث و لم يجر عليه الماء ليزيل أخباثه يعتبر سنّيّا صحيح العقيدة، و من فعل ذلك نزولا عند قول اللّه تعالى: وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ‏ (1) يعتبر رافضيّا.

فائدة: و كلّما نعتوا هؤلاء بالرافضة فإنّ الشيعة يطلقون عليهم رافضة أيضا، و يضيفون إلى ذلك ألقابا أخرى زيادة على ما تقدّم: الأوّل: خارجي، و الثاني:

ناصبي، و الثالث: يزيدي، و الرابع: جبري، و الخامس: مشبّهة، و السادس:

____________

(1) الأنفال: 11.

67

منافق، و السابع: مرواني، و الثامن: قدري، و التاسع: عدوّ أهل البيت أو ظالم آل محمّد، و العاشر: حطب جهنّم، و أمثال ذلك.

بيّنة: لو اجتمع أهل العالم و أرادوا إثبات ذنب واحد أو خطيئة واحدة للشيعة لما استطاعوا إلّا بقولهم أنّهم لا يؤمنون بخلافة أبي بكر، و ينكرون خلافته.

و الجواب عنه: يقول القوم- و هو من الموارد التي اتفقوا عليها- أنّ إمامة أبي بكر تمّت باختيار جماعة من الصحابة و الاختيار باطل، فإنّ اللّه تعالى يقول: وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ يَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ (1) ثمّ إنّ موسى مع ما هو عليه من رتبة النبوّة اختار من قومه سبعين كما قال سبحانه: وَ اخْتارَ مُوسى‏ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا (2) و ختام أمرهم كان الهلاك بالصاعقة، لقولهم: أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً (3) و لم يكن اختيارهم موفّقا و قد حكى اللّه تعالى هذا المعنى في قصّته.

فكيف يصحّ اختيار خالد بن الوليد و عمرو بن العاص و أبي سفيان بن حرب الذين ما منهم أحد إلّا و قد حارب رسول اللّه أربعا و ثمانين حربا، و قتل آلافا من المسلمين، و يكون اختيارهم صوابا؟! و نذكر جانبا من هذا الباب.

نكتة: في كتاب «الزينة» من كتب المخالفين: إنّ من الأسماء اسم الشيعة وحده كان مشهورا في عهد النبوّة و لم يكن لقب إلّا و جاء في مدحه أو ثلبه حديث إلّا اسم الشيعة فلم يرد حديث واحد ينقصهم.

ثمّ قال: كان هذا الاسم معروفا زمن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و كان مشتهرا بين الصحابة، و قد دعي به جماعة، منهم: سلمان الفارسي، و أبو ذر الغفاري، و عمّار بن ياسر،

____________

(1) القصص: 68.

(2) الأعراف: 155.

(3) النساء: 153.

68

و المقداد بن الأسود الكندي و غيرهم، و كان هؤلاء لا يكادون ينحازون عن أمير المؤمنين أو يفارقونه، فسمّوا يومئذ شيعة عليّ (عليه السلام)، و لمّا اشتعلت الحرب بين معاوية و المولى أمير المؤمنين (عليه السلام) عرف أولياء عليّ و محبّوه باسم الشيعة، و جيش معاوية و تابعوه باسم أهل السنّة، و لمّا حصلت منازلة بين شخصين من العسكرين، فقال أحدهما: أنت سنّيّ، فقال الآخر: و أنا سنّيّ، و كان المقصود بهذا اللقب شيعة عليّ و ليس أمرا آخر، «إنّ في ذلك لعبرة لأولي الألباب».

نكتة: جاء في تفاسير أهل البيت (عليهم السلام): و لمّا اطلع اللّه تعالى إبراهيم الخليل على علوّ رتبة عليّ و فضله، دعا إبراهيم، فقال: اللهمّ اجعلني من شيعة عليّ، فاستجاب اللّه دعائه، بقوله: «و جعلناكم من شيعته»، فحكى رسول اللّه هذه الحكاية: وَ إِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ‏ (1) (2).

و كذلك حكى عن موسى، فقال: هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَ هذا مِنْ عَدُوِّهِ‏ (3) فكان أتباع الأنبياء و الأوصياء و الأولياء يدعون بالشيعة، و اليوم بقي هذا اللقب ملازما لشيعته.

حكاية: قال عليّ بن نصر أبو الحسن الحنفيّ في بعض تصانيفه: حضر مجلس الإمام جعفر الصادق أحد موالي أهل البيت و قال: يابن رسول اللّه، عرضت لي حاجة مهمّة إلى السلطان و ليس لي وسيلة توصلني إليه، و جئتك الآن لتكون لي شافعا عنده لقضاء حاجتي.

فقال له الإمام الصادق (عليه السلام): قم الساعة و التحق بالسلطان و انتظر الفرصة حتّى يعرض لك رجل من صفته كذا و كذا فإنّه من خواصّ حجّابه، و جدّ في الأمر حتّى‏

____________

(1) الصافّات: 83.

(2) راجع التبيان للطوسيّ 8: 508.

(3) القصص: 15.

69

تكلّمه على انفراد، فقل له: أرسلني الإمام جعفر إليك و بعث معي علامة لتقضي حاجتي عند السلطان، ففعل ما أمره الإمام و قضي حاجته، فعاد الولي إلى الإمام الصادق (عليه السلام) و قال: يابن رسول اللّه، إنّ الرجل سمع اسمك كاد يغمي عليه من النشاط و الفرح، فذهب إلى ذلك الجبّار حالا و قضى حاجتي، فما يصنع وليّكم مع هذا الحبّ في دار عدوّكم؟!

فقال الإمام (عليه السلام): إنّ اللّه تعالى قضى لنا من الكرامة بأن جعل عند عدوّنا واحدا من موالينا أو أكثر مقرّبا إليه و من خواصّه و أركان ملكه ليقضي حاجات ذوي الحاجات من موالينا.

من ثمّ لم يخل وجه خليفة بدءا من الخلافة العبّاسيّة حتّى انقراض دولتهم من وجود وزير أو وكيل خراج أو حاجب خاصّ أو مدبّر لأمر ذلك الملك شيعيّ، و كذلك الحال في سلاطين خوارزم الذين أكثر وزرائهم من قم أو كاشان، و أمراء خراسان كانوا شيعة بأجمعهم، و لا تخلو بقعة من بلاد الإسلام من وجود مؤمن محترم و مكرّم؛ إمّا ظاهر الاعتقاد بالتشيّع أو عاملا بالتقيّة، كعمّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أبي طالب (عليه السلام) يخفي إيمانهم ليلتئم مع صناديد قريش و أكابرهم بظاهره، و يوافقهم، و بهذا يستطيع أن يمدّ رسول اللّه و أصحابه بالمعونة، و ينصره بماله و بيده و روحه و كذلك بجاهه، و كان جانب النبيّ و أتباعه قويّا ما دام عمّه على قيد الحياة، فلمّا وافته منيّته هبط الأمين جبرئيل (عليه السلام) على رسول اللّه، و أمره بالهجرة: «فقد مات ناصرك»، و اتفق العلماء على قوله تعالى: أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى‏ (1) في بيت أبي طالب، و قال اللّه تعالى في حقّ مواليه: وَ الَّذِينَ آوَوْا وَ نَصَرُوا (2).

____________

(1) الضحى: 6.

(2) الأنفال: 72 و 74.

70

يقول مصنّف هذا الكتاب: و قد استدللت يوما على إسلام أبي طالب و إيمانه في مدينة اصفهان بحضور المولى الأعظم بهاء الدين صاحب الديوان محمّد بهذه الآية.

نكتة: اتفق العلماء على أنّ يوم الحساب في عرصة التغابن و الندامة، تبدأ المسائلة فتأتي كلّ فرقة بعذرها ... فيقول بعضهم: حاد بي عن العبادة ضعف الهرم و تناهي الشيخوخة.

و يقول البعض الآخر: كنّا أقنانا في طاعة العباد فلم يتيسّر لنا أداء المقامين:

العبوديّة و العبادة، فصعب علينا القيام بطاعتك.

و يجيب الآخرون بأنّ أنفسنا كانت عليلة.

و يعتذر بعضهم بما أوتي من المال و الملك عن القيام بواجب الطاعة.

و يقول بعضهم: حال بيننا و بين العبادة الفقر و الفاقة: «كاد الفقر أن يكون كفرا».

و يقول قوم غيرهم: شغلنا الملك و السلطان عن عبادتك.

فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ (1) فيقول اللّه للشيوخ: كان عبدي نوح النبي أكبر منكم سنّا و كان يومئذ قد بلغ تسعمائة و خمسين عاما و هي مدّة أداء الوحي و مع ما هو عليه من الضعف و الشيخوخة لم يزل يزيد في العبادة كلّ يوم.

و يقول للأقنان و المماليك: كلّا، فإنّ يوسف كان مملوكا و أسيرا عند عزيز مصر منذ الطفولة و حتّى الكهولة فلم تحل عبوديّته لعزيز مصر عن عبادتنا و طاعتنا.

و يقول للمرضى: كلّا، فإنّ أيّوب النبيّ عاش في السقم زمانا فلم يزدد إلّا إقبالا على عبادتنا يزيد فيها كلّ يوم.

و يخاطب ذوي الثروات فيقول: كلّا، إنّ إبراهيم في أيّامه الأولى منعّما حائزا على نعم عظيمة، فنال في الآخر لا نقياده لأامرنا درجة الخلّة ببذله ذلك المال و إنفاقه في‏

____________

(1) الأنعام: 149.

71

طريق عبادتنا، فلم يكن عند أحد من البشر ما عنده من المال، و لم يصل بشر إلى ما وصل إليه من العبادة.

و يقول للفقراء: كلّا، فإنّ محمّدا الخاتم (صلّى اللّه عليه و آله) و موسى و عيسى و يحيى و هارون و زكريّا و أمثالهم كانوا فقراء و مقلّين مع درجتهم في النبوّة و العصمة و الرسالة.

و يخاطب الملوك و السلاطين: كلّا، فإنّ في الطبقة الأولى كان كيومرث أوّل ملك في الأرض مع ما حازه من الملك و الدولة و القيادة فقد كان منقادا لأمرنا و لم تفته عبادة من الواجبات بالعدل و السياسة مدّة ثلاثين عاما، و هي أيّام ملكه، و ثبتت الشريعة بسيفه و قويت، و كان في زمن نبوّة شيث.

و في الطبقة الثانية كان أفريدون، حكم العالم مدّة خمسمائة عام بالعدل و القسط و تعاهد الرعيّة، و قام بكلّ ما وجب عليه.

و في الطبقة الثالثة يوسف بن يعقوب، سلطان مصر.

و في الطبقة الرابعة الاسكندر الرومي، و يقال: إنّه متقدّم على يوسف، فملك الربع المسكون، و رأى عجائب العالم، و قهر غالب الملوك مع الاقتدار و الانتصار و الحكم، و كان النور قائد عسكره، و السائق الظلمة، و الملائكة المقرّبون أعوانه، و نزلت فيه آيات من سورة الكهف.

و في الطبقة الخامسة طالوت و داود النبي مع الشوكة و القوّة و مرتبة الرسالة و الصولة، و كان يحيط بخيمته في كلّ آن أربعون ألفا من رجال الحرب على أهبة الاستعداد لتلقّي أوامره، و أتباعه و حشمه يتلقّون أرزاقهم منه.

و في الطبقة السادسة سليمان بن داود الذي كان معسكره مأة فرسخ، خمس و عشرون فرسخا للناس، و خمس و عشرون فرسخا للجنّ، و خمس و عشرون فرسخا للوحوش و السباع، و خمس و عشرون فرسخا للطيور و الهوام و أمثالهم، و سخّرت له الريح فكانت تنقلهم بأقصر وقت صباحا من الكوفة و يهبطون‏

72

خراسان في الليل: وَ لِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَ رَواحُها شَهْرٌ (1)، و لم تثبت عمره كلّه في ديوانه جريمة واحدة؛ لا صغيرة و لا كبيرة، فقبضه اللّه إليه مطهّرا معصوما، و هذا الملك العظيم لم يمنعه من عبادة اللّه جلّ جلاله، و رفع اللّه عنه الحساب في ماله و ملكه و معيشته: هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ‏ (2).

و يقيم الحقّ تعالى إثبات النيّة و إلزام الحجّة على هؤلاء الطوائف أصحاب الذرائع و العلل، فيسكت الجميع و يطأطأون رؤوسهم هوانا و افتضاحا: مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَ أَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ (3) حتّى يصل النداء: خذوا هؤلاء المجرمين إلى جهنّم: خُذُوهُ فَغُلُّوهُ* ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ* ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ‏ (4).

و الغرض أنّ في كلّ دورة من دورات الزمن شخصا ذا رئاسة و دولة و سلطان، يمدّه الحقّ و يعينه، و في زماننا طلع بهاء الدنيا و الدين محمّد صاحب الديوان رفع اللّه رايات الإسلام و المسلمين ببقاء دولته، فطاب باطنا و ظاهرا.

____________

(1) سبأ: 12.

(2) ص: 39.

(3) إبراهيم: 43.

(4) الحاقّة: 30- 32.

73

الباب الرابع في أنّ الشيعة ناجية

اعلم أنّه لا خلاف بين أهل القبلة بأنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: «مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح؛ من ركبها نجى و من تخلّف عنها غرق» (1)، و لا ريب أنّ من كان‏

____________

(1) راجع لتخريج الحديث الكتب التالية:

المستدرك 2: 343 تحقيق المرعشي، ط بيروت، دار المعرفة 1406، و الجزء الثالث منه ص 151.

و مجمع الزوائد للهيثمي 9: 168 خرّجه في أربع طرق عن أبي ذر و عن ابن عبّاس و عن عبد اللّه ابن الزبير و عن أبي سعيد الخدري .. و السياق متقارب تقريبا.

و أخرجه الطبرانيّ في المعجم الصغير 1: 139 ط دار الكتب العلميّة- بيروت في مجلّدين بدون تاريخ، و كذلك أخرجه في الجزء الثاني منه ص 22، و أخرجه في المعجم الأوسط بثلاث طرق:

الأوّل عن أبي ذر (4: 10)، و الثاني عنه أيضا (5: 355)، و الثالث: عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه (6:

85)، و أخرجه الطبراني أيضا في المعجم الكبير عن أبي ذر بطريقين، و الثالث عن ابن عبّاس (3:

45)، و في الجزء الثاني عشر عن ابن عبّاس أيضا (ص 27).

و ذكره ابن سلامة في مسند الشهاب عن المقدام بن معدي كرب (2: 273) و مثله عن ابن عبّاس و عن أبي ذر.

و جاء ذكر الحديث في شرح ابن أبي الحديد 1: 218.-

74

خارج السفينة كان هالكا بشهادة النبيّ و نصّ القرآن الكريم: أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً (1) و من كان معه في السفينة كتبت له النجاة.

و بناءا على هذا فإنّ مصنّف الكتاب يحمد اللّه حقّ حمده حيث وفّقه في عنفوان الشباب و أيّام الجدّة و الحداثة إلى التمسّك بأهل هذا البيت و التمذهب بمذهبهم، و سدّده لبلوغ هذه العقيدة المرضيّة، و للاعتصام بالعروة الوثقى، قال تالى: فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها (2)، و جاء في الحديث القدسيّ: «خلقت عبادي كلّهم حنفاء».

و الإنسان نزولا على حكم الفطرة يكون مؤمنا حتّى الخامسة عشرة و بعدها

____________

- و ذكره ابن الآبار في درر السمط في خبر السبط بعبارة فخمة حيث يقول: ما غدر الأمويّة و أبنائها في قتل العلويّة و أفنائها «أهم يقسمون رحمة ربّك» دليل في غاية الوضوح على أنّهم كسفينة نوح من ركب فيها نجى و من تخلّف عنها غرق، ثمّ يحبسهم آل الطليق و يطردهم آل الطريد، و ما نقموا منهم إلّا أن يؤمنوا باللّه العزيز الحميد ... الخ (ص 116).

و ذكره الزرندي الحنفي في كتاب نظم درر السمطين (ص 235).

و ذكره السيوطي في الجامع الصغير 1: 373 برقم 2442، و في الجزء الثاني ص 533 و رقمه 8162.

و جاء في كنز العمّال بالأرقام التالية: 34169، 34170، 34151، 34170.

و سمّاهم المناوي في فيض القدير (2: 658) فقال: (أهل بيتي) فاطمة و عليّ و ابنيهما و بنيهما أهل العدل و الديانة ... الخ، أي العصمة. و قال في الجزء الخامس بعد ذكره الحديث معلّقا على قوله (سفينة نوح): و وجه تشبيههم بالسفينة أنّ من أحبّهم و عظّمهم شكرا لنعمة جدّهم و أخذ بهدي علمائهم نجا من ظلمة المخالفات، و من تخلّف عن ذلك غرق في بحر كفر النعم و هلك في معادن الطغيان.

هذا تخريج الحديث في كتب أهل السنّة و الجماعة، و أمّا الشيعة فالحديث متواتر عندهم و لا تحصى الكتب التي أخرجته منهم، و سياقه لا يختلف كثيرا عن سياق العامّة. (المترجم).

(1) نوح: 25.

(2) الروم: 30.

75

يسمّى مؤمنا بتصديقه بالتوحيد و العدل و النبوّة و الإمامة، كأمير المؤمنين (عليه السلام) الذي صدّق رسول اللّه و هو ابن الثالثة عشرة أو العاشرة، و المسألة اتفاقيّة على إيمانه قبل البلوغ، و مذهب الشيعة على هذا بانّ عليّا (عليه السلام) صدّق برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في هذه الفترة من عمره و إلّا فلم يكن بحاجة إلى أن يؤمن؛ لأنّ الإيمان لا يكون إلّا عن شرك، و عليّ (عليه السلام) لم يشرك باللّه طرفة عين، و كان غيره محتاجا إلى الإيمان. و اتفق محقّقو الشيعة على أنّ عليّا لا ينبغي أن يقال عنه بأنّه آمن لأنّه كان ممّن يجب الإيمان به و بولايته و إمامته على العالمين و هو جزء من أجزاء الإيمان.

روى بابويه القمّي في كتاب العيون المحاسن عن الثقاة عن عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام) عن آبائه عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عن جبرئيل عن اللّه تعالى أنّه قال: «ولاية عليّ بن أبي طالب حصني و من دخل حصني أمن من عذابي» (1).

و قال الإمام زين العابدين (عليه السلام):

و من سرّنا نال منّا السرور * * * و من ساءنا ساء ميلاده‏

و ما فاز من فاز إلّا بنا * * * و ما خاب من حبّنا زاده‏ (2)

و قال الحارث الهمدانيّ يوما لأمير المؤمنين (عليه السلام): يا علي، إنّي أحبّك، و أخاف‏

____________

(1) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 146.

(2) في البحار نسبها إلى الإمام الباقر (عليه السلام) مرّة و إلى زين العابدين (عليه السلام) أخرى، في روايتين الأولى عن عبد اللّه بن المبارك و فيها أربعة أبيات منسوبة للإمام السجّاد (عليه السلام):

لنحن على الحوض روّاده‏ * * * نذود و نسقي ورّاده‏

و ما فاز من فاز إلّا بنا * * * و ما خاب من حبّنا زاده‏

و من سرّنا نال منّا السرور * * * و من ساءنا ساء ميلاده‏

و من كان غاصبنا حقّنا * * * فيوم القيامة ميعاده‏

و الثانية عن بعضهم و الأبيات منسوبة لمحمّد بن عليّ بن الحسين (الباقر) (عليهم السلام) (46: 91).

(المترجم).

76

حالتين من حالاتي: النزع، و حالة المرور على الصراط. فقال (عليه السلام): لا تخف يا حارث، فما من أحد من أوليائي و أعدائي إلّا و هو يراني في هاتين الحالتين و أراه و يعرفني و أعرفه.

يا حار همدان من يمت يرني‏ * * * من مؤمن أو منافق قبلا

يعرفني طرفه و أعرفه‏ * * * بنعته و اسمه و ما فعلا

و أنت عند الصراط معترضي‏ * * * فلا تخف عثرة و لا زللا

أقول للنار حين تعرض للعرض‏ * * * ذريه لا تقربي الرجلا

ذريه لا تقريبه إنّ له‏ * * * حبلا بحبل الوصيّ متّصلا

أسقيك من بارد على ظمأ * * * تخاله في الحلاوة العسلا

هذا لنا خالص لشيعتنا * * * أعطاني اللّه فيهم الأملا (1)

أبو الصلت الهروي قال: كان الإمام ذات يوم في مجلس المأمون، و جرى نقاش بينه و بين بعض المنافقين حتّى سألوه: يا بن رسول اللّه، قال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): يا عليّ، أنت قسيم الجنّة و النار، فكيف يكون ذلك؟

فقال الإمام (عليه السلام): اانّ محبّته موجبة لدخول الجنّة، و عداوته موجبة لدخول النار، و بهذا ينقسم أهل النار و أهل الجنّة بمحبّته و عداوته، ثمّ شرع في بيان المسألة بيانا شافيا، و ذكر تقريرا لطيفا نال إعجاب الحاضرين من أولياء و أعداء فأطروه كثيرا، و سرّ المأمون من بيانه.

قال أبو الصلت: فلمّا خلوت بالإمام بعد قيامه من المجلس، قلت له: يا مولاي،

____________

(1) وردت الرواية في البحار أكثر تفصيلا و ذكر أنّ الشعر للسيّد الحميري، و أوّله:

قول عليّ لحارث عجب‏ * * * كم ثمّ أعجوبة له حملا

ج 39: 241. (المترجم)

77

إنّ لك اليوم اليد البيضاء على مواليك بتقريرك اللطيف، فلقد أحييت قلوبا ميتة.

فقال الإمام: يا أبا الصلت، إنّ الذي سمعته طابق مذهب القوم الذي نطقت به كتبهم و إلّا فمذهبنا أهل البيت على أنّ الإمام أمير المؤمنين يقف على شفير جهنّم يوم القيامة و يقول: يا نار خذي هذا فإنّه من أعدائي و ذري ذاك فإنّه من أحبّائي ... (1).

يقول عبد اللّه الدامغاني في كتاب «سوق العروس» في مدح فاطمة و الحسن و الحسين و أهل بيت رسول اللّه و الثناء عليهم و هو من العلماء و أصحاب الحديث و من أهل السنّة و الجماعة:

تطاول ليلي و لم أرقد * * * فكنت كذي اللدغ و الأرمد

بذكر النبيّ و ذكر الوصي‏ * * * و ذكر هوى المصطفى أحمد

حسان الوجوه عظام الحلو * * * م كرام المغارس و المحتد

و من دنس الرجس قد طهروا * * * ففاز الذي بهم يقتدي‏

____________

(1) عثرت على هذا الحديث في عيون أخبار الرضا (عليه السلام) على النحو التالي:

عن أبي الصلت الهروي قال: قال المأمون يوما للرضا (عليه السلام): يا أبا الحسن، أخبرني عن جدّك أمير المؤمنين بأيّ وجه هو قسيم الجنّة و النار؟ و بأيّ معنى فقد كثر فكري في ذلك؟

فقال له الرضا (عليه السلام): يا أمير المؤمنين، ألم ترو عن أبيك عن آبائه عن عبد اللّه بن عبّاس أنّه قال:

سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: حبّ عليّ إيمان و بغضه كفر؟ فقال: بلى. فقال الرضا (عليه السلام): فقسمة الجنّة و النار إذا كانت على حبّه و بغضه فهو قسيم الجنّة و النار.

فقال المأمون: لا أبقاني بعدك يا أبا الحسن، أشهد أنّك وارث علم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).

قال أبو الصلت الهروي: فلمّا انصرف الرضا (عليه السلام) إلى منزلته أتيته فقلت له: يابن رسول اللّه، ما أحسن ما أجبت به أمير المؤمنين! فقال الرضا (عليه السلام): يا أبا الصلت، إنّما كلّمته حيث هو، و لقد سمعت أبي يحدّث عن آبائه عن عليّ (عليه السلام) أنّه قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): يا علي، أنت قسيم الجنّة يوم القيامة، تقول للنار: هذا لي، و هذا لك. (عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 91 ط الأعلمي، الأولى 1404).

78

عليّ أبو الحسن و الحسين‏ * * * رشيدين للراشد المرشد (1)

أورد إبراهيم الثعلبي و الزمخشري و النهرواني و أضرابهم و هم من علماء السنّة في آية القرابة يعني قوله تعالى: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏ (2) رواية عن جرير بن عبد اللّه عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه قال:

من مات على حبّ آل محمّد مات شهيدا.

ألا و من مات على حبّ آل محمّد مات مغفورا له.

ألا و من مات على حبّ آل محمّد مات تائبا.

ألا و من مات على حبّ آل محمّد يزفّ إلى الجنّة كما تزفّ العروس إلى بيت زوجها.

ألا و من مات على حبّ آل محمّد فتح له من قبره باب إلى الجنّة.

ألا و من مات على حبّ آل محمّد بشّره ملك الموت بالجنّة ثمّ منكر و نكير.

ألا و من مات على حبّ آل محمّد مات على السنّة و الجماعة.

و من مات على بغض آل محمّد جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه آيس من رحمة اللّه.

ألا و من مات على بغض آل محمّد لم يشمّ رائحة الجنّة (3).

____________

(1) الأبيات تحتوي على أخطاء صحّحتها بناءا على ذوقي: اللاغ اللدغ، و ذكر هو و ذكر هوى.

(المترجم).

(2) الشورى: 23.

(3) تفسير القرطبي 16: 23 عن الزمخشري و فيه زيادة على ما ذكر المؤلّف: ألا و من مات على بغض آل محمّد مات كافرا، و ذكر القرطبي قبل ذلك قول الثعالبي: و ليس بالقوي، إنّما يعني قول من قال عن الآية: «قل لا أسألكم» الآية، و قال قوم: الآية منسوخة و إنّما نزلت بمكّة، فقال القرطبي: و ليس بالقوي .. و كفى قبحا بقول من يقول: إنّ التقرّب إلى اللّه بطاعته و مودّة نبيّه (صلّى اللّه عليه و آله)-

79

نكتة: قال النهرواني: سألوا من النبيّ: يا رسول اللّه، من قرابتك؟ قال (صلّى اللّه عليه و آله):

عليّ و فاطمة و ابناهما.

و يقول أمير المؤمنين: ذهبت إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و شكوت إليه حسد الصحابة لي، و العبارة كما يلي: شكوت ألى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حسد الناس لي، فقال: أما ترضى (يا علي- المؤلّف) أن تكون رابع أربعة: أوّل من يدخل الجنّة أنا و أنت الحسن و الحسين و أزواجنا عن أيماننا و شمائلنا و ذرّيّتنا خلف أزواجنا (و شيعتنا و رائنا- المؤلّف) و شيعتنا من خلف ذرّيّتنا (1).

و اتفق المفسّرون من كافّة الطوائف على وجوب محبّة عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين (عليهم السلام) بآية القرابة.

يقول مصنّف هذا الكتاب: الدليل على وجوب محبّة أهل البيت قوله تعالى:

يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ‏ (2) و معنى الآيه هكذا: ندعو كلّ فريق يوم القيامة مع إمامه و نحشره معه، فنحشر اليزيديّ مع يزيد و نسوقه إلى جهنّم، و محبّي معاوية معه، و أصحاب مالك و أبي حنيفة و الشافعيّ و حنبل نحشرهم كلّ فريق تحت لواء إمامه، و يكون الشيعة مع أمير المؤمنين و أولاده و أبي ذر و سلمان و عمّار و المقداد بإجماع هذه الطائفة من أهل الجنّة، فيكون حشر الشيعة معهم.

و منه الجواب عنه لعليّ (عليه السلام) عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): يا عليّ، لا يحبّك إلّا مؤمن، و لا يبغضك إلّا منافق‏ (3).

____________

- و أهل بيته منسوخ، و قد قال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): من مات على حبّ آل محمّد مات شهيدا، إلى آخر الحديث.

(1) ابن البطريق، العمدة، ص 50 و نسبها محقّق الكتاب إلى تفسير الكشّاف للزمخشري 3: 81.

(2) الإسراء: 71.

(3) هذا الحديث صحيح و قد اخرجه مسلم في جامعه، و العثور عليه سهل لمن أراده. (المترجم).

80

و روى المحدّث الدربنديّ عن الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) أنّ فاطمة و عليّا و الحسن و الحسين (عليهم السلام) في حظيرة القدس في قبّة بيضاء، سقفها عرش الرحمان‏ (1) بدليل قوله تعالى: وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ اتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ‏ (2) يعني عليّا و أولاده. و قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): يا عليّ، شيعتك هم الفائزون.

و يقول المخالفون: و نحن أيضا نحبّ النبيّ و أهل بيته.

الجواب: يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ‏ (3).

حكاية: حضرت يوما مع نجل مخدومي بمنتزه قرية بطرية في قرية واقعة بين قم و كاشان في العاشر من محرّم الحرام سنة ثلاث و سبعين و ستّمائة (673) و كنت أتلو جانبا من مقتل عترة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و كان أحد العلماء حاضرا ساعتئذ و راح يصدّقني على ما أقول و يعينني خوفا من بطشه و طمعا في ماله «يقصد صاحب الديوان»، و لمّا خلا إلى شياطينه من النواصب بلغني عنه ذمّه للإمام الحسين معهم و مدحه ليزيد، مع أنّه يقال عنه أنّه أكثر انصافا من غيره من علمائهم، فإذا كانت هذه حال المنصف فما ظنّك بغير المنصف منهم!

كنت في اصفهان سنة اثنتين و سبعين، و لمّا رجعت يوما من ديوان الدولة جائني علويّ مستعرب و قال لي: أي فلان، كنت اليوم عند أحد العلماء فدعوت اللّه له بما قدرت عليه من الدعاء، و قلت له في آخره: حشرك اللّه مع أبي بكر و عمر و عثمان، فأجابني: أقسم باللّه لو أدخل هؤلاء إلى الدرك الأسفل من النار لكان أحبّ إليّ أن‏

____________

(1) كتاب الأربعين، لمحمّد بن طاهر القمّي الشيرازي، ص 473، و فيه: أنا و فاطمة، مكان قوله:

«سقفها عرش الرحمان» قوله: «و هي قبّة المجد»، راجع: إحقاق الحقّ 9: 220 عنه.

(2) الطور: 21.

(3) الفتح: 11.

81

أكون معهم من أن أكون مع عليّ و أهل بيته في جنّة الخلد مع النعيم و الحور و القصور.

و قال أحمد بن حنبل: قلت يوما لمؤمن و أنا أحاوره: لا يكون الرجل مؤمنا حتّى يبغض عليّا قليلا (1). فقال المؤمن: لا يكون المؤمن مؤمنا حتّى يحبّ عليّا كثيرا، لا تعرف حقيقة المرء أو اعتقاده إلّا في حال الغضب، و نادرا ما يمكن معرفة ذلك في حال الصفاء و السلم.

و غرضنا من ذكر هذه الحكايات هو إعلام المؤمنين بأنّهم كما يبغضون الصحابة الذين ظلموا أهل البيت فإنّ مخالفي أمير المؤمنين و فاطمة و الحسن و الحسين يبغضونهم كذلك و لكنّهم يحجمون عن كشف ذلك لعلوّ درجة أهل البيت و سموّ مقامهم، و لمّا لم تكن هذه المنزلة للصحابة فإنّ الشيعة يجأرون ببغضهم ما لم تكن هناك تقيّة يتّقونها.

بيّنة: قال السيّد المرتضى علم الهدى رحمه اللّه: سأل سائل السيّد الحميري- و لم يكن هاشميّا و إنّما كان السيّد لقبه و كان رجلا فاضلا شاعرا مشهورا بين علماء أهل القبلة-: كيف أحببت عليّا و أهل البيت مع أنّ أبويك يلعنانه و يواليان بني أميّة (2) و أنت تواليهم و تحبّهم و تمدحهم بصدق؟

قال: ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء، فلقد غاصت عليّ الرحمة غوصا، و أخرجتني من بحر الجهل و الضلالة و العداوة لآل الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) وَ لَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا (3).

____________

(1) لعن اللّه أحمد بن حنبل فأين هو من قول النبيّ لعليّ: لا يبغضك مؤمن و لا يحبّك منافق، و أنا المترجم أقسم باللّه بأنّ دينهم النفاق و هم أعظم كفرا من إمامهم ابن آكلة الأكباد لعنه اللّه.

(2) كانا على دين الأباضية و لم يكونا شيعة لبني أميّة. (المترجم).

(3) النساء: 83.

82

قال السيّد المرتضى: صدق الحميري؛ لأنّ أبويه كانا من أتباع بني أميّة و من النواصب ظاهري النصب و العداوة لأهل البيت (عليهم السلام)، و جرت العادة على أنّ المرء تابع لمحيطه و البيئة التي عاش فيها و ينشأ على أخلاقها و عاداتها أو على ما درج عليه أبواه و أقربائه و أقرانه، أو على توجيه الأدباء و العلماء له، و هؤلاء جميعا كانوا نواصب، و عاش الحميري بين ظهرانيهم فخرج من بينهم مؤمنا طاهر الاعتقاد، فلا يكون ذلك إلّا بفضل من اللّه و بتوفيق ربّانيّ خاص.

فائدة: اعلم بأنّ ملوك بني أميّة كانوا جميعا يعرفون فضل عليّ و فاطمة و أولادهما، و علوّ مرتبتهم، و حصل لهم العلم بذلك، و أمّا غيرهم فهم كما قال اللّه حكاية عن موسى على نبيّنا و آله و عليه السلام: وَ إِذْ قالَ مُوسى‏ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَ قَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ‏ (1)، و هؤلاء يقينا عرفوا رسالة موسى و لكنّهم أنكروها، و كذلك فعلوا مع محمّد و القرآن كما قال تعالى: فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ‏ (2).

و مثله حال بني إسرائيل مع هارون (عليه السلام) و هو نبيّ و وصيّ موسى، و عرف أولئك الناس مقامه و رفيع منزلته عند اللّه و قربه من موسى، قال تعالى: إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَ كادُوا يَقْتُلُونَنِي‏ (3) و كان ابن عمّ لبني إسرائيل و لكنّهم تركوه وحده و مالوا إلى عبادة العجل، و كذلك إخوة يوسف عرفوه بعلمه و ورعه و نبوّته أكثر من غيرهم و مع ذلك أرادوا قتله كما ظهر ذلك للعلماء و العقلاء، كما ذكر في كتاب اللّه: إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَ أَخُوهُ أَحَبُّ إِلى‏ أَبِينا مِنَّا (4) و إنّما قالوا ذلك لأنّهم أبناء علات،

____________

(1) الصف: 5.

(2) البقرة: 89.

(3) الأعراف: 150.

(4) يوسف: 8.

83

و أرادوا بأخيه شقيقه بنيامين.

و قال تعالى: يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها (1).

و قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في الخطبة الشقشقيّة بعد ذكره القوم و ما جنوه عليه و شكايته منهم و جرأتهم عليه: بلى و اللّه لقد سمعوها و وعوها و لكنّهم حليت الدنيا بأعينهم و راقهم زبرجها، فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَ لا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (2) كما قتل عمر بن سعد عليه اللعنة الإمام الحسين طمعا بملك الري و قزوين و الديلم، فدخلت روحه الخبيثة النار قبل أن يرى هذا الملك بعينيه، خَسِرَ الدُّنْيا وَ الْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ‏ (3).

سؤال: إذا كان القوم لا يجهلون مقام أمير المؤمنين (عليه السلام) فكيف إذا شتموه و لعنوه و هم يعرفونه؟

الجواب: كان إبليس يعرف نبوّة آدم، و مثله بنو إسرائيل يعرفون مرتبة موسى و عزّته، و عرف أولاد يعقوب أخاهم يوسف، و يقول اللّه أيضا: وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ‏ (4) و كان إيمانهم تقليدا فخذلهم اللّه تعالى، و عندنا و في مذهبنا هم كفّار باللّه و رسوله و بمخالفتهم إمام زمانهم، و صدق في حقّهم كلام اللّه حكاية عن إبليس لعنه اللّه: فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ‏ (5) و قال تعالى: وَ لَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ‏ (6).

____________

(1) النحل: 83.

(2) لقمان: 33.

(3)

(4) الأنعام: 91.

(5) ص: 82.

(6) النساء: 20.

84

و مع هذا فلا يخفى على أهل العقل مقام أمير المؤمنين و قرابته و أهل بيته من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و كان بنو أميّة على فرق شديد خشية أن يعرف العامّة فضلهم و علوّ مرتبتهم و عزّتهم على صعيد الترفّع و القرابة من النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) فيخرجون عليهم.

و ذكرت كتب التاريخ و السير أنّهم كانوا يحرّضون الناس عليهم و يلعنونهم و لكنّهم لا يذكرونهم بأسمائهم، فيسمّون أمير المؤمنين أبا تراب، و الحسن و الحسين أولاد أبي تراب، فخرجوا على أهل البيت (عليهم السلام) و أرادوا محو شريعة الإسلام، و يرفعونها من بين الأمّة، و اشتروا ذمم العلماء و أصحاب المعرفة بالجاه و المال و كثرة العطايا فعرّوهم عن دينهم.

و جرت حالهم مع عليّ و أولاده على نسق حال بلعم بن باعورا مع موسى و هارون، أو كبر صيصا الراهب: أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَ أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ* جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَ بِئْسَ الْقَرارُ (1).

سلّمنا بأنّ العامّة كانت تعلم بفضلهم و تعرف حالهم فكان شأن العامّة كشأن إخوة يوسف (عليه السلام)، قال اللّه تعالى: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى‏ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ آتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً (2) لا سيّما اليهود فقد عرفوا موسى و عيسى، قال اللّه تعالى: وَ قَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ‏ (3)، و قال تعالى: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَ إِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ‏ (4).

سؤال: بناء على هذا فإنّ العامّة لا تستحقّ اللوم و التعنيف؟!

____________

(1) إبراهيم: 28 و 29.

(2) النساء: 54.

(3) البقرة: 75.

(4) البقرة: 146.

85

الجواب: قال اللّه تعالى: فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ‏ (1) إلى أن قال تعالى:

فَأَغْرَقْناهُ وَ مَنْ مَعَهُ جَمِيعاً (2)، و قال تعالى: أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ‏ (3) و يشمل الآل هنا الأقارب و الأباعد لأنّ اللّه أهلكهم جميعا معه و أدخلهم إلى جهنّم.

و قال تعالى: كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ‏ (4)، وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَ أَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَ زُوراً (5) و هذا محض كذب منهم، و في القرآن أمثال هذه الآيات واردة في مواضع لا تعدّ و هي افتراء الواحد و اتّباع الآخرين له، و إعانته على ظلمه.

و في القيامة يتبرّأ التابع من المتبوع كما قال تعالى: رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَ كُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا* رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ وَ الْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً (6)، و قال تعالى: إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَ رَأَوُا الْعَذابَ وَ تَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ‏ (7).

و أوضح من هذه الآيات الآيتان التاليتان: أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَ أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ* جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَ بِئْسَ الْقَرارُ (8).

الجواب الآخر: النظر واجب على المكلّف في مثل هذه القضايا و التقليد غير جائز، و المقلّد و إن كان على الحقّ هالك لأنّ التقليد باطل، فكان الواجب على العامّة أن يتحرّوا في أمر الشيعة و أهل البيت حين شوّه العدوّ صورتهم الحقّ‏

____________

(1) الزخرف: 54.

(2) الإسراء: 103.

(3) المؤمن: 46.

(4) الأنعام: 71.

(5) الفرقان: 4.

(6) الأحزاب: 67- 68.

(7) البقرة: 166.

(8) إبراهيم: 28 و 29.

86

و الدقّة، بل هذا هو واجب العلماء قبل أن يجب على العامّة.

الجواب الآخر: على المكلّف أن لا يلقي بالا لما يقوله والداه و لا لما يقوله أهل الباطل.

لمّا وصل الملك السعيد محمود بن سبكتكين إلى العراق و كانت رايته قد بلغت الري، جاءه جماعة من النواصب و شكوا إليه الشيعة بأنّهم يسبّون الصحابة، فلم يقنع السلطان بأقوالهم و حكّم عقله، و شرع بالبحث و التحرّي و الفحص، و اجتهد في هذا الأمر بعد الجدّ و المثابرة، فعلم بتوفيق من اللّه أنّ الحقّ مع الشيعة، و المرجئة و القدريّة على الباطل، فاستبصر و نبذ ما كان يعتقد من العقيدة الباطلة، و لكنّه أخفى مذهبه صيانة لملكه لما رأى الضلال قد استحوذ على العالمين، فكان يمدّ الشيعة و الأشراف بالمعونة مادام على قيد الحياة بجدّ و اجتهاد بالحدّ المقدور له.

و هذه القصّة ذكرها أبو الفضل الكرماني في تاريخه، و كان يستعمل خواصّه من الوزير و غيره و أصحاب أعماله من الشيعة دائما، و كذلك ملوك مازندران كانا مؤمنين أبا عن جدّ، و مثلهم الأمراء عضد الدولة و ركن الدولة و ناصر الدولة (1)، و كان بين الخلفاء من هو من الشيعة إلّا أنّه يتخفّى منهم الخليفة الناصر، و كان من أعيان تلك الدولة الصاحب كافي الكفاة و لم يكن أحد نظيره، و له عشرة آلاف بيت في مناقب أهل البيت و مثالب أعدائهم و التبرّي من هؤلاء الأعداء.

و كان في وزراء سلاطين خوارزم القمّي و الكاشي، و آخر خليفة الذي أغار على الكرخ و نهب أهل البيت و آل الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) لم يهنأ بذلك و وقع البلاء على رأسه.

و السلطان ملكشاه الذي قبل أقوال نظام الملك و قتل الكثير من الشيعة لم يمرّ عليه عام واحد حتّى هلك، و وصل نظام الملك الناصبي أيضا إلى الدرك الأسفل.

____________

(1) إن كان يقصد آل بويه فهم شيعة و لا يتخفّون عن أحد لأنّ السلطان كان لهم يومذاك. (المترجم).

87

و إذا نظرت بعين الحقيقة فلن تجد بيتا عادى هذه الطائفة إلّا هلك، في الصدر الأوّل حين أظهر قوم من الصحابة عداوتهم أدال اللّه منهم و لم يبق لهم أمر و لا لأولادهم، فإذا سمعت عن فلان بأنّه بكريّ أو عمريّ أي أنّه من ذرّيّة هذين الاثنين فهو كذب محض، و الدليل على ذلك أنّ القوم ليست لهم شجرة و لم يقل أحد أنّ لهم أخلافا.

الثاني بنو أميّة مثل معاوية و يزيد و عثمان إلى خمسة عشر ملكا، و قضى على آخرهم الأمير الغازي أبو مسلم المروزي بجيش من خراسان، و قتلة الحسين قضى عليهم المختار و المسيّب قضاءا مبرما، و تركاهم جذاذا، و أرسلا إلى جهنّم أضعافا مضاعفة منهم، و يقرؤون اليوم هذه الآية: رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَ كُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا الآية (1).

و لمّا جائت النوبة إلى بني العبّاس بدؤوا حكمهم بقتل السادة و الأئمّة كما دلّ على ذلك كتاب «مقاتل الطالبيين» الذي ألّفه الاصفهاني حيث قتل كلّ خليفة منهم الآلاف ردّا على قوله تعالى: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (2).

و جعل اللّه ما قوله الناصبون من ترّهات عن ملوكهم و سلاطينهم فيدعون هذا أمير المؤمنين، و ذاك خليفة المسلمين هباءا منثورا، و مدّ ظلّ راية محبّي أهل البيت و دولتهم على أقاصي العالم، و وضع بني زياد و بني مروان و بني العبّاس و بني سفيان و أتباعهم حيث يريد محبّو أهل البيت (عليهم السلام).

بيّنة: حكى عبد اللّه النيشابوري قال: كانت بيني و بين حميد بن قحطبة الطائي الطوسي معاملة، فذهبت إليه يوما و أقمت في موضع، فلمّا علم بمقدمي أرسل إليّ‏

____________

(1) الأحزاب: 67.

(2) الكوثر: 1.

88

أحد رجاله فدعاني و أنا ما أزال في ثياب السفر، فذهبت إليه و كنّا في شهر رمضان، فدعاني إلى الجلوس، فأمر لي بماء و وضوء، فغسلت يدي، و أمر لي بطعام فنسيت أنّنا في شهر رمضان فرفعت إلى فمي لقمة أو لقمتين فتذكّرت أنّنا في شهر رمضان فأمسكت عن الطعام، فقال لي حميد: مالك؟ أعرضت عن الأكل.

فقلت له: لعلّ لك عذرا من مرض و غيره منعك من الصوم، أمّا أنا فلا عذر لي.

فقال: و أنا أيضا ليس لي عذر يوجب الإفطار و لكنّي يائس من رحمة اللّه، ثمّ شرع بالبكاء، و لمّا فرغ من الأكل سألته: يا أمير، مالك تبكي هكذا؟

قال: لمّا وصل هارون الرشيد إلى طوس، دعاني ليلة و جائني خادمه فقال:

أجب أمير المؤمنين، فلمّا جئته وجدت بين يديه شمعا يضي‏ء، فسلّمت عليه و أنا خائف على نفسي منه، و وجدت سيفا إلى جانبه، فرفع رأسه و قال: كيف طاعتك لأمير المؤمنين؟ فقلت: طاعتي لأمير المؤمنين بالنفس و المال، فردّني إلى البيت حالا.

فما بلغت بيتي حتّى جائني خادمه ثانيا و قال: أجب أمير المؤمنين، فاسترجعت و قلت في نفسي: ما دعاني إلّا للقتل، فوقفت بين يديه أرتعد من الخوف، فلمّا رآني، قال: كيف طاعتك لأمير المؤمنين؟ قلت: طاعتي لأمير المؤمنين بالنفس و المال و الأهل و الولد و الدين، فضحك و دفع إليّ السيف الذي معه و قال: اذهب مع هذا الخادم و اعمل بما يأمرك به.

ثمّ سار بي الخادم إلى البيت فرأيت فيه حفرة عميقة جدّا، و رأيت في البيت أبوابا ثلاثة مغلّقة، و فيه ستّون علويّا من أولاد فاطمة محبوسين؛ منهم الشيخ و الشابّ و الكهل، فاخجرهم واحدا بعد الآخر و أمرني بضرب أعناقهم و ألقاهم في الحفرة حتّى قتلت منهم سبعا و خمسين رجلا، و رأيت بينهم شيخا حلو الطلعة،

89

مديد القامة، فلمّا رآني قال: أيّها الشقي، أما تستحي منّا و نحن من أهل بيت النبوّة و الإمامة، فماذا تقول لربّك يوم القيامة و بماذا تجيب المصطفى و المرتضى و فاطمة و الحسن و الحسين؟

فارتعدت فرائصي من قول الرجل، فقال لي الخادم اللعين: أتريد أن تعصي أمير المؤمنين؟ فضربت عنق ذلك الشيخ خوفا على نفسي إلى أن قتلت الستّين و كلّهم فاطميّون و علويّون، أيّها الرجل، فإذا كانت حالي بهذه المثابة فماذا ينفعني الصوم و الصلاة؟! لا شكّ بأنّي من أهل النار.

بيّنة: المعروف عن المنصور الخليفة أنّه كان يقيم البناء ببغداد و يضع سادات العلويّين في جدره حتّى يموتوا، و ذكر ذلك الكبار في تصانيفهم و الشعراء بأشعارهم، و كان كلّ خليفة يأتي يفخر على صاحبه بأنّه زاد عليه بقتل العلويّين، و قال اللّه تعالى لنبيّه (صلّى اللّه عليه و آله): إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (1)، و قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): كلّ حسب و نسب ينقطع إلّا حسبي و نسبي.

و كره اللّه استئصال أهل البيت و أراد بقائهم في الدنيا، فلن تجد اليوم بقعة من بقاع الإسلام إلّا و فيها من السادة الآحاد أو العشرات أو المئات و الآلاف، يموجون كما يموج النمل في قراه، و يلعنون ظالمي آبائهم و أجدادهم كما يلعنون الشامتين بهم، و خلاصة الأمر أنّ أبا مسلم المروزي رفع اللعن عن أهل البيت.

أمّا التعصّب فقد كان ضاربا بجرانه بين الملل الإسلاميّة حتّى وصلت النوبة إلى الصاحب الأعظم شمس الحقّ و الدين محمّد صاحب الديوان، فرفع التعصّب عن العالمين و صار سادات الدنيا و علماء الزمان بإكرامه و إنعامه عليهم و نظمه لأمورهم‏

____________

(1) الكوثر: 3.

90

و إدرار المعاش عليهم مرفّهين، و لم يشاهد السادات في الحقب كلّها مثل هذه العزّة، و مثل هذا التقدير و الاحترام الحادث في زمانه، و كان سادات أهل البيت و أولاد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقاسون الأمرّ مع الخصوم و المخالفين في مدى الأحقاب و السنين، و كانوا واقعين تحت طائلة العداوات و الخصومات، يتحمّلون المحن و الشدائد و الشتائم، بل شنّت عليهم الحرب العوان إلى هذا اليوم، حتّى بلغت النوبة الملك و العاهل. مخدومنا محبّ أهل بيت النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، موالي العترة الطاهرة، رضيع قوله تعالى: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ‏ (1) وارث ملك دارا و الاسكندر المهيب: لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ‏ (2)، سيف اللّه: وَ أَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ (3) فأخرج العصبيّة من هامات القدريّة، انتقام اللّه على المنافقين، حجّة اللّه على سلاطين الجور و الجبر، بهاء الحقّ و الدين محمّد بن محمّد صاحب الديوان، الذي سلب القوّة في العالم كلّه من المنافقين و المعاندين و المخالفين، فلا يستطيع أحد منهم و إن أوتي الحول و الطول أن يظهر عصبيّة أو خصاما، بل أكثر القوم خوفا من هذه الدولة يظهرون التشيّع و ليكن ما يكون.

و إنّي أنا العبد الأقلّ أحبّ أن أبيّن بعض الدلائل على إمامة أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) و أولاده (عليهم السلام) قبل البدء في الموضوع المزمع بيانه لأنّ التوليّ سابق على التبرّي، لكي لا يخلو هذا الكتاب النفيس من فائدتين، و يكون مرجعا للشيعة، و يلمّوا منه بتحقيق المذهب، لأنّ علمائنا حين فقدوا الناصر و كثر عليهم العدوّ مالوا عن التصريح إلى التلميح، و اكتفوا عن البيان بالتعريض و الكنايات، و ما

____________

(1) النور: 36.

(2) الحشر: 13.

(3) الحديد: 25.

91

يسطرونه في أسفارهم لا يعدو التعريض إلّا القليل منهم، و لكنّي أنا العبد واثق باللطف الإلهي بمعاجز الأئمّة (عليهم السلام)، و ما علمته كتبت أربعة دوانق منه و ذهب دانقان هدرا «لأنّ الإجماع حصل بأنّ التقيّة واجبة ...» (1).

و لقد وجدنا نحن العون و الظهير بسلطان كمخدومنا بهاء الدين محمّد، و لم يكن للعلماء هذا السند و الظهير، و ما توفيقي إلّا باللّه، و ما الاستعانة إلّا منه، و عليه أتوكّل و إليه أنيب.

____________

(1) أمّا في زماننا فقد ذهب موضوع التقيّة إلى غير رجعة، و يجب أن نعرّي أعداء اللّه النواصب من ثيابهم حتّى تبدو سوءاتهم، لا لأنّنا أقوى منهم بل قوّتنا بالحقّ و الحجّة. (المترجم).

92

الباب الخامس في دلائل حجّة اللّه على خلق اللّه أمير المؤمنين عليّ و أولاده الطاهرين صلوات اللّه عليه و عليهم أجمعين‏

الدليل الأوّل: اعلم أننا وجدنا الأمّة اختلفت بعد نبيّها بالخلافة، فقال بعضهم: أبو بكر، و قال بعضهم: عليّ، و لمّا بحتنا الأمر و قلّبناه على وجوهه و فحصناه فحصا دقيقا وجدنا ثلاثا و سبعين مذهبا، مدحوا عليّا في كتبهم العلميّة و على لسان خطبائهم و وعّاظهم و أهل بيته و أثنوا عليه و عليهم و لم يعترضهم الشكّ في إمامته و لم يختلفوا و لو يوما واحدا، إلّا أنّ طائفة قالوا إنّه الإمام بعد النبيّ بلا فصل، و طائفة قالوا بعد عثمان. و اتفقت فرق الشيعة و هم ثمانية عشر فرقة على إمامته و إبطال إمامة الشيخين، فحصل الإجماع من الفرق الإسلاميّة كافّة على إمامته و بقي من عداه موضع تنازع و اختلاف، و أهل العقل يدركون على أنّ الاقتداء بالمتفق عليه أولى من المختلف فيه على كلّ حال.

الدليل الثاني: رأيت العالمين اتفقوا على عدالة عليّ و صلاحيّته و علمه و زهده و ورعه، و قال‏

93

الشيعة بعصمته بالدلائل العقليّة و النقليّة، و الإجماع حاصل على عدم معصوميّة أبي بكر و كان مشركا في ستّ و أربعين سنة من عمره حتّى أسلم، و اختلفوا في عدالته فنفاها بعضهم و كذلك أهليّته، و أثبتهما البعض الآخر له بعد الإسلام.

و لمّا لم يكن رسول اللّه بين ظهرانينا ليقطع مادّة النزاع بيننا و نقتدي به وجب الاقتداء بمقطوع العدالة و الورع و الصلاحيّة، و الاقتداء به أولى من الاقتداء بمن اختلف في عدالته، و طال النزاع حولها حتّى بلغت الأقوال فيها الآلاف، و لو عمد القوم إلى الانصاف، و أخرجوا التعصّب للمذهب من رؤوسهم فإنّهم لا يستطيعون إثبات العصمة و الأهليّة لأحد من الناس لا سيّما بناءا على مذهبهم الذي يجيز المعاصي حتّى على الأنبياء، و يقولون: ليس من المستحيل أن يسلب اللّه العبد إيمانه عند موته و يحلّ محلّه الكفر بإرادته، و في مذهب الشيعة لا يجوز هذا الظلم على اللّه تعالى.

أمّا الذين أثبتوا له الأهليّة و الصلاحيّة فحجّتهم ظاهرة، و أمّا الّذين نفوهما عنه فإنّهم قالوا: لو كانت للرجل صلاحيّة أو ورع لم يتقدّم على عليّ صاحب الحقّ و لم يغصب فدكا من فاطمة الزهراء (عليها السلام) التي نحلها النبيّ‏ (1) إيّاها، و لأعطى الخلافة عند هلاكه إلى عليّ (عليه السلام) لأنّه صاحب الحقّ، و أجرى الحدّ على خالد بن الوليد الذي زنى بزوج مالك بن نويرة كما أشار عليه عمر بن الخطّاب و لكنّه رفض ذلك.

الدليل الثالث: طالعت كتب التاريخ، و السير زائدا على ذلك حاورت علماء الطوائف متفحّصا

____________

(1) يستعمل المؤلّف دائما كلمة «الرسول» و أنا لا أستحلّ استعمالها لأنّ المبشّرين و منهم عدوّ اللّه لويس شيخو لعنه اللّه استعملوها كيدا و دسّا بزعم أنّ رسول اللّه كان رسولا من رسل كنيستهم فلذلك يطلقون عليه، هذه الكلمة ليسرّوا حسوا في ارتغاء و أنا استبدلت كلمة النبيّ بها.

(المترجم).

94

فرأيت أنّه ما من نبيّ أو رسول كان خليفته و القائم مقامه مشركا من قبل و آمن بعد سلخ أربعين سنة من عمره في الشرك، و خلّى ورائه ثلاثمائة و ستّين صنما ثمّ أسلم، و لمّا لم يشاهد هذا في تاريخ الأنبياء فإنّ نبيّنا و هو الأفضل و خاتم الأنبياء كيف يكون خليفته على خلاف ما عليه خلفاء الأنبياء، و اللّه تعالى يقول: قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ‏ (1)؟ و كيف يرتكب خليفة المعاصي و يفعل النواهي و عبد اللات و العزّى إلهين من دون اللّه؟ و جميع فرق الإسلام يقولون: إنّ عليا (عليه السلام) لم يشرك باللّه طرفة عين أبدا، فوجدت العدالة و العفّة و العصمة هذه اللوازم للإمامة موجودة في عليّ (عليه السلام) و ليست في غيره من سائر الخلفاء فقطعت ببطلان خلافتهم و صحّة خلافته (عليه السلام).

الدليل الرابع: تتبّعت آثار و أخبار و تواريخ علماء السلف فوجدت أنّ نبيّا لم يخرج من الدنيا حتّى يكون ذرّيّته و أقربائه خلفائه و القائمين مقامه؛ فكان وصيّ آدم ولده شيث و اسمه هبة اللّه، و وصيّ نوح سام ابنه، و أولاد إبراهيم: إسماعيل و إسحاق أوصيائه، و وصيّ يعقوب يوسف، و موسى أقام مقامه أخاه هارون في حياته، و يوشع بن نون بعد وفاته، و يوشع بن نون عمّ موسى، و داود ولده سليمان، و عيسى و يحيى و كلاهما أبناء خالفة، و زكريّا قريب عسى، و ما فعله هؤلاء الأنبياء من نصب أقاربهم خلفائهم لا بدّ من كونه بأمر اللّه تعالى فيكون هذه السنّة مطّردة في جميع الأنبياء من اللّه تعالى، كما قال: سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا وَ لا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا (2) و مفهوم هذه الآية: إنّك ماض على سنن من قبلك من الأنبياء.

____________

(1) الأحقاف: 9.

(2) الإسراء: 77.

95

و الإجماع حاصل على أنّ سنّة الأنبياء لم تنسخ في هذه الشريعة فلا بدّ من بقاء التوحيد و العدل و النبوّة و الإمامة لكي لا يكون معنى الآية معطّلا.

و قال: فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ‏ (1) و كان إبراهيم قد استخلف ذرّيّته فلا بدّ من كون خليفة نبيّنا من أقربائه، وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ بِبَعْضٍ‏ (2) و لم يكن مستحقّا لهذا الأمر و مؤهّلا له بعد النبيّ من أقربائه إلّا عليّ و أولاده (عليهم السلام) لو لا ما فعله الصحابة.

الدليل الخامس: كذلك استقرأت الكتب و إجماع أهل القبلة فلم أجد رسولا مات و لم يوص إلى أحد، كما قال تعالى: وَ وَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَ يَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى‏ لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ‏ (3)، و قال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): من مات بلا وصيّة مات ميتة جاهليّة (4). و نظير هذه الأخبار الدالّة على تحريضه أمّته على الوصيّة، فلا بدّ من أن يبادر إلى العمل بها قبل أمّته لأنّ اللفظ ورد بصيغة العموم، و اللّه تعالى يقول:

أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ‏ (5).

و الإجماع منعقد على أنّ أبا بكر و عمر لم يكونا وصيّي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بل الوصيّ عليّ (عليه السلام)، يشهد بذلك المؤالف و المخالف، على ذلك و كان أوصياء أنبياء السلف أئمّة

____________

(1) آل عمران: 95.

(2) الأنفال: 75.

(3) البقرة: 132.

(4) الحديث موجود بكثرة في كتب أهل السنّة و الجماعة بالصيغة التي ذكر المؤلّف، و في بعض كتبهم غيّروا في السياق فرووه هكذا: من مات بلا إمام مات ميتة جاهليّة. (مسند أحمد، رقم 16489).

(5) البقرة: 44.

96

و لم يكونوا خلفاء حيث لم يكن في ذلك الزمان خليفة فينبغي أن يكون في زماننا وصيّ نبيّنا إماما كذلك.

الدليل السادس: قال اللّه تعالى: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى‏ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ‏ (1)، و قال: سَلامٌ عَلى‏ إِلْ‏ياسِينَ‏ (2)، و يس محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) بدليل قوله تعالى: يس* وَ الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ* إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ‏ (3).

و آل إبراهيم هم إسماعيل و إسحاق و يعقوب كانوا جميعا أنبياء و أوصياء، و آل عمران موسى و هارون و كانا نبيّين و لهما اختيار الأنبياء في زمانهما، و كان نبيّنا أفضل الأنبياء فينبغي أن يكون آله أفضل الآل من آل إبراهيم و آل عمران و كان لهما مرتبة النبوّة، و لم يكن أبو بكر و عمر من الآل بالإجماع و إنّما آله عليّ و الحسن و الحسين و باقي الأئمّة (عليهم السلام)، و الذي كان مشركا ثمّ أسلم لا يقدّم على من هو أفضل من الأنبياء و هم آل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).

و لا يمكن أن يراد بالآل جميع الأمّة لتخصيص اللفظ في القرآن بآل إبراهيم و آل عمران، و بظاهر اللغة لقول علماء السلف: آل الرجل ما يؤول إليه بالنسب و هو مشتّق من الأوّل و هو الرجوع، و تكون الأفضليّة بالعصمة و العلم و الورع و الجهاد في سبيل اللّه، و لا يوجد هذا المعنى إلّا في عليّ (عليه السلام) و يفقد ذلك الصحابة كلّهم في أنفسهم على كلّ حال.

____________

(1) آل عمران: 33.

(2) الصافّات: 130.

(3) يس: 1- 3.

97

الدليل السابع: لا خلاف بوقوع الخلاف بين المهاجرين و الأنصار على الخلافة و كانت حجّة المهاجرين عليهم أنّ «الأئمّة من قريش» و رسول اللّه منهم، و كون الإمام من قريش لأجل قرابتهم من النبيّ، و الأنصار ليست لهم هذه القرابة يقينا، و عليّ و الحسن و الحسين وارثوا رسول اللّه، و عليّ ابن عمّه و الحسنان ابناه.

و القرابة التي كانت لأبي بكر مع النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) كانت لعمرو بن العاص و لخالد بن الوليد و لسائر القرشيّين و لم يكن أحد من هؤلاء يستحقّ الخلافة لبعد قرابتهم و رفع العصمة عنهم و نفي النصّ بشأنهم، أو لخوفهم من اللّه تعالى القائل: لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ‏ (1) فلم يتقدّم أحد منهم إلى هذا الخطر العظيم ما عدى أبا بكر الذي صدقت عليه الآية: وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ‏ (2)، و قال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): إنّ اللّه اختار من ولد إبراهيم، إسماعيل، و اختار من إسماعيل قريشا، و اختار من قريش هاشما.

و لا يحقّ للصحابة أن يؤخّروا من قدّمه اللّه و اختاره و يخذلوه و يعدوّه رعيّة، و يحكموا غيره الذين خذلهم اللّه و يقدّموهم، و يعدّوا اختيار أبي سفيان المنافق و خالد بن الوليد و عمرو بن العاص مقدّما على اختيار اللّه و راجحا، فإذا ثبت هذا ثبتت إمامة عليّ و خلافته.

الدليل الثامن: اشتهر عند المؤالف و المخالف بأنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قال لعليّ: الحقّ مع عليّ و عليّ مع‏

____________

(1) الحجرات: 1.

(2) الشعراء: 227.

98

الحقّ يدور معه حيثما دار (1). و إذا ثبت بهذا الحديث أنّ الحقّ مع عليّ، تكون كلّ دعوى تخالفه باطلة، كما قال تعالى: فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ‏ (2) و لازم هذا بطلان خلافة أبي بكر بصورة واضحة و صريحة.

الدليل التاسع: روت أمّ سلمة و نقل روايتها المخالف و المؤالف عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه قال: عليّ مع القرآن و القرآن مع عليّ لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض‏ (3)، و الخصم يعترف بهذا، فمن لم يكن مع القرآن كان ضالّا مضلّا، و ثبت لدينا بنقل شايع مستفيض أنّ عليّا (عليه السلام) قال: ما زلت مظلوما منذ قبض رسول اللّه‏ (4)، و قوله: أنا أوّل من يحشر يوم القيامة للخصومة (5) و أمثال هذه الشكايات التي صدرت من جنابه، و أجمعت‏

____________

(1) راجع مجمع الزوائد للهيثميّ 7: 235، المعيار و الموازنة: 35 و نسبه في هامش الكتاب إلى فرائد السمطين 1: 176 ط 1، و تحت الرقم 1160 من ترجمة أمير المؤمنين (عليه السلام) من تاريخ دمشق 3: 117، و في الباب 25 من الفصل الأخير من غاية المرام: 539، و أيضا ذكره في ص 119 المعيار و الموازنة و ص 321 و 322، و فيه تتمّة: لا يفترقان حتّى يردا عليّ الحوض، و جاء في شرح نهج البلاغة 2: 297 و 18: 72.

(2) يونس: 32.

(3) المستدرك 3: 124 و قال الحاكم: صحيح الإسناد و لم يخرجاه، مجمع الزوائد 9: 134، المعجم الصغير للطبرانيّ 1: 256، المعجم الأوسط له أيضا 5: 135، الجامع الصغير للسيوطي 2: 177، كنز العمّال 11: 603 رقم 31912، فيض القدير 4: 47.

(4) الإمام عليّ (عليه السلام) لأحمد الرحمانيّ الهمداني: 739، عبد اللّه الحسن، المناظرات في الإمامة: 44، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 9: 306 و 10: 286.

(5) ذكره في كتاب المناظرات في الإمامة بسياق آخر و بنفس المعنى إلّا أنّ فيه تتمّة «مع الثلاثة» ص 395، و ذكره البخاري في صحيحه 5: 6 ط دار الفكر- بيروت بالأفست عن طبعة استانبول 1401 ه، المستدرك 2: 386، النووي على مسلم 18: 166، مقدمة فتح الباري لابن حجر:-

99

الأمّة على أنّ الحقّ مع القرآن، فمن خرج على القرآن كان ضالّا فاسقا و هو على الباطل، و عدوّ القرآن عدوّ اللّه و رسوله، فمن كان عدوّ اللّه و رسوله لا يليق بالخلافة كذلك القرآن دستور الشريعة الصامت و الإمام دستورها الناطق، و دستور الشريعة مقدّم و عدوّه عدوّ اللّه.

الدليل العاشر: ينبغي أن يكون الإمام أعلم رعيّته، له علم بكلّ ما تحتاجه و إلّا احتاج إلى إمام فوقه يعلمه و هذا يجرّ إلى التسلسل، و التسلسل باطل، و عليّ أعلم الصحابة و جاء فيه عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): أقضاكم عليّ و أعلمكم عليّ‏ (1) و كان يفتيهم، و لم يستطيعوا البتّ في قضيّة في غيابه، و لقد قال عمر ما يقرب من سبعين مرّة: لو لا عليّ لهلك عمر، و جمعت قضايا الإمام عند الفرق كلّها.

و جاء في كتب أهل القبلة أنّه سئل أبو بكر و عمر عن قوله تعالى: وَ فاكِهَةً وَ أَبًّا (2) فقالا: لا نعرف معنى الأبّ، و قال عليّ (عليه السلام) على المنبر مرّة بعد أخرى و المهاجر حاضر: سلوني قبل أن تفقدوني، و قال: علّمني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ألف باب من العلم ففتح لي من كلّ باب ألف باب، فإذا ثبت كونه الأعلم ثبتت إمامته لأنّ‏

____________

- 370، و فتح الباري 8: 116 و 337 و 11: 343، و شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 9: 206، كنز العمّال 2: 472 رقم 453، تفسير الطبري 17: 172، شواهد التنزيل للحسكاني: 503، تفسير القرطبي 12: 25، تفسير ابن كثير 3: 222، الدرّ المنثور للسيوطي 4: 348، تفسير الثعالبيّ 4:

113، هذه جميعها كتب للعامّة و لم نستشهد بها ثقة بها و لكن لندينها من فمها. (المترجم).

(1) فتح الباري 10: 478 و اقتصر على الجزء الأوّل، شرح نهج البلاغة 1: 18 و 7: 219، المنافي في فيض القدير 1: 285، كشف الخفاء للعجلوني 1: 162، تفسير القرطبي 15: 162 و 164 و كلّها ذكرت الجزء الأوّل من الحديث. (المترجم).

(2) عبس: 31.

100

تقديم الجاهل على العالم قبيح عند العقلاء كما قال تعالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ‏ (1)، و قال: الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ‏ (2).

الدليل الحادي عشر: اعلم بأنّ القوّة و العلم من صفات الكمال و صفات الأنبياء، فقد قال اللّه تعالى:

إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ‏ (3).

و قال في حقّ جبرئيل: عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى‏* ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى‏ (4).

و لمّا ذكر طالوت و وصفه لبني إسرائيل بعد إنكارهم نبوّته، قال: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَ زادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَ الْجِسْمِ‏ (5).

و قال عن داود: وَ اذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ (6).

و قال عن موسى حكاية لقول ابنة شعيب: يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ‏ (7).

و قال عن هود: وَ اذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَ زادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ‏ (8).

____________

(1) الزمر: 9.

(2) المجادلة: 11.

(3) الذاريات: 58.

(4) النجم: 5 و 6.

(5) البقرة: 247.

(6) ص: 17.

(7) القصص: 26.

(8) الأعراف: 69.

101

و جعل العلم في الأنبياء ضمن صفات الكمال و حصول القوّة و العلم لهم برهانا على صحّة نبوّتهم و إمامتهم، هذا و القوم يعلمون أنّ شيوخهم ليس عندهم عشر معشار ما لعليّ (عليه السلام) من القوّة و العلم فلم يؤثر عنهم اشتراك في حرب أو قتل كافر على أيديهم، أو أنّهم أصلحوا اعوجاجا أو خلالا في الإسلام، بل كانوا دائما مصداقا لقوله تعالى: وَ يُوَلُّونَ الدُّبُرَ (1) كما فعلوا يوم أحد.

و لا يخفى على العلماء أنّ عثمان بن عفّان فرّ ثلاثة أيّام في وقعة أحد ثمّ عاد بعدها و كان مختفيا هذه المدّة كلّها في غار و لم يملك قوّة القلب التي يخرج بها منه، فهذا علمهم و هذه شجاعتهم، و لكن إذا يحاس الحيس يتقدّمون، و كان عليّ ظاهرا و لم يطلبه أحد.

و إذا تكون كريهة أدعى لها * * * و إذا يحاس الحيس يعدى جندب‏

و لمّا ثبت أنّ عليّا أعلم و أشجع ثبتت إمامته و بطلت إمامة غيره على الوجه الأحسن.

الدليل الثاني عشر: لقد حصل الاتفاق منّا و منهم و بشهادة أبي بكر أنّه لا بجوز اتّباع غير عليّ (عليه السلام) لا سيّما بناءا على مذهب الخصم من صحّة إمامة أبي بكر، فلقد قال بحضور المهاجرين و الأنصار على منبر رسول اللّه: أقيلوني و لست بخيركم و عليّ فيكم، و يزعم الخصم أنّه ندم على قبوله الخلافة. إذن، خلافته لم تصحّ بأدلّة عقليّة لأنّ العقل ليس بحجّة عند الخصم، و لم تكن بالنقل إذ لو كانت بالنقل لما وقع الخلاف‏ (2)

____________

(1) القمر: 45.

(2) أخشى أن يستدلّ الخصم بالصلاة مع وجود النقل فيها، فقد اختلفوا في كيفيّتها و شرائطها و غير-

102

بين المهاجرين و الأنصار و مع ذلك فالخصم لا يدّعي نقلا يدلّ على النصّ عليه، فلم يبق في جعبتهم إلّا الاختيار، و كذلك تمّ فعلا حيث اختاره الصحابة، و لكنّه عزل نفسه و أخرجها من الخلافة و لم يأتنا خبر أكيد باختيارهم ثانية له أم لا.

و يظهر من كلامه أنّ خلافته باختيار الأمّة و يقول اللّه تعالى: ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ (1) فسلب الاختيار من الأمّة.

و اعترف بأنّه ليس خيرهم فتناول الحكم جميع الصحابة فلم يستثن أحدا فيقتضي على هذا أن يكون كلّ صحابيّ خيرا منه و أكبر و أعلم، و على هذا القياس يكون مفضولا لكلّ صحابيّ، و الصحابة خير منه فيكون تقدّمه باطلا لا سيّما و قد قال: «و عليّ فيكم» أي أنّ الحقّ معه و الأهليّة له و فيه و هو حاضر لديكم فانتخبوه.

الدليل الثالث عشر: لمّا أنزلت سورة برائة و فيها نبذ العهد المشرك أعطاها النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) إلى أبي بكر و بعثه إلى مكّة، و لمّا خرج أبو بكر من المدينة هبط الأمين جبرئيل على النبيّ و قال له: يا رسول اللّه، إنّ اللّه يقرئك السلام و يقول لك: لا يؤدّي عنك إلّا أنت أو رجل منك، فقال النبيّ: عليّ منّي و أنا من عليّ، فوجّهه على ناقته العضباء و كانت لرسول اللّه، و أمره أن يلحق أبا بكر فيأخذ منه برائة و يقرأها على الناس بمكّة، و قال:

خيّره بالرواح معك أو الرجوع، و العبارة النبويّة هي: اركب يا فتى ناقتي العضباء و الحق أبا بكر فخذ برائة من يده و امض بها إلى مكّة فانبذ بها عهد المشركين إليهم،

____________

- ذلك، أقول: هذا الاختلاف لا بدّ منه في المسائل النظريّة و لا يقصد المؤلّف مثله إنّما يقصد الخلاف الواقع في الصحّة و البطلان و هو أصل المسألة و كذلك خلافة أبي بكر. (المترجم).

(1) القصص: 68.