تعريب كامل البهائي - ج1

- عماد الدين الطبري‏ المزيد...
570 /
103

و خيّر أبا بكر بين أن يسير مع ركابك أو يرجع إليّ ...

فلمّا وصل عليّ إلى أبي بكر خاف و أخذ يسأل عليّا (عليه السلام) عن الحال، فقال: خير إن شاء اللّه، و أخبره بأمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و لمّا رجع إلى رسول اللّه، قال: يا رسول اللّه، إنّك جعلتني لأمر طالت الأعناق إليه، فلمّا توجّهت له رددتني عنه، هل نزلت فيّ آية؟ قال: لا و لكن الأمين هبط عليّ عن اللّه تعالى بأنّه لا يؤدّي عنك إلّا أنت أو رجل منك، و عليّ منّي و لا يؤدّي عنّي إلّا عليّ (عليه السلام)(1).

و كانت قوّة الإسلام بنبذ عهد المشركين، هذا و به ظهر صلاح حال المسلمين، و كان طلائع فتح مكّة، و هذا ملحق بمرتبة أمير المؤمنين العظيمة و مقاماته الرفيعة فإنّ اللّه لم ير من يليق لهذه المرتبة و هذه العزّة سواه، و شهدت بهذا كتب ثلاثة و سبعين مذهبا.

و وجه الاستدلال به أنّ سنة النبيّ باقية لا تتغيّر لا سيّما السنّة التي اعتضدت بنصّ إلهي فهي ليوم القيامة باقية: وَ لا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا (2) فيكون على هذا عزل أبي بكر قائما إلى يوم القيامة، و ولاية أمير المؤمنين و توليته كذلك باقية إلى يوم القيامة، و العجب من قوم يرونه خليفة و اللّه تعالى لم يره أهلا لتبليغ آية إلى الخلق حتّى أمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بواسطة جبرئيل أن يعز له و ينصب عليّا (عليه السلام) لهذا العمل الكبير.

____________

(1) راجع للحديث الكتب التاليه للشيعة و العامّة: أحمد الرحماني الهمداني، الإمام عليّ، ص 183؛ الأحمدي الميانجي، مكاتيب الرسول 1: 264؛ البيهقي، السنن الكبرى 5: 111 و قد غيّروا في السياق و حرّفوا الكلام ليصونوا ماء وجه صدّيقهم، و يأبى اللّه إلّا إراقته؛ الزرندي الحنفي، نظم درر السمطين: 132؛ تفسير نور الثقلين 2: 179 و 181 و 184.

(2) الإسراء: 77.

104

الدليل الرابع عشر: لمّا أمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بالهجرة من مكّة، أمر عليّا أن ينام في فراشه، و الحكاية على النحو التالي:

ائتمرت قبائل قريش على قتل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فهبط جبرئيل عليه و أخبره بما يعدّون له، و قال له: يا محمّد، إنّ هذه الجماعة تريد قتلك و استئصال شريعتك فاستخلف عليّا مكانك و مره بالنوم في فراشك، فأحضره النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و حاوره في الأمر، فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): يا رسول اللّه، أو تنجو إن رقدت أنا في فراشك و تسلم نفسك أم لا؟ فقال رسول اللّه: نعم أسلم إن شاء اللّه إن نمت في فراشي، فنام عليّ (عليه السلام) ليلا في فراشه و خرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) متخفّيا من مكّة و نادى مناديه بين أصحابه أن لا يخرج الليلة أحد من بيته من أصحابي، فرأى أبا بكر في طريقه قائما في الطريق، فقال: يا أبا بكر، ألم تسمع النداء؟ قال: نعم سمعته و لكنّي رأيت قريشا مختلفة الأهواء فحضرتهم، فاصطحبه معه لأنّ الصلاح في ذلك، و قال: ربّما تعرّض لضرب قريش فأخبرهم عنّي، و أرسل إلى عليّ (عليه السلام) في اليوم الثالث أن أحمل أهلي؛ النساء و بناتي معك فإنّي لا أثق بغيرك و لا أعتمد على سواك في العالم كلّه لطهارتك و أمانتك و طيب نفسك.

فخرج عليّ (عليه السلام) من بين الأعداء بعقل و رأي صائب و كفائة خلقيّة عظيمة، بحيث لم يلحق بأحد من الخارجين معه أيّ ضرر أو يشعر بخطر، و لم يظفر بهم أحد من الكفّار، و لم يجرأ أحد على التعرّض لهم في الطريق من قطّاعه لعلمهم بشجاعة عليّ (عليه السلام)، و سار من مكّة ماشيا على قدميه مهاجرا حتّى بلغ المدينة و وصل إلى «قبا» و صحب رسول اللّه بأهله و عياله إلى المدينة بيوم واحد.

و لمّا كان عليّ في أوّل الهجرة خليفة رسول اللّه و القائم مقامه فلا بدّ أن يكون‏

105

خليفته أيضا في ختام الأمر لتبقى سنّة الرسول قائمة دون نسخ أو تحريف إلى يوم القيامة، و كان أبو بكر في تلك الآونة خادما، و شأنه شأن المكارين في خدمة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، و كان خليفته على أمّته عليّ (عليه السلام)، و لم تكن لياقة ذلك لبشر سواه، و لمّا كان في هجرته الأولى من بلد إلى بلد على خلفته فينبغي أن يكون في هجرته الأخرى من الدار الفانية إلى الدار الباقية عليّ أيضا ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَ‏ (1).

الدليل الخامس عشر: لمّا فرغ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) من غزاة حنين أمره اللّه تعالى بأن يبادر إلى غزاة تبوك، و تبوك موضع في بلاد الروم، و جائه جبرئيل فأخبره بعدم الحرب هناك لذلك ما من حاجة إلى وجود عليّ في هذه الغزوة، لأنّهم سوف يصالحونك و ينالون رضاك، فأضمر المنافقون و أعراب المدينة الشرّ في أنفسهم و قالوا: سوف نغزوا المدينة و نغير عليها بعد خروجه و نأسر نساء المهاجرين و الأنصار و أطفالهم، و هذا يؤدّي إلى خراب الدين و تشويه سمعة الإسلام و تدنيس عرض أهله، و لمّا علم اللّه ما في قلوبهم أمر جبرئيل النبيّ بإبقاء عليّ في المدينة لحمايتها و استخلافه بها رعاية لحفظ دين الإسلام: لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ‏ (2) و أعلمهم اللّه بوجود جماعة من المنافقين كثيرة بينهم، فأراد سبحانه أن يميز المنافقين عن المؤمنين و تعرف المؤمنون نفاقهم.

و لمّا علم الحال من جبرئيل، أمر المنادي بتحريض المسلمين على القتال أيّاما، فأبى كثير منهم و تقاعسوا عن الجهاد، و بعضهم احتجّ بالحرّ الشديد و نضوج الثمر فلو أنّهم ذهبوا لتلفت الثمرة، و مع هذا فإنّ قوّتنا عاجزة عن قتال عدد مثل الروم،

____________

(1) ق: 29.

(2) الحشر: 13.

106

فأقام النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) عليّا مقامه و جعله نائبا عنه و خليفة، و خرج من المدينة في وضح النهار، فأراد المنافقون أن يأخذ عليّا معه ليخلو لهم الجوّ، و ينالوا مناهم، فأرجفوا به و قالوا: لم يتركه في المدينة حبّا به و إنّما استثقالا له، فلمّا بلغت مقالتهم أمير المؤمنين (عليه السلام) خرج مسرعا ينحو رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فأخبره بما سمعه من ذوي النفاق، قائلا: يا رسول اللّه، إنّ المنافقين يزعمون أنّك إنّما خلّفتني استثقالا و مقتا، فقال له النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): ارجع يا أخي إلى مكانك فإنّ المدينة لا تصلح إلّا بي أو بك، فأنت خليفتي في أهلي، و دار هجرتي، و قومي، أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي‏ (1).

____________

(1) تخريج حديث المنزلة: نحن نعرض لبعض المصادر التي أخرجته بما يتيسّر لنا إيذانا منّا بأنّ العلماء كتبوا في هذا الحديث خاصّة سندا و دلالة الكتب التي بلغت العشرات، و نقتصر على كتب الخصوم:

1- النسائي، فضائل الصحابة، ص 13، ط دار الكتب العلميّة- بيروت، أخرجه بعدّة طرق.

2- صحيح مسلم 7: 120، ط دار الفكر- بيروت، في عدّة طرق.

3- سنن الترمذي 5: 302، ط دار الفكر- الثانية سنة 1403، بثلاث طرق.

4- المستدرك 2: 337، ط دار المعرف- بيروت، 1406، بطريق واحد، و 3: 109 بطريقين.

5- السنن الكبرى للبيهقي 9: 40، ط دار الفكر بيروت، بطريق واحد.

6- شرح النووي على صحيح مسلم 15: 174، ط دار الكتاب العربي- بيروت، الثانية 1407 ه، و قال النووي في التعقيب عليه: قال القاضي: هذا الحديث ممّا تعلّقت به الروافض و الإماميّة و سائر فرق الشيعة في أنّ الخلافة كانت لعليّ و أنّه وصّى له بها ... الخ.

7- مجمع الزوائد 9: 109، ط دار الكتب العلميّة، 1408، بخمس طرق.

8- فتح الباري 7: 60 و 9: 53، ط دار إحياء التراث العربي، رابعة.

9- الديباج على مسلم للسيوطي 5: 386، ط السعوديّة، دار ابن عفّان، 1416 أولى.

10- تحفة الأحوذي 10: 157، ط دار الكتب العلميّة- بيروت، أولى 1410 ه.

11- مسند أبي داود الطيالسيّ: 28، ط دار الحديث- بيروت، بثلاث طرق.-

107

____________

- 12- المصنّف للصنعاني 5: 406، تحقيق حبيب الرحمان الأعظمي، ط المجلس العلمي، و 11: 226.

13- مسند الحميدي 1: 38، تحقيق حبيب الرحمان الأعظمي، ط دار الكتب العلميّة- بيروت، أولى 1409 ه.

14- مسند ابن الجعد: 301، تحقيق البغوي و عامر أحمد حيدر، ط دار الكتب العلميّة- بيروت.

15- المصنّف لابن أبي شيبة 7: 496، تحقيق اللحّام، ط دار الفكر- بيروت، أولى 1409 ه، بخمس طرق، و في 8: 562 بطريق واحد.

16- مسند ابن راهويه 5: 37، ط المدينة المنوّرة، مكتب الإيمان، أولى 1412 ه، تحقيق الدكتور برد البلوسي.

17- الدورقي، مسند سعد بن أبي وقّاص: 51، تحقيق صبري، ط دار البشار الإسلاميّة- بيروت، أولى 1407، بستّ طرق.

18- ابن قتيبة، تأويل مختلف الحديث: 13، تحقيق الأسعردي، ط دار الكتب العلميّة- بيروت.

19- الضحّاك، الآحاد و المثاني 5: 172، تحقيق الجوابرة، ط دار الدراية، أولى 1411.

20- كتاب السنّة لعمرو بن عاصم: 551، تحقيق الألباني، ط المكتب الإسلامي- بيروت، الثالثة 1413، بعشرين طريقا.

21- مجلسان من إملاء النسائي: 83، تحقيق الأثري، ط دار ابن الجوزي- الدمّام، أولى 1415، اثنين و ثلاثين طريقا.

22- النسائي، خصائص أمير المؤمنين: 48، تحقيق الأميني، ط نينوى الحديثة، اثنين و عشرين طريقا.

23- مسند أبي يعلى 1: 286، تحقيق حسين سليم أسد، ط دار المأمون للتراث، بطريق واحد، و 2: 57 بستّ طرق، و 12: 310 بطريق واحد.

و أعجب من كلّ عجيب عبد اللّه بن سليمان الأشعث في قصيدته حين روى الحديث المتواتر في عليّ، في أبي بكر و عمر، ص 43، تحقيق محمود محمّد الحدّاد، ط أولى 1408- دار طيبة الرياض، و الممسوخ هو كما يلي: و تسميتهما بالوزيرين بيّن روي من حديث ابن عبّاس و أبي سعيد و أبي ذر و ابن عمر و أبي أمامة و غيرهم بألفاظ، منها: لكلّ نبيّ وزيران، إنّ لي وزيرين،-

108

____________

- وزيراي، إنّ اللّه أيّدني بوزيرين أهل، أبو بكر و عمر منّي بمنزلة هارون من موسى، و انظر الكنز 11566 و رجعت الكنز فما وجدت شيئا من هذا، و تفاهة هذا القول لا تحتاج إلى ردّ فإنّه موضوع ليضاهوا به الحديث المتواتر الذي نحن بصدده.

24- جزء الحميري: 28، تحقيق زيد بن مجدد عليزئي، ط أولى، دار الطحاوي، حديث أكادمي- الرياض، 1413.

25- أمالي المحاملي، تأليف الحسين بن إسماعيل المحاملي، ص 209، ط أولى 1412، تحقيق الدكتور إبراهيم القيسي، بطريقين.

26- خيثمة بن سليمان الإطرابلسي، حديث خيثمة، ص 199، تحقيق الدكتور عمر عبد السلام التدمري، ط 1400 دار الكتاب العربي- بيروت.

27- صحيح ابن حبّان 15: 16، تحقيق شعيب الأرناؤط، ط مؤسسة الرسالة، الثانية 1414 ه، بأربع طرق.

28- المعجم الصغير للطبراني 2: 22، ط دار الكتب العلميّة- بيروت، بطريقين.

29- الأوسط 2: 126 بطريق واحد، و 3: 139 بطريق واحد، و 5: 287 بطريق واحد، و 6: 83 بطريقين، و 7: 311 بطريق واحد، و 8: 40 بطريق احد، و الكتاب طبع دار الحرمين، تحقيق إبراهيم الحسيني.

30- الكبير 1: 146 بثلاث طرق، ط ثانية، مكتبة ابن تيميّة- القاهرة، مطبعة دار إحياء التراث العربي، بدون تاريخ، و 2: 247 بطريق واحد، و 4: 17 بطريقين، و 5: 203 بثلاث طرق، و 11: 61 بطريقين، و 12: 15 بطريقين، و 19: 291 بطريق واحد، و 23: 377 بطريق واحد، و 24: 147 بخمس طرق.

31- الحاكم النيسابوري ذكره في معرفة علوم الحديث من غير تخريج، ص 252، ط دار الآفاق الجديدة- بيروت، الرابعة 1400.

32- ابن عمرو النقّاش، فوائد العراقيين، ص 94، ط مكتبة القرآن- القاهرة، تحقيق مجدي السيّد إبراهيم، بطريق واحد.

33- ابن بشكوال، جزء بقي ابن مخلد، ص 126، تحقيق عبد القادر محمّد عطا صوفي، ط المدينة المنوّرة، مكتبة العلوم و الحكم، أولى 1413، بطريق واحد.-

109

____________

- 34- موارد الظمئان للهيثمي: 543، تحقيق محمّد عبد الرزاق حمزة، ط بيروت- دار الكتب العلميّة، من غير تاريخ، بطريق واحد.

35- كنز العمّال 5: 734 رقم 14241، تحقيق الحياني و صفوة السقاط، مؤسسة الرسالة- بيروت، لبنان، و 9: 167 رقم 25554، و 25555، و 11: 567.

و هنا قاصمة الظهر، فقد روى الحديث في الشيخين و لفظه: أبو بكر و عمر منّي بمنزلة هارون من موسى ... و بالطبع هذا من الموضوعات التي طلبها معاوية من الوضّاعين لتناقض الحديث المتواتر حيث كتب إلى الآفاق أنّ الأحاديث في الشيخين كترت فانظروا لا تدعوا حديثا يروى في فضل ابن أبي طالب إلّا وجئتموني بمناقض له في الخلفاء، ذكر ذلك جلّ المؤرّخين، فلعن اللّه معاوية و من تابعه و شايعه و رضي عنه.

و ص 599 الرقم 32881 و 32886، و ص 603 رقم 32915، و ص 606 رقم 32931- 32934، و ص 607 رقم 32935- 32937، و 13: 106 رقم 36345، و ص 124 رقم 36392 و 36395، و ص 151 رقم 36470، و ص 158 رقم 36488 و 36489، و ص 163 رقم 36495 و 36496، و ص 151 رقم 36470، و ص 158 رقم 36488 و 36489، و ص 163 رقم 36495 و 36496، و ص 172 رقم 36517، و ص 192 رقم 36572، و 16: 186 رقم 44216. و هذه الأرقام كلّها كتب و طرق أشار إليها المؤلّف بالأسماء و الأرقام و نحن اكتفينا بالثاني اختصارا.

36- الفتني، تذكرة الموضوعات: 8، ذكره و نفى عنه الوضع، و ذكره ص 97 و قال: متفق عليه، و في موضع آخر ذكر له زيادة و هي: لو كان لكنته. قال الخطيب: زيادة: و لو كان لكنته لا نعلم رواها إلّا ابن أبي الأزهر، و ذكره العجلوني في كشف الخفاء 2: 382 و قال: رواه أحمد و الشيخان و الترمذي و ابن ماجة عن سعد بن أبي وقّاص، و الكتاب مطبوع في دار الكتب العلميّة، ثانية 1408 ه.

37- نظام المتناثر من الحديث المتواتر، للشيخ محمّد جعفر الكتالي، ص 195، قال: و قد تتبّع ابن عساكر طرقه في جزء فبلغ عدد الصحابة فيه نيّفا و عشرين، و في شرح الرسالة للشيخ جسوس رحمه اللّه ما نصّه: و حديث «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى» متواتر، جاء عن نيّف و عشرين صحابيّا، و استودعها ابن عساكر في نحو عشرين ورقة، انتهى، طب الكتاب في مصر، دار الكتب السلفيّة، تحقيق شرف حجازي، طبعة ثانية.-

110

و هذا نصّ صريح في استخلافه، لأنّ هارون كان خليفة موسى (عليهما السلام)، و الآيات شاهد على ذلك: قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي* وَ يَسِّرْ لِي أَمْرِي* وَ احْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي* يَفْقَهُوا قَوْلِي* وَ اجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي* هارُونَ أَخِي* اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي* وَ أَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي‏ (1)، و قال اللّه تعالى في جوابه: قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى‏ (2)، و لو عاش هارون بعد موسى لما جاز عزله؛ لا بعد وفاته و لا في حال حياته، لأنّ دعاء موسى كان على الإطلاق، و أجابه اللّه جوابا على العموم: أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى‏.

و بناءا على هذا فقد ثبت النصّ على إمامة عليّ (عليه السلام) و الحجّة قائمة في فعل الرسول و سنّته إلى يوم القيامة.

الدليل السادس عشر: لمّا حجّ النبيّ حجّه الوداع و أقبل قافلا منها ينحو المدينة وصل إلى موضع يدعى غدير خمّ و هو واد قد اجتمعت فيه مياه السيول، و لم يكن في ذلك الموضع مكان للنزول، و كان الجوّ حارّا جدّا، فنزل جبرئيل على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بهذه الآية: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ‏ (3).

____________

- 38- حسن بن عليّ السقّاف، إرغام المبتدع الغبي: 59، و قال: رواه البخاري من طريق عبيد اللّه بن موسى العبسي ... و الكتاب مؤلّفه: الغماري الحسني، و محقّقه السقّاف، ط دار الإمام النووي، ط ثانية 1412.

39- إرواء الغليل للألباني، ذكره و قال: و هذا إسناد صحيح على شرط البخاري و قد أخرجه، و في ج 8 من فتح الباري ص 86، و ج 5 ص 11، و قال في ج 8 ص 127: أخرجه البخاري 2: 436 و 3:

177، فما من حاجة إلى أن نذكر البخاري هنا في من أخرجه بعد ذكر الألباني له، و الكتب التي خرّجت الحديث كثيرة جدّا نكتفي منها بهذا، و الحمد للّه.

(1) طه: 25- 32.

(2) طه: 36.

(3) المائدة: 67.

111

و كان النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) على خوف من المخالفين و المنافقين من الصحابة، لأنّهم أعلنوا عداوتهم لعليّ (عليه السلام) و كان وجلا منهم، فوعد اللّه نبيّه بالحفظ منهم و من شرّهم، و كان الموضع مفترقا للقبائل إلى ديارهم و مساكنهم و بواديهم، فنزل النبيّ و أمر المسلمين بالنزول، و أمر مناديا ينادي: «الصلاة جامعة»، فداروا بالنبيّ و صنعوا له منبرا من حدوج الإبل، فرقاه النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و رفع عليّا معه، و خطبهم خطبة بليغة، و لمّا فرغ منها و فيها الحمد و الثناء، قال:

يا قوم، إنّي دعيت و يوشك أن أجيب، و قدّمني خفوق، من بين أظهركم، و إنّي مخلّف فيكم الثقلين، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا: كتاب اللّه و عترتي أهل بيتي، فإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض، ثمّ رفع صوته عاليا و قال: ألست أولى بكم من أنفسكم؟ فقالوا: اللهمّ بلى، فقال لهم على النسق و رفع بضبع عليّ حتّى بان بياض إبطيهما، و قال: فمن كنت مولاه فهذا عليّ مولاه، اللهمّ وال من والاه و عاد من عاداه، و انصر من نصره و اخذل من خذله، ثمّ نزل من المنبر و ذهب إلى الخيمة المعدّة لذلك، و كان الحرّ شديدا إلى درجة لفّ القوم أرجلهم بأرديتهم، و لاذوا حول المنبر.

و لمّا دخل النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) الخيمة أذّن المؤذّن للصلاة، فصلّى بهم النبيّ جماعة، و أمر بنصب خيمة أخرى إلى جانب خيمته و أجلس عليّا فيها، و أمر من كان حاضرا هناك بالسلام عليه بالإمامة، و أن يبايعوه بإمرة المؤمنين فبايعه المهاجرون و الأنصار كلّهم، و من بينهم عمر بن الخطّاب، فحيّاه و هنّئه و قال فيما قال: بخ بخ يا علي، أصبحت مولاي و مولى كلّ مؤمن و مؤمنة إلى يوم القيامة، و لمّا بايعه الرجال أمر النساء ببيعته، و كانت على النحو التالي: أمر بإناء ملي‏ء بالماء و وضع عليّ يده بالماء، و وضع الإناء على باب الخيمة فتأتي النساء للسلام عليه ثمّ يضعن أيديهنّ بالطشت و يذهبن، و كان هذا هو شكل بيعتهنّ.

112

و استأذن حسان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فقال: يا رسول اللّه، ائذن لي أن أقول في هذا المقام ما يرضيه تعالى، فقال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): يا حسان، على اسم اللّه، فقام حسان واقفا على قدميه و دار به الناس و اجتمعوا حوله، فأنشد أبياتا من الشعر مطابقة لمقتضى الحال، و لمّا فرغ من الإنشاد قال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): لا تزال يا حسان مؤيّدا بروح القدس ما نصرتنا بلسانك، و لمّا كان النبيّ يعلم ما يصير إليه أمر حسان جعل الدعاء مشروطا بلفظ «ما نصرتنا» و لم يجعله مطلقا، و مثله القول في نساء النبيّ لمّا علم اللّه مصير بعضهنّ جعل القول فيهنّ مشروطا لا مطلقا: يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَ‏ (1).

و لمّا علم طهارة أمير المؤمنين و فاطمة و الحسن و الحسين و عصمتهم و ثباتهم على الإيمان و الصلاحيّة، جعل آية مثوبتهم مطلقة و ليست مشروطة، كما قال تعالى: وَ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى‏ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَ يَتِيماً وَ أَسِيراً* إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَ لا شُكُوراً* إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً* فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَ لَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَ سُرُوراً* وَ جَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَ حَرِيراً (2).

الدليل السابع عشر: قال اللّه تعالى: وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُهاجِرِينَ‏ (3)، يقول اللّه تعالى: الرحم أولى من غيره بمقام رحمه، و أمير المؤمنين (عليه السلام) حاز الصفات الثلاث: فهو رحم و هو مهاجر و هو مؤمن:

و أمّا الدليل على إيمانه فسورة هل أتى و أمثالها، و الحديث المشهور الذي رواه‏

____________

(1) الأحزاب: 32.

(2) الدهر: 8- 12.

(3) الأحزاب: 6.

113

المخالف و المؤالف عن عليّ (عليه السلام) قال: شكوت إلى رسول اللّه حسد الناس لي، فقال:

أما ترضى أن تكون رابع أربعة: أوّل من يدخل الجنّة أنا و أنت و الحسن و الحسين‏ (1).

و الحديث المشهور أيضا: اشتاقت الجنّة إلى ثلاث: عليّ و عمّار و سلمان‏ (2).

و عندنا أنّ أبا بكر لا يستحقّها لأنّه ليس مهاجرا كما قيل إن شاء اللّه، و العبّاس و إن كان رحما إلّا أنّه ليس مهاجرا لأنّه كان من طلقاء بدر.

و لمّا اجتمع في عليّ (عليه السلام) الإيمان و الهجرة و الرحم كان أولى بمقام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من غيره‏ وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ‏ (3).

الدليل الثامن عشر: قال اللّه تعالى: فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ‏ (4) أنزل اللّه هذه الآية يوم المباهلة، و أبناءنا هنا الحسنان (عليهما السلام)، و نساءنا فاطمة (عليها السلام) بإجماع المفسّرين و اتفاق العالمين، و لم يكن أبو بكر و عمر حاضرين حين المباهلة، و أنفسنا لم يكن أحد غير عليّ (عليه السلام)، و لا يعقل أن يكون الداعي و المدعوّ واحدا، فلزم أن يكون أنفسنا غير رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). ثمّ إنّ العطف يدلّ على‏

____________

(1) الحسكاني، شواهد التنزيل 1: 185، تحقيق محمودي، ط أولى، مجمع إحياء الثقافة الإسلاميّة، و وافق سياق المؤلّف تفسير القرطبي 16: 22، ط بيروت- دار إحياء التراث العربي، 1405، كنز العمّال 13: 639 بحذف الصدر الأوّل من الرواية، المستدرك 2: 151 مثله، و كنز العمّال أيضا 12: 98. (المترجم).

(2) في كنز العمّال 13: 296: تشتاق الجنّة إلى أربعة: إلى عليّ و أبي ذر و عمّار و المقداد.

(3) المائدة: 44.

(4) آل عمران: 61.

114

المغايرة ثمّ لا يجوز الفصل طبقا لقواعد اللغة بين الشي‏ء و نفسه بأجنبيّ‏ (1)، فتبيّن من هذا أنّ أنفسنا غير الداعي، و لقد قال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): «يا علي، نفسك نفسي، و دمك دمي، و لحمك لحمي‏ (2).

و لمّا ثبت كون عليّ (عليه السلام) نفس رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) تكون خلافة أبي بكر و عمر باطلة لوجود نفس رسول اللّه بينهم، و يحرم تقدّمهما عليه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ‏ (3).

الدليل التاسع عشر: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ‏ (4). لم يؤثر عن أحد منذ خلق اللّه آدم إلى يومنا هذا أنّه أعطى الزكاة و هو راكع سوى عليّ (عليه السلام)، و الحكاية كالتالي:

كان عليّ (عليه السلام) يصلّي في مسجد رسول اللّه، فجاء سائل و الإمام راكع، فسأله، فأشار إليه باصبعه إلى خاتم في بنصره.

قال جار اللّه العلّامة: كان من عادة عليّ (عليه السلام) أن يتختّم باليمين، و ما قيل من أنّ‏

____________

(1) ينبغي إيضاح ذلك للقاري، فقوله: العطف يدلّ على المغايرة، ناظر إلى أنّ في «ندعو» ضمير يعود على النبيّ أي «هو» و أنفسنا معطوف عليه كلفظ «نسائنا» فلا بدّ من كون المعطوف «أنفسنا» مغايرا للمعطوف عليه «هو» و هذه سنن العطف، أضف إلى ذلك لو قلنا بأنّ أنفسنا مع ضمير «هو» في قوله «ندعو» واحد لكنّا فصّلنا بينه و بين نفسه بأجنبيّ و هو «أبناءنا و نسائنا» و هذا لا يجوز في قواعد اللغة. (المترجم).

(2) اقتصر على الجزء الأخير في مناظرات الإمامة لعبد اللّه حسن، و أحال على: لسان الميزان 3:

247، مجمع الزوائد 9: 111، ينابيع المودّة: 50 الباب السادس، نظم درر السمطين: 79، فرائد السمطين 1: 150 ح 113 و ص 332 ح 257.

(3) الحجرات: 1.

(4) المائدة: 55.

115

الصلاة سنّة و الصدقة سنّة و لو قيل بأنّهما فرضان فلا يتداخلان أيضا لأنّهما متغايران، فالصلاة تغاير الزكاة.

و انتزع السائل الخاتم من اصبعه.

و في الآية إشاره إلى أنّه المتصرّف في أمور الدين و القيّم على الإسلام، و من كان بهذه الصفة أعني متصرّفا في أمور الدين بنصّ من اللّه و قيّما على عباد اللّه لا بدّ أن يكون إماما و وليّا على الناس.

الدليل العشرون: روي عن طريق المخالفين و الشيعة هذه الروايه المشهورة و هي أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أعطى الراية يوم خيبر لأبي بكر، ثمّ أعطاها ثانية لعمر، و في الثالثة أعطاها لعمرو ابن عاص‏ (1) فعادوا بها منهزمين، فغضب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و قال: لأعطينّ الراية غدا رجلا يفتح اللّه على يديه، يحبّ اللّه و رسوله و يحبّه اللّه و رسوله، فتطاولت إليها أعناق الصحابة، فلمّا أصبح الصباح نادى منادي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): أين عليّ بن أبي طالب؟ قالوا: يا رسول اللّه، يشتكي عينيه، فبعث خلفه، فلمّا حضر وضع من ريقه في عينيه فعافاه اللّه حالا، فأعطاه الراية (2)، فقال عليّ (عليه السلام): أقاتلهم حتّى‏

____________

(1) لم يكن يومها ابن العاص قد أسلم، فقد كان إسلامه سنة ثمان قبل الفتح بستّة أشهر، و لعلّ المؤلّف استند إلى رواية تقول: إنّه أسلم عام خيبر، و لو صحّ فإنّ ذلك لا يكون إلّا بعد الواقعة لأنّ العام لم يسمّ باسم الواقعة حتّى وقعت، و على كلا التقديرين فإنّ إعطائه الراية غير صحيح.

راجع: أسد الغابة 4: 116. (المترجم).

(2) ذخائر العقبى: 73؛ فضائل الصحابة للنسائي: 16؛ مسند أحمد 1: 99 و 185، 4: 52؛ صحيح البخاري 5: 76؛ صحيح مسلم 5: 195، 7: 120 و 122؛ سنن ابن ماجة: 45؛ و سنن الترمذي 5:

302؛ السنن الكبرى 6: 362 و 9: 107 و 131؛ شرح النووي على صحيح مسلم 1: 141؛ مجمع الزوائد 6: 150 و 9: 123 بخمس طرق؛ فتح الباري 7: 365؛ المصنّف لابن أبي شيبة 8: 520،-

116

يكونوا مثلنا؟! فقال: انفذ على رسلك حتّى تنزل بساحتهم ثمّ أدعهم إلى الإسلام، و أخبرهم بما يجب عليهم من حقّ اللّه، فو اللّه أن يهدي اللّه بك رجلا واحدا خير من أن يكون لك حمر النعم.

و هذا الحديث أجمع عليه أهل القبلة، و هو دليل على عزل أبي بكر و عمر و نصب عليّ (عليه السلام)، و غضب النبيّ عليهما، و حبّ اللّه لعليّ الصادق الصدّيق.

الدليل الواحد و العشرون: كانت خلافة أبي بكر بالبيعة و هي باطلة؛ لأنّ الإمامة لو كانت بالبيعة أو لو كانت البيعة تدلّ على صحّتها لكان بنو أميّة بأجمعهم أئمّة حتّى لعين اللعناء يزيد بن معاوية كان إماما حقّا، و من الممكن أن يبايع كافرا و لصّا جماعة فكيف تعقد بيعتهما، بل كيف يكون المبايع (بفتح الياء) خليفة على الأمّة ببيعة جماعة معدودة له، إذ أنّ هذه الجماعة بايعت عن أنفسها لا عن الآخرين، فلو أنكرها غيرهم لبطلت لأنّها لم تكن بأمر اللّه و رسوله.

ثمّ إنّ أبا بكر قال: «أقيلوني و لست بخيركم» فلو كان منصوصا عليه لكان قوله هذا كفرا لأنّه ردّ على اللّه و رسوله‏ (1)، و لمّا كانت البيعة باطلة و أبو بكر تمّت له الخلافة بالبيعة فتكون خلافته باطلة أيضا، و ببطلانها تثبت خلافة أمير المؤمنين (عليه السلام).

____________

- بطريقين؛ الدورقي، مسند سعد، ص 51، و كتب أخرى يضيق المجال عن حصرها أعرضنا عنها.

(المترجم).

(1) أقول: قول أبي بكر هذا لا يستلزم كفره لأنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) ردّ البيعة أيضا بعد مصرع عثمان لعنه اللّه، فقال: «دعوني و التمسوا غيري» الخ، و لكن يثبت كفر أبي بكر بادّعائه الإمامة فشأنه شأن مسيلمة الكذّاب، فهو أبو بكر الكذّاب لعنه اللّه. (المترجم).

117

الدليل الثاني و العشرون: أوصى أبو بكر إلى عمر و جعلها عمر شورى‏ (1)، و عثمان قتل من دون وصيّة، فإن كان أبو بكر محقّا فالثاني و الثالث مبطلان، و إن كان محقّين فالأوّل مبطل، و على المكلّف الاقتداء بهم، و الاقتداء بأيّ واحد منهم باطل لأنّه مناقض للاقتداء بالآخر لأنّهم اختلفوا، فيكون الثلاثة مبطلين، و الحقّ مع عليّ لأنّ الثلاثة كلّهم خالفوا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).

و هذا الدليل بعينه يبطل مذهبهم لأنّ أبا حنيفة اختلف مع باقي الأئمّة في مسائل كثيرة، و مثله الشافعيّ، و تصحيح قول أيّ واحد من الأئمّة إبطال لقول الآخر و لحجّته، و لا ترجيح لأحدهم على الآخر فيكون جميعهم على الباطل، و الأئمّة الإثني عشر (عليهم السلام) قول أوّلهم هو نفسه قول آخرهم، و لم يظهر خلاف واحد بينهم على الإطلاق.

فما كان من عند اللّه استحال أن يختلف، و ما كان من عند غيره فالاختلاف فيه كبير، كما قال اللّه تعالى: أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَ لَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً (2).

الدليل الثالث و العشرون: روى أنس بن مالك قال: أهدت أمّ أيمن إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) طائرا مشويّا، فدعا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فقال: اللهمّ ائتني بأحبّ خلقك إليك ليأكل معي هذا الطير،

____________

(1) الشورى مجرّد ادّعاء و الهدف منها إيصال عثمان إلى الحكم من أجل دخول بني أميّة عالم الإسلام من موضع القوّة لمسخه، و قد بيّنّا ذلك في كتابنا «جهاد كربلاء و الإنسان» ما يزال مخطوطا نسأل اللّه الإعانة على طبعه، آمين. (المترجم).

(2) النساء: 82.

118

فأرسلت عائشة و حفصة و كلّ واحد من النساء إلى آبائهنّ و قبائلهنّ ليحضروا عند النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله).

يقول أنس: فجاء عليّ ثلاث مرّات و لكنّي أصرفه فأقول: رسول اللّه عنك مشغول، فيرجع من حيث أتى، إلى أن كانت الثلاثة فدخل على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فقال له النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): يا علي، ما أبطأك عنّي؟ فقال: يا رسول اللّه، هذه هي المرّة الثالثة آتي و يصرفني أنس، فقال لأنس: لم فعلت هذا؟ فقال: سمعت دعاءك يا رسول اللّه فأحببت أن يكون رجلا من الأنصار، فقال النبيّ: إنّ الرجل يحبّ قومه.

و هذه رواية لا خلاف فيها من أحد، و لمّا كان عليّ أحبّ الخلق إلى اللّه بإجماع المسلمين فيلزم تقديمه كما أنّ رسول اللّه أحبّ الخلق إلى اللّه‏ (1).

الدليل الرابع و العشرون: كانت إمامة الرجلين باختيار من الصحابة، و الاختيار باطل؛ لأنّ الإمامة ركن‏

____________

(1) تخريج الحديث من كتب الخصوم:

الحاكم النيسابوري، المستدرك 2: 132، ط دار المعرفة- بيروت، تحقيق المرعشلي.

الإسكافي، المعيار و الموازنة: 324، تحقيق المحمودي.

أمالي المحاملي، للحسين بن إسماعيل المحاملي: 443، ط دار ابن القيّم، الأردن، أولى 1412، تحقيق الدكتور إبراهيم القيسي.

الطبرانيّ، المعجم الأوسط 2: 207، تحقيق إبراهيم الحسيني، ط دار الحرمين، و أيضا 6: 90 و 7:

267 و 9: 146.

عبد اللّه بن عدي، الكامل 2: 252، تحقيق سهيل زكار، دار الفكر- بيروت، ثالثة 1409 ه.

الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد 9: 376، تحقيق عطاء، ط دار الكتب العلميّة- بيروت، أولى 1417 ه.

ابن عساكر، تاريخ دمشق 42: 250 و 257، تحقيق علي شيري، ط دار الفكر- بيروت.

ابن الأثير، أسد الغابة 4: 30، ط طهران- إسماعيليان.

و الإسكافي ليس من خصومنا و إن لم يكن على مذهبنا.

119

عظيم في الدين تعادل النبوّة و هي تقابل الرسالة كلّها، كما قال اللّه تعالى: فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ‏ (1) فكيف يجوز أن توضع معظم أمور الدين باختيار الخلق لأنّه لو جاز اختيار الإمام جاز اختيار النبيّ أيضا، فإذا أجابونا بأنّ الرسول تصدّقه المعجزة أجبناهم بأنّ الإمام تصدّقه العصمة و النّص.

من جهة أخرى فإنّ اللّه تعالى نفى الاختيار عن الخلق حيث قال: وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ يَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ (2).

و من جهة ثالثة فإنّ موسى مع ما هو عليه من رتبة النبوّة اختار سبعين شخصا من قومه: وَ اخْتارَ مُوسى‏ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا (3) فاستحقّ جميعهم العذاب و الصاعقة بما قالوا: فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ‏ (4) و الغاية من تكرار هذه القصّة هو تنبيه الغافلين ليعلموا أنّ الناس ليس لهم اختيار مع اللّه تعالى في أمور الدين و الشريعة و إنّما عليهم الامتثال فحسب في الأمر و النهي، كما قال تعالى: ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (5)، و إذا بطل الاختيار لم يبق إلّا النصّ و العصمة و هما متحقّقان في أمير المؤمنين و أولاده (عليهم السلام).

الدليل الخامس و العشرون: الحديث المتلقّى بالقبول من الأمّة جميعا: مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح؛ من ركب فيها نجى، و من تخلّف عنها غرق و هوى‏ (6).

____________

(1) المائدة: 67.

(2) القصص: 68.

(3) الأعراف: 155.

(4) النساء: 153.

(5) الحشر: 7.

(6) سبق تخريج هذا الحديث. (المترجم).

120

و الغرض من هذا الحديث لزوم التمسّك بأهل البيت (عليهم السلام)؛ فمن تمسّك بولايتهم نحبى، و من بعد عنهم هلك و هوى كقوم نوح، و هذا نصّ صريح على أنّ الشيعة من أهل الجنّة، من هنا حيث قال النبيّ: يا علي، شيعتك هم الفائزون‏ (1).

و لمّا كان التمسّك بهم سبب النجاة كان التخلّي عنهم سببا للهلاك‏ فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ‏ (2).

الدليل السادس و العشرون: أجمعت الأمّة على أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قال: إنّي تارك فيكم الثقلين ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا، أحدهما أعظم من الآخر: كتاب اللّه حبل ممدود من السماء إلى الأرض، و عترتي أهل بيتي، و لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض، أنظروني (كذا) تخلفوني فيهما.

يقول زيد بن أرقم: نزل رسول اللّه على ماء بين مكّة و المدينة، فخطب الناس، و حمد اللّه و أثنى عليه، ثمّ قال: يا أيّها الناس، إنّما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربّي فأجبت، و أنا تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه فيه الهدى و النور، فخذوا كتاب اللّه و استمسكوا به، و أهل بيتي، أذكّركم اللّه في أهل بيتي‏ (3)، الحديث.

و يلزم بناءا على هذا ترك غيرهم.

____________

(1) مشكاة الأنوار: 151، بحار الأنوار 65: 7 و 110: 12، النمازي في مستدرك سفينة البحار 10:

570، بشارة المصطفى: 42 و 256، الأبطحي في الشيعة في أحاديث الفريقين: 175.

(2) يونس: 32.

(3) لا يحتاج هذا الحديث إلى تخريج لشهرته بل لتواتره، و قد تركنا حديث الغدير أيضا من دون تخريج لأنّ حديثا كتب فيه مولانا الأميني كتاب الغدير لا يحتاج إلى تخريج، فمن أراده فليرجع إليه هناك.

121

الدليل السابع و العشرون: عن جابر بن سمرة قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): لا يزال الإسلام عزيزا إلى اثني عشر خليفة كلّهم من قريش‏ (1).

____________

(1) تخريج الحديث: كثر مخرجوا هذا الحديث من الحفّاظ، و ممّن أخرجه البخاري و مسلم، و من ثمّ كثرت سياقاته، و نحن نذكر بعض من أخرجه و ندع الباقين لكثرتهم.

1- مسند أحمد 5: 90 و 93 و 98 بثلاث طرق، و ص 99 و 100 و 101 و 106، ط دار صادر- بيروت.

2- صحيح مسلم 6: 3، بثلاث طرق، ط دار الفكر- بيروت.

3- سنن أبي داود 2: 309، ط دار الفكر- بيروت، أولى 1410 ه، تحقيق سعيد محمّد اللحّام، و ذكر الحديث النووي في شرحه على صحيح مسلم و تخبّط في توجيه الحديث و سار على غير هدى، «إنّها لا تعمى الأبصار و لكن تعمى القلوب التي في الصدور»، راجع 2: 201، ط دار الكتاب العربي، الثانية 1407 ه، و فعل مثله ابن حجر في فتح الباري 13: 181 و خبط خبط عشواء، و ذكر حيرة قومه و تخبّطهم بهذا الحديث.

4- تحفة الأحوذي 6: 391، ط دار الكتب العلميّة- بيروت، أولى 1410.

5- عون المعبود 11: 344، ط دار الكتب العلميّة- بيروت، ثانية 1415، و 12: 260.

6- مسند أبي داود الطيالسي: 105، ط دار الحديث- بيروت.

7- الضحّاك، الآحاد و المثاني 3: 126، تحقيق الجوابره، ط دار الدراية، أولى 1411.

8- عمرو بن عاصم، كتاب السنّة، ص 518، تحقيق الألباني، ط المكتب الإسلامي- بيروت، ط ثالثة 1413.

9- صحيح ابن حبّان 15: 44، تحقيق شعيب الأرنؤوط، ط مؤسسة الرسالة، الثانية 1414 ه.

10- المعجم الكبير 2: 195 و 232، تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي، ط مكتبة ابن تيميّة- القاهرة، دار إحياء التراث العربي، الثانية.

11- كفايه الخطيب: 95، تحقيق أحمد عمر هاشم، ط دار الكتاب العربي- بيروت، 1405 ه.

12- كنز العمّال 11: 246 رقم 31398، و 12: 32 رقم 33850 و 33851، تحقيق بكري حياتي و السقاط، مؤسسة الرسالة، بيروت- لبنان.-

122

و روي: لا يزال أمر الناس ماضيا ما ولّاهم اثنا عشر رجلا كلّهم من قريش.

و من قال: الأئمّة اثنا عشر، لا يريد بهم إلّا عليّا و أولاده، و لزم كونهم اثني عشر بناءا على قول الخصم كما ذكره في المصابيح.

قالت أمّ عطيّة: بعث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) جيشا فيهم عليّ، فسمعته و هو رافع يديه يقول: اللهمّ لا تمتني حتّى تريني عليّا (1).

و روى البراء بن عازب قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): أنت منّي و أنا منك‏ (2).

____________

- 13- المناوي، فيض القدير 2: 582 و 3: 679، ط دار الكتب العلميّة- بيروت، أولى 1415 ه، تحقيق أحمد عبد السلام.

14- تفسير ابن كثير 2: 34، ط دار المعرفة- بيروت، 1412.

و قال ابن كثير: و في هذا الحديث دلالة على أنّه لا بدّ من وجوب اثني عشر خليفة عادل، و ليسوا هم بأئمّة الشيعة الإثني عشر، فإنّ كثيرا من أولئك لم يكن لهم من الأمر شي‏ء (3: 312).

و أقول لابن كثير: أيّها الأموي الخبيث، أخطأت أستك الحفرة.

15- نعيم بن حمّاد المروزي، كتاب الفتن: 274، تحقيق الدكتور سهيل زكار، ط دار الفكر- بيروت، 1414.

16- البداية النهاية لابن كثير 6: 221 و 9: 229، تحقيق علي شيري، ط دار إحياء التراث العربي- بيروت، أولى 1408.

أقول: إنّ عبارة: «كلّهم من قريش» ليست من النبيّ بل و إنّما وضعها الوضّاعون، و إنّما قال النبيّ:

«كلّهم من بني هاشم» و الشاهد على ذلك قول أمير المؤمنين (عليه السلام): إنّ الأئمّة من قريش، غرسوا في هذا البطن من هاشم، لا تصلح على سواهم، و لا تصلح الولاة من غيرهم. (نهج البلاغة، فضل أهل البيت، ص 301) و كأنّه قالها (عليه السلام) على شكل الاستنكار على من قال: الأئمّة من قريش.

(1) رواه الخوارزميّ في مناقبه: 70- 71 ح 46، تحقيق المحمودي، ط مؤسسة نشر الإسلامي، الثانية 1411 ه عن أمّ عطيّة، و الطبريّ في ذخائر العقبى: 94، و قال: أخرجه الترمذي، و قال:

حسن غريب، ط 1356 مصوّرة عن نسخة دار الكتب المصريّة و دار الكتب التيموريّة، مكتبة القدسي.

(2) ابن البطريق، العمدة، ص 201، تحقيق جامعة المدرّسين- قم، ط أولى 1407 مؤسسة النشر-

123

و روى البراء أيضا قال: رأيت النبيّ و الحسن بن عليّ على عاتقه، يقول: اللهمّ إنّي أحبّه فأحبّه، و قال للحسين: اللهمّ إنّي أحبّه و أحبّ من يحبّه.

قال ابن زعرة (1): رأيت النبيّ على منبره و الحسن بن عليّ إلى جنبه و هو يقبل على الناس مرّة و عليه أخرى، و هو يقول: إنّ ابني هذا سيّد، و لعلّ اللّه أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين.

و قال ابن عمر: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): الحسن و الحسين هما ريحانتاي من الدنيا.

و قال زيد بن أرقم: أقبل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) على فاطمة و الحسن و الحسين، فقال:

أنا حرب لمن حاربهم و سلم لمن سالمهم.

عن ابن ربيعة: إنّ العبّاس دخل على رسول اللّه مغضبا و أنا عنده، فقال: ما أغضبك يا عبّاس؟ قال: ما لنا و لقريش! إذا تلاقوهم تلاقوا بوجوه مستبشرة، و إذا لقونا لقونا بغير ذلك. فغضب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حتّى احمرّ وجهه ثمّ قال: و الذي نفسي بيده لا يدخل قلب رجل الإيمان حتّى يحبّكم للّه و لرسول اللّه. ثمّ قال: أيّها الناس، من آذى عمّي فقد آذاني‏ (2).

____________

- الإسلاميّ، النسائي، خصائص أمير المؤمنين: 88، ط مكتبة نينوى، تحقيق هادي الأميني، مجمع النورين: 242، تنبيه الغافلين: 143، صحيفة الحسين: 252.

(1) لم يتيسّر لي معرفة ابن زعرة هذا و لعلّه تصحيف من ابن زهرة أو ابن عمر.

(2) الكوفي، مناقب أمير المؤمنين 2: 122، تحقيق المحمودي، أولى 1412 ه، ط م مجمع إحياء الثقافة الإسلاميّة؛ القاضي النعمان المغربي، شرح الأخبار 2: 493، تحقيق الجلالي، ط مؤسسة النشر الإسلامي؛ ذخائر العقبى: 9 بسياق مختلف، و قال: خرّجه الترمذي و قال: حسن صحيح، و خرّجه أحمد و قال بعد قوله: حتّى احمرّ وجهه و حتّى استدرّ عرق بين عينيه؛ النسائي، فضائل الصحابة: 22، المسند 1: 207 و 208، و 4: 165، بطريقين؛ الترمذي 5: 318؛ المستدرك 3:

333 بطريقين، و ص 568 و فيه: و أتاه ابن عبّاس فقال: إنّي انتهيت الخ، و 4: 75.-

124

و هذه الأحاديث بأجمعها مرويّة من طريق المخالفين، و ترشد الخصم إلى خلافة أمير المؤمنين.

الدليل الثامن و العشرون: روى البراء بن عازب أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قال لعليّ: أنت منّي و أنا منك.

و قال عمران بن حصين: قال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): إنّ عليّا منّي و أنا منه و هو وليّ كلّ مؤمن بعدي.

و روى زيد بن أرقم عن النبيّ أنّه قال: من كنت مولاه فعليّ مولاه، و ولاية

____________

- و مجمع الزوائد 1: 88 و 9: 170؛ مصنّف ابن أبي شيبة 7: 518؛ السنن الكبرى 5: 51؛ الطبرانيّ في المعجم الصغير 1: 239 و 2: 96؛ المعجم الأوسط 5: 52 و 7: 373؛ و المعجم الكبير 20: 285 بطريقين؛ كنز العمّال 11: 700 رقم 33395، و 12: 41 رقم 33906 و 33907، و ص 104 رقم 34202، و 13: 642 رقم 37623؛ المناوي في فيض القدير 1: 255 و قال: رواه الطبراني بإسناد صحيح.

و ضعّف الألباني قوله: من آذى عمّي في ضعيف الترمذي: 506؛ تفسير ابن كثير 4: 122 بطريقين؛ السيوطي، الدرّ المنثور 6: 7 ط الفتح- جدّة، أولى 1365؛ تاريخ بغداد 4: 146؛ ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق 26: 300 بأربع طرق؛ أسد الغابة 3: 110 و 331؛ المزّي في تهذيب الكمال 14: 228، تحقيق بشارة عوّاد معروف، ط مؤسسة الرسالة، الثانية 1413 ه، و 33: 341؛ الذهبي في سير أعلام النبلاء 2: 88 و 12: 156، تحقيق شعيب الأرناؤوط و صالح السم، ط مؤسسة الرسالة، التاسعة 1413؛ الإصابة 4: 317، تحقيق عادل أحمد عبّود، ط دار الكتب العلميّة- بيروت، أولى 1415 ه.

ابن شبّه النميري، تاريخ المدينة 2: 639، تحقيق فهيم شلتوت، ط القدس- قم، دار الفكر- بيروت، بطريقين؛ الطبري، المنتخب من ذيل المذيّل: 49 ط مؤسسة الأعلمي- بيروت؛ ابن كثير في البداية و النهاية 2: 315؛ و في السيرة النبويّة 1: 192 تحقيق مصطفى عبد الواحد، ط أولى 1396، دار المعرفة- بيروت؛ سبيل الهدى و الرشاد 10: 476 و 11: 4 و 445؛ القندوزي في ينابيع المودّة 1: 54 و 2: 110 و 261 و 475، ط دار الأسوة، تحقيق أشرف الحسيني، أولى 1416 ه.

125

رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عامّة على جميع الخلق فيلزم أن تكون لعليّ مثل هذه الولاية.

قال حبيش بن جنادة: قال رسول اللّه: عليّ منّي و أنا من عليّ، و لا يؤدّي عنّي إلّا أنا أو عليّ‏ (1).

و بناءا على هذا لم يحدث لأبي بكر و عمر تأدية الشريعة في حياة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أو يقدموا على أحد، و لم ينوبوا عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بحكم يبلغونه الناس.

و لمّا آخى بين المهاجرين و الأنصار قرن كلّ واحد إلى نظبره و الشبه إلى شبهه مثل أبي بكر و عمر، و طلحة و الزبير، و أبي ذر و سلمان، و ترك عليّا وحده، فقال:

يا رسول اللّه، لم تركتني من غير أخ؟ فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): أنت أخي في الدنيا و الآخرة (2).

و قيل: قال العبّاس: يا رسول اللّه، لم تركت عليّا؟ فقال: ما أخّرته إلّا لنفسي.

و عن عليّ (عليه السلام): كنت إذا سألت من رسول اللّه أعطاني، و إذا سكتّ ابتدأني‏ (3).

____________

(1) هذه الأحاديث لتواترها لا تحتاج إلى تخريج لأنّها موجودة في جلّ كتبهم.

(2) مناقب ابن شهر آشوب 2: 33: آخى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بين أصحابه، فجاء عليّ تدمع عيناه، فقال: يا رسول اللّه، آخيت بين أصحابك و لم تؤاخ بيني و بين أحد؟! فقال النبيّ: أنت أخي في الدنيا و الآخرة.

و ذكر الحاكم في المستدرك نحوه 3: 14؛ و نظم درر السمطين للزرندي الحنفي: 94 من مخطوطات مكتبة الإمام أمير المؤمنين العامّة، ط أولى 1377 ه؛ و تنبيه الغافلين لابن كرامة: 73 ط مركز الغدير للدراسات، المطبعة محمّد، ط أولى، تحقيق السيّد تحسين آل شبيب، 1420 ه و قال في الهامش: رواه الحاكم في 3: 414، و ابن ماجة في صحيحه: 12، و النسائي في سننه 3:

18، و المتقي في كنز العمّال 9: 394.

(3) ذخائر العقبى: 94، و قال: أخرجه الترمذي و قال: حديث حسن؛ سنن الترمذي 5: 301؛ المستدرك 3: 125؛ تحفة الأحوذي 10: 154؛ المعيار و الموازنة: 300؛ مصنّف ابن أبي شيبة 7:

495؛ السنن الكبرى للنسائي 5: 142؛ خصائص أمير المؤمنين له أيضا: 112؛ كنز العمّال 13:-

126

و عن جابر: إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) دعا عليّا يوم الطائف فانتجاه ...

و لمّا قدم المدينة و كان عدد أصحابه قليلا و حين بنى المسجد فتحوا من بيوتهم عليه أبوابا ليكونوا يدا واحدة و يعلموا أخبار بعضهم بعضا، فلمّا قوي الإسلام هبط جبرئيل و أمره بسدّ الأبواب إلّا باب عليّ، و قال النبيّ: لا يحلّ لأحد يستطرقه غيري و غيرك.

و روى البراء بن عازب عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه قال لعليّ (عليه السلام): أنت منّي و أنا منك.

و من هذه الأخبار التي رويتها من كتب المخالفين نستنبط بأنّ عليّا نفس رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و حكمه حكمه، و كما أنّ التقدّم على النبيّ ضلالة فالتقدّم عليه ضلالة أيضا.

الدليل التاسع و العشرون: عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري، عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه قال: من سرّه أن يحيا حياتي و يموت يموتي و يدخل جنّة عدن غرسها ربّي فليوالي عليّا بعدي، و ليقتد بأولاده من بعده فإنّهم خلقوا من طينتي، رزقوا علما و فهما، فويل للمكذّبين‏

____________

- 120 رقم 36387، و 16: 137 رقم 44166؛ المناوي في فيض القدير 4: 470؛ العلوي في دفع الارتياب عن حديث الباب: 15.

شواهد التنزيل 1: 48؛ تفسير ابن كثير 3: 523؛ ابن سعد في الطبقات الكبرى 2: 338 ط دار صادر- بيروت؛ تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر 42: 377 و 378 و 386؛ أسد الغابة 4: 29؛ ابن النجّار البغدادي، ذيل تاريخ بغداد 5: 74، تحقيق عطاء، ط دار الكتب العلميّة- بيروت، ط أولى 1417 ه؛ تهذيب الكمال 15: 373؛ تهذيب ابن حجر 5: 297 ط دار الفكر، أولى 1404؛ أنساب الأشراف: 98، تحقيق المحمودي، ط مؤسسة الأعلمي- بيروت، أولى 1394؛ ينابيع المودّة 2: 184 و 394.

127

بفضلهم من أمّتي، لا ينالهم شفاعتي‏ (1).

و عن فاطمة الكبرى قالت: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): كلّ ولد أنثى ينتمون إلى عصبتهم إلّا ولد فاطمة (عليها السلام) فأنا وليّهم و أنا عصبتهم‏ (2).

و هذه الأخبار تدلّ على إمامة عليّ و أولاده.

الدليل الثلاثون: إنّ اللّه تعالى لم يجعل أحدا قسيمه سوى عليّ و أولاده، كما قال تعالى: وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى‏ وَ الْيَتامى‏ وَ الْمَساكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ‏ (3) فجعل الأقسام ثلاثة: اللّه و رسوله و ذووا القربى و هم عليّ و أولاده، و باقي الأصنام من يتامى و مساكين و أبناء السبيل و هم الذين يجتاحهم حاجة في الغربة و إن كانوا في وطنهم أغنياء بشرط كونهم من بني هاشم، فلم يستحقّ المساهمة مع اللّه و رسوله إلّا عليّ و أولاده، و هذا أعلى المناصب و دالّ على فضلهم، و تقديم المفضول على الفاضل قبيح على كلّ حال.

الدليل الواحد و الثلاثون: لم يوجب اللّه تعالى محبّة أحد من الناس على التعيين إلّا محبّة عليّ و أهل بيته،

____________

(1) مجموعة الرسائل للصافي 2: 69 و قال: أخرجه أبو نعيم الاصفهاني عن ابن عبّاس؛ لسان الميزان 2: 34.

(2) مجمع الزوائد 4: 224 و 9: 173؛ مسند أبي يعلى 12: 109؛ المعجم الكبير 3: 44 و 22: 423؛ الجامع الصغير 2: 278؛ كنز العمّال 12: 98 رقم 34168، و ص 114 رقم 34253، و ص 116 رقم 34266؛ تذكرة الموضوعات: 98؛ فيض القدير 5: 22؛ كشف الخفاء 2: 119 و 120؛ ضعفاء العقيلي 3: 223؛ تاريخ بغداد 11: 283؛ تاريخ دمشق 36: 313 و 70: 14؛ تهذيب الكمال 19:

483؛ ميزان الاعتدال 3: 36 ط دار المعرفة- بيروت، تحقيق البجاري.

(3) الأنفال: 41.

128

و هم القربى الذين عناهم اللّه سبحانه بقوله: إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏ (1)، و الدليل على هذا هو الحديث المروي من طريق المخالف و المؤالف أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قال:

من مات على حبّ آل محمّد مات شهيدا.

ألا و من مات على حبّ آل محمّد مات مغفورا له.

الا و من مات على حبّ آل محمّد مات مؤمنا مستكمل الإيمان.

ألا و من مات على حبّ آل محمّد بشّره ملك الموت بالجنّة ثمّ منكر و نكير.

ألا و من مات على حبّ آل محمّد يزفّ إلى الجنّة كما تزفّ العروس إلى بيت زوجها.

ألا و من مات على بغض آل محمّد جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه: آيس من رحمة اللّه.

ألا و من مات على بغض آل محمّد مات كافرا.

ألا و من مات على بغض آل محمّد لم يشمّ رائحة الجنّة (2).

و غير خفيّ على العقلاء أنّهم غصبوا فدكا من الزهراء و سلبوا العترة الخمس، و أفتوى بإباحة دماء عترة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و هذا بالضرورة ليس من المحبّة بل من العداوة.

الدليل الثاني و الثلاثون: عن البراء بن عازب، عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه قال: يا علي، قل: اللهمّ اجعل لي‏

____________

(1) الشورى: 23.

(2) تخريج الحديث: تفسير القرطبي 16: 23، قال القرطبي: قلت: ذكر الزمخشري هذا الخبر بأطول من هذا و ساق الحديث بطوله؛ الثعالبي 5: 157 ط دار إحياء التراث العربي، أولى 1418، تحقيق أبو سنة، معوض، عبد الموجود؛ المقريزي، فضل آل البيت: 128، تحقيق عاشور؛ ينابيع المودّة 2: 333 و 3: 139.

129

عندك عهدا، و في قلوب المؤمنين ودّا (مودّة- المؤلّف)، فأنزل اللّه تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا (1). (2)

عن ابن عبّاس في قوله تعالى: وَ السَّابِقُونَ السَّابِقُونَ* أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ‏ (3) فيوشع بن نون سبق إلى موسى بن عمران، و عليّ بن أبي طالب سبق إلى رسول اللّه.

و عن ابن عبّاس قال: نظر النبيّ إلى عليّ (عليه السلام)، فقال: أنت سيّد في الدنيا و سيّد في الآخرة، حبيبك حبيبي و حبيبي حبيب اللّه، و عدوّك عدوّي و عدوّي عدوّ اللّه، و الويل لمن أبغضك بعدي‏ (4).

و عن أبي سعيد الخدري، عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): يا علي، أنت معك يوم القيامة عصى من عصى الجنّة تذود بها المنافقين عن حوضي‏ (5).

عن ابن عبّاس: ما كان أحد أعلم بسرّ رسول اللّه و جهره من عليّ بن أبي طالب.

عن الحسن بن عليّ (عليهما السلام): ما بعث رسول اللّه عليّا قطّ إلّا أعطاه الراية (6).

هذا الأخبار بمجموعها جائت من طريق المخالفين و هي دليل إمامته و برهان على خلافته و على إبطال عمل الآخرين.

____________

(1) مريم: 96.

(2) تفسير فرات الكوفيّ: 250 تحقيق محمّد كاظم، الطبعة الثانية، ط المطبعة التابعة لوزارة الثقافة و الإرشاد الإسلامي، أولى 1410؛ شواهد التنزيل للحسكاني 1: 469.

(3) الواقعة: 10 و 11.

(4) المستدرك 3: 128 و قال: صحيح على شرط الشيخين.

(5) مجمع الزوائد 9: 135؛ المعجم الصغير 2: 89؛ ميزان الاعتدال 2: 178، تحقيق البجاري، ط دار المعرفة- بيروت، أولى 1382 ه؛ تهذيب التهذيب 4: 249؛ جواهر المطالب 1: 233؛ ينابيع المودّة 1: 396 و 2: 375 و 462.

(6) مجمع الزوائد 9: 125؛ المعجم الكبير 2: 79 بطريقين و 3: 80.

130

الدليل الثالث و الثلاثون: عن ابن عبّاس، عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): أنا دار الحكمة و عليّ بابها، و من أراد الدار فليأتها من بابها (1).

و عنه عليه الصلاة و السلام و آله أنّه قال: أنا مدينة العلم و عليّ بابها (2).

و الغرض من هذا الحديث هو الدلالة إلى أنّ من أراد دخول الشريعة فعليه الإيمان أوّلا بولاية عليّ و أهل بيته (عليهم السلام)، و منه قوله تعالى: وَ أْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ‏

____________

(1) الترمذي 5: 301؛ تحفة الأحوذي 10: 155؛ مسند أبي يعلى 2: 58؛ الجامع الصغير 1: 415؛ كنز العمّال 11: 600 رقم 32889 و 13: 147 رقم 36462؛ فيض القدير 3: 60 و قال تعقيبا على الحديث: فناهيك بهذه المرتبة ما أسناها، و هذه المنقبة ما أعلاها، و من زعم أنّ المراد بقوله:

«و عليّ بابها» أنّه مرتفع من العلوّ و هو الارتفاع فقد تنحّل لغرضه الفاسد بما لا يجزاه نفعا و لا يسمنه و لا يغنيه. أقول: إذن لما ذا تقدّمون عليه ابن آوى و أخويه؟!

العجلوني في كشف الخفاء 1: 203، و نقل عن أبي سعيد العلائي قوله: الصواب أنّه حسن باعتبار تعدّد طرقه لا صحيح و لا ضعيف فضلا عن أن يكون موضوعا، هذا بعد أن نقل فيه أقوالا مختلفة.

ردّ اعتبار الجامع الصغير: 15، تحقيق أحمد درويش، ط دار الباز شيكاگو؛ فتح الملك العلي:

45، ط مكتبة أمير المؤمنين، تحقيق محمّد هادي الأميني، و للكتاب طبعة أخرى بمطبعة السعادة بمصر 1389 ه و حقّقه النقشبندي؛ دفع الارتياب: 3 و 9 و 10 و 11 و 14 و 21 و 43 و 52 و 53؛ كتاب المجروحين 2: 94؛ تاريخ دمشق 42: 378؛ ابن الجوزي في الموضوعات 1: 349 رواه عن طريق عليّ بخمس طرق، و عن ابن عبّاس بعشر طرق، و عن جابر بطريق واحد، ثمّ قال: هذا حديث لا يصحّ من جميع الوجوه و قد فنّد القماري دعوى من أنكره بكتاب مستقلّ سمّاه: فتح الملك العلي، و قد أتى فيه بالعجب و العجاب، و ألقم ابن الجوزي و نظرائه ألف حجر و حجر.

و قال الذهبيّ في ميزان الاعتدال 3: 668 بعد أن عزاه إلى الترمذي: فما أدري من وضعه؟

البدآية و النهاية 7: 375؛ سبل الهدى و الرشاد 1: 475 و 11: 292؛ ينابيع المودّة 1: 218 و 2: 9 و 393.

(2) راجع: رفع الارتياب: 3، و اقرأ كتاب فتح الملك العلي تجزم بتوتر الحديث إن شاء اللّه.

131

أَبْوابِها (1) و معنى البيوت هنا أهل بيت النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، و الباب عليّ (عليه السلام) و إلّا فيكون الكلام لغوا إذ لا فائدة من ذكر إتيان البيوت من أبوابها إلّا بهذا التأويل.

الدليل الرابع و الثلاثون: قال اللّه تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ‏ (2)، و طاعة الرسول واجبة بالإجماع مطلقا فينبغي أن يكون حكم المعطوف و هم أولوا الأمر حكم المعطوف عليه و هو النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، فطاعتهم مطلقا و على كلّ حال واجبة، و لا يصحّ أن يأمر اللّه بطاعة غير المعصوم الذي يصدر منه الخطأ و الذنب لأنّه ربّما أمر المطيع بالمعصية، و لقد قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق‏ (3).

و إذا جاز الخطأ و الذنب على أولي الأمر كان أبو بكر و عمر و خالد بن الوليد و عمرو بن العاص و سعد بن سعيد و مروان بن الحكم و أبو سفيان و معاوية و يزيد كلّهم من جنس واحد لا فرق بينهم؛ فوجبت العصمة على هذا لأولي الأمر و هي ليست لأحد إلّا لعليّ و أولاده (عليهم السلام).

____________

(1) البقرة: 189.

(2) النساء: 59.

(3) مسند أحمد 1: 131 و 409 و 5: 66؛ مجمع الزوائد 5: 226 و 9: 177؛ شرح سنن النسائي للسيوطي 3: 17، ط دار إحياء التراث العربي- بيروت، تحقيق عبد الفتاح، الثانية 1406؛ تحفة الأحوذي 3: 193 و 5: 298؛ مصنّف الصنعاني 2: 383؛ مصنّف ابن أبي شيبة 7: 738؛ الحارث ابن أبي أسامة في بغية الباحث: 190، تحقيق السعدني، ط دار الطلايع؛ المعجم الأوسط 4: 182 و 321؛ المعجم الكبير 18: 165 و 170 و 177 و 185 و 229؛ الدارقطنيّ في سؤالات حمزة: 76، ط مكتبة المعارف- الرياض، أولى 1404، تحقيق موفّق بن عبد اللّه؛ مسند شهاب 2: 55.

132

الدليل الخامس و الثلاثون: ذكر أحمد سقي صاحب «مناشير الصحابة» أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، و إلى نوح في تقواه، و إلى إبراهيم في خلّته، و إلى موسى في هيبته، و إلى عيسى في عبادته، فلينظر إلى عليّ بن أبي طالب (عليهما السلام)(1). أي إنّ هذه الأوصاف اجتمعت على الوجه الأكمل في الأنبياء و هي مجتمعة جميعها في عليّ (عليه السلام) وحده، و الحقيقة أنّ ما تفرّق في الأنبياء منها اجتمع في عليّ، فهو بناءا على هذا أفضل من الأنبياء، و أبو بكر الذي أسلم عن شرك كيف يقال بأنّه أفضل من الأنبياء، و الاتفاق حاصل من المخالفين أنّ أبا بكر ليست له درجة أيّ واحد من الأنبياء.

و بناءا على هذا الحديث يكون عليّ (عليه السلام) أفضل من الأنبياء، و كما أنّ موسى و عيسى و إبراهيم لهم التقدّم على رعاياهم في زمانهم و لا ينبغي لأحد من أتباعهم التقدّم عليهم فكذلك عليّ (عليه السلام) و هو أفضلهم لا يحقّ لأحد التقدّم عليه في الإمامة و العمران من رعيّته.

و أمّا تعطيل إمامته و عزله عن تولّي شئونات الولاية فهو نظير تعطيل هارون و انزوائه أيّام ظهور السامري و عبدة العجل، و كما كان هارن يفتقر إلى القوّة التي تعينه على الخروج فعليّ مثله تماما، و لمّا نال القوّة في زمان معاوية أظهر نفسه و خرج إلى حقّه.

____________

(1) ابن حجر في لسان الميزان 6: 24؛ الخوارزمي في المناقب: 83 و 311، ط مؤسسة النشر الإسلاميّ، ط ثانية، تحقيق مالك المحمودي؛ الحلّي في كشف اليقين: 52 و أحال على البغوي في الصحاح، و أحال على البيهقي في فضائل الصحابة؛ أيضا الصافي في مجموعة الرسائل 2: 42.

133

الدليل السادس و الثلاثون: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): عليّ خير البشر، من أبى فقد كفر (1). و من حيث كونه خير البشر لا يجوز لأبي بكر التقدّم عليه، و إن كان تغلّب بالقوّة وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ‏ (2).

الدليل السابع و الثلاثون: و إنّما احتاجت الرعيّة إلى الإمام لسلب العصمة عنهم، فلو جاز اقتراف الذنب على الإمام و سلبت العصمة عنه أيضا لاحتاج إلى إمام فوقه يرشده و يهديه و هكذا يحصل التسلسل. و الخلفاء الذين سبقوا الإمام إلى الحكم ليسوا من أهل العصمة باتفاق المسلمين، و الإمام عقلا و شرعا هو من امتنع عليه الخطأ و الذنب، و حينئذ لا بدّ من كونه عليّا؛ لأنّ من قال بعصمة الإمام لم يعد عليّا و أولاده فثبتت لهم العصمة.

الدليل الثامن و الثلاثون: قال اللّه تعالى بعد ذكره الأنبياء و أولادهم و ذرّيّاتهم: ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ‏

____________

(1) خيثمة بن سليمان الاطرابلسي في حديث خيثمة: 201، تحقيق الدكتور عمر التدمري، ط دار الكتاب العربي- بيروت، 1400؛ ابن عدي في الكامل 4: 10، ط دار الفكر- بيروت، الثالثة، تحقيق سهيل زكار؛ تاريخ بغداد 7: 433؛ ابن عساكر في تاريخ دمشق 42: 372 بخمس طرق؛ ميزان الاعتدال 2: 404؛ سير أعلام النبلاء 8: 205؛ سبط ابن العجمي في الكشف الحثيث: 94 و اقتصر على الجزء الأوّل من الحديث، و في ص 243 ذكر الحديث كلّه، تحقيق صبحي السامرائي، مكتبة النهضة العربيّة، مطبعة عالم الكتاب، أولى 1407؛ لسان الميزان 2: 252 و 3:

268؛ البدآية و النهاية 7: 395؛ ينابيع المودّة 2: 78 و 273 و 274.

(2) الشعراء: 227.

134

بَعْضٍ‏ (1) فأعطاهم ربّهم الولاية و الإمامة، فلو كان أبو بكر على حقّ لكانت الخلافة لأولاده، و يقال مثل ذلك في عمر، و لمنحهم اللّه ذرّيّة صالحة، و لكن لمّا كانت وصاياهم إلى الأجنبيّ لا إلى ذراريهم دلّ ذلك على نيلهم الحكم بالقهر و الغلبة، و بالغصب لا بحكم الشريعة و إذن من صاحبها.

أمّا عليّ (عليه السلام) فكان من عترة النبيّ و أقربائه، و الحسن و الحسين إلى قائم آل محمّد من ذرّيّة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و وارثيه؛ فالإمامة حقّهم بقول اللّه و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله).

الدليل التاسع و الثلاثون: روى المخالف و المؤالف عن مسروق، عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه قال: فاطمة بضعة منّي، يسوئني من سائها، و يسرّني من سرّها (2).

و روى حذيفة قال: ذهبت إلى خدمة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، فقال لي: إنّ هذا ملك لم ينزل الأرض قطّ قبل هذه الليلة، استأذن ربّه أن يسلّم عليّ و يبشّرني بأنّ فاطمة سيّدة نساء أهل الجنّة، و أنّ الحسن و الحسين سيّدا شباب أهل الجنّة (3).

____________

(1) آل عمران: 34.

(2) هذا الحديث مستفيض مشهور متواتر، رواه جمع من الحفّاظ لا يعدّ و لا يحصى، و نحن نقتصر على الصحيحين فى م نقله لإمكان العثور عليه للقارئ الكريم في جلّ كتب الحديث، و نحبّ أن نلفت الأذهان إلى أنّ محمّد بن إسماعيل البخاري تصرّف في الحديث كما هي عادته فحرّف منه ما علم فيه إدانة لإماميه، أمّا مسلم فقد روى الحديث بلفظ «يؤذيني». صحيح البخاري 4: 210 و 212 و 6: 158، و صحيح مسلم 7: 141 بطريقين، و في الثاني: يؤذيني ما آذاها. و إنّما تجنّب البخاري كلمة «يؤذيني» فلأنّ مؤذي النبيّ كافر، و القوم آذوا ابنته فآذوه فأدّى ذلك إلى كفرهم.

(3) سنن الترمذي 5: 326؛ مجمع الزوائد 9: 183 و لم يذكر في الحديث فاطمة (عليها السلام)؛ المعجم الأوسط 6: 238 و اقتصر على ذكر الحسنين (عليهما السلام)، و مثله المعجم الكبير 3: 37 و 38 و 22: 403 و فيه: و أمّهما سيّدة نساء أهل الجنّة؛ كنز العمّال 12: 96 رقم 34158 و 13: 640 رقم 37617-

135

و بناءا على هذه الأحاديث فإنّ من آذى فاطمة فقد آذى أباها و من آذاه فقد آذى اللّه، و من آذاه لا يستحقّ خلافة رسول اللّه و النيابة عنه.

و كذلك عليّ هو من أهل الجنّة و صادق القول فإذا كانت فاطمة أوذيت لأنّ أبا بكر غصبها فدكا و خالف كتاب اللّه و تمسّك بحديث مفترى فإنّه ردّ شهادة عليّ (عليه السلام) و لم يعتن بحديث «فاطمة بضعة منّي» و لا بآية: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ‏ (1)، و لمّا ثبتت عصمتها فكيف يردّ المذنب المخطأ شهادة المعصوم، و هذا الفعل من أعظم الخطيئات، و هذا ممّا يقول به الخصم أيضا، و من كانت حاله على هذه الكيفيّة فلن يستحقّ الخلافة أبدا، و لمّا بطلت خلافة الأوّل بإيذائه فاطمة ثبتت إمامة عليّ (عليه السلام) لئلّا يخرج الحقّ من الأمّة.

الدليل الأربعون: اعلم بأنّه ما من نبيّ ينتقل من هذه الدنيا إلى الرفيق الأعلى إلّا و يظهر من بعده الظلمة و يدّعون مقامه و خلافته، و يستأصلون شأفة أهل بيته، و الدليل على ذلك من وجوه:

الوجه الأوّل: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): كائن في أمّتي ما في بني إسرائيل حذو النعل بالنعل و القذّه بالقذّة (2).

____________

- و ص 665 رقم 37695 و ليس فيه ذكر الزهراء (عليها السلام)؛ عليّ بن معصوم في الدرجات الرفيعة: 285، ط مكتبة بصيرتي- قم، الثانية 1397؛ ابن عدي في الكامل 5: 368؛ تاريخ دمشق 13: 208؛ سير أعلام النبلاء 2: 127 و قال: سنده حسن، و 3: 252؛ البداية و النهاية 8: 225؛ سبل الهدى و الرشاد 11: 161 و 162.

(1) الأحزاب: 33.

(2) المستدرك 4: 469 بسياق يختلف عن سياق المؤلّف و المعنى واحد؛ مسند أبي داود الطيالسي:-

136

و معناه انّ ما يحدث في أمّتي حدث مثله في بني إسرائيل، و قال اللّه تعالى:

يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ‏ (1) يعني يغيّرون كلام اللّه كما فعل اليهود و النصارى فإنّ أتباع النبيّ يفعلون ذلك.

و اتفق أهل السير و التاريخ بأنّ صفوراء زوج موسى على نبيّنا و آله و عليه السلام بنت شعيب طغت و بغت و خرجت على يوشع بن نون وصيّ موسى كما فعلت عائشة بصحبة طلحة و الزبير بخروجها على أمير المؤمنين (عليه السلام)، و تغلّب يوشع وصيّ موسى عليها و قتل الطاغين و أسر صفوراء بنت شعيب.

الوجه الثاني: قال اللّه تعالى: وَ رَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ‏ (2) و يسمّى جماعة رهبانا و هم الذين يفصلون أنفسهم عن المجتمع و يضربون عرض الصحراء، و هذا يعتبر بدعة ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ‏ بل هم الذين ابتدعوا هذه الحياة الخارجة على نظام الشرع‏ (3).

الوجه الثالث: اتفق أهل القبلة على أنّ موسى و عيسى أخبرا أمّتهم بمبعث النبيّ و شرح أحواله كما أخبروها بكلّ نبيّ يأتي بعدهما، و لكنّ الأمّة لم تصخ سمعها إليهما و ركبت رأسها و أصرّت على كفرها و ضلالها سنين طوالا، و قال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): كائن في أمّتي ما كان في بني إسرائيل، فينبغي أن يجري بعد النبيّ ما جرى بعد موسى‏

____________

- 153، نشر دار الحديث- بيروت؛ مصنّف ابن أبي شيبة 8: 636؛ شرح ابن أبي الحديد 9: 286؛ كنز العمّال 11: 230 رقم 32335؛ ينابيع المودّة 3: 283 بسياق يتفق مع المؤلّف و يزيد عليه.

(1) النساء: 46.

(2) الحديد: 27.

(3) لم يتيسّر لي و يا للأسف معرفة ارتباط هذا الوجه بما نحن فيه إلّا أن يقصد المؤلّف أنّ شورى الخلافة ما هي إلّا بدعة لم يأت بها شرع و شأنها شأن الرهبانيّة، و هذا توجيه لا أثق به.

137

و عيسى، و قال تعالى: وَ مُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ (1) و لكن النصارى ردّوا و قوله و أصرّوا على كفرهم و زعموا أنّهم قائمون على مستحكم الدين.

الوجه الرابع: و قال اللّه تعالى في سورة الأعراف بعد ذكره الأنبياء: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى‏ وَ يَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وَ إِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ ... الآية (2)، و هذا الوضع بعينه حدث فيما بين الصحابة لأنّهم جميعا يقرؤون الكتاب و يعلمون و يتركون العمل، و الخلف هو الذي يزعم أنّه خليفة و نائب لأحد و لكنّه كاذب و مفتري و خائن و مدغل في الدين و يستحقّ الذمّ على ذلك.

الوجه الخامس: قال اللّه تعالى في سورة مريم بعد ذكره الأنبياء: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَ اتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (3) كما تركوا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ثلاثة أيّام في بيته لم يصلّوا عليه و ذهبوا إلى سقيفة بني ساعدة ينازعون على السلطان، و كانوا يرون الصلاة عليه تفوّت الفرصة عليهم، و تذهب الإمامة إلى بني هاشم‏ أَضاعُوا الصَّلاةَ الصلاة على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) وَ اتَّبَعُوا الشَّهَواتِ‏ استبدّوا بأمور الخلافة.

الوجه السادس: وَ إِذْ قالَ مُوسى‏ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَ قَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ‏ (4) لقد عرف الصحابة مناقب عليّ و فاطمة و أولادهما و رحمهم من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و لكنّهم أنكروها.

____________

(1) الصفّ: 6.

(2) الأعراف: 169.

(3) مريم: 59.

(4) الصف: 5.

138

الوجه السابع: فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ‏ (1) و ليس الغرض من بيان هذا الأمر الحكاية بل العبرة و التذكير، و الدليل عليه يقوله تعالى: فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ‏ (2) و قال اللّه تعالى: تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ‏ (3)، و قال تعالى لرسوله (صلّى اللّه عليه و آله): قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ‏ (4)؛ فما فعله الرسل في الزمن الغابر و فعلته أممهم معهم تفعله هذه الأمّة مع رسولها، و كما أصرّت تلك الطوائف على كفرها آلاف السنين فقد يجري على هذه الأمّة ما جرى على تلك و يحصل لها ما حصل لأولئك الماضين من الإصرار على الكفر.

الوجه الثامن: قال اللّه تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَ رُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ‏ (5) تركوا اللّه ورائهم ظهريّا كما اتّخذت تلك الطائفة رهبانهم آلهة من دون اللّه، و طائفة الإسلام المشمولة لهذه العبر اتخذوا مشايخهم و بعض الصحابة آلهة، و الدليل على ذلك سجودهم لمشايخهم و قبلاتهم لأعتابهم، و اتخاذهم كفر القوم المحض طاعة و عبادة، و يعدّون من تمسّك بأهل بيت النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) من الأشرار، و حاشاهم، و يعيبونهم بذلك، و العجب من قوم ينسبون الفسق إلى خالقهم و كذلك الشرّ، و يزنّون الأنبياء و يرمونهم بالمعاصي و الإجرام، و المشركون الذين أسلموا بعد الشيخوخة يرونهم الخلفاء و القدوة لأهل العالم، و يعوّلون عليهم في النجاة من عذاب اللّه، و يأملون في الخلاص بهم، و حاشا للّه أن تكون الحال كما يرون، و الأمر كما يظنّون و يتخيّلون.

____________

(1) البقرة: 89.

(2) يوسف: 111.

(3) البقرة: 118.

(4) الأحقاف: 9.

(5) التوبة: 31.

139

و يروننا نحن الذين نعبد ربّا عادلا منزّها سبحانه و تعالى عمّا يقولون، و نثبت العصمة للأنبياء من المهد إلى اللحد، و نقتدي بالإمام المعصوم من أهل بيت النبوّة و الإمامة، أقول: يروننا ضالّين، و يسمّوننا روافض، و عندنا هم الروافض و النواصب و الخوارج و اليزيديّون و المروانيّون و القدريّة و الجبريّة كما مرّ ذلك سالفا.

و هذه الوجوه بجملتها أفاضها الحقّ على قلبي و لم أقتبسها من كتاب مع كثير من الدلائل المذكورة في الكتاب و قد سلفت.

الفصل الأوّل في من ظلم العترة و سبّهم‏

ذكر الحافظ إسماعيل الاصفهاني المحدّث في قصص الصحابة عن سعيد بن جبير أنّه قال: بلغ ابن عبّاس أنّ قوما يقعون في عليّ (عليه السلام) فقال لابنه عليّ بن عبد اللّه: خذ بيدي فأذهب بي إليهم، فأخذ بيده حتّى أتى إليهم، فقال: أيّكم السابّ للّه؟

فقالوا: سبحان اللّه، من يسبّ اللّه فقد أشرك.

فقال: أيّكم السابّ لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)؟ قالوا: من يسبّ رسول اللّه فقد كفر.

فقال: أيّكم السابّ عليّا؟ قالوا: قد كان ذلك.

قال: فأشهد لقد سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: من سبّ عليّا فقد سبّني و من سبّني فقد سبّ اللّه، و من سبّ اللّه أكبّه اللّه على وجهه في النار (1).

____________

(1) تخريج الحديث: مسند أحمد 6: 323 و اكتفى منه بالجزء الأوّل؛ المستدرك 3: 121 بطريقين و في الثاني: و من سبّني فقد سبّ اللّه؛ مجمع الزوائد 9: 130 و قال: رجاله رجال الصحيح؛ السنن-

140

و عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): حرّمت الجنّة على من ظلم أهل بيتي، و قاتلهم و المعين لهم، أولئك لا خلاق لهم و ما لهم من نصيب‏ (1).

و روى العلماء عن الأئمّة قولهم: الشكّ فينا كفر.

و روي عن الأئمّة (عليهم السلام)، قولهم: نحن أهل بيت لا يقاس بالناس، ما عادانا بيت إلّا خرب، و ما نبح علينا كلب إلّا جرب، لعن اللّه الداخل فينا من غير نسب، و الخارج عنّا من غير سبب.

و قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «المنكر لآخرنا كالمنكر لأوّلنا» (2)، معنى ذلك أنّ من‏

____________

- الكبرى 5: 133 بطريقين: الأولى عن بريدة، و الثانية عن أمّ سلمة؛ خصائص أمير المؤمنين له أيضا: 99 بطريقين؛ جزء الحميري، لعليّ بن محمّد الحميري: 28، ط دار الطحاوي- الرياض، أولى 1412، تحقيق الزبير ... و فيه: فقد سبّني و من سبّني سبّه اللّه.

نظم درر السمطين: 105؛ الجامع الصغير 2: 608؛ كنز العمّال 11: 573 و فيه: من سبّ اللّه عذّبه اللّه، رقم 32713، و ص 602 رقم 32903؛ فيض القدير 6: 190؛ تاريخ دمشق لابن عساكر 14:

132 و 30: 179؛ و 42: 266 و 267 و الحديث هنا موقوف على أمّ سلمة، و ص 533؛ البداية و النهاية 7: 391؛ الموفّق الخوارزمي في المناقب: 137 و سياقه يتفق مع المؤلّف، و ص 149؛ و ابن عساكر في ترجمة الإمام الحسين (عليه السلام): 65، تحقيق المحمودي، ط مجمع إحياء الثقافة الإسلاميّة، ثالثة 1414؛ ابن الدمشقيّ في جواهر المطالب 1: 165، تحقيق المحمودي، ط دانش- قم المقدّسة 1415 ه؛ سبل الهدى و الرشاد 11: 250 و 294.

ينابيع المودّة 1: 152 و 2: 102 و 156 بطريقين، و ص 274 و 278 و فيه رواية سعيد بن جبير و ص 395.

(1) تفسير القرطبي 16: 22 و الحديث سياقه مختلف إلّا في الجزء الأوّل؛ سبل الهدى و الرشاد 11: 9؛ ينابيع المودّة 3: 139؛ تنبيه الغافلين: 103، تحقيق السيّد تحسين آل شبيب، أولى 1420 ه، ط مركز الغدير للدراسات الإسلاميّة.

(2) الشيخ الصدوق في كمال الدين: 14؛ الطبريّ الشيعيّ في نوادر المعجزات: 5؛ المفيد في الاعتقادات: 104؛ عليّ بن يونس العامليّ في الصراط المستقيم 2: 232؛ بحار الأنوار 8: 366 و 27: 61 و 29: 31؛ حجازي خسروشاهي في درر الأخبار: 104.

141

أنكر الإمام صاحب الزمان كان كمن أنكر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).

و اتفقت كتب أهل السنّة على أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال لعليّ يوم غدير خم‏ (1):

اللهمّ و ال من والاه و عاد من عاداه، و انصر من نصره و اخذل من خذله، و العن من ظلمه.

و ذكروا أيضا أنّ عليّا (عليه السلام) قال: و الذي فلق الحبّة و برأ النسمة إنّه لعهد النبيّ الأمّيّ إليّ أن لا يحبّني إلّا مؤمن و لا يبغضني إلّا منافق‏ (2).

و المعروف عن جابر أنّه كان يقول: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: مروا أولادكم بحبّ عليّ بن أبي طالب.

و قال الإمام زين العابدين:

و من سرّنا نال منّا السرور * * * و من ساءنا ساء ميلاده‏

____________

(1) الحديث متواتر و قد أخرجه جلّ الحفّاظ من أهل السنّة فلا حاجة إلى تجشّم عناء البحث في الكتب.

(2) تخريجه: الغارات لإبراهيم بن محمّد الثقفي 2: 946، تحقيق المحدّث، ط بهمن؛ شرح الأخبار 1: 436؛ كنز الفوائد للكراجكيّ: 225، ط مكتبة مصطفوي، ط ثانية 1410؛ مناقب ابن شهر آشوب 3: 9؛ ابن البطريق في العمدة: 218؛ ذخائر العقبى: 91 و قال: أخرجه مسلم؛ صحيح مسلم 1: 61، ط دار الفكر- بيروت؛ شرح النووي على صحيح مسلم 2: 64؛ فتح الباري لابن حجر 7: 58، ط دار المعرفة- بيروت، الثانية.

نظم درر السمطين: 102؛ النسائي في خصائص أمير المؤمنين: 104؛ ينابيع المودّة 2: 392؛ محمّد بن عقيل في النصائح الكافية: 93، ط دار الثقافة- قم المقدّسة، أولى 1412؛ محمّد محمّديان في حياة أمير المؤمنين عن لسانه 1: 229، ط مؤسسة النشر الإسلامي- قم، أولى 1417. و الحديث له شواهد منها قول ابن عبّاس: كنّا نعرف المنافقين على عهد رسول اللّه ببغضهم عليّا، أو كما قال.

142

الفصل الثاني في مناقب عليّ (عليه السلام) على سبيل الإجمال‏

قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): خلق الناس من شجر شتّى و خلقت أنا و عليّ من شجرة واحدة (1).

و قال أيضا: خلقت أنا و عليّ من نور واحد (2).

عليّ بن عمّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و هو هاشميّ من جهة الأم- و الأب أيضا (المترجم)- و أبو طالب ابن هاشم و أمّه فاطمة بنت أسد بن هاشم، و لأقرباء النبيّ الصلحاء من المناقب أعلاها، و هو صهر النبيّ على ابنة مثل فاطمة (عليها السلام) سيّدة نساء أهل الجنّة،

____________

(1) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 78 و في الحديث زيادة على ما ذكره المؤلّف؛ أيضا الصدوق في الخصال: 21؛ الغارات 1: 21؛ الكوفي في مناقب أمير المؤمنين 1: 476 و 480؛ النعمانيّ في شرح الأخبار 2: 587؛ الاحتجاج 1: 208؛ ابن طاووس في إقبال الأعمال 1: 506؛ الصراط المستقيم 1: 228؛ بحار الأنوار 21: 280 و 22: 278، و راجع الأجزاء التالية من البحار: 35 و 36 و 37 و 40 و 99؛ المستدرك 2: 241 و قال: حديث صحيح الإسناد و لم يخرجاه؛ مجمع الزوائد 9: 100 و صحّفت كلمة «علي» إلى «ليع» خبثا منهم و تعمية، ط دار الكتب العلميّة، ط 1408 ه.

المعجم الوسيط 4: 263؛ نظم درر السمطين: 79؛ كنز العمّال 11: 608 رقم 32944؛ شواهد التنزيل 1: 375 و 376 بطريقين، و ص 554؛ تفسير القرطبي 9: 283؛ الدرّ المنثور 4: 44؛ ضعفاء العقيلي 2: 212، تحقيق الدكتور عبد المعطي أمين القلعجي، ط دار الكتب العلميّة- بيروت، ثانية 1418 ه؛ تاريخ دمشق 42: 64؛ ميزان الاعتدال 2: 306؛ عليّ بن محمّد العلوي في المجدي في أنساب الطالبيين: 320 و فيه: «و ابنا أبي طالب» مكان «علي»، تحقيق الدامغاني، ط سيّد الشهداء، أولى 1409 مكتبة المرعشي؛ سبل الهدى و الرشاد 11: 296؛ الحسيني في تأويل الآيات 1: 228، ط مطبعة أمير قم، تحقيق مدرسة الإمام المهدي، أولى 1407؛ السيّد مرتضى الأبطحي في الشيعة في أحاديث الفريقين: 158.

(2) علل الشرايع 1: 134؛ ينابيع المودّة 1: 422 و 2: 307 و 308؛ الشيعة في أحاديث الفريقين: 210.

143

و أب للحسن و الحسين سيّدي شباب أهل الجنّة، و للإمام زين العابدين إلى محمّد المهدي صاحب الزمان صلوات اللّه عليهم أجمعين، و أولاده سادات المشرق و المغرب، و نقبائهما، و هو وارث النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و خليفته، و مصداق قوله تعالى: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (1).

و كان رسول اللّه في بيت أبيه منذ عهد الطفولة حين فقد أبويه و بلغ الثامنة و الثلاثين، و بذل أبواه للنبيّ من الودّ و الرعاية و النصرة بالنفس و النفيس، و تعهّداه بالحبّ و الخدمة حتّى وافاهما الأجل ... (2)، و نصره في أيّام الشعب أبوه و إخوانه و عمّاه، و كان أبو طالب عليه الصلاة و السلام رئيس ناصريه.

و عندما هاجر النبيّ فداه بنفسه حين نام في فراشه، و كان لأبيه موقف ممتاز في خطبه النبيّ سيّدتنا خديجة (عليها السلام)؛ فقد كان هو الخاطب و الخطيب، و كان يمدّ رسول اللّه بالعون و النصرة، و يجلّي بفعله هذا كروبه و كروب من آمن به.

و كان عليّ (عليه السلام) نعم المجاهد مع النبيّ، لم يولّ الأعداء ظهره قطّ، و لم يؤذ النبيّ مرّة واحدة طيلة حياته.

و هرع الصحابة في آخر أيّام النبيّ إلى طلب السلطان و تركوا النبيّ جثّة على المغتسل، فلم يحضروا تجهيزه و لم يصلّوا عليه، و كان عليّ (عليه السلام) حاضرا حين فارقت النبيّ روحه الطاهرة و لم يفارقه، و قام بواجب الخدمة في تلك الساعات الحرجة، ثمّ شرع في جهازه فغسله و كفّنه و دفنه بعد أن صلّى عليه، و قام بالعزاء و حفظ الشريعة.

____________

(1) الكوثر: 1.

(2) قال المؤلّف كلمة لم أجدها صالحة و هي قوله: «ربّياه» بل اللّه ربّاه و علّمه لذلك لم أستعملها في الجمل التي ترجمت بها عبارته.

144

و كان عليّ مفزع أصحاب رسول اللّه في المعاضل و المشاكل لا سيّما الثلاثة الذين يبادرون إلى الإمام كلّما عظّتهم المشاكل المعقدة فيحلّها لهم على هدي الإسلام و نور الشريعة حتّى أثر عن عمر بأنّه قال سبعين مرّة: «لو لا عليّ لهلك عمر» (1). و لو لا حضوره لما قدروا على حلّ قضيّة واحدة.

و كان أعبد الصحابة كلّهم، و عصمه اللّه من الصغائر و الكبائر، و لم يطلب الدنيا، و لا ركبه الغرور مع ما له من السوابق النادرة، و لم يزل مظلوما بعد رسول اللّه، مغصوبا حقّه، معتدى عليه، و كان في زمن النبيّ محسودا، و لكنّه كثير البشر، مشرق الوجه و النفس، و أصبح ضريحه قبلة العالم و ملجأ لذوي الحاجات.

____________

(1) مسند زيد: 335، ط دار الحياة- بيروت، تحقيق أحد علماء الزيديين؛ أحمد المرتضى في شرح الأزهار 4: 346، ط غمضان- صنعاء، 1400؛ ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث: 152، تحقيق الأسعردي، ط دار الكتب العلميّة- بيروت؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1: 18 و 141، و 12: 179 و 204 و 205 و 206؛ ينابيع المودّة 1: 216.

145

الباب السادس في الآيات التي لم يعملوا بها

لمّا عكفت على تأليف هذا الكتاب في السنة التي حضرت فيها إلى سدّة سيّد العالم الشامخة بهاء الدين محمّد بن محمّد صاحب الديوان، كنت يوما بين جماعة من العلماء فعرضت مسائل كثيرة دينيّة في العلم و العمل، و جميعها تخصّ مذهب الشيعة، و لمّا انفضّ المجلس عمّ الجدل الحاضرين لما عليه المذهب من الانتظام، و في ذلك اليوم جمعت في خاطري مائة و أربعين آية من القرآن الكريم رفضها الصحابة و لم يعملوا بها، و لو لا خوف الإطالة لذكرتها كلّها و لكنّي أعرض منها طلبا للاختصار و تسهيلا على القرّاء أربعين آية و أترك الباقي.

الآية الأولى: آية الخمس‏ وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى‏ وَ الْيَتامى‏ وَ الْمَساكِينِ‏ (1).

فطعنوا في هذه الآية و سلبوا سادات المشرق و المغرب حقّهم في الخمس، و منذ زمن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إلى يوم القيامة تركوا سادات أهل البيت بحاجة ماسّة إلى ما

____________

(1) الأنفال: 41.

146

بأيدي الناس، و حرموهم من حقّهم، و فرضوا عليهم العجز و الذلّة عداءا لأمير المؤمنين و فاطمة و الحسن و الحسين (عليهم السلام)، و غرضهم من هذه المقاطعة المالية أن يبقى ذرّيّة النبيّ على طرف الحاجة لكي يعرضوهم للمسألة فيبدون في أعين الناس و كأنّهم أهل طمع يتزلّفون إلى أصحاب الجاه و الثروة، و بهذا تنخفض درجاتهم في أنفس الناس، و لم يجعل اللّه من يستحقّ هذا النصيب و المساهمة سوى أمير المؤمنين و أولاده مع اللّه و رسوله، و لكن الحاجة المفروضة عليهم غيّرت قلوب الناس عليهم.

الآية الثانية: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏ (1).

فلم يعملوا بهذه الآية، و اختاروا عداوتهم على مودّتهم، و آثروا الحرام على الواجب من ولائهم، و منعوهم حقوقهم الدينيّة كالإمامة، و الدنيويّة كالخمس، و اللّه تعالى لم يجعل مودّة أحد من العالم واجبة إلّا مودّة عليّ و أولاده (عليهم السلام)، و هذه منقبة عظيمة من مناقبهم.

الآية الثالثة: عزل اللّه أبا بكر و رسوله عن أداء الآيات الأولى من سورة برائة لأهل الموسم، و نصب أمير المؤمنين مكانه بأمر اللّه و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله).

الآية الرابعة: عزل أبو بكر و عمر و نحيا عن حمل الراية يوم خيبر و أقيم عليّ مقامهما، ثمّ إنّ هزيمتهما دليل على أنّهما لم يعملا بهذه الآية: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا

____________

(1) الشورى: 23.

147

كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ‏ (1).

الآية الخامسة: لم يعمل بها عثمان و هي قوله تعالى: وَ لا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَ الْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ‏ (2).

الآية السادسة: وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ‏ (3).

و من الثابت القطعيّ أنّهم كانوا يفتون بقرائحهم، و لكن أمير المؤمنين يبادر فيصحّح أخطائهم و يتلافى زلّاتهم، و هذا عين ما نهت عنه الآية، لأنّهم اقتفوا ما ليس لهم به علم.

الآية السابعة: لم يعمل أبو بكر بآية: الزَّانِيَةُ وَ الزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ (4).

هذا إذا كانا عزبين فإنّ حكمهما الجلد، و قد درأ أبو بكر الحدّ عن خالد بن الوليد حين زنى بزوج مالك بن نويرة بعد قتله.

الآية الثامنة: لم يعملوا بالآية: فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً (5) فدرئوا الحدّ عن «شيبة» (6) حين‏

____________

(1) الصفّ: 4.

(2) الأنعام: 52.

(3) الإسراء: 36.

(4) النور: 2.

(5) النور: 4.

(6) بل هو الوليد بن عقبة لعنه اللّه، و أعتقد أنّ الخطأ ليس من المؤلّف.

148

حسا الخمرة و وقع ثملا في المحراب و تقيّأ فيه، و مثله عبد اللّه بن عامر حين اصطبح و صلّى بالناس صلاة الصبح سكرانا أربع ركعات، و كان واليا من قبل عثمان لعنه اللّه.

الآية التاسعة: لم يعملوا بها: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ‏ (1) و حديث:

أقضاكم عليّ و أعلمكم عليّ، و مع نزارة علمهم و ضحالة فهمهم و قلّة إدراكهم تقدّموا على عليّ و هو أعلمهم.

الآية العاشرة: التي لم يعملوا بها: وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ بِبَعْضٍ‏ (2).

توفّي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و عليّ ذو رحمه، فنحّوه عن مقامه و ظلموه و غصبوه حقّه.

الآية الحادية عشرة: التي لم يعملوا بها: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ‏ (3).

فحرموا الزهراء من إرثها، و مثلها الآية: وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ (4) و آية: فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا* يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ‏ (5) فوهب اللّه له يحيى.

فأبطلوا عددا من الآيات بحديث مفترى «نحن معاشر الأنبياء لا نورّث ما تركناه صدقة» حاشا ثمّ حاشا أن يكون هذا من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)(6).

____________

(1) الزمر: 9.

(2) الأنفال: 75.

(3) النساء: 11.

(4) النمل: 16.

(5) مريم: 5 و 6.

(6) لو صحّ هذا الحديث- و هو موضوع بالضرورة- لكان أفحش ظلم يدخل على أهل البيت، لأنّ-

149

الآية الثانية عشرة: التي لم يعملوا بها: لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ‏ (1).

فدخلوا بيوت النبيّ بعد وفاته و رقدوا فيها من غير إذنه، و اليوم مرّ على دفنهم فيها سبعمائة عام- زمن تأليف الكتاب (المترجم)-.

الآية الثالثة عشرة: التي لم يعملوا بها: لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَ تُسَلِّمُوا عَلى‏ أَهْلِها (2).

و لكنّهم دخلوا بيت فاطمة بدون إذنها فقادوا بعلها عليّا (عليه السلام) مكتوفا ليبايعهم، و كذلك دخلوا بيت النبيّ من دون إذنه أو إذن ابنته فاطمة (عليها السلام).

____________

- اللّه تعالى حرّم عليهم الصدقة ثمّ هو يجعل إرثهم صدقة، فمن أين يأكلون ليت شعري؟ و هل ظلم أحد في التاريخ بمثل هذا الظلم؟ كلّا و حاشا اللّه أن يظلم عباده لا سيّما أهل بيت حبيبه، و لكن الخبيث الأوّل لعنه اللّه لمّا لم يجد مفرّا من حجج الزهراء لجأ إلى الوضع على رسول اللّه فتبوّأ مقعده من النار بل شارك الوضّاع آثامهم و نيرانهم لأنّه سنّ هذه السنّة السيّئة فعليه إثمها و إثم من عمل بها.

و إنّي عثرت على بعض العلماء من الشيعة يحاولون توجيه هذا الكذب فيجعلون «ما» الموصولة موضع المفعول ل «نورث» فكأنّه قال: الذي تركناه صدقة لا نورثه، من هؤلاء العلماء الشيخ المفيد في بعض كتبه، و الشيخ البياضي في الصراط المستقيم، و الشهيد الصدر في فدك. و أقول لهم: إنّكم تحاولون بحسن نيّة نصرة هذا الخبيث لعنه اللّه على سيّدة النساء فاتركوا هذا التمحّل و ارجعوا إلى الحقّ فإنّة كبياض الصبح، و إنّي على يقين أنّ من المتأخّرين من يحاول توجيه هذه الموضوعة فإنّه يعين أبا بكر عدوّ الصدّيقة و يتحمّل قسطا من إثمه و عذابه فالحذر ثمّ الحذر.

(المترجم).

(1) الأحزاب: 53.

(2) النور: 27.

150

الآية الرابعة عشرة: التي لم يعملوا بها: وَ آتِ ذَا الْقُرْبى‏ حَقَّهُ‏ (1).

عن أبي سعيد الخدري قال: لمّا نزلت: وَ آتِ ذَا الْقُرْبى‏ حَقَّهُ‏ دعا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فاطمة فأعطاها فدك‏ (2).

فأبطلوا حكم هذه الآية التي أجرى حكمها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و غصبوا فدكا من فاطمة.

الآية الخامسة عشرة: التي لم يعملوا بها: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ (3).

و كان النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) يحبّ عليّا و فاطمة و الحسن و الحسين، فتظاهر القوم بعداوتهم و برهان ذلك دفع آية الخمس و غصب فدك منهم.

الآية السادسة عشرة: التي لم يعملوا بها: فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ‏ (4).

و معنى الآية- و اللّه العالم- قبولهم حكم النبيّ طائعين مختارين راضين.

وقع بين عثمان و يهوديّ نزاع على درع، فقال اليهوديّ: نختصم عند محمّد، و قال عثمان: بل عند حبركم؛ لأنّ عثمان على علم بأنّ النبيّ لا يقضي إلّا بالحقّ، و لا يرتشى، و أنّ الحقّ مع اليهوديّ و ليس مع عثمان حتّى نزلت الآية و فضحت عثمان‏

____________

(1) الإسراء: 26.

(2) مجمع الزوائد 7: 49، قال: رواه الطبرانيّ ... الخ.

(3) الأحزاب: 21.

(4) النساء: 65.

151

و أعطى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) الدرع إلى اليهودي.

الآية السابعة عشرة: التي لم يعملوا بها: لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ لَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ‏ (1) و لم يعملوا بالآية:

لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ‏ (2).

أعاد عثمان مروان و أباه الحكم بعد أن طردهما النبيّ، و فوّض أمر وزارته إلى مروان مع عدائهما للّه و رسوله، و نفي النبيّ لهما و طرده إيّاهما من المدينة بأمر اللّه من اللّه.

الآية الثامنة عشرة: لم يعمل بها عثمان: مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَ قُتِّلُوا تَقْتِيلًا (3).

أخذ مروان و هو رأس المنافقين فلم يقتله و إنّما أمّره على المسلمين، و هذه الآية طبّقت على معاوية أيضا.

الآية التاسعة عشرة: التي لم يعملوا بها: وَ لا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَ الْمُنافِقِينَ‏ (4).

فكان عثمان سامعا مطيعا لمروان المنافق لعنه اللّه، طريد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).

____________

(1) المجادلة: 22.

(2) الممتحنة: 13.

(3) الأحزاب: 61.

(4) الأحزاب: 1 و 48.

152

الآية العشرون: التي لم يعملوا بها: وَ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا (1).

فآذوا بني هاشم بإخراج الخلافة و الإمامة منهم، و آذوا فاطمة و عليّا بدفعهم آية الخمس عنهما و حرمانهما و آلهما منه، و غصبوا فدك، و نفوا أباذر جندب رضى اللّه عنه إلى الربذة، و قد قال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): لا يدخل قلب رجل الإيمان حتّى يحبّكم للّه و لرسوله‏ (2).

و لو كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حيّا لآلمه إيذائهم: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً (3)، و قال: وَ مَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها (4).

الآية الواحدة و العشرون: لم يعمل بها أبو بكر لعنه اللّه: فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍ‏ (5).

لأنّ أبا قحافة والده كان حيّا أبّان خلافته و كان له الحكم عليه.

____________

(1) الأحزاب: 58.

(2) ذخائر العقبى: 9 و 193 و 194؛ فضائل الصحابة للنسائي: 22؛ مسند أحمد 1: 207 و 208، و 4:

165؛ سنن الترمذي 5: 318؛ مستدرك الحاكم 3: 333 و 4: 75؛ مصنّف ابن أبي شيبة الكوفي 7:

518؛ السنن الكبرى 5: 51؛ المعجم الكبير 20: 285؛ كنز العمّال 11: 700 رقم 33395، و 12:

104 رقم 34202، و 13: 642 رقم 37623؛ تفسير ابن كثير 4: 122؛ الدرّ المنثور 6: 7؛ تاريخ دمشق 26: 300 و 301؛ أسد الغابة 3: 110 و 331؛ سير أعلام النبلاء 4: 88 و 12: 156؛ الإصابة 4: 317، هذا و قد أعرضنا عن الأكثر من هذه الكتب.

(3) الأحزاب: 57.

(4) الجنّ: 23.

(5) الإسراء: 23.