تعريب كامل البهائي - ج1

- عماد الدين الطبري‏ المزيد...
570 /
203

عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ‏ (1).

و يحضرني الآن أنّ هذه الافتراءات إنّما يفتريها الدهريّون، كما قال تعالى: وَ ما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ (2) و عاش أبو بكر في الشرك إلى شيخوخته و قد أسمن ترائبه و نحره و عروقه و أمعائه بشرب الخمر و أكل ما ذبح على النصب، و في إسلامه أدخل الظلم على أهل البيت و كان البادئ بذلك و فتح باب الشرّ عليهم، كما يعلم ذلك كلّ الناس، فكيف يعطى هذه المكافئة على تلكم الأعمال.

و بلغ كذبهم إلى درجة أن رووا أنّه كان النبيّ ذات يوم راكبا و أبو بكر إلى جانبه يسير على رجليه فهبط عليه الأمين جبرئيل و قال: ألا تستحي أنت راكب و أبو بكر راجل، و عليك أن تمشي ليركب أبو بكر ... و قد قال اللّه تعالى: لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَ لا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ‏ (3) و قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى‏ (4) و قال: لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً (5) و قال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ‏ (6).

و بناءا على هذا فإنّ اللّه تعالى أمر بالتواضع بين يدي النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، و أمر بالتمرّغ في تراب نعليه، و أمر بالخضوع و الخشوع عند مخاطبته فكيف يؤنّب رسوله على ركوبه بين يدي أبي بكر و لقد أجمعت الفرق الثلاث و السبعون عن عليّ (عليه السلام) على أنّ‏

____________

(1) البيّنة: 8.

(2) الجاثية: 24.

(3) الحجرات: 2.

(4) الحجرات: 3.

(5) النور: 63.

(6) الأنفال: 24.

204

مجلس رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان مجلس حلم و حياء، فكيف ينسب إليه المزاح و مع هذا فقد خاطبه اللّه بقوله: وَ اخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ‏ (1) فلو صحّ ما قاله الخصم فإنّا نقول له: أليس أبو بكر من المؤمنين؟ أو أنّه لم يكن تابعا للنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)؟ ثمّ إنّ اللّه تعالى يحكي للمسلمين حاله معهم فيقول: وَ اللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِ‏ (2) فوصفه اللّه بالحياء و وصفه الخصم بقلّة الحياء، و اللّه أولى بالصدق من العدوّ المخالف.

الحديث الخامس عشر: و رووا عن بريدة أنّه قال: خرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في بعض مغازيه فلمّا انصرف جاءت جارية سوداء، فقالت: يا رسول اللّه، إنّي كنت نذرت إن ردّك اللّه سالما أن أضرب بين يديك بالدفّ. قال: إن كنت نذرت فاضربي و إلّا فلا، فجعلت تضرب فدخل أبو بكر و هي تضرب، ثمّ دخل عليّ و هي تضرب، ثمّ دخل عثمان و هي تضرب، ثمّ دخل عمر فألقت الدفّ تحت أستها (ثمّ) قعدت عليه، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): إنّ الشيطان ليخاف منك يا عمر، إنّي كنت جالسا و هي تضرب فدخل أبو بكر و هي تضرب، ثمّ دخل عليّ و هي تضرب، ثمّ دخل عثمان و هي تضرب، (فلمّا دخلت أنت ألقت الدف- المؤلّف) ثمّ دخلت أنت يا عمر فألقت الدف‏ (3).

الجواب: هل كان ضرب المرأة بالدفّ طاعة أو معصية؟ فإن كان طاعة فلا سبيل إلى تركه لحضور أحد، و إن كان معصية فلا سبيل إلى فعله بين يدي النبي‏

____________

(1) الشعراء: 215.

(2) الأحزاب: 53.

(3) أسد الغابة 4: 64؛ فتح الباري 11: 510 و قال: أخرجه أبو داود من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه، و أخرجه أحمد و الترمذي من حديث بريدة، الخ.

205

و أصحابه و هم قادرون على دفعها و منعها.

و أمّا خوف الشيطان من عمر فإنّه لم يخف من اللّه تعالى و لا من أنبيائه، و كما يزعم شيعة عمر لم يبق نبيّ لم يوسوس له الشيطان كرّة بعد كرّة لأنّه يجيزون على الأنبياء فعل المعصية فمن أين جاءت لعمر هذه الدرجة الرفيعة و الرتبه القصوى؟

ثمّ كيف ينشغل النبيّ و أصحابه باللهو و اللعب و اللّه تعالى يقول: أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً (1)، الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَ لَعِباً الآية (2) و هم بمدحهم عمر ينتقصون جانب أخويه أبي بكر و عثمان.

الحديث السادس عشر: عن سعد بن أبي وقّاص: استأذن عمر بن الخطّاب على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و عنده نسوة من قريش عالية أصواتهنّ، فلمّا استأذن عمر قمن فبادرن الحجاب، فدخل عمر و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يضحك، فقال عمر: أضحك اللّه سنّك يا رسول اللّه. فقال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): عجبت من هؤلاء اللاتي كنّ عندي فلمّا سمعن صوتك ابتدرن الحجاب.

فقال عمر: يا عدوّات أنفسهنّ، أتهبنني و لا تهبن رسول اللّه؟ فقلن: نعم، أنت أفظّ و أغلظ. فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): و الذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكا فجّا قطّ إلّا سلك فجّا غير فجّك‏ (3).

الجواب: إنّ هذا الحديث ينسب إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) المعصية بالعمل على خلاف‏

____________

(1) المؤمنون: 115.

(2) الأعراف: 51.

(3) مسند أحمد 1: 171 و 182 و 187؛ صحيح البخاري 4: 96 و 199؛ صحيح مسلم 7: 115؛ تحفة الأحوذي 10: 122 و 123؛ سنن النسائي 6: 60؛ مسند أبي يعلى 2: 133؛ صحيح ابن حبّان 15:

316؛ ابن أبي الحديد 2: 178؛ الطبقات 8: 181 و كتب أخرى.

206

أوامر اللّه، لأنّ اللّه تعالى يقول: قُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَ‏ (1) و هل قصّر رسول اللّه على مذهب الخصوم في التبليغ فلم يتل هذه الآية على النساء لكي لا يرفعن أصواتهنّ على صوت النبيّ؟ حاشا من ذلك.

و قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ‏ (2) و قال تعالى: لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَ لا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ‏ (3).

هذه الآيات و أمثالها أنزلن على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حتّى حمل الأصحاب على خفض الصوت في حضرته، فهل من المعقول أن لا يكون بلغها النساء ليعرفن أنّ رفع الصور محضور بين يديه.

ثمّ لو تغاضينا عن هذا كلّه فأنّى لنا بالسكوت عن اتهام النبيّ بالانشغال مع النساء بالحديث خلافا لمقتضى آيات القرآن، و بناءا على ما افتروه ينبغي على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أن يكل الأمر في الشريعة إلى عمر ليسوّي ميلها و يقيم معوجّها لأنّ رسول اللّه كما يزعمه الخصم لا يبلغ الشريعة كما ينبغي له، و اللّه تعالى يقول: لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ‏ (4).

أضف إلى ذلك أنّ رفع الصوت إن كان طاعة فقد تسبّب عمر في رفعها، و إن كان معصية فالرسول أولى منه بمنعها.

و أمّا قول عمر: «أتهبنني» فإنّ اللّه تعالى لم يقل: خافوا من عمر و لا خافوا من رسول اللّه بل قال: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ‏ (5)، و قال أيضا: فَاتَّقُوا اللَّهَ‏

____________

(1) النور: 31.

(2) الحجرات: 3.

(3) الحجرات: 2.

(4) الشعراء: 3.

(5) التغابن: 16.

207

وَ أَطِيعُونِ‏ (1) و وقع هذا القول موقعه.

و أمّا قولهنّ لعمر: «أنت أفظّ و أغلظ» فهذا يدلّ على نقصان حال عمر لأنّ الغلظة و الفظاظة صفة المنافقين و الكافرين لا المؤمنين، و هذا يدلّ على سلب الإيمان من عمر، لأنّ النبيّ قال: «المؤمن إلف مألوف» (2).

و قال اللّه تعالى: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ‏ (3) و قال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): المؤمنون هيّنون ليّنون‏ (4)، كما قال تعالى: رُحَماءُ بَيْنَهُمْ‏ (5)، و قال: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ‏ (6).

الحديث السابع عشر: عن عائشة قالت: كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) جالسا فسمعنا لغطا و صوت صبيان، فقام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فإذا حبشيّة ترقص و الصبيان حولها، فقال: يا عائشة، تعالي و انظري، فجئت فوضعت يدي على منكب رسول اللّه فجعلت أنظر إليها ما بين المنكب إلى رأسه، فقال لي: أما شبعت أما شبعت، فجعلت أقول: لا، لأنظر منزلتي عنده، إذ طلع عمر فارفض الناس عنها، فقال رسول اللّه: إنّي لأنظر إلى‏

____________

(1) آل عمران: 50.

(2) فقه السنّة 2: 599 و تمامه: و لا خير فيمن لا يألف و لا يؤلف؛ مسند الشهاب لابن سلامة 1/ 108؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 10/ 39؛ فيض القدير 6/ 329؛ كشف الخفاء 2/ 295؛ كتاب المجروحين لابن حبّان 2/ 79؛ تاريخ مدينة دمشق 8/ 404؛ ميزان الاعتدال 3/ 248. و رواه الشيعة أيضا راجع: مستدرك الوسائل 8/ 450؛ بحار الأنوار 64/ 64.

(3) آل عمران: 159.

(4) مسند الشهاب 1/ 114؛ الفائق 1/ 56؛ الجامع الصغير 2/ 663؛ كنز العمّال 1/ 143؛ فيض القدير 6/ 335؛ كشف الخفاء 2/ 291؛ نهاية ابن الأثير 1/ 76 و له تتمّة.

(5) الفتح: 29.

(6) المائدة: 54.

208

شياطين الجنّ و الإنس قد فرّوا من عمر (1).

الجواب: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): إنّ اللّه يحبّ السهل الطلق، و قال أيضا: و أوّل ما يوضع في الميزان الخلق الحسن. و امتنّ اللّه على نبيّه بالخلق الحسن حيث قال:

وَ إِنَّكَ لَعَلى‏ خُلُقٍ عَظِيمٍ‏ (2)، و قال رسول اللّه: إنّ اللّه يبغض العفريتة النفريتة.

فتبيّن من هذا أنّ عباد اللّه هم ذووا الخلق الحسن، أمّا الفظاظة و الغلظة فهي من الصفات الذميمة لأهل النار.

و الدليل على كذب هذا الحديث قول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): إنّ الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم‏ (3)، و عمر لم يكن من الملائكة بالضرورة، و لم يكن من الجنّ أو الشياطين، فعلى هذا ليس للشياطين أن يفرّ منه لا سيّما على مذهب أهل السنّة و الجماعة الذي يجوّزون على الأنبياء وسوسة الشياطين، و حاشا للّه أن يقدّر هذا على أنبيائه الكرام و رسله العظام.

و يقول المخالف عن النبيّ أنّه قال: إنّ اللّه يغار للمؤمن فليغر (4).

____________

(1) سنن الترمذي 5: 284 و مكان ترقص، تزفن؛ فتح الباري 2: 370؛ سنن النسائي 5: 309؛ فيض القدير للمناوي شرح الجامع الصغير 3: 17؛ تاريخ مدينة دمشق 44: 82؛ سبل الهدى و الرشاد 11: 174 بسياق مختلف.

(2) القلم: 4.

(3) محيي الدين النووي في المجموع 6: 529؛ مواهب الجليل للخطاب الرعيني 7: 499 تحقيق زكريّا عميرات، ط دار الكتب العلميّة- لبنان، أولى 1416؛ المبسوط 11: 37؛ كشف القناع للبهوتي 1: 572، دار الكتب العلميّة- بيروت، أولى 1418؛ نيل الأوطار 6: 368؛ فقه السنّة لسيّد سابق 1: 464، ط دار الكتاب العربي- بيروت؛ شرح نهج البلاغة 2: 139؛ مسند أحمد 3: 156 و 285 و 309؛ صحيح البخاري 2: 258؛ صحيح مسلم 7: 8، و كتب أخرى.

(4) عثرت عليه في وسائل الشيعة (الإسلاميّة) 14: 176 و (آل البيت) 20: 238. و تمامه: و من لا يغار فإنّه منكوس القلب.

209

و قال أيضا: الربّ غيور.

و قال (صلّى اللّه عليه و آله) أيضا: إنّ سعدا لغيور، أنا أغير منه‏ (1)، و اللّه أغير منّا، و من غيرته حرّم الفواحش.

فأيّ عاقل يدعو زوجته لمشاهدة الرجال الأجانب كيف يرقصون و يلعبون و لمعصية اللّه، و أقسم باللّه العظيم لو أنّ هذه الحكاية نسبت إلى فاسق فاجر جلف جاف مستهتر لشانته فما بالك برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)!

الحديث الثامن عشر: عن ابن عمر: إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) خرج ذات يوم و دخل المسجد و أبو بكر و عمر أحدهما عن يمينه و الآخر عن شماله، و هو آخذ بأيديهما، فقال: هكذا نبعث يوم القيامة (2).

____________

(1) هذا شعر جاء في طرائف السيّد ابن طاووس: 223 و أوّله:

إنّ سعدا لغيور * * * و أنا أغير منه‏

و إله العرش أوفى‏ * * * غيرة بالنقل عنه‏

فإذا ما بانت الغيرة * * * من رأس فبنه‏

مستحل ... تحصى‏ * * * الخوف عنه إن تخنه‏

خلق السيف لرأس‏ * * * خلت النخوة منه‏

و أخرجها في مجمع الزوائد هكذا: عن أبي هريرة، عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: عمر غيور و أنا أغير منه (4: 328) و قال: رواه الطبراني في الأوسط و فيه المقدام بن داود و هو ضعيف، و في حديث آخر في نفس الصفحة: و اللّه أغير منّي و من غيرته حرّم الفواحش، و 9: 74 مثله.

المصنّف للصنعاني 10: 409؛ المعجم الأوسط 9: 20 و أسد الغابة 2: 284، و فيه: إنّ سعدا لغيور و أنا أغير منه، الحديث. و ما تقدّم كلّه لعمر.

(2) و إليك الكتب التي أخرجته: سنن الترمذي 5: 274؛ مستدرك الحاكم 3: 68 و 4: 280؛ مجمع الزوائد 9: 53؛ كتاب السنّة لعمرو بن أبي عاصم: 602؛ المعجم الأوسط 8: 157؛ ابن مندة-

210

الجواب: هذا الحديث مخالف لكتاب اللّه القائل: وَ كُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً (1) و قال: وَ لَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى‏ كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ تَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ‏ (2)، و قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): إذا ورد منّي عليكم حديث فأعرضوه على كتاب اللّه؛ إن وافق فاقبلوه و إلّا فردّوه على الحائط (3).

فلمّا خالف كتاب اللّه وجب ردّه، و عندي أنّ هذا النشور لا يلائم مقام النبوّة لأنّه سوف تحيا بناته معه و هنّ بالقرب من رسول اللّه و على هذا فينبغي أن يستبعد عن مقامه الشريف الأجنبي البعيد من قبل هذين الاثنين و بناءا على هذا ينبغي أن نقول بثقة و اطمئنان أنّ هذا الحديث كذب صراح‏ (4).

و روى الخاصّ و العام عن أبي ذر الغفاري بأنّه قال: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول لعليّ: أنت أوّل من يصافحني يوم القيامة و أنت الصدّيق الأكبر، و أنت الفاروق‏

____________

- الاصفهاني: 41، تحقيق مسعد عبد الحميد، دار الصحابة للتراث- طنطا، أولى 1412؛ كنز العمّال 13: 17 رقم 36130؛ ضعيف سنن الترمذي للألباني: 491، تحقيق زهير الشاويش، ط مكتبة الإسلامي- الرياض، أولى 1411؛ المجروحين لابن حبّان 1: 321، تحقيق محمود إبراهيم زايد؛ الكامل لابن عدي 3: 279؛ طبقات المحدّثين باصبهان لعبد اللّه بن حبّان 4: 239؛ تاريخ بغداد 5: 128 و 12: 136؛ تاريخ دمشق 21: 296 و 297 و 44: 187 و 188؛ ميزان الاعتدال 2:

158؛ لسان الميزان 2: 154.

(1) مريم: 95.

(2) الأنعام: 94.

(3) عون المعبود 12: 232؛ أبو رية في أضواء على السنّة المحمّديّة: 99، ط دار الكتاب الإسلامي؛ أحكام القرآن للجصّاص 1: 629 و 3: 380؛ تفسير القرطبي 1: 38؛ أصول السرخسي 1: 365 و 2: 68 و 76؛ تاريخ ابن معين 1: 326؛ الأحكام للترمذي 2: 323.

(4) أقول لشيخنا المؤلّف مع احترامي غير المحدود لسيادتك: فإنّ هذا دليل يتماشى مع ما عليه الأوضاع في الدنيا أمّا في عالم الآخرة لا سيّما يوم المحشر فإنّ له وضعا آخر لا يقاس به وضع الدنيا على أنّ قوله هذا رشيق جدّا و يأخذ بمجامع القلوب إلّا أنّ عليه أخذ ذلك الاعتبار بنظره.

211

الأعظم تفرق بين الحق و الباطل، و أنت يعسوب المؤمنين، و المال يعسوب الكفّار (1).

الحديث التاسع عشر: و قالوا: إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: ما من نبيّ إلّا و له وزيران من أهل السماء، و وزيران من أهل الأرض، فأمّا وزيراي من أهل السماء فجبرئيل و ميكائيل، و أمّا وزيراي من أهل الأرض فأبو بكر و عمر (2).

الجواب: و هذا يصادم الحديث الذي رووه عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): إنّ أخي و وزيري و خير من أترك من بعدي، يقضي ديني و ينجز وعدي عليّ بن أبي طالب.

قال أبو بكر الشيرازي: قال ابن عبّاس: عن أسماء بنت عميس، سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: اللهمّ إنّي أقول كما قال موسى بن عمران: اللهمّ اجعل لي وزيرا من أهلي عليّ بن أبي طالب.

و أمّا من طريقنا أيّها الشيعة فقد وردت روايات جمّة في هذا المعنى و لكن الحديثين المذكورين ثبتا برواية رواتهم.

الحديث العشرون: قال المخالف: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): اللهمّ أعزّ الإسلام بأبي جهل ابن هشام أو بعمر بن الخطّاب‏ (3).

____________

(1) كنز الفوائد للكراجكي: 121؛ الروضة في المعجزات و الفضائل: 142؛ طريق الأئمّة لآل نوح:

32؛ جامع الرواة 2: 387.

(2) سنن الترمذي 5: 278؛ تحفة الأحوذي 10: 114؛ قصيدة عبد اللّه بن الأشعث: 43؛ كنز العمّال 11: 560 رقم 32647، و ص 566 رقم 32648، و 13: 15 رقم 36121؛ الكامل لابن عدي 2: 87 و 3: 454؛ تاريخ دمشق 30: 119 و 120، و كتب أخرى كثيرة.

(3) مسند أحمد 2: 95؛ سنن الترمذي 5: 279 و 280؛ فتح الباري 7: 39؛ تحفة الأحوذي 10: 115؛-

212

الجواب: لا فخر لعمر في مقارنته بأبي جهل، و أورد أبو بكر الشيرازي في تفسير سورة الحجّ، أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أمر أبا بكر قائلا: خذ السيف و اقتل فلانا داخل المسجد الآن لأنّه صاحب فتنة و بدعة، فلمّا جائه وجده راكعا، فرجع و قال: يا رسول اللّه رأيته ساجدا، فأمر عمر بقتله، فرجع كما رجع صاحبه، و قال: يا رسول اللّه، رأيته ساجدا، ثمّ أعطى السيف في الثالثة إلى عليّ (عليه السلام) و قال: أنت صاحبه فإن وجدته فاقتله و إلّا فعد إلينا، فلمّا دخل عليّ المسجد وجد الرجل قد لاذ بالفرار.

قال أبو بكر الشيرازي: و هذا قتله عليّ (عليه السلام) في صفّين‏ (1).

أيّها القارئ الكريم، هذا هو إعزاز الدين عندهم، يقول لهما رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): اقتلا صاحب البدعة مفجر الفتنة في العالم، فلم يقتلاه و تركا أمر رسول اللّه ورائهما ظهريّا.

قال الكسائيّ في قصّة: مكتوب على العرش: «لا إله إلّا اللّه، محمّد رسول اللّه،

____________

- كنز العمّال 11: 582 و 583 و 12: 595؛ فيض القدير 5: 381؛ كشف الخفاء 1: 183 و 184؛ ضعيف سنن الترمذي للألباني: 493؛ تفسير القرطبي 11: 164؛ الدرّ المنثور 3: 43؛ فتح القدير 2: 160؛ تهذيب الكمال 1: 241؛ الإصابة 2: 398؛ البداية و النهاية 3: 101.

(1) الرواية مذكورة في كتبهم بسياقات مختلفة و أخرجها الكثير من الحفّاظ و أذكر الآن ما جاء في نيل الأوطار 7: 350 للشوكاني، فقد قال: أخرج أحمد بسند جيّد عن أبي سعيد قال: جاء أبو بكر إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فقال: يا رسول اللّه، إنّي مررت بواد كذا فإذا رجل حسن الهيئة متخشّع يصلّي فيه، فقال: اذهب إليه فاقتله. قال: فذهب أبو بكر فلمّا رآه يصلّي كره أن يقتله، فرجع، فقال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لعمر: اذهب فاقتله، فرآه يصلّى على تلك الحالة فرجع، فقال: يا علي، اذهب إليه فاقتله، فذهب عليّ (عليه السلام) فلم يره، فقال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): إنّ هذا و أصحابه يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية (فلا) يعودون فيه قاقتلوهم هم شرّ البريّة. قال الحافظ بعد أن قال: إنّ إسناده جيّد: له شاهد من حديث جابر أخرجه أبو يعلى و رجاله ثقات.

213

أيّدته بعليّ و نصرته به» (1).

قال أبو بكر الشيرازي: هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَ بِالْمُؤْمِنِينَ‏ (2) يعني بعليّ بن أبي طالب (عليه السلام).

و قال أيضا: وَ أَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ (3) في سيف عليّ ذي الفقار الذي أهداه اللّه تعالى إلى آدم من الجنّة و كان قد صنعه من ورقة من آس الجنّة، و كتب عليه: لا يزال الأنبياء يحاربون به، نبيّ بعد نبيّ، و صدّيق بعد صدّيق، حتّى يرثه أمير المؤمنين.

ثمّ قال: وَ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَ رُسُلَهُ بِالْغَيْبِ‏ هذه هي النصرة، و الناصر عليّ، و كانت عزّة الإسلام بذي الفقار و بنصر عليّ (عليه السلام) و جهاده، و ليس لعمر في النصرة و الجهاد اسم يذكر و لا خبر يؤثر، من أنّه فعل شيئا قبل الهجرة أو بعدها.

ثمّ إنّنا قد نصدّق بما قاله النبيّ عن عمر ليس للخوف منه لأنّه ليس ملكا و لا رئيسا و لا شجاعا لكي يحذروه أو يفرقوا منه و لكنّه كان ذا فتنة حتّى و هو مشرك و من أهل المكر و الحيلة و الاستبداد و الشطارة، فما كان المسلمون يأمنون شرّه و لا كيده فيهم من ثمّ دعا النبيّ عليه لكي يحمي اللّه المسلمين من شرّه، و يدفع عنهم ضرره بإظهاره الإسلام.

____________

(1) ذخائر العقبى: 69؛ مجمع الزوائد 9: 121؛ المعجم الكبير 22: 200؛ نظم درر السمطين: 120؛ كنز العمّال 11: 624 رقم 33040؛ شواهد التنزيل 1: 293؛ الدرّ المنثور 3: 199 و 4: 153؛ تاريخ بغداد 11: 173؛ تاريخ مدينة دمشق 6: 456 و 42: 336 و 47: 344؛ تهذيب الكمال للمزّي 33: 260؛ ميزان الاعتدال 1: 269 و 530 و 2: 76 و 382 و 3: 549؛ سبط العجمي في الكشف الحثيث: 96 و 148؛ لسان الميزان 1: 457 و 2: 268 و 484 و 3: 238 و 5: 167؛ الشفا للقاضي عياض 1: 174؛ ينابيع المودّة 1: 69 و 70 و 282 و 413 و 2: 160 و 247 و 309، هذا و لم نستند إلى كتاب واحد من كتب الشيعة على كثرتها لتكون حجّتنا على الخصوم أبلغ.

(2) الأنفال: 62.

(3) الحديد: 25.

214

الحديث الواحد و العشرون: و قالوا عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه قال: ما طلعت الشمس على رجل خير من عمر (1).

الجواب: عنوان الخيريّة يتحقّق إمّا بالحسب أو النسب، و هاتان الخصلتان موجودتان في عليّ لا في عمر.

و إمّا بالعبادة، و زعم الخصم أنّ قوله تعالى: وَ الْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ (2) نزلت في عليّ (عليه السلام) الذي عبد اللّه قبل عمر و عبده بعده، و كان (عليه السلام) متقدّما عليهم جميعا بالسخاء و العطاء و الجهاد، و كلّما تفرضه من فعل الخير.

و إمّا بالعلم، و هو باب مدينة علم النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، و يقول المخالف كما جاء في نكت فصول أبي الفتوح الاصفهاني نقلا عن الصحيح، عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): أوحى اللّه تعالى في عليّ ثلاثا: سيّد المسلمين، و إماما المتقين، و قائد الغرّ المحجّلين، و الذي يكون بهذه الصفة لا يمكن أن يكون إلّا حاكما على عمر، و خيرا منه‏ (3).

لا يختلف المخالفون عن أبي بريرة بأنّ فاطمة (عليها السلام) قالت: يا رسول اللّه، تزوّجني من عليّ بن أبي طالب و هو فقير و لا مال له، فقال: أما ترضين أنّ اللّه تعالى اطّلع على أهل الدنيا فاختار رجلين: أحدهما أبوك و الآخر بعلك.

____________

(1) سنن الترمذي 5: 281؛ المستدرك 3: 90؛ تحفة الأحوذي 10: 118؛ كتاب السنّة لابن أبي عاصم: 573؛ الجامع الصغير 2: 499؛ كنز العمّال 11: 577 و 13: 5 رقم 36089؛ فيض القدير 5: 579 رقم 7937؛ ضعيف سنن الترمذي: 493؛ ضعفاء العقيلي 3: 4؛ تاريخ دمشق 44: 193 و 194؛ ميزان الاعتدال 2: 603؛ لسان الميزان 3: 448.

(2) آل عمران: 17.

(3) روضة الواعظين: 108؛ مناقب آل أبي طالب 2: 63 و 263؛ العمدة: 269؛ كتاب الأربعين لمحمّد طاهر القمي الشيرازي: 41؛ الجواهر السنيّة للحرّ العاملي: 227 و 231؛ كشف اليقين للعلّامة الحلّي: 303؛ تنبيه الغافلين لابن كرامة: 49، تحقيق آل شبيب، طب أولى 1420، ط مركز الغدير للدراسات.

215

و روي: إنّ اللّه تعالى قد اطّلع على أهل الدنيا فاختار منهم أباك، فاتخذه نبيّا ثمّ اطّلع ثانيا فاختار منهم بعلك‏ (1).

و لو كان الحديث صحيحا فهل بمستطاع الخصم أن يفضل عمر على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و هذا محال، و الذي يؤدّي إلى المحال محال أيضا.

الحديث الثاني و العشرون: و قالوا عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه قال: وضع الحقّ على لسان عمر و قلبه‏ (2).

الجواب: يقول جار اللّه: شاور رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أبا بكر و عمر في شأن العبّاس و عقيل، فقال أبو بكر: يطلق سراحه، و قال عمر: يقتل، فقبل رسول اللّه قول أبي بكر و ردّ قول عمر، فلو وضع الحقّ على قلبه و لسانه لما ردّ رسول اللّه قوله.

ثمّ إنّ اللّه تعالى أوجب طاعة رسوله و الأخذ بقوله بحكم: اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ‏ (3)، وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ‏ (4) فقال لأبي بكر و عمر اقتلا ذلك المبتدع في المسجد و أعطاهما السيف، فلم يطيعا أمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).

و لو وضع الحقّ على لسان عمر و قلبه لما سأل حذيفة: هل أنا منافق أو لا؟ و لم يشكّ في الإسلام طرفة عين.

[حديث آخر] و بهذا يبطل قول المخالفين من أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: بينا أنا نائم رأيت الناس‏

____________

(1) مناقب ابن شهر آشوب 1: 220؛ المراجعات: 304 و قال: أخرجه الخطيب في المتفق بسنده المعتبر؛ المستدرك للحاكم 3: 129.

(2) منتخب مسند عبد الحميد: 245 تحقيق صبحي السامراء و محمود الصعيدي، ط النهضة العربيّة، أولى 1408؛ علل الدارقطني 6: 258؛ تاريخ مدينة دمشق 44: 97 و 103 و 48: 73.

(3) الأنفال: 24.

(4) الحشر: 7.

216

يعرضون عليّ و عليهم قمص منها ما يبلغ الثدي و منها دون ذلك، و عرض عليّ عمر ابن الخطّاب، و عليه قميص يجرّه، قالوا: فما أوّلت يا رسول اللّه؟ قال: الدين‏ (1).

الجواب: و هذا باطل أيضا لأنّه لو كان من أهل الدين لما شكّ في الإسلام و لم يشكّ في آية لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ‏ (2) و لم يشكّ بقول الرسول و قد اعترف بذلك حين قال: ما شككت منذ أسلمت إلّا يوم قاضى فيه رسول اللّه أهل مكّة (3)، و مرّ بيان هذا الحديث في الحادي عشر.

الحديث الثالث و العشرون: و قالوا عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه قال: بينا أنا نائم أتيت بقدح لبن حتّى لأرى الري يخرج من أظافري، ثمّ أعطيت فضلي عمر بن الخطّاب. قالوا: فما أوّلته يا رسول اللّه؟ قال: العلم‏ (4).

الجواب: اتفق المخالفون على أنّ الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) قال في أوّل خطبة على منبر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بعد مقتل عثمان: سلوني عمّا دون العرش، سلوني عن طرق السماء فإنّي أعلم بها من طرق الأرض‏ (5).

____________

(1) صحيح البخاري 4: 201 و 8: 75؛ صحيح مسلم 7: 112؛ سنن النسائي 8: 113؛ أسد الغابة 4: 62.

(2) الفتح: 27.

(3) المسترشد للطبري الشيعي: 535؛ الفصول المختارة: 27؛ بحار الأنوار 29: 21؛ عين العبرة لابن طاووس: 22؛ الدرّ المنثور للسيوطي 6: 77؛ سبل الهدى و الرشاد 5: 53 و سمّاه البخاري أمرا عظيما، 4: 26 و 125؛ و أخرجه مسلم 3: 1412؛ و الطبراني في الكبير 6: 109؛ و ابن سعد 1:

20؛ و انظر المجمع 3: 312 و 5: 67 عن هامش سبل الهدى و الرشاد 5: 53 تحقيق الشيخ عادل أحمد عبد الموجود، ط أولى 1414 دار الكتب العلميّة- بيروت.

(4) صحيح البخاري 1: 29 و 8: 74 و 79 و 81.

(5) نهج البلاغة 2: 130 خطب الإمام بتغيير يسير؛ كامل الزيارات: 155.

217

ثمّ قال: لو وضعت لي الوسادة و جلست عليها لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم، و بين أهل الإنجيل بإنجيلهم، و بين أهل الزبور بزبورهم، و بين أهل الفرقان بفرقانهم‏ (1)، و اللّه ما من آية نزلت في بحر و لا برّ و لا سهل و لا جبل و لا سماء و لا أرض إلّا و أنا أعلم فيمن نزلت و في أيّ شي‏ء نزلت.

و قال أبو بكر الشيرازي: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ‏ (2) و أهل الذكر عليّ (عليه السلام)، و كان عنده علم الصحابة.

و يقرّ المخالف بأنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قال: أنا مدينة العلم و عليّ بابها، و قال: أقضاكم عليّ، و القضاء محتاج إلى علوم عدّة تتقدّمه، و من لا يدري هل هو مسلم أو لا، أين يقع من العلم، و لو كان يعلم لعلم معنى‏ وَ فاكِهَةً وَ أَبًّا (3).

الحديث الرابع و العشرون: و قالوا: دعا رسول اللّه في مرض موته عائشة و قال: ادعي لي أبا بكر، و أخاك حتّى أكتب كتابا فإنّي أخاف أن يتمنّى متمنّ و يقول قائل: أنا و لا غيري، و يأبى اللّه و المؤمنون إلّا أبا بكر (4).

و كذلك قالوا: أتت امرأة النبيّ فكلّمته في شي‏ء فأمرها أن ترجع إليه، قالت: يا

____________

(1) عوالي اللئالي 4: 128؛ نهج السعادة 7: 147؛ غوالي اللئالي 4: 128.

(2) النحل: 43.

(3) عبس: 31.

(4) صحيح مسلم 7: 110؛ السنن الكبرى للبيهقي 8: 153؛ فتح الباري 1: 186 و 13: 177؛ كتاب الوفاة للنسائي: 26؛ السنن الكبرى 4: 253؛ الطبراني في الأوسط 5: 23 و 6: 340؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 6: 13 و قال: غير صحيح؛ كنز العمّال 11: 546 رقم 32562؛ الطبقات الكبرى 3: 180؛ تاريخ دمشق 30: 267؛ سبل الهدى و الرشاد 12: 247.

218

رسول اللّه، إن جئت و لم أجدك، كأنّها تريد الموت، قال: فإن لم تجديني فأتي أبا بكر (1).

الجواب: أجمع المخالفون على أنّ النبيّ رحل عن الدنيا و لم يوص في أمر الخلافة بشي‏ء، فإن كان الإجماع صحيحا كان حديث عائشة باطلا و كذبا.

و أمّا قوله: «و يأبى اللّه و المؤمنون إلّا أبا بكر» فهذا نصّ على خلافته و الخصم يدّعي الاختيار، فإن صحّ هذا فالاختيار باطل.

ثمّ إنّ قوله «و المؤمنون» يشمل بني هاشم و مواليهم و شيعتهم و أكابر الصحابة مثل أبي ذر و سلمان و المقداد و عمّار و محمّدا بن أبي بكر (2) و عبد اللّه بن عبّاس و عبد اللّه بن مسعود (3) و سعد بن عبادة الخزرجي و جماعته و بني حنيفة أجمع هؤلاء كلّهم «المؤمنون» و قد أنكر و خلافة الأوّل و أبوها و منهم من حاربه، و أضف إليهم أتباعهم أيضا.

و لقد أجمع علماء الخلاف على صحّة حديث: «إنّي تارك فيكم الثقلين، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي، كتاب اللّه و عترتي أهل بيتي، حديث مجمع عليه و لا يمكن تسويته بما هو مفتعل موضوع، و أمّا ما لفّقوه عن المرأة و أمر النبيّ إيّاها بإتيان أبي بكر هو باطل و معارض بحديث المصابيح حيث ورد عن ابن عبّاس: قال سألت رسول اللّه: إذا كان ما نعوذ باللّه منه، فإلى من؟ فأشار إلى عليّ (عليه السلام) فقال:

هذا، فإنّه مع الحقّ و الحقّ معه، ثمّ يكون من بعده أحد عشر إماما مفترضة طاعتهم كطاعته‏ (4).

____________

(1) صحيح البخاري 4: 191 و 8: 127؛ فتح الباري 7: 16.

(2) محمّد رضي اللّه عنه لم يولد بعد.

(3) هذا الرجل من أخبث القوم و أنصبهم لعليّ (عليه السلام).

(4) الصراط المستقيم 2: 121؛ بحار الأنوار 36: 300؛ إعلام الورى بأعلام الهدى للطبرسيّ 2: 164-

219

و كذلك رووا عن عمرو بن العاص بأنّه قال: إنّ النبيّ بعثه على جيش ذات السلاسل قال: فأتيته، فقلت: أيّ الناس أحبّ إليك؟ قال: عائشة، فقلت: من الرجال؟ قال: أبوها (1).

رددنا على هذه الفرية فيما تقدّم و هنا نقول: إنّه معارض بحديث عائشة و هو مشهور في كتب المخالفين، فقد سألوها: أيّ الناس أحبّ إلى رسول اللّه؟ قالت:

فاطمة، فقيل: من الرجال؟ قالت: زوجها (2).

و رووا كذلك أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قال: أوّل من ينشقّ عنه الأرض أنا ثمّ أبو بكر ثمّ عمر.

رددنا عليه بحديث أبي بكر القائل: إنّ الرسول قال: عليّ أوّل من آمن بي، و أوّل من يصافحني يوم القيامة (3).

هذا هو عليّ (عليه السلام) الذي أمر النبيّ بسدّ الأبواب من المسجد إلّا بابه، و منع‏

____________

- تحقيق مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث- قم، ط أولى، ربيع الأوّل 1417 ه- مطبعة ستارة؛ كشف الغمّة 3: 309 ط دار الأضواء- الثانية 1405- بيروت لبنان.

(1) صحيح البخاري 5: 113؛ صحيح مسلم 7: 109؛ مستدرك الحاكم 4: 12؛ مسند ابن راهعويه 2: 15 ط مكتبة الإيمان- المدينة المنوّرة، أولى 1412 تحقيق برد البلوسي.

(2) ذخائر العقبى: 35 و 62؛ المستدرك للحاكم 3: 157.

(3) مسند زيد: 452؛ عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 65؛ الأمالي للصدوق: 274؛ معاني الأخبار: 402؛ مجمع الزوائد 9: 102؛ معجم الكبير للطبراني 6: 269؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 13:

228؛ نظم درر السمطين: 82؛ كنز العمّال 11: 616 رقم 32990؛ فيض القدير 4: 472؛ ضعفاء العقيلي 2: 47؛ الكامل لابن عدي 4: 229؛ تاريخ بغداد 9: 460؛ تاريخ دمشق 42: 41 و 42 و 43 و 450؛ أسد الغابة 5: 287؛ ميزان الاعتدال 1: 188 و 2: 3 و 417؛ سير أعلام النبلاء 23: 79؛ لسان الميزان 1: 457 و 2: 414 و 3: 283؛ الإصابة 7: 294؛ البلاذري في أنساب الأشراف: 118؛ المقريزي في النزاع و التخاصم: 129؛ ينابيع المودّة 1: 195 و 244 و 387.

220

الصحابة من سلوك المسجد إلّا عليّا، فقد كان كرسول اللّه يخرج و يدخل من الباب الذي ظلّ مفتوحا.

جاء في المصابيح عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لعليّ: لا يحلّ لأحد يجنب في المسجد غيري و غيرك‏ (1).

قال حمّاد بن صرد: معناه: لا يحلّ لأحد يستطرقه جنبا غيري و غيرك.

و في رواية: في هذا المسجد غيري و غيرك، فإذا كان النبيّ في حياته سدّ في وجههم الباب و فتحه لعليّ فكيف يجوز فتحه في وجوههم يوم القيامة و قد حرّم عليهم في الدنيا مع أنّهم لم يشهدوا جنازة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و رقدوا في بيت رسول اللّه بدون إذن فاطمة عليها السلام هذه السنين.

و جاء جواب آخر في نكت الفصول للعجلي: بأنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بشّر فاطمة بأنّها أوّل أهله لحوقا به، فتوفّيت بعد رسول اللّه، فإذا كانت فاطمة عنده كما يقول بذلك الخصم أيضا فكيف يحضرهما رجل أجنبيّ، قال اللّه تعالى: وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ اتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ‏ (2)، فإذا كانت فاطمة مع أبيها، فما من أحد يستطيع‏

____________

(1) روضة الطالبين 5: 352. قال الترمذي: حديث حسن لا نعرفه إلّا من هذا الوجه؛ حواشي الشرواني 1: 271 ط دار إحياء التراث العربي- بيروت؛ البحر الرائق لابن نجيم المصري 1:

340؛ فتح الباري 7: 13؛ تحفة الأحوذي 9: 140 و 10: 113؛ الأسعودي في فضائل سنن الترمذي: 40؛ القول المسدّد لابن حجر: 19 ط مكتبة ابن تيميّة- القاهرة، أولى 1401؛ كنز العمّال 11: 626 رقم 33051 و 33052؛ تذكرة الموضوعات للفتني: 95؛ كشف الخفاء 2: 383؛ فتح الملك العلي: 46؛ تفسير ابن كثير 1: 513؛ تاريخ دمشق 42: 140؛ تهذيب الكمال 26:

252؛ ذيل تذكرة الحفّاظ: 214؛ سير أعلام النبلاء 13: 273؛ من له رواية في الكتب الستّة 1:

107؛ تهذيب التهذيب 9: 344؛ البداية و النهاية 7: 379 و 11: 77؛ نهج الإيمان لابن جبر: 444؛ سبل الهدى و الرشاد 10: 423؛ ينابيع المودّة 2: 170 و 394.

(2) الطور: 21.

221

خرق حجاب النور المضروب عليها، و اجتمعت كلمة المنافقين أنّ فاطمة إذا دخلت عرصة القيامة نادى مناد: يا أهل الموقف، غضّوا أبصاركم حتّى تجوز فاطمة بنت محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)(1).

و إذا ما قال المخالف: يفرق في القيامة بينها و بين أبيها، فإنّنا نقول: نعوذ باللّه ممّن يفرق بينها و بين أبيها لأنّه حينئذ يسلك به إلى جهنّم في طريق مستقيم.

و لو قال مخالفنا بأنّ نشر الزهراء بعيد عن نشر أبيها يوم القيامة، فإنّنا نقول:

و هذا القول يضرّ مخالفنا و لا ينفعه و ينقض عليه قوله.

الحديث الخامس و العشرون: و قالوا: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): أتاني جبرئيل فأخذ بيدي، فأتى باب الجنّة الذي يدخل أمّتي، فقال أبو بكر: يا رسول اللّه، وددت أنّي كنت معك حتّى أنظر إليك، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): أما إنّك يا أبا بكر، أوّل من يدخل الجنّة من أمّتي‏ (2).

الجواب: الحديث منقوض بما رواه السلماني و الزمخشري من علماء أهل السنّة في تفاسيرهم، عن عليّ (عليه السلام) قال: شكوت إلى رسول اللّه حسد الناس لي، فقال: أما ترضى أن تكون رابع أربعة، أوّل من يدخل الجنّة أنا و أنت و الحسن و الحسين، و أزواجنا عن أيماننا و شمائلنا، و ذرّيّتنا خلف أزواجنا، و شيعتنا من ورائنا (3).

هذا الحديث يكذّب الحديث الأوّل و يصدّق الشيعة، و الحديث الأوّل رواية

____________

(1) مستدرك الحاكم 3: 153: صحيح على شرط الشيخين و لم يخرجاه، و ص 161؛ لسان الميزان 2: 415 و 3: 237 و 395.

(2) سنن أبي داود 2: 402؛ عون المعبود 12: 265؛ المعجم الأوسط 2: 93؛ كنز العمّال 11: 544 رقم 32551، و ص 575 رقم 32624؛ تاريخ دمشق 30: 105 و 106؛ تهذيب الكمال 33: 278؛ سبل الهدى و الرشاد 11: 256.

(3) سبق تخريج هذا الحديث.

222

سفيان و تكذيب الشيعة لهذا الحديث يستند إلى القرآن، قال اللّه تعالى: أَ يَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ‏ (1) و ليس دخول الجنّة بالطمع وحده بل: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى‏ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ (2).

الحديث السادس و العشرون: و قالوا أيضا عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه قال: لا ينبغي لقوم فيهم أبو بكر أن يؤمّهم غيره.

الجواب: هذا الحديث باطل برواية الخصم الذي قال: صلّوا خلف كلّ برّ و فاجر (3). فإذا كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أذن بالصلاة وراء كلّ برّ و فاجر فلا بدع أن يكون أبو بكر فاجرا.

و قال رسول اللّه أيضا- كما يزعمون-: أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم، و لم يفضل أحدا على أحد و إنّما ساوى بالاقتداء بينهم جميعا، فيكون التخصيص بأبي بكر من ضمن المفتريات على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله).

و هذا الحديث مطلق ينسحب على زمن النبي في حياته و بعد وفاته فينبغي أن يكون رسول اللّه ائتمّ بأبي بكر لئلّا يكون من مصاديق الآية: أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ‏ (4) و ليس من اللائق بجنابه أن يأمر أمّته بأمر ثمّ لا يجريه مع الإمكان، و لا يقول بائتمامه بأبي بكر مسلم.

____________

(1) المعارج: 38.

(2) التوبة: 111.

(3) شرح الأزهار لأحمد المرتضى 1: 282؛ فتح العزيز لعبد الكريم الرافعي 4: 331، ط دار الفكر؛ شرح النووي 5: 268 ط دار الفكر؛ تلخيص الحبير لابن حجر 4: 331؛ مغني المحتاج 3: 75، ط دار إحياء التراث العربي، 1377؛ المبسوط للسرخسي 1: 40؛ تحفة الفقهاء للسمرقندي 1:

229؛ بدايع الصنايع للكاشاني 1: 156؛ الجوهر النقي للمارديني 4: 19؛ البحر الرائق 1: 610 و 8: 334؛ نيل الأوطار 1: 429؛ سنن البيهقي 4: 19.

(4) البقرة: 44.

223

الحديث السابع و العشرون: و رووا أيضا عن الصحابة بأنّهم قالوا: كنّا في زمن النبي لا نعدل بأبي بكر أحدا ثمّ عمر ثمّ عثمان، ثمّ نترك أصحاب النبي لا نفاضل بينهم.

و روي: كنّا نقول و رسول اللّه حيّ: أفضل أمّة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بعده أبو بكر، ثمّ عمر ثمّ عثمان‏ (1).

الجواب: هذا الحديث باطل بناءا على ما رواه المخالف الذي روى حديث النبيّ في فضل عليّ (عليه السلام) أنّه قال: أعلمكم و أفضلكم عليّ.

و جاء في كتاب النكت عن عائشة أنّها قالت: كنت عند النبيّ إذ أقبل عليّ، فقال: هذا سيّد العرب. فقلت: بأبي أنت و أمّي، ألست سيّد العرب؟ فقال: أنا سيّد العالمين و هو سيّد العرب‏ (2).

و ذكر السلماني و الزمخشري في تفسيريهما عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه قال: سبّاق الأمم‏

____________

(1) صحيح البخاري 4: 203؛ سنن أبي داود 2: 397؛ فتح الباري 7: 14؛ كتاب السنّة لعمرو بن عاصم: 553؛ سير أعلام النبلاء 10: 463؛ الإصابة 1: 24؛ البداية و النهاية 7: 230.

(2) ابن عابدين، حاشية ردّ المختار 3: 690؛ ذخائر العقبى: 70؛ المستدرك 3: 124؛ مجمع الزوائد 9: 116 و 131؛ المعجم الأوسط 2: 127؛ المعجم الكبير 3: 88؛ شرح ابن أبي الحديد 9: 170 و 11: 66؛ كنز العمّال 11: 618 رقم 33007 و رقم 33008، و 13: 143 رقم 36448، و ص 145 رقم 336456؛ فيض القدير 3: 60؛ كشف الخفاء 1: 462 و 2: 71؛ إرغام المبتدع الغبي للسقاف: 58؛ الردّ على الألباني المبتدع، لعبد اللّه بن الصدّيق: 5 و 6؛ تاريخ بغداد 11: 90 و 91؛ تاريخ دمشق 42: 304 و 305 و 306؛ ذيل تاريخ بغداد 5: 60؛ ميزان الاعتدال 3: 185 و هو و إن زعم أنّ متنه باطل إلّا أنّه متّهم على ما يحكم به على الأحاديث في أهل البيت، و 4: 115؛ الكشف الحثيث: 194، و فيه يقول الذهبي: و يعمل بالظنّ؛ لسان الميزان 4: 290 و 6: 39؛ ذكر أخبار اصفهان 1: 308؛ جواهر المطالب 1: 105؛ ينابيع المودّة 1: 265 و 266 و 277، و 2: 74 و 161 و 281.

224

ثلاثة، لم يكفروا باللّه طرفة عين: عليّ بن أبي طالب، و صاحب يس، و مؤمن آل فرعون، و هم الصدّيقون و عليّ أفضلهم.

و ما قاله قائلهم: ثمّ نترك أصحاب رسول اللّه لا نفاضل بينهم، فهذا خلاف لقول اللّه تعالى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ‏ (1)، و من الطبيعي أن لا يكونوا جميعا سواء في التقوى و إلّا لكان هذا الكلام لغوا و كان وجود المنافقين كالعدم.

و قال تعالى: هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ‏ (2) و هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى‏ وَ الْبَصِيرُ (3)، و قال: الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ‏ (4)، و: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَ قاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً (5)، وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا (6)، و قال: وَ السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَ الْأَنْصارِ (7).

و هذه الدرجة الأوليّة في القرآن الكريم، و أجمع أهل القبلة على أنّ النبيّ كان يقرّب أهل بدر أكثر من غيرهم، و يدني مجلسهم من مجلسه في المسجد.

و أمّا باقي الصحابة فقد قال في حقّ سلمان: «سلمان منّا أهل البيت».

و قال لعمّار: خالط الإيمان لحمه و دمه، يدور مع الحقّ حيث ما دار، و كذلك أبو ذر.

و أمّا عليّ فقد كان تقديمه أظهر من الشمس كما كشفنا مضمره فيما سلف.

____________

(1) الحجرات: 13.

(2) الزمر: 9.

(3) الأنعام: 50، الرعد: 16.

(4) المجادلة: 11.

(5) الحديد: 10.

(6) الأنفال: 72.

(7) التوبة: 100.

225

فتبيّن من هذا أنّ القرآن و الإجماع يدلّان على كذب هذا الحديث و الإجماع حاصل على أنّ عثمان لم يكن بدريّا.

الحديث الثامن و العشرون: و قالوا عن النبيّ بأنّه قال لأبي بكر: أنت صاحبي في الغار، و صاحبي في الحوض‏ (1).

الجواب: لمّا كان أبو بكر صاحبه في الغار فينبغي أن يكون صاحبه في موضع آخر بناء على قائل هذا الدليل، بينما أمر النبي عليّا أن ينام في فراشه حتّى نزلت بحقّه الآية: وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ‏ (2) و بالطبع رتبة صاحب الفراش أرفع من رتبة صاحب الغار، لأنّ هذه الخدمة ممكنة لكلّ أحد، أمّا تلك الخدمة فليست إلّا لنبيّ أو وصيّ نبيّ.

و الدليل على ذلك أنّ عبد اللّه الأرقط كان من الصحابة الذين حضروا في الغار مع النبي‏ (3) و ليست الصحبة في الغار ذات مستوى رفيع ليتباهوا بها فقد كانت السباع و الوحوش و الأبالسة مع نوح في السفينة شهورا متعدّدة، و مثله يقال في أهل الكهف و صاحبهم الكلب. و سيأتي مزيد كلام حول هذا المعنى إن شاء اللّه.

____________

(1) مجمع الزوائد 9: 50؛ فتح الباري 8: 239؛ حديث خيثمة: 137، تحقيق التدمري، ط دار الكتاب العربي- بيروت 1400؛ صحيح ابن حبان 15: 17؛ المعجم الكبير 11: 316؛ ابن عمرو النقّاش في فوائد العراقيين: 23، تحقيق مجدي السيّد إبراهيم، ط مكتبة القرآن- القاهرة؛ تفسير الطبري 10: 84؛ شواهد التنزيل 1: 315 و 316؛ زاد المسير 3: 266؛ الدرّ المنثور 3: 241؛ الكامل لابن عدي 3: 256؛ تاريخ دمشق 3: 89 الخ.

(2) البقرة: 207.

(3) لم يشر المؤلّف إلى المصدر الذي استقى منه هذه المعلومة لنتابعه، و الآية تردّ ذلك لأنّ اللّه تعالى يقول: «ثاني اثنينى» فلو كان معهما ثالث لقال: ثالث ثلاثة أو أكثر.

226

ثمّ إنّ بني هاشم بصفة عامّة و عليّ بصفة خاصّة هاشميّ و قرشيّ و ابن عمّ و صهر و ناصر و ابن ناصر الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و أخ كما قال: أنت أخي في الدنيا و الآخرة (1)، كما جاء في مصابيحهم.

و كان نجيّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، جاء في المصابيح: أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) دعا عليّا يوم الطائف فانتجاه، فقال الناس: لقد طال نجواه مع ابن عمّه، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): ما انتجيته و لكنّ اللّه انتجاه‏ (2). و للحديث دلالة واضحة تشبّه عليّا بموسى بن عمران، فكلاهما ناجاه اللّه تعالى.

و قال سلمان: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): أوّلكم ورودا عليّ الحوض، و أوّلكم إسلاما عليّ بن أبي طالب‏ (3).

____________

(1) ذخائر العقبى: 66؛ سنن الترمذي 5: 300؛ المستدرك 3: 14؛ شرح ابن أبي الحديد 13: 227؛ نظم درر السمطين: 94 و 119؛ الجامع الصغير 2: 176؛ كنز العمّال 11: 598 رقم 32879؛ تذكرة الموضوعات: 97؛ فيض القدير 4: 468؛ ردّ اعتبار الجامع الصغير: 16؛ الكامل ابن عدي 2: 166 و 219؛ تاريخ دمشق 42: 51 و 52 و 96؛ أسد الغابة 4: 16 و 29؛ تهذيب الكمال 5: 126 و 20: 484؛ ميزان الاعتدال 1: 421؛ البداية و النهاية 7: 371؛ عيون الأثر لابن سيّد الناس 1:

264؛ سبل الهدى و الرشاد 3: 363 و 364، و 11: 297؛ ينابيع المودّة 1: 159 و 178 و 242، و 2:

77 و 96 و 289 و 392.

(2) ذخائر العقبى: 85؛ سنن الترمذي 5: 303؛ كتاب السنّة: 584؛ مسند أبي يعلى 4: 119؛ المعجم الكبير 2: 186؛ شرح ابن أبي الحديد 7: 24 و 9: 173؛ كنز العمّال 11: 625 رقم 33049 و 12:

139؛ ضعيف سنن الترمذي: 502؛ شواهد التنزيل 2: 325 و 326 و 327 و 328 و 424؛ الكامل لابن عدي 1: 428 و 6: 247؛ تاريخ بغداد 7: 414؛ تاريخ مدينة دمشق 42: 315 و 316 و 317؛ أسد الغابة 4: 27؛ ذكر أخبار اصبهان 1: 141؛ البداية و النهاية 7: 393؛ ينابيع المودّة 1: 183 و 184 و 2: 494.

(3) شرح ابن أبي الحديد 13: 299؛ مسند زيد: 455؛ المستدرك 2: 136؛ تاريخ بغداد 2: 79؛ النصائح الكافية: 237.

227

عن أبي سعيد، عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): يا عليّ، معك يوم القيامة عصى من عصى الجنّة تطرد بها المنافقين عن حوضي‏ (1).

و يقول أمير المؤمنين للحارث الهمداني:

أسقيك من بارد على ظمإ * * * تخاله في الحلاوة العسلا

أمّا الأحاديث الواردة عن طريق الشيعة، فعن الصادق (عليه السلام) أنّه قال: يا علي، أنت و شيعتك على الحوض تسقون من أحببتم، و تمنعون من كرهتم، و أنتم الآمنون يوم الفزع الأكبر في ظلّ العرش، يفزع الناس و لا تفزعون، و تحزن الناس و لا تحزنون، فيكم نزلت الآية: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى‏ أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ‏ (2). (3)

و سئل رسول اللّه عن الحوض، فقال: إنّ الحوض عرضه ما بين صنعاء إلى إيله، و إنّ فيه من الأباريق عدد نجوم السماء، عليه أمير المؤمنين، يسقي منه أوليائه، و يبعد عنه أعدائه بالعصى التي معه، و هي عصى من عوسج يسمّى نفعه.

قال عليّ بن الحسين (عليه السلام):

لنحن على الحوض روّاده‏ * * * نذود و نسقي ورّاده‏

و ما فاز من فاز إلّا بنا * * * و ما خاب من حبّنا زاده‏

____________

(1) مجمع الزوائد 9: 135؛ المعجم الصغير 2: 89؛ ميزان الاعتدال 2: 178؛ تهذيب التهذيب 4:

249؛ جواهر المطالب لابن الدمشقي 1: 233؛ ينابيع المودّة 1: 396 و 2: 375 و 462.

(2) الأنبياء: 101.

(3) الأمالي للصدوق: 657؛ شرح الأخبار 2: 397 و 3: 444؛ فضائل الشيعة للصدوق: 16؛ بحار الأنوار 7: 179 و 8: 28 و 39: 307 و 65: 46؛ تفسير فرات الكوفي: 268؛ تفسير الصافي 3:

356؛ الأصفى 2: 792؛ تفسير نور الثقلين للحويزي 3: 460؛ تفسير الميزان 14: 336؛ بشارة المصطفى: 278؛ تأويل الآيات لشرف الدين الحسيني: 331؛ الشيعة في أحاديث الفريقين لمرتضى الأبطحي: 66.

228

و من سرّنا نال منّا السرور * * * و من ساءنا ساء ميلاده‏

و من كان غاصبنا حقّنا * * * فيوم القيامة ميعاده‏ (1)

الحديث التاسع و العشرون: عن حفصة بنت عمر، قالت: كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ذات يوم جالسا و قد وضع ثوبه على ركبته، فجاء أبو بكر فاستأذن له و الرسول على هيئته، ثمّ جاء عمر و كان على هيئته، ثمّ جاء عليّ و كان على هيئته، ثمّ ناس من أصحابه و كان على هيئته، ثمّ جاء عثمان يستأذنه فأخذ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ثوبه فتحلّله، قالت: فتحدّثوا فخرجوا، فقلت: يا رسول اللّه، جاء أبو بكر و عمر و عليّ و الناس من أصحابك و أنت على هيئتك، فلمّا جاء عثمان تحلّلت بثوبك! فقال (صلّى اللّه عليه و آله): أما نستحي ممّن يستحي الملائكة (كذا) .. (2).

و في رواية أخرى للمصابيح أنّه قال: إنّ عثمان رجل حيي و خفت أن أئذن له و أنا على هذه الهيئة فلا يفضي بحاجته حياءا.

الجواب: أين كان حياءه يوم ولّى منهزما في حرب أحد (3) و لمّا قتل حمزة دخل‏

____________

(1) مناقب ابن شهر آشوب 3: 295؛ بحار الأنوار 6: 181؛ ذكر الأبيات و فيها تغيير يسير و لم ينسبها للإمام السجّاد (عليه السلام)، و 46: 91 ذكر نسبتها، و ص 271 نسبها للباقر (عليه السلام)؛ مستدرك سفينة البحار 5:

472؛ نهج السعادة للمحمودي، نسبها في الهامش إلى الباقر (عليه السلام)؛ بشارة المصطفى: 179؛ كشف الغمّة 2: 354 نسبها للباقر (عليه السلام)؛ ينابيع المودّة 1: 80 نسبها للباقر (عليه السلام)، و 3: 136.

(2) الغدير 9: 290 و قال مولانا الأميني: ذكره ابن كثير في تاريخه 7: 203، فقال: هذا حديث غريب، و في سنده ضعف؛ المعجم الكبير 12: 252؛ كتاب المجروحين 1: 110؛ البداية و النهاية 7: 228 تحقيق علي شيري، ط دار إحياء التراث العربي- بيروت، أولى.

(3) لا ملازمة بين الحياء و الشجاعة، و قد قيل إنّ الحيي لا يكون شجاعا، و لذا تمدح فيمن جمع الخصلتين:

يغضي حياء و يفضى من مهابته‏ * * * فلا يكلّم إلّا حين يبتسم‏

-

229

الوهن على مقاتلة المسلمين و كان عثمان أوّل من هرب منهم و هو سبب هذا الوهن، و لم يعد إلّا بعد مضيّ ثلاثة أيّام، و اختبأ في غار هناك.

و أين كان حيائه يوم حنين لمّا هرب كالغزال في الهزيمة.

و لمّا تلاحيا هو و يهودي، قاضاه إلى حكم يهوديّ و قاضاه اليهودي إلى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) فلم يرض ذلك عثمان لعنه اللّه حتّى نزلت هذه الآية: لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ‏ (1)، فأين طار حيائه يومئذ؟!

و لمّا آوى طريد رسول اللّه مروان و صيّره وزيرا مقرّبا، و نفى أبا ذر إلى الربذة أين كان حيائه؟ و أين كان حيائه و هو يقصف بيت المال قصفا؟

و لست أدري في أيّ بقعة من بدنه كان حيائه يوم ولّى على بلاد المسلمين حمارا يعاقرها صرفا غير مشمولة و يصلّي بالمسلمين صلاة الصبح أربع ركعات، و كان عثمان يعلم به و لا يمنعه؟

و أين كان حيائه أيضا حين سلّط بني أميّة على أشعار المسلمين و أبشارهم؟

في كتاب الفتوح لابن الأعثم الكوفي: إنّ عثمان كان يأمر للرجل الواحد بمائة ألف درهم. قال: ثمّ قدم عليه عبد اللّه بن خالد بن أسيد بن أبي العاص بن أميّة فوصله بثلاثمائة ألف .. (2).

ثمّ بعث إلى الحكم بن أبي العاص فردّه إلى المدينة و هو طريد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ثمّ‏

____________

- و لكن عثمان لا يدلّ هربه على صلفه بل كان من الشجرة الملعونة التي ذكرها السيّد حيدر فقال:

صلابة أعلاك الذي بلل الحيا * * * به جفّ أم من لين أسفلك الندي‏

(1) النساء: 65.

(2) ذكر المؤلّف أنّها ثلاثمائة ألف من بيت المال.

230

وصله بمأة ألف درهم من بيت مال المسلمين (و جعل له خمس أفريقيا) (1).

و بينما كان عثمان يبدّد بيت المال هنا و هناك، كان أبناء المهاجرين و الأنصار و معهم بنو هاشم و هم آل رسول اللّه و أقربائه، يتضوّرون جوعا، فأين كان حيائه و هو يخالف سنّة المصطفى؟

قال: فكبر ذلك على أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و كرهوا ذلك من فعله- لمّا رأوا من جوره و إتلافه أموال المسلمين، و ما عليه أبناء المهاجرين و الأنصار من الضعة و الهوان، و ما يرفل فيه بنو أميّة من الملك و الرفاهيّة ... المؤلّف- ثمّ إنّهم كتبوا كتابا و ذكروا كلّ حدث أحدثه عثمان منذ يوم ولي الخلافة إلى ذلك اليوم، ثمّ إنّهم خوّفوه في الكتاب و أعلموه أنّه إن لم ينزع عمّا هو عليه خلعوه و استبدلوا به غيره.

قال: فكتبوا هذا الكتاب، ثمّ قالوا: ننطلق به جميعا حتّى نضعه في يده فإنّنا إن ذهبنا نكلّمه و ليس معنا كتاب لم يحضرنا من الكلام ما نريد، ثمّ أقبلوا على عمّار بن ياسر و قالوا له: يا أبا اليقظان، هل لك أن تكفينا هذا الأمر و تنطلق بالكتاب إلى عثمان؟ فقال عمّار: أفعله، ثمّ أخذ الكتاب و انطلق إلى عثمان ... فأمر عثمان غلمانه فضربوه ضربا شديدا حتّى وقع لجنبه ثمّ تقدّم إليه عثمان فوطئ بطنه و مذاكيره حتّى غشي عليه و أصابه الفتق، فسقط لما به لا يعقل من أمره شيئا ...

ثمّ انطلقوا- بنو مخزوم- بعمّار إلى منزله مغشيّا عليه، فلم يصلّ ظهرا و لا عصرا و لا مغربا و لا عشاءا حتّى ذهب بعض الليل، ثمّ أفاق بعد ذلك من غشيته فقام فقضى ما فاته من صلاته كلّها (2).

فقام أصحاب رسول اللّه من أجل هذا التصرّف الأهوج و قتلوه، و صاحب‏

____________

(1) الفتوح 2: 369 و 370 ط دار الكتب العلميّة، 1406- أولى.

(2) الفتوح 2: 370 و 372، و المؤلّف حذف فقرات من الرواية و ذكر ما يتمّ به الشاهد فحسب.

231

الفتوح لا يتّهم على ما ينقل عن نعثل لأنّه من كبار أهل السنّة و الجماعة.

و نتسائل الآن بعد ما ذكر عن حيائه و هو يضرب صحابيّا كبيرا من طراز عمّار ابن ياسر مع أنّ النبيّ قال- على ما يزعم الخصم-: اشتاقت الجنّة إلى ثلاث: عليّ و عثمان و عمّار، و هذا الحديث مذكور في كتاب «النكت العجلى».

قال صاحب الفتوح: فبلغ ذلك أبا ذر و كان مقيما بالشام، فجعل يظهر عيب عثمان هناك و يذكر منه خصالا قبيحة، فكتب معاوية بن أبي سفيان بذلك إلى عثمان ...

فكتب إليه عثمان لعنه اللّه: فابعث به إليّ و احمله على أغلظ المراكب و أوعرها، و ابعث معه دليلا يسير به الليل مع النهار حتّى يغلبه النوم فينسيه ذكري و ذكرك.

قال: فقدم بأبي ذر المدينة و قد سقط لحم فخذيه ... قال: ثمّ أمر مروان بن الحكم أن يخرج أبا ذر من المدينة على بعير بغير وطاء (1)- إلى الربذة- و تبعه جماعة من الناس يشيّعونه و يحزنون لحزنه، منهم عليّ و الحسن و الحسين رضي اللّه عنهم و عمّار بن ياسر و المقداد بن الأسود و عيينة بن عبّاس (كذا) (2) و كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يعزّي أبا ذر عمّا نزل به و ينصحه و يوصيه بالصبر و الشكر، و المؤمنون يبكون لأبي ذر، و ودّعه أمير المؤمنين (عليه السلام) و الحزن غالب عليه، و لمّا رجع من وداعه، استقبله مروان فقال: أليس قد أمر أمير المؤمنين أن لا يخرج أحد مع هذا الشيخ و لا يشيّعه أحد من الصحابة؟ قال: فرفع عليّ (عليه السلام) (رضي اللّه عنه) قضيبا كان في يده فضرب به بين أذني بعير مروان ثمّ قال: إليك عنّا يابن الزرقاء، أمثلك يعترض علينا في الذي نصنع؟

قال: فرجع مروان إلى عثمان فأخبره بذلك، (فاستدعى عثمان أمير المؤمنين‏

____________

(1) الفتوح 2: 373 و 375 مع حذف بعض الفقرات من المؤلّف.

(2) نفسه 2: 375 و ذكر المؤلّف أنّه عبد اللّه بن عبّاس و هو الصواب.

232

و عاتبه بكلام شديد .. المؤلّف) فقال عليّ (عليه السلام): ليس كلّ ما تأمر به يجب أن نقبل، و إن كان غير صواب.

فقال عثمان: هذا مروان يذكر أنّك ضربت بين أذني بعيره و شتمته، فأرضه من حقّه!

فقال عليّ (عليه السلام): هذا بعيري فليضرب بين أذنيه كما ضربت بين أذني بعيره و أمّا الشتيمة (1) فو اللّه لئن شتمني مروان لأشتمنّك لأنّ مروان ليس لي بكفؤ فأشاتمه‏ (2).

قال: و لم يزل أبو ذر مقيما بالربذة يغشاه الصادر و الوارد من الحاج و غيرهم، فيعرضون عليه الحوائج فلا يقبل من أحد شيئا إلى أن حضرته الوفاة (3) ...

قال: و بلغ ذلك عثمان فقال: رحم اللّه أبا ذر، فقال عمّار بن ياسر: رحم اللّه أبا ذر من كلّ قلوبنا.

قال: فغضب عثمان ثمّ قال: يا كذا و كذا، أتظنّ أنّي ندمت على تسييره إلى الربذة؟ فقال عمّار: لا و اللّه ما أرى ذلك، فقال عثمان: ادفعوا في قفاه و أنت فالحق بالمكان الذي كان فيه أبو ذر و لا تبرحه أبدا ما بقيت و أنا حيّ. فقال عمّار: و اللّه إنّ جوار السباع لأحبّ من جوارك.

ثمّ قام عمّار فخرج من عنده، قال: و عزم عثمان على نفي عمّار. و أقبلت بنو مخزوم إلى عليّ بن أبي طالب رضى اللّه عنه فقالوا: إنّه يا أبا الحسن، قد علمت بأنّا أخوال أبيك أبي طالب و هذا عثمان بن عفّان قد أمر بتسيير عمّار بن ياسر و قد أحببنا أن نلقاه فنكلّمه في ذلك و نسأله أن يكفّ عنه و لا يؤذينا فيه ...

____________

(1) عند المؤلّف: و أمّا الشتيمة فما شاتمته لأنّه ليس لي بكفؤ فأشاتمه.

(2) الفتوح 2: 375.

(3) هذه هي عبارة صاحب الفتوح، و المؤلّف أخذ منه و لكنّه غيّر العبارة إلى قوله: يغشاه الصادر و الوارد و يعطونه القوت إلى أن وافته المنيّة. (راجع الفتوح نفس الجزء و الصفحة).

233

إلى أن يقول صاحب الفتوح: فقال عثمان: لأنت أحقّ بالمسير منه، فو اللّه ما أفسد عليّ عمّارا و غيره سواك! فقال عليّ رضى اللّه عنه: و اللّه يا عثمان! ما أنت بقادر على ذلك و لا إليه بواصل، فرم ذلك إن شئت .. ثمّ قول صاحب الفتوح‏ (1).

أيّها العزيز! انظر الواقع بعين العبرة تعرف معنى حياء عثمان، نعم هذا هو الحياء الذي حمله على السلوك الخشن مع الأبرار من الصحابة مثل أبي ذر و عمّار، و على الكلام غير اللائق مع عليّ (عليه السلام) الذي سمعته، سبحان اللّه من هذا الكذب الذي ينسب إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، سبحانك هذا بهتان عظيم.

و أمّا قوله عن النبيّ من أنّه أبرز ركبتيه فإنّهما في مذهب أهل السنّة و الجماعة من العورة و يجب سترهما فكيف يجوز نسبة إبدائهما مع كونهما كما ذكرنا بين الحاضرين و لقد أجمع المسلمون على أنّ مجلس رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) مجلس حلم و حياء، و هذا يرشدنا إلى كذب الحديث، أنّ نسبة هذا إلى النبيّ يحتاج إلى وقاحة زائدة لكي يقولوا عثمان أكثر تمسّكا بالأخلاق منه، و أجدر بالحياة الفاضلة، و ليس في الناس أشدّ حياءا من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حيث وصفه اللّه تعالى بقوله: فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَ اللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِ‏ (2) و لم ينزل في حياء عثمان شي‏ء من كتاب اللّه تعالى، و صدق اللّه حيث قال: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَ رُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ‏ (3).

الحديث الثلاثون: و تحدّثوا عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه قال: لمّا عرج بي إلى السماء ما مررت بسماء إلّا وجدت مكتوبا: محمّد رسول اللّه، و أبو بكر زوجه ابنته و حمله إلى دار الهجرة، و أعتق بلالا

____________

(1) فيه زيادة على ما نقله المؤلّف يسيرة (انظر ج 2 منه ص 276 و 277).

(2) الأحزاب: 53.

(3) التوبة: 31.

234

من ماله، و ما نفعني في الإسلام مال كمال أبي بكر، و رحم اللّه عثمان؛ تسبيحه كتسبيح الملائكة، و جهّز جيش العسرة، و زاد في مسجدنا حتّى وسعنا (1).

الجواب: أجمع المحقّقون و علماء الإسلام أنّه مكتوب على ساق العرش:

«لا إله إلّا اللّه، محمّد رسول اللّه، أيّدته بعليّ و نصرته ...» (2).

و اشتهر عند علماء الإماميّة أنّ النبيّ لمّا عاد من المعراج قال: جائتني الملائكة و أنا في المعراج أفواجا أفواجا يسلّمون عليّ و يسألوني عن عليّ (عليه السلام) بهذه العبارة:

كيف ابن عمّك عليّ بن أبي طالب.

و لمّا نزلت من المعراج قالوا بأجمعهم: اقرأ على ابن عمّك منّا السلام، فقال أمير المؤمنين: أو كنت معروفا هناك؟ فقال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): أنت معروف في السماء و مشهور في الأرض.

و قال أبو بكر الشيرازي: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): لمّا بلغت العرش رأيت عليّا يسبّح اللّه و يقدّسه تحت العرش، فقلت لجبرئيل (عليه السلام): سبقني عليّ بن أبي طالب؟! فقال جبرئيل: لا يا محمّد و لكنّي أخبرك، اعلم يا محمّد أنّ اللّه عزّ و جلّ يكثر من الصلاة و الثناء على عليّ بن أبي طالب فوق عرشه فاشتاق العرش إلى علّي بن أبي طالب (عليه السلام) فخلق اللّه عزّ و جلّ هذا الملك على صورة عليّ بن أبي طالب تحت عرشه‏

____________

(1) الظاهر أنّ هذا ليس حديثا واحدة بل هي جملة أحاديث جمعها المؤلّف في سياق واحد و ليس بنا من حاجة إلى تخريج هذه الموضوعات!!

(2) نظم درر السمطين: 120؛ تاريخ بغداد 11: 173؛ تاريخ مدينة دمشق 47: 344؛ سبط ابن العجمي في الكشف الحثيث: 96؛ لسان الميزان 3: 238 و 5: 167، و هذا غير الكتب الشيعيّة التي أخرجت الحديث و هي كثيرة مثل كفاية الأثر، روضة الواعظين، مناقب أمير المؤمنين، الروضة في المعجزات، المحتضر، الجواهر السنيّة، مدينة المعاجز و غيرها إلّا أنّ السياق ليس واحدا فقد يتفق مع سياق المؤلّف و قد يزيد عليه، و لكن المؤدّى واحد.

235

لينظر إليه العرش فيسكن شوقه، و جعل تسبيح هذا الملك و تحميده ثوابا لشيعته و شيعة أهل بيتك يا محمّد.

ثمّ قال: يا محمّد، أحبّ عليّ بن أبي طالب فإنّ اللّه يحبّه و يحبّ من يحبّه، إنّه لا يحبّه إلّا مؤمن تقي، و لا يبغه إلّا منافق ردي، يا محمّد، إنّ حملة العرش و الكرسي و الصافّين حول العرش و الكرّوبيّين و الروحانيّين أشدّ معرفة لعليّ بن أبي طالب من أهل الأرض له.

يا محمّد، من أحبّ أن ينظر إلى يحيى بن زكريّا في زهده، و إلى المسيح في صومه، و إلى سليمان في سخائه، و إلى موسى الكليم في غلظته، و إلى داود في خلقه و بكائه، فلينظر إلى وجه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام).

و يقول المخالف: إنّ عمر وضع في الميزان فرجح على النبيّ و أبي بكر و العلم كلّه ثلاث مرّات، فكتب اسمه في السماوات أولى من أبي بكر، و أحسب أنّ واضع هذا الكذب و الافتراء فاته أنّ عمر أيضا زوّجه ابنته فيكون عمر بناءا على ما يدّعيه الخصم أفضل من أبي بكر لرجحانه في الميزان.

و كان للنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) ثمانية عشر امرأة أكبرهنّ خديجة، ثمّ أمّ سلمة، و عائشة هي تلك المرأة التي اعتلت غارب الجمل و قادت العسكر، و برزت امام الناس، و كتّبت الكتائب من الميمنة إلى الميسرة كما ذكر المؤرّخون، و أهل الجمل ملعونون عند اللّه تعالى و هم عند الشيعة مرتدّون و كفّار، فإذا ما فخر الخصم بعائشة و أضافوها إلى حسنات أبيها المزعومة فإنّ فاطمة هي الأولى بإجماع المفسّرين: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (1) و هم عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين (عليهم السلام). و حكاية هذا الحديث كما أجمع عليه المفسّرون ما روته أمّ سلمة

____________

(1) الأحزاب: 33.

236

رضي اللّه عنها و الاتفاق حاصل على معناه و لكن الاختلاف في ألفاظه .. قالت:

كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عندي و طبخت له طعاما و هو قائل في البيت إذ أقبل الحسنان و جلسا عند جدّهما، و جائت فاطمة (عليها السلام) و جلست إلى جانب أبيها ثمّ جاء عليّ بعدها، فلمّا استيقظ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) رأيته و البشر طافح على وجهه الشريف، فرأى بردا خيبريّا موضوعا هناك فأخذه و جلّلهم به، و قال: اللّهمّ إنّ لكلّ نبيّ أهل بيت و هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس و طهّرهم تطهيرا، فهبط جبرئيل بهذه الآية: إِنَّما يُرِيدُ، الآية، فقالت أمّ سلمة: يا رسول اللّه، ألست من أهل بيتك؟ فقال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): إنّك إلى خير و إنّما أهل بيتي هؤلاء (1).

و ذكر الأبيات التالية أبو عبد اللّه الدامغاني و هو من أهل الحديث، في كتابه سوق العروس، في شرح هذه الآية:

إنّ يوم الطهور يوم عظيم‏ * * * فاز بالفضل فيه أهل الكساء

قام فيه النبيّ مبتهلا ضا * * * رعا إلى ربّه بحسن الرجاء

قال يا ربّ إنّهم أهل بيتي‏ * * * فاستجب فيهم إلهي دعائي‏

أذهب الرجس عنهم و عن الأبنا * * * ء منهم و عن بني الأبناء

رحمة اللّه و السلام عليكم‏ * * * و صلاة الأبرار و الأتقياء (2)

____________

(1) تذكرة الفقهاء للحلّي 2: 477؛ كشف الغطاء لجعفر كاشف الغطاء 1: 8؛ الشرح الكبير لابن قدامة 6: 230؛ ذخائر العقبى: 23؛ الجمل لضامر بن شدقم: 150، تحقيق تحسين الموسوي، ط أولى، مطبعة (محمّد)؛ الأربعين للماحوزي: 41؛ خصائص النسائي: 49 و 81؛ المعجم الأوسط 4: 236؛ نظم درر السمطين: 133؛ التبيان 8: 339؛ تنبيه الغافلين لابن كرامة: 42 و 136 و 138؛ صحيفة الإمام الحسن للقيّومي: 178، ط دفتر انتشارات اسلامي؛ السيّدة فاطمة الزهراء للبيومي: 24 و 25.

(2) ذكرها في ذيل كشف الظنون و نسبها إلى الدامغاني: 55، و في البيت الثاني زحاف. و ذكرها في-

237

و كان زواج الزهراء في السماء أو في الجنّة باختلاف الروايات التي رواها المخالف و المؤالف، و قد شرحت هذا المجلس في كتاب مناقب الطاهرين و إنّما ذكرناه هنا بأخصر عبارة لتعمّ به الفائدة.

قال أبو بكر الشيرازي: قال جابر بن عبد اللّه الأنصاري: كنت يوما بين يدي النبي في المسجد، فأقبل أبو بكر على النبي و قال: يا رسول اللّه، إنّك تعرف صحبتي لك و تركي قومي في الهجرة لأجلك و إنفاقي ما لي عليك، و أعتقت بلالا من أجلك و جئتك اليوم لتزوّجني ابنتك فاطمة. فقال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): حتّى ينزل الوحي بهذا، فخرج من عنده فاستقبله عمر بن الخطّاب فسأله عن أمره، فقال: كنت عند رسول اللّه، و قصّ عليه القصّة، فأقبل عمر حتّى دخل على النبيّ المسجد و حكى له ما كانت عليه حاله من الإسلام و الهجرة و المحبّة و الجهاد في الإسلام، و طلب منه يد سيّدتنا فاطمة، فقال النبي: إنّما أمري و أمرها إلى اللّه فما لم يأذن بذلك لا أفعله.

فقال عمر: فخرجت من عنده فتلاقيت و عليّا في الطريق، فقال لي: من أين أقبلت يا أبا حفص؟ فقلت: حضرت عند النبيّ و خطبت فاطمة فأوكل أمرها إلى الوحي.

فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): فذهبت إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و جلست إلى جانبه و قلت:

يا رسول اللّه، إنّك تعرف حقّي و حقّ أبي طالب عليك و تعرف قرابتي منك و جهادي الكفّار، فتبسّم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في وجهي و قال: يا علي، هل من حاجة؟ فأجبته:

جئتك خاطبا ابنتك فاطمة، فقال النبيّ: و هل معك شي‏ء من المال؟ فقلت: يا رسول اللّه، ناضحي و درعي. فقال: لا غنى لك عن ناضحك، فبع الدرع و جئني‏

____________

الذريعة منسوبة إليه من كتابه سوق العروس 12: 256 الذريعة و ص 257، و في الذريعة: يوم التطهير، و هو أنسب.

238

بثمنه، فقال (عليه السلام): فبعته في السوق بأربعمائة و ثمانين درهما و أقبلت بها فصببتها في حجر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و كان جماعة من أصحابه عنده.

قال أمير المؤمنين (عليه السلام): فأمرني رسول اللّه أن أخطب لنفسي ففعلت، و أشهد النبيّ على نفسه أصحابه و قال في الختام: معاشر أصحابي، اعلموا أنّي أنكحت فاطمة من عليّ (عليه السلام) بأمر من اللّه تعالى و لقد هبط عليّ جبرئيل و قال: إنّ اللّه يقرئك السلام و يأمرك أن تزوّج عليّا من فاطمة و إنّي زوّجتها منه قبل خلق السماوات بألفي عام، و كان الخطيب جبرئيل و الملائكة حملة العرش شهود، و أوحى إلى شجرة طوبى أنّي إنّما خلقتك لهذا اليوم فاحملي ما قدرت عليه من الجواهر و الدرر و انثريه كرامة لفاطمة، و زيّن الحور العين باليواقيت و الحلل و أنواع الزينة و أمرهنّ بالحضور تحت شجرة طوبى، قفلمّا حضر الجمع أوحى إلى شجرة طوبى أن انثري ما حملتيه على الحور العين و أمرهنّ بالتقاطه و رحن يتهادينه و يقلن: «هذا نثار فاطمة بنت محمّد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)».

فقبض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قبضة من ثمن الدرع و دفعها إلى سلمان و قال: اذهب إلى السوق و اشتر ما تحتاجه من الثياب و أثاث البيت، و أعطى قبضة ثانية إلى المقداد ليشتري لها طيبا، و قال أبو ذر: أعط ذلك إلى أمّ هانئ أخت الإمام لتضعها بمفرق فاطمة (عليها السلام)، و لمّا فرغ من الجهاز قال لعليّ (عليه السلام): اذهب إلى بيت فاطمة (عليها السلام) «و إيّاك أن تمسّها حتّى آتيكم».

فما مضت ساعة من الوقت حتّى وقف رسول اللّه على بابها و طرق الباب، فقالت أمّ هاني: من؟ فقال النبيّ: أخي عليّ هنا؟ فقالت: يا رسول اللّه، أخوك و تزوّجه ابنتك؟ فقال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): إنّ اللّه أوقع الأخوّة بيني و بينه كما أوقع الأخوة بين موسى و هارون، عند ذلك أقبل النبيّ على الفراش، فقال النبيّ: يا علي، هذا جبرئيل قد حضر و معه سبعون ألفا من الملائكة و هم يزفّون فاطمة إليك.

239

ثمّ قال النبيّ لأمّ هاني: ناوليني قدحا فيه ماء، فتناوله من يدها و رشّ منه على صدر فاطمة صلّى اللّه عليها و قال: اللهمّ إنّي أعيذها و ذرّيّتها من الشيطان الرجيم، ثمّ تناول كفّا أخرى من الماء و رشّها بين كتفي الإمام (عليه السلام) و قال: اللهمّ إنّي أعيذ أخي عليّا بن أبي طالب و ذرّيّته من الشيطان الرجيم، ثمّ قال: بارك اللّه فيكما و بارك لكما و بارك عليكما.

و أمّا ما قالوه من أنّ أبا بكر حمله إلى دار الهجرة، فإنّ أبا بكر لم يكن له مأوى في المدينة إنّما حلّ ضيفا على الأنصار، و الذي نذهب إليه أنّ النبيّ لم يصطحبه معه و الذي يدلّ على كذب الحديث قوله تعالى: إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ‏ (1) و لم يقل «لحامله»، و عبد اللّه بن الأرقط أولى بهذه الصفة من أبي بكر، لأنّه كان دليل النبيّ في هجرته، و قال تعالى: إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا (2) بضمير الواحد و لم يأت بالتثنية «هما» فينبغي أن يكون الكفّار أخرجوا النبي، و كان أبو بكر من نافلة القول.

و إذا لزم الخصم جانب العناد فلنا أن نخصمه بقول اللّه تعالى: وَ إِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ‏ (3)، فلو كان مع النبيّ أو كان لهجرته فضل لمدحه اللّه عليه و كما مدح الناصرين مدح الحاملين أيضا، فلمّا سكت اللّه عن ذلك فإنّنا نسكت عنه أيضا بحكم الأثر: «فاسكتوا عمّا سكت اللّه عنه».

و أمّا ما قالوه من أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قال: احفظوني في أصحابي، آووا و نصروا فإنّهم خيار أمّتي، و قال: من أحبّ جميع أصحابي و تولّاهم و استغفر لهم جعله اللّه يوم القيامة معهم في الجنّة، و قال: مثل أصحابي مثل النجوم من اقتدى بشي‏ء منها

____________

(1) التوبة: 40.

(2) التوبة: 40.

(3) الأنفال: 30.

240

اهتدى، و قال تعالى: وَ السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَ الْأَنْصارِ (1)، و قال اللّه تعالى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ (2) و أمثال هذه الآيات و الأخبار المذكورة في مناقب المهاجرين و الأنصار، و كلّها تدلّ على أنّ المسلم لا ينبغي له أن يقول فيهم إلّا الخير، آمنّا و صدّقنا، أنّ الاستغفار لنفر خاصّ من الصحابة واجب كوجوب الصلاة و الصيام، و أمّا الذين برء منهم طائفة الشيعة فهم جماعة من الصحابة عرّفوهم بأسمائهم و أنسابهم و هم الذين ظلموا أهل بيت العصمة و الطهارة ظلما صريحا و جورا قبيحا، و اللّه تعالى يقول: أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ‏ (3).

و الشيعة قول واحد أنّه لا يجوز سبّ أحد منهم إلّا إذا ثبت بالبرهان القاطع حاله، و أنّ سبّه ما لم يقم الدليل عليه، و عداوته من أعظم الخطيئات و المعاصي، و قد نزل ربع القرآن في المنافقين و هم الذين خانوا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أراد النبيّ بيان حالهم و كشف أمرهم و لكنّ اللّه لم يأذن له، و قال له: وَ لا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَ الْمُنافِقِينَ وَ دَعْ أَذاهُمْ‏ (4)، و قال تعالى: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَ الْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ‏ (5) و قال: فَما لِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ* عَنِ الْيَمِينِ وَ عَنِ الشِّمالِ عِزِينَ* أَ يَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ‏ (6).

إذا: الذين في قلوبهم مرض هم المنافقون، و في الآية الثانية أَ يَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ‏

____________

(1) التوبة: 100.

(2) الفتح: 18.

(3) هود: 18.

(4) الأحزاب: 48.

(5) الأحزاب: 60.

(6) المعارج: 36- 38.

241

لا يعني به الكفّار لأنّ الكافر لا طمع له بدخول الجنّة، و لم يكن الكافرون حول النبيّ ليصدق بحقّهم عن اليمين و عن الشمال عزين؛ فتبيّن من هذا بأنّهم قوم لزموا رسول اللّه و لكنّهم لم يعملوا عملا حسنا يستحقّون به دخول الجنّة و إن طمعوا في دخولها.

و جاء في مصابيحهم أنّ النبيّ قال في حجّة الوداع: لا ترجعوا بعدي كفّارا يضرب بعضكم رقاب بعض‏ (1).

و قال فيه: أنا فرطكم على الحوض من مرّ بي شرب و من شرب لم يظمأ أبدا، و ليرون (كذا) قوم أعرفهم و يعرفونني ثمّ يحال بيني و بينهم، فأقول: إنّهم منّي، فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثو بعدك، فأقول: سحقا سحقا لمن غيّر بعدي‏ (2) و قال‏

____________

(1) سبل السلام لابن حجر 2: 214؛ نيل الأوطار للشوكاني 1: 377 و 3: 379 و 381 و 5: 156؛ مسند أحمد 5: 39 و 44 و 45 و 49 و 68 و 73؛ سنن الدارمي 2: 69؛ صحيح البخاري 2: 191 و 192 و 7: 112 و 8: 16 و 36 و 91؛ مجمع الزوائد 1: 156؛ الديباج على مسلم 1: 86؛ شرح سنن النسائي 7: 126؛ تحفة الأحوذي 6: 361؛ عون المعبود 12: 288 و 13: 167؛ مسند الطيالسي: 92؛ المصنّف لابن أبي شيبة 8: 602 و 603 و 8: 616؛ خلق أفعال العباد للبخاري:

79؛ تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة: 13؛ بغية الباحث لابن أبي أسامة: 128 و 245؛ الآحاد و المثاني للضحّاك 3: 209 و 210 و 302؛ سنن النسائي الكبرى 2: 316 و 443 و 3: 446؛ مسند أبي يعلى الموصلي 3: 39 و 7: 37 و 9: 223 و 435 و 442 و 12: 217؛ المنتقى من السنن المسندة لابن جارود النيسابوري: 212، تحقيق عبد اللّه البارودي، ط مؤسسة الكتاب الثقافيّة- بيروت، أولى 1408؛ صحيح ابن حبّان 1: 416 و 13 268 و 289، و كتب أخرى يصعب استقصائها لا سيّما كتب الشيعة منها.

(2) المسند 1: 257 و 384 و 402 و 406 و 407 و 425 و 439 و 453 و 455 و 2: 408 و 5: 333 و سياقه أقرب إلى المؤلّف، و ص 339 مثله؛ صحيح البخاري 7: 206 و 207 و 8: 87؛ صحيح مسلم 7:

66 و 68؛ سنن ابن ماجة 2: 1439 و 1440؛ المستدرك 4: 74؛ مجمع الزوائد 2: 85 و 6: 254-

242

تعالى: وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى‏ عَقِبَيْهِ‏ (1).

و أمثال هذا كثير في القرآن و هي مبنيّ على ارتداد أمّة النبيّ من بعده و إن كان بزعم الخصم أنّة مدح جماعة من الصحابة فهذا صحيح إلّا أنّ صيغته للعموم و لا يصحّ حملها على قوم بخصوصهم بل لا تتناول إلّا من توفّرت فيه شروط خاصّة و هو من يتيقّن صلاحه أو مجهول الحال مع أنّ الرواية وردت عن طريق الخصم هكذا: احفظوني في عترتي فإنّهم خيار عشيرتي‏ (2).

[حديث آخر:] و قولهم عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه قال: إنّ لكلّ نبيّ رفيقا و إنّ رفيقي في الجنّة عثمان‏ (3).

الجواب: هذا الحديث مخالف للقرآن بالتخصيص لأنّ اللّه تعالى يقول: وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ الرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ وَ الشُّهَداءِ

____________

- و 10: 364؛ مصنّف عبد الرزّاق 11: 60؛ مسند الحميدي 2: 342 و 343؛ مصنّف ابن أبي شيبة 7:

412 و 8: 602 و 603؛ كتاب السنّة لعمرو بن أبي عاصم: 331 و 341 و 345؛ المعجم الأوسط 3:

186؛ المعجم الكبير 6: 137 و 143 و 156 و 171 و 6: 200 و 11: 28 و غير هذه الكتاب كتب أخرى، أمّا حديث أنا فرطكم على الحوض فهو من المتواترات و لم يبق حافظ لم يخرجه.

(1) آل عمران: 144.

(2) ورد الحديث من طريق الشيعة هكذا: احفظوني في عترتي و ذرّيّتي، فمن حفظني فيهم حفظه اللّه، الحديث. الأما لي للطوسي: 703؛ بحار الأنوار 30: 51؛ كلمات الإمام الحسين للشيخ الشريفي: 118؛ كشف الغمّة 2: 42. و جائت تتمّته في المصادر الشيعيّة: ألا لعنة اللّه على من آذاني فيهم، ألا لعنة اللّه على من آذاني فيهم- ثلاثا-. و جاء من طريق الخصم على النحو التالي:

احفظوني في أصحابي فإنّهم خيار أمّتي، و احفظوني في أهل بيتي ... مسند الشهاب لابن سلامة 1: 419، تحقيق حمدي السلفي، ط مؤسسة الرسالة- بيروت، أولى 1405.

(3) تهذيب الكمال 2: 457؛ تهذيب التهذيب 4: 292؛ الإصابة 4: 387؛ البدآية و النهاية 7: 237.

قال الترمذي: هذا حديث غريب و ليس إسناده بالقوي و إسناده منقطع.

243

وَ الصَّالِحِينَ وَ حَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً (1) و المعنى- و اللّه العالم- أنّ أهل الطاعة مع الأنبياء في الجنّة، و رفقاء الأنبياء فيها هم الصدّيقون و الشهداء و الصلحاء، و سوف يضرب بين الرجال و النساء بحجاب، و دليلنا على ذلك وجوه:

الأوّل: حديث فاطمة (عليها السلام) حيث أجمعت كلمة علماء أهل القبلة بأنّ فاطمة حين تجتاز يوم المحشر إلى موقفها ينادي مناد من بطنان العرش: غضّوا أبصاركم حتّى تجوز فاطمة بنت محمّد (صلّى اللّه عليه و آله).

ثانيا: قال اللّه تعالى: وَ عِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ‏ (2) فإذا كان الأمر كذلك فلا يكون رفيق رسول اللّه إلّا ذرّيّته لوجود بنات رسول اللّه و نسائه، كما قال تعالى:

وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ اتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ‏ (3) مع أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قال: أنا و كافل اليتيم في الجنّة، و أشار بالسبّابة و الوسطى، و بالضرورة لا ينال شرف رتبة الرفاقة إلّا كافل اليتيم و لا تخلو محلّة من محالّ المسلمين من وجود واحد و اثنين أو أكثر من كفلاء الأيتام و كلّ واحد درجته تربو على درجة عثمان.

فإذا ثبت حديث عثمان فهذا ثابت لا مرية فيه مع أنّ جماعة من المفسّرين قالوا عن قوله تعالى: وَ كَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَ الْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى‏ بَعْضٍ‏ (4) أنّ هذا العدوّ هو أبو بكر و عمر و عثمان لأنّهم يكيدون النبيّ دائما و أبدا، و يعيقون بكذبهم و افترائهم أعمال النبيّ و يؤخّرون تقدّم المسيرة الجهاديّة له. و كان ممّا كادوا فيه النبيّ استمرار الكذب عليه و الافتراء ليختلط الحقّ بالباطل و الخير بالشرّ، فتتقدّم مكائدهم.

____________

(1) النساء: 69.

(2) الصافّات: 48.

(3) الطور: 21.

(4) الأنعام: 112.

244

ثمّ إنّ ما رواه المخالف من قول النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): «أوّل من يدخل الجنّة أنا و الحسن و الحسين» (1) يكذّب هذا الحديث.

و في كتاب «المنتهى» لعبد اللّه بن عبد الأعلى القطّان الاصفهاني و مناقب أبي بكر مردويه الاصفهاني و تفسير أبي بكر الشيرازي عن رسول اللّه أنّه قال لعمر يوما:

إنّ في الجنّة شجرة تغطّيها و أصلها نابت في جنّتي، و وصف الشجرة في اليوم الثالث و قال: أصلها في بيت عليّ (عليه السلام). فقال له عمر: يا رسول اللّه، ألست قلت ذلك اليوم أنّ أصل الشجرة في جنّتك و اليوم تقول في بيت عليّ؟! فقال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): يا عمر، ألا تعلم أنّ بيتي و بيت عليّ واحد، و قصري و قصره واحد، و داري و داره واحدة.

[حديث آخر] و أمّا الذي رووه عن محمّد بن الحنفيّة أنّه قال: قلت لأبي: أيّ الناس خير بعد النبي؟ قال: أبو بكر. قلت: ثمّ من؟ قال: عمر، و خشيت أن يقول عثمان، قلت: ثمّ أنت؟ قال: ما أنا إلّا رجل من المسلمين‏ (2).

الجواب: لو صحّ هذا الزعم، لما جرّ الحسن أبا بكر من على المنبر إلى الأرض، و لو صحّ هذا لما تقاعد أمير المؤمنين عن بيعة أبي بكر ستّة أشهر حتّى ماتت فاطمة ثمّ بايع، و هذا ما يزعمه الخصم، أمّا نحن أيّها الشيعة فنقول: إنّ عليّا لم يبايع أبا بكر

____________

(1) المستدرك 3: 151: أوّل من يدخل الجنّة أنا و فاطمة و الحسن و الحسين. قلت: يا رسول اللّه، فمحبّونا؟ قال: من ورائكم، صحيح الإسناد و لم يخرجاه؛ كنز العمّال 12: 98 رقم 34166 و 13:

639 رقم 37614؛ شواهد التنزيل 1: 185؛ تفسير القرطبي 16: 22؛ تاريخ مدينة دمشق 14:

169؛ ميزان الاعتدال 3: 635؛ مناقب الخوارزمي: 62 و 317 و فيه: أوّل من يدخل عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)؛ ترجمة الإمام الحسين لابن عساكر: 181 و 182؛ جواهر المطالب لابن الدمشقي: 229؛ سبل الهدى و الرشاد 11: 7؛ ينابيع المودّة 2: 202 و 355 و 445 و 451 و 3:

140، و استثنينا كتب الشيعة لأنّها ليست حجّة على الخصوم، و إن كانت أوثق من مصادرهم.

(2) صحيح البخاري 4: 195؛ فتح الباري 7: 26 و 27؛ الإصابة 1: 24.

245

قطّ ... و جائت الأخبار متواترة من طريق المخالف بأنّ عليّا خير الخلق و الدليل على هذا الحديث ما جاء في كتاب «الفصول العجلى» أنّ النبيّ لمّا أخبر عن ذي الثدية، قال: يقتله خير الخلق، و روي خير هذه الأمّة (1)، و ذو الثدية قتله عليّ (عليه السلام).

و كنت قد حرّرت هذه المسألة في جوامع الدلائل و الأصول في إمامة آل الرسول ببسط تامّ.

و ذكر إسماعيل الاصفهاني في الأربعين: عليّ خير البشر من أبى فقد كفر.

و إنّ كتب الفرق البالغة ثلاثا و سبعين فرقة ناطقة كلّها بمناقب عليّ (عليه السلام)، و نزلت في حقّه وحده سورة هل أتى، و سبق في الهجرة، فنزلت آيات عدّة تشيّد بمواقف السابقين و مع هذه المناقب كيف يجوز على عليّ أن يقول: أمّا أنا فرجل من المسلمين؟!

و إذا كان هذا الحديث صحيحا فكيف اعتبره المخالفون الإمام الرابع؟ و لماذا أعلن مرارا على المنبر عن ذمّ من تقدّمه منهم؟ و إنّي لأحسب أنّ كلّ من وقف على هذه الأحاديث المفتراة و وقف على ردّها و نقضها فإنّه يصير صاحب ملكة فلا يسمع حديثا مفترى و إن لم نتعرض لإبطاله فإنّه قادر على ردّه و دفع الشبهة المودعة فيه.

و لمّا فرغ أبو الفتوح الحسين بن عليّ بن محمّد الخزاعي من مناقب أبي بكر و عمر و عثمان التي استمعت إلى ردّها و نسفها بعون اللّه، فقد جعل خاتمة كلامه حديثا في مناقب عليّ (عليه السلام) و هو كما يلي: روي عن ابن عبّاس أنّه قال: كنت في الموسم أحدّث الناس فأقبل رجل يعتمّ عمامة سوداء و وقف يعظ الناس، فقال في ختام كلامه: من‏

____________

(1) اختيار معرفة الرجال 1: 239، و قال محقّق الكتاب: رواه القاضي عضد الدين الإيجي في المواقف 2: 615.

246

عرفني فقد عرفني، و من لم يعرفني فأنا صاحب رسول اللّه جندب بن جنادة البدري الغفاري، أبو ذر، و لقد رأيت رسول اللّه في هذا المكان بعيني و إلّا عميتا، و سمعته بأذنيّ و إلّا صمّتا، يقول: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى‏ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ* ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ‏ (1) أمّا الذرّيّة فمن نوح، و الآل من إبراهيم، و السلالة من إسماعيل، و العترة الهادية و ذرّيّة الطاهرة من محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)، و الصدّيق الأكبر عليّ بن أبي طالب، فأيّتها الأمّة المتحيّرة بعد نبيّها لو قدّمتم من قدّمه اللّه، و أخّرتم من أخّره اللّه و رسوله لما عال وليّ اللّه و طاش سهم في سبيل اللّه، و لا اختلفت الأمّة بعد نبيّها في شي‏ء إلّا كان تأويله عند أهل البيت، فذوقوا بما كسبتم‏ وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ‏ (2). (3)

عن ابن عبّاس قال: كنت في سنة من السنين في موسم الحجّ‏ (4) فرأيت رجلا على هيئة الأعراب، عليه عمامة سوداء، فكلّما حدّثت بحديث حدّث به، ثمّ قال:

معاشر الناس، من عرفني فقد عرفني، و من لم يعرفني فأنا أنبئه باسمي، أنا جندب بن جنادة البدري الغفاري، أنا صاحب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، سمعته يقول في هذا المكان و إلّا صمّت أذناي: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى‏ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ* ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ‏ (5) فأمّا الذرّيّة فمن نوح، و الآل من إبراهيم،

____________

(1) آل عمران: 33 و 34.

(2) الشعراء: 227.

(3) يوجد شطر من هذا الحديث ضمن حديث طويل في كتاب سليم بن قيس: 156، و الاحتجاج 1: 231، و بحار الأنوار 27: 319 و 28: 247 و 275.

(4) نقلت هذا السياق من الماحوزي، كتاب الأربعين، ص 337 و جعلته ضمن المتن لعدم اختلافه مع سياق المؤلّف إلّا في مواضع يسيرة، و لأنّ سياق المؤلّف مترجم إلّا قول أبي ذر.

(5) آل عمران: 33 و 34.

247

و السلالة من إسماعيل، و العترة الهادية و ذرّيّة الطاهرة من محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)، و الصدّيق الأكبر عليّ بن أبي طالب، فأيّتها الأمّة المتحيّرة بعد نبيّها لو قدّمتم من قدّمه اللّه، و أخّرتم من أخّره اللّه و رسوله لما عال وليّ اللّه و طاش سهم في سبيل اللّه، و لا اختلفت الأمّة بعد نبيّها إلّا كان تأويله عند أهل البيت، فذوقوا بما كسبتم‏ وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ‏.

[حديث آخر] قال الأحنف بن قيس: ذهبت لأنصر هذا الرجل، فلقيني أبو بكرة، فقال: أين تريد؟ قلت: أنصر هذا الرجل، قال: ارجع فإنّي سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل و المقتول في النار، قلت: يا رسول اللّه، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنّه كان حريصا على قتل صاحبه‏ (1).

الجواب: و هذا الراوي ظاهر الحال هو عدوّ أهل بيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و كان غرضه منع الناس من نصرة عليّ (عليه السلام) مع أنّ عمّار استشهد في حرب صفّين.

و جاء في صحيح البخاري محمّد بن إسماعيل عن أبي سعيد أنّه قال: كنّا ننقل لبن المسجد لبنة لبنة و كان عمّار لبنتين لبنتين، فمرّ به النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و مسح عن رأسه الغبار، فقال: ويح عمّار يدعوهم إلى الجنّة و يدعونه إلى الجنّة و يدعونه إلى النار (2). ويح عمّار تقتله الفئة

____________

(1) تجده مرويا عن أبي بكرة من دون ذكر الأحنف في نيل الأوطار 6: 77 و 7: 198 و قال: متفق عليه. و رواه الصدوق في العلل 2: 462 و فيه: إذا التقى المسلمان بسيفيهما على غير سنّة ...

الحديث. و تهذيب الأحكام 6: 174 و الحديث مستفيض مشهور رواه جلّ الفريقين. و الرجل المبهم في سياق المؤلّف هو الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، و قد أجاب عنه المؤلّف بما يشفي الصدور.

(2) البخاري 1: 115.

248

الباغية، عمّار يدعوهم إلى اللّه و يدعونه إلى النار (1).

و هذا الحديث الثاني يناقض الحديث الأوّل مع أنّ الحديث الثاني مجمع عليه و متلقّى بالقبول، و في صفّين استشهد عمّار و خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين و أبو الهيثم ابن التيّهان و عبد اللّه بن بديل الخزاعي و هاشم بن عتبة ابن أخي سعد بن أبي وقّاص، و صعصعة بن صوحان، و أويس القرني مع سبعين رجلا قتلوا جميعا في يوم واحد مع عليّ بسيف معاوية، و هذه الجماعة كلّها كما قال النبيّ من أهل الجنّة.

جواب آخر: بنصّ سورة هل أتى و آية التطهير و آية المباهلة إنّ الحسين (عليه السلام) من أهل الجنّة، و شهد النبيّ بحقّه من أنّه سيّد شباب أهل الجنّة، و قد رويت أحاديث في هذا المعنى من طرق المؤالف و المخالف، من غير تحديد، و كذلك عترته بدلالة حديث مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح ... الحديث.

و أجمعت الأمّة على أنّ شهداء كربلاء من المؤمنين و من أهل الجنّة مع الملائكة الذين يزورون الحسين و أصحابه و عترته، و مشهد قبلة الحاجات للعالمين، و لا تمرّ سنة على هذا الضريح إلّا و تظهر منه معاجز و كرامات مع أنّهم قتلوا بأيدي (من يسمّون) (2) مسلمين.

جواب آخر: اجتمع المهاجرون و الأنصار على قتل عثمان، و إذا ما صحّ الحديث كان القاتل و المقتول من الصحابة جميعا في النار و ينصّ القرآن شاهدا على كونهم من أهل الجنّة لا سيّما على مذهب الشيعة.

جواب آخر: و هذا طلحة و الزبير و هما من العشرة المبشّرة بالجنّة بلا خلاف‏

____________

(1) البخاري 3: 207 و راجع المستدرك ج 2 و ج 3، و مجمع الزوائد ج 7 و ج 9، و تحفة الأحوذي ج 10، و مسند أبي داود الطيالسي، و صحيح ابن حبّان ج 15، و المعجم الأوسط ج 8، و الطبقات لابن سعد، و الكامل لابن عدي، و تاريخ دمشق لابن عساكر و هكذا.

(2) العبارة بين القوسين من المترجم.

249

عندهم و هما قتلا بأيد مسلمة، و كذلك عليّ (عليه السلام) من العشرة و قتل بسيف المسلمين.

جواب آخر: و الحديث مخالف لكتاب اللّه تعالى حيث قال: وَ إِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى‏ فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِي‏ءَ إِلى‏ أَمْرِ اللَّهِ‏ (1)، أجمع المفسّرون على سبب نزول هذه الآية عن عبد اللّه بن عبّاس‏ (2) أنّ النبيّ ركب حمارا و أتى محفلا من محافل الأنصار، فبال الحمار، فخمر عبد اللّه بن أبي سلول أنفه و قال: أبعد عنّا حمارك فقد آذتنا رائحة بوله، فقال عبد اللّه بن رواحة: حمار رسول اللّه أفضل منك و بوله أطيب ريحا من طيبك، فغادر النبيّ المكان و اشتبك الأوس و الخزرج بالأيدي و النعال و جريد النخل، فكانت فتنة عظيمة حتّى جاء النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و أصلح بينهم‏ (3).

[حديث آخر] روى البخاري عن عائشة أنّ فاطمة (عليها السلام) بنت النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ممّا أفاء اللّه عليه بالمدينة و فدك و ما بقي من خمس خيبر، فقال أبو بكر: إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: لا نورث ما تركنا صدقة، إنّما يأكل آل محمّد

____________

(1) الحجرات: 9.

(2) لم أعثر على من أخرجها عن ابن عبّاس، إنّما هي مرويّة عند العامّة عن أنس بن مالك، راجع البخاري 3: 166؛ مسند أحمد 2: 157 و 3: 219؛ صحيح مسلم 5: 183؛ السنن الكبرى للبيهقي 8: 173 و كلّ هؤلاء حذو حذو البخاري في السياق إلّا من صرّح باسم عبد اللّه بن رواحة.

(3) نقل القضيّة في صحيح البخاري هكذا: حدّثنا المعتمر قال: سمعت أبي أنّ أنسا رضي اللّه عنه قال: قيل للنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): لو أتيت عبد اللّه بن أبي، فانطلق إليه النبيّ و ركب حمارا، فانطلق المسلمون يمشون معه و هي أرض سبخة، فلمّا أتاه النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، فقال: إليك عنّي، و اللّه لقد آذاني نتن حمارك، فقال رجل من الأنصار منهم: و اللّه لحمار رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أطيب ريحا منك، فغضب لعبد اللّه رجل من قومه فشتما فغضب لكلّ واحد منهما أصحابه فكان بينهما ضرب بالجريد و النعال و الأيدي، فبلغنا أنّها أنزلت «و إن طائفتان ...» الآية.

250

في هذا المال و إنّي و اللّه لا أغيّر شيئا من صدقة رسول اللّه.

إلى أن قالت: فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئا، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك فهجرته فلم تكلّمه حتّى توفّيت، و عاشت بعد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) ستّة أشهر، فلمّا توفيّت دفنها زوجها عليّ ليلا و لم يؤذن بها أبا بكر، و صلّى عليها، و كان لعليّ من الناس وجه حياة فاطمة فلمّا توفّيت استنكر عليّ وجوه الناس فالتمس مصالحة أبي بكر و مبايعته و لم يكن يبايع تلك الأشهر، فأرسل إلى أبي بكر أن ائتنا لا يأتنا أحد معك كراهيّة أن يحضر عمر، فقال عمر: لا و اللّه لا تدخل عليهم وحدك‏ (1).

الجواب: لا تخفى عصمة الزهراء و صدق لهجتها و طهرها على أحد في العالم، بحيث روى عماد الدين «شفروه» (2) و هو حنفيّ المذهب عن عائشة أنّها إذا ذكرت فاطمة بنت النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، قالت: ما رأيت أحدا كان أصدق لهجة برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) منها إلّا أن يكون هو الذي ولدها.

ثمّ قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): إنّ اللّه يغضب لغضب فاطمة و يرضى لرضاها.

و قال: فاطمة بضعة منّي، يسّرني ما سرّها و يؤذيني ما آذاها.

و بناءا على هذا لا يجوز الكذب على فاطمة و ردّها مع طهارتها و عصمتها، و غضبها عليه إلى أن ماتت دليل على أنّه كان ظالما لها و كانت هي مظلومة.

و قول أبي بكر: يابنة رسول اللّه، لبس الحقّ عليك و تصديقه على هذا القول إيذاء لفاطمة مع كونها مظلومة، نعوذ باللّه من إيذائها.

____________

(1) البخاري 5: 82.

(2) كثير من الأعلام التي توجد في الكتاب مصحّفة و إنّي أعتذر إلى القارئ من عدم التتبّع لتصحيحها لعدم وجود الظرف المناسب و الوقت الكافي، و ترجم لشفروه أحمد الحسيني في تراجم الرجال 1: 234 و غيره من أصحاب الفهارس.

251

و كذلك ذكر عماد الدين أنّ عائشة أقبلت تعود فاطمة في مرض موتها فلم تأذن لها، و أرسلت إلى أسماء بنت عميس أن لا تدعها تدخل.

و أورد مخلص الدين محمّد بن معمر في صدر مسند فاطمة (عليها السلام) أنّها من شدّة غضبها على عائشة أوصت بإخفاء قبرها لئلّا تقول عائشة أنّه بيتي و تدفن معها، و نهت ان يصلّي عليها أبو بكر، و العقلاء يعقلمون شدّة غضب الزهراء عليهم من فعلها هذا و عمق ما كانت تعانيه من الألم جرّاء ظلمهم لها من خلال وصيّتها.

و كلام البخاري يدلّ على أنّ فاطمة (عليها السلام) دفنت إلى جوار رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).

و الدليل على صحّة هذا الحديث ما كان يقوله أمير المؤمنين (عليه السلام) لرسول اللّه في حال دفن فاطمة من حديث السرار، يقول في كلام طويل: ستنبّئك ابنتك بتضافر أمّتك على هضمها، فاحفها السؤال و استخبرها الحال، هذا و لم يطل العهد و لم يخل منك الذكر (1).

الجواب الآخر: كان عليّ (عليه السلام) من الخلفاء الراشدين فتخلّفه عن بيعة أبي بكر و تقاعسه عنها دليل على علمه بعدم أهليّته لها، لا سيّما و الزهراء على قيد الحياة حيث كان يتقوّى بوجاهتها (2) و لمّا توفيت فاطمة خاف من الناس فبادر إلى البيعة. و يظهر من لفظ البخاري أنّ بين عليّ و بين عمر عداوة، و هو من ألدّ أعداء الإمام (عليه السلام)، و لو كانت خلافة الأوّل بالنصّ لما قعد عنها الإمام هذه المدّة، لأنّه جاء

____________

(1) الأمالي للشيخ المفيد: 282؛ كتاب الأربعين لمحمّد طاهر القمّي الشيرازي: 189؛ حياة الإمام الحسن للقرشي 1: 274؛ صحيفة الزهراء (عليها السلام) للقيّومي: 30.

(2) هذا كلام بالهراء أشبه، و كان على المؤلّف أن ينظر فيه هل يصدق بحقّ عليّ (عليه السلام) صاحب الحقّ المنصوص عليه و الذي تواليه الأمّة الإسلاميّة يومذاك كلّها إلّا خفتة من الناس يقودهم حزب المهاجرين فما حاجته إلى أن يتقوّى بأحد و إن كانوا ملائكة السماء و هو صاحب النصّ و الإمام المنصوب على المسلمين.

252

في كتب أهل القبلة و علماء الإسلام عن عليّ (عليه السلام) أنّه لم يتقاعس عن نصّ نصّه رسول اللّه بحال من الأحوال في يوم من الأيّام بل كان السابق على كلّ أحد في قبوله و تنفيذه، و هذه الرواية التي رواها المخالف تدلّ على ذلك: عليّ مع الحقّ و الحقّ مع عليّ. فينبغي أخذ النتيجة من هذه المقدّمات و هي أنّ ما فعله عليّ هو الحقّ و خلافة أبي بكر باطلة.

و لو كانت الخلافة بالإجماع فإنّ بني هاشم- و الحمد للّه و المنّة له- لم يكونوا مجهولين و لا مغمورين إلى الدرجة التي يجوز تجاهلهم بل كانت لهم الشهرة و التقدّم بحسبهم و نسبهم و قرابتهم من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و علوّ مناصبهم، و كانوا بجملتهم علماء عبادا، و لم يكونوا بمعزل عن الأحداث لكي يجوز نبذهم و تنحيتهم بل كانوا يطمعون بإسناد الحلّ و العقد إليهم و أنّهم كانوا من أكابر المهاجرين، و لمّا لم يحضروا الاجتماع فذاك دليل على عدم الإجماع، على أنّه لم يحضر الخزرجيّون بأجمعهم ذلك الاجتماع و لم يبايعوا الأوّل و هم عمدة الأنصار.

يقول البخاري في حديثه عن أبي هريرة: أما إنّي سمعت رسول اللّه يقول: ما أقلّت الغبراء و لا أظلّت الخضراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر، و إذا أردتم أن تنظروا إلى أشبه الناس بعيسى بن مريم نسكا و زهدا و برّا فعليكم به.

و في رواية أخرى: من سرّه أن ينظر إلى شبيه عيسى بن مريم خلقا و خلقا فلينظر إلى أبي ذر (1).

و إذا كان أبو ذر بهذه الصفة فإنّ عثمان أخرجه من حرم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) مع أنّه لم يوجّه إليه تهمة في حضور المهاجرين و الأنصار، و كانوا جميعا على علم بدرجة

____________

(1) كنى البخاري عن عبد اللّه بن عمر: ص 23؛ المستدرك عن أبي الدرداء 3: 342؛ المعجم الأوسط 5: 223؛ تفسير القرطبي 1: 36.