تعريب كامل البهائي - ج1

- عماد الدين الطبري‏ المزيد...
570 /
253

زهده و الاحترام الذي كان يحضى به من شخص النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و في حقّه نزل قوله تعالى: وَ لا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَ الْعَشِيِ‏ (1). (2)

روى البخاري عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: يرد عليّ الحوض رجال من أصحابي فيحلئون عنه‏ (3) فأقول: يا ربّ (إنّهم) أصحابي، فيقول- إنّك ... البخاري- لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنّهم ارتدّوا على أدبارهم القهقري .. (4).

فلم يكذب- و حاشاه- رسول اللّه، فلا بدّ من قتلهم عليّا يوما و إيذائهم سلمان، و نفيهم أبا ذر.

و كذلك يروون عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بأنّه قال: أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم‏ (5).

و لمّا كان الصحابة قد ظلموا أهل البيت و آذوا صلحاء الأصحاب، اختصّ حديث «أصحابي النجوم» بهؤلاء (6) كما اختصّ الحديث الأوّل بالمؤذين و الظالمين من هذه الطائفة.

____________

(1) الأنعام: 52.

(2) لم أجد من قصّر نزولها على أبي ذر بل لم يسمّه أحد من المفسّرين في الضعفاء الذين نزلت الآية فيهم.

(3) فينهون عنّي- المؤلّف.

(4) صحيح البخاري 7: 208.

(5) شرح ابن أبي الحديد 20: 28؛ لسان الميزان 2: 118 و 137: من اقتدى بشي‏ء منها اهتدى، و قال: أخرجه الدارقطني من غرائب مالك و الخطيب في الرواة عن مالك- إلى أن قال:- و رواته مجهولون.

(6) على تقدير صحّته و لكنّه موضوع، و هذه من مصائبنا حيث نأتي إلى كذب القوم فنوجد له الوجوه و التأويلات.

254

حدّث أبو عبد اللّه محمّد بن إسماعيل‏ (1) قال: عن ابن عبّاس: لمّا اشتدّ بالنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) الوجع، قال: ايتوني بدواة أكتب لكم كتابا لن تضلّوا بعده. قال عمر: إنّ النبيّ غلبه الوجه و عندنا كتاب اللّه حسبنا، فاختلفوا و كثر اللغط، قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): قوموا عنّي و لا ينبغي عندي تنازع، فخرج ابن عبّاس يقول: إنّ الرزيّة ما حال بين رسول اللّه و بين كتابه. و في رواية أخرى، فقالوا: ما شأنه أهجر و استفهموه‏ (2).

و قالوا عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه قال: إنّ في الأمم لمحدّثين لمروّعين كملهمين، و إنّ عمر منهم‏ (3).

و روي أنّ الحقّ لينطق على لسان عمر (4).

و الجواب مشهور و هو أنّ عمر قال: إنّ الرجل ليهجر، و روي: يهذي، و العقلاء يدركون أنّ طلب النبيّ الدواة و الكتف ليكتب كتابا لن يضلّوا بعده ليس هذيانا

____________

(1) لا ينبغي أن يذكر هذا الخبيث بكلمة إطراء و إن كانت بالكنية و اللقب.

(2) هذا الحديث يثبت كفر عمر لعنه اللّه، و قد تواتر وروده عن النبيّ فلا سبيل إلى إنكاره أو تضعيفه، من ثمّ ترى القوم وقعوا على باقعة منه لذلك راحوا يرقصون الكلمة التي قالها عمر:

النبيّ يهجر، و يحوّلونها إلى مختلف الصيغ فما تأتى لهم، و ثبت كفر ابن الزانية لعنه اللّه الذي صار السبب الأكبر في تفرّق المسلمين أمس و اليوم.

و راجع للحديث الكتب التالية: البخاري 1: 37 و 5: 138 و 8: 161؛ مسند أحمد 1: 325؛ مقدّمة فتح الباري: 307 و قال: القائل عمر (لعنه اللّه)؛ الطبقات 2: 344؛ البداية و النهاية 5: 247؛ الشفاء لعياض 2: 192؛ السيرة النبويّة لابن كثير 4: 451؛ و أخرجه مسلم صاحب الصحيح أيضا.

(3) المستصطفى للغزالي: 170، و راجع خلاصة عقبات الأنوار 3: 118 فلقد أفاد و أجاد و بلغ أقصى المراد.

(4) نيل الأوطار 8: 233؛ مسند أحمد 1: 106: السكينة تنطق، و 2: 53 و 5: 145 و 165 و 177؛ سنن ابن ماجة 1: 40؛ سنن أبي داود 2: 20؛ المستدرك 3: 87؛ السنن الكبرى للبيهقي 6: 295؛ مجمع الزوائد 9: 66 و 67؛ فتح الباري 7: 41؛ تحفة الأحوذي 10: 116؛ عون المعبود 8: 126 و كتب أخرى كثيرة.

255

و لو كان الحقّ ينطق على لسان عمر لما تفوّه بهذه الكلمة، هذا أوّلا.

و أمّا ثانيا: فإنّه خالف النبيّ و ردّ عليه بقوله: حسبنا كتاب ربّنا، و هذا من طراز قول الخوارج: لا حكم إلّا للّه، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): كلمة حقّ يراد بها باطل.

و قال اللّه تعالى: ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ‏ (1) و يقولون: إنّه يهجر و يهذي.

و قال تعالى: وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ (2) و قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ‏ (3).

إنّ الاستماع لهذه الآيات و العمل بهنّ واجب، و لو كان عمر ينطق بالحقّ فكيف ردّ على رسول اللّه حتّى أغضبه و كثر اللغط عنده و هو مسجّى، و أخرجهم من عنده بقوله: قوموا عنّي؟!

و قال اللّه لنبيّه (صلّى اللّه عليه و آله): وَ اخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ‏ (4) و قال: وَ لا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَ الْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ‏ (5) فلو كان عمر و أصحابه مؤمنين لما طردهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).

و عمل عمر و أصحابه بخلاف قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِ‏ (6) فقد تجرّؤوا على مقام النبوّة، و استعملوا قلّة الأدب، و منافاة اللياقة، و شغلوا النبيّ و هو في ساعة حرجة حتّى طردهم عنه بقوله: قوموا عنّي، و كثر الكلام و اللغط في مجلس النبيّ.

____________

(1) الحشر: 7.

(2) الأحزاب: 36.

(3) الأنفال: 24.

(4) الشعراء: 215.

(5) الأنعام: 52.

(6) الحجرات: 2.

256

و ذكر مخلص الدين محمّد بن معمر الاصفهاني و الترمذي و القزويني و أمثالهم أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قال: لا ألقينّ أحدكم متّكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري‏ (1) ممّا أمرت به أو ممّا نهيت عنه فيقول: لا ندري ما وجدناه في كتاب اللّه اتبعناه ... (2).

و هذا الحديث مكذّب قول عمر، فتبيّن أنّ الحقّ لم ينطق على لسانه. ثمّ إنّ كتاب اللّه ليس غنيّا عن البيان ففيه الناسخ و المنسوخ، و المحكم و المتشابه، و المجمل، و العام و الخاص و أمثال ذلك، فكان على النبيّ بيانه، فكيف يقولون: لا نريد قول رسول اللّه و يردّونه و ينكرونه؟!

جواب آخر: وقع نزاع بين القوم، و كان حكم اللّه غالبا عليهم و حكم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و لكن عمر لمّا رمى رسول اللّه بالهجر فكيف يتّفق مع حكم اللّه القائل: فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً (3).

____________

(1) ممّا أمرت به- المؤلّف.

(2) الشافعي في الأم 7: 16 ط دار الفكر- بيروت، أولى 1400، و ص 303؛ الرسالة، له: ص 89 و 226 و 403؛ المسند له أيضا: ص 151 و 234؛ مسند أحمد 2: 367 و سياقه مختلف، و ص 483 و 4: 131 و 132 و 6: 8؛ سنن الدارمي 1: 144؛ سنن ابن ماجة 1: 6 و 7 و 10؛ سنن أبي داود 2: 45 و 392؛ سنن الترمذي 4: 144؛ المستدرك 1: 108 و 109؛ سنن البيهقي 7: 76 و 9: 304 و 331 و 332؛ مجمع الزوائد 1: 154 و 155؛ تحفة الأحوذي 7: 354 و 355؛ عون المعبود 12: 332 و 333؛ جزء الأشيب للأشيب البغدادي: 73، ط دار علوم الحديث- الأمارات- دبي، أولى 1410 ه؛ مسند الحميدي 1: 252؛ الآحاد و المثاني 3: 45.

مسند أبي يعلى 3: 347؛ شرح معاني الآثار لابن سلمة 4: 209؛ صحيح ابن حبّان 1: 189؛ المعجم الأوسط 7: 185 و 8: 292 و 351؛ المعجم الكبير 1: 316 و 327 و 4: 111 و 18: 258 و 20: 275 و 283؛ مسند الشاميين 1: 401 و 2: 137 و 3: 103 و 138، ط مؤسسة الرسالة- بيروت، تحقيق السلفي، الثانية 1417؛ سؤالات حمزة الدارقطني: 5؛ سنن الدارقطني 4: 190 و 191؛ كفاية الخطيب: 23، و ما أعرضنا عنه من الكتب أكثر.

(3) النساء: 65.

257

[حديث آخر] حدّث البخاري فقال: جاء رجل من أهل مصر حجّ البيت فرأى قوما جلوسا، فقال: من هؤلاء القوم؟ قالوا: هؤلاء قريش. قال: فمن الشيخ فيهم؟

قالوا: عبد اللّه بن عمر. قال: يا بن عمر، إنّي سائلك عن شي‏ء فحدّثني عنه، هل تعلم أنّ عثمان فرّ يوم أحد؟ قال: نعم. قال: تعلم إنّه تغيّب عن بدر و لم يشهد؟

قال: نعم. قال: هل تعلم أنّه تغيّب عن بيعة الرضوان و لم يشهدها؟ قال: نعم. قال:

اللّه أكبر.

قال ابن عمر: تعال أبيّن لك؛ أمّا فراره يوم أحد فأشهد أنّ اللّه عفى عنه و غفر له، و أمّا تغيّبه عن بدر فإنّه كان تحته بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و كانت مريضة، فقال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): لك أجر رجل ممّن شهد بدرا و سهمه، و أمّا تغيّبه عن بيعة الرضوان فلو كان أحد أعزّ ببطن مكّة من عثمان لبعثه مكانه فبعث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عثمان و كانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكّة، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بيده اليمنى هذه يد عثمان فضرب بها على يده، فقال: هذه لعثمان، فقال له ابن عمر: اذهب (به) الآن (معك) (1).

الجواب: أورد عماد الدين شفروه الاصفهاني اعتراضا على هذا القول:

الأوّل: إنّ ابن عمر لم يؤيّد قوله في جوابه للمصري بحجّة من القرآن أو الأخبار و لم يشهد له شاهد عدل و لا غير عدل، فكلامه المجرّد من ذلك لا حجّة فيه على أمر من أمور الدين.

و الثاني: إنّ عثمان مختار أبيه و مرضيه لسرير الخلافة فكان عليه تعديله في كلّ حين أمام المهاجرين و الأنصار لتصويب رأي أبيه فيه و هذا الأمر من جملة لوازم‏

____________

(1) البخاري 4: 203 و 5: 34.

258

النبوّة حيث لا يمكنه الرضا بتلويث ساحة أبيه باختيار رجل له هذه المساوي و هذه جبلّة بشريّة و طبيعة إنسانيّة، و لمّا وقع أبوه موقع التهمة فما عليه إلّا ردّها بتزكية عثمان.

يقول عماد: سألت الشيخ رشيد الدين عبد اللّه بن محمّد بن عبد الواحد بن أبي سعد المدني: كيف جرى على عثمان ما جرى مع حضور المهاجرين و الأنصار فلم ينكروا ذلك لا باللسان و لا باليد، و لم يمدّه منهم أحد إلى الحدّ الذي سمعتك ذات يوم أنت الخواجه رشيد الدين عبد اللّه تقول: كان عليّ حاضرا في المسجد يفتي الناس فسمع ضجّة مرتفعة فسأل: ما الذي جرى؟ قالوا: قتل عثمان، فقال عليّ:

قتل، و مضى في كلامه من غير اكتراث منه و لا اعتراض له عليه، و لم يلتفت إليه.

فقال الشيخ عبد اللّه: لقد غالطت كثيرا يا عماد، لكن ألا تعلم بأنّ أهل الكوفة كتبوا كتابا يوم خروج عائشة إلى عليّ (عليه السلام) و أرادوا منه ايضاح السبب عمّا ألمّ بعثمان و سألوا عن حال قتلته.

فقال عماد: قلت له: بلى أعرف ذلك و قد كتب إليهم أمير المؤمنين كتابا كما يلي:

أمّا بعد، فإنّي أخبركم عن أمر عثمان حتّى يكون سمعه كعيانه، إنّ الناس طعنوا عليه و كنت رجلا من المهاجرين أكثر استعتابه و أقلّ عتابه، و كان طلحة و الزبير أهون سيرهما فيه الوجيف، و أرفق حدائهما العنيف، و كان من عائشة فلتة غضب فأتيح له قوم قتلوه، و بايعني الناس غير مستكرهين و لا مجبرين بل طائعين مخيّرين، و اعلموا أنّ دار الهجرة قد قلعت بأهلها و قلعوا بها، و جاشت جيش المرجل و قامت الفتنة على القطب فأسرعوا إلى أميركم و بادروا جهاد عدوّكم‏ (1).

فقال الشيخ رشيد الدين المدني: يجب عليّ رعاية لحقّ الصحبة و أداء لحقّ‏

____________

(1) بحار الأنوار 32: 84.

259

الخدمة أن أزيل هذه الشبهة عن ذهنك، اعلم أنّ الشيخ مخلص الدين محمّد بن معمر ذكر في جامع العلوم أنّ عثمان صدرت منه أمور وجبت قتله، بهذه العبارة:

نعم كانت لها أسباب و إنّ ممّا نقموا على عثمان حركات عشرا منكرات:

الأولى: ضرب عبد اللّه بن مسعود.

الثانية: ضرب عمّار ضربا مبرحا حتّى أغمي عليه.

الثالثة: إعطائه مروان خمسمائة ألف درهم.

الرابعة: نفى أبي ذر إلى الربذة.

الخامسة: إقطاع السنّة.

السادسة: إعطاء الحكم بن العاص مأة ألف درهم مرّة واحدة.

السابعة: تولية الوليد أخيه من أمّه على الكوفة.

الثامنة: جمعه المصاحف من أطراف المدينة و أكنافها و حرقها.

التاسعة: كان الوليد مدمنا على الشراب إلى الحدّ الذي صلّى بهم صلاة الصبح أربع ركعات، و لمّا سلّم أقبل على المصلّين و قال: أريدكم؟ و قالوا: لمّا افتتح الصلاة و شرع بقرائة الحمد لم يدر ما يقول ثملا، فقال:

عشق القلب الربابا * * * بعد ما شابت و شابا

فلمّا سلّم قال: لأزيدنّكم فإنّي طرب، و هذا الوليد هو الذي نزل في حقّه: إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ (1) و الآية: أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ‏ (2).

العاشرة: و كان من ذنوب عثمان إرجاعه مروان و أباه الحكم طريدي رسول اللّه و أبي بكر و عمر، و قد أبعدهما الرجلان عشرين فرسخا أخرى إضافة على مكان‏

____________

(1) الحجرات: 6.

(2) السجدة: 18.

260

نفيهما اقتداءا برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و مروان ابن عمّ عثمان فردّهما و فوّض إليهما شئون الإسلام و المسلمين ولّاهما على المهاجرين و الأنصار، و أعطى وزارته إلى مروان، و كان يستصوب رأيه و يعمل به، فكان مروان يقدّم من أخّره رسول اللّه و يؤخّر من قدّمه، و يهين صلحاء الصحابة و يذلّهم، و يعظّم الفسّاق و يوقّرهم، و يستهزئ بالدين و الشريعة.

و كان السبب في ضرب عمّار أنّ عثمان قال ذات يوم: إنّ الرسول كان يؤثر قريشا على سائر الناس إشعارا بأنّ بني أميّة منهم، فردّ عليه عمّار و قال: ليس الأمر كما تقول، فضربه على هذا ضربا مبرحا و ركله برجله حتّى ظنّوه قد مات.

و أمّا كيفيّة قتله فقد كان ابن أبي سرح واليا من قبل عثمان على مصر و كان أخا عثمان من الرضاعة، فأظهر الظلم بين الناس و عمل بالجور فيهم، فجاء رجل إلى عثمان يتظلّم، فأرسل إليه عثمان توبيخا شديد اللهجة، فلم يحدّ من سلوكه السيّئ حتّى قتل أحد المتظلّمين، و ضرب آخرين تأديبا لهم.

فخرج من مصر سبعمائة شخص و قصدوا المدينة و عليهم عبد الرحمان بن عديس البلوي و عمرو بن الحمق الخزاعي و كنانة بن بشر الكندي و سوار بن حمران المرادي، فبلغوا المدينة و الصلاة قائمة، و تظلّموا كثيرا و شنّعوا على واليهم ابن أبي سرح و توسّلوا بأمير المؤمنين (عليه السلام) و عائشة، فقبل عثمان شفاعتهم و قال لعليّ (عليه السلام): قل لهم يختاروا لولايتهم من أحبّوا لكي أولّيه، فاختار المصريّون محمّدا ابن أبي بكر، فولّاه عثمان على مصر و توابعها، و أمر جماعة من المهاجرين و الأنصار بالذهاب مع محمّد إلى مصر ليقفوا على جلية الحال و صحّة ما يقال، من شكواهم من ابن أبي سرح، فخرج المصريّون من المدينة مع محمّد بن أبي بكر، فلمّا ساروا ثلاثة أيّام بلياليها شاهدوا راكبا مضطربا على هيئة الهارب و كأنّه يطلب شيئا ضيّعه، فسألوه عمّن أرسله، فكان يقول: أرسلني عثمان، و أحيانا يقول مروان،

261

فعرفوا أنّ في الأمر سرّا، فقالوا له: إلى أين أنت ذاهب؟ فقال: أذهب إلى والي مصر. فقالوا: تركت الوالي بالمدينة؟ قال: أنا ذاهب إلى الوالي القاطع لا إلى الوالي الجديد. فقالوا: هل معك كتاب؟ قال: كلّا، ففتّشوه فعثروا معه على رسالة قد خبأها في شنّ بالية، و الرسالة على النحو التالي:

من عثمان إلى ابن أبي سرح، إذا أتاك محمّد بن أبي بكر فاحتل بقتله و أبطل كتابه و قرّ على عملك و احبس المتظلّمين حتّى يأتيك.

و لمّا قرأ المصريّون الكتاب عادوا إلى المدينة فورا و دفعوا الكتاب إلى أمير المؤمنين، فبعث بالكتاب إلى عثمان، فقال: الختم ختمي، و اللّه ما كتبت و لا أمليت و لا أمرت و لا ختمت.

فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): إنّ الناس أرسلوني إليك، و قد استفسروني بينك و بينهم، فو اللّه ما أدري ما أقول لك؟ ما أعرف شيئا تجهله و لا أدلّك على أمر لا تعرفه، إنّك لتعلم ما نعلم، ما سبقناك إلى شي‏ء فنخبرك عنه، و لا خلونا بشي‏ء فنبلغكه، و قد رأيت كما رأينا، و سمعت كما سمعنا، و صحبت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كما صحبنا، و ما ابن أبي قحافة و لا ابن الخطّاب أولى بعمل الحقّ منك، و أنت أقرب إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و شيجة رحم منهما و قد نلت من صهره ما لم ينالا، فاللّه (اللّه) في نفسك، فإنّك و اللّه ما تبصر من عمّى و لا تعلم من جهل، و إنّ الطرق لواضحة، و إنّ أعلام الدين لقائمة، فاعلم أنّ أفضل الناس عند اللّه إمام عادل هدي و هدى، فأقام سنّة معلومة و أمات بدعة مجهولة، و إنّ السنن لنيّرة لها أعلام، و إنّ البدع لظاهرة لها أعلام، و إنّ شرّ الناس عند اللّه إمام جائر ضلّ و ضلّ به، فأمات سنّة مأخوذة، و أحيا بدعة متروكة، و إنّي سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: يؤتى يوم القيامة بالإمام الجائر و ليس معه نصير و لا عاذر فيلقى في جهنّم (ف) يدور فيها كما يدور الرحى،

262

ثمّ يهبط (1) في قعرها، و إنّي أنشدك اللّه أن لا تكون إمام هذه الأمّة المقتول، فإنّه كان يقال: يقتل في هذه الأمّة إمام يفتح عليها القتل و القتال إلى يوم القيامة، و يلبس أمورها عليها، و يبثّ الفتن عليها (2) فلا يبصرون الحقّ من الباطل، يموجون فيها موجا، و يمرجون فيها مرجا فلا تكوننّ لمروان سيقة يسوقك حيث شاء بعد جلال السنّ و تقضّي العمر (3).

و لمّا فشا أمر الكتاب بين الناس أقبل مالك الأشتر و معه مئتان من أهل الكوفة و مثله فعل حكيم بن جبلة، و حاصروا منزل عثمان و منعوه من حضور الصلاة، فاستناب عنه في الصلاة أبا هريرة، و تارة يخلفه ابن عبّاس، و أخرى أبو أيّوب، و منعوه من الماء العذب‏ (4) فإذا أرسلت إليه قربة ماء تدافع الناس لمنعها، من ثمّ يصاب بالجروح جماعة ممّن هم على الباب لا سيّما الأمويّون و الهاشميّون.

و لمّا اشتدّ عليه الحصار استدعى الإمام أمير المؤمنين الحسنين (عليهما السلام) و قال: اذهبا بسيفكما حتّى تقوما على باب عثمان لا معان (كذا) الناس عنه‏ (5)، و أرسل طلحة

____________

(1) يرتبط- النهج.

(2) فيها- المؤلّف.

(3) نهج البلاغة، باب الخطب، ص 68.

(4) أقول: هذه كذبة أمويّة إذ أنّ وضع المدينة ليس كوضع المدن المبنيّة على الأنهار، إنّما تشرب المدينة من مياه الآبار، و كان يومئذ أكثر بيوتها تحتوي على آبار داخلها تشرب منها و تقضي بها حاجاتها الأخرى، و بيت عثمان و هو بيت الخليفة و فيه من السكّان ما لا يوجد في البيوت الأخرى و هو من البيوت الكبرى يومئذ فلو خلت البيوت جميعها من الآبار فليس من المعقول أن يخلو بيت عثمان منها، و أيضا لو صحّت هذه الفرية لعطش معه كلّ من يضمّه الحصار و لكنّنا لا نسمع إلّا بعطش عثمان ممّا يدلّ على أنّها فرية يراد منها جلب عطف الناس عليه، و أكثر الناس و منهم المؤلّف غابت عنهم هذه الحقيقة.

(5) جرى للكلمة تصحيف و أحسبها «لمنع الناس» و جاءت الجملة هكذا: فلا تدعا أحدا يصل-

263

و الزبير جماعة من الأصحاب مددا لعثمان‏ (1) و لكن أصحاب الحصار منعوهم من الوصول إليه، و أحدثوا ثقبا في جدار بيته و كسروا بابه و قتلوه، و قتلوا عبد اللّه بن عامر بن كريز خال عثمان و الي البصرة الأهواز و خوزستان، و كان من أشدّ الظالمين عتوّا، و أوشك على تدمير البلاد.

و أمّا شأن أبي ذر فقد كان في الشام في خلافة عثمان، فبنى معاوية الخضراء في دمشق، و جاء بأبي ذر إليها، فلمّا دخلها قال له معاوية: يا أبا ذر، كيف ترى ما هاهنا؟ فقال أبو ذر: إن بنيتها من مال اللّه فأنت من الخائنين، و إن كنت بنيتها من مال نفسك فأنت من المسرفين، فلم يرض قوله معاوية فشكاه إلى عثمان، فبعث إليه عثمان أن أرسله إليّ، و لمّا قدم المدينة و رأى ما عليه مروان من الجرأة و التحكّم و الاستبداد في أمور الدين و الشريعة، شرع بنصيحته و ملامته و أكثر من ذلك، فشكاه إلى عثمان، فأمر عثمان بنفيه إلى الربذة، و لمّا أخرجوه خرج عليّ لوداعه و قال:

يا أبا ذر، إنّك غضبت للّه فارج من غضبت له، إنّ القوم خافوك على دنياهم و خفتهم على دينك، فاترك في أيديهم ما خافوك عليه و اهرب منهم بما خفتهم عليه، فما أحوجهم إلى ما منعتهم، و ما أغناك عمّا منعوك، و ستعلم من الرابح غدا و الأكثر حسدا، فلو أنّ السماوات و الأرض كانتا رتقا على عبد ثمّ اتقى اللّه سبحانه لجعل اللّه له منهما مخرجا، لا يؤنسنّك إلّا الحقّ، و لا يوحشنّك إلّا الباطل، فلو

____________

- إليه ... أحاديث أمّ المؤمنين عائشة 1: 117 مرتضى العسكري، و هذه كذبة أخرى فليس من المعقول أن يحول سيفان بين عثمان و بين مئات السيوف المسلولة عليه.

(1) كيف يعقل هذا و هما اللذان أجلبا عليه و هيّجا هذه الفتنة و منعا من دفنه، و المعروف تاريخيّا أنّ مروان قتل طلحة ثارا بعثمان.

264

قبلت دنياهم لأحبّوك، و لو قرضت منها لأمنوك‏ (1). (2)

و قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في أبي ذر أقوالا كثيرة، منها قوله: أبو ذر وعاء علم أوكأ فلم يخرج منه شي‏ء حتّى قبض.

روى عماد الدين شفروه بأسانيد صحيحة عن ابن عبّاس أنّه كان حاضرا في مجلس معاوية فأقبل مروان و قال: اقض حوائجي يا أمير المؤمنين، فو اللّه إنّ مؤونتي لعظيمة، إنّي أصبحت أبا عشرة و أخا عشرة و عمّ عشرة، فلمّا خرج مروان من عنده قال معاوية: يا بن عبّاس، أما تعلم أنّ رسول اللّه قال: فإذا بلغ بنو الحكم ثلاثين رجلا اتخذوا أموال اللّه بينهم دولا و عباده خولا و كتابه دغلا، فإذا بلغوا تسعة و تسعين و أربعمائة كان هلاكهم أسرع من الثمرة؟ قال ابن عبّاس: اللهمّ نعم‏ (3).

ثمّ قال معاوية: أنشدك اللّه يابن عبّاس، إنّ رسول اللّه ذكر هذا- يعني مروان-

____________

(1) لقتلوك- المؤلّف.

(2) نهج البلاغة، الخطب، ص 13، و الخطأ من الناسخ إذ لا معنى لقوله: قتلوك، و لكن المؤلّف ترجمها إلى هذا المعنى.

(3) الحديث أخرجه أكثر الحفّاظ من الفريقين و لكنّ صيغه مختلفة، ففي الاحتجاج: إذا بلغوا ثلاثمائة و عشرا حقّت اللعنة عليهم و لهم، فإذا بلغوا أربعمائة و خمسة و خمسين كان هلاكهم أسرع من لوك تمرة (1: 410)؛ العمدة لابن البطريق: 472؛ البحار 18: 126 و هو أقرب إلى سياق المؤلّف؛ مجمع الزوائد 5: 243؛ المعجم الكبير 12: 183؛ أسرع من الثمرة ... الخ؛ المعجم الكبير 19: 382؛ كنز العمّال 11: 165 رقم 31056: لوك تمرة ... 11: 361: أسرع من لوك التمرة، و في لفظ: لوك تمرة؛ تفسير نور الثقلين 5: 623؛ تاريخ مدينة دمشق 37: 126: كان هلاكهم أسرع من التمرة، 57: 252؛ كتاب الفتن للمروزي: 73؛ البداية و النهاية 6: 272: لوك ثمرة، 8: 284: لوك تمرة، 10: 52: لوك تمرة؛ الطبرسي في إعلام الورى 1: 98؛ سبل الهدى و الرشاد 10: 90؛ صحيفة الإمام الحسن: 256.

265

فقال: أبو الجبابرة الأربعة (1)؟ قال عبد اللّه بن عبّاس: اللهمّ نعم.

و أسر مروان يوم الجمل فتشفّع فيه الحسنان عليهما السلام فقبل شفاعتهما و أطلق سراحه، فقال الحسنان عليهما السلام: يا أمير المؤمنين، يريد أن يبايعك! فقال: أو لم يبايعني بعد قتل عثمان فإنّه كان بايعه مع طلحة و الزبير، لا حاجة لي في بيعته، إنّها يد يهوديّة، و لو بايع بيده لغدر، أما إنّه له إمرة كلعقة الكلب أنفه و هو أبو الأكبش الأربعة، و ستلقى الأمّة منه موتا أحمر، و لكنّي لا أحبّ أن تلي هذه الأمّة سفهائها و فجّارها فيتّخذوا مال اللّه دولا و عباده خولا، و الصالحين حربا (2).

قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): رأيت بني مروان يتعاورون على منبري فسائني ذلك‏ (3).

و عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): رأيت في النوم بني الحكم أو بني العاص ينزون على منبري كما ينزو القردة و الخنازير. قال: فأصبح كالمتغيّض، فما رؤي رسول اللّه مستجمعا ضاحكا بعد ذلك حتّى مات. و هذا الحديث من رواية المخالفين‏ (4).

____________

(1) مجمع الزوائد 5: 243؛ المعجم الكبير 12: 183 و 19: 383؛ كنز العمّال 11: 361 رقم 31745؛ النزاع و التخاصم: 84 مضافا إلى الكتب السالفة.

(2) العجيب من المؤلّف أنّه ترجم قول الإمام (عليه السلام): «له إمرة» فقال: «آگاه باش كه مرا او را زنى است» فظنّه يقول امرأة، و لم يدرك أنّ ذكر المرأة هنا لا معنى له و إنّما يريد الإمام إمارته التي لم تتجاوز الستّة أشهر فهي كلعقة الكلب.

(3) مجمع الزوائد 5: 244؛ فتح الباري 8: 302 بدون حرف جرّ؛ المعجم الكبير 2: 96 يتعاورون منبري و فيه تتمّة موضوعة لحساب بني العبّاس؛ تفسير الميزان 13: 149؛ الدرّ المنثور 4: 191؛ تاريخ مدينة دمشق 57: 340: يتعاورون على منبري؛ سبل الهدى و الرشاد 3: 68 و 10: 90 و فيه التتمّة الموضوعة، و معنى يتعاورون: أي يختلفون و يتناوبون، كلّما مضى واحد خلفه آخر، راجع نهاية ابن الأثير و لسان العرب.

(4) مسند أبي يعلى 11: 348؛ كنز العمّال 11: 117 رقم 30845، و ص 165 و 167 و 358؛ تاريخ-

266

حكاية: روى البخاري عن عائشة أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) مات و أبو بكر بالسنح يعني بالعالية، قال عمر: يقولون مات رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فقال عمر: و اللّه ما مات رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و قال عمر: ما كان يقع في نفسي إلّا ذاك، و ليبعثنّه اللّه فليقطّعنّ أيدي رجال و أرجلهم، فجاء أبو بكر فكشف عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فقبّله فقال: بأبي أنت و أمّي طبت حيّا و ميّتا، و الذي نفسك بيده لا يذيقك اللّه الموتتين أبدا، ثمّ خرج و قال: أيّها الحالف، على رسلك، فلمّا تكلّم أبو بكر جلس عمر فحمد اللّه أبو بكر و أثنى عليه و قال: ألا من كان يعبد محمّدا فإنّ محمّدا (صلّى اللّه عليه و آله) قد مات، و من كان يعبد اللّه فإنّ اللّه حيّ لم يمت، و قال: إنّك ميّت و إنّهم ميّتون، و قال: وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى‏ أَعْقابِكُمْ‏ (1). (2)

فنشج الناس يبكون، و اجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، فقالوا: منّا أمير و منكم أمير، فذهب إليهم أبو بكر الصدّيق و عمر بن الخطّاب و عبيدة بن الجرّاح، فذهب عمر يتكلّم فأسكته أبو بكر، و كان عمر يقول: و اللّه ما أردت بذلك إلّا أنّي قد هيّأت كلاما قد أعجبني خشيت أن لا يبلغه أبو بكر، إلى أن قال أبو بكر: نحن الأمراء و أنتم الوزراء، فقال حباب بن المنذر:

____________

- دمشق 57: 265 و 266؛ سير أعلام النبلاء 2: 108؛ البداية و النهاية 6: 272 و 8: 284؛ النزاع و التخاصم: 82؛ سبل الهدى و الرشاد 7: 265 و 10: 90.

(1) آل عمران: 144.

(2) صحيح البخاري 4: 193. و أسأل أصحاب الضمائر النقيّة: إذا كان أبو بكر بالسنح و هو يبعد عن المدينة بما يقرب من أربعة أميال أو أكثر فكيف صلّى في المسلمين في مرض النبيّ و زعم أبو بكر ابن مجاهد للرشيد أنّه صلّى ثمانية أيّام، هذا من جانب، و من جانب آخر: أترى أنّ عمر لم يصدق بموت النبيّ؟ كلّا و اللّه فكيف صدّق بموته يوم أحد و هرب لا يلوي على شي‏ء، بل أراد أن يوقع الناس في بلبلة حتّى يأتي صاحبه، و لا يحيق المكر السيّئ إلّا بأهله، إنّها مؤامرة دنيئة على أهل بيت النبيّ، لعن اللّه أطرافها بلعنة الأبد.

267

لا و اللّه لا نفعل، منّا أمير و منكم أمير. فقال أبو بكر: لا و لكنّا الأمراء و أنتم الوزراء، هم المهاجرون و اللّه أوسط العرب دارا و أقربهم أحسابا، فبياعوا عمر أو أبا عبيدة، فقال عمر: بل نبايعك أنت، فأنت سيّدنا و أحبّنا إلى رسول اللّه، فأخذه عمر بيده فبايعه و بايعه الناس، فقال قائل منهم: قتلتم سعد بن عبادة (1).

الجواب: أقسم عمر أنّ رسول اللّه لم يمت مع علمه بموته، و لم يظهر على الناس اضطراب أو خلل و لا بد منهم مخاصم استحقّ اليمين من عمر لدرء الخطر فكان يمينه عبثا لأنّه من دون ذريعة و لا سبب، حتّى قال له صاحبه: على رسلك أيّها الحالف، ثمّ كان الأمر يقتضيهم تأجيل الخلافة حتّى يجهّزوا النبيّ و يدفنونه و يحضرون تلك المشاعد المروعة مع الناس فإنّه أدعى إلى الاحترام و أكثر صونا لشرف الإسلام و النبوّة.

و إذا كانت الخلافة هي حاجة الأمّة و يخشى من تأخيرها وقوع الأمّة في حيص بيض فكان النبيّ أولى منهم بذلك، و أحقّ بالقيام به رعاية للأمّة لأنّها إرادة اللّه و رسوله.

و الخصم يزعم أنّ النبيّ ما قام بنصب الإمام و بهذا يظهر أنّ الحاجة إليه مفقودة أو أنّ النبيّ أو كل الأمر إلى إجماع الصحابة. و إذا صحّ ذلك كان عليهم تأخير البتّ في أمر الخلافة حتى يحضر جماعة بني هاشم و باقي الخزرج إلى مسرح الاختيار و يتشاوروا فيما بينهم بحكم قوله تعالى: وَ شاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ (2) لأنّه عمل عظيم و حركة كبرى و ما كان اتصال أثره و نفعه بالناس جميعا و هو مؤسّس لصلاح العباد فينبغي أن تتكاتف الأيدي عليه و يجتمع الناس عليه خصوصا من ذكرناهم.

____________

(1) البخاري 4: 193.

(2) آل عمران: 159.

268

و لمّا سارع القوم إلى اهتبال الفرصة و لم يستشيروا أحدا في أمر الحكم و لم يستعينوا بأحد من بني هاشم أو الأخيار من صحابة الرسول، علمنا أنّهم بادروا إلى الفرصة ليغتنموها لأنّهم لو تمهّلوا فإنّها سوف تذهب من أيديهم و تضيع الخلافة منهم، و هذا هو الرأي الصحيح الذي عليه مذهب أهل البيت.

و خاف القوم من بني هاشم بعد فراغهم من تجهيز الرسول أن يظهروا في الساحة فلا تنتج خطّتهم، من هنا اندلعت الفتنة فكانت منّا أمير و منكم أمير، و قال أبو بكر: بايعوا سعدا، و قيل: قتل اللّه سعدا، و قيل «بيعة أبي بكر فلتة وقى اللّه المسلمين شرّها» (1)، و قال أبو بكر: «أقيلوني و ليست بخيركم».

إنّ هذا العمل المرتجل من غير أن يستشار فيه جماعة العقلاء أدّى إلى هذه الإفرازات السيّئة، و أنتج هذه الثمرة الخبيثة، و لمّا بلغ خبر السقيفة أمير المؤمنين و هو منشغل بتجهيز رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و بلغته مقالة الأنصار: منّا أمير و منكم أمير، فقال: هلّا احتججتم عليهم بأنّ رسول اللّه وصّى بأن يحسن إلى محسنهم و يتجاوز عن مسيئهم و «ماذا في هذه الحجّة عليهم» (2) قال: لو كانت الإمارة فيهم لم تكن الوصيّة بهم، أي لو كان يلون الخلافة و الإمارة و الوصاية ما أوصى بهم النبيّ لأنّ الشخص لا يكون وصيّا من جهة و يوصى به من جهة أخرى.

ثمّ قال (عليه السلام): فماذا قالت قريش؟ قالوا: احتجّت بأنّها شجرة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فقال: (عليه السلام): احتجّوا بالشجرة و أضاعوا الثمرة.

____________

(1) القاضي المغربي، دعائم الإسلام 1: 85؛ الاقتصاد للطوسي: 208؛ صحيح البخاري 8: 26؛ المصنّف لابن أبي شيبة 7: 615؛ شرح ابن أبي الحديد 9: 31 و 13: 224 و 17: 164 و 20: 21؛ الثقات لابن حبّان 2: 156؛ اليعقوبي 2: 158؛ سبل الهدى و الرشاد 11: 127 و 12: 311؛ العدد القويّة لعلي بن يوسف الحلّيّ: 286.

(2) الظاهر أنّ هذه الجملة سؤال موجّه إلى أمير المؤمنين و لكن المؤلّف أدخله ضمن قوله ... و في خصائص الأئمّة للشريف الرضي: 86، قالوا: و ما في هذا من حجّة عليهم ..؟ الخ.

269

و مذ تمسّك القوم بالصحبة، قال (عليه السلام): أتكون الخلافة بالصحابة و لا تكون بالصحابة و القرابة؟!

و قال أيضا لمّا احتجّ المهاجرون على الأنصار يوم السقيفة برسول اللّه فلجوا عليهم، فإن يكن الفلج به فالحقّ لنا دونهم، و إن يكن لغيره فالأنصار على دعواهم‏ (1). و لأمير المؤمنين في هذا الباب:

فإن كنت بالشورى ملكت أمورهم‏ * * * فكيف بهذا و المشيرون غيّب‏

و إن كنت بالقربى حججت خصومهم‏ * * * فغيرك أولى بالنبيّ و أقرب‏ (2)

و لمّا بايع الناس أبا بكر انحاز العبّاس و أبو سفيان‏ (3) و الزبير بن العوام إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) و قالوا: نبايعك و اللّه أنت أولى بهذا الأمر، فقال عليّ (عليه السلام): ما حال السقيفة؟ قال: بويع أبو بكر، فقال (عليه السلام):» اطّلع نجوم الفتى ...» أيّها الناس، شقّوا أمواج الفتن بسفن النجاة «و عرّجوا عن طريق المنافرة» وضعوا تيجان المفاخرة- و نكّبوا عن طريق المنافرة .. اليقين- أفلح من نهج بجناح أو استسلم فأراح (هذا) ماء آجن و لقمة يغصّ بها آكلها، و مجتني الثمرة لغير وقت أيناعها كالزارع بغير أرضه، فإن أقل يقولوا حرص على الملك، و إن أسكت يقولوا جزع من الموت! هيهات بعد اللتيا و اللتي و اللّه لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أمّه (لكن) بل اندمجت على مكنون علم لو بحت به لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطوي البعيدة (4).

____________

(1) نهج البلاغة، الخطب، ص 33.

(2) نفسه: 42.

(3) لم يكن أبو بكر معهم و جاء بآخره يستنهض الإمام للمطالبة فردّه لعلمه بسوء دخيلته و إنّه يبغي الغائلة و ليس هدفه الحق.

(4) اليقين للعلّامة الحلّي: 180.

270

و قال أبو سفيان: ما هذا إلّا خوفا، و اللّه لأملأنّها خيلا و رجلا، فقال عليّ (عليه السلام):

و اللّه لقد علمتم أنّي أحقّ بها من غيري و و اللّه لأسلمنّ أمور المسلمين ما لم يكن فيها جور إلّا عليّ خاصّة التماسا لأجر ذلك و فضله و زهدا فيما تنافستموه من زخرفة و زبرجة و لا يعاب المرء بتأخّر حقّه و إنّما يعاب من أخذ ما ليس له.

ثمّ استقبل قبر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و قال: بأبي أنت و أمّي لقد انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت غيرك من النبوّة و الأنباء و أخبار السماء، خصصت حتّى صرت مسليا عمّن سواك، و عممت حتّى صار الناس فيك سواء، و لو لا أنّك أمرت بالصبر و نهيت عن الجزع لأنفدنا عليك ماء الشئون، و لكان الداء مماطلا، و الكمد محالفا و قلالك، لكنّه ما لا يملك ردّه و لا يستطاع دفعه، بأبي أنت و أمّي اذكرنا عند ربّك و اجعلنا من بالك‏ (1).

ثمّ بكى بكاءا شديدا و قال: إنّ الصبر لجميل إلّا عنك، و إنّه قبلك و بعدك لجلل، ثمّ خرج العبّاس من عنده، فأقبلت قريش عليه و راحوا يسألونه، فقال:

ما كنت أحسب أنّ الأمر منصرف‏ * * * عن هاشم ثمّ منها عن أبي حسن‏ (2)

أليس أوّل من صلّى لقبلتكم‏ * * * و أعلم الناس بالآداب و السنن‏

و أقرب الناس عهدا بالنبيّ و من‏ * * * جبريل عونا له بالغسل و الكفن‏

من فيه ما في جميع الناس كلّهم‏ * * * و ليس في الناس ما فيه من الحسن‏

ماذا الذي ردّه عنكم لنعرفه‏ * * * ها إنّ بيعتكم من أوّل الفتن‏

____________

(1) نهج البلاغة 2: 228.

(2) نسبها في الإرشاد 1: 32 لخزيمة بن ثابت الأنصاري. و في النصّ و الاجتهاد لعتبة بن أبي لهب:

23، و في طرق حديث الأئمّة لربيعة بن الحرث: 44، و في أسد الغابة 4: 40 نسبها إلى الفضل بن العبّاس بن عتبة بن أبي لهب، و نسبها السيّد الجزائري رحمه اللّه في قصص الأنبياء إلى حسان.

271

حديث: عن البخاري، عن عائشة: لمّا مرض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) مرضه الذي مات فيه فحضرت الصلاة، فأذّن، فقال: مروا أبا بكر فليصلّ بالناس، فقيل له: إنّ أبا بكر رجل أسيف إذا قام مقامك لم يستطع أن يصلّي بالناس، و أعاد، فأعادوا له، فأعاد الثالثة فقال: إنّكنّ صويحبات يوسف، مروا أبا بكر فليصلّ بالناس، فخرج أبو بكر فصلّى، فوجد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) من نفسه خفّة فخرج يهادي بين رجلين كأنّي أنظر رجليه يخطّان الأرض من الوجع، فأراد أبو بكر أن يتأخّر فأومأ إليه النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أن مكانك، ثمّ أتى به حتّى جلس إلى جنبه.

فقيل للأعمش: و كان النبيّ يصلّي و أبو بكر يصلّي بصلاته و الناس يصلّون بصلاة أبي بكر؟ فقال برأسه: نعم. (رواه أبو داود عن شعبة عن الأعمش بعضه و زاد ابو معاوية: جلس عن يسار أبي بكر فكان أبو بكر يصلّي قائما) (1).

و في رواية عبد اللّه عن عائشة: فخرج بين رجلين يخطّ رجلاه الأرض فكان بين العبّاس و رجل آخر، فسئل عن عبد اللّه: من الرجل؟ قال: عليّ بن أبي طالب (عليه السلام).

و عن البخاري عن مصعب بن سعد عن أبيه أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) خرج إلى تبوك و استخلف عليّا، فقال: أتخلفني في الصبيان و النساء؟ قال: ألا ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه ليس نبيّ بعدي‏ (2). (3)

الجواب: اعلم بأنّ هذا باطل من عدّة وجوه:

الأوّل: إنّ لعائشة عداوة ظاهرة مع عليّ (عليه السلام) و الدليل على ذلك بأنّها أخفت اسمه‏

____________

(1) البخاري 1: 162، نفسه 1: 57 و 162.

(2) لا نبيّ بعدي- المؤلّف.

(3) صحيح البخاري 5: 129.

272

فلم تصرّح به كما صرّحت باسم ابن عبّاس، لبعضها إيّاه (لعنة اللّه عليها و على أبيها- المترجم) و عبّرت عنه برجل.

الثاني: لو لم تعاده لما ارتحلت الجمل و تخطّت المسافات من بلد إلى بلد و من ولاية إلى أخرى لحربه.

الثالث: كان بينها و بين فاطمة (عليها السلام) عداوة و الدليل عليها أنّها صدّت بواسطة أسماء لمّا جائت لعيادة فاطمة (عليها السلام)، و لم تأذن لها بالدخول فعادت أدراجها من حيث أتت، كما روى ذلك البخاري‏ (1).

الرابع: كانت عائشة تؤذي النبيّ دائما من أجل خديجة (عليها السلام) كلّما ذكرها النبيّ بخير كما ذكر ذلك في مصابيحهم‏ (2).

الخامس: ظلم أبو بكر فاطمة و غصب منها فدكا و قدّم نفسه على عليّ (عليه السلام)

____________

(1) أنقل لك ما عثرت عليه عند مولانا الأميني في الغدير 7: 228: فجائت تدخل فمنعتها أسماء، فقالت: لا تدخلي، فشكت إلى أبي بكر و قالت: هذه الخثعميّة تحول بيننا و بين بنت رسول اللّه، فوقف أبو بكر على الباب و قال: يا أسماء، ما حملك على أن منعت أزواج النبيّ أن يدخلن على بنت رسول اللّه و قد صنعت لها هودج العروس- أنظر إلى هذا النذل يستكثر على ابنة رسول اللّه النعش و القصد منه صيانة جسمها الشريف أن لا يبدو للناظر، ألا لعنة اللّه عليه ... المترجم- قالت هي أمرتني أن لا يدخل عليها أحد و أمرتني أن أصنع لها ذلك. قال مولانا الأميني: راجع الاستيعاب 2: 772؛ ذخائر العقبى: 53؛ أسد الغابة 5: 524؛ تاريخ الخميس 1: 313؛ كنز العمّال 7: 114؛ شرح صحيح مسلم للسنوي 6: 281؛ شرح الآبي لمسلم 6: 1282؛ أعلام النساء 3:

1221.

(2) عن عائشة: إنّ رسول اللّه ذكر خديجة، فقلت: لقد أعقبك اللّه عزّ و جلّ من امرأة، قال عفان: من عجوزة من عجائز قريش من نساء قريش حمراء الشدقين هلكت في الدهر. قالت: فتمعّر وجهه تمعّرا ما كنت أراه إلّا عند نزول الوحي، أو عند المخيلة حتّى ينظر أرحمة أم عذاب؟- مسند أحدم 6: 150؛ صحيح البخاري 4: 331؛ صحيح مسلم 7: 134؛ المستدرك 4: 286؛ سنن البيهقي 7: 307.

273

و عزله، و هذا بالضرورة يقضي على عائشة أن تجد لأبيها مخرجا من هذا المأزق بمثل هذه الأعذار، و ربّما كانت تجرّ النار إلى قرصها فيما ترويه لأبيها و عنه كما قال ابوها في حقّ عليّ حين ردّ شهادته للزهراء بأنّه يجرّ النار إلى قرصه، و في هذه الصورة تكون دعوى النفع ألصق بعائشة لأنّها تدور بين النبوّة و الأبوّة و هي ثابتة لا تتغيّر بخلاف ما عليه الحال بين الزوج و زوجته، فإنّ العلاقة بينهما غير ثابتة فليس من البعيد أن تؤول إلى الفراق و بسهولة و يسر أيضا (1).

ثمّ إنّ البخاري يقول: عن الزهري قال: قال الوليد بن عبد الملك أبلغك أنّ عليّا كان فيمن قذف عائشة؟ قلت: لا و لكن أخبرني رجلان من قومك أبو سلمة بن عبد الرحمان و أبو بكر بن عبد الرحمان بن الحارث أنّ عائشة قالت لهما: كان عليّ مسيئا في شأنها و قولها في هذا الحديث‏ (2).

و نرجع إلى مسألة الصلاة، فقولها عن أبيها جلس عن يسار النبي دليل على أنّه لم يكن إماما بل كان مأموما، و هذا المعنى مذكور ضمن الحديث.

ثمّ إنّ قيام رسول اللّه مع ضفعه المتناهي بحيث لم يقدر على المشي وحده حتّى اتّكأ على رجلين دليل آخر على أنّه غير راض بإمامته.

____________

(1) أقول: لا ينبغي أن يقال مثل هذا الكلام هنا لأنّه ينتظم العلاقة بين سيّدة النساء و الإمام بالعلاقة الزوجيّة العامّة و هذا و أجل المؤلّف منه غير سديد.

(2) البخاري 5: 60. أقول: إنّ القوم يحكمون بكفر من قذف عائشة و إن تاب و رجع و أبوها كان فيمن قذفها فما باله لم يكفّر بل صار صدّيقا، و أنا أنقل لك موضع الشاهد من الرواية: فبينا نحن كذلك إذ جاء أبو بكر فدخل عليّ، فقال: يا رسول اللّه، ما تنتظر بهذه التي خانتك و فضحتني.

(المعجم الكبير 23: 117؛ مجمع الزوائد 9: 229؛ المعجم الأوسط 6: 271؛ تاريخ المدينة لابن شبّة النميري 1: 324) و كلّها يروي العبارة نفسها «خانتك و فضحتني»، فهو يرمي عائشة بالخيانة الزوجيّة و لست أدري ما معنى القذف إن لم يكن هكذا، و اليوم لو قذف إنسان امرأة بالخيانة الزوجيّة عند القاضي ثمّ لم يأت بأربعة شهود ألا يستحقّ الحدّ يجري عليه!!!

274

أضف إلى هذا كلّه أنّ النبيّ مشرّع فكيف يأمر إنسانا بأمر ثمّ يعمد إلى نسخه قبل الشروع فيه، و ذلك الإنسان ممتثل للأمر مقبل عليه، و إن صحّ هذا فهناك أمر آخر و ذلك حين أمره النبي بقرائة تسع آيات من سورة البقرة ثمّ عزله و أرسل بها عليّا مكانه بعد أن طوى شطرا من الطريق ليعلم الناس بأنّه لا يليق للإمامة و لا تليق به، و لم يكن راوي هذا الحديث غير عائشة.

و أمّا رواة الحديث الدالّ على خلافته و هو حديث المنزلة و الذي تكشف الآية عن معناه و تفصح عمّا أراد النبيّ به فقد قال الحكيم في كتابه: وَ قالَ مُوسى‏ لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي‏ (1) فهم عن طريق ابن مردويه، سعد بن أبي وقاص، و مصعب بن سعد، و عائشة، و سعد بن أبي وقاص، و سعيد بن المسيّب، و سعيد بن زيد، و عقيل ابن أبي طالب، و أبو سعيد الخدري، و عبد اللّه بن عبّاس، و جابر بن عبد اللّه الأنصاري، و أبو هريرة، و حبشي بن جنادة السكوني، و أنس بن مالك، و جابر بن سلمة، و مالك بن الحرب، و أبو أيّوب الأنصاري، و زيد بن أبي أوفى، و زيد بن أرقم، و البراء بن عازب، و عبد اللّه بن عمر، و بريدة بن الخطيب الأسلمي، و خالد ابن عرفط، و حذيفة بن أسيد الغفاري، و أبو الطفيل، و أمّ سلمة، و أسماء بنت عميس، و فاطمة بنت الحمزة بن عبد المطّلب (عليه السلام).

و روى عماد الدين شفروه عن الإمام برهان الدين المطرزي صاحب المغرب و الإيضاح في شرح المقامات، عن مشايخه عن أبي سعيد الخدري عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه يوم دعا الناس إلى غدير خم، أمر بما كان تحت الشجرة من الشوك، فقم به بذلك يوم الخميس ثمّ دعا الناس إلى عليّ، فأخذ بضبعه فرفعها حتّى نظر الناس إلى بياض إبطه ثمّ لم يتفرّقا حتّى نزلت هذه الآية: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ‏

____________

(1) الأعراف: 142.

275

نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً (1)، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): اللّه أكبر على إكمال الدين و إتمام النعمة و رضى الربّ برسالتي و الولاية لعليّ. ثمّ قال: اللهمّ وال من والاه و عاد من عاداه و انصر من نصره و اخذل من خذله.

فقال حسان بن ثابت: يا رسول اللّه، ائذن لي أن أقول أبياتا؟ قال: قل ببركة اللّه. قال حسان: يا مشيخة قريش، اسمعوا شهادة رسول اللّه، و أنشأ يقول:

يناديهم يوم الغدير نبيّهم‏ * * * بخمّ و اسمع بالرسول مناديا

و قال: فمن مولاكم و وليّكم؟ * * * فقالوا و لم يبدو هناك التعاميا

إلهك مولانا و أنت وليّنا * * * و لا تجدن منّا لأمرك عاصيا

فقال له قم يا عليّ فإنّني‏ * * * رضيتك من بعدي إماما و هاديا

فمن كنت مولاه فهذا وليّه‏ * * * فكونوا له أنصار صدق مواليا

هناك دعا اللهمّ وال وليّه‏ * * * و كن للذي عادى عليّا معاديا (2)

و روى ابن مردويه في تفسير الآية: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ‏ عن أبي هريرة: من صام يوم ثمانيه عشر من ذي الحجّة كانت له صيام ستّين سنة و هو يوم غدير خم لمّا أخذ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بيد عليّ، قال: ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: نعم يا رسول اللّه. قال: من كنت مولاه فعليّ مولاه، قال له عمر بن الخطاب: بخ بخ يا بن‏

____________

(1) المائدة: 3.

(2) رسائل المرتضى 4: 131 و ذكر منها أربعة أبيات؛ الاقتصاد للطوسي: 321؛ الأمالي للصدوق، و زاد فيها بيتين:

فقام عليّ أرمد العين يبتغي‏ * * * لعينيه ممّا يشتكيه مداويا

فداواه خير الناس منه بريقه‏ * * * فبورك مرقيّا و بورك راقيا

خصائص الأئمّة: 42؛ روضة الواعظين للفتال النيسابوري: 103؛ شرح أصول الكافي 6: 130؛ نظم درر السطمين: 112؛ شواهد التنزيل 1: 202 و 257؛ نهج الإيمان لابن جبر: 116.

276

أبي طالب أصبحت مولاي و مولى كلّ مسلم و مسلمة (1)، فأنزل اللّه: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ‏ فقال: من صام سبعا و عشرين من رجب كانت له صيام سبعين سنة و هو اليوم الذي هبط فيه جبرئيل بالرسالة أوّل يوم هبط فيه.

و رواة حديث الغدير هم: البراء بن عازب، و سعد بن أبي وقّاص، و طلحة بن عبيد اللّه، و العبّاس، و ابنه عبد اللّه، و الحسن بن عليّ عليهما السلام، و ابن مسعود، و عمّار بن ياسر، و أبو ذر، و أبو أيّوب، و ابن عمر، و عمران بن حصين، و بريدة بن الخضيب، و أبو هريرة، و جابر بن عبد اللّه، و أبو سعيد الخدري، و أبو رافع مولى النبي و اسمه أسلم، و حبشي بن جنادة، و أبو بردة الأسلمي، و جرير بن عبد اللّه البجلي، و أنس، و حذيفة بن أسيد الغفاري، و زيد بن أرقم، و أبو الحمراء خادم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و عبد الرحمان بن يعمر الديلمي، و عمرو بن الحمق الخزاعي، و يزيد بن شراحيل، و ناحية بن عمر، و جابر بن سمرة، و مالك بن الحارث، و أبو ذؤيب شاعر، و عبد اللّه بن ربيعة، و عبد اللّه بن أبي أوفى، و عامر بن عمير الفهري العامري، و عامر بن واثلة، و أبو الطفيل، و سعد بن عبادة (2).

و ذكر الحافظ أبو موسى في كتاب تتمّة المعرفة عن الأصبغ بن نباتة قال: نشد عليّ (عليه السلام) في الرحبة من سمع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يوم غدير خمّ ما قال إلّا قام، و لا يقوم إلّا من سمعه من الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، فقام بضعة عشر رجلا. قال الأصبغ بن نباتة: كأنّي أنظر إلى أحدهم عليه إزار إلى أنصاف ساقيه فيهم، و أسماء هؤلاء مذكورة: أبو أيّوب الأنصاري، و أبو عمرة بن محصن، و سهل بن حنيف، و خزيمة بن ثابت،

____________

(1) المناقب للخوارزمي: 156؛ روضة الواعظين: 351.

(2) أحصاهم مولانا الأميني في الجزء الأوّل من كتابه المبارك «الغدير» فبلغوا العشرات فارجع إلى هناك.

277

و عبد اللّه بن عازم الأنصاري و النعمان بن عجلان الأنصاري و عبد الرحمان بن عبد الربّ، و ثابت، و يزيد بن وديعة الأنصاري و أبو فضالة الأنصاري.

قالوا: نشهد أنّا سمعنا لرسول اللّه، و أخذ بيدك يوم غدير خم فرفعها حتّى رأى بياض أباطها، فقال: ألستم تشهدون أنّي بلّغت الرسالة و النصيحة؟ فقال: إنّ اللّه عزّ و جلّ وليّي و أنا وليّ المؤمنين، ألا من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه، اللهمّ وال من والاه و عاد من عاداه و أحبّ من أحبّه و أبغض من أبغضه و أعن من أعانه، فشهدوا أنّهم سمعوا ذلك من رسول اللّه، و كتم قوم فما خرجوا من الدنيا حتّى عموا و أصابتهم آفة منهم من هؤلاء جماعة مذكورة أسمائهم كعبد اللّه بن فدلج‏ (1) و يزيد بن وديعة، و في رواية ابن مردويه: و عمرو بن الحمق‏ (2) و يزيد بن شراحيل و عامر بن أبي ليلى، و الذين أصابتهم آفة العمى عشرة أشخاص كما روى الرواة ذلك.

و ذكر عماد الدين عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه قال: إنّ عليّا مع الحقّ و الحقّ معه لن يزالا حتّى يردا عليّ الحوض ... و راوي الحديث عائشة و أمّ سلمة و ابو موسى و أبو سعيد الخدري و سهل بن شهيب (كذا) النهمي و أبي رافع و حذيفة و عمّار و زيد بن صوحان. و ذكر عماد الدين شفروه هذا الحديث و قال في آخره: و لذا لزم البيت و ترك البيعة و لم يكن لأحد أن يطالبه بها.

و يقول عماد الدين: لمّا امتنع بنو حنيفة عن أداء الزكاة خرج عليّ بنفسه إلى حربهم‏ (3).

____________

(1) يكثر التصحيف في أسماء الأعلام عند المؤلّف و يصعب عليّ ضبطها لعدم ذكره المصادر و التي يذكرها مفقودة مع مزيد الأسف.

(2) لا شكّ بأنّه غير خزاعي الذي قتل عثمان لعنه اللّه و قتله معاوية لعنه اللّه.

(3) لعن اللّه الكاذب، فهذه كتب التاريخ التي ذكرت حروب الردّة لم تذكر مشهدا واحدا لعليّ يعين-

278

و لمّا فتحهم قال في أثناء حكاية بنوع من الشكاية: إنّ اللّه بعث محمّدا نذيرا للعالمين و مهيمنا على المرسلين، فلمّا مضى (عليه السلام) تنازع المسلمون الأمر من بعده فو اللّه ما كان يلقى في روعي و لا يخطر ببالي (على بالي) أنّ العرب تزعج هذا الأمر من بعده (صلّى اللّه عليه و آله) عن أهل بيته و أنّهم منعوه عنّي من بعده، فما راعني إلّا انثيال الناس علي فلان- نهج البلاغة- على أبي بكر .. المؤلّف- يبايعونه، فأمسكت يدي حتّى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام (و أهله يدعون إلى محق دين محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) فخشيت إن لم أنصر الإسلام و أهله) (1) أن أرى فيه ثلما أو هدما تكون المصيبة به عليّ أعظم من فوت و لا يتكم التي إنّما هي متاع أيّام قلائل يزول منها ما كان كما يزول السراب أو كما ينقشع السحاب، فنهضت في تلك الأحداث حتّى زاح الباطل و زهق و اطمأنّ الدين و تنهنه‏ (2).

الجواب: كان عليّ (عليه السلام) دائما يطالب بحقّه، يقرّع تلك الفتنة، و إنّه في مذهب أهل البيت لم يشارك بأيّ حرب من حروبهم، سواءا ما شنّوها على العرب باسم الردّة

____________

- به القوم، اللهمّ إلّا كذبه افترتها عائشة و جهازها و هي أنّ أبا بكر لمّا همّ بالخروج للحرب احتضنه الإمام و قال: أمتعنا بنفسك يا خليفة رسول اللّه، و هي كذبة أوضح من الشمس الطالعة، فما كان علي ينسى جرأتهم على بيته بهذه السرعة و لم يمض على وفاة النبيّ عشرة أيّام فقد حدثت هذه الحروب بعد أيّام عشر من وفاته (صلّى اللّه عليه و آله).

(1) هذه الفقرة محذوفة من الكتاب.

(2) نهج البلاغة 3: 119 و هو كتاب بعثه إلى أهل مصر مع مالك لمّا ولّاه إمارتها، فأين هو من حروب بني حنيفة، و لعلّ في قول الإمام (عليه السلام): «فنهضت في تلك الأحداث» ما يدخل اللبس على الأذهان من أنّه شارك في حروب ما يسمّى بالردّة، و هذا بعيد جدّا لأنّ الأحداث التي عناها الإمام هي أحداث الخلافة و ما يتبعها من الأمور التي جهل القيام بها أولئك و لم يدركوها فكانوا يفتون الناس من عند أنفسهم كيفما يحلو لهم، فاستدرك الإمام ذلك عليهم و شاركهم في الفتوى و إيضاح ما أبهم عليهم و بيان ما عجزوا عن بيانه.

279

أو ما شنّوها خارج الجزيرة للغزو و التوسّع‏ (1) و الذي تولّى كبر قتال بني حنيفة هو خالد بن الوليد (الدموي الشهواني- المترجم) و ليس بين المؤرّخين خلاف حول المسألة.

أمّا حجّتنا على ذلك في مطالبته بحقّه و إبطال دعوى القوم فما رواه عماد الدين قال: قال عمر لعليّ في ملأ من المهاجرين و الأنصار: إنّك على هذا الأمر يابن أبي طالب لحريص، فقال: بل أنتم و اللّه أحرص و أبعد و أنا أخصّ و أقرب، و إنّما طلبت حقّا لي و أنتم تحولون بيني و بينه، و تضربون وجهي دونه، فو اللّه ما زلت مدفوعا عن أمري، مستأثرا عليّ منذ قبض اللّه نبيّة حتّى يومنا هذا (2).

روى البخاري عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمان أخبره أنّ المسوّر بن مخرمة أخبره أنّ الرهط الذين ولّاهم عمر (لعنه اللّه- المترجم) (3) اجتمعوا فتشاوروا، قال لهم عبد الرحمان: لست بالذي أنافسكم على هذا الأمر و لكنّكم إن شئت اخترت لكم منكم، فجعلوا ذلك إلى عبد الرحمان، فلمّا ولّوا عبد الرحمان أمرهم فمال الناس على عبد الرحمان حتّى ما أرى أحدا من الناس يتبع أولئك الرهط و لا يطأ عقبه و مال الناس على عبد الرحمان يشاورونه تلك الليالي (حتّى إذا كانت تلك الليلة أصبحنا فبايعنا عثمان).

قال المسوّر: طرقني عبد الرحمان بعد هجع من الليل (ربع من الليل) فضرب‏

____________

(1) في هذه الفقرة زيادة معنى على ما ذكره المؤلّف رأى المترجم زيادتها لازمة.

(2) ابن أبي الحديد 9: 35، و تمام الكلام: فلمّأ قرعته بالحجّة في الملأ الحاضرين هبّ كأنّه بهت لا يدر ما يجيبني به، الخ. و أنا أقول للإمام: بأبي أنت و أمّي «فبهت الذي كفر» لك اللّه يا مولاي على طول معاناتك من أولاد الزواني و العواهر.

(3) إنّي أرى ضرورة إعادة لعنهم كما كان يفعل أسلافنا لأنّنا تركنا ذلك حتّى صارت لهم مكانة في النفوس.

280

الباب حتّى استيقظت، فقال: أراك نائما، فو اللّه ما اكتحلت هذه الليلة (الثلث) بكبير نوم، انطلق فادعوا الزبير و سعدا، فدعوتهما له فشاورهما ثمّ دعاني، فقال:

ادع لي عليّا، فدعوته فناجاه حتّى ابهارّ الليل ثمّ قام عليّ من عنده و هو على طمع و قد كان عبد الرحمان يخشى من عليّ شيئا (1)، ثمّ قال: ادع لي عثمان، فدعوته فناجاه حتّى فرّق المؤذّن بينهما بالصبح، فلمّا صلّى الناس الصبح و اجتمع أولئك الرهط عند المنبر فأرسل إلى من كان حاضرا من المهاجرين و الأنصار، و أرسل إلى أمراء الأجناد و كانوا وافوا تلك الحجّة مع عمر، فلمّا اجتمعوا تشهّد عبد الرحمان ثمّ قال: أمّا بعد، يا علي، إنّي قد نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان أحدا فلا تجعلنّ على نفسك سبيلا، فقال: أبايعك على سنّة اللّه و رسوله و الخليفتين من بعده، فبايعه عبد الرحمان و بايعه الناس المهاجرون و الأنصار و أمراء الأجناد و المسلمون‏ (2).

و يروى أنّه لمّا اجتمع أهل الشورى قبل أن ينعقد أمر عثمان و يتكلّم عبد الرحمان، قال طلحة و الزبير: نبايعك على أنّا شريكان في هذا الأمر، فقال: لا و لكنّكما شريكان في القوّة و الاستعانة و عونان على العجز و الأود (3).

و تكلّم عبد الرحمان و مال إلى عثمان لمصاهرته، و أبى عليّ (عليه السلام) و تكلّم كما روى أبو عبد اللّه المدني عن مشايخه عن عامر بن واثلة قال: كنت على الباب يوم الشورى و عليّ (عليه السلام) في البيت، فسمعته يقول: استخلف ابو بكر و أنا في نفسي أحقّ‏

____________

(1) و هذا الذي يخشاه هو هجومه لعنه اللّه و أخزاه على بيت فاطمة بعد وفاة أبيها مع عمر و خالد بن الوليد لعنهما اللّه.

(2) راجع قول الرجلين و جواب الإمام لهما في نهج البلاغة 4: 46.

(3) صحيح البخاري 8: 123 و هنا يتجلّى لي أنّ سنّة الخليفتين صارت تعدل سنّة اللّه و رسوله فهما ركن من أركان الإسلام و عدم اتّباعهما يساوي عدم اتّباع القرآن و النبيّ، و هذا من مصائب الدهر.

281

بها منه، فسمعت و أطعت، و استخلف عمر و أنا في نفسي أحقّ بها منه، فسمعت و أطعت، و أنتم تريدون أن تستخلفوا عثمان إذن لا أسمع و لا أطيع، و إنّ عمر جعلني في خمسة أنا سادسهم لا يعرف لي عليهم فضل، نحن سواء، أما و اللّه لأحاجّهم بما لا تستطيع عربهم و لا عجمهم و لا المعاهد منهم و لا المشرك أن ينكر منها فضيلة.

قال: أنشدكم باللّه أيّها الخمسة، أفيكم أحد أخو رسول اللّه غيري؟ قالوا:

اللهمّ لا.

قال: أمنكم واحد له عمّ مثل عمّي الحمزة بن عبد المطّلب أسد اللّه و رسوله غيري؟ قالوا: اللهمّ لا.

قال: أمنكم أحد له ابن عمّ مثل ابن عمّي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)؟ قالوا: لا.

قال: أمنكم أحد له أخ مثل أخي المزيّن بجناحين يطير مع الملائكة في الجنّة؟

قالوا: لا.

قال: أمنكم أحد له زوجة مثل زوجي فاطمة بنت رسول اللّه سيّدة نساء هذه الأمّة غيري؟ قالوا: لا.

قال: أمنكم أحد ردّت عليه الشمس بعد غروبها حتّى صلّى العصر غيري؟

قالوا: لا.

قال: أمنكم أحد سكن المسجد يمرّ فيه جنبا غيري؟ قالوا: اللهمّ لا.

قال: أمنكم أحد قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حين قرّب إليه الطير فأعجبه و قال: اللهمّ آتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي هذا الطير، فجئت أنا لا أعلم ما كان و ممّن قوله فدخلت، فقال: و إليّ يا ربّ، و إلىّ يا ربّ؟ قالوا: لا.

و كذا روى المدني عن أبي الطفيل عامر بن واثلة قال: كنت على الباب يوم الشورى فارتفعت الأصوات بينهم فسمعت عليّا يقول: بايع الناس أبا بكر و أنا و اللّه أولى بهذا الأمر منه، فسمعت و أطعت مخافة أن يرجع الناس كفّارا، ثمّ أنتم‏

282

تريدون أن تبايعوا عثمان، إذن لا أسمع و لا أطيع، إنّ عمر جعلني في خمسة نفر أنا سادسهم لا يعرف لي فضل عليهم في الصلاح و لا يعرفونه لي كما نحن فيه سواء، و أيم اللّه لو شئت أن أتكلّم بما لا يستطيع عربهم و لا عجمهم و لا المعاهد و لا المشرك ردّ خصلة منها.

ثمّ قال: أنشدكم باللّه أيّها النافر جميعا أفيكم أحد أخو رسول اللّه غيري؟ قالوا:

اللهمّ لا.

قال: أنشدكم باللّه أيّها النفر أفيكم أحد صلّى القبلتين قبلي؟ قالوا: اللهمّ لا.

قال: أنشدكم باللّه أيّها النفر أفيكم أحد من له عمّ مثل حمزة أسد اللّه و رسوله و سيّد الشهداء غيري؟ قالوا: اللهمّ لا.

قال: أفيكم أخ مثل أخي جعفر ذي الجناحين المزيّنتين بالجواهر يطير بهما في الجنّة حيث شاء؟ قالوا: اللهمّ لا.

قال: أفيكم أحد له زوجة مثل زوجتي فاطمة بنت رسول اللّه؟ قالوا: اللهمّ لا.

قال: أفيكم أحد له ابنان مثل الحسن و الحسين سيّدي شباب أهل الجنّة؟

قالوا: اللهمّ لا.

قال: أفيكم أحد كان أقتل للمشركين عند كلّ شدّة تنزل على رسول اللّه غيري؟ قالوا: اللهمّ لا.

قال: أفيكم أحد كان أعظم غناءا عن رسول اللّه اضطجع على فراشه فوقاه بنفسه و بذل مهجته و دمه غيري؟ قالوا: اللهمّ لا.

قال: أفيكم أحد كان يأخذ الخمس غيري و غير فاطمة؟ قالوا: اللهمّ لا.

قال: أفيكم أحد يظهر كتاب اللّه و يعرف تنزيله و تفسيره و تأويله غيري؟

قالوا: اللهمّ لا.

قال: أفيكم أحد فتح النبيّ بابه في المسجد حين سدّ أبواب المهاجرين‏

283

و الأنصار، حتّى قام إليه عمّاه حمزة و العبّاس فقالا: يا رسول اللّه، سددت أبوابنا و فتحت باب عليّ، فقال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): ما أنا فتحت بابه و لا سددت أبوابكم بل اللّه فتح بابه و سدّ أبوابكم؟ قالوا: اللهمّ لا.

قال: أفيكم أحد تمّم اللّه نوره حين قال: فَآتِ ذَا الْقُرْبى‏ حَقَّهُ‏ (1) قالوا: اللهمّ لا.

قال: أفيكم أحد ناجى رسول اللّه ستّة عشر مرّة غيري حين نزل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً (2)؟ قالوا: اللهمّ لا.

قال: أفيكم أحد تولّى غمض رسول اللّه غيري؟ قالوا: اللهمّ لا.

قال: أفيكم أحد عهد رسول اللّه حتّى وضعه في حفرته غيري؟ قالوا: اللهمّ لا (3).

الجواب: اختار عمر للشورى هؤلاء الستّة و هم عليّ و طلحة و الزبير و عبد الرحمان بن عوف و سعد بن أبي وقّاص و عثمان بن عفّان و أوصى إليهم عمر و قال: هؤلاء النفر الستّة يليقون للخلافة فاختاروا أحدهم و الاختيار باطل.

جواب آخر: لمّا أدركت أبا بكر الوفاة و عرف في مرضه أنّه مفارق الحياة استخلف عمر بن الخطّاب و بايعه فكان عمر خليفة الخليفة، فلماذا صيّر الأمر شورى و خالف ابا بكر و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) (لأنّ رسول اللّه مضى و لم يستخلف و أبو بكر مضى و استخلف و عمر مضى و أولى أمره في الشورى، فظهر من خلافه للنبيّ و أبي بكر الدليل على بطلان عمله.

جواب آخر: بناءا على مذهب أهل السنّة أنّ عمر رجح ميزانه على النبيّ و العالم‏

____________

(1) الروم: 38.

(2) المجادلة: 12.

(3) لا شكّ أنّ هذه المناشدة لم تأت على وجهها الصحيح فقد ذكر فيها ما لا فضل فيه كالعمّ و الأخ و غيرهما و إذا كان طيب العمّ يزين فإنّ سوء العمّ يشين أيضا، و رسول اللّه و عليّ عمّهما أبو لهب.

ثمّ ما بال المناشدة خلت من ذكر الغدير فهل حذف ذلك منها؟ أنا لا أشكّ في ذلك.

284

مرّتين، و كان في مذهبهم أعلم العلماء، فهو حينئذ أعلم بأحوال الناس من أنفسهم و من غيرهم، فلماذا لم يختر من يخلفه مع علمه هذا و أوكل الأمر إلى الشورى؟

جواب آخر: الأفضليّة شرط في الخلافة و ينبغي أن يكون هؤلاء الستّة متساوين في الفضل فلا سبق لأحد على أحد منهم و كان يذهب إذا اختير اثنين معا إلى قتلهما و على هذا لا يجوز اختيار أحدهم أصلا.

جواب آخر: و لمّا دخلوا على عمر و هو مطعون أخذ يصف لهم أنفسهم، فقال لعثمان: أمّا عثمان فكلف بأقاربه، و أمّا عليّ فرجل فيه دعابة، أمّا الزبير فوعق لقس، أي إنّ أخلاقه سيّئة، و أمّا طلحة فرجل فيه بأو، أي يجبّ الجماع‏ (1)، و أمّا سعد فذو مقنب من مقانبكم‏ (2). أمّا عبد الرحمان فرجل صالح لا يخلو من نوع قصور في الاستبداد بهذا الأمر، فإذا كانت هذه صفات القوم و كلّها مذمومة، و ليس فيهم من صفة رافعة إلّا كونهم من أهل بدر فلماذا اختارهم إذن؟ أليس هذا الفعل عين الخيانة للرعيّة و الأمّة؟

روى رشيد الدين بأسانيده عن الحسن أنّه قال: نابت أصحاب محمّد نائبة، فجمعهم عمر، فقال لعليّ: تكلّم فأنت خيرهم‏ (3).

جواب آخر: كان عمر على علم تامّ بأنّ عليّا يستحقّ الخلافة و التصدّي لشؤونها كما روى أبو عبد اللّه المدني: أنّ عمر بن الخطّاب قال: من يستخلفون بعدي؟ فقال رجل من القوم نستخلف عليّا. قال: إنّكم لعمري لا تستخلفونه‏

____________

(1) الظاهر أنّ المؤلّف لم يحسن قرائة الكلمة من ثمّ أخطأ في معناها لأنّ البأو العجب و التكبّر، انظر الفائق للزمخشري 3: 168.

(2) المقنب: جماعة الخيل، ليست بالقليلة و لا الكثيرة؛ رسائل المرتضى 4: 113.

(3) الطرائف: 255؛ نهج الإيمان لابن جبر: 558 و تمامه: و أعلمهم، راجع كنز العمّال 5: 736 رقم 14258.

285

و الذي نفسي بيده لو استخلفتموه لأقامكم على الحقّ و إن كرهتم.

و بناءا على هذا لئن كان يعلم من عليّ هذه الصفة و أنّة يقيم الناس على الحقّ فلماذا قرنه مع من هو دونه، و صار سببا في إضلال الناس و الحقيقة الناصعة بأنّه لو اختار عليّا لما تردّد عن بيعته أحد لاستحقاقه الخلافة و ثقة الناس به، و على هذا فإنّه عجز- أو تعمّد- عن اختيار الخليفة اللائق المستحقّ و هو خليفة فكيف يطمع بالرعيّة أن تختاره، و هذا مثل قوله تعالى: أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ‏ (1).

جواب آخر: روى المدني عن ابن مردويه عن ابن عبّاس قال: دخلت على عمر فتنفّس نفسا شديدا، فقلت: ما أخرج هذا إلّا همّ شديد. قال: لهذا الأمر الذي لا أدري من له بعدي. قال: ثمّ أقبل عليّ فقال: لعلّك ترضى صاحبك لهذا- يعني عليّا-. فقلت: و ما يمنعه من ذلك، أليس بمكان ذلك في قرابته من رسول اللّه و سوابقه في الخير و مناقبه في الإسلام؟! فقال: إنّه كذلك، فذكرت له جماعة، ثمّ أقبل عليّ، فقال: إنّ أحرى من وليها و حملهم على كتاب اللّه و سنّة نبيّه صاحبك.

و في رواية: إنّ الأجلح من أحقّ القوم أن يحملهم على المحجّة البيضاء- يعني بالأجلح عليّا-.

و بهذا الطريق أيضا عن عبد اللّه بن عبّاس قال: أقبلت يوما إلى عمر بن الخطّاب فألفيته في جماعة من بطانته و خالص جلسائه و حواشيه، فإذا هو و هم في ذكر شعراء أهل الجاهليّة، و ساق الحديث إلى أن قال: قال عمر: و ما أحد أحقّ بهذا الفخر من بني هاشم لقيام رسول اللّه منهم. فقلت: وفّقك اللّه و سدّد منطقك. قال:

فكأنّه استقلّه، فقال: أتدري ما منع قومكم (منكم) [أن تعروا] (كذا) يعني الخلافة

____________

(1) البقرة: 44.

286

مع سلطان محمّد فيكم؟ قال ابن عبّاس: فكرهت أن استخرج عقوقه‏ (1)، فقلت:

إن كنت لا أدري فأمير المؤمنين يدري. فقال: إنّهم كرهوا أن يجمعوا لكم مع النبوّة الملك و الخلافة، فبتحجوا بذلك على قومكم بحجا بحجا فاختارت قريش لأنفسها فأصابت في اختيارها، و مع ذلك فمالنا أن نتقدّمكم و نحن بخدمتكم لها كافيا (كذا).

قلت: سبحان اللّه! للعجب العجاب، أليس من بني هاشم المختصّ بعد النبيّ في الدين بمعظمه، و من السبق بأقدمه، و من العلم بغايته، و من الحكم بأرجحه، و من الرأي بأسدّه، و من الجهاد بأشدّه؟ قال: عليّ؟! قال: للّه إنّه عليّ أخو النبيّ في المشاكلة، و نفسه في المباهلة، و وزيره الخاصّ من أهله، و شريكه في أمره إلّا النبوّة، فإنّ اللّه ختمها بمحمّد (صلّى اللّه عليه و آله)، أ و لم يخبرنا بأمير المؤمنين عليّا بعد ما بدا أنّ رسول اللّه خلفه عام تبوك في أهله، و قال: ألا ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون‏

____________

(1) وقع في هذا الخبر حذف و تصحيف و أنا أنقل لك ما في الإيضاح و أذكر لك المصادر لتكون على بصيرة منه: عن سعيد بن المسيّب قال: كان عمر جالسا مع قوم يتذاكرون أشعار العرب إذ أقبل ابن عبّاس (فساق القصّة إلى غير ذلك من الموارد التي تفضي الإشارة إليها إلى طول:

لو كان يقعد فوق الشمس من كرم‏ * * * قوم بأوّلهم أو مجدهم قعدوا

قوم أبوهم سنان حين تنسبهم‏ * * * طابوا و طاب من الأولاد ما ولدوا

إنس إذا أمتوا، جنّ إذا فزعوا * * * موزّعون بها ليل إذا جهدوا

محسّدون على ما كان من نعم‏ * * * لا ينزل اللّه منهم ماله حسدوا

فقال عمر: أحسن و ما أحد أولى بهذا الشعر من هذا الحيّ من بني هاشم، لفضل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و قرابتهم منه، فقال له ابن عبّاس: وفّقت يا أمير المؤمنين، و لم تزل موفّقا. فقال ابن عبّاس:

أتدري ما منع قومكم منكم ... الخ.

الإيضاح لفضل بن شاذان: 169؛ المسترشد لمحمّد بن جرير الطبري الشيعي: 686؛ الطرائف:

433؛ بحار الأنوار 28: 408؛ المراجعات: 394؛ سبيل النجاة لشيخ حسين الراضي: 381؛ السقيفة للمظفّر: 89؛ فدك في التاريخ للصدر: 66؛ ابن سبأ للعسكري 1: 112 و 141؛ الدرجات الرفيعة لابن معصوم: 105؛ تاريخ الطبري 3: 289؛ عمر بن الخطّاب للبكري: 211.

287

من موسى و لا نبيّ بعدي؟ قال: بلى. قال: أو لم تخبرني أنّ رسول اللّه قلّده الراية يوم خيبر و قد يولي الناس بها ثانية بعد أولى ففتح اللّه تعالى على يده؟ قال: نعم.

قال: فما أحببت الإمارة بعد اليوم (إلّا يومئذ).

قال ابن عبّاس: أخذ عمر بيدي و أنا أريد أن أقصّ مناقب أبي الحسن، قال:

خفّض عليك يابن عبّاس، فإنّ عليّا شرك أصحاب محمّد في فضائلهم و بان عنهم بفضائل و مناقب كريمة لا يعدله بها أو بمثلها أحد (1).

جواب آخر: و إذا كان عمر عالما بعدم اجتماع النبوّة و الخلافة في بيت واحد فلماذا صيّر عليّا واحدا من رجال الشورى؟

جواب آخر: و إن صحّ ما قاله عمر من أنّ الخلافة و النبوّة لا يجتمعان في بيت واحد فكيف بايع المهاجرون و الأنصار طوعا و رغبة و إيثارا منهم عليّا و اعترفوا بإمامته و بمقتضى الحديث «لا تجتمع أمّتي على ضلالة» لا يمكن أن تجتمع خلافا للرواية على الضلالة، و يكون عمر وحده المهتدي و المحقّ و الصادق.

فتبيّن ممّا تقدّم أنّ خلافة عليّ حقّ و لعلّ عمر لم يكن جادّا بما قال، فقد اجتمعت الخلافة و الإمامة و كان الحقّ في إجماع المهاجرين و الأنصار و لكن بين عمر و عليّ عداوة كانت ظاهرة و قد أخبر اللّه تعالى في كتابه المجيد عن اجتماع الخلافة و النبوّة بقوله تعالى: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى‏ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ آتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً (2).

جواب آخر: و حين جعلها شورى بين الستّة و ساوى بين الجميع في‏

____________

(1) ستجد في هذه الرواية تصحيفا كثيرا أحال المعنى و غيّره و لم يشر المصنّف إلى النصّ الذي رجع إليها و لم أعثر أنا على المصدر بعد طول التتبّع.

(2) النساء: 54.

288

الاستحقاق، عاد و خصّ عبد الرحمان بمزيد عناية و جعل القبول و الردّ بيديه، و قال: هؤلاء الخمسة تبع له فمن اختاره وجب عليهم اختياره، و هذه الحال مهزلة تدعو إلى الهزء و السخرية، و كأنّه هزأ بهؤلاء الخمسة، و يبقى الأمر على ما قاله الشيعة من أنّ عمر كان يعلم بشديد عداوة عبد الرحمان لعليّ (عليه السلام)(1)، و مثله الشديد لعثمان لمصاهرتهما، و هذا الملحق إنّما ألحقه عمر لئلّا يلام أمام الرأي العام أو العامّة و هو قد شفى غيظه من عليّ بإبعاده عن الخلافة فقد أسّس هذا الخبث الغريب على هذه الحبكة العجيبة، و كما قال العقلاء عن المفسدين أنّهم أربعة أحدهم عمر بن الخطّاب لعنه اللّه، و كان عبد الرحمان لا يجهل مناقب عليّ (عليه السلام) و لكنّه باع الدين بالدنيا (لعنه اللّه من ذي صفقة خاسرة).

فقد روى ابن مردويه عن مصعب بن عبد اللّه بن عبد الرحمان بن عوف، قال: لمّا فتح رسول اللّه مكّة، انصرف على الطائف يحاصرهم سبع عشرة أو ثمان عشرة يوما، فلم يفتحها، ثمّ أوغل غدوة أو روحة ثمّ يهجّر، فقال: أيّها الناس، إنّي لكم فرط و أوصيكم بعترتي خيرا، و إنّ موعدكم الحوض، و الذي نفسي بيده لتقيمنّ الصلاة و لتأتنّ الزكاة أو لأبعثنّ عليكم رجلا منّي أو كنفسي ليضربنّ أعناق مقاتليكم أو ليسبينّ ذراريكم.

قال: فرأى الناس أنّه أبو بكر و عمر، قال: فأخذ بيد عليّ، فقال: هو هذا.

قال: فقلت: ما حمل عبد الرحمان على ما فعل؟ قال: من ذاك أعجب‏ (2)، أنّهم‏

____________

(1) كان أحد الذين هجموا على دار فاطمة (عليهما السلام) و أحرقوها و هو الذي هدّد عليّا (عليه السلام) بالقتل، و كان فوق هذا و ذاك صهرا لعثمان لعنهما اللّه.

(2) أمالي الطوسي: 504؛ بحار الأنوار 21: 152 و 40: 30؛ المستدرك 2: 120؛ مصنّف ابن أبي شيبة 7: 498 و 8: 543؛ تفسير الميزان 9: 181؛ الدرّ المنثور 3: 213.-

289

علموا و لكنّهم عملوا عمل السامري و قومه حين عرفوا منزلة هارون و تجاهلوها، و فعل إخوان يوسف بعد أن عرفوه و كان منهم ما كان، و مثل قوم موسى الذين قصّ اللّه سبحانه قصّتهم، فقال: وَ إِذْ قالَ مُوسى‏ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَ قَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ‏ (1) و صار ترك العمل بعد العلم علّة لوقوع العذاب فيهم.

و كان عمر يعرف فضيلة عليّ كما ينبغي أن تعرف، فقد قال يوما: «لولاك لافتضحنا» و قال في أكثر من سبعين واقعة: لو لا عليّ لهلك عمر، و هو القائل: العلم ستّة أسداس، فلعليّ خمسة أسداس و للناس سدس واحد و لقد شاركنا في سدسنا حتّى هو أعلم به منّا.

جواب آخر: و لمّا كان عبد الرحمان أمين الخليفة فقد كان عليه أن يرعى الأمانة حقّ رعايتها و لا يخون أو يداهن، و كان عليه أن يعرف فضل عليّ بالحديث المذكور، و يختاره بناءا عليه، و يراعي جانب الصدق، و لا يخطب مستحقّ الخلافة بقوله: يا علي، نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان أحدا فلا تجعل على نفسك سبيلا. و كان عليه أن يتخلّص من هذا الطوق الثقيل و يرميه عن عنقه و يقول للناس: أيّها الناس، الخلافة حقّ عليّ و إنّي انتزعتها من عنقي و وضعتها في يده. فويل لهم من يوم تجتمع فيه الخصوم يوم القيامة فماذا يجيبون رسول اللّه عمّا جنوه على آله الكرام؟!

جواب آخر: أمّا ما قاله عمر عن عليّ (عليه السلام) بأنّه رجل فيه دعابة «أمّا عليّ فرجل‏

____________

- و لا عجيب في الأمر و قد كشف الإمام (عليه السلام) زيفهم حين قال لعبد الرحمان بن عوف لعنه اللّه:

و اللّه ما رجوت منه إلّا ما رجى صاحبك من صاحبه، دقّ اللّه بينكما عطر منشم ... و منشم امرأه كانت تبيع العطر في الجاهليّة فإذا أراد العرب الحرب تطيّبوا من طيبها فصارت مثالا على الشؤم، و استجيب لأمير المؤمنين في اللعينين فمات عبد الرحمان مقاطعا لعثمان.

(1) الصفّ: 5.

290

فيه دعابة» أي إنّه مزّاح، و هذا لا يقدح في خلافته فقد كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يمزح كثيرا، و لقد قال: «إنّي لأمزح و لا أقول إلّا حقّا».

قال يوما لأنس: يا ذا الأذنين.

و قال آخر: سألت رسول اللّه و نحن في الطريق: احملني على جمل يا رسول اللّه، فقال: أحملك على ابن الناقة.

و قوله لغلام: (عصفور) (كذا) (له عصفور) يا أبا عمير ما فعل النغير (1).

و قوله كثيرا للحسن و الحسين (عليهما السلام): ترق عين بقّة.

و قوله لسلمان عند وجع بطنه: «الغيب دودا» (2).

و هذا مثل قول عمرو بن العاص فقد قيل إنّه قال: إنّ عليّا فيه دعابة (3)، فبلغ ذلك عليّا فكأنّه قد تأذّى من قوله و قال: عجبا لابن النابغة يزعم لأهل الشام أنّ فيّ دعابة و إنّي امرء تلعابة، أعافس و أمارس، لقد قال باطلا و نطق كاذبا، و شرّ القول الكذب، إنّه ليقول فيكذب، و يعد فيخلف، و يسأل فيلحف، و يسأل فيبخل، و يخون العهد و قطع الإلّ، فإذا كان عند الحرب فأيّ زاجر و آمر هو، ما لم تأخذ السيوف مآخذها، فإذا كان ذلك كان أكبر مكيدته أن يمنح القرم سبّته، أما و اللّه إنّي ليمنعني من اللعب ذكر الموت، و إنّه ليمنعه من قول الحقّ نسيان الآخرة (4).

فبطل حديث عمر بقول عليّ (عليه السلام).

____________

(1) تذكرة الفقهاء 1: 343؛ جامع المقاصد 3: 277: كان يقول لصبيّ أفلت طائره: يا أبا عمير ... الخ؛ البحر الرائق 3: 72؛ مسند أحمد 3: 115؛ صحيح البخاري 7: 102 و النغير تصغير نغر و هي طير كالعصافير حمر المناقير، الصحاح 2: 833.

(2) لم يتّضح لي معناها و لم أجدها في كتاب فرجائي من القاري تصحيحها إن وجدها.

(3) تلقّاها من أستاذه الأكبر في النصب عمر بن الخطّاب لعنة اللّه عليهما.

(4) نهج البلاغة، الخطب، ص 147.

291

جواب آخر: تواتر عن عليّ (عليه السلام) أو هو شبيه بالمتواتر أنّه كان يتظلّم منهم و يطالب بحقّه و يعارض بلسان فصيح، و يردّ على أبي بكر، و لقد قعد عن بيعته ستّة أشهر كما زعم الخصم، و كذلك في عهد عثمان كان يطالب بحقّه و يشكو منه، فإمّا أن يكون ذلك بحقّ أو بباطل؛ فإن كان الثاني فلماذا سكت الصحابة و لم يبدوا احتجاجا عليه، و لم يقارعوه بالبراهين و الأدلّة حتّى يسكتوه و يظهر أنّه لا حقّ له، و ينعقد الإجماع، لأنّ مثل عليّ (عليه السلام) في عصمته و طهارته لا يطلب شيئا ليس له.

و إذا كان بحقّ فلماذا قعد الصحابة أهل الانساع و أصحاب الشرع عن حقّه و لم يعينوه عليه ليستحقّوا المدح في الآخرة و الثواب في الدنيا؟!

في جامع العلوم و هو من تصانيف قدوة الحفّاظ أبي عبد اللّه محمّد بن معمر بن الفاخر القرشي، في الحديث الخامس و الثلاثين من مسند البراء، عن البخاري، عن زهير، عن علاء بن المسيّب، عن أبيه قال: قلت للبراء بن عازب: طوبى لك أنت ممّن رضي اللّه عنه و بايع تحت الشجرة. قال: يابن أخي، إنّك لا تدري ما أحدثناه بعده، و لا تكون شهادة أعدل من هذه الشهادة، و لن تكون أبدا.

و في ولاية دامغان سنة ستّ و خمسين و ستّمائة انبرى أحد علمائها المعاصرين فقال على سبيل العتب و التقريع بعد أن عرف مؤلّف هذا الكتاب الحسن بن علي المازندراني و عرف اعتقاده: ما بال قوم ذهبوا منذ مئات السنين و لم يؤذوا أحدا منكم لا في نفسه و لا في أهله لماذا تظهروا الغيظ منهم و الحقد عليهم؟

فأجابه الداعي قائلا: ما بال الشيوخ أبناء السبعين يفعلون أفعالا تبقى عالقة في الأمّة حيث يتألّم منها الشباب أبناء الثلاثين بعد خمس و خمسين و ستّمائة من السنين؟! فألقم المقرع حجرا بعد أن سمع ما أوردناه عليه، و الدليل على هذا الكلام حديث البراء بن عازب السالف من رواية البخاري و ابن معمر القرشي.

292

حديث: عن البخاري كما ورد في جامع العلوم عن عبد اللّه بن عمر قال: كنّا نتحدّث على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أنّ خير هذه الأمّة بعد نبيّة أبو بكر ثمّ عمر ثمّ عثمان .. (1).

الجواب: روى الحافظ أبو عبد اللّه محمّد بن معمر القرشي من علماء اصفهان صاحب جامع العلوم عن ابن مردويه عن مشايخه عن ابن وائلة عن حذيفة قال:

قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): عليّ خير البشر فمن أبي فقد كفر (2).

و عن ابن مردويه و ساق السند إلى سلمان قال: رآني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فناداني، فقلت: لبيّك، فقال: أشهدك اليوم أنّ عليّا بن أبي طالب خيرهم و أفضلهم.

و بهذا الإسناد عن عقبة بن عامر قال: أتيت النبيّ ظهيرة، فقال لي: ما جاء بك يا جهنّي في هذا الوقت؟ قال: قلت: أمر عرض لي. قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): و ما ذاك يا جهني؟ قال: قلت: يا رسول اللّه، ما تقول في هؤلاء القوم الذين يقاتلون معك منهم من يقول: أبو بكر خير هذه الأمّة من بعدك، و منهم من يقول: عمر خير هذه الأمّة من بعدك فإن حدث بك اتّبعناه.

فقال (صلّى اللّه عليه و آله): اتّبعوا من اختاره اللّه من بعدي، و من اشتقّ له اسما من أسمائه، و من زوّجه اللّه ابنتي من عنده، و من و كلّ به ملائكة يقاتلون مع عدوّه.

قلت: و من هو يا رسول اللّه؟ قال: عليّ بن أبي طالب‏ (3).

____________

(1) مسند أحمد 1: 125 و 127 و لم يذكر عثمان؛ عمرو بن عاصم في كتاب السنّة: 554 و 555؛ المعجم الأوسط 7: 239؛ المعجم الكبير للطبراني 1: 107؛ صحيح البخاري 4: 203.

(2) ألقاب الرسول و عترته من قدماء المحدّثين: 36؛ الشهيد نور اللّه التستري في الصوارم المهرقة:

337؛ مقام الإمام عليّ لنجم الدين العسكري: 48.

(3) العاملي، الصراط المستقيم 2: 69 بسياق مختلف و المعنى واحد؛ محمّد طاهر القمّي الشيرازي في كتاب الأربعين: 74 سياق المؤلّف نفسه عن ابن مردويه، و ص 457.

293

عن أبي بكر بن مردويه إلى إسحاق عن الحارث قال: قال عليّ: نحن أهل البيت لا نقاس بالناس. فقام رجل فأتى عبد اللّه بن عبّاس فأخبره بذلك، فقال: صدق عليّ، أو ليس كان النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لا يقاس بالناس؟! ثمّ قال ابن عبّاس: نزلت هذه الآية في عليّ (عليه السلام): إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (1).

ذكر عماد الدين شفرويه في بعض تصانيفه عن الشيخ المدني القرشي صاحب جامع العلوم، عن ابن مردويه، عن الباقر (عليه السلام) عن آبائه عن عليّ (عليه السلام) عن رسول اللّه قال: كنت أنا و عليّ نورا بين يدي اللّه من قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام، فلمّا خلق اللّه آدم سلك ذلك النور في الأصلاب، فلم يزل ينقله من صلب إلى صلب آخر حتّى أقرّه صلب عبد المطّلب ثمّ أخرجه من صلب عبد المطّلب و يقسمه قسمين، فصيّر قسما في صلب عبد اللّه و قسما في صلب أبي طالب؛ فعليّ منّي و أنا منه، لحمه لحمي، و دمه دمي، فمن أحبّه أحبّني، و من يبغضه يبغضني و أبغضه‏ (2).

و مثله مذكور في البخاري و قد تكرّر لمزيد الفائدة.

ذكر عماد الدين في كتاب «تناقضات أخبار البخاري» في الحديث الثاني عشر، و مثله في المصابيح، عن جابر بن سمرة قال: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: لا يزال هذا الدين عزيزا منيعا إلى اثني عشر خليفة. فقال كلمة، فقلت لأبي: ما قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)؟ قال: قال: كلّهم من قريش.

____________

(1) البيّنة: 7.

(2) كشف الغطاء 1: 10 طبعة حجريّة- مهدوي اصفهان؛ الخصال للصدوق: 640: فمن أحبّه فبحبّي أحبّه، و من أبغضه فببغضي أبغضه، و عبارة الكتاب مصحّفة عن هذه العبارة؛ المحتضر لحسن بن سليمان الحلّي: 97؛ مقام الإمام علي لنجم الدين العسكري: 59 و قال: أخرجه ابن مردويه في المناقب، و الخوارزمي، و شهاب الدين أحمد، و المطرزي، و العاصمي، و الأحاديث كثيرة جدّا في هذا الباب.

294

و كان عماد الدين من المخالفين لأنّه ذكر معاوية بن أبي سفيان و عمر بن عبد العزيز من الاثني عشر و لم يذكر الحسن و الحسين منهم، و قال: ليسا من الخلفاء. و لمّا تعرّض لذكر أئمّة الشيعة في الحديث، قال: و أمّا تعيين الشيعة للأئمّة الاثني عشر فإنّه تحكّم محض لم يخرج من آل و لم ينفض من غبار غلّ لإخراجهم من الخلافة الخلفاء الثلاثة .. و إنّما ذكرنا قوله ليعلم أنّه حنفيّ المذهب كسائر معتزلة خوارزم فيكون كلامه حجّة.

و إنّه روى في هذا الحديث عن أبي سلمى الراعي عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه قال:

سمعت رسول اللّه يقول: ليلة أسري بي إلى السماء قال الجليل جلّ جلاله: آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ‏ (1)، فقلت: و المؤمنون؟ قال: صدقت يا محمّد، من خلّفت في أمّتك؟ قلت: خيرها. قال: عليّ بن أبي طالب؟ قلت: نعم يا ربّ.

قال: يا محمّد، إنّي اطّلعت على الأرض اطّلاعة فاخترتك منها فشققت لك اسما من أسمائي، فلا أذكر في موقع إلّا ذكرت معي، فإنّي المحمود و أنت محمّد، ثمّ اطّلعت الثانية فاخترت منها عليّا، و شققت له اسما من أسمائي، فأنا الأعلى و هو عليّ.

يا محمّد، إنّي خلقتك و خلقت عليّا و فاطمة و الحسن و الحسين و الأئمّة من ولده من سنخ نوري‏ (2)، و عرضت ولايتكم على أهل السماوات و أهل الأرض؛ فمن قبلها كان عندي من المؤمنين، و من جهلها كان عندي من الكافرين.

يا محمّد، لو أنّ عبدا من عبيدي عبدني ثمّ ينقطع حتّى يصير كالشنّ البالي، أتاني جاحدا لولايتكم ما غفرت له حتّى يقرّ بولايتكم.

يا محمّد، أتحبّ أن تراهم؟ قلت: نعم يا ربّ، فقال: التفت عن يمين العرش،

____________

(1) البقرة: 285.

(2) من سنخ نور من نوري- المؤلّف.

295

فالتفتّ فإذا بعليّ و فاطمة و الحسن و الحسين و عليّ بن الحسين و محمّد بن عليّ و جعفر بن محمّد و موسى بن جعفر و عليّ بن موسى و محمّد بن عليّ و عليّ بن محمّد و الحسن بن عليّ و محمّد بن الحسن المهدي في ضحضاح من نور قائمون يصلّون و هو في وسطهم- يعني المهدي- كأنّه كوكب درّيّ، فقال: يا محمّد، هؤلاء الحجج و هو الباهر من عترتك و المنتقم من أعدائي‏ (1).

و روى عقب هذا الحديث رواية عن سليم بن قيس الهلالي عن سلمان المحمّدي قال: دخلت على النبيّ و إذا الحسين بن عليّ على فخذه و هو يقبّل عينيه و يلثم فاه و يقول: أنت السيّد ابن السيّد أبو السادة، أنت إمام ابن إمام أبو الأئمّة، أنت حجّة ابن حجّة أبو حجج تسعة من صلبك تاسعهم قائمهم‏ (2).

و روى أيضا عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال: أين الذين زعموا أنّهم الراسخون في العلم دوننا، كذبوا علينا، أن رفعنا اللّه و وضعهم، و أعطانا و حرمهم، و أدخلنا و أخرجهم، بنا يستبغى الهدي، و يستجلى العمى، إنّ الأئمّة من قريش غرسوا في‏

____________

(1) الأربعون لمنتجب الدين بن بابويه: 4، و يوجد هذا الحديث في كشف الغطاء 1: 7؛ كتاب الأربعين لمحمّد طاهر: 353؛ الجواهر القدسيّة للحرّ العاملي: 312؛ مدينة المعاجز 2: 312؛ بحار الأنوار 27: 200؛ كتاب الأربعين للماحوزي: 212.

(2) الإمامة و التبصرة لابن بابويه: 110؛ عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 1: 56؛ الخصال: 475؛ كمال الدين و تمام النعمة للصدوق: 262؛ كفاية الأثر للخزّاز القمّي: 46؛ كتاب سليم بن قيس: 460؛ مقتضب الأثر للجوهريّ: 11؛ مناقب ابن شهر آشوب 3: 226؛ الطرائف لابن طاووس: 174؛ كتاب الأربعين لمحمّد طاهر القمّي الشيرازي: 355؛ بحار الأنوار 36: 241 و 43: 295؛ كتاب الأربعين للماحوزي: 214؛ العوالم للبحراني: 38 و 73؛ المراجعات: 278؛ رسالة في إمامة الأئمّة الاثني عشر للتبريزي: 4؛ معجم رجال الحديث للخوئي 9: 243؛ إعلام الورى بأعلام الهدى 2: 180؛ حياة الإمام الحسين للقرشي 1: 95.

296

هذا البطن من هاشم، لا تصلح الإمامة على سواهم، و لا تصلح الولاة من غيرهم‏ (1).

و هذه الأخبار تدلّ على أنّ خير الخلق بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عليّ بن أبي طالب (عليه السلام).

روى أبو العلماء الحافظ الهمداني عن ابن عبّاس، قال رجل: يا بن عبّاس، ما أكثر مناقب عليّ و فضائله، إنّي لأحسبها ثلاثة آلاف. فقال ابن عبّاس: أو لا تقول إنّها إلى ثلاثين ألفا أقرب‏ (2).

و روى الحافظ المدني عن أحمد بن حنبل أنّه قال: ما جاء لأحد من أصحاب رسول اللّه من الفضائل ما جاء لعليّ (عليه السلام)(3).

و نقل في الصحاح عن ابن مسعود: كنّا جلوسا عند النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) فقال: يطلع عليكم رجل من أهل الجنّة فدخل عليّ فسلّم و صعد (4).

____________

(1) نهج البلاغة، الخطب، ص 27.

(2) حلية الأبرار للبحراني 2: 131؛ بحار الأنوار 40: 49؛ المناظرات في الإمامة: 123؛ شواهد التنزيل للحسكاني 1: 31؛ ميزان الاعتدال 1: 484؛ لسان الميزان 2: 200؛ نهج الإيمان: 667.

(3) الصراط المستقيم 1: 153؛ بحار الأنوار 4: 124؛ المراجعات: 254؛ الشيخ حسين الراضي في سبيل النجاة في تتمّة المراجعات: 165؛ نجم الدين العسكري في مقام الإمام علي: 25؛ الغدير للأميني 1: 301؛ الإمام علي للرحماني: 134؛ عبد اللّه حسن في المناظرات في الإمامة: 123؛ نظم درر السمطين: 80؛ قاموس شتائم للسقاف: 198؛ خصائص الوحي المبين: 80 عن محمّد ابن هارون الحضرمي؛ تاريخ مدينة دمشق 42: 418؛ المناقب للخوارزمي: 11 و 34؛ نهج الإيمان لابن جبر: 668؛ ينابيع المودّة 1: 9.

(4) شرح الأخبار للمغربي 2: 595؛ أحاديث أمّ المؤمنين عائشة، و لكنّها جعلت عليّا (عليه السلام) الثالث بعد التوأم أي أبو بكر و عمر لعنهما اللّه؛ مسند أحمد 3: 380؛ مجمع الزوائد 9: 117؛ طبقات المحدّثين باصبهان 4: 132 بعد طلوع الثنائي أو التوأم؛ تاريخ مدينة دمشق 42: 322؛ موسوعة التاريخ الإسلامي 2: 370.

297

و في الصحاح عن مسند عبد اللّه بن عمر قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): عليّ أخي في الدنيا و الآخرة ... (1).

جواب: روى المخالف عن أبي هريرة قال: ابنا العاص مؤمنان: عمرو و هشام‏ (2).

و في رواية أخرى: أسلم الناس (صيغة أفعل التفضيل- المترجم) و آمن الناس ابنا العاص.

و هذا الحديث مناقض لحديث آخر لأبي هريرة مروي من طريق المخالف، قال:

قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): رأيت في النوم بني الحكم و بني العاص‏ (3) ينزون على منبري نزو القردة و الخنازير. قال: فأصبح كالمغيظ، فما رؤي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) مستجمعا متبسّما حتّى مات.

و لو كانوا مؤمنين لأمن المسلمون من شرّهم لا سيمّا أهل البيت و هم أهل العصمة و الطهارة، فقد أشاعوا سبّهم ثمانين عاما في الشرق و الغرب.

حديث: جاء في جامع العلوم عن مسند عائشة، قالت: قبض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و إنّه بين حاقنتي و ذاقنتي- و في رواية: بين سحري و نحري- و لا أكره شدّة الموت لأحد بعد الذي رأيت من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).

____________

(1) الخلاف للطوسي 1: 28؛ هامش المسترشد للطبري الشيعي: 332 عن كنز العمّال 11: 602 الرقم 32907؛ الأمالي للطوسي: 137.

(2) مسند أحمد 2: 304 و 327 و 353 و 354؛ المستدرك 3: 240؛ مجمع الزوائد 9: 352؛ الآحاد و المثاني 2: 99 و كتب أخرى.

(3) لست أدري كيف يخطأ المؤلّف على فضله و سعة اطّلاعه بأبسط الأشياء فهو هنا يعتبر بني العاص هم السهميّون و إنّما عنى النبيّ الأمويّين فالعاص في الحديث ابن أميّة و والد عمر و هو العاص بن وائل السهمي، و يا بعد ما بين الاثنين، و لكنّ المؤلّف رحمه اللّه يفتقر إلى الدقّه في كتابه و كان عليه أن يتريّث فيما لا يعلم حتّى تثبت صحّته عنده.

298

و في رواية إنّها قالت: ما أغبط أحدا يهون عليه الموت بعد الذي رأيت من شدّة موت النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)(1).

الجواب: و جاء في جامع العلوم أيضا عن أمّ سلمة قالت: و الذي تحلف به أمّ سلمة إنّ أقرب الناس عهدا برسول اللّه عليّ. و لمّا كان غداة قبض رسول اللّه و كان في حاجة فجعل يقول: جاء عليّ- ثلاث مرّات- فجاء قبل طلوع الشمس، فلمّا أن عرفنا أنّ له إليه حاجة خرجنا من البيت و كنت في آخر من خرج من البيت، ثمّ جلست أدناهنّ من الباب، قالت: فأجلسه عليّ و كان آخر الناس به عهدا، جعل يسارّه و يناجيه‏ (2).

عن ابن مردويه عن عائشة قالت: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و هو في بيتي لمّا حضره الموت: ادعوا لي حبيبي، فدعوت أبا بكر فنظر إليه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ثمّ وضع رأسه، ثمّ قال: ادعوا لي حبيبي ويلكم، فقلت: ويلكم ادعوا له عليّ بن أبي طالب فو اللّه ما يريد غيره، فلمّا رآه فرج الثوب الذي كان عليه ثمّ أدخله فيه فلم يزل يناجيه حتّى قبض و يده عليه‏ (3).

و روى ابن مردويه أيضا قال: لمّا كان اليوم الذي توفّي فيه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان جالسا و ظهره إلى صدر عائشة فهي مسندة و الناس مجتمعون في المسجد، فقال النبيّ: ادعي إلى أخي و صاحبي، فدعت عليّا، فلمّا دخل عليّ ورآه عمر، قام‏

____________

(1) رواه البخاري في صحيحه رقم 4266 بما هو أكثر اختصارا، و في رقم 4259 اقتصر على قولها:

و رأسه بين حاقنتي و ذاقنتي، و الحاقنة ما سفل من البطن، و الذاقنة ما علا منها؛ فتح الباري 11:

312؛ كتاب الوفاة للنسائي: 50؛ سنن النسائي 1: 602؛ المعجم الأوسط 8: 333، هذا ما كانت تردّده عائشة كثيرا تتباهى به.

(2) السنن الكبرى للنسائي 4: 261 و 5: 154.

(3) الطرائف لابن طاووس: 154؛ تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر 42: 393.

299

ليخرج أو يخرج من البيت فسلّمته عائشة حتّى وضعت رأسه على المرفقة و قامت، فأخبر نبيّ اللّه عليّا بألف باب يكون قبل يوم القيامة يفتح من كلّ باب ألف باب ... (1).

عن ابن مردويه و ساق السند إلى الأرقم بن سرحيل (كذا)- الصحيح شرحبيل ... المترجم- عن ابن عبّاس قال: لمّا مرض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) مرضه الذي مات فيه كان في بيت عائشة، فقال: ادعو لي عليّا. قالت عائشة: ندعوا لك أبا بكر؟ قال: ادعوه، قالت حفصة: يا رسول اللّه، ندعو لك عمر؟ قال: ادعوه، قالت أمّ الفضل: يا رسول اللّه، ندعوا لك العبّاس، قال: أدعوه، فلمّا اجتمعوا رفع رأسه فلم ير عليّا، فسكت، فقال عمر: قوموا عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)(2) فلو كانت له إلينا حاجة ذكرها، ففعل ذلك ثلاث مرّات.

و كذلك روي عن جابر أنّ عليّا (عليه السلام) كان عند النبيّ حين حضرته الوفاة، فأمره و عهد إليه بما شاء، فلمّا كان زمان عمر جاء كعب الأحبار و نحن جلوس عند عمر، فقال: يا أمير المؤمنين، ما كان آخر ما تكلّم به نبيّكم؟ قال: سل عليّا. قال: أين هو؟ قال: ها هو ذا، فسأله، فقال: أسندته إليّ فوضع رأسه على منكبي فقال:

الصلاة الصلاة. قال كعب: ذلك آخر عهد الأنبياء و به أمروا و عليه بعثوا. قال: فمن غسّله؟ قال: سل عليّا، فلمّا سأله قال: كنت غسّلته و كان عبّاس جالسا و كان‏

____________

(1) حذف الناسخ جزءا من الحديث و هو دعوة حفصة لأبيها عمر، و لم أعثر عليه في المصادر الموجودة في حيازتي و قد بحثت عنه جهد الطاقة فلم أوفّق للحصول عليه و أحيط القارئ علما بذلك.

(2) الطبري الشيعي في المسترشد: 122، مناقب ابن شهر آشوب 1: 203؛ البحار 22: 521؛ مسند أحمد 1: 356.

300

أسامة بن زيد و شقرى مولى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يختلفان بالماء (1).

و بهذا افتخر عليّ (عليه السلام): و لقد علم المستحفظون من أصحاب محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) أنّي لم أردّ على اللّه و لا على رسوله ساعة قطّ، و لقد واسيته في المواطن التي ينكص فيها الأبطال، و يتأخّر فيها الأقدام، نجدة أكرمني اللّه بها، و لقد قبض رسول اللّه و إنّ رأسه على صدري، و لقد اسلت نفسه في كفّي فأمررتها على وجهي، و لقد ولّيت غسله و الملائكة أعواني، فضجّت الدار و الأفنية؛ ملأ يهبط و ملأ يعرج، و ما فارقت سمعي هينمة منهم يصلّون عليه حتّى واريناه في ضريحه، فمن ذا أحقّ به منّي حيّا و ميّتا (2).

و يتعارض حديث عائشة مع حديث أمّ سلمة، مع أنّ حديث أمّ سلمة يفضل حديث عائشة لأنّ أمّ سلمة من جملة المخدّرات‏ وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَ لا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى‏ (3):

أوّلا: لم تعمل عائشة بهذه الآية.

ثانيا: يعترف الخصم بأنّ عائشة بغت على الإمام و لم تكن أمّ سلمة مثلها، و جرت العادة على أنّ الرجل إذا بلغ السياق و بلغت روحه التراق يتولّى أمره الرجال لا سيّما و أنّ الزوجيّة مسلوبة عن عائشة بسبب عدم استحقاقها للإرث من النبيّ و إنّما تستحقّه بالزوجيّة، فلمّا انتفت انتفى الإرث بها فهي ليست زوجة في تلك الساعة.

____________

(1) المراجعات: 329؛ سبيل النجاة للشيخ راضي: 247؛ معالم المدرستين للعسكري 1: 224؛ أحاديث عائشة 2: 203؛ كنز العمّال 7: 253 رقم 18789؛ الطبقات الكبرى لابن سعد 2: 262؛ سبل الهدى و الرشاد للصالحي الشامي 12: 258.

(2) نهج البلاغة 2: 172 باب الخطب.

(3) الأحزاب: 33.

301

الجواب: قال البخاري: أبو إدريس سمع حذيفة بن اليمان يقول: كان الناس يسألون رسول اللّه عن الخير، و كنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول اللّه، إنّا كنّا في الجاهليّة و شرّ فنجّانا اللّه بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم و فيه دخن. قلت: و ما دخنه؟ قال: قوم يهدون بغير هدي، تعرف منهم و تنكر. قلت: هل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم، دعاة إلى أبواب جهنّم من أجابهم إليها فذاق فيها. قلت: يا رسول اللّه، صفهم لنا، قال: هم من جلدتنا و يتكلّمون بألسنتنا. قلت: ما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: الزم جماعة المسلمين و إمامهم. قلت: فإن لم يكن جماعة و إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلّها و لو أن تعضّ بأصل شجرة حتّى يدركك الموت و أنت على ذلك‏ (1).

و في رواية عبد اللّه بن عمر قال: كنّا عند رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فذكر الفتن حتّى ذكر فتنة الأحلاس، فقال قائل: يا رسول اللّه، و ما فتنة الأحلاس؟ قال: هي فتنة هرب و حرب، ثمّ فتنة السرّاء دخلها أو دخنها من تحت قدمي رجل من أهل بيتي يزعم أنّه منّي و ليس منّي، إنّما وليّي المتقون‏ (2) ثمّ يصطلح الناس على رجل كورك على ضلع ثمّ فتنة الدهيا (3) لا تدع أحدا من هذه الأمّة إلّا لطمته لطمة ... الحديث‏ (4).

و ذكر محمّد بن معمر في جامع العلوم عن قوله: «فتنة الاخلاص شبها بالخليص لظلمتها أو ركودها و دوامها، و الورك و لا يستقرّ على ضلع فكأنّه جعله مثلا فيمن ليس له الملك و لا استقلال به ...

____________

(1) صحيح البخاري 4: 178 و 8: 92.

(2) جائت العبارة عند المؤلّف هكذا: «إنّما أوليائي المتقول) و هي تصحيف ما في ذلك ريب.

(3) الدهماء- المؤلّف.

(4) مسند أحمد 2: 133؛ سنن أبي داود 2: 299؛ المستدرك 4/ 467؛ الفايق 1: 265؛ كنز العمّال 11: 130 رقم 30911؛ الدرّ المنثور 6: 56؛ تهذيب الكمال 22: 527 و معنى الورك على ضلع، أي يصطلحون على أمر واه لا نظام له و لا استقامة.

302

و يقول مؤلّف هذا الكتاب الحسن بن عليّ بن محمّد بن الحسن الطبري: فهل بعد هذا الخير، إشارة إلى زمان نزول الوحي و وجود النبي بينهم.

قوله: من شر، إشارة إلى زمان الخلفاء الثلاثة الذين كانوا شرّا على العترة، و إيذاءا للمؤمنين، و فتنة عامّة.

و قوله: و هل بعد ذلك الشرّ من خير؟ قال: نعم، إشارة إلى عهد الإمام عليّ (عليه السلام).

و قوله: فيه دخن، إشارة إلى معاوية لعنه اللّه و حربه لأمير المؤمنين (عليه السلام)، و بغيه على إمام زمانه أمير المؤمنين (عليه السلام).

«و هل بعد ذلك الخير من شر» قال: نعم دعاة إلى أبواب جهنّم من أجابهم إليها فذاق فيها»، إشارة إلى ملوك بني أميّة و إلى العبّاسيّين.

و قوله: هم من أهل جلدتنا، يعني من قريش.

و يتكلّمون بألسنتنا، يعني يتمسّكون بظاهر شرعنا نظاما للملك.

و قوله: جماعة المسلمين و إمامهم، يعني التابعين لأهل البيت (عليهم السلام)، إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه و عترتي.

و قوله: تلك الفرق كلّها، إشارة إلى زمن غيبة الإمام (عليه السلام).

و شرح عماد الدين شفروه هذا الحديث شرحا فاحشا بعيدا عن العقل و النقل في باب الحديث السابع عشر من كتاب «التناقض»، و لشدّة وهنه و ركاكة معناها ارتكب حماقات نسبها إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من ثمّ أعرضنا عنه؛ فإن كان قالها معتقدا بها فويل له يوم القيامة، و إن قالها صيانة للجاه و المال يفوّض أمره إلى اللّه تعالى و لكن: وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى‏ عَلَى اللَّهِ كَذِباً (1).

____________

(1) الأنعام: 21.