تعريب كامل البهائي - ج1

- عماد الدين الطبري‏ المزيد...
570 /
303

و لقد كشف الإمام عن هذه الحال ببيان معجب لطيف في بعض خطبه، فقال: ثمّ إنّكم معشر العرب أغراض بلايا قد اقتربت، فاتقوا سكرات النعمة، و احذروا بوائق النقمة، و ثبتوا في قتام العشوة و اعوجاج الفتنة عند طلوع جنينها، و ظهور كمينها، و انتصار قطبها، و مداد رحاها، تبدو في مدارج خفية و تؤول إلى فضاعة جليّة، شبابها كشباب الغلام، و آثارها كآثار السلام، يتنافسون في دنيا دنيّة، و يتكالبون على جيفة مريحة، و عن قليل يتبرّأ التابع من المتبوع، و القائد من المقود، فيتزايلون بالبغضاء، و يتلاعنون عند اللقاء.

ثمّ يأتي بعد ذلك طالع الحقيقة الرجوف، القاصمة الزحوف، فتزيغ قلوب بعد استقامة، و تضلّ رجال بعد سلامة، و تختلف الأهواء عند هجومها، و تلتبس الآراء عند نجومها، من أشرف لها قصمته، و من سعى فيها حطمته، يتكادمون فيها تكادم الحمر في العانة، قد اضطرب معقود الحبل، و عمي وجه الأمر، تفيض فيها الحكمة، و تنطق فيها الظلمة، و تدقّ أهل البدو تسجّلها، و ترضهم بكلكلها، يضيع في غبارها الوجدان، و يهلك في طريقها الركبان، ترد بمرّ القضاء، و تحلب عبيط الدماء، و تثلم منار الدين، و تنقض عقد اليقين، تهرب منها الأكياس، و تدبّرها الأرجاس، مرعاد مبراق، كاشفة عن ساق، تقطع فيها الأرحام، و يفارق عليها الإسلام، بريّها سقيم، و ظاعنها مقيم‏ (1).

و أوضح هذا كلّه بقوله: ألا و إنّ أخوف الفتن عندي عليكم فتنة بني أميّة فإنّها فتنة عمياء مظلمة عمّت خطّتها، و خصّت بليّتها، و أصاب البلاء من أبصر فيها، و أخطأ البلاء من عمي عنها، و أيم اللّه لتجدنّ بني أميّة لكم أرباب سوء بعدي كالناب الضروس، تقدم بفيها و تخبط بيدها، و تزين برجلها و تمنع درّها، لا يزالون‏

____________

(1) نهج البلاغة 2: 37 و 38 باب الخطب.

304

بكم حتّى لا يتركوا منكم إلّا نافعا لهم أو غير ضائر بهم، و لا يزال البلاء حتّى لا يكون انتصار أحدكم منهم إلّا كانتصار العبد من ربّه، و الصاحب من مستصحبه، ترد عليكم فتنتهم شوهاء مخشية، و قطعا جاهليّة، ليس فيها منار هدى، و لا علم يرى، نحن أهل البيت منها بمنجاة، و لسنا فيها بدعاة، ثمّ يفرّجها اللّه عنكم كتفريج الأديم بمن يسومهم خسفا، و يسوقهم عنفا، و يسقيهم بكأس مصبّرة، لا يعطيهم إلّا السيف، و لا يجلسهم إلّا الخوف، فعند ذلك تودّ قريش بالدنيا و ما فيها لو يرونني مقاما واحدا، و لو قدر جزر جزور لأقبل منهم، ما أطلب اليوم بعضه فلا يعطونني ... (1).

جواب: سنّة اللّه و رسوله و أمير المؤمنين فيما يقولون هو بيان الرموز و الإشارات عن البيّنة و إظهار الحجّة و الدعوة العامّة و إفاضة الخير، كما قال تعالى: فَما لِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ* عَنِ الْيَمِينِ وَ عَنِ الشِّمالِ عِزِينَ* أَ يَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ‏ (2) و قد بيّنّا جانبا من هذا الباب.

حديث: و رووا أنّ امرأة أتت النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) فكلّمته بشي‏ء فأمرها أن ترجع إليه، فقالت: يا رسول اللّه، إن جئت و لم أجدك، كأنّها تقول: الموت، قال (صلّى اللّه عليه و آله): إن (فإن) لم تجديني فأتي أبا بكر (3).

الجواب: أجبنا فيما سلف عن هذا الباب إلّا أنّنا نضيف هنا أشياء لم تكن هناك نقلا عن كتاب «المناقضات» من المخالف، عن الأصبغ بن سلمان أنّه سئل رسول‏

____________

(1) نهج البلاغة 1: 183 باب الخطب.

(2) المعارج: 36- 38.

(3) صحيح البخاري 4: 191 و 8: 128؛ تحفة الأحوذي 10: 112؛ المعجم الكبير 2: 132؛ البداية و النهاية 5: 248؛ السيرة النبويّة لابن كثير 4: 452.

305

اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عن عليّ و فاطمة (عليهما السلام)، فقال: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: عليكم بعليّ بن أبي طالب فإنّه مولاكم فأحبّوه، و كبيركم فاتّبعوه، و عالمكم فأكرموه، و قائدكم إلى الجنّة فعزّزوه، و إذا دعاكم فأجيبوه، و إذا أمركم فأطيعوه، فأحبّوه بحبّي، و أكرموه بكرامتي، ما قلت لكم في عليّ إلّا ما أمرني ربّي جلّت عظمته‏ (1).

فتبيّن من هذا أنّ الحديث الأوّل حكم خاصّ مع شخص خاصّ في أمر خاصّ، و الحديث الثاني حكم عام بملأ عام في أمور عامّة، و في مثل هذه الأمور تغليب الأمر العام على الأمر الخاص أولى و أحقّ من تغليب الخاصّ على العام، و الإمامة عامّة للمكلّفين و ليست خاصّة لشخص معيّن.

حديث: قال أبو سعيد الخدري: قال أبو بكر: ألست أحقّ الناس بها، ألست أوّل من أسلم‏ (2).

الجواب: روى صدر الأئمّة و ساق الحديث إلى الزمخشري عن أبي ذر قال: لمّا كان أوّل يوم في البيعة لعثمان، لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ (3) قال أبو ذر: فاجتمع المهاجرون و الأنصار في المسجد و نظرت إلى أبي محمّد عبد الرحمان بن عوف، و قد اعتجر بريطة، و قد اختلفوا و كثرت المناجزة إذ جاء أبو الحسن- بأبي هو و أمّي- قال: فلمّا بصروا بأبي الحسن عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) سرّ القوم طرّا، فأنشأ عليّ (عليه السلام) يقول:

إنّ أحسن ما ابتدأ به المبتدئون و تنطّق به الناطقون و تفوّه به القائلون حمد اللّه‏

____________

(1) محمّد بن أحمد القمّي، مائة منقبة: 62؛ الكراجكي، كنز الفوائد: 209؛ محمّد طاهر القمّي الشيرازي، كتاب الأربعين: 80؛ بحار الأنوار 27: 112 و 28: 152.

(2) ابن عقيل، النصائح الكافية: 228، و قال: أخرجه الترمذي و ابن حبّان في صحيحه.

(3) الأنفال: 42.

306

و الثناء عليه بما هو أهله، و الصلاة على النبيّ محمّد و آله؛ الحمد للّه المتفرّد بدوام البقاء، المتوحّد بالملك و المجد و الثناء- إلى أن قال:- فأنشدكم اللّه يا معاشر المهاجرين و الأنصار، هل تعلمون أنّ جبرئيل (عليه السلام) (أتى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و قال: يا محمّد، لا سيف إلّا ذو الفقار و لا فتى إلّا علي، هل تعلمون كان هذا؟ قالوا: اللهمّ نعم) (1).

قال: فأنشدكم اللّه هل تعلمون أنّ جبرئيل (عليه السلام) نزل على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) فقال: يا محمّد، إنّ اللّه يأمرك أن تحبّ عليّا و تحبّ من يحبّه فإنّ اللّه تعالى يحبّ عليّا و يحبّ من يحبّ عليّا؟ قالوا: اللهمّ نعم.

قال: فأنشدكم اللّه هل تعلمون أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: لمّا أسري بي إلى السماء السابعة رفعت إلى رفارف من نور ثمّ رفعت إلى حجب من نور فوعد النبيّ الجبّار لا إله إلّا هو أشياء، فلمّا رجع من عنده نادى مناد من وراء الحجب: نعم الأب أبوك إبراهيم و نعم الأخ أخوك عليّ بن أبي طالب فاستوص به؟ قال: أتعلمون معاشر المهاجرين و الأنصار كان هذا؟ فقال أبو محمّد من بينهم- يعني عبد الرحمان ابن عوف-: سمعتها من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و إلّا فصمّتا.

ثمّ قال: أتعلمون أنّ أحدا كان يدخل المسجد جنبا غيري؟ قالوا: اللهمّ لا.

قال: فأنشدكم اللّه هل تعلمون أنّ أبواب المسجد سدّها [رسول اللّه‏] و ترك بابي بأمر اللّه؟ قالوا: اللهمّ نعم.

قال: هل تعلمون أنّي كنت قاتلت عن يمين رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و قاتلت الملائكة عن يساره؟ قالوا: اللهمّ نعم.

قال: فأنشدكم اللّه هل تعلمون أنّ رسول اللّه قال لي: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي؟ قالوا: اللهمّ نعم.

____________

(1) هذه الفقرة لم يذكرها المؤلّف.

307

قال: فأنشدكم اللّه هل تعلمون أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أخذ الحسن و الحسين فجعل يقول: هي يا حسن، فقالت فاطمة: يا رسول اللّه، إنّ الحسين أصغر و أضعف ركنا منه، فقال لها رسول اللّه: ألا ترضين أن أقول أنا هي يا حسين، و يقول جبرئيل:

هي يا حسين؟ فقالوا: اللهمّ نعم.

قال: فهل لخلق منكم مثل هذه المنزلة ... نحن الصابرون ليقضي اللّه في هذه البيعة أمرا كان مفعولا (1).

جواب: نعود إلى كلام أبي بكر القائل: من أولى بها منّي و أنا أوّل من أسلم. فعدّ السبق إلى الإسلام دلالة على استحقاق الإمامة، و هذا باطل، لأنّ الإمامة لا تصحّ حتّى يحصل الإجماع (عندهم طبعا) و في السابق إلى الإسلام اختلاف بين المسلمين، فمن قائل أنّه عليّ، و منهم من قال زيد بن حارثة، و قيل بلال بن رباح، و قيل أمّ المؤمنين خديجة (عليها السلام) و هلمّ جرّا (2).

روي عن عبد اللّه المدني عن ابن مردويه عن معاذة العدويّة قالت: سمعت عليّا و هو على منبر البصرة يقول: أنا الصدّيق الأكبر آمنت قبل أن يؤمن أبو بكر (3).

____________

(1) نهج السعادة 1: 116؛ تاريخ مدينة دمشق 29: 198؛ مناقب الخوارزمي: 299؛ ينابيع المودّة 1:

433.

و أنا بدوري أتسائل: لم لم يحتجّ أمير المؤمنين بيوم الغدير عليهم و هو لا بديل عنه في مثل هذا اليوم؟ أنا على يقين من أنّ الأيدي الخائنة لعبت في النصّ فحذفت كثيرا منه و ما زال هذا دأبها و ديدنها إلى اليوم فإلى اللّه المشتكى، كلّ هذا من أجل أن لا نخسر بيدقا اسمه عمر و بيدقا آخر اسمه أبو بكر في رقعة التاريخ المبسوطة للعب الأمزجة و الخواطر و الغايات.

(2) لا اختلاف بين المسلمين في أوّل من أسلم، فقد أجمعوا على أنّ سيّدتنا خديجة عليها الصلاة و السلام أوّل من أسلم، ثمّ تلاها أمير المؤمنين، و لكن الاختلاف الذي حدث هو من صنع عائشة حين ادّعت لأبيها هذا السبق و نابعها على ذلك بطانتها.

(3) المسترشد: 264؛ الفصول المختارة: 261؛ الإرشاد 1: 31؛ كنز الفوائد: 121؛ الاحتجاج 2:-

308

و روى ابن مردويه عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري أنّه قال: أوّل من آمن خديجة ثمّ عليّ بن أبي طالب، ثمّ زيد بن حارثة، ثمّ أبو بكر.

جواب آخر: إن كان مجرّد السبق إلى الإسلام يثبت التقدّم و الاستحقاق في الخلافة فينبغي أن يكون عثمان أولى بالخلافة من عمر، و مقدّما عليه، لأنّه أسلم قبله كما ينبغي أن يلي الخلافة عليّ بعد أبي بكر، لأنّ عليّا سبق عثمان و عمر إلى الإسلام بإجماع الخصوم‏ (1) و ليس الأمر كذلك فتبيّن من هذا أنّ السبق لا يثبت الأولويّة في الحكم.

حديث: يقول المخالفون عن عليّ (عليه السلام) قال: ذكرت الأمراء عند رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فقال: إن تبايعوا أبا بكر، تجدوه ضعيفا في نفسه و قويّا في أمر اللّه، و إن تبايعوا عليّا و لن تفعلوه تجدوه هاديا يسلك بكم الطريق المستقيم‏ (2).

الجواب: هذه الرواية ذكرها صاحب كتاب المناقضات «مناقضات البخاري»

____________

- 149؛ مناقب آل أبي طالب 1: 289؛ المستجاد من الإرشاد للعلّامة الحلّي: 34؛ الصراط المستقيم 1: 235؛ بحار الأنوار 38: 226 و 268.

(1) أقول: إنّ الذي فهمته من قول أبي بكر أو قولهم على لسانه أنّ الأولويّة في السبق شرط في التقدّم و لا يترتّب على ذلك تسلسل العدد بأن يكون الثاني بعد الأوّل و الثالث بعد الثاني في الأوّليّة و هكذا و حينئذ لا محلّ لقول المؤلّف، فينبغي عليه أن يورد عليهم من وجه آخر.

(2) الإيضاح لابن شاذان: 237؛ الغارات 2: 518؛ مناقب أمير المؤمنين للكوفي: 448 و ليس ذكر لأبي بكر؛ السقيفة و فدك للجوهري: 76؛ مسند أحمد 1: 109 و فيه زيادة؛ المستدرك 3: 70؛ مجمع الزوائد 5: 176؛ شرح ابن أبي الحديد 6: 52 و 11: 11؛ كنز العمّال 5: 799 و 11: 612؛ شواهد التنزيل 1: 82 و 83 و 84؛ تاريخ مدينة دمشق 42: 420 و 421 و 44: 236؛ أسد الغابة 4:

31؛ ميزان الاعتدال 3: 363؛ الإصابة 4: 468؛ سبل الهدى و الرشاد 11: 250 و في أكثرها يذكر عمر أيضا.

309

و يروي كذلك عن الطبراني عن اسحاق بن إبراهيم عن عبد الرزّاق عن أبيه عن ميثاق عن عبد اللّه بن مسعود قال: كنت مع النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) ليلة قد بايع الجنّ، فتنفّس، فقلت: مالك يا رسول اللّه؟ قال: نعيت إليّ نفسي يابن مسعود. قلت: استخلف يا رسول اللّه، قال: من يابن مسعود؟ قلت: أبو بكر، فسكت ثمّ مضى ساعة ثمّ تنفّس، فقلت: ما شأنك يا رسول اللّه؟ قال: نعيت إليّ نفسي يابن مسعود. قلت:

فاستخلف. قال: من؟ قلت: عليّ بن أبي طالب. قال: أما و الذي نفسي بيده لئن أطاعوه ليدخلنّ الجنّة (1).

الجواب: اعلم أنّ عبد اللّه المدني روى عن سلمان الفارسي أنّه قال: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: إنّ وصيّي و خليفتي و خير من أترك من بعدي ينجز موعدي و يقضي ديني عليّ بن أبي طالب.

و يقول: من كنت مولاه فعليّ مولاه.

و يقول: إنّي تارك فيكم الثقلين .. الخ.

و يقول: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى.

و يقول: اللهمّ أدر الحقّ مع عليّ حيث ما دار (2).

قال المصنّف: إنّ قوله: إن تبايعوا أبا كر تجدوه ضعيفا على نفسه دليل على بطلان هذا الحديث و وضعه لأنّه يخالف القرآن، فقد قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): إذا ورد عليكم‏

____________

(1) الفضل بن شاذان: 93؛ الروضة في المعجزات و الفضائل: 119.

(2) هذه جملة أحاديث و قد سبق تخريجها إلّا الحديث الأوّل عن سلمان و قد أخرجه ابن شهر آشوب في المناقب 2: 246 و 2: 256 أخرجه عن أنس؛ معالم المدرستين 1: 216 عن أبي سعيد؛ و ابن أبي الحديد 13: 228؛ تهذيب التهذيب 3: 91؛ كشف اليقين للحلّي: 270؛ مجموعة الرسائل للطف اللّه الصافي 2: 40.

310

منّي حديث فأعرضوه على كتاب اللّه فإنّ وافق فاقبلوه‏ (1)، و يقول تعالى في حقّ طالوت لمّا ردّه بنو إسرائيل و أبوا ملكه و إمارته: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَ زادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَ الْجِسْمِ‏ (2) و القوّة من الصفات الممدوحة كما قال اللّه تعالى في حقّ نفسه:

إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ‏ (3) و قال في حقّ جبرائيل: عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى‏* ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى‏ (4).

و «قويّا في أمر اللّه تعالى» باطل أيضا، و لو كان صحيحا لما آذى فاطمة المعصومة البضعة من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أمّ السادات و الأئمّة و سيّدة نساء العالمين حتّى ماتت غاضبة عليه بغصّتها، و أوصت أن تدفن سرّا، و لا يشهد جنازتها كما جاء في صحيح البخاري.

و ما روي في حقّ عمر «قويّا في نفسه» إن كان القصد بها الفظاظة و الغلظة و شراسة الخلق فإنّها صفات ذمّ و نقصان: وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ‏ (5) و هي علامة على شقاء تلك الدار و قساوة القلب في هذه الدار، و إن كان المقصود منها الشجاعة فليس من المعروف عن عمر أنّه شارك في قتال أو قتل‏

____________

(1) عون المعبود 12: 232، قال الخطابي: فإنّه حديث باطل لا أصل له، و قد حكى زكريّا الساجي عن يحيى بن معنى أنّه قال: هذا حديث وضعته الزنادقة؛ تذكرة الموضوعات: 28؛ كشف الخفاء 1: 86 و 2: 423؛ أضواء على السنّة المحمّديّة لأبو رية: 99؛ التبيان للطوسي 1: 5؛ تفسير مجمع البيان 1: 36 و 39؛ أحكام القرآن لجصّاص: 1: 629 و 3: 38؛ تفسير القرطبي 1: 38؛ أصول السرخسي 1: 365 و 2: 68 و 76؛ المحصول 3: 91 و 4: 338؛ الأحكام للآمدي 2: 323؛ شيخ المضيرة: 238؛ تاريخ ابن معين 1: 326.

(2) البقرة: 247.

(3) الذاريات: 58.

(4) النجم: 5 و 6.

(5) آل عمران: 159.

311

خصما للّه و رسوله، و كان ينهزم في كلّ حرب تشنّ على الإسلام لا سيّما في أحد و حنين و بدر و ما قاله في حقّ عليّ «و لن تفعلوه» دليل واضح على أنّ الصحابة يميلون عنه إلى غيره و هو مهدي و هاد و ليس كغيره ضالّا مضلّا و هو الصراط المستقيم في فاتحة الكتاب و اتّباعه طريق الإسلام.

جواب آخر: كلا الحديثين مرويّ من طريق علماء القوم و الحديث الأوّل لا يدلّ على خلافة الثلاثة و لا برهان لهم فيه عليها، و الحديث الثاني دالّ على خلافة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام).

جواب آخر: إنّ مذهب المخالفين أنّ عليّا (عليه السلام) أقلّ مرتبة منهم و أدنى، و هذه العقيدة استحكمت فيهم جدّا حتّى أنّني جرى لي بحث ذات يوم في مدينة يزدجرد و كنت قد استولى عليّ كرب مع عالم منهم في تلك البقعة من الأرض حول المذهب، فقال لي ذات يوم في طوايا البحث: إنّ النبيّ عندنا بمنزلة الإبهام، و أبو بكر السبّابة و عمر الوسطى و عثمان الخنصر و عليّ البنصر، و عليّ أدنى منهم بكلّ اعتبار، و العجب هنا أنّ هذا القول إن كان حقّا فالحديث كذب و باطل لأنّ فيه أبا بكر ضعيف و عمر له مرتبتان و عليّ حائز على عدد من المراتب أعلى مستوى منهم، و هذا الحديث عين نقصانهم و به بانت فضيحتهم، و إذا جاز تقديم المفضول على الفاضل فلا بدع أن يكون رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أدنى آحاد الأمّة و الإجماع منعقد على أنّه أفضل أفراد الأمّة و أفضل بمفرده من جميع الأنبياء، و عمر هو القائل: عجزت النساء أن يلدن مثل عليّ بن أبي طالب‏ (1).

____________

(1) قول عمر: عجز النساء، رواه الرواة في معاذ، راجع: المغني 10: 139؛ الشرح الكبير 10: 133؛ المحلّى 10: 316 و 7: 355؛ البداية و النهاية 7: 75.

312

و قال: لا أبقاني اللّه لمعضلة (لم يكن فيها عليّ بن أبي طالب) (1) بعدك يا علي‏ (2).

و قال: اللهمّ لا تبقني لمعضلة لم يكن فيها عليّ بن أبي طالب حيّا (3).

حديث: روى البخاري عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): لا يبقينّ في المسجد باب إلّا سدّ إلّا باب أبي بكر (4).

الجواب: روى أبو بكر ابن مردويه عن مشايخه عن الملائي أنّه قال: أتيت المدينة فدخلت على عليّ بن الحسين زين العابدين، فقلت: جعلني اللّه فداك، رجل من مواليك أريد أن أسألك فحدّثني به، قال: و ما ذاك؟ قلت: حدّثني في شأن الأبواب، سمعت فيها شيئا من أبيك.

قال: حدّثني أبي الحسين بن عليّ، عن عليّ بن أبي طالب (عليهم السلام) قال: أخذ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بيدي فقال: إنّ موسى بن عمران سأله ربّة أن يطهّر المسجد لهارون و ذرّيّته من بعده، و إنّي سألت ربّي أن يطهّر مسجدي لك و لذرّيّتك من بعدي، ثمّ لم يكن إلّا قليلا حتّى أرسل إلى أبي بكر أن سدّ بابك، فاسترجع أبو بكر، ثمّ قال:

هل فعل هذا بأحد قبلي؟ قال: لا، فقال: سمعا و طاعة، ثمّ فعل، ثمّ أرسل إلى عمر أن سدّ بابك، فاسترجع و قال: هل فعل بآخر قبلي؟ قالوا: بأبي بكر، قال: لي‏

____________

(1) هذه العبارة من المترجم.

(2) المسترشد: 653: مناقب ابن شهر آشوب 2: 182؛ البحار 3: 678.

(3) أحمد المرتضى في شرح الأزهار 4: 346.

(4) صحيح البخاري 1: 120 و 4: 191؛ تحفة الأحوذي 10: 112؛ المصنّف لابن أبي شيبة 7: 471؛ مسند أبي يعلى 2: 63؛ كنز العمّال 11: 551 رقم 39590؛ نظم المتناثر من الحديث المتواتر للكتاني: 194؛ الطبقات 2: 227؛ تاريخ مدينة دمشق 24: 8 و 40: 226؛ مقام عليّ للعسكري:

27؛ الغدير للأميني 2: 97؛ فيض القدير للمناوي 4: 470؛ المناقب للخوارزمي: 101؛ جواهر المطالب: 200؛ الأنوار العلويّة للنقدي: 89؛ عمر بن الخطّاب: 371.

313

بأبي بكر أسوة يفعل، ثمّ أرسل إلى العبّاس أن سدّ بابك فغضب غضبا شديدا ثمّ قال: ارجع إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فقل: أليس عمّ الرجل صنو أبيه؟ فقال: بلى و لكن سدّ بابك، فلمّا سمعت فاطمة سدّ الأبواب خرجت فجلست على بابها تنتظر من يرسل إليها بسدّ الأبواب، فخرج العبّاس ينتظر هل يسدّ باب عليّ (عليه السلام)، فرأى فاطمة جالسة و الحسن و الحسين (عليهما السلام) معها، فلمّا رأى العبّاس قال: خرجت و بسطت ذراعي مثل الأسد أخرجت شبليها و قال: خاض الناس في سدّ أبوابهم و ترك باب عليّ، فلمّا سمع النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بذلك صعد المنبر فقال: ما الذي خضتم فيه و ما أنا الذي سددت أبوابكم و لا فتحت باب عليّ و لكنّ اللّه سدّ أبوابكم و فتح باب عليّ (عليه السلام)(1).

فصل‏

في كتاب شرف النبي من تصانيف الأستاذ أبي سعيد عبد الملك بن أبي عثمان الواعظ عن رؤيا أبي بكر في جاهليّه في المنام أنّ القمر نزل على الأرض في مكّة و تقطّع إربا إربا على سطح الكعبة و وقعت كلّ قطعة منه في حجرات مكّة و منه قطعة وقعت في داره ثمّ عادت القطع فتجمّعت حتّى صارت قمرا و استدار كما كان فلم يقصص أبو بكر رؤياه على أحد إلى أن كان العام الذي خرج فيه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بتجارة خديجة و كان أبو بكر في ذلك الركب، فلمّا نزلوا بقرب دير الراهب بحيرا رأى الراهب الغمامة التي أظلّت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فأضافهم بحيرا و عهد بالنبيّ إلى أبي طالب (عليه السلام) و قال: خذ حذرك من اليهود على هذا الغلام.

فلمّا سمع أبو بكر ما قاله بحيرا قصّ رؤياه عليه، فقال بحيرا: إنّ هذا الغلام سوف يرسله اللّه إلى الخلق و تكون أنت الخليفة بعده، فابتهج أبو بكر بهذه البشرى و كتم‏

____________

(1) محمّد بن سليمان الكوفي، مناقب أمير المؤمنين 2: 461.

314

ذلك في قلبه، طمعا في الخلافة، فلمّا بعث رسول اللّه دعا أبا بكر إلى الإسلام، فقال له أبو بكر: ما هو الدليل الذي أصدّقك به؟ فقال: بآية الرؤيا التي رأيتها و عبّرها لك بحيرا الراهب.

و كان أبو سعيد الواعظ من النواصب و هو من كبار أهل السنّة.

الجواب: هذا ما يقوله علماء الشيعة بأنّ إسلام أبي بكر كان طمعا في الخلافة، و من أجل هذا زوّج ابنته عائشة رسول اللّه، و كان النبيّ معرضا عنها، و لكن شفع لأبي بكر جماعة من رؤساء العرب فاستحيي النبيّ منهم و رضي بها، و طالما كاد النبيّ و تآمر عليه لقتله كي ينال الخلافة من بعده.

و لكنّي أنا المؤلّف لا أقطع بهذا حتّى اطّلعت على كلام النواصب هذا فقطعت الشكّ باليقين و ثبت لديّ ما اتفق عليه علماء الشيعة من أنّ إسلام أبي بكر ما كان إلّا لنيل الملك و ليس مخلصا للّه فيه، و لا محبّا لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و كان القمر الذي رآه في النوم رسول اللّه، و ما رآه من تفرّقه في حجرات مكّة فتأويله سلطان محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) الذي ظهر في قريش، و نال به جماعة حظّا من الدنيا و جماعة حظّا من الدين، و خسر قوم الدنيا و الآخرة، و فتن أناس فيما جرى بحجرته قبل وفاته و طرده لهم إشارة و تنبيه على أنّ صاحب الفتنة ليس بعيدا عن مشركي قريش و لا فضل له عليهم، و هو مثل سائرهم، و آخر الأمر عاد إلى الصواب و هو أن كان القوم قد نالوا حظّا من الدولة و لكنّهم تعرّضوا للهلاك بجملتهم إلى أن هلكوا في ختام الأمر و بقيت ظلمات الكفر معهم‏ فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَ تَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ‏ (1) و تكون الخلافة في نهاية الأمر لأهل بيت النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) يعني ينالها المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه آخر الزمان و هو حجّة اللّه و وارث الأنبياء

____________

(1) البقرة: 17.

315

و الأوصياء، و الكتاب السماء، و يستقيم العالم بعدله، و يستضي‏ء الدهر و الأرض بنوره، و يؤمن النواصب إيمان الحقّ، و ينتزع اللّه محبّة الفاسقين من قلوبهم، و يحلّ محلّها حبّ أهل البيت.

و ينبغي أن يجري التحقيق على ما تقرّر من إيمانهم فإنّه لم يكن على الحقيقة و إنّما أساسه الطمع و حبّ الجاه و السطوة، خلا أنّهم أفلسوا من هذا و ذاك، كما قال تعالى: أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَ اسْتَمْتَعْتُمْ بِها (1)، و السلام على من اتّبع الهدى.

____________

(1) الأحقاف: 20.

316

الباب التاسع في البدع التي ابتدعها أبو بكر و رسيلاه‏ (1)

البدعة الأولى: تسميته نفسه أمير المؤمنين و حكمه على أهل الإسلام، و الحال أنّه منصوب بدون إذن اللّه و رسوله و تنصيبهما.

البدعة الثانية: أخذه البيعة لنفسه من الصحابة على أنّه وصيّ رسول اللّه و خليفته، و السبب في ذلك أنّ المنافقين أظهروا الإسلام و أبطنوا الكفر و اتفقوا معه على أن يكونوا يدا واحدة لهدم الدين و إبطال الإسلام، كما قال اللّه تعالى: قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَ لَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ‏ (2) فاتّحدت هذه الجماعة قلبا

____________

(1) أحربها أن تكون صاحباه، لأنّي لم أقف على معنى الرسيل بما يقصده المؤلّف هنا، لأنّ الرسيل في اللغة الرسول، و الرسيل- كأمير- الواسع الطفيف، و الرسيل الفحل، و الرسيل المراسل في نضال و غيره، و الرسيل الماء العذب، راجع تاج العروس، و لا أجد من هذه المعاني معنى ينطبق على عمر و عثمان.

(2) الحجرات: 14.

317

و قالبا لاتفاق المصالح و ليقوم أحدهم بالآخر، و يتعاونون و يتناصحون فيما بينهم، و سلك مسلكهم آخرون لخوفهم من التلف على مالهم و أنفسهم و لحفظ عرضهم، و أيضا لقلّة عددهم و كثرة عدوّهم، و خدع بهم آخرون و لبسوا عليهم فاغترّوا بهم فرأوا باطلهم بعين الحقّ و لم يكن كذلك، و يكون العدّ كالتالي:

هلاك الجماعة الأولى بكفرها، و أنّها كافرة بربّها و نبيّه و كتابه، و أمّا الجماعة الثانية فلم تخرج من دائرة الإيمان و ظلّت محافظة على دينها و إسلامها، و أمّا الجماعة الثالثة فإن كانت ذات جهل مركّب أي أنّها تملك الذكاء و الكياسة و بإمكانها البحث عن الدليل و تحرّي الحقّ و التمييز بين القبيح و الحسن و الحقّ و الباطل، ثمّ لم تفعل ذلك فإنّها هالكة لا محالة، و إن لم تكن بتلك القوّة و ذلك الاستعداد و لم تستطع دفع الشبهات فإنّها في حكم المجانين و السفهاء.

و قال بعضهم: إنّ أمر هؤلاء إلى اللّه إن شاء عذّبهم و إن شاء رحمهم و عفى عنهم.

و نعود إلى الفرقة الأولى فإنّها لم تنسلخ عن صورة الإسلام و لم تتجرد من الشريعة ذلك لغاية في النفس تشتمل على ترويج أمور الدنيا، و حفظ الإمارة و السلطان، و علموا أنّ هذه الخطّه خير وسيلة للأخذ بثأر الجاهليّة في بدر و حنين، كما أنّهم فعلوا ذلك بهدوء و حذر و تأنّي فجدّدوا قوانين الجاهليّة و أضمروا الدخائل السوداء بتمنّيهم عودة أهل هذا الدين إلى منشأهم الجاهلي الأوّل، و علموا أنّ الناس عبّاد المظاهر و لا أرب لهم في المخابر، و ليسوا من أهل الأسرار، و كان الأوّل يكتب في رسائله معنونا لها بأنّه خليفة رسول اللّه، و هذا افتراء على النبيّ‏ وَ قَدْ خابَ مَنِ افْتَرى‏ (1) و كان مع ذلك يبيد المسلمين بالقتل و التمثيل، و يحتجّ على ذلك بالردّة المزعومة، و ينسبها إليهم.

____________

(1) طه: 61.

318

و حمل الجباة على الناس فراحوا يلزمونهم على الأخماس و الزكوات بأقبح الوجوه من القهر و الاستيلاء بالقوّة عليها، ولّى على كلّ قبيلة و حاضره حاكما، و صنع له جيشا عرمرما، و لم يحاول أحد مسألته عن مفارقته حيث يزعم بأنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) مات و لم يستخلف، فكيف إذن تسمّى بخليفة رسول اللّه؟ و من سمّاه؟ و ما هي حجّته على ذلك؟ و إن كانت الخلافة بالنصّ و العصمة و العلم و الورع فأنت فاقد لها.

و بناءا على هذا فإنّ من سلخ من عمره ستّا و أربعين عاما في الكفر حتّى أسلم و ليس فيه خصلة واحدة من خصال الإمامة من المعجزات‏ (1) و النصّ و العصمة و الورع ثمّ هو الآن يدّعي خلافة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فلا يجوز تسميته خليفة رسول اللّه بحال من الأحوال، لأنّ النبيّ قال: من كذب عليّ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النار (2) و أوّل من كذب على رسول اللّه متعمّدا هذا الرجل، و هم يتبعونه و يروون أنّ النبيّ مضى و لم يستخلف، و هذا الحديث مشهور مستفيض عندهم.

و إنّهم يقولون بأنّ ما فعل المهاجرون و الأنصار من تنصيب أبي بكر و الاجتماع‏

____________

(1) الكرامات- المؤلّف.

(2) السرائر لابن إدريس الحلّي 2: 154؛ مستند الشيعة للمحقّق النراقي 18: 133؛ مصباح الفقاهة للخوئي 1: 116 و 388؛ الرسالة للشافعي: 396؛ مغني المحتاج للشربيني 4: 420؛ حواشي الرشواني 10: 220؛ حشاية ردّ المحتار لابن عابدين 1: 138؛ كشف القناع للبهوتي 5: 36؛ المحلّى لابن حزم 9: 111 و 336؛ سبل السلام لابن حجر 3: 223؛ نيل الأوطار 8: 85؛ نهج البلاغة 2: 187؛ من لا يحضره الفقيه 3: 569 و 4: 364؛ ذخائر العقبى: 76؛ مسند أحمد 1: 65 و 78 و 130 و 165 و 166 و 293، و كذلك أخرجه في أجزائه الخمسة الأخرى، صحيح البخاري 1: 35 و 2: 81 و 4: 145 و 7: 118؛ صحيح مسلم 1: 7 و 8 و 8: 229؛ المستدرك 1: 103 و 111 و 112 و 113 و 3: 262 و كتب كثيرة أخرجت هذا الحديث و هو متواتر على قلّة الحديث المتواتر عندهم بخلاف الشيعة فإنّ أحاديثهم المتواترة كثيرة.

319

عليه إنّما كان لحفظ الدين و حماية بيضته و تثبيت أمر الأمّة و نظام الإسلام.

الجواب: إنّ ثبات الأمّة و اجتماع الكلمة بقول اللّه و رسوله أولى، و ليس بسبب اجتماع ثلّة من المسلمين، و إذا كان هذا الاجتماع لصلاح الدين فإنّ إجماع المسلمين على قتل عثمان يجب أن يكون حقّا بناء على قول الخصوم.

و قال اللّه تعالى: وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ يَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ (1)، و لم يرد حديث مقطوع به أنّهم مأذون لهم فيما صنعوا بل الحديث وارد بنهيهم عمّا فعلوا.

و إذا ادّعوا بأنّ الأمّة رأت فيهم الكفائة دون غيرهم و أنّهم المستحقّون لتقديم هذا العمل.

الجواب: و لكن اللّه و رسوله رأيا غيرهم أولى بهذا العمل منهما، مع أنّ أبا بكر لم يكن أهلا لهذا العمل بشهادته على نفسه حين قال: أقيلوني فلست بخيركم و إنّ لي شيطانا يعتريني‏ (2).

مع أنّ أعلام الصحابة من المهاجرين و الأنصار لم يبايعوه، فمن المهاجرين: خالد ابن سعيد، و المقداد بن الأسود، و أبيّ بن كعب، و عبد اللّه بن عبّاس، و عبد اللّه بن مسعود، و عمّار بن ياسر، و أبو ذر الغفاري، و سلمان الفارسي، و بريدة الأسلمي، و محمّد بن أبي بكر (3). و من الأنصار خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين و سهل بن‏

____________

(1) القصص: 68.

(2) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) للصدوق 1: 256؛ كنز العمّال 5: 590؛ الطبقات الكبرى 2: 212؛ تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر 30: 303 و 304؛ البداية و النهاية لابن كثير 6: 334؛ الإمامة و السياسة 1: 22 و 34؛ سبل الهدى و الرشاد 12: 315؛ الاستغاثة لأبي القاسم الكوفي 2: 43؛ مجمع النورين للمرندي: 109؛ صحيفة الرضا (عليه السلام) للقيّومي (فارسي): 310.

(3) مات أبوه و عمره يومئذ سنتان فكيف يمتنع عن بيعته و هو بهذه السنّ، اللهمّ إلّا أن يقال: بأنّه لمّا علم بطلان خلافة أبيه مال عنه إلى أمير المؤمنين بعد أن بلغ مبلغ الرجال فكان كمن أبى له بالبيعة.

320

حنيف و أبو أيوب و أبو الهيثم بن التيّهان.

هؤلاء أعلام الصحابة ألمعروفون بالعلم و الزهد و الورع لمّا عرفوا باطل القوم و أنّ البيعة لهم باطلة أبوها و لم ينساقوا ورائهم و لا شايعوهم على الباطل، اللهمّ إلّا عبد اللّه بن عبّاس و محمّد بن أبي بكر فإنّهما طلبا من الإمام الذهاب إلى القوم و الردّ عليهم‏ (1) فلم يأذن لهما الإمام و حذّرهما من ذلك قائلا: إنّي أخاف عليكما هذا الجمع و حدوث الفتنة و تكأكأ الناس عليكما و قتلكما، اذهبا إليهم واحدا واحدا فإنّهم لا يستطيعون قتل الواحد إذا علموا أنّ الثاني ردء له، فكانا يفعلان ما أمرهما به أمير المؤمنين (عليه السلام) و يتلوان حكاية الغدير و وصيّة رسول اللّه و النصوص الواردة في الإمامة و يلزمون القوم الحجّة بتأكيدها و تبيينها و لكن الرجل الذي هفى قلبه إلى الحكم و جنح إلى الدنيا وراقه الزبرج منها لا يصغي إلى عتب عاتب و لا إلى لوم اللائمين.

و أطاعهم جلّ قبائل العرب إمّا جهلا بواقع الحال أو رغبه في الحطام أو خوفا من شرّهم المستطير، إلّا تلك القبيلة التي أبت أن تعطيهم زكاة أموالها و قالت: إنّ رسول اللّه لم يأذن لنا بإعطاء الزكاة أو الخمس إلى ابن أبي قحافة و إنّما أمرنا بدفعها إلى وصيّه عليّ بن أبي طالب إمام المسلمين، و أمّا أنت يابن أبي قحافة فلا تستحقّ شيئا من هذا، جئنا برخصة من اللّه و رسوله و حجّة غالبة و إلّا فلن تنال منّا شيئا، فعجز عن إجابتهم و حكم بارتدادهم.

و أرسل خالدا بن الوليد على رأس عسكر مجرّ، و لمّا اشتغل خالد بالحرب، ارتفع صوت المؤذّن للصلاة، فترك أهل تلك القبيلة الحرب و أقبلوا على الصلاة، فأنكر الصحابة شنّ الحرب عليهم، فأبى خالد أن يستمع إلى أحد و قال: لا بدّ من‏

____________

(1) قد عرفت حال محمّد، و أمّا ابن عبّاس فكان يومئذ صبيّا صغيرا رضوان اللّه عليهما.

321

قتالهم، و أمهلهم حتّى شرعوا في الصلاة و مال عليهم بالجيش فأبادهم جميعا و قتل رئيسهم مالكا ابن نويرة، و وضع رأسه أثفية للقدر، باعتبار العداء المستحكم بينهما في الجاهليّة (1).

و دخل بزوجته في الليلة التي قتل بها زوجها فشاع الخبر في الجيش و بين الناس، فأنكروه على خالد و جماعته، و أغار خالد على النساء و البنات و الأموال فغنمها و اشتغل المهاجرون و الأنصار هناك بفعل القبيح مع بنات المسلمين إلّا جماعة قليلة أنكرت هذا الفعل و اعتزلت القوم، و لمّا عادوا إلى المدينة أبعدوا الحوامل منها إلى أقصى البلاد لئلّا يطّلع الناس على بشاعة الجريمة، و باعوهنّ، و كان عمر صديقا لمالك بن نويرة (2) في قديم الزمان.

فلمّا عادوا إلى المدينة و اقتسموا الأموال و النساء و الأولاد، فأصاب عمر نصيب من ذلك فقبله و لم يتصرّف فيه، و لم يقسمه بين قريش، و لمّا نال الخلافة عمد إلى ما تبقى من هذه الغنائم فجمعها و أرسلها إلى ذويها و من لم يكن حيّا منهم دفعها إلى ورثته.

____________

(1) أقول: اقتصر المؤلّف رحمه اللّه على وجه واحد من وجوه هذه الحرب البشعة و لعلّة اختاره لأنّه أشدّ بشاعة منها، أمّا حرب ما يسمّى بالردّة فهي طويلة و فصولها كثيرة تدمي القلب و تؤذي كلّ مسلم، و انتظر كتابنا حول هذا المعنى إن شاء اللّه. أمّا العداوة التي تحدّث عنها بين خالد و مالك فلم أسمع من مؤرّخ ذكرها و سبب قتل مالك هو زوجته الحسناء، هكذا قال المؤرّخون.

(2) هذه الصداقة لم أطّلع عليها، و لعلّ المؤلّف استعظم أن يكون مثل عمر منكرا للمنكر فحاول إيجاد سبب إلى إنكاره فاستنبط لهما هذه الصداقة الموهومة و لو فكّر قليلا لعلم بأنّ عمر لم يثأر لمالك أو لزوجته و لا للحقّ و لكنّه خاف من خالد أن يتقوّى به أبو بكر فيستغني عن عمر و يهمله و عندئذ تذهب أحلام عمر أدراج الرياح من ثمّ راح يشنّع على خالد و يأمر أبا بكر بإجراء الحدّ عليه، و اللّه يعلم أنّه كاذب فيما يدّعي و لو صدق لأجراه على خالد حين وصل إلى سدّة الحكم، ألا لعن اللّه القوم الظالمين.

322

و كان عمر أبّان الحرب ينكر على خالد فعله الشنيع و شدّد النكير عليه عند أبي بكر و يلومه لوما شديدا على ما جنت يداه، و أشار على أبي بكر بالقصاص من خالد لأنّه زنى و قتل مسلما، و قال لأبي بكر: عمله هذا مخالف للّه و لرسوله لأنّ القوم المقتولين كانوا مسلمين و لقد سمعت أنا و سمعت أنت من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه قال: أمرت أقاتل الناس حتّى يقولوا: لا إله إلّا اللّه و أنّي رسول اللّه، فإذا قالوها منعوا بها دمائهم و أموالهم إلّا بحقّها و حسابها على اللّه.

و لم يملك أبو بكر ردّا لقوله إلّا أن قال: لو منعوني عقال بعير ممّا كانوا يعطونه إلى رسول اللّه لحاربتهم‏ (1).

و ندم الجيش على ما اقترف في حقّ الأبرياء و لات حين مندم، و كان عمر يتحيّن الفرص للقضاء على خالد و كان خالد كثير الحذر منه، يحيى بعيدا عن متناول يده و لم تمكن الفرصة عمر لقتله، و كانت العصبيّة لمالك و الحبّ له يغلي في باطن عمر إلى أن آلت الخلافة إلى عمر فعنّ له خالد ذات يوم و هو في أحد حوائط

____________

(1) الظاهر أنّ شيخنا المؤلّف طاب ثراه كان يكتب من الذاكرة لأنّ قول أبي بكر لعمر كان قبل أن تنشب الحرب و قول عمر لأبي بكر عن خالد بعد وقوع الكارثة، و المؤلّف خلط بينهما.

و إليك مصادر حديث: «أمرت أن أقاتل الناس ... الحديث»: الأمّ للشافعي 4: 181 و 182 و 252 و 255 و 6: 180 و 7: 86 و 319؛ كتاب الموطّأ 1: 11؛ حاشية الدسوقي 1: 131؛ المبسوط للسرخسي 10: 2 و 24: 84؛ بدايع الصنايع لأبي بكر الكاشاني 7: 100 و 105؛ الجوهر النقي 3:

92 و 366؛ المغني لابن قدامة 2: 34 و 299 و 434؛ مسند الشافعي: 208؛ مسند أحمد 1: 11 و 19 و 35 و 48، و أخرجه في باقي الأجزاء؛ صحيح البخاري 1: 11 و 2: 110 و 4: 6 و 8: 50 و 140 و 162؛ و صحيح مسلم 1: 38 و 39؛ سنن ابن ماجة 1: 27 و 28 و 2: 1295؛ سنن أبي داود 1: 347 و 594 و 2: 78؛ سنن الترمذي 4: 117 و 118 و 5: 110؛ سنن النسائي 5: 14. و أخرج الحديث كتب كثيرة لا حصر لها، و أحبّ أن لا يفوتك خبث البخاري لعنه اللّه فقد تعمّد أن يدسّ في الحديث جملة هي: «و يؤتوا الزكاة» على عادته في التصرّف بالمتون لتكون عاذرا لإمامه لعنه اللّه و لعن إمامه.

323

المدينة فناداه: أأنت قاتل مالك و الزاني بزوجته؟ فأجابه: أجل يا أمير المؤمنين، كانت بيني و بينه عداوة قديمة فقتلته تشفّيا لي و لأبي بكر، و لكنّي شفيت نفسك أيضا بقتلي سعدا بن عبادة.

و لمّا سمع عمر ذلك قصرت يده عن قتل مالك، و ربت على كتفه و قرّ و قرّبه إليه و قبّله ما بين عينيه و قال: أنت يا خالد سيف اللّه و سيف رسوله، فاشتهر خالد بين العوام بهذا اللقب و قال له: إن كنت جرحت قلبي بقتل مالك فلقد شفيت غيظي بقتل سعد.

و قال جماعة: إنّ عمر لمّا قال لأبي بكر: أجر الحدّ على خالد، لأنّه قاتل زاني، أجابه أبو بكر: خالد سيف من سيوف اللّه، فلزمه اللقب من ذلك اليوم، و على كلا الروايتين إنّ خالد نال هذا اللقب لقتله المسلمين المؤمنين.

قصّة سعد بن عبادة

كان سعد رئيس قبيلة الخزرج و كان من نقباء الأنصار، و للأنصار اثنا عشر نقيبا، و لمّا بايع الناس أبا بكر قال الأنصار: إذا جاز ترك النصّ من اللّه و رسوله على الخليفة الحقّ فليس أحد الرجلين أولى بها من الآخر، و نحن الأنصار أصحاب العدد و الشوكة و الحسب أكثر من غيرنا، و نختار سعدا بن عبادة رئيسا لنا و هو خليفة علينا. فقال سعد: لا أبيع الدين بالدنيا، و لا أكفر بعد أن أسلمت، و لا أجعل من اللّه و رسوله خصما لي، و لا أقبل هذا المنصب حتّى يحدث الفرق بيننا و بين غيرنا.

فلمّا نطق سعد بهذا قوي جانب أبي بكر و مال الناس نحوه و طلبوا من سعد البيعة له فأبى سعد ذلك أشدّ الإباء، و قال: أأبى هذا الادّعاء لنفسي فكيف أقبله‏

324

لغيري، و لا أدخل النار من أجل غيري، فلم يبايع هو و لا قومه أبا بكر، و لمّا آل الأمر إلى عمر ألحّ عليه و لكنّه أبى و لم يقدروا أن يكروهوه عليه لكثرة أتباعه، و كانوا يصانعونه لينالوا رضاه بالبيعة سرّا، إلى أن استقبل قيس بن سعد ذات يوم عمر و قال له: استمع إلى نصحي، إشفاقا عليكم، فإنّ سعدا أقسم أن لا يبايعكم و أنتم لا تقدرون على قسره عليها، كما أنّه ليس باستطاعتكم حمل قومه الخزرج على بيعتكم مادام سعد لم يبايع إلّا بقتله، و لا يقتل سعد حتّى تقتل الخزرج بأجمعها، و لا تقتل الخزرج حتّى يقتل الأوس كلّهم، و لا يقتل الأوس حتّى تستأصل بطون اليمن كلّها، و هذا خارج عن قدرتكم و لا يتّسع له حولكم.

و حدث أن خرج سعد إلى الشام في أيّام عمر لمهمّة تخصّه و كان خالد بن الوليد في الشام، فقصد سعد ذات ليلة حيّا من بني الأزد، فبلغ خالد نبأ خروجه في الليل، و كان خالد شديد الساعدين، راميا حاذقا، فأعطى بعض المرتزقة شيئا من الدنانير و استأجرهم تلك الليلة فقطعوا على سعد طريقه و رموه بسهم و أردوه قتيلا، و أشاعوا بين العامّة لدرء خطرهم عنهم بأنّ الجنّ هي التي قتلت سعدا، و أنشدوا على لسان الجنّ:

قد قتلنا سيّد الخزرج سعد بن عباده‏ * * * و رميناه بسهمين فلم نخطأ فؤاده‏

فانتقم خالد منه لأنّه لم يبايع أبا بكر و عمر (1).

و في كتاب المؤالف لمحمّد بن جرير الطبري عن ابن علقمة عن سعد بن عبادة

____________

(1) و لم تنطل الحيلة على الشعراء، فقال في ذلك أحدهم:

يقولون سعد شكّت الجنّ قبله‏ * * * ألا ربّما صحّحت دينك بالغدر

و ما ذنب سعد أنّه بال قائما * * * و لكنّ سعدا لم يبايع أبا بكر

و قد صبرت من لذّة العيش أنفس‏ * * * و ما صبرت عن لذّة النهي و الأمر

شرح ابن أبي الحديد 10: 111.

325

قال ابن علقمة: قلت لابن عبادة: قد مال الناس إلى بيعة أبي بكر. قال: فقلت: ألا تدخل فيما قد دخل فيه المسلمون؟ قال: إليك عنّي فو اللّه لقد سمعت رسول اللّه يقول: إذا أنا متّ تضلّ الأهواء و يرجع الناس على أعقابهم، فالحقّ يومئذ مع عليّ و كتاب اللّه بيده لا نبايع لأحد غيره. فقلت له: هل سمع هذا الخبر غيرك من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)؟ فقال: سمع أناس في قلوبهم أحقاد و ضغائن. قلت: بل نازعتك نفسك أن يكون هذا الأمر لك دون الناس كلّهم، فحلف أنّه لم يهمّ بها، و لم يردها، و أنّهم لو بايعوا عليّا كان أوّل من بايع سعد (1).

و كان سعد رئيس الأنصار و شيخهم قتل في أيّام عمر و تولّى الرئاسة بعده ابنه قيس بن سعد و هو من شجعان العرب و سار على منوال أبيه فلم يبايعهم، و الذين بايعوهم إنّما صدروا عن روح الطمع أو عداوة لأهل بيت النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أو خوفا من بطشهم لأنّ الوهن دخل على الصحابة بموت النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لأنّ الدين لم يدخل قلوبهم إلّا جماعة يسيرة منهم، و هم أهل الدين و البصيرة و اليقين، رسخت العقيدة فيهم و قامت بهم الشريعة، و يعزى بقاء القرآن اليوم السائر بين الناس و وجود الإسلام و سنّة الرسول إلى بركة وجود هذه الجماعة القليلة.

و على مذهبنا أيّها الشيعة إنّ الذي حفظ الشريعة و صانها من العبث و التبديل هو أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى الأئمّة الاثني عشر، و الحافظ اليوم للشرع الشرف هو قائم آل محمّد عجّل اللّه تعالى فرجه.

نكتة: و لمّا بايع الناس ابا بكر، قال له عمر: إنّ هذا الأمر لم يتمّ بعد و لن يتمّ إلّا إذا أوصيت بالخلافة لي من بعدك حتّى أتمّ هذا الأمر بتدبيري، فعاهده أبو بكر على‏

____________

(1) نهج السعادة للمحمودي 5: 205، مطبعة النعمان- النجف الأشرف، أولى 1386.

326

ذلك و أشهد على نفسه بأنّ عمر الخليفة من بعده، فقال له عمر عندئذ: لم يبق في العرب من ينازعنا الأمر إلّا عليّ و أولاده، و لهم قول أصيل، و دعواهم لها أنصار بين الناس و سبل ردعهم عن التطلّع لهذا الأمر هو انتزاع نحلة فاطمة و بلغتها و توقع بهم، لكي يقول الناس أنّها العداوة المتأصّلة بينهما من زمان سحيق، و أنّ الغرض من هذا الجدال بين القوم هو الملك لا الدين، و حينئذ يقلّ الإقبال على كلامهم و يستخفي منهم و يستخف الناس بهم.

فعمل أبو بكر بنصيحته و انتزع فدكا من فاطمة (عليها السلام) فأرسلت فاطمة (عليها السلام) إلى أبي بكر فردّ كلامها و لم تذهب بنفسها الشريفة إليه و إنّما أرسلت وكيلها كما ذكر أصحاب الكتب و المؤرّخون، إلى أن غضبت عليهم و خرجت من هذه الدنيا غاضبة عليهم، و أوصت أن لا يحضروا جنازتها.

و بناءا على هذا المقتضي فإنّ الناس ردّوا عليهم و أطلقوا الألسن بذمّهم و لومهم، و قالوا: إنّ هذا الملك حقّ الزهراء فاطمة (عليها السلام) و كانت تتصرّف فيه في حياة رسول اللّه تصرّف المالك بملكه بلا مانع أو منازع، و النبيّ ملّكه إيّاها في حياته.

فخاف أبو بكر من ألسنة الناس و من تشنيعهم عليه، فاستشار عمر، فقال له:

إنّي أرى أن ترسل إلى فاطمة رسولا و تطلب منها البيّنة، فشهد لها أمير المؤمنين و الحسنان و أمّ أيمن، فردّ أبو بكر شهادتهم، فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): يا أبا بكر، إن جاءك شاك و ادّعى على أحد من الناس أنّه غصب ضيعته بغير حقّ، فماذا تصنع؟

أكنت تطلب البيّنة من المدّعي أو المدّعى عليه؟

فقال أبو بكر: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «البيّنة على من ادّعى، و اليمين على من أنكر»، كنت أأخذ المدّعي بالبيّنة من قبيل شاهدين عدلين لا يمتان إلى المدّعي بصلة، فإذا أخلّ بها، أخذت المدّعى عليه باليمين.

فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): فأنت المدّعي لفدك و أنت الراوي و أنت الشاهد،

327

و الذين صدّقوك هم قوم يمتون إليك بالصلاة (بكسر الصاد- المترجم) و ينبغي أن يكون الراوي و البيّنة خارج أهل هذا الحقّ، و هؤلاءهم بنو هاشم الذين حرّم اللّه عليهم الصدقة، بحديث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) «نحن أهل البيت لا تحلّ لنا الصدقة»، و لمّا لم تكن معك البيّنة و أنت المدّعي كان اليمين على الزهراء (عليها السلام)، فلم تفعل شيئا من هذا، و كلّمه بنحو من هذا الكلام، ثمّ قال أمير المؤمنين (عليه السلام): لو شهد شاهدان على فاطمة بما يوجب الحدّ أكنت تقيمه عليها؟ قال: بلى أقيمه، فقال عند ذلك أمير المؤمنين: إذن تخرج من ربقة الإسلام و تكذّب كتاب اللّه. فقال أبو بكر: و كيف ذلك؟ فقال أمير المؤمنين: بآية التطهير الناصّة على عصمة فاطمة و التي نطق بها القرآن الكريم. فاستحيا أبو بكر و قام من بين أصحابه و دخل داره و لم يخرج طيلة النهار حياءا من الناس، و كان غرض الإمام من إيراد مثل هذا الكلام هو إلزامه بالحجّة القاطعة و المحجّة الناصعة، و فرض العقوبة عليه و إن علم (عليه السلام) منذ أوّل وهلة أنّه لا يجيب.

و العجب ممّا قاله المخالف في قوله تعالى: وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ (1) و مثله من الآيات لا يوجب الإرث و لم يعلم أنّ الإرث لا يجب إلّا بعد الموت، و كان سليمان و أبوه على قيد الحياة نبيّا له علوم النبوّة و مزاياها، كما قال تعالى: وَ داوُدَ وَ سُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَ كُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ‏ (2)، و كان لآدم عدد من الأولاد و ليس فيهم هبة اللّه إلّا شيث و كان الباقون أتباعا، فلو كانت النبوّة ميراثا لكان أولاد آدم جميعا أنبياء، و اليهود بأجمعهم رسلا و أنبياء، و لا ينبغي أن يكون في الزمان حقبة تسمّى «الفترة» لأنّ أولاد الأنبياء لم يفارقوا الساحة قطّ

____________

(1) النمل: 16.

(2) الأنبياء: 78.

328

و ربّ الكعبة، و كانوا يعيشون بين الناس، و هكذا لو كان للنبيّ أولاد فإنّهم يكونون جميعا أنبياء و كذلك الزهراء و أولادهم (عليهم السلام).

بدعة أخرى: أو عز إلى خالد في صلاة الصبح أنّه إذا بلغنا السلام أقتل عليّا، ثمّ ندم على ذلك و قال في نفسه: لعلّه يعجز عن قتله و ينكشف الأمر و تقع الفتنة التي لا يمكن تداركها، و كانوا قد اتّعدوا على قتله بعد السلام، فقال أبو بكر قبل أن يسلّم: لا تفعلنّ خالد ما أمرتك، و قال أتباعه: إنّه سلّم أوّلا سرّا، و هذا قدح في صلاة الجماعة أن تكون سلامين. و قال قوم منهم: لم يكن الأمر كذلك، و الحاصل أنّه لم يرد بهذه البدعة لا حديث موضوع و لا صحيح، و الإجماع حاصل بأنّه من فعل أبي بكر.

و نحن أيّها الشيعة نقول إنّها بدعة لا أصل لها في الشرع بل هي أكاذيب مفتراة على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و هو بري‏ء منها.

بدعة أخرى: كان رزق أبي بكر كلّ يوم من بيت المال ثلاثة دراهم، فإن كانت من الخمس فهي لأهل البيت لا لأبي بكر و عمر، و إن كانت من الزكاة فإنّ أصناف المستحقّين لها ظاهرة بيّنة، و ليس أبو بكر واحدا منهم.

فلو قال الخصم: إنّه من العاملين عليها فقد كذب، إذ أنّ ذلك لو ثبت له فقط بطلت خلافته. ثمّ إنّ العامل نائب للخليفة و مأمون من جهته، و اتحاد النائب و المنوب عنه في شخص محال.

و إذا كان هذا المال مال المصالحة و يقال له الجزية التي تؤخذ من الكتابي كاليهودي و النصراني و المجوسي الذين يعيشون بين المسلمين، و يشكّلون جزءا من‏

329

مجموع السكّان المتمازج فإنّ أبا بكر لا يستحقّ هذا أيضا، لأنّ اللّه سبحانه أباح الجزية لأهل مكّة لأنّ لهم علاقات تجاريّة مع المشركين، فلمّا حرّم عليهم الدخول إلى المسجد الحرام حيث قال: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا وَ إِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ‏ (1).

و رأى الشيعة أنّ اللّه وهبهم هذا المال تفضّلا منه لأنّه حرّم على عملائهم دخول المسجد الحرام إلّا أنّ أهل الخلاف يقولون: حكم هذا المال حكم مال الصدقة و مستحقّه مستحقّه، و نحن أيّها الشيعة لا نطلق عليه لفظ الصدقة ليمتاز ما يؤخذ من المسلمين عمّا يؤخذ من غيرهم، و لكن أبا بكر لم يكن من مستحقّيه، و ميراث من لا وارث له و أمثاله هو حقّ للفقراء و المساكين في العالم فكيف يحلّ للخليفة قضمه و يظلّ الفقراء يعانون من مسّ الحاجة في شرق الأرض و غربها؟!

و إذا كان هذا المال جزءا من أموال الغنام فإنّ أبا بكر لم يكن من ضمن الغزاة ليستحقّ مال الغنيمة فكيف استحقّ الأجر من غير عمل؟!

و لئن قالوا: إنّه استحقّ المال لسعيه في أمور الدين و لأنّه خليفة الزمان من ثمّ أذن له في تناوله.

فإنّنا نقول: لم يأت نصّ من القرآن و لا النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) يدلّان على أنّ للخليفة حقّا في هذا المال، بناءا على هذا يكون لأجير الإسلام لا للخليفة، و قال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): من سنّ سنّة حسنة فله أجرها و أجر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص العامل بها شيئا من ثوابه، و من سنّ سنّة سيّئة فعليه وزرها و وزر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص العامل بها شيئا.

و بناءا على هذا فكلّ من سار على منوال أبي بكر و فرض لنفسه فرضا من بيت‏

____________

(1) التوبة: 28.

330

المال من الخلفاء و غيرهم فإنّ وزرهم على أبي بكر لأنّه المبتدع الأوّل لهذه السنّة إلى يوم القيامة. و كيف يحلّ له و لغيره أكل مال المسلمين و فقراء الدنيا بغير إذنهم، و قد قال اللّه تعالى: وَ لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ‏ (1) و قال: وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ‏ (2).

و لمّا استتب للقوم الأمر عقدوا اجتماعا بينهم شمل الأطراف التي اغتصبت الحقّ، و تشاوروا فيما بينهم، و قالوا: ما كنّا نظنّ بأنّ الأمر يتمّ لنا على هذه السرعة، و ينحى عليّ منه، و اليوم لم تبق معه إلّا حجّة القرآن الذي يحمله بيده و هو عالم بتأويله فينبغي علينا أن نختطّ لنا خطّة نحجبه عن العمل بالقرآن أو الاحتجاج به، فنادى مناديهم: من كان معه شي‏ء من القرآن فليأت به و معه شاهدان على عدم تحريفه أو إضافته و تغييره.

و العجب من هؤلاء الجاهلين كأنّهم لم يسمعوا قوله تعالى: لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُ‏ (3)، و بناءا على هذا فكيف يستطيعون محو الآية: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ‏ (4).

و الأعجب من هذا كلّه اثباتهم قرآنيّة القرآن بالشاهد و اليمين، فإذا كانوا على جهل بتنزيله فكيف يمكنهم العمل بتأويله؟

و أعجب من هذا كلّه القوم الذين يتّبعونهم و يقتدون بهم و يتّخذونهم أئمّة و هم الجاهلون و ينحّون أمير المؤمنين (عليه السلام) عن منصبه و هو عالم بالتنزيل و التأويل.

____________

(1) البقرة: 188.

(2) المائدة: 44.

(3) الإسراء: 88.

(4) الحجر: 9.

331

بدعة أخرى: لقد أمّر رسول اللّه عليهم أسامة بن زيد في مرضه الذي توفّي فيه و استبقى أمير المؤمنين معه؛ لأنّك الوصيّ من بعدي و يلزمك حضوري ساعة وفاتي، و خرج أسامة بن زيد من المدينة و عسكر بالجرف للذهاب إلى موقع في الشام من أرض فلسطين، و كان النبيّ في كلّ يوم مرارا و تكرارا يحثّ على تجهيز جيش أسامة، فامتنع أبو بكر و عمر عن الذهاب معه و يقولون: إن مات محمّد ذهبت الفرصة من أيدينا و أفلسنا من الخلافة إلى أن حملوا النبيّ على أن يقول: لعن اللّه من تخلّف عن جيش أسامة.

و لمّا قبض النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و بايعه الناس أرسل إلى أسامة: إنّ الناس بايعوني، و أنا بحاجة إلى معاضدة عمر، فأذن له أن يبقى إلى جانبي، فأجابه أسامة على يد رسوله: العجب أنّه من رعاياي بأمر اللّه و رسوله و تأمّر بغير إذني، ثمّ هاهو ذا يطلب غيري، و أرسل إليه: إن كنت مؤمنا برسول اللّه فقم أنت و عمر و ائتيا إليّ بحكم رسول اللّه، و بقي هذا الجذب و الشدّ بينهما حتّى استطاع إقناع أسامة بالمكر و الحيلة و دفع الرشاوى ... (1).

و إنّهما تأخّرا عن جيش أسامة خلافا لأمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، قال اللّه تعالى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ‏ (2) و قال تعالى: وَ مَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ‏

____________

(1) أقول: يحول بيني و بين أسامة قول الإمام الصادق (عليه السلام): لا تقولوا إلّا خيرا، فأنا ملجم بهذا اللجام الذي يصعب عليّ تخطّيه مع علمي بما فعل أسامة و ما قال، و علمي أيضا بانحرافه عن أمير المؤمنين، أسأل اللّه أن يجزاه على ما نوى، و ما ذكره المؤلّف من قول أسامة للعينين لم يروه غيره و لم أقع عليه أو على ما يثبته في كتاب آخر، و أنا أقسم باللّه إنّ أسامة أقلّ من أن يقول لهما ذلك لأنّهم خدعوه بتسميته أميرا و انطلت على المسكين الحيلة.

(2) النساء: 80.

332

خالِدِينَ فِيها أَبَداً (1)، وَ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَ لَعَنَهُ وَ أَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً (2) و أمر الرسول واحد في حال حياته و موته، و يكفر من خالفه، و هذا دليل واضح على كونهما رعيّة و ليسا إمامين.

بدعة أخرى: لمّا دنى من أبي بكر أجله أراد أن يخفّف عنه ذنوبه فاستدعى عمر و عهد بالخلافة إليه و حمل الناس بالإكراه على البيعة له، و تخطّى نصيحة خيار الصحابة الذين قالوا له: تجنّب هذا الظلم لأنّك تحكّمت في المسلمين بدون حقّ فلا تجعل بعدك آخر تستخلفه، لأنّ ظرفك هذا الحرج هو ظرف توبة و استغفار، فلم يسمع نصيحة أحد منهم، قال اللّه تعالى: وَ لَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ‏ (3).

بدعة أخرى: إنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) اختار له من بقاع العالم بقعة صيّرها بيتا له خاصّا فعمدوا إليه و جعلوه مقبرة لهم لأنّهم أرادوا أن لا ينقطع إيذائهم له حيّا و ميّتا، فيؤذون النبيّ ميّتا كما آذوه حيّا. فإن كانا استحقّا الدفن بإرث ابنتيهما فإنّ لهما التسع من الثمن و الباقي غصب و ظلم، و إن استحقّا بالصدقة فإنّ المسلمين سواء فيه إلى يوم القيامة، فإن أبى مسلم واحد فلا يحلّ لهما الدفن هناك إلّا بأن يسحبا من أقدامهما و يقذفا في العراء: لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ‏ (4) فلا يحلّ لهما الدخول في حياة النبيّ إلّا بإذن فهل أذن لهما بعد موته لست أدري؟

____________

(1) الجنّ: 23.

(2) النساء: 93.

(3) الأعراف: 179.

(4) الأحزاب: 53.

333

و عندنا حديث مشهور: من غصب بقعة من الأرض جعلت يوم القيامة من الأرض السابعة السفلى إلى الأرض السابعة العليا طوقا في عنقه إلى أن يفرغ اللّه من حساب الخلق ثمّ يجعلها معه في النار (1).

إلى غير ذلك من البدع التي أحدثاها في حياتهما و حسّنها الأتباع و الأشياع و ساروا في نهجها ليتحمّلا تبعة ذلك و يكون عليهما إثمها و إثم من عمل بها. و هم قد اتفقوا على أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قال: كلّ محدثة بدعة (2)، و كلّ بدعة ضلالة و كلّ ضلالة في النار (3).

و لست أدري أين يتوجّه بالتابع و المتبوع غدا يوم القيامة احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَ أَزْواجَهُمْ وَ ما كانُوا يَعْبُدُونَ* مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلى‏ صِراطِ الْجَحِيمِ‏ (4).

بدعة أخرى: ابتدع أبو بكر في خلافته غسل الرجلين و مسح الأذنين و الرأس، و قال ذلك‏

____________

(1) سبل السلام 3: 70 و تختلف ألفاظ السياق بعض الاختلاف، و قال ابن حجر: متفق عليه؛ مسند أبي يعلى 2: 90؛ كتاب العين 5: 194؛ مسند أحمد 2: 432؛ صحيح مسلم 5: 58؛ المستدرك 4:

296؛ سنن البيهقي الكبرى 6: 98؛ مجمع الزوائد 4: 179؛ تاريخ مدينة دمشق 21: 85؛ تهذيب الكمال للمزي 10: 452؛ البداية و النهاية 1: 21؛ إعانة الطالبين للبكري الدمياطي 4: 321؛ نيل الأوطار 6: 63.

(2) المبسوط للسرخسي 1: 138؛ بدايع الصنائع لأبي بكر الكاشاني 1: 150 و 5: 127؛ فقه السنّة للسيّد سابق 1: 564.

(3) التغنّي بالقرآن للبيب سعد: 43، ط الهيئة العامّة للتأليف و النشر، 1970 م؛ أحكام الجنائز للألباني: 4، ط المكتب الإسلامي، الرابعة 1406، و ص 18 أيضا؛ مسند أحمد 1: 371 الاقتصار على الجزء الأوّل من الحديث، و 4: 126 الاقتصار على جزئين، و ص 127؛ سنن الدارمي 1:

45؛ سنن ابن ماجة 1: 18؛ سنن أبي داود 2: 393؛ المستدرك 1: 97؛ السنن الكبرى 3: 214، و كتب أخرى كثيرة يطول تعدادها.

(4) الصافّات: 22 و 23.

334

أوّل ممّا عهد فبدّل حكم القرآن و السنّة، و قال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): «لا صلاة إلّا بوضوء» (1)، و قال (صلّى اللّه عليه و آله): بين الكفر و الإيمان ترك الصلاة؛ فمن لا صلاة له فهو كافر (2)؛ و بما أنّ وضوء الشيخ مخالف لما يريده اللّه فلا بدّ من بطلان صلاته.

و هو الذي وضع بدعة المسح على الخفّين، و هو غدا يحشر مع البهائم لأنّ اللّه تعالى أمر بمسح الرجلين، و يوم يوقف الناس للعرض و يعطى ثواب الوضوء لفاعله يكون الحيوان المسكين شريكا للسنّي في ثوابه لأنّه شاركه في العبادة بما جرى على جلده من المسح للوضوء ...

و العجب من أمر هذه الطائفة التي تترك قول الخالق لقول المخلوق، و تقتدي به و هو بشر معرض للخطأ و الجهل، و قد سجد للصنم ستّا و أربعين عاما من عمره، و اليوم بعد إيمانه اشتغل بتكذيب اللّه و رسوله، و صدق اللّه حيث قال: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَ رُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ‏ (3).

بدعة أخرى: تذرّع أبو بكر و أتباعه بذريعة للتقليل من شأن الصلاة و ذلك بادّعائهم أنّ الناس تركوا الغزو و أقبلوا على الصلاة فينبغي صرفهم عن ذلك، و قالوا: الصلاة خير العمل، فإذا ارتفع صوت المؤذّن بذلك فإنّهم يعرضون عن كلّ شي‏ء إلّا عن الصلاة، فعمدوا إلى حذف هذا الفصل من الأذان و وضعوا مكانه في صلاة الفجر:

الصلاة خير من النوم، و قال النبيّ: الصلاة خير الأعمال، و هم قالوا: هي خير من‏

____________

(1) تلخيص الحبير 1: 390؛ بدايع الصنايع 1: 33؛ المحلى لابن حزم 2: 115 و 7: 356.

(2) سنن الترمذي 4: 125؛ الحدائق الناضرة للبحراني 6: 15؛ منهاج الصالحين لمحمّد سعيد الحكيم: 155؛ ثواب الأعمال للشيخ الصدوق: 231؛ وسائل الشيعة 3: 29؛ الفصول المهمّة في أصول الأئمّة 2: 65؛ بحار الأنوار 79: 217.

(3) التوبة: 31.

335

النوم، و اليقين حاصل أنّ الكذب منهم و هم أولى به، و كان غرضهم من ذلك تخريب الدين و إحياء سنن الجاهليّة.

بدعة أخرى: و قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): تبدأ الصلاة بالتكبير و تنتهي بالتسليم، فأبطلوا ذلك بالحيلة فقدّموا السلام على التشهّد، فيقولون هكذا: التحيّات و الصلاة و الطيّبات، السلام عليك أيّها النبيّ و رحمة اللّه و بركاته، السلام علينا و على عباد اللّه الصالحين، أشهد أن لا إله إلّا اللّه و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله، فإذا بطل السلام بطلت الصلاة فيكون قد صلّى بدون ذكر الشهادتين، و أجمعت الأمّة على أنّ الصلاة لا تتمّ إلّا بالتشهّد، من ثمّ تكون صلاتهم باطلة.

و كذلك زيادتهم آمين بعد الفاتحة لكي يتخلّل الصلاة كلام أجنبيّ مبطل لها، و لا بدّ من نطق الأتباع بها لأنّهم الضالّون الطالبون الهداية من اللّه بقول «آمين» لكن شيعة عليّ على الصراط المستقيم بمحبّته و تنزيه اللّه و توحيده و بالعدل و النبوّة و الإمامة بالأدلّة الناصعة و البراهين القاطعة فهم المهتدون و لا حاجة لهم بقول آمين، و قال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): نحن أهل بيت لا يضلّ من تمسّك بنا.

بدعة أخرى: التكفير أي وضع اليد على اليد الأخرى، و استدلّوا بهذه الآية: وَ قُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ‏ (1) و لم يعلموا أنّه مأخوذ من القنوت و التواضع و هو يحصل بغير فعل التكفير، و هذا فعل اليهود الذين يضعون الأيدي على الأيدي على الأيدي ساعة الصلاة.

سأل عمر رسول اللّه ذات يوم فقال: يا رسول اللّه، إنّ لليهود أشياء جيّدة منها

____________

(1) البقرة: 238.

336

وضع اليد على الأخرى، فتغيّر وجه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و خاطب عمر قائلا: ألا تعلم لو كان موسى و عيسى حيّين ما وسعهما إلّا اتّباعي‏ (1).

و لمّا آلت الدولة إلى عمر أحيا سنن اليهود و منها التكفير.

و قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): لا تبركوا في الصلاة كبرك البعير، و لا تنقروا كنقر الديك، و لا تقعوا كإقعاء الكلب، و لا تلتفتوا كالتفات القرد (2). و معنى ذلك الابتداء بوضع اليد على الأرض دون التسرّع في الركوع و السجود، و لا تقعوا كإقعاء الكلب في التشهّد و لا تميلوا على الجانب الأيسر كالقرد، و لا يكن نظركم كنظر القرد يمينا و شمالا ساعة الصلاة.

و وضعوا أمثال هذه البدع لتضيع الحقيقة على طالبها، و لا يحصل العلم بها لمن يبتغيه، و بها يحيون سنن الجاهليّة، و لم يكن باستطاعة الصحابة اعتراضهم بل منهم من مال وراقه زبرج الدنيا، و قد قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): من كتم علما من أهله، جاء يوم القيامة مغلولة يداه إلى عنقه قد ألجم بلجام من النار.

بدعة أخرى: الصلاة عند غياب القرص و الإفطار من الصوم كذلك، و اعلم بأنّ المغرب لا يحلّ إلّا إذا غابت الشمس في تلك العين الحمأة أي الحارّة و تظهر النجوم و تتلألأ في صفحة السماء و حينئذ على المكلّف أداء فرض الصلاة، ثمّ يتناول إفطاره، و من لم يفعل ذلك فقد أفسد صلاته و صومه، و السبب أولئك الذين وضعوا هذه البدعة فأفسدوا بذلك صلاة المسلمين و صيامهم، و حملوهم على ذلك قبل دخول الوقت ردّا على اللّه و رسوله و إظهارا للسنة الباطلة.

____________

(1) تفسير ابن كثير 3: 105، و لم يذكر عن عمر شيئا.

(2) بحار الأنوار 30: 361.

337

بدعة أخرى: قسّم أبو بكر الصدقات في خلافته كما كان يقسّمها رسول اللّه على الأصناف الثمانية بالسواء، فلمّا استخلف عمر فضّل بعضا على بعض، و قال: أرى من الأحسن تفضيل المهاجرين من قريش على المهاجرين من غيرهم، و أفضّل المهاجرين على الأعراب، و الأعراب على العجم، و الناس رضوا بذلك تبعا للمصلحة، و لم يكن العجم يومذاك جميعا مسلمين، فلمّا أسلموا لم يستطيعوا دفع هذا الحيف عنهم، و استقرّت الحالة على ما فعله ابن الخطّاب، فكان العرب و العجم يأكلون المال الحرام بسبب ذلك.

بدعة أخرى: قال عمر: إنّ رأيي أن أسقط الصدقات و أضع مكانها الخراج على الأرض، ثمّ أمر بمسح العراق و وضع على كلّ جريب درهما، و على كلّ قفيز جملة مقدرة من نتاجه جريا على ما كان عليه ملوك الفرس في الجاهليّة. و وضع على كلّ جريب في مصر دينارا و أردبا من الحبوب كما كان في الجاهليّة زمن فرعون، و قد منع رسول اللّه من الاستنان بسنن الجاهليّة و برئ من الفاعل، و كان عمر يظهر اتّباع السنّة و تطبيق الإسلام و الشريعة حتّى قال: منفعة العراق دراهمها و قفيزها، و منفعة المصر دينارها و أردبها.

فتبيّن من هذا أنّ عمر ردّ صدقات النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و حديثه برأيه و أحيا سنن الجاهليّة، و صار العالم كلّة يقضم الحرام قضما، و ذنب هذا كلّه في عنق عمر إلى يوم القيامة، و بطلت سنّة الزكاة في الدنيا.

بدعة عثمان: و لمّا آلت الخلافة إليه و عطفت الدنيا عليه رأى بيت المال و كانت أموال الدنيا

338

تصبّ فيها ممّا يحوشه له أعوانه و أصحابه من غصب أموال المسلمين بالقهر و الغلبة، فجمعوها عنده و خوّلوها إلى ذهب من الدنانير الوفيرة و بائوا بإثم الظلم و التعدّي، و قد قال اللّه تعالى: وَ مَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ‏ (1) و قال: كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (2).

و لمّا خطفت بصره الدنانير الكثيرة في بيت المال أطلق فيها يده و أنفقها بجملتها على بني أميّة و بني الأعمام و بني الأخوال و الأقرباء، فمكّنهم و قوّاهم بما أعطاهم، و حرم السواد الأعظم من المسلمين من القوت، فانطلقت الألسن بذمّه و ثلبه، فلم يعبأ بذلك و استظهر ببني أميّة، و اتّخذ لنفسه و أسرته حياة الجبابرة من الأكاسرة و الفراعنة، و بذخ بذخهم، فاتّخذ الرقيق من الترك و الروم و الخطا، فاشتراهم من هذه الأموال، و اشترى الخيل و البغال و زينتها، و راح يعدّ العدّة لمديدة و تعدّيه و تغلّبه على الناس.

فأرسل مماليكه إلى نواحي العراق و الحجاز ليجوسوا خلال الديار لكي يحملوا له المراعي و الجبال و الأرض الزراعيّة و يرسموها لديوانه و يوقفوها عليه و على بطانته حتّى ضاقت الأرض على ساكنها، و نادى مناديه: من أراد أن يعلف دابّته في أرض فليأت و ليشتر المرعى منّي، فأقبل الناس لشدّة احتياجهم طوعا أو كرها إلى عثمان و يبتاعون الدغل الذي أنبته اللّه للناس و جعلهم فيه شرعا منه.

و مثله فعل عمر الذي أبطل الزكاة و كان يأخذ المال حيث لم يجب و يتركه حيث وجب، لأنّه كان يأخذه بناءا على طريقة مسح الأرض، و لا تؤدّى هذه الطريقة إلّا إلى ذلك.

____________

(1) الطلاق: 1.

(2) المدّثّر: 38.

339

بدعة أخرى: استأجر عمر قوما للجهاد لأنّ الناس ضاقت بالحرب ذرعا فأخذت تهرب منها، و أقبلوا على الزراعة، و طلب المعاش ما عدا جماعة منهم آثروا الجهاد و هؤلاء أيضا يجاهدون بثمن، فحرموا من ثواب الجهاد، و كذلك استأجر قوما لتعليم حديث الإسلام و أمور الدين، و ينفق عليهم من أموال الزكاة، و هو لا يعلم أنّ الزكاة واجبة و تعليم الجاهل واجب على العلماء، فإذا أخذوا الأجر على ذلك بطل ثوابهم.

قال اللّه تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَ الْهُدى‏ مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ‏ (1).

و قال: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَ يَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ لا يُزَكِّيهِمْ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ‏ (2).

و قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): من كتم علما من أهله جاء يوم القيامة مغلولة يداه إلى عنقه قد ألجم بلجام من نار (3).

____________

(1) البقرة: 159.

(2) البقرة: 174.

(3) تحرير الأحكام للعلّامة الحلّي 1: 3 و 24؛ الرسالة السعديّة للحلّي: 6؛ السراج الوهّاج للقطيفي:

21؛ زبدة البيان للمحقّق الأردبيلي: 206؛ التحفة السنيّة (مخطوط) للسيّد عبد اللّه الجزائري: 11 و 334؛ الحداق الناضرة 1: 161؛ كشف القناع 6: 282؛ بصائر الدرجات: 30؛ مستدرك الوسائل 17: 275؛ منية المريد للشهيد الثاني: 136؛ بحار الأنوار 2: 70 و 105: 15؛ مسند أحمد 2: 449 و 508؛ سنن ابن ماجة 1: 97؛ المستدرك 1: 102؛ النووي شرح مسلم 3: 111؛ مجمع الزوائد 1: 163؛ كتاب العلم لأبي خيثمة: 33؛ المصنّف 6: 232؛ صحيح ابن حبّان 1: 297 ز 298؛ المعجم الأوسط 5: 108.

340

و عند العلماء تعليم معالم الدين و فرائض العلماء من الواجبات، و يستحقّ الذمّ بتركه، و كيف يعطى الأجر على فعل الواجب؟!

بدعة أخرى: لعن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الحكم بن العاص و نفاه من المدينة، و كذلك أبو بكر و عمر، فلمّا جاءت النوبة إلى عثمان ردّه خلافا لرسول اللّه، و خوّله ديوان الخلافة، و بالغ في إعزازه و إكرامه، قال اللّه تعالى: لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ لَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ‏ (1) ولو آمن عثمان بهذه الآية لما ردّ طريد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و لما شرّفه و لم يجعله منشئ أهل الإسلام و أمينهم.

بدعة أخرى: و لمّا استتب له الأمر نادى مناديه يطلب المصحف الذي عند الناس و من أبى ألجئه على دفعه، و طلب مصحف عبد اللّه بن مسعود فلم يعطه إيّاه فأقبل بنفسه إلى بيته و عذّبه و كسر خاصرتيه و عانى ابن مسعود من هذا الضرب حتّى مات متأثّرا بجراحه، و أخذ المصحف منه قهرا، و وضع المصاحف التي جمعها في المغاسل و أجرى عليها الماء أو أحرق جلّها حتّى مصحف ابن مسعود، ثمّ أمر مروان بن الحكم و زياد بن نمرة كاتبه أن يستنسخوا له نسخة من القرآن، و اعتمد على هذين الفاسقين و كتب بخطّه مصحفا على ما كتباه و أمر زيد بن ثابت أن يقرأه، و أمر الناس بأخذ مصاحفهم من قرائة زيد و عبد اللّه بن مسعود و أصحابه لم يقبل حكمهم، و تصرّف بالمصحف كيفما شاء، و ما بأيدي الناس اليوم إنّما هو بقيّة من مصحف ابن مسعود، و عصى اللّه بما فعل من غسله باقي المصاحف و إحراقها، فما

____________

(1) المجادلة: 22.

341

حال من أحرق كتاب اللّه‏ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ‏ (1) و منع الناس من معرفة ما في تلك المصاحف.

و كذلك فعل بعمّار حين خاطبه و هو على المنبر، فقال: لا يحقّ لك أن تفعل هذا، فنزل عن المنبر و أمر بضربه حتّى قيل: مات عمّار، و قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): عمّار مع الحقّ و الحقّ معه يدور حيثما دار، فإذا افترق الناس يمينا و شمالا فانظروا الفرقة التي فيها عمّار فاتبعوه فإنّه يدور مع الحقّ‏ (2).

و حينئذ لا يكون ضرب رجل كعمّار بصفاته التي تقدّمت إلّا الفسق و الفجور و الظلم و معصية اللّه و رسوله، و كذلك فعل بأبي ذر فقد نفاه من حرم اللّه لأنّه يقول الحقّ و ينطق بالصدق، و كان عثمان يكره ذلك، و قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): ما أقلّت الغبراء و لا أظلّت الخضراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر (3).

و كذلك أخبر اللّه تعالى رسوله بأنّه يحبّ أربعة من أصحابه: علي و سلمان و المقداد و أبو ذر، و العجب من عثمان حيث يخرج من حرم الرسول حبيب اللّه.

و كبس العيد في عرفة و خطب خطبة العيد يوم عرفة، فأفسد على الناس حجّهم و أضحياتهم و صلاتهم في العيد، و انتهج المسلمون بعد ذلك نهج عثمان و تولّى كبر هذه البدعة و بقيت عالقة به إلى يوم القيامة.

____________

(1) محمّد (صلّى اللّه عليه و آله): 9.

(2) علل الشرائع 1: 223؛ وسائل الشيعة 20: 276؛ بحار الأنوار 44: 35؛ خلاصة عبقات الأنوار 3:

61؛ الغدير 1: 331 و 8: 343 و 9: 25 و 259 و 10: 312؛ نهج السعادة 2: 239؛ كنز العمّال 13:

539 رقم 37411؛ الطبقات 3: 262؛ تاريخ مدينة دمشق 43: 476؛ موسوعة التاريخ الإسلامي لليوسفي 1: 623، و المصادر هذه خالفت سياق المؤلّف و كأنّه أدرج حديثيني في واحد.

(3) مسند أحمد بن حنبل 5: 197؛ المستدرك 3: 342 و 4: 344 و 480؛ فتح الملك العلي لأحمد بن الصدّيق المغربي: 157؛ تفسير القرطبي 1: 36؛ التاريخ الكبير للبخاري 9: 23؛ تذكرة الحفّاظ للذهبي 1: 18؛ المناقب للخوارزمي: 84.

342

و أمر عليّا (عليه السلام) أن يحجّ في الناس في العام التالي، فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): الخير أن ترسلني لأن أحجّ بحجّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و لا أحجّ بحجّك، لذلك عزب عن بعث أمير المؤمنين (عليه السلام) في الحجّ و بعث غيره.

و من جملة هذه البدع ما جرى على عمر بعد طعنه و انتشر الخبر في المدينة أنّ علجا قتل عمر فبلغت أبنائه (عبد اللّه بن عمر- المؤلّف) عبيد اللّه بن عمر و قال: لا يعدو هذا العلج الهرمزان، و صال عليه فقتله بريئا لا ذنب له في قتل عمر، و لم يرض عمر بقتله، و قال: لا يرضى عليّ منّا إلّا بالقصاص للهرمزان لأنّه مولاه، فإذا أنا عوفيت فإنّي أدفع ابني عبيد اللّه إليه ليفعل فيه ما شاء، و لكنّه مات، فأرسل عليّ إلى عثمان بالقصاص للهرمزان من عبيد اللّه، فأبى عثمان و قال: قتل عمر أمس و أقتل ابنه اليوم لتستأصل شأفه آل الخطّاب، فأجابه أمير المؤمنين: الحكم حكم القرآن و الأمر للّه و لرسوله، فلم يعبأ عثمان بذلك و أصرّ على مخالفة القرآن و ردّ أحكامه، فلجأ عبيد اللّه إلى عثمان، و لمّا قتل عثمان فرّ إلى معاوية، و حضر معه حرب صفّين إلى أن قتل هناك.

بدعة أخرى: و لمّا آلت الخلافة إلى عمر أدخل الظلم على أهل البيت، و نهب بيت المال و غيّر مجرى الصدقات و الأخماس، فضجر الناس منه و ارتفعت أصواتهم بالتظلّم منه، حتّى خاف على نفسه، فكان لا يخرج ليلا من بيته مطلقا، و عجز عن بلوغ المسجد حتّى أحدث نفقا في الأرض يفضي به إلى المسجد، فكمن له أبو لؤلؤة في ذلك النفق حتّى طعنه في بطنه و قتله.

و لمّا ظهرت المظالم من عثمان خاف على نفسه فافترى على النبيّ حديثا و هو قوله: نوّروا في الفجر فإنّه أعظم الأجر، و حرف صلاة الصبح عن موضعها من‏

343

الوقت حتّى يذهب إلى المسجد و الضوء قد انتشر، و قد ذهب الخوف عنه.

و أمّا سبب قتل عثمان فإنّه استعمل على مصر عاملا شديد الوطأة كثير الظلم و التعدّي، فتظلّم الناس منه إلى عثمان كثيرا فأعطى عثمان محمّدا بن أبي بكر كتابا و أمره أن يمشي بالصلح بين الناس و عامله، فذهب محمّد حتّى إذا دنى من مصر رأى راكبا يسرع به قلوصه و غادرهم مسرعا، فقال لمحمّد رفيقه: إنّ الراكب قادم من العراق و ذاهب إلى مصر بسرعة، فارتاب فيه محمّد و أرسل ورائه فلمّا مثل بين يديه و فتّشوه و إذا هو مولى لعثمان يحمل كتابا إلى الوالي، فأنكر أوّلا ثمّ فتّشوه و أخرجوا منه الكتاب فإذا فيه الأمر بقتل محمّد بن أبي بكر، فأخذوه و عادوا إلى المدينة، و حدّثوا الناس بحديث الغلام و الكتاب، فاستنكروا هذا الفعل و أقبلوا على عثمان و قالوا: ما تقول في هذا؟ فقال: الغلام غلامي، و الجمل جملي، و المهر مهري، و الخطّ ليس خطّي بل خطّ مروان، فقال المهاجرون و الأنصار: ادفع إلينا مروان حتّى نقتله، فقال: هيهات لن أفعل ذلك، فأجمع الأصحاب على قتل عثمان فقتلوه و فيهم أهل الحلّ و العقد.

بدعة أخرى: كانت رقيّة و زينب زوجتي عثمان ليستا ابنتي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من خديجة بل ابنتي أبي هند و هو رجل من بني تميم تزوّج هالة أخت خديجة فأولدها هندا، و ولدت منه أيضا رقيّة و زينب، ثمّ مات عنها و كانت حاملا بهند فولدته بعد موت أبيه، و كانت هالة معدمة و لها هؤلاء الأيتام الثلاثة، فعمدت خديجة فصيّرتهم إليها لإعاشتهم، و لم تكن قد تزوّجت من قبل بل كانت بكرا، فلمّا رغب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بالزواج منها فكانت هالة الواسطة بينها و بين رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حتّى رضيت خديجة بزواجها من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).

344

فلمّا تمّ عقد رسول اللّه عليها توفّيت هالة و عهدت بأيتامها إلى خديجة، فبالغت خديجة في برّهم و إيوائهم، و فعل رسول مثل فعلها و أوصى بهم خديجة و أمرها أن تلطف بهم غاية اللطف ليتمهم، كما كان يفعل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فكانوا في بيت خديجة بالمنزلة الخصّيصة و المقام الرفيع حتّى قالت قريش: هؤلاء أبناء خديجة، و نسبهم البعض إلى رسول اللّه بناءا على سنّة قريش و هي سنة جاهليّة من إلحاق اليتيم بمتبنّيه، كما كانوا يقولون للعبيد موالي جمع مولى، لأنّ المولى يطلق على الولد و الأب و السيّد و العبد و ابن العمّ و هكذا دواليك.

فزوّج رسول اللّه زينب من أبي العاص بن الربيع، و رقيّة من عتبة بن أبي لهب‏ (1)، فلمّا بعث بالنبوّة استدعت صناديد قريش عتبة بن أبي لهب و أمروه‏

____________

(1) انساق المؤلّف وراء صاحب الاستغاثة الذي ابتدع القول بنفي السيّدتين من بنوّة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و لم يسبقه أحد من أهل الإسلام من قبله و لا من بعده، و صاحب الاستغاثة لا يوثق به مطلقا لارتفاعه أوّلا، و لدعوته- بكسر الدال- أي ادّعائه النسب العلوي و هو ادّعاء مردود صرّح بذلك كبار علماء الرجال و منهم النجاشي و هو مخمس، قال ذلك في ترجمته المقدّس الأردبيلي رحمه اللّه ثمّ لعن المخمّسة بعد أن نصّ على نسبته إليهم فتناولته اللعنة معهم، و كان جعفر مرتضى العاملي قد طبع كتيّبا لتأييد هذه الفرية فرددت عليه في فصل مسهب من كتابي «فاطمة (عليها السلام)» و لا أريد هنا أن أعيد ذلك الجدال الذي يؤذي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حيث يصعب عليه أن ينفى عنه فلذات كبده و يصنع لهما أب من بني تميم.

و من الحجج التي تنفي قول هؤلاء أنّه لو صحّ ما ادّعوه لكان رسول اللّه قد زوّج زينب من أخيها العاص لأنّه ابن هالة أيضا بإجماع المؤرّخين و منهم صاحب الاستغاثة، فكيف يسوغ هذا القول لمسلم؟!

ثمّ إنّي رأيت المؤلّف يخبط خبط عشواء في التاريخ و كأنّه يكتب من الذاكرة و هي قد تخون صاحبها حيث زعم هنا أنّ هالة توسّطت لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عند خديجة حتّى رضيت به، و الإجماع حاصل من الأمّة كلّها أنّ خديجة (عليها السلام) هي التي تقدّمت للنبيّ بطلب الزواج لا العكس، إنّما-

345

بفراق رقيّة و كان لم يدخل بها بعد، و أطمعوه بمن يختاره من بنات قريش، فأطاعهم و طلّقها، و طلبوا ذلك من أبي العاص فأباه و قال: لا أفعل، لم أر من صاحبتي إلّا الخير، و دعا رسول اللّه على عتبة بقوله: اللهمّ سلّط على عتبة كلبا من كلابك و العنه، فخاف أبو لهب على ولده لمّا بلغه الدعاء، و قال: أخاف أن تلحقه اللعنة.

و كانت عادة قريش إذا أخرجت عيرها إلى الشام أن تقرع بين رجال القافلة فمن خرجت القرعة باسمه يولّى عليها و يجعل أمير الركب، فخرجت القرعة ذلك العام باسم عتبة، فقال أبو لهب: أخشى عليه الأسد لكثرتها في طريق الشام من دعاء محمّد عليه، فجاء إليه أهل القافلة و ضمنوا له عتبة، فامتنع أبو لهب من قبول ذلك حتّى قالوا له: لا نفارقه في نوم و لا يقظة بل نجعله بيننا حللنا أو ارتحلنا، فإذا نمنا وضعناه بيننا و أحطناه بالرحال و الحمال، و نقوم على حراسته واحدا إثر الآخر، فرضي أبو لهب بهذا الشرط، فلمّا بلغوا أحد المواضع جاء أسد و تخطّى الجمال، و حمل على عتبة فلو عنقه و كسرها ثمّ أكله، فلمّا بلغت أنباء الواقعة أبا لهب تألّم ألما شديدا و بالغ في إدخال الأذى على النبي (صلّى اللّه عليه و آله).

و أمّا زوج أبي العاص زينب، فقد أسر زوجها أبو العاص في بدر و كان المكّيّون يرسلونا إلى أسراهم ألف درهم لكلّ أسير من الذهب و غيره من المتاع، و افتدوا أسراهم و كانت زينب قد أسلمت و أخفت إسلامها، فأخذت تجيل الفكر في مكّة و خافت أن ترسل في فدائه فتتّهم بالردّة عن الإسلام‏ (1) أو لا ترسل الفداء فتتّهمها

____________

- الأمويّون كانوا يشيعون بين الناس أنّ النبيّ لم ترض قريش بمصاهرته ليتمه و قلّة ذات يده، و هناك أمور أخرى يبطنونها لعنهم اللّه فجاء المؤلّف بحسن نيّته أو بجهله فاتّبع هذا القول المنافي للواقع.

(1) لم تكن عبارة المصنّف هكذا بل العبارة كما يلي: فتراجعت عن إرسال الفداء خشية أن يقول محمّد (هكذا باسمه (صلّى اللّه عليه و آله)) ارتدّت عن ديني، و هي عبارة قاسية وحشيّة و غير مؤدّبة.

346

قريش بالإسلام، و أخيرا قالت: يسهل القدر مع محمّد (هكذا يصرّح باسم النبيّ و لم ينعته بالرسالة و لا وصفه بأنّه أبوها لما صدر عنه من تكذيب ذلك اتّباعا لصاحب الاستغاثة، و هذا لعمري جفاء غير مقبول من مؤمن مثله- المترجم) فأرسلت بقلادتها التي أدخلتها بها خديجة (عليها السلام) على زوجها، فعرف النبيّ العقد و قال لأبي العاص: هذا عقد خديجة أعطتك زينب إيّاه فقد أطلقتك إكراما لزينب، و أعطيتك العقد لتردّه عليها و لكن عاهدني أن تردّ زينب عليّ مع أمامة ابنتها إذا عدت إلى مكّة، فعاهده أبو العاص على ذلك‏ (1).

و عجب الناس من وفاء أبي العاص، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): علمت بأنّه سيفي لي، و هو الذي كان يأتينا بالطعام سرّا و نحن في الشعب.

و عاد أبو العاص إلى مكّة و لمّا عاد عير قريش إلى مكّة وقعت القرعة على أبي العاص، فسار في القافلة، و لكنّه قابل قوما من أهل الإسلام فأسروه في طائفة من رفاقه و ساقوهم أسرى إلى المدينة فاحتال حتّى أبلغ زينب عن أسره و طلب منها أن تشفع له عند أبيها، فحارت في أمرها، فلم تجد وسيلة إلى الشفاعة إلّا بأن‏

____________

(1) بين ما نقله المؤلّف عن فداء أبي العاص و ما نقله المؤرّخون بون شاسع جدّا، و إنّي هنا أنقل الحكاية و أترك للقاري الحكم عليه .. إنّ أبا العاص بن الربيع كان ممّن شهدا بدرا مع المشركين، فأسره عبد اللّه بن جبير بن النعمان الأنصاري، فلمّا بعث أهل مكّة في فداء أساراهم قدم في فداء أبي العاص أخو عمرو بن الربيع و بعثت معه زينب بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)- و هي يومئذ بمكّة- بقلادة لها كانت لخديجة بنت خويلد من جزع ظفار- و ظفار جبل باليمن- و كانت خديجة بنت خويلد أدخلتها بتلك القلادة على أبي العاص ابن الربيع حين بنى بها، فبعثت بها في فداء زوجها أبي العاص، فلمّا رأى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) القلادة عرفها و رقّ لها و ذكر خديجة و ترحّم عليها، و قال:

إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها و تردّوا إليها متاعها فعلتم، قالوا: نعم يا رسول اللّه، فأطلقوا أبا العاص بن الربيع و ردّوا على زينب قلادتها، و أخذ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) على أبي العاص أن يخلّي سبيلها إليه فوعده ذلك ففعل ... الطبقات الكبرى 8: 32؛ نصب الراية للزيلعي 4: 261؛ الاستغاثة 1: 66.

347

أخرجت رأسها من النافذة المطلّة على المسجد بعد فراغ النبي من صلاة الصبح و استقبلته بوجهها و قالت: يا رسول اللّه، و يا معاشر المهاجرين و الأنصار، إنّي زينب ابنة رسول اللّه، قد أجرت أبا العاص و رفاقه، فأجاز النبيّ أمانها، و قال: لا أجيز بعد اليوم جوار النساء.

فلمّا أقبل أبو العاص على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فقال له النبيّ: يا أبا العاص، أما آن الأوان أن تقرّ بوحدانيّة اللّه و بنبوّتي، فأسلم أبو العاص و ردّ النبيّ عليه زينب بالعقد الأوّل، و لم يكن في الإسلام، و مات ولد زينب قبل البلوغ، و أدركت ابنتها أمامة البلوغ‏ (1).

و قال أبو العاص: يا محمّد، إنّ قريشا إذا علمت بإسلامي قالت إنّما أسلمت طمعا في مالهم عندي، أفتأذن لي بالرجوع إلى مكّة فأردّ عليهم و دائعهم و بضائعهم التي معي و أنصرف إليك؟ فأذن له في ذلك، فمضى أبو العاص إلى مكّة فردّ عليهم ما كان معه، ثمّ قال: هل بقي لأحد منكم عندي شي‏ء؟ قالوا: لا، قال: إنّي أشهد أن لا إله إلّا اللّه و أنّ محمّدا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و رجع إلى المدينة و بقي فيها زمنا ثمّ مات، و أعطى النبيّ رقيّة إلى عثمان، فلمّا توفّيت زوّجه من زينب‏ (2)، و كانت المرأتان تميميّتين و عثمان تميميّ أيضا (3).

و كان هند بن هالة مع أختيه، فلمّا بلغ مبلغ الرجال نشأ صالحا متديّنا و استشهد في كربلاء مع الحسين بن عليّ (عليهما السلام).

____________

(1) زعم صاحب الاستغاثة بأنّ لزينب ولدا و اسمه الربيع، و ابنتا و اسمها أمامة من أبي العاص.

الاستغاثة 1: 66.

(2) و هذا قول شاذّ لم يقل به أحد من المؤرّخين بل زوّجه النبيّ أختها أمّ كلثوم و لكن المؤلّف اتّبع أبا القاسم الكوفي الذي لا يقرّ بوجودها أصلا، راجع الاستغاثة 1: 66.

(3) عثمان أمويّ و لست أدري ما يقصد بتميميّته.

348

و من المعلوم المحقّق أنّ أبا العاص كان مشركا فكيف يزوّج النبيّ ابنته إلى مشرك بدون عقد أو بعقد الشرك و النبيّ لم يشرك باللّه طرفة عين و لم يعبد صنما، و المسألة إجماعيّة، لأنّ من كان مشركا ثمّ أسلم لا يبعد في حقّه أن يعود إلى الشرك مرّة أخرى، فيرتدّ عن الإسلام كما قال اللّه تعالى: ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً (1)، و العصمة تحمي من الشرك و الارتداد، و من هذه الجهة نحن نثبت العصمة للنبيّ و الإمام.

و قال تعالى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ‏ (2)، و قال حكاية عن إبراهيم: إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ‏ (3)، و من هنا ثبت القول القائل بأنّ الإمام لا يمكن أن يكون مشركا.

فرحة لم يتعبّد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بأيّة شريعة من شرايع الأنبياء، لأنّ دين اللّه و شريعته واحدة لا تبديل لكلماته، و لن يكون هذا التبديل لا سيّما و إنّ الأنبياء جميعا من آدم إلى عيسى كانوا يدعون أممهم إلى التديّن بدين محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)، و أمّا قوله تعالى: إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ‏ (4) على ملّة إبراهيم، فإنّه من باب إظهار مزيد العناية بإبراهيم (عليه السلام) و تخصيصه بالفضل على من عداه و تمييزه و تفضيله، نظير قوله تعالى: مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَ مَلائِكَتِهِ وَ رُسُلِهِ وَ جِبْرِيلَ وَ مِيكالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ‏ (5)،

____________

(1) النساء: 137.

(2) لقمان: 13.

(3) البقرة: 124.

(4) الأنعام: 79.

(5) البقرة: 98.

349

و قال: لَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى‏ بَعْضٍ وَ آتَيْنا داوُدَ زَبُوراً (1).

و غرض النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) حيث يقول: على ملّة إبراهيم، من أنّه من سلالته، و إنّي على الدين و الملّة التي كان جدّي عليها ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ‏ (2)، و كما كان على ملّة إبراهيم فهو على ملّة عيسى أيضا، لأنّ دين الأنبياء و ملّتهم واحدة، لكن إبراهيم خاصّة له منزلة عند جميع الطوائف و محبّة متمكّنة من القلوب، من هذه الجهة ميّزه اللّه عن الأنبياء و أفرده بالذكر.

ثمّ إنّ النبيّ و الإمام لا يجوز لهما الاختلاط بالمشرك أو تزويجه إلّا في حالة الاضطرار، فإنّ ذلك ربّما جاز.

و يقول محمّد بن عبد الرحمان بن محمّد الاصفهاني في كتابه: «التواريخ»: كانت خديجة (عليها السلام) عذراء حين تزوّجها النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) فكيف يكون لها أولاد و هي لم يمسّها بشر، و لم يحدث ذلك لبنات حوّاء إلّا لمريم (عليها السلام)، فقد ولدت ولدا بإذن اللّه من دون أب.

و يقول أيضا (3): و لمّا وقع بيني و بين من نسب إلى هند من ولده مجادلات و مناظرات، فيما ينسبون إليه من خديجة و ما يجهلون من جدّتهم هالة» (4) فإنّهم‏

____________

(1) الإسراء: 55.

(2) الأحقاف: 9.

(3) نسب المؤلّف هذا القول إلى محمّد بن عبد الرحمان الاصفهاني بينما هو لأبي القاسم الكوفي صاحب الاستغاثة، و نحن نقلنا عبارته.

(4) راجع الاستغاثة 1: 70 و ليس فيه الكلام الذي أعقب قوله هذا عند المؤلّف، و المؤلّف يضرب على وتر حسّاس من إنكار بنات رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الثلاث فيحاول جهد الطاقة أن يرد نسبهنّ إلى النبيّ بما يستطيعه من اللفّ و الدوران، الاصفهاني هذا لم أعرفه و لم أعرف كتابه التواريخ، و لم أعرف السبب الذي جعل شيخنا المؤلّف ينسب هذا القول إليه و هو لأبي القاسم الكوفي، بل-

350

قالوا: إنّ الحسن و الحسين أولاد أختنا، و إنّ هندا بن أبي هند المقتول بكربلاء خال الحسين بن عليّ (عليهما السلام) من قبل الأمّ، فأخرجت لهم ديوان الأنساب و فيه: إنّ خديجة لم تكن قد تزوّجت قبل رسول اللّه فكانت عذراء حين بنى عليها.

و لكن العجب ممّن رضي بما يقال عن خديجة من أنّها أعرضت عمّن تقدّم لخطبتها من أشراف قريش و العرب فكيف ترضى برجل لئيم من بني تميم‏ (1).

بيان في أنّ عثمان و بني أميّة لم يكونوا من قريش و أنّ أميّة غلام روميّ‏

ذكر محمّد بن عبد الرحمان بن محمّد الاصفهاني في كتاب «البديع»، قال: كان أميّة غلاما روميّا لعبد شمس شقيق هاشم (عليه السلام) بن عبد مناف، فتبنّاه عبد شمس و عاش تحت رعايته، و كان أصله من الروم، كما جاء في القرآن الكريم و نصّ على ذلك:

الم* غُلِبَتِ الرُّومُ* فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَ هُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ* فِي بِضْعِ سِنِينَ‏ (2) أي أنّهم سوف يغلبون على سرير الملك و الخلافة ثمّ يطوح بهم الدهر و يلفظهم الزمان إلى الذلّ و النسيان، و يقهرهم و يغلبهم، و المقصود من الروم هم بنو مروان.

و كان هذا القانون سائدا في جزيرة العرب فقد جرى على زيد ما جرى على أميّة حين تبنّاه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و كذلك الزبير بن العوام، مملوك أسد بن خويلد.

____________

- لم يجر ذكر للكوفي هنا و هو أوّل من أطلق هذا الفرية، و لم تكن عند أحد من المؤلّفين و المؤرّخين غيره.

(1) أقول: فرغت من الردّ على أصحاب هذا القول أعني المنكرين لبنوّة السيّدات الثلاث زينب و رقيّة و أمّ كلثوم في كتابي «فاطمة الزهراء دراسة و محاضرات» ببحث مسهب فارجع إليه إن شئت.

(2) الروم: 1- 4.

351

و قصّة زيد كما يلي: فقد اشتراه رسول اللّه على غرار ما كان يفعله العرب من سوق عكاظ من مال خديجة (1) و هو حارثة الكلبي و هو من قبيلة كلب، و كان رجلا كبيرا في المقام، و لمّا اشتراه النبيّ بعث بالنبوّة فأسلم زيد فأعتقه النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بعد أن استوهبه من خديجة (عليها السلام).

و لمّا بلغت أنباء زيد أباه أقبل مع جماعة من رجاله إلى مكّة و نزل على أبي طالب (عليه السلام) و تشفّع به عند النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) على ردّ ولده أو بيعه عليه و أخذ ثمنه، فقام أبو طالب و معه حارثة الكلبي و جماعة من أعلام قومه، الذين صحبوه إلى مكّة، و أقبلوا على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، فتحدّث أبو طالب بحديث حارثة و زيد ابنه و عرضه على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، فقال النبي (صلّى اللّه عليه و آله): إنّي حرّرت زيدا و الأمر إليه إن اختارني أو اختار أباه، فقال زيد: إنّي اخترت صحبة الرسول و خدمته و لا أفارقه ما دمت حيّا، فآلم قوله حارثة أباه، فقال: معاشر قريش، إنّي تألّمت من زيد فاشهدوا بأنّي قد خلعته فلا هو ابني و لا أنا أبوه، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): معاشر قريش، اعلموا بأنّي قد تبنّيت زيدا فهو ابني، و عرف بعد ذلك اليوم بزيد بن محمّد، إلى أن طلّق زوجه و تزوّجها النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) ليعلم الناس بأنّ زيدا ما هو بابنه على الحقيقة، و جاء في القرآن نفيه من بنوّة النبيّ، قال تعالى: فَلَمَّا قَضى‏ زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ‏ (2)، و قال تعالى: ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَ لكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَ خاتَمَ النَّبِيِّينَ‏ (3) و لمّا لم يكن سبق زيد إلى الإسلام موجبا لتعلّق حقّة بالخلافة

____________

(1) هذا كلام من لا يدري، فإنّ زيدا اشتراه حكيم بن حزام لعمّته خديجة بأربعمائة درهم. الإصابة 1: 563.

(2) الأحزاب: 37.

(3) الأحزاب: 40.

352

كذلك القول في سبق غيره إلى الإسلام ما عدا أمير المؤمنين و الحسن و الحسين و أولادهما.

بيّنة و أمّا زواج عمر من أمّ كلثوم بنت أمير المؤمنين فقد كان زواجا بالقهر، و لمّا كان باستطاعتهم أخذ الخلافة منه و هي عطيّة مالك الملك سبحانه فلا عجب من قهره على الزواج بابنته و إن كان كارها لذلك، و شأن أمير المؤمنين شأن لوط النبيّ صلّى اللّه عليه حيث قال: هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ‏ (1) و قال الصادق (عليه السلام):

ذلك أوّل فرج غصبناه‏ (2) [غصبنا عليه- المؤلّف‏].

و قيل عن هذه الحكاية كما يلي: إنّ عمر أرسل العبّاس إلى أمير المؤمنين يخطب عليه ابنته أمّ كلثوم فأبى الإمام ذلك، فقال عمر: إنّ عليّا يأنف منّي، أقسم باللّه لأقتلنّه، فأخبر العبّاس أمير المؤمنين عن نيّة عمر، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): إنّ قتلي في جانب و الخطبة في جانب آخر، و إنّي لا أزوّجه ابنتي. فقال عمر للعبّاس: تعال للمسجد يوم الجمعة لتسمع ما يجب أن تسمعه، فقال يوم الجمعة في آخر الخطبة:

____________

(1) هود: 78.

(2) المسائل السرويّة للشيخ المفيد: 87؛ جواهر الكلام 37: 9؛ الكافي 5: 346؛ وسائل الشيعة 20:

561؛ بحار الأنوار 42: 106 اللمعة البيضاء: 281 و مهما نفى النافون أو أثبت المثبتون من هذا الزواج فإنّه لا يرفع من قدر عمر إلّا بما يرتفع به قدر فرعون من زواجه بابنة مزاحم و لا ينخفض قدر سيّدتنا أمّ كلثوم إلّا بقدر ما ينخفض قدر نظيرتها من زواجها بفرعون، و ليس هذا غريبا على الأولياء من زواج الخبيثين بالطيّبات أو الطيّبات بالخبيثين، و الحمد للّه الذي لم يجعل لعمر ما يزكّيه إلّا هذه الأمور قليلة الشأن التي لا يكترث بها عاقل من زواج بسيّدة من البيت النبوي أو تسمية ولد من أولادهم باسمه، و لو صحّ هذا و ذاك فإنّ القطرة العذبة تلقى في الملح الأجاج لا تصيّره عذبا.