تعريب كامل البهائي - ج1

- عماد الدين الطبري‏ المزيد...
570 /
353

يا أيّها الناس، هاهنا رجل من أصحاب رسول اللّه قد زنا و هو محصن و قد اطّلع أميركم وحده فما أنتم قائلون؟ فقال الناس من كلّ جانب: إذا كان أمير المؤمنين اطّلع عليه فما حاجته أن يطّلع عليه غيره [أمير المؤمنين لا يحتاج إلى شاهد و القول قوله، و إذا أمرنا قتلنا ذلك الزاني‏].

فلمّا انصرف عمر قال للعبّاس: امض إليه فأعلمه ما قد سمعت، فو اللّه لئن لم يفعل لأفعلنّ، فصار العبّاس إلى عليّ (عليه السلام) فعرّفه ذلك، فقال عليّ صلوات اللّه عليه:

أنا أعلم أنّ ذلك ممّا يهون عليه و ما كنت بالذي أفعل ما تلتمسه أبدا، [فقال العبّاس: يقتلك و اللّه ليس في الأمر مزاح و هو مجرم و وقح، و خشن الطبع‏] إن لم تفعل أنت فأنا أهله، و أقسمنت عليك أن خالفت قولي و فعلي [لتمحى السخيمة من صدره و لا يتضرر الإسلام من هذا الوضع، فاحتمل أنّ هذه البنت قد ماتت فامتنع أمير المؤمنين أشدّ الامتناع‏].

فمضى العبّاس إلى عمر و أعلمه أن يفعل ما يريد من ذلك [فمضى العبّاس إلى عمر و قال: هل تريد شيئا غير الخطبة، إنّ عليّا لا يفعل ذلك و لكنّي أفعله ...]

فجمع عمر الناس، فقال: إنّ هذا العبّاس عمّ عليّ و قد جعل إليه أمر ابنته أمّ كلثوم و قد أمره أن يزوّجني منها، فزوّجه العبّاس و بعث بعد مدّة يسيرة فحوّلها إليه‏ (1)، و سكت أمير المؤمنين بوصيّة من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و هذا العقد بعينه مشابه لعقد فرعون على آسية بنت مزاحم.

مسألة قال المخالفون: إنّ رسول اللّه أمر أبا بكر بإقامة صلاة العصر و صلّى خلفه‏

____________

(1) مستدرك الوسائل 14: 443 و ما بين الحاصرتين من إضافات المؤلّف؛ الصراط المستقيم 3: 130.

354

أصحاب النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و هذا نصّ على إمامته، لأنّ ما يجب في إمامة الصلاة يجب في الإمامة العامّة.

و يقولون أيضا: لمّا سمع النبيّ صوت أبي بكر يكبّر للصلاة خرج يتهادى بين عليّ (عليه السلام) و بين الفضل بن العبّاس و قد وضع يديه على منكبيهما و رجلاه يخطّان في الأرض حتّى بلغ المسجد فاستقبل القبلة فصلّى بالناس و صلّى أبو بكر بصلاته، و صلّى الناس بصلاة أبي بكر.

فإذا كانت صلاته بإذن رسول اللّه و رأيه فإنّ عزله بأمر اللّه و وحيه: وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى‏* إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى‏ (1)، و مثله ما فعل في سورة برائة فقد أثبت للأمّة فإنّ اللّه أمر رسوله بعزله عن أدائها ليعلم الناس أنّه غير أهل لأداء الشريعة كما هو غير أهل لإمامة الصلاة.

و لمّا فتح رسول اللّه مكّة، و بان له النصر الأكيد، فأراد الصلاة في العصرين في المسجد الحرام فاستناب عتاب بن أسيد في إمامة الصلاة فأمره أن يقيمها و يصلّيها بالنيابة عنه، فإذا كانت إمامة الصلاة موجبة لاستحقاق الخلافة فإنّ عتاب بن أسيد أولى بها من أبي بكر، حيث يقيمها في المسجد الحرام و النبيّ صحيح معافى، و في صلاة أبي بكر كانت الصورة قائمة فالنبيّ في أشدّ حالات المرض، فإذا ائتمّ بأبي بكر في صلاته فيعتبر حينئذ معزولا من نبوّته لأنّه آخر عمل أقامه ثمّ توفّي من بعده، و قال تعالى: لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِ‏ (2) و قال: لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ‏ (3) و أمثالها الدالّة على حرمة التقدّم على رسول اللّه بكلّ وجه من‏

____________

(1) النجم: 3 و 4.

(2) الحجرات: 2.

(3) الحجرات: 1.

355

الوجوه، و حينئذ يعتبر أبو بكر عاصيا لرسول اللّه بهذا الفعل.

و في مذهب أهل البيت (عليهم السلام) إنّ النبيّ لم يأمر أبا بكر بالصلاة و إنّما صدر الأمر من عائشة إلى بلال بالأذان لكي يصلّي أبوها بالناس، و لمّا رفع أبو بكر صوته بالأذان و بلغت مسامع النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) فقال: من الذي قدّم هذا؟ فقالت عائشة: بلال يا رسول اللّه. فقال: أسندوني، أمّا إنّكنّ لصويحبات يوسف.

و كنّ في عهد يوسف كاذبات و حريصات على الحبّ و الغزل و الدلال و الفتنة، و حريصات على تحصيل الأماني و الشهوات و اللذّات الدنيويّة.

و قام النبيّ عجلا بعد سماعه صوت أبي بكر مكبّرا واضعا يده على منكب ميمونة و يده الأعرى على منكب عليّ (عليه السلام) ينحو المسجد، و لمّا خرج من البيت وافاه الفضل بن العبّاس فصرف ميمونة و وضع يده على منكب الفضل و عادت ميمونة من حيث أتت، و أبعد ابا بكر من المحراب و استأنف الصلاة (1).

مسألة: قال المخالفون إنّهما وزيرا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).

الجواب: إن كانت وزارتهما مشاركة للنبوّة فهو الكفر المحض، أم أنّ وزارتهما معناها النيابة عن النبيّ في إدارة الأمور و كفاية الحروب، فإنّ أبا بكر حمل الراية مرّة واحدة في خيبر فرجع منهزما، و مثله فعل عمر عاد بالهزيمة الفاضحة إلى أن أخذ الراية أمير المؤمنين (عليه السلام) و تمّ فتح خيبر على يديه، و في كلّ آية يذكر اللّه فيها الحرب و الفرار من الزحف و النفاق فإنّهما المعنيّان بها، و كانا أكثر الناس فرارا من الزحف‏

____________

(1) كان المؤلّف قد عقد هذا الفصل لنفي الأمويّين من قريش و لكنّه لم يأت بحجّة واحدة تنفيهم و إنّما أخذ يتنقّل في الأحاديث من فصل إلى آخر دونما مناسبة.

356

ليدخلا الوهن على الإسلام، و إذا ذكر النفاق في موضع فهما الشريك الأكبر فيه.

و يقول اللّه تعالى مخاطبا لنبيّه: فَاعْفُ عَنْهُمْ وَ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَ شاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ‏ (1) و تاب بعض المنافقين من نفاقهم أمّا هم فقد ماتوا على النفاق، إنّ اللّه أمره بمشورتهم لئلّا يقولوا بأنّ محمّدا لا يشركنا في قضاياه كسائر أصحابه، و عندئذ يكيدون للإسلام ما شاء لهم خبثهم، و يغدرون بالنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) في ساعة الشدّة، و إلّا فالنبيّ غنيّ بالوحي عن المشورة، و لقد أعطاه اللّه من المكارم ما لا يحتاج معها إلى استشارة أحد من الناس، قال اللّه تعالى: وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ‏ (2).

مسألة: ما يقال من أنّ أبا بكر أنفق أربعين ألف درهم على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).

الجواب: مرّ شرح هذه المسألة بإسهاب مضافا إلى أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حلّ بعد الهجرة ضيفا على الأنصار و كان أبو بكر فقيرا معدما يحتاج إلى برّ الأنصار و هو طفيليّ بركاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و بعد الهجرة، يسّر اللّه لرسوله فتح البلاد و أغناه بالغنائم المحرّرة، هذا ما يخصّ حال النبّي بعد الهجرة، و أمّا قبل الهجرة فقد أغناه اللّه بمال خديجة عن مال أبي بكر، على أنّ الصدقة على رسول اللّه حرام، و اكترى أبو بكر جملا فهاجر عليه فأين كانت ثروته و هو لا يملك حتّى راحلة يهاجر عليها؟!

و الدليل على أنّه لا يملك أربعين ألف درهم لينفقها على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أنّ بعض الناس كانوا يختلون بالنبيّ و يساررونه أو يسألونه عن بعض المسائل فاقتدى بهم‏

____________

(1) آل عمران: 159.

(2) آل عمران: 159.

357

البقيّة و مالوا إلى حبّ الخلوة مع النبيّ حتّى أضجروه، فأنزل اللّه هذه الآية عليه:

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً (1)، فلمّا نزلت الآيه باع أمير المؤمنين (عليه السلام) دينارا عندهم بدرهم، و قيل استدان عشرة دراهم، و سأل عشرة أسئلة و لم يعمل بهذه الآية غيره حتّى نسخ حكمها بآية: أَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ تابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ‏ (2)، فلو كان لأبي بكر مال لأنفق بعضه و حظى بمناجاة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، و لو كان بحوزته أربعون ألف درهم ثمّ لم يتصدّق فإنّه أبخل الناس.

و لو صحّ حديث: اقتدوا باللذين من بعدي أبو بكر و عمر (3) لم يحتج إلى البيعة و لم يجادله الأنصار على الخلافة، و لا حتجّ بهذا الحديث لا بحديث «الأئمّة من قريش».

و قالوا: إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: أبو بكر أفضلكم، و أعلمكم، و لم يقولوا إنّ أبا بكر جهل معنى الكلالة و مثله عمر، و كلاهما لم يعرف معنى لفظ «الأبّ» كما قال الثعلبي، و طالما قال عمر: لو لا علي لهلك عمر، لو لا معاذ لهلك عمر (4).

____________

(1) المجادلة: 12.

(2) المجادلة: 13.

(3) هذا الحديث الموضوع تكذيبه سهل جدّا لأنّ الرجلين لم يتفقا عمرهما كلّه بل كانا في خلاف دائم كخلافهما في حروب ما يسمّى بالردّة، و خلافهما حول خالد و فعلته النكراء مع مالك و زوجته، فبمن نقتدي إذن؟! و الاقتداء بأحدهما مخالفة للآخر و ردّ لحديث النبيّ- إن صحّ- و هو موجب للكفر، و حينئذ كيف يصحّ حديث يوجب الكفر على المسلم!!

(4) سنن البيهقي 7: 443؛ تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة: 152؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1: 18 و 141 و 12: 179؛ كنز العمّال 13: 584 رقم 37499؛ تفسير القرطبي 9: 288؛ تاريخ مدينة دمشق 58: 422؛ سير أعلام النبلاء 1: 452؛ الإصابة 6: 108؛ ينابيع المودّة 1: 216-

358

و ما يقال: من أنّ النبيّ قال: مكتوب على ساق العرش: أبو بكر و عمر، يردّه حديث صحيح عن النبيّ أنّه قال: مكتوب على ساق العرش: «لا إله إلّا اللّه محمّد رسول اللّه عليّ وليّ اللّه»، و كيف يصحّ كتابة اسم من عبد الصنم خمسين أو أربعين عاما و بعد ذلك التحف الإسلام، إلّا أنّ ذلك يصحّ في عليّ (عليه السلام) لأنّه معصوم و مطهّر من الصغائر و الكبائر من يوم ولادته إلى أن نال درجة الشهادة، فلا مانع من كتابة اسمه في ساق العرش، و كلّ حديث قاله النبيّ في عليّ نسبوه إلى أنفسهم‏ (1).

و قالوا: إنّ الشيطان يفرّ من ظلّ عمر، و لم يذكروا قول عمر عن نفسه في حرب أحد: كنت كالماعز الجبلبة أفرّ من جبل إلى جبل: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا (2). و لو صحّ ما قالوا لما فرّ و لما استزلّه الشيطان.

و قالوا: إنّ النبيّ دعى اللّه سائلا: اللهمّ أعزّ هذا الدين بأبي جهل أو بعمر، فاستجاب اللّه لنبيّه في عمر فنصر به الرسول و قوي دينه به و عزّ.

[الجواب‏] قال اللّه في مواضع من كتابه أنّه هو الذي أعزّ الدين و نصره و هو الذي نصر رسله حيث قال: لَنَنْصُرُ رُسُلَنا (3) و قال: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ‏

____________

- و 227؛ عمر بن الخطّاب للبكري: 151 و 189 و 369 و 371؛ و في تاج العروس 10: 445: لو لا زيد لهلك عمر؛ شرح الرضي على الكافية 1: 275؛ مختصر المعاني للتفتازاني: 95.

(1) ليس هم الذين نسبوه بل هم الذين حاولوا طمسه و لكن دار ضرب الحديث التي أسّسها معاوية و اشترى لها ذمما رخيصة كذمّة عائشة و أبي هريرة و سمرة بن جندب و أمثالهم، هم الذين فعلوا هذا الفعل الشائن، و لا أقول ذلك دفاعا عنهما لعنهما اللّه و لكنّهما أقلّ و أذلّ من ارتكاب هذه الحماقة .. و عليّ (عليه السلام) على قيد الحياة.

(2) آل عمران: 155.

(3) غافر: 51.

359

كُلِّهِ‏ (1)، و قال: إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ‏ (2) و نحوها، فكيف يحتاج النبيّ إلى المشرك في نصر دينه.

و ما يقال: من أنّ عثمان جهزّ جيش العسرة فإنّ ذلك في غزوة تبوك باتفاق الأمّة و كانوا خمسا و عشرين ألف مقاتل، و قالوا: إنّ النبيّ أمر المسلمين جميعا أن يأتوا بما عندهم لتمويل الجيش و كان لعثمان مأتا بعير أعطاهم لتحمل أربعمائة من المقاتلين، فماذا فعل للباقين؟! و تخلّف الفقراء المعدمون عن اللحاق بهم، فلو كان عثمان جهّزهم لما تخلّفوا، لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَ لا عَلَى الْمَرْضى‏ وَ لا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَ رَسُولِهِ ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ* وَ لا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَ أَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ‏ (3)؛ و هذه الآية تكذّب ما افتروه عن عثمان.

و قالوا عن النبيّ أنّه قال ذات يوم: من يصلح بئر رومة و أعطيه بيتا في الجنّة، فقال عثمان: أنا يا رسول اللّه، و لكن أضمنها و أنت رسول اللّه لي.

فلو كان مصدّقا رسول اللّه و معتقدا برسالته حقّا و مؤمنا بالجنّة لما طلب ضامنا من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و طلب الضامن دليل على شكّه في صدق قول النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، و في المعاد و لو كان مؤمنا حقّا لما كان بحاجة إلى ضمان، و لو لم يكن مؤمنا فإنّ دخوله إلى الجنّة محال، و النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لا يضمن المحال.

و لمّا تمّ تحرير هذه المقدّمات من كلّ نوع و كلّ باب من كتب المؤالف و المخالف صار لزوما علينا الإتيان بموجز هذا الباب، و كيف تمّت الغلبة على بني هاشم، و تمّ النصر لبني تميم و عدي و بني أميّة و أضرابهم عليهم.

____________

(1) التوبة: 33، الفتح: 28، الصفّ: 9.

(2) آل عمران: 160.

(3) التوبة: 91 و 92.

360

الباب العاشر في حجّة الوداع و ذكر الغدير و وصيّة الرسول و وفاته و فيه ما يتبع ذلك‏

الفصل الأوّل: في حجّة الوداع‏

روى البراء بن عازب و جابر بن عبد اللّه الأنصاري و أبو ذر الغفاري و سلمان الفارسي و عمّار بن ياسر و حذيفة بن اليمان و غيرهم، قالوا: لمّا صالح النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) نصارى نجران، هبط عليه الأمين جبرئيل و قال: إنّ اللّه يأمرك أن تحجّ هذا العام، لأنّ أجلك قد دنى.

و كان النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قد أرسل عليّا إلى اليمن لقبض ما أقرّه من الجزية على أهل نجران، و أمر النبيّ بالاستعداد للحجّ، و لمّا أعدّ العدّة للسفر خرج من المدينة بجمع عظيم، و من هناك كتب إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) قائلا: إنّنا ذهبنا إلى حجّ بيت اللّه فإذا فرغت من عملك فوافنا هناك من طريق اليمن، لنلتقي إن شاء اللّه.

فلمّا بلغ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بذي الحليفة كانت أسماء بنت عميس حاملا بمحمّد بن أبي بكر فولدته هناك، فأوقف النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) الركب يوما بكامله من أجلها.

فلمّا وصل كتاب النبيّ إلى عليّ (عليهما السلام) أخذ يتأهّب للسفر و معه ما كان قد حازه من‏

361

الغنائم، و أقبل و من معه متوجّهين نحو مكّة، و لمّا بلغ ميقات أهل اليمن أحرم منه، و كان معه من الهدي أربع و أربعون، و كان حجّة حجّ القرآن المفرد، و لم يشرع حجّ التمتّع بعد، فلمّا وصل مكّة نزلت آية التمتّع و هي قوله تعالى: وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلَّهِ‏ (1) و كان النبيّ قد أحرم قبل نزول الآية، فخطب الناس و قال: من لم يحرم فإحرامه إلى العمرة، و لو كنت أعلم قبل علمي لما سقت الهدي حتّى أحلّ من الحرام و لكنّي لا أستطيع أن أحلّ حتّى يبلغ الهدي محلّه، و على من لم يسبق الهدي الإحلال الآن و يحجّ حجّ التمتّع ثمّ يحرم بعد ذلك، فاستجاب بعضهم للنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و أبى بعضهم الآخر، فعاتبهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فقالوا: لا نحلّ و أنت محرم، فقال: أنا عذري معي فقد سقت الهدي معي، أمّا أنتم فلا عذر لكم، فلم يقبلوا قوله و أصرّوا على فعلهم، و قالوا: لا نحلّ حتّى تحلّ، فقال النبيّ: إنّكم لتقولون منكرا من القول وزورا، و ها أنا قد سقت معي الهدي ستّا و ستّين بدنة و نويت القران فكيف أحلّ إذن، فقال المنكرون: كيف نحلّ و نخلو بالنساء و نخرج و رؤوسنا تقطر ماءا و رسول اللّه أشعث أغبر (2).

و لمّا دنى أمير المؤمنين من مكّة أقام أحد أصحابه مقامه و أسرع باللحوق برسول اللّه، فلقي رسول اللّه على أبواب مكّة فسأله النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): ماذا صنعت؟ قال:

صنعت ما أمرتني به، و استوفيت من القوم ما عليهم، و خلّفتها عند أصحابي في الوادي، و ألحح بي الشوق على لقائك عاجلا، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): و بماذا نويت يا علي في إحرامك؟ فقال عليّ (عليه السلام): إنّك أبلغتني بالحجّ في كتابك و لكنّي نويت على‏

____________

(1) البقرة: 196.

(2) رأس المنكرين عمر بن الخطّاب لعنه اللّه و هو صاحب الكلمة و ليس فيها رؤوسنا تقطر ماءا، بل كذا: تقطر منيّا، و ما هو بعابئ برسول اللّه بل بشعارات الجاهليّة يخشى عليها أن تتحلّل.

362

ما نويت عليه، و قلت: اللهمّ اجعل إهلالي كإهلال نبيّك، فقال: أو سقت الهدي؟

قال: نعم أربعا و أربعين بدنة، فقال النبيّ: اللّه أكبر، شاركتني في حجّي و هديي، فقد سقت أنا ستّا و ستّين بدنة فاذهب الآن و ائتني بأصحابك.

فذهب أمير المؤمنين (عليه السلام) إليهم فوجدهم قد عبثوا بالمال و فتحوا الرحال و استخرجوا الحلل فلبسوها، فعاتب الذي ائتمنه على القوم، فقال: إنّهم طلبوا منّي أن يلبسوا الحلل و يحرموا بها، فقال أمير المؤمنين: سبحان اللّه! كيف ساغ لك لبسها قبل أن يراها النبيّ؟! فاستدعاهم جميعا و أمرهم بنزعها و أن يجعلوها في الأثقال، و أقبلوا إلى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) فشكوه إلى النبيّ، و قالوا: إنّه انتزع الحلل منّا، فقال النبيّ: لقد فعل عليّ الصواب، فكانوا يطعنون على عليّ لما في صدورهم من حقد عليه، و أطلقوا ألسنتهم في أمره، فرقى النبيّ المنبر و خطبهم قائلا: ارفعوا ألسنتكم عن عليّ بن أبي اطلب فإنّه خشن في ذات اللّه تعالى، غير مداهن في دينه.

و لمّا رأى الناس غضب النبيّ أمسكوا عن الطعن على عليّ (عليه السلام)، و أتمّ النبيّ حجّة ثمّ قفل راجعا إلى المدينة.

الفصل الثاني: في ذكر الغدير

و أقبل النبيّ عائدا من منزل إلى منزل حتّى بلغ موضعا يدعى «غدير خم» و هو واقع على مفترق الطرق، و منه تتفرّق القبائل إلى مساكنها، و لكن ليس فيه مكان يصلح للنزول، فهبط جبرئيل على النبيّ آخذا بزمام ناقته، و قال: إنّ اللّه تعالى يقرئك السلام و يأمرك بالنزول على غير ماء أوكلأ لكي تبلغ رسالته المهمّة إلى الناس قبل أن يتفرّقوا، و معه الآية: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ‏ (1)، فنزل رسول اللّه‏

____________

(1) المائدة: 67.

363

و نادى مناديه بالنزول، و دعى الذاهبين منهم إلى الرجوع، و تأنّى قليلا حتّى لحق به من تخلّف منهم.

و كانت هناك دوحات نابتة على ضفاف الغدير، فأمر أن يقممن و نزل النبيّ تحتها و أمر أن تجمع له حدوج الإبل، و وضعت على شكل منبر، ثمّ صعد النبيّ عليه، و كان المهاجرون و الأنصار حضورا بين يديه، فخطب تلك الخطبة المعروفة، و قال في ختامها:

يا قوم، نعيت إليّ نفسي، و حان منّي حقوق من بين أظهركم، و قد دعيت و يوشك أن أجيب، و إنّي مخلّف فيكم الثقلين، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا، كتاب اللّه و عترتي أهل بيتي، فإنّ اللطيف الخبير أخبرني أنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض. ثمّ قال: اللهمّ هل بلّغت. ثمّ قال كلاما بعده، و قال أخيرا: عليّ منّي بمنزلة هارون من موسى. و ذكر في هذه الخطبة مناقب أمير المؤمنين (عليه السلام) و أعلن على الملأ نصّ إمامته ثمّ دعاه و أخذ بضبعه و رفعه أمام الناس.

حكاية: كان الشبليّ في مطلع أمره رئيسا من رؤساء دماوند و كان رجلا عاقلا، فبعثه ملك مازندران بكتاب إلى الخليفة، فلمّا بلغ بغداد، و شاهد معالمها الحضاريّة و اجتمع بعلمائها، أعلن عن توبته هناك و إعراضه عن الدنيا (القصّة) (1) زار الشبلي يوما نقيب بغداد و قال له: هل تعلم يا سيّدي ما هو غرض المصطفى من هذا الحديث حيث أمسك بضبع أبيك و رفعه أمام أعين الناس؟

فقال: لا يا أيّها الشيخ.

____________

(1) تأتي هذه الكلمة أحيانا في النثر الفارسي القديم حكايه عن نهج الاختصار أو الحذف الذي مارسه الكاتب و هي عربيّة و كان يستعملها أيضا القدماء بهذا المعنى.

364

فقال الشبلي: فتنت زليخا بيوسف و كان يوسف معرضا عنها، فعمدت إلى صنع مأدبة للمصريّات اللواتي لمنها و قرعنها على ما بدر منها تجاه يوسف، و قالت:

أريد أن أريكم وضع حالي معه، و آتت كلّ واحدة منها سكيّنا و اعتدت لهنّ متّكئا و وضعت بين أيديهنّ الفاكهة و هي عبارة عن «الأترنج» و قالت لهنّ: اقطعن لي منها قطعة و ناولنني إيّاها، و رجت يوسف و أقسمت عليه بسابق عهدها من الخدمة و الرعاية أن يخرج عليهنّ، فخرج يوسف من مكانه إلى حيث يجلس النساء، فلمّا رأينه طمثن جميعهنّ حتّى تخضّبت الزرابيّ منهنّ، و قطّعن أيديهنّ مكان الأترنج، و قلن: ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ‏ (1)، فلم يرمق يوسف إحداهنّ بنظرة واحدة، فقلن: لو كان بشرا لطالعنا و نظر إلينا، فقالت زليخا: فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ‏.

و هكذا كان رسول اللّه يثنى على عليّ أمام الناس و يبين عن فضله و يكشف مناقبه، فلا يجد عند الحسّاد و المنافقين إلّا البعد عنه و الطعن عليه، حتّى جلاه لهم يوم غدير خمّ فعرفوه‏ (2) (القصّة).

فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ فقالوا سريعا: بلى.

فقال: من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه، اللهمّ وال من والاه و عاد من عاداه، و انصر من نصره و اخذل من خذله، و العن من ظلمه، اللهمّ هل بلّغت‏ (3).

____________

(1) يوسف: 31.

(2) لو رزق اللّه الشبلي السلامة من هذا التنظير الركيك لكان خيرا له، و لا أعرف الحسن فيه الذي حمل المؤلّف على كتابته، و لعلّ الشبلي يرى في حادثة الغدير ما يراه غيره من اتّباع قوم من الصحابة ليس فيه إلّا بيان الفضل و ذكر المناقب و ما هو بنصّ على إمامته، و ليس ذلك بعيدا، فالشبلي ليس من أهل الولاء.

(3) الهداية للصدوق: 150 و ليس فيه «العن من ظلمه»؛ دعائم الإسلام 1: 16؛ معاني الأخبار: 67؛-

365

ثمّ نزل عن المنبر و أقاموا للصلاة و صلّى بهم جماعة و دخل الخيمة، و أمر أن تضرب لعليّ (عليه السلام) خيمة أخرى مواجهة لخيمته، و أمره بالجلوس فيها، ثمّ نادى مناد في المهاجرين و الأنصار أن يدخلوا عليه يهنّئونه بالإمامة و البيعة، فلمّا بلغت النوبة إلى عمر، دخل عليه و بالغ في الثناء عليه و قال في تهنئته: بخ بخ يا علي، أصبحت مولاي و مولى كلّ مؤمن و مؤمنة، فلمّا هنّأه الرجال دخل عليه النساء لتهنئته، بالطريقة التي مرّ ذكرها، فاستأذن حسان بن ثابت من رسول اللّه أن ينشد أبياتا في ذلك، فأذن له و قال: باسم اللّه سبحانه و تعالى، فقال حسان:

يناديهم يوم الغدير نبيّهم‏ * * * بخمّ و اسمع بالرسول مناديا

فقال: فمن مولاكم و وليّكم‏ * * * فقالوا: و لم يبدو هناك التعاميا

أنت (إلهك) مولانا و أنت وليّنا * * * و لن تجدن منّا لك اليوم عاصيا

فقال له: قم يا عليّ فإنّني‏ * * * رضيتك من بعدي إماما و هاديا

فمن كنت مولاه فهذا وليّه‏ * * * فكونوا له أنصار صدق مواليا

هناك دعى اللهمّ وال وليّه‏ * * * و كن للذي عادى عليّا معاديا

فقال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): لا تزال يا حسان مؤيّدا بروح القدس بما نصرتنا.

____________

- ذخائر العقبى: 67؛ مسند أحمد 1: 118 و 119؛ مجمع الزوائد 9: 104 و 105 و 106؛ سنن النسائي 5: 136 و 5: 155؛ خصائص أمير المؤمنين للنسائي: 103 و 104 و 132؛ المعجم الكبير للطبراني 4: 17 و 5: 192؛ شرح ابن أبي الحديد 3: 208 و 13: 193 و 18: 72؛ كنز العمّال 11:

609 رقم 32946، و ص 610 رقم 32951؛ كنز العمّال 13: 131؛ فيض القدير للمناوي 6: 282؛ الكامل في الرجال 3: 256؛ تاريخ مدينة دمشق 42: 207 و 208 و 210 و 211؛ ذكر أخبار اصفهان 2: 359؛ البداية و النهاية 5: 229 و 230 و 7: 370 و 384؛ السيرة النبويّة لابن كثير 4: 418 و 419 و 420؛ سبل الهدى و الرشاد 11: 294؛ ينابيع المودّة 2: 282 و 283 و 284 و 369؛ لسان العرب لابن منظور 15: 409، أمّا كتب الشيعة فهي كثيرة جدّا و لا حاجة بنا إلى ذكرها لأنّها لا تكون حجّة لنا على الخصم.

366

إنّ الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) يرفع عليّا يوما و يعليه و يجلّيه أمام الأعداء كما حدث في المباهلة، و يوما أمام الأولياء كما حدث في غدير خمّ.

يقول أبو سعيد الخدري: و اللّه ما تفرّقنا حتّى نزل: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً (1)، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عند نزول هذه الآية: اللّه أكبر على إكمال الدين و تمام النعمة و رضا الربّ برسالتي و بولاية عليّ من بعدي.

ثمّ التفت النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) إلى الإمام و قال: يوم بيوم، إنّ اللّه لا يضيع أجر من أحسن عملا.

و إنّما قال النبيّ لعليّ هذا لأنّ عليّا بارز مرحبا اليهودي و هو من شجعان العرب و أبطالهم‏ (2) فأورده حمام الردى و ساقه إلى نار الغضى، فقال جبرئيل (عليه السلام): يا رسول اللّه، إنّ له يوما عندك، يوما بيومه هذا.

كنت في اصفهان سنة ستّمائة و ثلاث و سبعين حاضرا في مجلس شخص ما و كان في المجلس أحد مفتي الفرق و يدعى يزيد التقي، و كان معروفا بالنصب و العداوة لأهل البيت، و كان يردّد قول النبيّ: إنّ له يوما عندك يوما بيومه، و لكن هذا التقي الشقي روى رواية عن أبيه عن ابن مسعود أنّ عليّا في يوم أحد كان يصول على الكتائب و يردي الأبطال قتلى عن اليمين و عن الشمال و من وراء و من أمام، فلمّا رأى النبيّ ذلك قال: لا تقيّة في الإسلام بعدك، ما عذر من كتم الحقّ و أنت ناصره. و لمّا نزلت الآية يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ‏ (3) فكان الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) على حيرة من‏

____________

(1) المائدة: 3.

(2) بل هو يهوديّ يا سيّدي كما قلت أوّلا.

(3) المائدة: 67.

367

أمره، يجيل الفكر في هذه المهمّة الصعبة، فدعا عليّا إليه شرح له واقع الأمر، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): يا رسول اللّه، أما إنّك قد قلت لي يوم أحد: ما عذر من كتم الحقّ و أنت ناصره، فاليوم ما عذر من كتم الحقّ و اللّه عاصمه.

قال أبو إسحاق الثعلبي إمام أصحاب الحديث في تفسيره الكشف (و البيان):

سئل سفيان بن عيينة عن قول اللّه سبحانه: سَأَلَ سائِلٌ‏ (1) فيمن نزلت؟ فقال:

لقد سألتني عن مسألة ما سألني أحد قبلك، حدّثني أبي عن جعفر بن محمّد عن آبائه، فقال:

لمّا كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بغدير خم نادى بالناس فاجتمعوا، فأخذ بيد عليّ رضى اللّه عنه، فقال: من كنت مولاه فعليّ مولاه‏ (2) فشاع ذلك و طار في البلاد، فبلغ الحرث بن النعمان الفهري، فأتى رسول اللّه على ناقة له حتّى أتى الأبطح فنزل عن ناقته و أناخها و عقلها، ثمّ أتى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و هو في ملأ من أصحابه، فقال: يا محمّد، أمرتنا عن اللّه أن نشهد لا إله إلّا اللّه و أنّك رسول اللّه فقبلناه منك، و أمرتنا أن نصلّي خمسا فقبلناه منك، و أمرتنا بالزكاة فقبلنا، و أمرتنا بالحجّ فقبلنا، و أمرتنا أن نصوم شهرا فقبلنا، ثمّ لم ترض بهذا حتّى رفعت بضبعي ابن عمّك ففضّلته علينا و قلت: من كنت مولاه فعليّ مولاه، فهذا شي‏ء منك أم من اللّه تعالى؟

فقال: و الذي لا إله إلّا هو هذا من اللّه.

فولّى الحرث بن النعمان يريد راحلته و هو يقول: اللهمّ إن كان ما يقوله حقّا فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم، فما وصل إليها حتّى رماه اللّه‏

____________

(1) المعارج: 1.

(2) مسند أحمد 1: 84 و 5: 347؛ و المستدرك 3: 110؛ و مصنّف ابن أبي شيبة 7: 495، عن محقّق الكتاب.

368

بحجر، فسقط على هامته و خرج من دبره، و أنزل اللّه سبحانه: سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ* لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ‏ (1).

و في تفسير أهل البيت (عليهم السلام) أنّ «ما» في قوله: ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ‏ هي «ما» في قوله:

فَأَوْحى‏ إِلى‏ عَبْدِهِ ما أَوْحى‏ (2) و ذلك أنّ النبيّ أبلغ في تلك الحال بأنّ عليه إقامة عليّ مقامه خليفة و وصيّا عند ما يبلغ الكتاب أجله، فلمّا كان يوم الغدير قال له: بلّغ ما أنزل إليك ليلة المعراج.

الفصل الثالث: في ذكر وفاة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)

بدأ المرض يعاود رسول اللّه في يوم الثلاثاء، و قيل في يوم الأحد فقبض على يد عليّ و قصد به البقيع، و اجتمع الصحابة من ورائهم، فلمّا وصل إلى البقيع، قال:

السلام عليكم يا أهل القبور، إنّ الدين سيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء، و قال: يوشك أن أدعى فأجيب، لأنّ جبرئيل كان يعرض عليّ القرآن في العام مرّة و في هذا العام عرضه عليّ مرّتين، و هذا يدلّ على قرب أجلي، و لقد خيّرني ربّي بين جواره و بين خزائن العالم و البقاء إلى يوم المحشر فاخترت جواره و الجنّة، و ترتكت الدنيا الفائتة «الدنيا بالنسبة إلى الآخرة أن يجعل أحدكم اصبعه السبّابة في اليمّ فلينظر بم يرجع» (3).

ثمّ أوصى عليّا بوصاياه، فقال: يا علي، إذا أنا متّ فغسّلني و جهّزني بيدك‏ (4)

____________

(1) المعارج: 1 و 2.

(2) النجم: 10.

(3) هذا حديث شريف رواه ابن حبّان في صحيحه 14: 29، و ابن سلامة في مسند الشهاب 2: 291 و 292.

(4) و فيه: و لقّنّي قبل و جهّزني، و لكنّي رأيتها لا تنسجم مع النبوّة فحذفتها.

369

و ليعينك الفضل بن العبّاس و عمّي العبّاس بحمل الماء إليك، و إنّما أعوانك الملائكة، و لا يجوز لأحد النظر إلى عورتي، فإنّه يفقد بصره سواك يا علي، عند ذلك أمر أمير المؤمنين الفضل و أباه العبّاس أن يعصّبا عينينهما، فوقعت عين العبّاس على عورة رسول اللّه فأضرّ في الحال‏ (1).

و اشتدّ برسول اللّه المرض يوم الأربعاء فاتّكأ على عليّ و العبّاس (عليهما السلام) و دخل المسجد على هذه الحال ثمّ رقى المنبر و قال: من كانت له عليّ بيعة أو يأخذني بقصاص فليأت إليّ، فإنّ فضوح الدنيا خير من فضوح الآخرة.

فقام رجل فقال: إنّك يا رسول اللّه وعدتني أن تزوّجني، فأقبل على الفضل بن العبّاس و قال له: ادفع له ثلاث أواق من الفضّة.

فقام عكاشة فقال: يا رسول اللّه، كنت ألعب مع أقراني فضربتني بسوطك و أطلبك اليوم بقصاص، فقال رسول اللّه: يا بلال، اذهب إلى بيت فاطمة و ائتني بالقضيب ليقتصّ عكاشة منّي، فلمّا سمعت فاطمة (عليها السلام) بكت و قالت: ما يصنع أبي بالقضيب و هو في حالة المرض؟ و كيف يطيق تحمّل الضرب و هو و قيد؟ فقال العبّاس: يا عكاشة، اضربني عشرا و اعف عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فإنّه لا يطيق ذلك.

فقال عكاشة: لا أقتصّ إلّا منه، ثمّ أخذ عكاشة القضيب و ارتقى إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و هو على المنبر و قال: يا نبيّ اللّه، كنت مكشوفا يوم ضربتني، فرفع النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) ردائه عن كتفيه، فبان بياضهما، فلمّا رأى عكاشة ذلك ألقى السوط من يده و احتضن النبيّ و قبّل في جبينه و قال: فدتك روحي ألف مرّة، سمعتك تقول: لا تمسّ النار أحدا قبّل وجه النبيّ، و لقد رميت إلى هذا في طلب القصاص، فليس عليك قصاص بأبي أنت و أمّي.

____________

(1) لم يحدّثنا التاريخ عن ذلك، و لم يفقد العبّاس بصره حتّى مات، و المؤلّف أهمل المصدر الذي اعتمد عليه.

370

و قام آخر و طلب ذلك من رسول اللّه، فقال (صلّى اللّه عليه و آله): سبقك بها عكاشة فلم يصل أحد إلى ما وصل إليه عكاشة، فلمّا كانت الجمعة خرج إلى المسجد و صلّى صلاة الجمعة و وعظ الناس وعظا شديدا.

الفصل الرابع: في ذكر الوصيّة

يقول أمير المؤمنين: لمّا نزلت سورة «إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ‏» بدأ المرض برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و لم يمكث في بيته بل خرج يوم الخميس معصوب الرأس، فصعد على المنبر و قد امتقع لونه الشريف، فجرت دموعه و نادى بلال أن يجمع له الناس، فصاح فيهم: الصلاة جامعة، هلمّوا إلى رسول اللّه ليوصيكم فإنّها آخر وصاياه، فأمّ الناس المسجد من رجل و امرأة و صغير و كبير، حتّى غصّ بهم، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): وسّعوا لمن وراءكم، وسّعوا لمن وراءكم، ثمّ قام قائما على قدميه و الدموع جارية على وجنتيه، و قال: إنّا للّه و إنّا إليه راجعون، و حمد اللّه و أثنى عليه، و صلّى على إخوانه الأنبياء.

ثمّ قال: أنا محمّد بن عبد اللّه بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف، لا نبيّ بعدي، أيّها الناس اعلموا أنّ نفسي نعيت، و حان فراقي من الدنيا، و اشتقت لقاء ربّي، فواحزناه على فراق أمّتي، ماذا يقولون من بعدي، اللهمّ سلّم سلّم، أيّها الناس اسمعوا وصيّتي لكم، أيّها الناس قد بيّن اللّه لكم في محكم كتابه ما أحلّ لكم و ما حرّم عليكم، فأحلّوا حلاله و حرّموا حرامه، و آمنوا بمتشابهه و اعملوا بمحكمه و اعتبروا بأمثاله، ثمّ رفع طرفه إلى السماء و قال: اللهمّ هل بلّغت.

أيّها الناس، إيّاكم و هذه الأهواء الضالّة البعيدة من اللّه، و البعيدة من الجنّة، و القريبة من النار، اللهمّ هل بلّغت.

371

اللّه اللّه في دينكم و ما آتاكم اللّه.

اللّه اللّه فيما ملكت أيمانكم؛ أطعموهم ممّا تأكلون، و اكسوهم ممّا تكسون، و لا تكلّفوهم ممّا لا يطيقون فإنّها لحم و دم، و خلق أمثالكم، ألا و من ظلمهم فأنا خصمه يوم القيامة، و اللّه حاكمهم.

اللّه اللّه في النساء أوفوا لهنّ مهورهنّ و لا تظلموهنّ فتخرّ بكم حسناتكم، اللهمّ هل بلّغت.

أيّها الناس، أطيعوا ولاة أموركم و لا تعصوهم، و إن كان عبدا حبشيّا مجدعا؛ فمن أطاعهم فقد أطاعني، و من أطاعني فقد أطاع اللّه، و من عصاهم فقد عصاني، و من عصاني فقد عصى اللّه، ألا لا تخرجوا عليهم و لا تنقضوا عهودهم، اللهمّ هل بلّغت‏ (1).

أيّها الناس، عليكم بحبّ أهل بيتي، عليكم بحبّ حملة القرآن، عليكم بحبّ أهل العلم و لا تنقضوهم و لا تحسدوهم و لا تطعنوا فيهم، ألا و من أحبّهم فقد أحبّني، اللهمّ هل بلّغت.

أيّها الناس، أدّوا زكاة أموالكم، الا و من لم يزكّ فلا صلاة له، و لا دين له، و لا صوم له، و لا حجّ له، و لا جهاد له، اللهمّ هل بلّغت.

أيّها الناس، إنّ اللّه قد فرض الحجّ على من استطاع إليه سبيلا، و من لم يفعل فليمت على أيّ حال شاء؛ يهوديّا أو نصرانيّا أو مجوسيّا، إلّا أن يكون به مرض‏

____________

(1) لا يشكّ عاقل بأنّ الغرض من ولاة الأمرهم المعصومون لأنّ النبيّ لا يأمر بطاعة غير المعصوم لما يلزم ذلك من فعله المعصية و اتّباعه عليها لأنّه غير مأمون من ذلك فكيف يأمر النبيّ بطاعة من شأنه المعاصي و طبيعته اقتراف السيّئات و حينئذ يكون النبيّ قد أعان على فعل الذنب و حاشاه، أمّا العبد المجدع فالذي يظهر لي أنّ الغرض منه هو الوالي الذي يستنيبه المعصوم على المدن و الأقاليم.

372

جالس، أو منع سلطان جائر، ألا لا نصيب له في شفاعتي و لا يرد حوضي، اللهمّ هل بلّغت.

أيّها الناس، إنّ اللّه جامعكم يوم القيامة في صعيد واحد في مقام عظيم و هول شديد، يوم لا ينفع مال و لا بنون إلّا من أتى اللّه بقلب سليم، اللهمّ هل بلّغت.

أيّها الناس، احفظوا ألسنتكم، و أبكوا أعينكم، و أتعبوا أبدانكم، و جاهدوا عدوّكم، و اعمروا مساجدكم، و أخلصوا إيمانكم، و انصحوا إخوانكم، و قدّموا لأنفسكم، و احفظوا فروجكم، و تصدّقوا من أموالكم، و لا تحاسدوا فيذهب حياءكم، و لا يغتب بعضكم بعضا فتهلكوا أنفسكم، اللهمّ هل بلّغت.

أيّها الناس، اسعوا في فكاك رقابكم و اعملوا الخير ليوم وقوفكم وفاقتكم.

أيّها الناس، لا تظلموا فإنّ اللّه الطالب لمن خان، و عليه حسابكم، و إليه إيابكم، فإنّ اللّه لا يرضى منكم بالمعصية.

أيّها الناس، مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَ مَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَ ما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (1)، وَ اتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ‏ (2).

أيّها الناس، إنّي قادم على ربّي، و قد نعيت إليّ نفسي، فأستودع اللّه دينكم و أمانتكم، و السلام عليكم يا معشر أصحابي و على جميع أمّتي و السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته.

الفصل الخامس: في تمام قصّة موته (صلّى اللّه عليه و آله)

و دخل البيت و لم يخرج منه، و بقي في بيت أمّ سلمة و زاد عليه الوجع، و ظلّ‏

____________

(1) فصّلت: 46.

(2) البقرة: 281.

373

هناك يومين حتّى قدمت عائشة في اليوم الثالث و دعته إلى بيتها، فنهض رسول اللّه إلى بيتها، و لمّا بلغ البيت أذّن المؤذّن، فأمرت عائشة أباها بالصلاة، و لمّا سمع رسول اللّه صوت أبي بكر بالتكبير، نادى: من قال لهذا يصلّي بالناس؟ فقالت عائشة: أنا أمرته يا رسول اللّه. قال: إنّكنّ لصويحبات يوسف، أي تأمرن بالشي‏ء و تفعلنه لا لصواب، ثمّ وضع يده على عاتق عليّ و اليد الأخرى على عاتق ميمونة و خرج من البيت، و إذا بالفضل بن العبّاس قادم، فصرف ميمونة و وضع يده على عاتقه، و إنّ رجليه ليخطّان الأرض حتّى بلغ المسجد، و أشار إلى أبي بكر بيده فتنحّى له عن المحراب، و لم يعبأ بصلاته بل استأنف الصلاة و عاد إلى منزله.

و حضر عنده أبو بكر و عمر، فقال لهما رسول اللّه: ألم آمركما بالخروج مع أسامة؟ فقال أبو بكر: لم أشأ أن أسأل عنك الركبان؟! فاستدعى أسامة و أمره بتعجيل الخروج بأصحابه، و قال: إنّي اخترتك لهذا الأمر، و أغمي عليه، فارتفعت الضجّة في البيت، فلمّا أفاق قال: آتوني بدواة و كتف أكتب لكم كتابا لن تضلّوا بعده أبدا، ثمّ أغمي عليه، فقاموا ليأتوه بما طلب، فاعترضهم عمر و قال: الرجل يهدي، فلمّا أفاق من غشوته قالوا: يا رسول اللّه، أنأتيك بما طلبته؟ فقال: أبعد الذي قلتم ما أردتم و سمعته، يعني قول عمر لعنه اللّه.

و أمر المسلمين بمتابعة أهل بيته و أوصاهم بهم، و قال أخيرا: الصلاة، و ما ملكت أيمانكم، و كرّر هذا القول مرارا، و يقول في كلّ ساعة: أنفذوا جيش أسامة، و قال بعد ذلك: لعن اللّه من تخلّف عن جيش أسامة، و حوّل وجهه عمّن في المجلس، فلمّا رأوه فعل ذلك قاموا و لم يبق إلّا أمير المؤمنين و العبّاس و الفضل بن العبّاس، فقال العبّاس: يا رسول اللّه، و كيف نكون بعدك؟ قال: تظلمون و تغلبون، فصاح أهل البيت، فأقبل على عمّه العبّاس و قال: تقبل وصيّتي؟ فقال العبّاس:

عمّك شيخ و ما به على هذا الأمر طاقة، ثمّ قال لأمير المؤمنين: أتقبل وصيّتي؟

374

فقال: نعم، فأعطاه خاتمه و قال: ضعه في يدك، و أعطاه سلاحه و ما يرجع إليه من الثياب و الدراعة و السوط و نظير ذلك، و قال: خذها و أنا حيّ و تصرّف بها.

و لم يفارقه أمير المؤمنين (عليه السلام) إلّا لضرورة، فلمّا أفاق لم يجده عنده، فقال: ادعوا لي أخي، فأسرعت عائشة و صاحبتها حفصة إلى دعوة أبيهما، فلمّا فتح النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) عينه رآهما عندها، فقال: إنّي لم أرد هذين، و قال لأمّ سلمة: ادعي لي عليّا، فلمّا جاءه ناجاه طويلا ثمّ وضع لسانه في فمه، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): علّمني رسول اللّه ألف باب من العلم فتح اللّه لي من كلّ باب ألف باب، و أوصاه بوصاياه، فقال:

سوف أقوم بها جميعا طاعة للّه و رسوله، فقال رسول اللّه: يا عليّ، وقعت في النزع، فضمّ رأسي إليك، فإذا ما فارقت روحي بدني فأمرر بها على وجهك فسينفتح لك علم الأوّلين و الآخرين.

فبينما هم كذلك و إذا بأعرابيّ يطرق الباب، فقالت فاطمة: انصرف فإنّ رسول اللّه مريض، فعاد ثانية و طرق الباب، ثمّ الثالثة، و في كلّ مرّة لا يتوقّف عن قرع الباب، فخافت فاطمة، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): يا فاطمة، افتحي له، فإنّه ملك الموت، هادم اللذّات، الذي فصل الأنبياء عن النبوّة، و أيتم الأطفال، و أخرب الديار، و أقسم باللّه أنّه لم يستأذن على أحد إلّا عليّ من لدن آدم إلى يومنا هذا، ففتحت الباب فاطمة (عليها السلام)، فدخل ملك الموت و سلّم، و قال: إنّ اللّه يقرئك السلام و يقول لك: إن شئت البقاء خلّدناك، و إن شئت رضاي فاستسلم لأمر اللّه، و أمرني أن أفعل ما يرضيك، فقال رسول اللّه: و ما بعد ذلك يا ملك الموت؟ فقال:

آخره الموت و الفناء، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): سلّمت لأمر اللّه.

و شرع ملك الموت يتولّى أمره، فبدأ بقدميه حتّى بلغت روحه ركبتيه، فعجز النبيّ عن التحمّل، فقال: إنّ أمّتي ضعيفة فهل تصنع بها هذا الصنيع؟ فقال ملك الموت: أقسم باللّه أنّي حملتك جزءا من ألف جزء من ألم الموت، فشفّع النبيّ‏

375

إلى اللّه أن يسهّل الموت على أمّته، فقبل اللّه تعالى شفاعته، و لمّا بلغت روحه التراق، شفع مرّة أخرى، فقال اللّه تعالى: وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى‏ (1)، و لمّا فارقت رسول اللّه الروح مسح أمير المؤمنين بها وجهه و وجّهه إلى القبلة و أسبل يديه و أغمض عينيه، و ساعده الفضل بن العبّاس و أبوه، فكان الإمام يسكب عليه الماء و يناوله العبّاس الماء، و يقلّبه جبرئيل، فلمّا فرغ من جانبه الأيمن، قال:

يا رسول اللّه، بماذا تأمرني بعد ذلك؟ فانقلب على جهته الأخرى بإذن اللّه تعالى حتّى فرغ من تغسيلها.

و كان هذا المشهد ردّا على ما فعله أمير المؤمنين لرسول اللّه عندما وضعته فاطمة بنت أسد (عليهما السلام) في المخضب بعد ولادته و غسله النبيّ غسل الولادة، فكان أمير المؤمنين يتقلّب على جنبيه من دون أن يقلّبه رسول اللّه، و هنا بكى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، فقالت أمّ أمير المؤمنين (عليهما السلام): لماذا بكيت يا ولدي؟ فقال رسول اللّه: كأنّي به هو الذي يغسّلني و أنا أتقلّب على اليمين و الشمال، و لمّا ثقل عليه الموت أمر بطست ملي‏ء ماءا فكان يضع فيه يده و يرشّه على صدره ليخفّف عنه ثقل وطأة الموت، و قال:

مر أمّتي أن تفعل ذلك.

قيل: جاء إبليس و الإمام مشغول بتغسيل النبيّ، و وقف بجانب البيت، و قال: يا عليّ، لا تغسل النبيّ فإنّه طاهر، و أراد اللعين أن يقدم النبيّ على ربّه من دون تغسيل، فقال أمير المؤمنين: أيّها اللعين، إنّ رسول اللّه و إن كان طاهرا إلّا أنّه أمرنا بتغسيله، ثمّ وضع عليه الكافور الذي جاء به جبرئيل (عليه السلام)، و كان بمقدار أربعين درهما و قد قسمه رسول اللّه قبل موته إلى ثلاثة أقسام له و لفاطمة و الثلث الآخر لعليّ (عليهم السلام)، فوضعه الإمام (عليه السلام) على مساجده السبعة و مسح بشي‏ء منه الكفن و هو

____________

(1) الضحى: 5.

376

حلّة من الجنّة جاء بها جبرئيل، و صلّى عليه أمير المؤمنين، و قال: رسول اللّه إمامنا حيّا و ميّتا، و ليس لأحد ان يكون إماما بحضرته، و بقي في البيت يوم الثلاثاء و الأربعاء و الخميس فلم يتغيّر ريحه بل يزداد طيبا كلّما مرّ عليه يوم بعد يوم، بينما يسرع التغيّر إلى الميّت في المدينة كما قيل، و كان الناس يدخلون عليه أفواجا صغارا و كبارا، و ذكورا و إناثا، عشرة عشرة، و اثنتين اثنتين، و واحدا واحدا، و الأصحّ أنّه دفن في الليلة التي توفّي بها.

و اختلفوا في موضع دفنه، فقال عليّ (عليه السلام): إنّ أشرف بقاع الأرض للبقعة التي قبض عليها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فدفنه يكون هناك، فقبل الجمع قوله، و قال جمع من الصحابة: نحمله إلى الشام في مقابر الأنبياء (1)، فمنع عليّ من ذلك.

و كان العبّاس و أبو عبيدة بن الجرّاح يحفران لأهل مكّة، و زيد بن سهل يحفر لأهل المدينة، فأحضروه و قالوا له: احفر لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و قيل: إنّ قبر النبيّ حفره أبو طلحة، و لمّا تمّ الحفر شرع عليّ و العبّاس و أسامة بن زيد بدفن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و وقف المدنيّون وراء الباب، و قالوا: يا علي، نسألك حقّنا من رسول اللّه، و خذ أحدنا ليكون معك لننال هذا الشرف إلى يوم القيامة، فقال عليّ (عليه السلام): أرسلوا لنا «أويس الخويلي» (2) و كان رجلا صالحا من أهل بدر، فأرسله الإمام في اللحد و حمل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و سلّمه إليه و إلى العبّاس و الفضل ولده، فوضعوه في تراب القبر، و لمّا وضعوه في القبر أمر أمير المؤمنين القوم أن‏

____________

(1) لا شكّ أنّ هذا رأي عدوّه اللدود عمر بن الخطّاب لأنّه لا يريد أن يبقى لرسول اللّه ذكر في جزيرة العرب، و كأنّها ملك صهّاك.

(2) لم أتعرّف على هذا الاسم في كتب الرجال، و ذكر ابن ماكولا عددا بهذا الاسم و لم يذكر أحدا منهم حضر دفن النبيّ، و قال ابن حجر: و الذي شهد الدفن الكريم هو أوس بن خولي قلبه بعض الرواة. (الإصابة 2: 293).

377

يخرجوا من القبر و نزل هو إلى القبر و وضع وجه رسول اللّه على التراب من جهة خدّه الأيمن، و حلّ عقدة الكفن من جهة الرأس، و وضع لبنة تحت خدّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) كالوسادة و وجّهه إلى القبلة، و أشرج عليه اللبن، و خرج من القبر، ثمّ أهال عليه التراب، و كان أسامة و العبّاس و الفضل ولده يساعدونه في تسوية القبر و إقامته، و هم يرتّلون قوله تعالى: «إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ» و أقبل الناس على القبر يزورونه، و لكن كره الناس بعد ذلك زيارته لوقوع قبر العمرين إلى جانب قبره الشريف‏ (1). و كان بعضهم يجافي الأدب عند قبر النبيّ حين يركل قبريهما برجليه.

و في العصر العبّاسي ردم باب القبّة و حرم الناس من زيارة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، و يقال:

إنّهم قصدوا بذلك أن يزوره الشيعة من غير الجهة التي فيها قبرهما، و لو كان قبرهما في غير هذا الموضع لأمكن لشيعتهما الفقراء زيارتهما بأمن و راحة.

و أمّا عثمان فقد دفن في موضع يقال له: حشّ كوكب و هو مقبرة لليهود و الكفّار (2)، و باعتبار أنّ الإجماع من المسلمين حصل على قتله من المهاجرين و الأنصار فإنّهم أبوا أن يدفن في مقابر المسلمين، و طرح في قبور أهل الذمّة، و لمّا آلت الحكومة إلى معاوية أدخل ذلك الموضع في مقابر المسلمين، و بلغني أنّه لم يدفن شيعيّ في ذلك الموضع، و لن يدفن إلى يوم القيامة إلّا أن يشاء اللّه تعالى.

____________

(1)

ما ينفع الرجس من قرب الزكيّ و لا * * * على الزكيّ بقرب الرجس من ضرر

(2) بل هو كنيف لرجل يهودي ألقي فيه عثمان لعنه اللّه.

378

الباب الحادي عشر في بناء السقيفة

و لمّا انتشر خبر وفاة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) في الأطراف و الأكناف من ديار العرب، أقبل الرؤساء و الأمراء و قبال العرب للعزاء بوفاة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، و صاروا يتقاطرون على المدينة يعزّون بني هاشم، و كانوا مشغولين بإقامة العزاء عليه، فاغتنم الصحابة انشغالهم بالعزاء فرصة و قالوا: إذا فرغوا من العزاء فإنّ الأمر لا يتمّ لنا حتما، و ينبغي أن نسارع إلى اهتبال الفرصة لئلّا تضيع من أيدينا.

روي أنّ أوّل خلاف ظهر في الإسلام بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قول عمر عن رسول اللّه: لم يمت بل غاب كما غاب موسى في الطور ثمّ رجع، و سيرجع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و من قال مات فسوق أقيم عليه الحدّ، فلمّا سمعه أبو بكر قام من فوره و دخل على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و كشف الغطاء عن وجهه و قال: مات رسول اللّه، و أخبر الناس بموته، فصدّق به بعض و لم يصدّقه آخرون‏ (1).

____________

(1) لا أدري عن مصادر المؤلّف شيئا لأنّه لم يذكرها إلّا ما اقتضت الضرورة ذكرها، و ما أقلّها، و هنا خالف المؤلّف مؤرّخي الشيعة فقد أجمعت كلمتهم على أنّ عمر ما كان يجهل موت النبيّ و لكنّه أراد أن يحدث بلبلة في الأذهان و حالة ترقّب بينهم حتّى يرجع صاحبه في المؤامرة أبو بكر فقد-

379

و لمّا بلغت عليّا (عليه السلام) هذه الأنباء دعا الناس و قال: أيّها الناس، إنّ اللّه تعالى يقول للنبيّ في حياته: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ‏ (1)، فقبل الناس قوله، و ارتفعت الضجّة و الصراخ من كلّ مكان: مات رسول اللّه، و لمّا أيقنوا بموته اضطربوا، و اقبلوا يأمون سقيفة بني ساعدة، و كان قد حضرها ساعتئذ عبد الرحمان بن عوف و خالد ابن الوليد، و سعد بن أبي وقّاص، و سعيد بن العاص القرشي، و أبو عبيدة بن الجرّاح، و سالم مولى حذيفة بن اليمان مع أبي بكر و عمر، و تشاوروا بينهم بشأن الخلافة، و اجتمع الأنصار من جهتهم عند سعد بن عبادة الخزرجي و كان مريضا قد أشفى، و قالوا له: أنت رئيسنا و إمامنا فمن خالفك قاتلناه، و كان قيس بن سعد يبلّغ الناس كلامه و هو يتكلّم، و قال: إنّ قريشا رهط النبيّ آذوه و أخرجوه قهرا من داره، و نحن الأنصار آويناه و أوسعناه له أكنافنا و نصرناه بالمال و الأنفس، فإذا كان رسول اللّه قد قبض فنحن أولى بخلافته من قريش.

و قيل: أوّل من دعى الناس إلى خلافة سعد خزيمة و قال: إنّ عليّا أعرض عنها و سكن في بيته مشغولا بعزاء النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و لا يستحقّها من قريش سواه، فلمّا سمع الأنصار كلامه أقبلوا على سعد بأجمعهم.

و المحقّقون من العلماء مجمعون على أنّ عمر بايع أبا بكر يوم وفاة النبيّ ثمّ خالد بن الوليد ثمّ بايعه جماعة ممّن يناصب أهل البيت العداء، و أخذوا الناس بالبيعة لأبي بكر أخذا شديدا، و ذكرنا في هذا الفصل المبادرين إلى بيعته توّا، و هم أفراد معدودون، و ذهبوا في تلك الليلة إلى عكرمة بن أبي جهل و الحارث بن شهاب‏

____________

- كان في السنح و لمّا عاد و تلا عليه آية «إنّك ميّت و إنّهم ميّتون»، عند ذلك صدّق المسكين بموته و بدأ فصله الثاني من هذه المهزلة، راجع لكلّ ذلك كتاب السقيفة لآية اللّه الشيخ المظفّر رحمة اللّه عليه.

(1) الزمر: 30.

380

و غيرهما و دعوهما إلى البيعة و أهدوا إليهما و أغروهما بالولايات، و بعثوهما إلى النواحي لأخذ البيعة.

و لمّا علم أبو سفيان بواقع الحال أقبل مبادرا إلى بيت عليّ (عليه السلام) و قال: يا بني هاشم، يا بني عبد مناف، أرضيتم أن يكون هذا الأمر في أخسّ بيت و أذلّه من قريش، و قرأ عليهم شعره:

بني هاشم لا يطمع الناس فيكم‏ * * * و لا سيّما تيم بن مرّة أو عدي‏

و ما الأمر إلّا فيكم و إليكم‏ * * * و ليس لها إلّا أبو حسن علي‏

أبا حسن فاشدد لها كفّ حازم‏ * * * فإنّك بالأمر الذي يرتجي ملي‏

فقال له أمير المؤمنين: اسكت فإنّك لا تبتغي إلّا الفتنة، و تريد إفساد الأمّة و ليس الإصلاح، و إنّي مشغول بعزاء رسول اللّه، فلا أتركه و أذهب أنازع على سلطانه.

و قال جماعة: لم يتمّ أمر البيعة في اليوم الأوّل، و لمّا أصبح الصباح قال عمر لأبي بكر: أردت أمس بيعتك و لكن حيل دون ذلك، فقال أبو بكر: أنت أحقّ بها منّي، و عليّ مبايعتك، فقال عمر: أنت شيخنا و أنت الأحقّ و الأولى.

فلمّا كان اليوم الثالث عقدوا له البيعة، و أرضوا أبا سفيان فقطعوا لسانه لعنه اللّه و ذلك بوعده بتولية ولده يزيد على جيش أسامة بعد عزله، فلمّا تمّ لأسامة أربعون يوما عاد من رحلته، فأرسلوا يزيد بن أبي سفيان مكانه إلى الشام و بقي هناك لهذا السبب، و بقي معه معاوية أخوه ينوب عنه و عن الخلفاء.

و لمّا بلغت عليّا أخبار السقيفة، قال: كيف وقع ذلك؟ قالوا: وقع الخلاف بين المهاجرين و الأنصار، فقالوا: منّا أمير و منكم أمير، فغلبهم أبو بكر بما رواه من أنّ الأئمّة من قريش، فسلّم له الأنصار ذلك، فقال عليّ (عليه السلام): فإنّ قريشا شجرة

381

بنو هاشم ثمرتها، فكيف أنّ الصحابة احتجّوا بالشجرة و أضاعوا الثمرة (1).

و روت عائشة عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عن جبرئيل عن اللّه تعالى أنّه قال: قلّبت مشارق الأرض و مغاربها فلم أجد بني أب خيرا من بني هاشم، و كان عليّ هاشميّا من الأبوين؛ فأبوه أبو طالب بن عبد المطّلب بن هاشم، و أمّه فاطمة بنت أسد بن هاشم.

قيل لعليّ: إنّ الحقّ حقّك فما بالك قعدت عنه؟ فقال: ماذا أصنع، إنّ على المسلمين طلب إمامهم إلّا أنّهم ذهبوا إلى آخر غيره ليس بإمام خلافا لقول اللّه و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله)، و اليوم و النبيّ على فراش الموت و قد جاء الناس من كلّ حدب و صوب إليه للعزاء و أنا المعزّى به، فلو أذهب أطلب السلطان لسخر الناس منّي و عابوني بأنّي لم أصبر على عزاء رجل مثل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) خمسة أيّام و خرجت مخلّفا إيّاه جنازة على الفراش مطالبا بالملك، إنّ هذا لا يكون أبدا، و لا بدّ من مقامي هنا لقبول العزاء طوعا أو كرها، و لو فعل الناس فعل سلمان الفارسي و المقداد و عمّار بن ياسر و حذيفة و جندب و هو الذي نفاه أبو بكر من المدينة و أبو ذر و هو الذي نفاه عثمان إلى الربذة (2) و جابر بن عبد اللّه الأنصاري، و خزيمة بن ثابت‏

____________

(1) جاء في نهج البلاغة: لمّا انتهت إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) أنباء السقيفة بعد وفاة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، قال (عليه السلام): ما قالت الأنصار؟ قالوا: قالت: منّا أمير و منكم أمير، قال (عليه السلام): فهلّا احتججتم عليهم بأنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) وصّى بأن يحسن إلى محسنهم و يتجاوز عن مسيئهم؟ قالوا: و ما في هذا من الحجّة عليهم؟ فقال (عليه السلام): لو كانت الإمارة فيهم لم تكن الوصاية بهم، ثمّ قال (عليه السلام): فماذا قالت قريش؟ قالوا: احتجّت بأنّها شجرة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله). فقال (عليه السلام): احتجّوا بالشجرة و أضاعوا الثمرة ...

نهج البلاغة 1: 116 باب الخطب.

(2) لم يتيسّر لي معرفة جندب المنفي، و لكن أبا ذر يدعى جندبا و نفاه عثمان، و لعلّ الأمر التبس على المؤلّف و أخشى أن تكون يدا امتدّت إلى الكتاب بالتحريف لكثرة ما أرى من خلطه مع فضله العظيم و اطّلاعه الجمّ.

382

و عبد اللّه بن عبّاس رضي اللّه عنهم فإنّهم صاروا إليّ و تركوا بيعة أبي بكر.

و رابط أسامة في المدينة أيّاما لينضمّ إليه الرجلان فيكونان من رعيّته و كان هدف النبيّ إبعاد المشاغبين عن سماء المدينة ليصفوا الأمر إلى بني هاشم و عليّ (عليه السلام)، فقال الناس لأبي بكر: ليتك لم تبعث بأسامة إلى الروم ليقوم بردع من تسوّل له نفسه الخروج عليك أو من يأبى أن يبايع.

فذهب أبو بكر و عمر إلى أسامة: أيّها الأمير، أنت ترى ما عليه الصحابة فمرنا بأمرك هنا و اذهب مع الجيش حيث أمرك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و كان غرضهما عزله بعد أن يستتب لهما الأمر، فأمرهما بأمره و ذهب إلى الشام تنفيذا لأمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فلمّا مضى عليه أربعون يوما بعثوا يزيد بن أبي سفيان ورائه و نحّوه عن إمارة الجيش، فجاء أسامة إلى المدينة و وقف على باب المسجد و قال: يا سبحان اللّه! بالأمس كنت أميرا عليهم بنصّ رسول اللّه و اليوم عزلوني بالقوّة و تأمّروا عليّ مستبدّين، فلم يعبأ أحد منهم بقوله، و كان سبب عزله أنّ أبا بكر كتب إليه أنّ المسلمين بايعوني و لم يبق سواك فهلّم و بايع، فأجابه أسامة: أنا أحد المسلمين و لا أرضى بك.

الفصل الأوّل: في خلاف الصحابة

فقام أسيد بن حضير (1) الأنصاري و خطب خطبة، فقال: معاشر الأنصار، أنا رجل ممّن يهوون سعدا و أوسيّ، و قد أكرمكم اللّه تعالى بهجرة النبيّ إليكم و نصرتكم إيّاه، و إنّي أرى أن لا تلوّثوا أنفسكم بالخلافة، و دعوا هذا الأمر لقريش، فوقع هذا القول من الأنصار موقع القبول.

____________

(1) حصين- المؤلّف.

383

فقام أرثم بن ساعدة الأنصاري فحمد اللّه و أثنى عليه ثمّ قال: إنّكم تتداولون هذا الأمر مكرا و حيلة و هو حقّ أهل بيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فليس من العدل إدخال الظلم عليهم و أخذ الحقّ منهم و نصحهم كثيرا، فما استجابوا له و لم يتأثّروا بقوله.

فقام معن بن عدي الأنصاري و شتم أرثم و قال: إنّ أهل البيت في شغل شاغل بمصيبتهم و لا يمكن تأجيل أمر هذا الدين إلى حين فراغهم، و يجب تقديم أبي بكر.

فائدة: قيل: أراد أبو بكر و عمر الذهاب إلى بيت رسول اللّه للعزاء ثمّ يخرجون من هناك لتدبير أمر الحكم، و اضطرب الأنصار في أمر خلافة سعد بن عبادة فظهر الأمر للمغيرة بن شعبة فقام من ساعته و أقبل على أبي بكر و عمر و عثمان و شرح لهم واقع الحال و أعلمهم بما ينوي فعله الأنصار، فقال عمر: دفع حجّة الأنصار تقع على عاتق عليّ لأنّنا لا نقوى على ردّها.

فقال المغيرة لما يضمره من البغض لعليّ (عليه السلام) و العداء: ما هذا الخذلان؟ و أيّ حليم يرضى بهذا؟ لو أشركت عليّا في أمرك لسدّ عليك الذرائع، و حكم هو و بنو هاشم و سوف نبقى ما دمنا أحياءا و أولادنا أسرى أولاد ابن أبي طالب، و نظلّ لهم خولا و رعيّة ما عشنا و عاشوا، لأنّ الرجل ملي‏ء علما و حجّته قويّة جدّا، إيّاك ثمّ إيّاك أن تشاوره في الأمر أو تشركه به فإنّ ذلك بعيد عن الصواب جدّا.

فقال عمر: لقد أصدقتني القول، فما العمل إذن؟! ارجع لننتبذ ناحية و نتداول الأمر بيننا كيف ندفعهم و نهتبل الفرصة مادام عليّ و بنو هاشم خارج الساحة، فقبض على يده و قصدا قصد السقيفة، و أحكما الخطّة، و أهل البيت كلمة واحدة على أنّ القوم لم يشهدوا تجهيز النبيّ و لم يحضروا الصلاة عليه، و اعتذروا عن عدم ذلك بأنّه فرض كفاية لا فرض عين، و لمّا حضره بنو هاشم سقط الوجوب عنّا، و اعتزالنا كان للدين لأنّه لا بدّ من نصب الخليفة، و ما علما أنّ رعاية مصلحة الدين‏

384

ليست إليهم بل هي للّه تعالى و لرسوله (صلّى اللّه عليه و آله) صاحب الشرع.

و لمّا تمّ لهم الأمر قالوا لأبي بكر: اخطب خطبة تجمع الناس لتشتهر بينهم خلافتك، و نادى مناديهم في الناس أن اجتمعوا في المسجد، فاجتمعوا و قام أبو بكر خطيبا فيهم، و هي أوّل خطبة خطبها، و ذكرها أبو زيد عمر بن شبّة و هو من أكابر علماء أهل السنّة و الجماعة، و موثوقا به عندهم، و مع كلّ هذا فالإجماع حاصل عليها: يا أيّها الناس، إنّكم تكلّفون سنّة نبيّكم محمّد، ألا و إنّ لي شيطانا يعتريني فإذا اعتراني فاجتنبوني، لا أؤثر في أشعاركم و أبشاركم، و تعاهدوني بأنفسكم، فإذا استقمت فاتّبعوني، و إذا زغت‏ (1) فقوّموني‏ (2).

و روي أنّه قال: أيّها الناس، إنّي ولّيتكم و ليست بخيركم، إنّما أنا رجل منكم، و لكنّي أطولكم شغلا و أثقلكم حملا، و طاعتي ما أطعت اللّه فإن عصيت فلا طاعة لي عليكم، و إن عدلت فاتّبعوني، و إن ملت فاعتزلوني، ألا و إنّ لي شيطانا يعتريني عند غضبي فاتّقوني لا أؤثر بأشعاركم و أبشاركم، أو يفرط منّي إليكم ما أندم عليه.

و هذه رواية الحسن البصري و هو المغالي في ولاء أبي بكر و طالما أثنى عليه.

و يا عجبا من رجل له شيطان يعتريه بحيث يؤثر في أموال الناس و أعراضهم و لم يكن معصوما بإقراره على نفسه أنّ الشيطان يستولي عليه، فكيف يجوز للمسلمين الاقتداء به؟! و أيضا لا يؤمن شرّه في كلّ أوقاته لأنّه معرض لعروض الشيطان عليه، و أيّ عاقل يشهد على نفسه هذه الشهادة و يعترف عليها بما لا يقوله العدوّ في عدوّه؟!

____________

(1) رغبت- المؤلّف.

(2) يوجد هذا النصّ في تاريخ مدينة دمشق 30: 303 مع اختلاف يسير.

385

و لا يبعد أنّ الشيطان حمله على افتراء هذا الحديث «الأئمّة من قريش» و حديث نحن معاشر الأنبياء لا نرث و لا نورث ما تركناه صدقة، أو أنّ الشيطان أقرّه على تولّي أمر الخلافة و طلب البيعة من الناس لنفسه و إبطال حقّ عليّ في الإمامة.

و قال أيضا: فإن عصيت فلا طاعة لي عليكم، و إن عدلت فاتّبعوني، فأثبت على نفسه جواز المعصية و أمر الرعيّة أن تمتنع من طاعته ساعة عروض المعصية له، و بناءا على زعمه هذا أن يكون إماما في وقت دون وقت.

نعود إلى أصل المطلب: و لمّا تمّ له الخلافة قام في وجهه ناس من صلحاء الصحابة و احتجّوا عليه بما يأتي إن شاء اللّه. فندم أبو بكر على قبولها و قال: أقيلوني فلست بخيركم و عليّ فيكم، و نزل من المنبر و دخل بيته، فارتفع البكاء و الصيحة من المسجد فقبض عبيدة بن الجرّاح على يد أبي بكر و أدخله داره و بقيت الفتنة تضطرم ثلاثة أيّام، و وقع الناس في هرج و مرج، و طال الأخذ و الردّ بينهم.

فجاء عثمان في اليوم الثالث و معه مأة من الرجال و مثله فعل أبو عبيدة و سالم مولى حذيفة، و جاء خالد بن الوليد في جمع عظيم و مثله فعل المغيرة بن شعبة و قد لبسوا السلاح و سلّوا السيوف، و جاء عمر و أخذ بيد أبي بكر و قال له: قم إلى المسجد، فامتنع أبو بكر أشدّ الامتناع، فقال عمر: أفي هذا الساعة بعد أن خاضت فينا ألسنة الناس، إنّك لو أبيت هذا الأمر فإنّ الناس يطعنون بنا إلى يوم القيامة فكان أبو بكر يمتنع و عمر يصرّ عليه و يقول: بالأمس سخرت منّا و بدأت عمل الخلافة و اليوم تستقيلها، فإمّا أن تذهب إلى تولّي الأمر و أّت موفور الاحترام و إلّا قتلتك.

فقال أبو بكر: إنّ الناس يحتجّون عليّ و أنا يدركني الحياء، فقبض عمر على يده و أخرجه من البيت و أجلسه على المنبر و قال: أيّها الناس، من قام من مجلسه هذا و كلّم الشيخ بما كلّموه به أمس ضربت عنقه.

386

فقام خالد بن سعيد و قال: أتخوّفنا بالسيف يا عمر، و لو لا طاعة اللّه و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) و أنّ إمامنا عليّا لا يأذن لنا لعلمت من منّا الغالب و من المغلوب، و لكنّ طاعة إمامنا واجبة على كلّ حال.

سؤال: فيا للعجب كيف يصحّ أن يقع مثل هذا المنكر العظيم مع حضور عليّ و بني هاشم في وسط المعمعة فلا يغيرون و لا يستطيعون دفعا لما حدث بعد علمهم بالأمر و اطّلاعهم على واقع الحال، فما بالهم أخلدوا إلى السكوت؟

الجواب: نقول: شأنهم شأن هارون أخي موسى على نبيّنا و آله و عليهما السلام، فقد كان صاحبه و خليفته و يحيطه الآلاف من المؤمنين و عبد قومه العجل فلم يصنع شيئا يدفع به هذا المنكر إلّا عدم الرضا به، و نهيهم عنه، و كان آدم و معه آلاف من الملائكة في الجنّة و كفر إبليس بحضرتهم، و مثله يقال في نوح و إبراهيم و شعيب و سائر الأنبياء الذين كان لهم حضور في قومهم و كفروا باللّه العظيم فلم يملكوا القوّة الرادعة لمنعهم من هذا الكفر.

سؤال:

و مع علم أمير المؤمنين بحقّه و شجاعته الخارقة للعادة و قوّته الإلهيّة الضاربة كيف التئم معهم و صانعهم على باطلهم؟

الجواب: ممّا لا شكّ فيه أنّ درجة النبوّة أعلى من درجة الإمامة، و لمّا ذهب موسى إلى الطور و عاد منه و رأى ما رأى من قومه، أبان هارون عن عذره، فقال: يابن‏

387

أمّي ... إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَ كادُوا يَقْتُلُونَنِي‏ (1) و قال: إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَ لَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي‏ (2) أي أنّ الحلّ الوحيد هو إعلان الحرب عليهم و بذلك أخاف عليهم الفرقة و الانقسام فتكثر الفتنة و تزداد اشتعالا، و حينئذ نقول: إنّ عذر عليّ من جنس عذر هارون‏ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَ كادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ (3).

و هنا وجدوا عليّا ضعيفا أي لا يملك العدد و المدد، و عبد الناس العجل، و كان عليّ (عليه السلام) يكثر من قول: ما زلت مظلوما منذ قبض رسول اللّه، و مرّ هذا الباب مشروحا بأكثر ممّا قلناه هنا.

و لمّا بلغ بالقوم المقام إلى هذا الحدّ قالوا: لا يقف في وجوهنا شي‏ء اليوم، لكنّنا يتحتّم علينا أخذ البيعة من عليّ (عليه السلام) بأيّة وسيلة كانت و إلّا بقي أمرنا على غير التمام، و لا ينتظم لنا أبدا أمر.

تقول عائشة: ما بايع عليّ و فاطمة على قيد الحياة ستّة أشهر بعد وفاة

____________

(1) الأعراف: 150.

(2) طه: 94.

(3) الأعراف: 150.

هذا جواب واقعيّ و هو عين الصواب، فقد قال ابن أبي الحديد في شرحه على نهج البلاغة الجزء الثالث ص 301 و 302: سألت النقيب أبا جعفر يحيى بن زيد، فقلت له: إنّي لأعجب من عليّ (عليه السلام) كيف بقي تلك المدّة الطويلة بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)؟ و كيف ما اغتيل و فتك به في جوف منزله مع تلظّي الأكباد عليه؟! فقال: لو لا أنّه أرغم أنفه بالتراب و وضع خدّه في حضيض الأرض لقتل و لكنّه أخمل نفسه و اشتغل بالعبادة و الصلاة و النظر في القرآن و خرج عن ذلك الزي الأوّل و ذلك الشعار و نسي السيف و صار كالفاتك يتوب و يصير سائحا في الأرض أو راهبا في الجبال، فلمّا أطاع القوم الذين ولّوا الأمر صار أذلّ لهم من الحذاء (كذا) تركوه و سكتوا عنه. (بحار الأنوار 29: 139).

388

رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، هذا على روايتها، و أمّا ما رويناه في ذلك فيختلف عنها، و مرّت شذرة من ذلك.

يقول جعفر بن محمّد الصادق عليهما الصلاة و السلام: لم يتمّ تجهيز رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حتّى تنكّروا لعهده و تجمّعوا على خلاف ما أمرهم به.

شعر:

من مبلغ عنّا النبيّ محمّدا * * * أنّ الورى عادوا إلى العدوان‏

إنّ الذين أمرتهم أن يعدلوا * * * لم يعدلوا إلّا عن الأيمان‏

غصبوا أمير المؤمنين مكانه‏ * * * و استأثروا بالملك و السلطان‏

بطشوا بفاطمة البتول و أخذوا (1) * * * ميراثها طعنا على الفرقان‏

فلمّا فرغ الإمام من دفن النبيّ و الاشتغال بعزائه قيّد نفسه بجمع القرآن، و ائتمّ به الشيعة و لم يبق معه إلّا النزر اليسير من الصحابة.

و قال عمر لأبي بكر: إنّ جماعة الناس بايعونا ما عدا عليّا فأرسل إليه من يحضره للبيعة، فبعث عمر قنفذ لعنه اللّه- و هو ابن عمّه- إلى أمير المؤمنين، فقال:

أجب خليفة رسول اللّه. فقال عليّ (عليه السلام): ما أسرع ما كذبتم على رسول اللّه! و نكثتم فارتددتم، و قال لقنفذ: إنّما أنت سمّيت نفسك بهذا الاسم.

فلمّا بلّغه قنفذ الرسالة، قام عمر مغضبا و أقبل يريد عليّا، فاستوقفه أبو بكر و قال: صدق عليّ ما أنا بخليفة لرسول اللّه، و قال لقنفذ: اذهب إليه و قل له:

أمير المؤمنين يدعوك، فأبلغه قنفذ الرسالة، فقال عليّ: يا قنفذ، قل له: إنّك انتحلت اسما هو لغيرك، فقد لقّب رسول اللّه غيرك به و هو لقبي الذي وضعه رسول اللّه عليّ.

____________

(1) لا يستقيم وزن الصدر إلّا إذا وضعنا مكان «أخذوا»، «صادروا».

389

و بلّغ قنفذ أبا بكر قول عليّ، فهبّ عمر واقفا و قال: إنّ أمرنا لا يتمّ بغير قتل عليّ، و سآتيك برأسه من ساعتي هذه، فأقسم عليه أبو بكر أن يجلس، و قال لقنفذ:

اذهب إليه و قل له: أبو بكر يدعوك إليه، فجائه قنفذ فأبلغه ما قاله أبو بكر، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): و ما كنت بالذي أترك وصيّة حبيبي و أخي إلى باطلكم، و ما اجتمعتم عليه من الجور و الفساد في أمّة محمّد.

فرجع قنفذ و أبلغهم الذي سمعه من عليّ، فغضب عمر غضبا شديدا و دعا خالدا بن الوليد و جماعة من المنافقين، فجمعوا الحطب و أقبلوا إلى بيت فاطمة به و هي لا تعلم لما داهمها من شدّة المصاب، و قد جلست جلسة الحزين مطأطأة الرأس، و قد بكت كثيرا فأصابها ألم برأسها (عليها السلام)، و ما فتئت تنشأ المرثية بعد الأخرى لفراق أبيها، و ما زالت يغشى عليها مرّة و تفيق أخرى، فإذا تذكّرت أباها رسول اللّه دعت الحسنين إليها و نظرت إليهما و قالت: أين أبو كما الذي يكرمكما؟

أين أبو كما الذي كان أشدّ الناس شفقة عليكما؟ أين أبوكما الذي كان لا يدعكما تمشيان على الأرض؟ إنّا للّه و إنّا إليه راجعون، لا أرى جدّكما يفتح هذا الباب لا يحملكما على عاتقه.

لفاطمة (عليها السلام):

و كنّا كغصني بانة وسط روضة * * * ففرّقنا ريب الزمان الموارب‏

كذا الموت لا يبقى خليلا لخلّة * * * أنوح و أشكو لا أراك مجاويي‏

فيا ساكني الصحراء علّمني البكا * * * و حزنك أنساني جميع المصائب‏

إذا اشتدّ شوقي زرت قبرك باكيا * * * أنوح و أشكو لا أراك مجاويي‏

فإن تك عنّي في التراب مغيّبا * * * فما أنت عن قلبي الحزين بغائب‏

و بينما هم كذلك و إذا بعمر و معه أصحاب العناد و النفاق على الباب، و قال عمر:

يابن أبي طالب، افتح الباب و إلّا أضرمنا عليك الدار نارا. فقالت فاطمة (عليها السلام): اتّق‏

390

اللّه يا عمر في حرم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، لا تدخل فإنّه عليك حرام، فعاندها عمر و دخل البيت مع المنافقين، فصاحت فاطمة: يا أبتاه، ما لقينا من أبي بكر و عمر بعدك، و رفع عمر سيفه و هو في غمده فضرب به جنب مولاتنا فاطمة (عليها السلام) (لعن اللّه عمر بن الخطّاب- المترجم) و ضربها قنفذ لعنه اللّه بالسوط على متنها، فصاحت فاطمة: يا أبتاه، ما لقي أهل بيتك من أبي بكر و عمر من بعدك.

فنهض أمير المؤمنين و أمسك عمر من تلابيبه و جلد به الأرض و أراد قتله، فتذكّر وصيّة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فأطلقه، و كان من المنظرين: فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ* إِلى‏ يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ‏ (1)، و قال: يابن صهّاك الحبشيّة، لو لا وصيّة سبقت من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لعلمت أيّنا الأضعف، و اللّه لقد همّ رسول اللّه بقتلك و أمرني بذلك، فجائت هذه الآية: فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (2).

و جاء عمر المدد و سلّ خالد سيفه ليقتل به عليّا، فسلّ الزبير سيفه على خالد، فأقسم عليه الإمام أن لا يفعل، فجاء سلمان و المقداد و أبو ذر مددا لعليّ، و لكن جيش النفاق تغلّب عليهم و أخرجوا عليّا معهم من بيته و ورائه فاطمة تصيح، و المسلمون يقولون: ما أسرع ما نسيتم رسول اللّه و أخرجتم الضغائن التي في صدوركم لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، إنّا للّه و إنّا إليه راجعون، ذهب الإسلام اليوم.

و قال بريدة لعمر: أتظلم أهل بيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أنت الذي تعرفه قريش.

و جاء خالد و معه السيف في الغمد و أوقف أمير المؤمنين قبال أبي بكر، فصاح أبو بكر ليوهم الناس: خلّوا سبيله، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) لأبي بكر: أغدرتم بأخي رسول اللّه و ظلمتموه، بأيّة حجّة تدعو الناس إلى بيعتك؟ أنسيت اليوم‏

____________

(1) الحجر: 37- 38، ص: 80- 81.

(2) مريم: 84.

391

الذي بايعتني به بأمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و لقد توفّي رسول اللّه و هو غاضب عليكم، و كنت أنت العاصي.

فقال أبو بكر: دعنا من أباطيلك و هلّم فبايع و إلّا ضربت عنقك.

فقال عليّ (عليه السلام): إذن أكون عبد اللّه و أخا رسوله المقتول، و لو لا وصيّة رسول اللّه لأريتكم تفاهة شأنكم و عجزكم عن مقارعتي.

فقال بريدة لأبي بكر: أمس أمرك رسول اللّه بالسلام على أمير المؤمنين (عليه السلام)، باللّه أقسم لا أبقى في بلد أنت فيه، فأمر أبو بكر بتعتعته و إخراجه بعيدا من المجلس.

فقام سلمان و كانت له مع أبي بكر و عمر عداوة ظاهريّة، و وعظ أبا بكر و أبان عن فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام)، ثمّ قام من بعده مقداد و أبو ذر و وعظا القوم كثيرا، و قالا في الختام: لو كنّا نعلم بأنّ الظلم يدفع عن أهل البيت بقتالنا لسللنا سيوفنا و قاتلنا حتّى يستقيم أمر العترة، و يعود الحقّ إلى صاحبه.

و كان أبو بكر على المنبر و القوم يخاطبونه حتّى قال له عمر: مالك ساكت، مره حتّى يبايع و إلّا ضربنا عنقه، و بكى الحسن و الحسين حين سمعا بهذا و كانا مع أبيهما، و أبكيا جماعة ممّن حضروا مثل أبي ذر و بريدة و سلمان و المقداد و آخرين، فضمّهما عليّ (عليه السلام) إلى صدره، و لمّا سمعت أمّ أيمن بكاء الحسنين، قالت: يا أبا بكر، أأظهرتم النفاق و أغلظت لهم القول.

فقال أبو بكر: يا علي، بايع، قال: فإن لم أفعل فما أنت صانع؟ قال: أضرب عنقك، فكرّر القول ثلاث مرّات لإكمال الحجّة، و في جميع ذلك يقول أبو بكر:

نضرب عنقك.

فقام خالد المنافق و قبض على تلابيب أمير المؤمنين، فصارعه أبو ذر و قال له:

إنّ عداوتك و عداوة أبيك لرسول اللّه و أهل بيته قديمة، و اليوم أبنت عنها.

فخاف أبو بكر الفتنة على نفسه من العامّة فنزل عن المنبر و ضرب بيده على يد

392

أمير المؤمنين موهما أنّه بايع و كان يقول كاذبا: إنّ عليّا بايعني، فبايعوني أنتم أيضا.

فخرج أمير المؤمنين (عليه السلام) من هناك و معه سلمان و المقداد و بريدة و الحسن و الحسين (عليهما السلام) و ذهبوا إلى ضريح النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و شكوا إليه غدر الصحابة، و أقبل جماعة من المسلمين على عليّ (عليه السلام) و قالوا له: عزّ و اللّه علينا ما صنع بك بعد رسول اللّه، ادعنا إلى ما شئت فإنّا لك بحيث تحبّ.

فعلم أمير المؤمنين بأنّ المنافقين يفوقون المؤمنين بالعدد، فنهاهم عن الخروج لأنّهم لا يملكون العدّة و العدد الكافيين.

و كانت فاطمة (عليها السلام) تستنهض الأنصار؛ الصغار و الكبار، و قيل: إنّها خرجت و هي مريضة إلى بيوت الأنصار تستنهضهم و تستعين بهم لإتمام الحجّة عليهم، و عليّ و الحسنان (عليهم السلام) معها، فلم يجبها أحد منهم، و كان جوابهم لها واحدا: ليس لنا بالقوم طاقة لأنّهم أقوياء و حريصون على الظلم.

و يقال: إنّ معاذ بن جبل سأل أباه: ما كان غرض فاطمة في مجيئها إليك؟ فقال:

طلبت منّي نصرها على ظالميها فلم أجبها لذلك، فغضب على أبيه و قال: لا كلّمتك من رأسي أبدا، أتأتيك بنت رسول اللّه مستصرخة ثمّ تخرج آيسة من نصرك.

و قيل: إنّ فاطمة أسقطت المحسن لضرب عمر (لعنه اللّه- المترجم) إيّاها على بطنها.

و لمّا أدركها اليأس من نصرة أصحاب أبيها لها عادت إلى بيتها مهمومة مغمومة، و جلست في بيتها حتّى غصبوا فدكا منها، فلمّا فعل الرجل ذلك جاءت إليه و قالت: يا أبا بكر، أما علمت بأنّ فدكا لي حتّى غصبتها، و وعظته وعظا كثيرا، فطلب أبو بكر بياضا ليكتب لها كتابا بفدك، فسأله عمر: يا خليفة رسول اللّه، ماذا

393

تصنع؟ فقال: جائت ابنة رسول اللّه و ادّعت أنّ رسول اللّه نحلها فدكا في حياته‏ (1)، فتناول البياض من يد أبي بكر و خرّقه، و قال: أيّتها المرأة، ايتينا بشاهد أنّ رسول اللّه أعطاك فدكا، و كان مع الزهراء عدد من النساء فاتّجهت من بينهنّ إلى أمّ أيمن و قالت: يا أمّ أيمن، اشهدي بما تعلمين.

فقالت أمّ أيمن لا أشهد حتّى تشهدوا بما قاله لي رسول اللّه في بيته من أنّي امراة في الجنّة، فقالوا: نعم سمعناه قال ذلك. ثمّ قالت: ناشدتكم اللّه أما سمعتم قول النبيّ:

من كذب عليّ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النار؟ فصاحوا بأجمعهم: اللهمّ نعم. قالت:

فلو كذبت على رسول اللّه لبدّل اللّه بيتي الذي في الجنّة إلى بيت في النار. ثمّ قالت:

أشهد أنّ رسول اللّه تصدّق على فاطمة بنته بفدك، و شهد أمير المؤمنين أيضا.

فقام عمر مغضبا، و قال: لا نقبل شهادتك لأنّك امرأة من العجم و لا تفهمين العربيّة، و عليّ يجرّ النار إلى قرصه‏ (2).

الفصل الثاني: في وفاة فاطمة (عليها السلام)

فعادت فاطمة إلى البيت منهم غاضبة، و أنشبت العلّة فيها أظفارها، فكانت‏

____________

(1) رحم اللّه المؤلّف، يظهر من كلامه أنّ أبا بكر ألين من عمر عريكة، و أحسنه طريقة، و لكنّ الواقع أنّه شرّ منه لشقوته و نكرانه جميل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أنّه صاحب المزاج العصبي الذي أحرق آلاف المسلمين شيبا و شبّانا و صبيانا، ذكورا و إناثا فيما أطلق عليه حروب الردّة و هو صاحب الفكرة في سحب عليّ من بيته و إحراقه عليهم، و هو صاحب التهديد بضرب العنق، و هو صاحب الجرائم الكبرى التي سطرها الطبري في تاريخه، و لك أن ترجع إليه لتعرف سرّ ما أقول لك، فلعنه اللّه و أخزاه.

(2) فما لأبي بكر لا يجيب؟! فهل قطع اللّه لسانه يومذاك؟! إنّي أردّ كثيرا ممّا قاله المؤلّف حيث يضفي شكلا من أشكال الخير على أوّل ظالم ظلم حقّ محمّد و آل محمّد، لعنه اللّه.

394

تزداد في كلّ يوم ذبولا، إلى أن مرّ عليها أربعون يوما و هي راقدة على فراش المرض من ظلمهم لها.

فأقبل أبو بكر و عمر لعيادتها، فلم تأذن لهما فاطمة (عليها السلام)، فظهر الجزع على أبي بكر، و قال: و اللّه لا أعود إلى بيتي حتّى تأذن لي فاطمة، و ترضى عنّي، و خرجت فاطمة تلك الليلة إلى البقيع.

و رأى عمر أمير المؤمنين في تلك الليلة و قال: و اللّه إنّ أبا بكر صادق فيما قال، و قد أقسم باللّه لا يذهب إلى بيته حتّى ترضى عنه فاطمة (1)، فلو استأذنت فاطمة في زيارتها عسى أن تأذن له بشفاعتك.

و كان أمير المؤمنين (عليه السلام) طاهر القلب، سليم النفس، فقال: أفعل إن شاء اللّه.

فأقبل عليها و قال لها: يابنة العم، و يابنة خير خلق اللّه، إنّ أبا بكر و عمر استأذنا في زيارتك و طلب رضاك و العفو عمّا بدر منهما بحقّك.

فقالت فاطمة (عليها السلام): يابن العمّ، المنزل منزلك و الإذن فيه إليك، و النساء تبع للرجال، فسمعا و طاعة، فاصنع ما بدالك، و أعوذ باللّه أن أعصيك طرفة عين، و أذنت لهما و قالت: يا علي، ألحفني الثوب، و قالت لنساء بحضرتها: حوّلن وجهي إلى الحائط.

فأقبل الرجلان و سلّما، فلم تردّ عليهما، فقال أبو بكر: نحن إنّما جئنا لطلب رضاك يابنة رسول اللّه قبل موتنا و نريد منك إبراءا للذمّتنا.

فقالت فاطمة: لا و اللّه و لا كرامة، ثمّ قالت: أريد أن أسألكم و أريد أن تصدّقاني إن صدقتما، و بعد ذلك أقول ما يصلحنا.

____________

(1) لو كان صادقا فيما يقول لردّ عليها ما أخذه منها و تنحّى لهم عن إمامتهم، و أعلن التوبة عسى اللّه أن يتوب عليه، أمّا أن يظهر الندم و هو مصرّ على ما فعل فإنّما هي دموع التماسيح.

395

قالا: لنصدّقنّك.

قالت: أما قال أبي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): فاطمة بضعة منّي، من آذاها فقد آذاني، و من آذاني فقد آذى اللّه؟

فقالا: أجل و اللّه لقد سمعناه قال ذلك.

ثمّ قالت فاطمة: اللهمّ إنّي أشهدك و جميع ملائكتك و رسلك و جميع من حضر أنّهما آذياني في حياتي بعد موت أبي، أخرجا عنّي، و اللّه لا رضيت عنكما حتّى ألقى أبي و أبثّه الشكوى، و أخبره بما ظلمتماني به.

فقام أبو بكر خزيان يدعو بالويل و الثبور، و خرج من عندها، فقال عمر: ما أعجبك، ويل للقوم الذين أمّروك عليهم، و ما زال به حتّى استلّ السخيمة من نفسه، و قال له: كيف يجزع الرجل لقول امرأة و يفرح لرضاها.

و بقيت الزهراء طريحة الوسادة و قيده أربعين ليلة إلى أن دنى أجلها، فاستدعت عليّا (عليه السلام) و أسماء بنت عميس الخثعميّة و أمّ أيمن، و قالت: أخبروني بموتي و أنّي أوصيكم. فقال عليّ (عليه السلام): أوص بما شئت. فأوصت فاطمة بوصيّتها، فقالت: يا علي، إنّي حفظت رضا اللّه و رسوله و رضاك لأنّك زوجي، و لم أكذب قطّ، و لم يرتفع صوتي بالقهقهة، و قالت جملا مثل ذلك، ثمّ قالت: تزوّج أمامة من بعدي، فإنّها امرأه مشفقة على أولادي‏ (1)، و إنّي أرى الملائكة قد حضروا لتجهيزي، و ينبغي أن تحضر أسماء و فلانة و فلانة إلى أربع نسوة غسلي، و ادفنّي يا علي ليلا لئلّا يحضر عدوّ اللّه و رسوله جنازتي، و لئلّا يصلّوا عليّ.

____________

(1) لم يقل عن أمامة أنّها ابنة أخت الصدّيقة (عليها السلام) لأنّه ذهب إلى ما ذهب إليه صاحب الاستغاثة من كون زينب و رقيّة من رجل تميميّ تزوّج هالة أخت خديجة فأولدها إيّاهما، و لكن فات المؤلّف أنّ زينب لو كانت بنت هالة لم يزوّجها النبيّ من أبي العاص لأنّه ابن هالة أيضا فيكون أخاها من جهة الأمّ فكيف يتزوّجها، يا ناس! أرجو أن يفتح عينيه جيّدا من يذهب هذا المذهب.

396

و لمّا أسلمت الروح (عليها السلام) فارتفعت الصيحة من نساء قريش، فبكى الحسن و الحسين و أمّ كلثوم على أمّهم، و بكى الناس لبكائهم، فجاء أبو بكر و عمر إلى عليّ و عزّياه عنها، فلم يجبهما أمير المؤمنين، و قالا: لا بدّ من إخبارنا لحضور جنازتها و الصلاة عليها، فلم يجبهما أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقال عمر: إنّ عليّا لا يجيب لحزنه ممّا نزل به.

فخرج سلمان و قال: اذهبوا إلى بيوتكم فقد أخرّنا تجهيز الزهراء.

فقال عمر: أقسم باللّه ما أرادوا بالتأخير إلّا دفنها سرّا فلا نحضر جنازتها.

فلمّا تفرّق القوم و مضى هزيع من الليل أحضروا نعش فاطمة، و دار به عليّ و الحسن و الحسين و سلمان و أبو ذر و المقداد و العبّاس و ولداه عبد اللّه و الفضل، و حضرها عقيل بن أبي طالب و عبد اللّه بن جعفر و بريدة و عمّار و الزبير و أسامة و بنات عليّ و نساء من قريش، و صلّى الحاضرون على جنازة الزهراء (عليها السلام) ثمّ دفنوها إلى جانب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من جهة منبره.

فلمّا أصبح الصباح اجتمع الناس عند بيت فاطمة (عليها السلام) للصلاة عليها، فلمّا بصر المقداد بأبي بكر، قال: إنّنا ألحدناها ليلا.

فقال عمر: ألم أخبرك يا أبا بكر بما ينوون.

فقال المقداد: إنّ فاطمة أوصت بذلك لئلّا تحضروا جنازتها.

فرفع عمر يده و ضرب المقداد على وجهه، و ما زال يضربه حتّى كلّ من الضرب، فحال الحاضرون بينهما، و خلّصوا المقداد من شرّه.

فلمّا خلص المقداد من يده استقبله بوجهه و قال: لا عجب من ضربك إيّاي فقد ضربت بنت رسول اللّه بالسيف- و هو مغمد- على جنبها فأدميته و ألهبت متنيها بالسوط حتّى ماتت على هذه الحالة، و أنا أدنى منزلة منها و من بعلها.

و لمّا سمعوا هذا الكلام منه، قالوا: و اللّه لأحقّ الناس بالضرب و العقوبة عليّ بن‏

397

أبي طالب، و أقبلوا نحو عليّ و إذا به جالس على باب داره، فدار به أصحابه، و ناداه عمر: يابن أبي طالب، ما أنت بتارك حسدك القديم، غسّلت رسول اللّه من دون علمنا، و صلّيت على فاطمة و لم نحضرها، و حملت الحسن على أن يخاطب أبا بكر قائلا: انزل عن منبر أبي.

فاحتقره عليّ (عليه السلام) و لم يجبه، فانبرى عقيل للجواب، و قال: و أنتم و اللّه لأشدّ الناس حسدا و أقدم عداوة لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أهل بيته، ضربتموها بالأمس و خرجت من الدنيا و ظهرها بدم‏ (1) (كذا) و هي غير راضية عنكما، فمدّ عمر يده إلى عقيل، فلمّا بصره به عليّ يفعل هذا أخذه من تلابيبه و قال: و اللّه ما أراك تنتهي يابن الخطّاب حتّى نتكلّم بما فيك!!

و قام بنو هاشم يظاهرون عليّا (عليه السلام) و نهض معهم الزبير بن العوام و العبّاس و عبد اللّه بن جعفر و سلمان و المقداد و أبو سفيان بن الحرث بن عبد المطّلب و أبو ذر و عمّار و خيار المؤمنين الصحابة مددا لعليّ (عليه السلام)، و سلّ خالد السيف على عليّ، فقال له عليّ (عليه السلام): يا فاسق الخبيث، ما كان ظالما أشرّ على رسول اللّه بسيفك هذا أنت و أبوك‏ (2)، فقام أبو بكر و قبض على يد عليّ و قال له: اجلس يا أبا الحسن، فقال:

____________

(1) هكذا وردت الكلمة، و الصحيح أنّها «مدمى».

(2) من الواضح أنّ أخبار المؤلّف هذه لم يعزها إلى أحد و لم يشر إلى مصدرها و ليس لها سند للنظر فيه، و الذي يجعلها مقبولة عندنا الثقة بناقلها رحمه اللّه، و مع انعدام المصدر يذهب البحث و التحرّي سدى، و هذه العبارة مغلوطة و لم أستطع التأكّد من صحّتها لعدم الثور على راويها أو الكتاب الذي أخذها المؤلّف منه لذلك تركتها كما ذكرها المؤلّف، ثمّ هو لم يترجمها لأهتدي إلى صيغتها الصحيحة من معنى العبارة المترجمة إليها و أحيط القارئ علما بانّ كثيرا من هذه الأخبار عثرت عليه لأوّل مرّة في كتاب الكامل على أنّ بعض السياقات أشكّ في صحّتها لتكرّر الضرب و الاقتتال و سلّ السيوف بين كلمة و كلمة، و هذا إن لم يكن عجيبا من الخصوم فهو عجيب من أهل البيت (عليهم السلام).

398

كلّا بل نذهب إلى القبر فنجلس بينه و بين المنبر.

فلمّا بلغوا المكان أقسم أمير المؤمنين هناك قائلا: بحقّ المنبر و من فيه أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أوصاني أن لا يرى جسمي أحد سواك و من رأى عورتي عمي، فقلت: يا رسول اللّه، من يعينني؟ قال: جبرئيل و الملائكة، فغسّلت رسول اللّه و عصّبت عيني الفضل بن العبّاس، و كان ينقل لي الماء و الملائكة تقلّب رسول اللّه كما أريد، فأردت أن أخلع قميصه فهتف بي هاتف فكنت أسمع صوته و لا أرى شخصه: لا تنزع الثوب من رسول اللّه، فأحضرت الحنوط و الكفن و أدرجت رسول اللّه في كفنه و خلعت بعده قميصه.

و أمّا الحسن فقد كان معلوما لديكم أنّ النبيّ إذا خطب يأتي و يجلس على كتفي النبي و يضع رجليه خلفه في عنقه، فلمّا وقعت عينه على غير جدّه على المنبر غضب الطفل و آلمه ذلك، فقال: انزل عن منبر أبي، و أقسم باللّه أنّي ما علّمته الذي قاله.

و أمّا ما كان بينكما و بين فاطمة فهو معلوم لديكما، و لقد ماتت غاضبة عليكما و أوصتني و قالت: إن هما صلّيا عليّ شكوتك إلى أبي بمثل الذي أشكوهما، فكرهت أن أغضبها.

قال الإمام الصادق (عليه السلام): تحالف القوم على قتل أمير المؤمنين، و قالوا: لن يخلو لنا الجوّ حتّى نقتل عليّا، فدعوا خالدا و قالوا: لنا إليك حاجة، إن قبلتها. قال:

أطعتكما و لو أمرتماني بضرب عنق عليّ بن أبي طالب. فقالا: هذا هو ما نريده منك. فاتعدوا على أن يأتي خالد بالسيف عند صلاة العتمة فإذا رفع أبو بكر صوته بالصلاة علاه خالد بالسيف.

و جائت أسماء بنت عميس ليلا و أخبرت عليّا بما ينوي الرجلان من قتله بيد خالد بن الوليد، و أمرته بالحذر، فندم أبو بكر و هو في الصلاة، فسلّم إخفاتا لئلّا

399

يسمعه خالد و قال: لا يفعلنّ خالد ما أمرته فإن فعل لأضربنّ عنقه، و السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته.

و أجاز المخالفون التكلّم في الصلاة بناءا على فعل أبي بكر.

فقبض أمير المؤمنين (عليه السلام) على يد خالد و قال: أأنت فاعل ما أمروك به؟ فقال خالد: نعم، و اللّه أردت ضرب عنقك بالسيف، فقبض الإمام على قلاصمه حتّى كاد يختنق، و نهض عقيل يخاصم خالدا و يدافع عن أخيه و يطلق لسانه في أبي بكر و عمر.

ثمّ قال عمر: و اللّه لأستخرجنّ فاطمة من قبرها و لأقيمنّ الصلاة عليها، فقال عليّ: لو فعلت ذلك لأجرّدنّ سيفي فيكم حتّى أقتل، و اجتمع نساء بني هاشم في المسجد و صحن بصوت واحد: أردتم قتل رسول اللّه فلم تقدروا عليه فقتلتم ابنته بالأمس و تريدون قتل أخيه، و اغوثاه باللّه و برسوله، ما من منكر فينكر، ما من مسلم يقوم فيتكلّم بالحقّ بما صنع بوصيّ رسول اللّه و خليفته من بعده، فلم يجبهنّ أحد إلّا نفر قليل من المسلمين.

فخرج عليّ من بينهم و تبعه بنو هاشم، و أقبل على قبر النبيّ و أرخى عينيه بالدموع فبكى بكاءا كثيرا.

قال ابن عبّاس: ما إن وقعت عين عليّ (عليه السلام) على قبر رسول اللّه حتّى قال: ي ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَ كادُوا يَقْتُلُونَنِي‏ (1)، إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَ لَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي‏ (2)، و أقسم على الناس فرجعن من حيث جئن.

____________

(1) الأعراف: 150.

(2) طه: 94.

400

الفصل الثالث‏

سأل أبان بن تغلب من الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): يابن رسول اللّه، أما ردّ أحد من الصحابة على مدّعي الإمامة؟ فقال: بلى، ردّ عليهم اثنا عشر رجلا من أصحاب رسول اللّه و هم: خالد بن سعيد بن العاص، و المقداد، و أبيّ بن كعب و عبد اللّه بن مسعود، و عمّار، و أبوذر الغفاري، و سلمان، و بريدة من المهاجرين، و من الأنصار: خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، و سهل بن حنيف، و أبو أيّوب، و أبو الهيثم بن التيّهان.

اجتمع هؤلاء و تعاهدوا على جذب أبي بكر من المنبر، و قال أحدهم: وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ (1)، قالوا: نذهب إلى عليّ (عليه السلام) نستشيره.

فقال عليّ (عليه السلام): لو فعلتم ذلك لكنتم كالمال المنهوب لا يأتي بشي‏ء، و كالملح المذاب في المرجل، إنّ القوم رجعوا إلى جاهليّتهم الأولى و أظهروا العداوة للّه و رسوله، و أظهروا حقدهم القديم، و إنّ رسول اللّه أخذ عليّ السكوت و إلّا استأصلت أنا و أهل بيتي، و أنا شاورت أهلي فرأوا الصواب فيما أفعل لعلمهم أنّ قلوب القوم ملئت بالعداوة للّه و رسوله، و قال لي رسول اللّه: عليك بالصبر حتّى ينزل الأمر، ألا و إنّهم سيغدرون بك لا محالة فلا تجعل لهم سبيلا إلى إذلالك و سفك دمك، فإنّ الأمّة ستغدر بك بعدي كذلك أخبرني جبرئيل عن ربّي‏ (2).

____________

(1) البقرة: 195.

(2) و الرواية ذكرها الشيخ في الخصال و لكن بسياق آخر قريب من سياق المؤلّف و نحن نأتيك به ليكون مائز بين رواية المؤلّف المترجمة و بين الأصل.

عن زيد بن وهب قال: كان الذين أنكروا على أبي بكر جلوسه في الخلافة و تقدّمه على عليّ بن-

401

ثمّ انطلقوا حتّى أتوا منبر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فحفّوا به يوم جمعة، فقالوا للمهاجرين:

إنّ اللّه عزّ و جلّ بدأ بكم في القرآن، فقال: لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَ الْمُهاجِرِينَ‏

____________

- أبي طالب (عليه السلام) اثني عشر رجلا من المهاجرين و الأنصار، و كان من المهاجرين: خالد بن سعيد ابن العاص و المقداد بن الأسود و أبيّ بن كعب و عمّار بن ياسر و أبو ذر الغفاري و سلمان الفارسي و عبد اللّه بن مسعود و بريدة الأسلمي، و كان من الأنصار خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين و سهل بن حنيف و أبو أيّوب الأنصاري و أبو الهيثم بن التيّهان و غيرهم، فلمّا صعد المنبر تشاوروا بينهم في أمره، فقال بعضهم: هلّا نأتيه فننزله عن منبر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و قال آخرون: إن فعلتم ذلك أعنتم على أنفسكم، و قال اللّه عزّ و جلّ: «و لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة»، و لكن امضوا بنا إلى عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) نستشيره و نستطلع أمره.

فأتوا عليّا (عليه السلام) فقالوا: يا أمير المؤمنين، ضيّعت نفسك و تركت حقّا أنت أولى به، و قد أردنا أن نأتي الرجل فننزله عن منبر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فإنّ الحقّ حقّك و أنت أولى بالأمر منه، فكرهنا أن ننزله من دون مشاورتك.

فقال لهم عليّ (عليه السلام): لو فعلتم ذلك ما كنتم إلّا حربا لهم، و لا كنتم إلّا كالكحل في العين أو كالملح في الزاد، و قد اتفقت عليه الأمّة التاركة لقول نبيّها، و الكاذبة على ربّها، و لقد شاورت في ذلك أهل بيتي فأبوا إلّا السكوت لما تعلمون من وغر صدور القوم و بغضهم للّه عزّ و جلّ و لأهل بيت نبيّه (عليهم السلام)، و أنّهم يطالبون بثارات الجاهليّة، و اللّه لو فعلتم ذلك لشهروا سيوفهم مستعدّين للحرب و القتال كما فعلوا ذلك حتّى قهروني و غلبوني على نفسي، و لبّبوني، و قالوا لي: بايع و إلّا قتلناك، فلم أجد حيلة إلّا أن أدفع القوم عن نفسي و ذاك أنّي ذكرت قول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): يا علي، إنّ القوم نقضوا أمرك و استبدّوا بها دونك و عصوني فيك، فعليك بالصبر حتّى ينزل الأمر، ألا و إنّهم سيغدرون بك بعدي، كذلك أخبرني جبرئيل (عليه السلام) عن ربّي تبارك و تعالى، و لكن ائتوا الرجل فأخبروه بما سمعتم من نبيّكم و لا تجعلوه في الشبهة من أمره ليكون ذلك أعظم للحجّة عليه و أزيد و أبلغ في عقوبته إذا أتى ربّة و قد عصى نبيّه ... الخ.

و اقتصرنا في الهامش على هذا المقدار من رواية الخصال، و أتممنا بما تبقّى من الرواية سياق المؤلّف في المتن لأنّه لا يختلف عنه إلّا بجمل بسيطة جدّا، و قد وضعنا ما اختلف بين قوسين أو حاصرتين تمييزا له، راجع الخصال: 462، نشر جماعة المدرّسين في الحوزة العلميّة في قم، تحقيق غفاري.

402

وَ الْأَنْصارِ (1) فبكم بدأ، و كان أوّل من بدأ و قام خالد بن سعيد بن العاص، بإدلاله ببني أميّة، (و كان أبو بكر على المنبر) فقال: يا أبا بكر، اتّق اللّه، فقد علمت ما تقدّم لعليّ (عليه السلام) من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، ألا تعلم أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال لنا و نحن محتوشوه في يوم بني قريظة و قد أقبل على رجال منّا ذوي قدر، فقال: يا معشر المهاجرين و الأنصار، أوصيكم بوصيّة فاحفظوها، و إنّي مؤدّ إليكم أمرا فاقبلوه، ألا و إنّ عليّا أميركم من بعدي و خليفتي فيكم، أوصاني بذلك ربّي و هو أعلم، و إنّكم إن لم تحفظوا وصيّتي فيه و لم تؤدّوا أمر دينكم (و تؤووه و تنصروه اختلفتم في أحكامكم و اضطرب عليكم أمر دينكم) و ولي عليكم ألأمر شراركم، ألا و إنّ أهل بيتي هم الوارثون الأمر (أمري)، القائمون (القائلون) بأمر أمّتي من بعدي، اللهمّ فمن أطاعهم من أمّتي و حفظ فيهم وصيّتي فاحشره في زمرتي و اجعله له من مرافقتي نصيبا يدرك به فوز الآخرة، اللهمّ و من أساء خلافتي في أهل بيتي فاحرمه الجنّة التي عرضها السماوات و الأرض.

فقال له عمر بن الخطّاب: اسكت يا خالد فلست من أهل المشورة (الشورى) و لا ممّن يرضى بقوله.

فقال خالد: بل اسكت أنت يابن الخطّاب، فو اللّه إنّك لتعلم أنّك تنطق بغير لسانك، و تعتصم بغير اركانك، و اللّه إنّ قريشا لتعلم [أنّي أعلاها حسبا، و أقواها أدبا، و أجملها ذكرا، و أقلّها غنى من اللّه و رسوله، و] أنّك ألأمها حسبا، و أقلّها عددا، و أخملها ذكرا، و أقلّها من اللّه عزّ و جلّ و من رسوله، و أنّك لجبان عند الحرب، بخيل في الجدب، لئيم العنصر، مالك في قريش مفخر.

قال: فأسكته خالد، فجلس.

____________

(1) التوبة: 117.