تعريب كامل البهائي - ج1

- عماد الدين الطبري‏ المزيد...
570 /
403

ثمّ قام أبو ذر رحمة اللّه عليه، فقال بعد أن حمد اللّه و أثنى عليه: أمّا بعد، يا معشر المهاجرين و الأنصار، لقد علمتم و علم خياركم أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: الأمر لعليّ (عليه السلام) بعدي ثمّ للحسن و الحسين (عليهما السلام) ثمّ في أهل بيتي من ولد الحسين، فأطرحتم قول نبيّكم و تناسيتم ما أوعز إليكم و اتّبعتم الدنيا الفانية و تركتم نعيم الآخرة الباقية التي لا تهدم بنيانها (الذي لا يهرم شبابها) و لا يزول نعيمها، و لا يحزن أهلها و لا يموت سكّانها، و كذلك الأمّة التي كفرت بعد أنبيائها و غيّرت و بدّلت فساويتموها (فحاذيتموها) حذو القدّة بالقذة، و النعل بالنعل، فعمّا قليل تذوقون و بال امركم و ما اللّه بظلّام للعبيد.

ثمّ قام سلمان الفارسي رحمه اللّه فقال: يا أبا بكر، إلى من تسند أمرك إذا نزل بك القضاء؟ و إلى من تفزع إذا سئلت عمّا لا تعلم و في القوم من هو أعلم منك و أكثر في الخير أعلاما و مناقب منك، و أقرب من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و قدمة في حياته، و قد أوعز إليكم فتركتم قوله و تناسيتم وصيّته (و وبّخه كثيرا و قال: قد سمعت كما سمعنا و رأيت كما رأينا، فلم يردعك ذلك عمّا أنت فاعله، فاللّه اللّه في نفسك و قد أعذر من أنذر- المؤلّف).

ثمّ قام المقداد بن الأسود رحمة اللّه عليه فقال: يا أبا بكر، أربع على نفسك و قس شبرك بفترك- أي لا تتجاوز حدّك .. المترجم- و الزم بيتك، و ابك على خطيئتك، فإنّ ذلك أسلم لك في حياتك و مماتك، و ردّ هذا الأمر إلى حيث جعله اللّه عزّ و جلّ و رسوله، و لا تركن إلى الدنيا، و لا يغرّنك من قد ترى من أوغادها فعمّا قليل تضمحلّ عنك دنياك ثمّ تصير إلى ربّك فيجريك بعملك و قد علمت أنّ هذا الأمر لعليّ (عليه السلام) و هو صاحبه بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و قد نصحتك إن قبلت نصحي.

ثمّ قام بريدة الأسلمي و بالغ في الوعظ و النصيحة، و قال: يا أبا بكر، نسيت أم تناسيت أم خادعتك نفسك، أما تذكر إذ أمرنا رسول اللّه فسلّمنا على عليّ (عليه السلام)

404

بإمرة المؤمنين و نبيّنا بين أظهرنا، فاتّق اللّه ربّك و أدرك نفسك قبل أن لا تدركها، و أنقذها من هلكتها و دع هذا الأمر و وكله إلى من هو أحقّ به منك، و لا تماد في غيّك و ارجع و أنت تستطيع الرجوع، فقد نصحتك نصحي و بذلت لك ما عندي فإن قبلت وفّقت و رشدت.

ثمّ قام عبد اللّه بن مسعود (1) فقال: يا معشر قريش، قد علمتم و علم خياركم أنّ أهل بيت نبيّكم (صلّى اللّه عليه و آله) أقرب إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) منكم و إن كنتم إنّما تدّعون هذا الأمر بقرابة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و تقولون: إنّ السابقة لنا فأهل نبيّكم أقرب إلى رسول اللّه منكم و أقدم سابقة منكم و عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) صاحب هذا الأمر بعد نبيّكم فأعطوه ما جعله اللّه له و لا ترتدّوا على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين.

ثمّ قام عمّار بن ياسر فقال: يا أبا بكر، لا تجعل لنفسك حقّا جعله اللّه عزّ و جلّ لغيرك، و لا تكن أوّل من عصى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و خالفه في أهل بيته ...

ثمّ قام خزيمة ذو الشهادتين فقال: يا أبا بكر، ألست تعلم أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قبل شهادتي و حدي و لم يردّ معي غيري؟ قال: نعم. قال: فأشهد باللّه أنّي سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: أهل بيتي يفرّقون بين الحقّ و الباطل، و هم الأئمّة الذين يقتدى بهم.

ثمّ قام أبو الهيثم بن التيّهان فقال: يا أبا بكر، أنا أشهد على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه أقام عليّا فقالت الأنصار: ما أقامه إلّا للخلافة، و قال بعضهم: ما أقامه إلّا ليعلم الناس أنّه وليّ من كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) مولاه، فقال (عليه السلام): إنّ أهل بيتي نجوم أهل الأرض فقدّموهم و لا تقدّموهم.

____________

(1) إن كان عبد اللّه بن مسعود هو الذي يسمّيه النبيّ ابن أمّ عبد و هو صاحب المصحف المعروف فهو من المنحرفين عن الإمام (عليه السلام) و قد جنح مع الظالمين رجاء دنيا يصيبها فخيّب اللّه ظنّة و مات مغضوبا عليه منهم.

405

ثمّ قام سهل بن حنيف فقال: أشهد أنّي سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال على المنبر:

إمامكم من بعدي عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) و هو أنصح الناس لأمّتي‏ (1).

ثمّ قام زيد بن وهب فتكلّم، و قام جماعة من بعده فتكلّموا بنحو هذا، فأخبر الثقة من أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أنّ أبا بكر جلس في بيته ثلاثة أيّام، فلمّا كان اليوم الثالث (خرج من بيته و أقبل يطرق الأبواب مستقيلا قائلا: أقيلوني أقيلوني) ثمّ أتاه عمر بن الخطّاب و طلحة و الزبير!! و عثمان بن عفّان و عبد الرحمان بن عوف و سعد بن أبي وقّاص و أبو عبيدة بن الجرّاح مع كلّ واحد منهم عشرة رجال من عشائرهم، شاهرين السيوف (مع كلّ واحد مأة رجل من عشائرهم- المؤلّف) فأخرجوه من منزله و علا المنبر، و قال قائل منهم: و اللّه لئن عاد منكم أحد فتكلّم بمثل الذي تكلّم به لنملأنّ أسيافنا منه، فجلسوا في منازلهم و لم يتكلّم أحد بعد ذلك .. (2).

الفصل الرابع‏

إنّ بريدة الأسلمي أتى عمران بن حصين فدخل عليه في منزله حين بايع الناس‏

____________

(1) و هو نصح لأمّتي- المؤلّف، و العبارة الأولى أجدر بالسياق و أقرب للبلاغة النبويّة.

(2) لا ندري عن مصدر المؤلّف في هذا النصّ شيئا و وجدناه في الخصال: 463 و اضطرّتنا الحال أن نترجم قسما منه و نحذف العبارة الطويلة التي تخرج النصّ من اختيار المؤلّف على أنّنا وضعنا من غير استقصاء بعض الاختلافات بين المؤلّف و الخصال بين قوسين و أحيانا بين حاصرتين، و أخرج هذا النصّ صاحب الاحتجاج 1: 100، و ابن طاووس في اليقين: 339، و محمّد طاهر الشيرازي في الأربعين: 239، و أخرجه في بحار الأنوار 28: 196، و الأحمدي الميانجي في مواقف الشيعة 1: 426، و في الدرجات الرفيعة اقتصر على موقف أبي ذر و ذكر أقواله: 237، و أخرجه ابن جبر في كتابه نهج الإيمان: 580، و ذكره الطريحي في المجمع: 86 بسياق آخر، و مجمع البحرين هنا في مجلّد واحد و هي الطبعة القديمة الحجريّة.

406

أبا بكر، فقال: يا عمران، ترى القوم نسوا ما سمعوا من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في حائط بني فلان أهل بيت من الأنصار، فجعل لا يدخل عليه أحد من المسلمين فيسلّم عليه إلّا ردّ عليه السلام، ثمّ قال له: سلّم على أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، فلم يردّ على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يومئذ أحد من الناس إلّا عمر فإنّه قال: عن أمر اللّه أو عن أمر رسول اللّه؟ قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): بل من اللّه و من رسوله.

قال عمران: قد أذكر ذا.

فقال بريدة: فانطلق بنا إلى أبي بكر فنسأله عن هذا الأمر فإن كان عنده عهد من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عهده إليه بعد هذا الأمر أو أمر أمر به فإنّه لا يخبرنا عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بكذب و لا يكذب على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)(1).

فانطلقنا فدخلنا على أبي بكر فذكرنا ذلك اليوم و قلنا له: فلم يدخل أحد من المسلمين فسلّم على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إلّا قال له: (سلّم على أمير المؤمنين عليّ) و كنت أنت ممّن سلّم عليه بإمرة المؤمنين، فقال أبو بكر: قد أمر أذكر ذلك.

فقال له بريدة: لا ينبغي لأحد من المسلمين أن يتأمّر على أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) بعد أن سمّاه رسول اللّه بأمير المؤمنين، فإن كان عندك عهد من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عهده إليك أو أمرك به فأنت عندنا مصدّق.

فقال أبو بكر: لا و اللّه ما عندي عهد من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و لا أمر يأمرني به و لكن المسلمين رأوا رأيا فتابعتهم به على رأيهم.

فقال له بريدة: و اللّه ما ذلك لك و لا للمسلمين خلاف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).

فقال أبو بكر: أرسل لكم عمر، فجائه، فقال له أبو بكر: إنّ هذين سألاني عن أمر قد شهدته و قصّ عليه كلامهما، فقال عمر: قد سمعت ذلك و لكن عندي المخرج من ذلك.

____________

(1) بلى و اللّه إنّه أوّل من تبوّأ مقعده من النار بموضوعه: لا نورث ما تركناه صدقة.

407

فقال له بريدة: عندك؟

قال: عندي.

قال: فما هو؟

قال: لا تجتمع النبوّة و الملك في أهل بيت واحد.

قال: فاغتنمها بريدة و كان رجلا مفوّها جريّا على الكلام، فقال: يا عمر، إنّ اللّه عزّ و جلّ قد أبي ذلك عليك، أما سمعت اللّه في كتابه يقول: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى‏ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ آتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً (1) فقد جمع اللّه لهم النبوّة و الملك.

قال: فغضب عمر حتّى رأيت عينيه توقدان، ثمّ قال: ما جئتما إلّا لتفرّقا جماعة هذه الأمّة و تشتّتا أمرها، فما زلنا نعرف منه الغضب حتّى هلك‏ (2).

روى هشام بن عروة عن أبيه أنّ أبا بكر و عمر و أبا عبيدة بن الجرّاح لم يحضروا دفن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و كانوا ساعتها في السقيفة يلاطمون على الخلافة لئلّا تذهب الفرصة من أيديهم، و كان أبو بكر يقول: البدار البدار قبل البوار، و يحثّ الناس على البيعة.

يقول البراء بن عازب: قصد أبو بكر و عمر بعد وفاة النبيّ بليلتين منزل العبّاس عمّ رسول اللّه و كان معهما أبو عبيدة بن الجرّاح و المغيرة بن شعبة، فقال أبو بكر: يا عمّ رسول اللّه، إنّ الأمّة اختارتني، و لكن لا يخلو من طعن طاعن و نحن نعرف لك منزلتك و قرابتك، فأردنا أن يكون لك في الأمر نصيب و يبقى من بعدك لأولادك.

فقال عمر: لم تأت بنا حاجة إليك و لكن نخشى من طاعن علينا، فإذا أردت فأنت شريكنا في الأمر.

____________

(1) النساء: 54.

(2) السيّد ابن طاووس الحسني في كتاب؟؟؟: 273.

408

فقال العبّاس: يا أبا بكر، إن كنت أخذت الخلافة برسول اللّه فحقّنا أخذت، إذ لا قرابة بينك و بينه، و إن كنت أخذتها برضى المؤمنين، فنحن منهم و لا نرضى بك و نكره خلافتك، و هذا الذي تعطيه لي و لأولادي إن كان لك فاحتفظ به لنفسك، و إن كان للمؤمنين فليس لك التصرّف به، و إن كان لنا فلا نرضى ببعض دون بعض فأعطنا كلّه و لا حرج عليك، و أقول ذلك من باب الحجّة عليك؛ رسول اللّه الشجرة، و نحن فروعها، و أنتم جيرانها.

فقال عمر: أتخوّفني بالناس، فاعلم بأنّ هذا أوّل عصيان منك.

الفصل الخامس‏

لمّا بايع محمّد بن أبي بكر أمير المؤمنين (عليه السلام)، قال: يا محمّد، إنّي آخذ منك البيعة لإقرارك على أنّ أباك أوّل من ظلمني بعد وفاة رسول اللّه، و عبارة أمير المؤمنين كما يلي: أبايعك أنّ أباك أوّل من ظلمني و أنّي أولى الناس بالناس، و قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): يا علي، لا يتقدّمك بعدي إلّا كافر، و إنّ أهل السماوات يسمّونك أمير المؤمنين.

الفصل السادس‏

قال النعمان بن بشير: رأيت المقداد يبكي في اليوم الذي اجتمع الناس فيه على بيعة أبي بكر.

و قال سلمان: ما دخل قلبي فرح منذ أخرج هذا الأمر عن بني هاشم.

قال جابر: ما زلت أعرف الغم في وجه سلمان منذ بايع الناس أبا بكر.

و قال المقداد: لا فرحت بشي‏ء بعد غمّي بالأثرة على عليّ و فاطمة (عليهما السلام).

409

قال: كان رسول اللّه يحبّ ثلاث قبائل من قريش أوّلهم بنو هاشم، و ثانيهم بنو أسد بن عبد العزّى- عبد العزيز ... المؤلّف- لأنّ خديجة بنت خويلد منهم، و الثالثة بنو زهرة لأنّ آمنة أمّه منهم، و يكره قبائل أربعا من قريش: بنو مخزوم لأنّ أبا جهل منهم، ثمّ بنو تيم و بنو عدي و بنو عبد الدار الذين منهم عمر بن الخطّاب و أصحابه و هو يبغضهم لعلمه بما يجري منه علينا.

و قد أمر النبيّ تسعة منهم بالسلام على عليّ بإمرة المؤمنين، و هم: أبو بكر و عمر و عثمان و المقداد و ابن مسعود و بريدة و أمثالهم، و هم رواة هذا الأمر بأجمعهم، أوّلا في حائط بني النجّار، و يوم الغدير، فقد سلّم عليه جماعة المهاجرين و الأنصار بإمرة المؤمنين.

قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ذات يوم لعليّ (عليه السلام): يا علي، لا تفش سرّك على ثلاثة من قريش فإنّهم عدوّ لي و لك يا علي. فقال عليّ (عليه السلام): سمّهم لي يا رسول اللّه. فقال النبيّ: لا أخبرك بهم حتّى ينزل الوحي، و مرّ على هذا القول زمان، و ذات يوم و هو في بيته و قد أذن للمهاجرين و الأنصار فاجتمعوا على النبيّ حتّى اضطرّ أمير المؤمنين أن ينحاز خارج الدار، فناداه النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و قرّبه حتّى أدناه فصار إلى جنبه، فأوسع النبيّ له، و جاء بعده أبو بكر و عمر و عثمان فلم يسعهم المكان حتّى جلسوا على عتبة الباب، فقال أبو بكر: يا رسول اللّه، قدّمت عليّا عليّ و أوسعت له حتّى جلس إلى جانبك، فلماذا لم تفعل بي هكذا؟ فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): لقد أبديت ما في قلبك و ما بقي لعليّ في قلبك أشدّ و أجلّ.

و قال عمر نحوا من قول صاحبه، فقال رسول اللّه: إنّ اللّه لم يجعلك عندي و عليّا (سواء- الترجم).

فقال عثمان: إنّ في البيت من أنا أحقّ بالجلوس في البيت منه. فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): من لا ينقص الحقّ و لا يعطي الفي‏ء غير من جعله اللّه له.

410

فلمّا انفضّ المجلس قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لعليّ: أخبرني الوحي بأنّ هؤلاء عدوّك و قد بيّن اللّه أمرهم فاحذرهم أنّى يؤفكون.

الفصل السابع‏

اعلم بأنّ أبا بكر لم يكن من الأنصار و ليس من المهاجرين بوجوه عدّة:

الأوّل: لمّا كان خادما للنبيّ كان بمثابة دليله و حمّاله الذين لازماه، فإذا جاز تسمية هذين مهاجرين جاز تسمية أبي بكر مهاجرا لوحدة الشأن و الغاية «و هذا باطل فذاك باطل أيضا».

الثاني: وَ مَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ‏ (1) فينبغي أن تكون الهجرة إلى اللّه و رسوله و لذا عدّاها بالحرف «إلى» لا بالحرف «مع» ليكون من صحب النبيّ مهاجرا و لم تكن هجرة أبي بكر للّه و رسوله لذا لا يسمّى مهاجرا.

الثالث: إنّ غرض أبي بكر و عمر و عثمان من الهجرة هو خطبة فاطمة، فحرّمهم اللّه و رسوله منها و أعطاها لعليّ‏ (2).

الرابع: قال المؤرّخون: لمّا نزل النبيّ بقباء استأذنه أبو بكر في الذهاب إلى أصحابه في المدينة، فأذن له النبيّ و بقي النبيّ ثلاثة أيّام في قباء و أبو بكر متخلّف عنه عند أصحابه، فتبيّن أنّ هجرته إنّما كانت لزيارة الأصدقاء و تجديد العهد بهم لا لنفس الهجرة و صحبة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، و في هذه الصورة لا يصدق على هجرته حرف‏

____________

(1) النساء: 100.

(2) لا أعتقد أنّ هؤلاء الأوغاد تمنّيهم أنفسهم نيل ذلك لعلمهم بما عزم عليه النبيّ و لو كان ذلك يدور في خلدهم لما كتموه و هم في مكّة إذ لا داعي للهجرة من أجله، فقد كان بوسعهم طلبه و هم في مكّة.

411

«إلى»، فإذا كان الأمر كذلك فخلافته باطلة لقوله تعالى: وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ (1).

سؤال: الرضا بالظلم و التسليم به ظلم أيضا، فلماذا سكت أمير المؤمنين (عليه السلام) عن حقّه و لم يقاتل القوم لكي يظفر بحقّه لو كان له حقّ بالخلافة؟

الجواب: أمره رسول اللّه بالصبر لئلّا يستأصله المنافقون و أولاده. و جاء في الرواية بأنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قال لعليّ (عليه السلام): يا عليّ، إنّه سيلي هذا الأمر أبو بكر؛ فإن قاتلت فلك، و إن تركت فهو خير لك، ثمّ يلي بعده عمر؛ فإن قاتلت فلك، و إن تركت فهو خير لك، ثمّ يلي بعده عثمان؛ فإن قاتلت فلك، و إن تركت فهو خير لك.

ثمّ إنّ قوام الدين بعد النبيّ منوط به و بأولاده، و لو أنّه خرج فإنّ بني هاشم لا يقفون عن معاضدته و إنّهم لفئة قليلة و لا بدّ من وقوع السيف بين هؤلاء و هؤلاء، و حينئذ تدور الدائرة على بني هاشم فيهلكون بأجمعهم، و هلاكهم هلاك الدين، و في المدينة يكثر المنافقون و خارجها المرتدّون ... (2) فإنّ الغلبة لهم، و سوف يهتبلون الفرصة و يدمّرون بني هاشم طلبا لثاراتهم القديمة، فكان أمير المؤمنين يودّ أن يبقى من الدين و لو رمق واحد على أن يهلك كلّه و إن ظلّ محروما من حقّه، من هذه الجهة تباطأ عن القتال، لأنّه خاف محق الدين.

و هذا المعنى ظاهر من كلامه، معلوم بيّن، فقد قال لمّا بويع أبو بكر: أتاني نفر من‏

____________

(1) الأنفال: 72.

(2) أخشى أن يكون المؤلّف على فضله أخذ بالدعاية المضلّلة من أنّ الذين حاربوا أبا بكر مرتدّون و الواقع أنّهم ليسوا كذلك و إنّما كان ارتدادهم عن أبي بكر لا عن الدين، فلم تنقل عن أحدهم كلمة واحدة مضادّة للدين ليثبت ارتدادهم، إنّما أبوا البيعة و دفع المال لأبي فصيل ....

412

أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أعرفهم بالنصح للّه و لرسوله و لدينه و للمسلمين، فدعوني إلى أخذ حقّي و بذلوا أنفسهم في نصرتي ليؤدّوا بذلك الحقّ عنهم لي فعلمت أنّ نصب نفسي لطلب حقّي مع جدّة الإسلام و قرب عهده بالجاهليّة و المنازعة في ذلك، قال قائل فيه نعم، و قال قائل فيه: لا، فنرى في ذلك من القول إلى الفعل حتّى يصيروا إلى الحرب، فيتقيني عصبة ألّفهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) باللين مرّة و بالشدّة أخرى.

إلى أن قال: و نحن أهل بيت لا سقوف لبيوتنا، و لا ستور و لا أبواب إلّا جرايد نتداول الثوب الواحد في الصلاة أكثرنا، و ربّما أتانا النبيّ بالشي‏ء ممّا أفاء اللّه عليه و صيّره لنا خاصّة دون غيرنا، و نحن على ما وصفت من حالنا فنؤثر به أرباب النعم‏ (1) و الأموال تألّفا منه لهم، و استكثارا منهم، فكنت أحقّ من لم يفسد هذه العصابة ألّفها رسول اللّه و لم يحملها على الخطّة التي لا خلاص لها منها دون بلوغها أو فتاء آجالها قبلها لأنّي لو نصبت نفسي حتّى أدعوهم إلى نصرتي مع إطباقهم على ما أطبقوا عليه، كانوا في أمري على إحدى المنزلتين: إمّا متّبع فقاتل او مقتول، و إمّا خاذل يكفر بخذلانه إيّاي، و قد علم أنّي من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بمنزلة هارون من موسى يحلّ به في مخالفتي و ترك نصرتي ما أحلّ به قوم موسى بأنفسهم في مخالفة هارون، و رأيت الإمساك حتّى يقضي اللّه ما أحبّ‏ (2).

جواب آخر: يقول المخالفون: إنّ المهاجرين و الأنصار بايعوا بأجمعهم أبا بكر، و بناءا على هذا كيف يستطيع عليّ محاربة هؤلاء؟!

____________

(1) فيؤثر به رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أرباب النعم و الأموال تأليفا منه لهم ... الخ، السياق يدلّ على صحّة هذه العبارة دون التي ذكرها المؤلّف، و هي في ج 1 ص 349 من شرح الأخبار للمغربي.

(2) القاضي النعماني المغربي، شرح الأخبار 1: 349؛ الخصال: 373 بسياق مختلف عن سياق المؤلّف و المعنى واحد؛ الاختصاص للمفيد: 172؛ حلية الأبرار للبحراني 2: 369؛ بحار الأنوار 38: 175؛ حياة أمير المؤمنين عن لسانه 2: 242.

413

جواب آخر: إنّ إبليس خالف أمر اللّه و عصاه فلم يسجد لآدم و كان بين الألوف المؤلّفة من الملائكة و مع هذا فلم يقاتله الملائكة، و كان عليّ منفردا وحده.

و لمّا كان إبراهيم لا طاقة له بعدوّه فعاش محتقرا و ألقي في النار، و لكنّه حين قوي على القتال قاتل حتّى قتل بأنّه اشترى ثلاثمائة غلام ليقاتلوا معه بالعصى و عمد الخشب.

و لمّا كان يوسف ضعيفا رضي بالعبوديّة، و لمّا استقوى خلّص نفسه.

و لم يقاتل موسى و هارون عبدة العجل السامري و لكن لمّا قويا قاتلا عنصرين من عناصر جيشه رجلا و امرأة حين زنيا، و مثله بنو إسرائيل فقد كانوا لا يدخلون بيت المقدس فلم يحاربهم موسى.

و نبيّنا (صلّى اللّه عليه و آله) لم يقاتل أيّام الشعب و الغار و أوّل الهجرة، و لكنّه قاتل بعد الهجرة إلى المدينة حين ملك القوّة،، و لا ذمّ على الأنبياء في تركهم للحرب في ضعفهم.

و مثلهم عليّ (عليه السلام) حين لم يجد الأعوان، و لمّا ملك العدّة و العدد أيّام معاوية حاربه حربا شرسة، و كان عليّ يقول: لو كان لي أعوان لجاهدتهم.

و قال أيضا كما قال سلفه الأنبياء: لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى‏ رُكْنٍ شَدِيدٍ (1).

الفصل الثامن‏

النبوّة دعوة الخلق إلى الطاعة و الإسلام و الإيمان بعد الوحي، و الإمامة بالنصّ، و النصّ يكون من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و النبيّ دعاهم إلى إمامة عليّ (عليه السلام) يوم الغدير، و يوم حائط بني النجّار، و يوم الحديبيّة، و يوم تبوك، و نظائر ذلك.

و يمكن أن نشبّهها بسجدة آدم، فقد أمر بها اللّه تعالى و لم يوجب على آدم دعوة

____________

(1) هود: 80.

414

إبليس إلى السجدة فإذا أبى حاربه بل هذا الأمر يعود إلى اللّه تعالى، فلمّا امتنع إبليس عن السجود قال اللّه له: إِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى‏ يَوْمِ الدِّينِ‏ (1) و لم يأذن للملائكة بقتاله.

و لو قلنا بوجوب إقامة البيّنة فلا يستبعد أن يحتال القوم على شهادة الشهود، و حينئذ لا يجني منها إلّا نقصان درجة المدّعي و كماله و الاستخفاف به و تجرّ إلى إذلاله و إهانته و إهانة الشهود، و تداني رتبة الشاهد عند الناس كما فعل أبو بكر (مع الزهراء)، و شهد جماعة على المغيرة بن شعبة بالزنا فدفع عمر شهادتهم بكلّ ما يملك من الاحتيال، فأدّى ذلك إلى خجل الشهود أمام الناس.

و أيضا لماذا لم يثبت إمامته بإظهار المعجزة و هذه في ظاهر الحال من خصائص النبوّة.

و لمّا أبى سعد من بيعته و قال له: أعطني سيفا يقتل الكافر دون المسلم، قال عليّ (عليه السلام): إنّ إمامتي نصّ من صاحب المعجزة و ليس في المعاجز تعنّت، و سئل رسول اللّه مثل هذا السؤال بتعنّت و أعرض عن السائل، كما قال تعالى: يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى‏ أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً (2) الآية، و قال: لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً* أَوْ يُلْقى‏ إِلَيْهِ كَنْزٌ (3).

و قال عليّ (عليه السلام): ألا إنّ أبا بكر تقدّمني عليها و هو يعلم أنّي خير منه و أولى بها منه، ألا ما زلت مظلوما، ألا ما زلت مقهورا منذ قبض اللّه نبيّه ... و الخطبة الشقشقيّة شاهد عدل على ذلك.

____________

(1) ص: 78.

(2) النساء: 153.

(3) الفرقان: 7- 8.

415

ثمّ إنّ القوم أثاروا شبهة يوم السقيفة و تمكّنت من عقول الناس و لو أظهر عليّ دعواه فلا بدّ من إزالة هذه الشبهة، و هذا لا يتمّ إلّا بظهور الفتنة، و لمّا كان ضرر الفتنة عامّا كان دفعها واجبا بالصبر و التحمّل و السكوت.

جواب آخر: لو كان لأحد دين على أحد فإنّ المطالبة به واجبة بأحسن وجه، و ليس بالحرب و القتال، بل الواجب طلب الدين و إن جحده الغريم و إلّا فالصبر إلى موعد القيامة، و لمّا كان عليّ على علم تامّ بأنّ المطالبة بحقّه يجرّ إلى هلاكه و هلاك أهل بيته و كثير من المسلمين المؤمنين و تثور فتنة في الإسلام تأتي على الأخضر و اليابس، فإنّ فرض الجهاد حينئذ يسقط عنه، قال اللّه تعالى: وَ اتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً (1).

جواب آخر: اتفق المخالف و المؤالف على أنّ بني هاشم لم يبايعوا أبا بكر طيلة حياة فاطمة (عليها السلام)، و لم يقبل عليّ ولايتهم و لا شاركهم في غزو، و كان كثير المطالبة بحقّه، و ينكر على الصحابة ما فعلوه، و أعانه قوم من أصحاب النبيّ كسلمان و مقداد و عمّار، حيث رووا عن النبيّ أنّ الحقّ حقّه و غيره مبطل، و لمّا عاد الحقّ إلى أهله و ألقي زمامها إلى أمير المؤمنين و أصبحت الخلافة في حوزته و استأصل إليه شأفة عدوّه، لم يتقدّم أحد بالاعتراض عليه أو الردّ بأخذ ما ليس حقّه، و هذا بمجمله دليل على أحقّيّته، و إبطال دعاوى الآخرين، و طلحة و الزبير لم ينكرا حقّ عليّ و لا مرتبته في الدين بل توسّلوا بقتل عثمان فموّهوا على الناس أنّه تمّ بسعي عليّ (عليه السلام)، و ليس كذلك و إنّما هو بإجماع من الصحابة و اتفاقهم عليه، و لو أراد عليّ القصاص مثلا فكيف السبيل إلى قتل كلّ هؤلاء القوم، ثمّ إنّ الذين قتلوه قتلوه بحجّة حتّى قالوا: قتلناه كافرا، كما جاء في نكت الفصول للاصفهاني.

____________

(1) الأنفال: 25.

416

و أيضا: إنّ صاحب النكت من فرقة النواصب إلى الحدّ الذي رأيته يمحو من بعض النكت المكتوب فيها عليّ أمير المؤمنين لفظ «أمير المؤمنين» و يكتب اسم عليّ مكانها، و يكتب عن شيوخه فلان و فلان بخطّ يده «أمير المؤمنين»، و أوّل من بايع عليّا من الصحابة طلحة و كان هو و الزبير يدعون الناس إلى بيعة أمير المؤمنين، و لكن استحوذ عليهم الشيطان و سوّل لهم النكث.

و كانت عائشة تحرّض الناس على قتل عثمان و بعد أن قتلته أخذت تطالب بدمه، و قال لها الإمام: إنّ وليّ عثمان المطالب بدمه أولاده، فأمّا أنت فلست من أوليائه، و ان قتله قتل «عمية» أي بين عدّة من المهاجمين لا يمكن إلقاء تبعة قتله على أحد منهم.

و عرض عليهم يوم الجمل كتاب اللّه فلم يقبلوه ثمّ طالبهم بالسنّة فردّوها و أرادوا أن يتأمّروا على الأمّة فلم يمكّنهم اللّه من ذلك و ضلّ سعيهم فأهلكهم سبحانه، و تمثّل أمير المؤمنين بهذه الأبيات:

لنا ما يدّعوه بغير حقّ‏ * * * إذا ميز الصحاح من المراض‏

عرفتم حقّنا فجحدتموه‏ * * * كما عرف السواد من البياض‏

كتاب اللّه شاهدنا عليكم‏ * * * و قاضينا الإله فنعم قاضي‏

قال إسحاق بن جعفر: إنّ الأعمش قال: شهد عندي عشرة من خيار التابعين بأنّ البراء بن عازب قال: إنّي أبرأ حتّى الموت من أولئك الذين تقدّموا على عليّ، و أبرأ في الدنيا و الآخرة منهم، و كانت آخر كلمة قالها الأعمش عند النزاع: أنا إلى اللّه منهم بري‏ء، ثمّ أسلم الروح.

بيّنة: قال عبد اللّه بن عبّاس: كنت أماشي عمر ذات يوم، فرفع صوته بآية نزلت في‏

417

عليّ (عليه السلام) ثمّ استقبلني بوجهه و قال: إنّ عليّا أحقّ بالأمر من الجماعة. و في رواية:

أما و اللّه إنّ صاحبكم أحقّ بالأمر منّا.

قال عبد اللّه: فقلت: فلماذا منعتموه حقّه أنت و صاحبك؟

قال: كنّا خائفين أن لا يجتمع العرب عليه، لأنّه و ترهم جميعا.

فقال عبد اللّه: إنّ اللّه قدّمه فكيف تؤخّره العرب، و مع ذلك فإنّ قتلهم كان بأمر اللّه و رسوله لا باختياره.

قال عمر: استصغرنا سنّة فأخّرناه.

قال عبد اللّه: إنّ رسول اللّه أعطاه سورة برائة و بعثه في الموسم فما استصغره، كما زوّجه فاطمة (عليها السلام)، و كذلك حمّله الراية يوم خيبر فلم يستصغره، كما بعثه إلى اليمن و هو في هذه السنّ.

قال عمر: ما فعلنا ذلك عن عداوة و لكنّا خفنا أن لا يجتمع عليه قريش و العرب.

و قال أيضا: لو أدركت سالما مولى حذيفة ما تخالجني الشكّ، و سالم مولى امرأة من الأنصار و هي وارثته‏ (1).

و كذلك قال: لو أدركت أعمش عبد القيس لسلّمتها إليه، يعني الجارود العبدي، و غرضه من ذلك الاستخلاف.

قال أبو بكر: الأئمّة من قريش.

و ما أعجب هذا التناقض! لست أدري هل الصدق في جانب عمر أو صاحبه؟!

ثمّ اعلم أنّ عمر أقرّ يوما بالخلافة لسالم و يوما للجارود العبدي و يوما لعليّ (عليه السلام)

____________

(1) غفر اللّه للمؤلّف، هو يقول سالم مولى حذيفة، ثمّ يقول مولى امرأة من الأنصار، و حذيفة هذا هو ابن اليمان، و سالم مولاه، ثمّ العبارة التي ساقها المؤلّف ناقصة و تمامها «بتوليته».

418

و صيّرها يوما شورى، فإن كان مصيبا في واحد فقد أخطأ في الأخرى، «فاعتبروا يا أولي الأبصار».

رقبة بن مصقلة عن أبيه عن جدّه، عن عمر بن الخطّاب أنّه قال: سمعت من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه قال: لو أنّ السماوات السبع وضعت في كفّة و وضع إيمان عليّ في كفّة لرجح إيمان عليّ‏ (1).

و هو الذي غصب حقّ عليّ و تقدّمه، و العجب من أمر القوم أنّ اللّه و رسوله أراد تقديم عليّ على الأمّة و لكن الأعراب و قريشا كرهوا ذلك، و إرادتهم مقدّمة على إرادة اللّه و رسوله، و لها الاعتبار و لا اعتبار لأمر اللّه و رسوله و نهيه.

و كذلك قال عمر لأصحاب الشورى الستّة: إنّ الأمر فيكم ما بقي منكم أحد فلا تختلفوا فيه فيغلبكم عليه معاوية بن أبي سفيان و عمرو بن العاص لمكرهم و غنائهم، و مع هذا ولّى معاوية من قبله على الشام‏ (2).

و قال لعثمان: أمّا أنت يا عثمان فو اللّه لروثة خير منك، و أنت من أهل النار.

و قال للزبير: أنت كافر الغضب مؤمن الرضا.

و قال لطلحة بن عبد اللّه: إنّي لا أحبّك و لا تحبّني، و أنت الذي أردت نكاح أزواج النبيّ من بعده «و لا تنكحوا أزواجه من بعده أبدا».

و قال لسعد بن أبي وقّاص: إنّك لفاروق هذه الأمّة في سحرك.

و قال لعبد الرحمان: لست عاقلا و لا فصيحا.

____________

(1) مستدرك الوسائل 15: 329؛ مناقب ابن شهر آشوب 1: 292 و 2: 191؛ الأربعين: 450؛ بحار الأنوار 31: 28 و 133؛ مقام علي لنجم الدين العسكري عن ذخائر العقبى: 14 إلى آخره؛ لسان الميزان لابن حجر 5: 97؛ مناقب الخوارزمي: 131؛ كشف اليقين: 110.

(2) في كتابي «الحكم و الأخلاق في منطق الثورة الحسينيّة» جرّدت عمر من ثيابه حتّى بدت سوئته في هذه المسألة.

419

و قال لعليّ: لو وزن إيمانك بأهل الأرض لوزنتهم.

ثمّ قال: اذهب يا صهيب و صلّ بالناس، فإن مضت ثلاثة أيّام و رضي خمسة و أبي واحد فاضربوا عنقه، و إن أبي اثنان فاضربوا أعناقهما، و إن مضت ثلاثة أيّام و لم يجتمعوا على شي‏ء فاضربوا أعناقهم.

فقال الوليد بن عتبة (1): يا عمر، سمّ الخليفة أنت و عثمان أهل لها، فقال عمر مستنكرا على عثمان و خلافته: فكيف محبّته لأهل بيته و حبّه للمال.

و قال آخر: سمّ لها طلحة فإنّه جدير بها، فقال: كيف يستخلفون رجلا كان أوّل شي‏ء يحلّه رسول اللّه أرضا فجعله من مهر يهوديّة.

فقال أحدهما: أين أنت عن عليّ (عليه السلام) فاستخلفه، قال: إنّكم لا تستخلفونه و لو أنّكم استخلفتموه لأقامكم على الحقّ و إن كرهتم.

و العجب من هذا الرجل زعم أنّ رسول اللّه توفّي و هو راض عن هؤلاء الستّة، و لم يأتوا ما يحلّ له دمهم لكي يقتلوا من الزنا و قتل النفس بغير الحقّ أو السعي فسادا في الأرض و أمثال ذلك، و لكنّه أمر بقتلهم عند موته!!

تأمّلوا أيّها العقلاء، و شاهدوا هذا الحال بعين الاعتبار فقد أمر بقتلهم بعد ثلاثة أيّام من وفاته فهل حكم اللّه و رسوله بهذا، و قد قال اللّه تعالى: وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ‏ (2) إلّا أنّه يقول الخصم: إنّ حكم الأكاسرة و الفراعنة و القياصرة و النماردة، و ليس حكم اللّه و رسوله.

____________

(1) لعلّه الوليد بن عقبة، و تجد خطاب عمر للستّة بصيغ متباعدة في الكتب التالية: الإيضاح: 500 و 501؛ المسترشد: 456؛ الأمالي للمفيد: 62؛ الصراط المستقيم 3: 23؛ كتاب الأربعين لمحمّد بن طاهر القمّي: 567؛ بحار الأنوار 21: 359؛ الغدير 5: 364؛ شرح ابن أبي الحديد 1: 185؛ كنز العمّال 5: 741 رقم 14267 و غيرها كثير.

(2) المائدة: 44.

420

جواب: لمّا أمر عمر بوضع الديوان و جاؤوه بالسجلّ فأمر أن يكتب اسم عليّ و الحسن و الحسين في رأس الجريدة و أمر لكلّ واحد منهم بخمسة آلاف درهم لكلّ سنة، فقال له بعضهم: لم لم تبدأ باسمك؟ قال: بل أكتبه بينهم، و لمّا مضت أيّام طلب الصحيفة، و أمر بمحو اسم عليّ و الحسنين منها، فقال: إن كان لهم هذا المال في كلّ سنة فسوف يترفون و يأخذهم البطر فيهبون للطلب بميراث النبيّ و خلافته فينبغي أن يظلّوا دائما في الجوع و الحاجة حتّى يعجزوا عن القيام لتحلّ بهم النكبة.

فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): نشدتك باللّه يا عمر حين كتبت في صدر الصحيفة أكنت تعدّها من حسناتك؟ قال: اللهمّ نعم، قال: الحمد للّه الذي لم يمتني حتّى رأيتك تمحو حسناتك بيدك، قيل: فطلب عند ذلك الصحيفة و أمر بإثبات بوضع أسمائهم في مكانها.

الفصل التاسع: في فوائد هذا الكتاب‏

قال ثوبان في وصف يوم السقيفة: ذلك يوم نحس مستمرّ.

و قال سعد بن عبادة: كاد هذا الأمر يضمحلّ يوم السقيفة، و كان غرضه من ذلك دين محمّد (صلّى اللّه عليه و آله).

و قال أبو ذر: ما عدلت عندي مصيبة خروج هذا الأمر عن بني هاشم.

قال سلمان: أنا قلت لأبي بكر: لم يخرج أمّة قطّ إمارتها من بيت نبوّتها إلّا وقعت في شرّ.

مرّ أبيّ بن كعب عشيّة يوم السقيفة على حلقة فيها الأنصار جلوس، فقالوا له:

من أين قدمت؟ قال: من أهل بيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). فقالوا: كيف خلّفتهم؟ فقال:

كيف أخلّف قوما كان فيهم رسول اللّه و جبرئيل و اليوم فقدوهما و غصب حقّهم، فأبكى الحاضرين جميعا.

421

كان خزيمة بن ثابت و أبو الهيثم و الأنصار في يوم صفّين بذلوا غاية الجهد في نصر أمير المؤمنين، فقال عليّ (عليه السلام): إنّهم إن خذلونا في البداية و لكنّهم تابوا في النهاية، و علموا أنّ ما عملوه قبل اليوم كان شرّا كلّه.

مسألة: قال عمر: كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى اللّه المسلمين شرّها فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه. و روي: فاضربوا عنقه.

و المراد من الفلتة أنّه لم يكن بإجماع الأمّة بل أمر ارتجل من غير رويّة و تفكّر، و ذلك أنّ الصحابة لم يكونوا راضين به، فإذا كان هذا رأيه في بيعة صاحبه و لم يمنع من وقوع الفلتة بل أعان عليها فهو مخطئ.

فلو قيل: ما كان ذلك بمستطاع له، فنقول: و كذلك عليّ لم يكن قادرا على دفع ظلمهم.

و لئن قالوا: هذا القول موضوع على لسان عمر و إنّة قوّل ما لم يقل، فإنّنا نقول:

و كذلك الأحاديث الموضوعة في مناقبهم.

و يجوز قتل صاحبه طبقا لفتواه بل يجب و ما كذب الخليفة فقد أنكر عليه الأمر خالد بن سعيد بن العاص كما قال عبد اللّه بن عبّاس: يا بني هاشم، أنتم هداة البشر و لكن ختم اللّه الأديان و النبوّات فما بالكم سكتّم فقوموا إلى سيوفكم المرهفة الحدّين.

مسألة: مذهبنا بأنّ بني هاشم قاطبة و أتباعهم كأبي ذرّ و سلمان و المقداد لم يبايعوا قطّ.

و قال عمر لسلمان يوما: إنّ تلكّأ بنو هاشم عن البيعة فلإدلالهم برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و فخرهم به، و أنّهم يقولون: أفضل الخلق بعد النبيّ فما الذي خلّفك أنت؟

فقال سلمان: أنا شيعة لهم في الدنيا و الآخرة، أتخلّف بتخلّفهم، و أبايع ببيعتهم.

422

و البراء بن عازب و بريدة بن الحصين كانا مدّة قعود أمير المؤمنين معه يأتونه بأخبار القوم.

الفصل العاشر

لمّا انتقل النبيّ إلى الرفيق الأعلى، قيل: إنّ الصحابة اجتمعوا في المسجد و قال بعضهم: نبايع عليّا، و قال البعض الآخر: لا نبايع إلّا أبا بكر، ثمّ قاموا إلى بيت عائشة و بايعوا أبا بكر.

فقال عمر: لا يتمّ لنا هذا الأمر ما لم يبايع عليّ (عليه السلام)، فذهب إلى بيت فاطمة (عليها السلام) و معه فريق من الناس، فصاح بعليّ كما تقدّم: أين أبو الحسن؟ أين أبو الحسن؟ ثمّ قبض عليه من ثيابه و أخرجه خارج البيت، و قال: أترى أولادك يحمونك بمال الخمس الذي يأكلونه، فلن يطعموه بعد اليوم و لن ينالوه إلى الأبد، قال: «الثرى في فيك». فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): بل الثرى في فيك، و انتزاع ردائه من يده و سار معه و جلس ناحيه في المسجد مهموما يفكّر في ما آل إليه أمر الأمّة، و سرح في فكر عميق، و يضع التصاميم، ثمّ قال: إنّ هذا الذي بايعه الناس سوف يظلّ حاكما لمدّة محدودة و يأتيه حتفه و يموت بحمامه، و أمّا عمر فإنّه يظلّ حاكما سنين عدّة من بعده ثمّ يوافيه الأجل قتلا و يريق اللّه دمه.

يقول حبشي بن جنادة: وقع ما قاله أمير المؤمنين (عليه السلام) كلّه لم يتقدّم يوما و لم يتأخّر يوما، و كان حبشي أحد الصحابة.

الفصل الحادي عشر

وقع الخلاف بين المهاجرين و الأنصار في موضوع الإمامة حتّى قال قائل منهم:

423

«منّا أمير و منكم أمير» و هذا دليل على أنّ موضوع الخلافة يختصّ بالملك و السلطان و ليس بالخلافة بعد النبوّة أو الإمامة، و كانت حجّة أبي بكر «الأئمّة من قريش» فانقاد الأنصار له عند سماع هذا الحديث و لكنّه لا يعرف كيف يستدلّ به، فإنّ قريشا كثيرون و التخصيص يحتاج إلى دليل، و هو إمّا بنصّ من اللّه و رسوله، و إمّا بالقرابة أو بكليهما، و هذه كلّها مفقود في الجماعة و مجموعة في عليّ (عليه السلام)؛ لأنّ عمر قرشيّ و له قرابة و لا تخصيص في هذه المرويّة إلّا بالنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، و النبيّ من بني هاشم، و قريش بمنزلة الشجرة و بنو هاشم ثمرتها.

و قال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): إنّي مخلّف فيكم كتاب اللّه و عترتي أهل بيتي لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض.

فقال: لا تقدّموهم فإنّهم أفضل منكم، و لا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم.

و خصّ عليّا (عليه السلام) من بينهم فقال: إنّه هاد مهدي يسلك بكم المحجّة البيضاء، و إنّه أقضى الأمّة، و إنّه عالم على (كذا) تأويل القرآن كما علم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) تنزيله‏ (1).

هذا مع أنّ الخزرج بقيادة رئيسهم سعد بن عبادة لم يبايعوا و مات سعد على إنكار البيعة و بايع فريق من الأوس و فريق آخر لم يبايع، و الذين بايعوا كانت بيعتهم بدافع قبليّ محض حيث حملهم الحسد و العداوة القديمة في الجاهليّة بين الأوس و الخزرج، و كان اللّه قد ألّف بين قلوبهم في الإسلام ببركة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و لمّا فارق النبيّ الدنيا عاد القوم إلى جاهليّتهم و عداوتهم، في يوم السقيفة، و رفع الغطاء عن الأضغان القديمة، و استجدّت في الإسلام أخرى، و لهذا قال خزرجيّ لأوسيّ بعد أن بايع أبا بكر: ما حملك على ما صنعت إلّا حسد ابن عمّك سعد.

____________

(1) هذه مجموعة أحاديث اشتهرت بين الأمّة و تواتر بعضها، فما من حاجة إلى تخريجها لأنّك تجدها مرويّة و مخرّجة بأحسن الطرق عند معظم الحفّاظ إلّا الشاذّ منهم.

424

و يقال عن الواقدي في فتوح الشام بأنّه قال عن أبي بكر أنّه قال: قد علمت أنّي داخل في النار. و روي: واردها، و ليت شعري أخرج أم لا.

و كان الواقديّ عثمانيّا و هو من شيعة أبي بكر، و يوثق به عند أهل السنّة و الجماعة.

المعروف عن أبي بكر أنّه كان يظهر اللين و الرفق بأمير المؤمنين (عليه السلام)، و كان يظهر النفرة من الخلافة و عدم الرضا بها لا سيّما إذا رأى أمير المؤمنين (عليه السلام) أو جلس بحضرته، و سنحت له الفرصة ذات يوم فأقبل عليه و قال: يا أبا الحسن، أنت تعلم بأنّي لم أكن صاحب مال و لا خدم أو حشم، و لم أرغب في الإمرة، و لا تمنّيتها، فمالك تميل عنّي بوجهك و تظهر الكراهيّة على وجهك و الألم عند لقياي؟

فقال عليّ (عليه السلام): إن لم تكن ذا رغبة بها فمالك قبلتها و أخذت حقّا لم يكن لك؟

قال: إنّي سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه قال: لا تجتمع أمّتي على ضلال، من ثمّ تقبّلتها، و لو علمت أنّ أحدا من الأمّة غير راض بي لما أقدمت على هذا الفعل الخطير، و لعزلت نفسي.

فقال عليّ (عليه السلام): يا أبا بكر، أنا واحد من أمّة محمّد و مثلي سلمان و أبو ذر و المقداد و عمّار و سعد بن عبادة و الأنصار من الخزرج، و لم يطعن بهم أحد، و لم يتّهمهم بالتقصير في ذات اللّه و وصيّة رسوله.

فقال أبو بكر: خفت على الأمّة من الارتداد إن لم أقم في الأمر أو يتخلى الناس عن الإسلام، و عند ذلك يصاب الإسلام بخلل لا يسدّ، و كسر لا يجبر.

فقال عليّ (عليه السلام) لأبي بكر: بم يحصل هذا الأمر؟

فقال: بالنصيحة و الوقار و رفع المداهنة و المخاتلة و حسن السيرة و إظهار العدل و العلم بالكتاب و السنّة و فصل الخطاب مع الزهد في الدنيا و قلّة الرغبة فيها، و انتصار المظلوم من الظالم للقريب و البعيد.

425

فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): و السابقة و القرابة. ثمّ قال: ناشدتك اللّه، أهذه الخصال فيك أم فيّ؟

فقال أبو بكر: فيك يا أبا الحسن.

فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): أأنا السابق في الإسلام أم أنت؟ قال: بل أنت.

فقال: أأنا كنت مولى المسلمين كلّهم أم أنت؟ قال: بل أنت.

قال: أأنا وليّ المسلمين لمّا تصدّقت بالخاتم فأنزل اللّه فيّ قرآنا يتلى أم أنت؟

قال: بل أنت.

قال: أأنا لرسول اللّه بمنزلة هارون من موسى أم أنت؟

قال: بل أنت.

فقال: هل باهل رسول اللّه بي و بأولادي و زوجتي أو بك و بأهل بيتك؟ قال:

بل باهل بك و بأهل بيتك.

قال: هل نزلت آية التطهير فيّ و بأهل بيتي أو فيك و بأهل بيتك؟ قال: بل فيك و في أهل بيتك.

قال: المدعوّ تحت الكساء أنا و أهل بيتي أو أنت و أهل بيتك؟ قال: بل أنت و أهل بيتك.

فقال: أفيك نزلت آية يُوفُونَ بِالنَّذْرِ (1) الآية، و في أهل بيتك أو فيّ و في أهل بيتي؟ قال: بل فيك و في أهل بيتك.

قال: و في وقعة أحد حين نادى جبرئيل بين السماء و الأرض: لا سيف إلّا ذو الفقار و لا فتى إلّا علي، أكان هذا النداء في حقّك أم في حقّي؟

و هل ردّت الشمس لي أو لك بعد غروبها؟

____________

(1) الإنسان: 7.

426

و في يوم خيبر أعطي الراية لي و كان الفتح على يدي أم لك و على يديك؟

و من كشف الغمّ عن وجه رسول اللّه و المسلمين يوم الأحزاب و الخندق بقتل عمرو بن عبد ودّ، أنت أم أنا؟

و هل ائتمنني رسول اللّه على رسالته إلى الجنّ أو ائتمنك فأجابه بل إاتمنك.

و هل طهّرني رسول اللّه أم طهّرك بقوله: «يا علي، أنا و أنت من نكاح لا من سفاح من لدن آدم إلى عبد المطّلب»؟

و اختارني لفاطمة كفوا أم اختارك؟

و أنا أب لسيّدي شباب الجنّة أم أنت؟

و أخي يطير مع الملائكة في الجنّة جعفر أم أخوك؟

و أنا قاضي دين رسول اللّه أم أنت؟

و أنا مرسل من قبله للنداء في أهل الموسم أم أنت؟

و أنا منجز عدات رسول اللّه أم أنت؟

أنا المدعوّ إلى الطير المشويّ مع رسول اللّه أم أنت؟

و أنا الذي قمت بتجهيز رسول اللّه و أغمضت له عينيه و أسبلت له يديه و قمت بدفنه أم أنت؟

و أنا الذي دعا لي بعلم القضاء و فصل الخطاب و قال عنّي: أقضاكم عليّ، أم أنت؟

و من منّا أمر النبيّ الصحابة أن يسلّموا عليه بإمرة المؤمنين، أنا أم أنت؟

و من منّا أنزل اللّه عليه دينارا لقضاء حاجته و بايعه جبرئيل و شاراه، فأضاف الرسول و أولاده، أكان ذلك الشخص أنا أم أنت؟

427

قيل: و هاهنا بكى أبو بكر (1).

ثمّ قال: و أنا الذي رقيت على منكب النبيّ حتّى هشمت أصنام الكعبة أم أنت؟

ثمّ قال: لو شئت أنال أفق السماء لنلتها.

و من صاحب لواء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في الدنيا و الآخرة، أنا أم أنت؟

و سدّ رسول اللّه جميع أبواب أصحابه المحاذيه للمسجد و ترك بابي مفتوحا أم بابك؟

و من صاحب مناجات رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و المتصدّق قبل التسبيح في الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً (2) أنا أم أنت؟

و قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لفاطمة: «زوجك أوّل الناس إيمانا، و أرجحهم إسلاما» عنّي أم عنك؟

و كان أبو بكر لا يجيب على سؤال الإمام (عليه السلام) إلّا بقوله: أنت لا غيرك، و ناشده بأمثال هذه الرتب العالية كثيرا، و كان يثني على الإمام كثيرا، و بكى في آخر الحديث و قال: يا أبا الحسن، أخرجني من هذا المأزق الذي وقعت فيه و خلّصني من عذاب اللّه يوم القيامة.

فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): الأمر إليك إن شئت ذلك، اردد عليّ حقّي و حقّ أولادي الذي لا تستحقّه أنت، فرضي بأن يفعل ذلك، و خرج على هذا القرار عند الإمام (عليه السلام).

و كان عمر يبحث عنه طول يومه و قد تملّكته الحيرة من غيابه، حيث لا يعلم‏

____________

(1) إن كان أبو بكر بهذا القلب الرقيق و العواطف السامية و يتحلّى بالنجابة التي تحمله على الشهادة لخصمه بحقّه و فضله إذن من الذي ظلم عليّا و غصبه حقّه ..؟؟!

(2) المجادلة: 12.

428

الوجهة التي استخفى فيها، و كان يعلم منه اللين و الرضوح للحقّ أحيانا (1) لذلك لا يدعه وحده بحال من الأحوال، و كان يخشى أن يرجع الحقّ إلى عليّ (عليه السلام)، و لمّا علم أنّه مختل بعليّ خاف.

و في تلك الليلة رأى أبو بكر النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) في عالم الرؤيا فسلّم عليه و لكن النبيّ لم يرد جواب سلامه و أشاح بوجهه الشريف عنه، فقال أبو بكر: يا رسول اللّه، ما ذنبي حتّى أدرت وجهك عنّي؟ فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): أردّ السلام عليك و قد عاديت من والى اللّه و رسوله، ردّ الحقّ إلى أهله. قال: فقلت: من أهله؟ فقال: من عاتبك عليه، عليّ. فقال أبو بكر: قد رددته عليه يا رسول اللّه. و غاب رسول اللّه عن عينه.

فما أن أصبح الصباح حتّى وافى ابو بكر بيت الإمام و أخبره عن الرؤيا و قال: مدّ يدك لأبايعك، فمدّ الإمام يده فبايعه و سلّمه الخلافة و قال: يا أبا الحسن، سأذهب إلى المسجد و أحكي للأمّة عن قصّة الرؤيا و أكشف لهم وجه حجّتك، و أستقيلهم من الحكم و أسلّمه لك. فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): لعلّك تفعل ذلك.

فلمّا خرج من عنده و إذا بعمر مقبل عليه، فقال: يا خليفة رسول اللّه مالك تغيّر لونك؟ فحكى له أبو بكر الرؤيا و ما شاور فيه أمير المؤمنين و ما اتفقا عليه، فقال له عمر: إنّك وقعت تحت تأثير سحر بني هاشم، و ما زال يوسوس له حتّى صرفه عمّا عاهد عليه الإمام (عليه السلام)، و ردّه إلى وضعه السابق‏ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ‏ (2).

____________

(1) أمّا هذه الصفات فأبو بكر منها براء، و هو صاحب الانفعالات و المزاج العصبي الشديد الذي لا يلين، و على أثر هذا المزاج الحادّ قامت حروب التأسيس أو ما يسمّى بالردّة، فقد وقف المسلمون بجانب يستنكرون الحرب، و وقف أبو بكر بالجانب الآخر يأمر بها حتّى غلبت إرادته و قامت الحرب فأين لينه؟؟ ليت شعري.

(2) المجادلة: 19.

429

فذهب عليّ (عليه السلام) إلى المسجد على العهد الذي عاهده عليه أبو بكر و لكنّه رأى المسجد مقفرا فخرج منه «خائفا من شرّ غائلتهم عازما (على) زيارة روضة الرسول» فلحق به عمر في الطريق و سخر منه، و قال له: لن أدعك تنال الحكم أنت و أولادك ما دمت على قيد الحياة، فزار الإمام النبيّ و عاد إلى بيته.

الفصل الثاني عشر

كلّما اجتمع أبو بكر بعليّ يقول له: أعذرني. قال ابن عبّاس: أحصيت لأبي بكر عشرة مواضع سمعته يقول فيها لعليّ (عليه السلام): «أعذرني».

قال سلمان: ما وقعت عين أبي بكر على عليّ إلّا قال له: المعذرة إليك من التقدّم عليك.

و قال يوما و قد ضمّه المجلس مع عليّ و العبّاس: أعذروني أعذركم اللّه بالتقدّم، ما تقدّمنا عليكم عن رأينا و لكن غلبنا عليه‏ (1).

قال عبد اللّه بن عبّاس: جاء أبي العبّاس يوم السقيفة المغيرة بن شعبة و أخذ يعتذر له، فقال أبي: لا عذّر اللّه من عذرك، اعزب عنّا لعنة اللّه عليك.

____________

(1) لست أدري من أين استقى المؤلّف هذه الأخبار و قد ساقها من غير ذكر للسند و لا للكتاب الذي تناولها منه، و قد بعد زماننا عن زمانه فليس لنا أن نحكم عليه بخطأ أو صواب حتّى يتبيّن لنا الخيط الأبيض من الخيط الأسود، و أنّى لنا بذلك، أمّا عن أبي بكر و ما يحكيه المؤلّف عنه من سماحة الخلق و رجاجة الرأى و تفانيه في خدمة الإمام حتّى عاهده على الاستقالة و ردّ حقّه إليه لولا ما فعله عمر فهو كلام فارغ لا أساس له من الصحّة إطلاقا، و الرجل أبعد الناس من هذه الأخلاق، ولو صحّ فيه ما قاله المؤلّف لكان ردّه فدكا على الزهراء و إرثها عليها و سهم ذوي القربى أهون من ردّ الخلافة، فما باله مات و هو مصرّ على ذنبه، عاكف على جريمته، عفى اللّه عن المؤلّف فإنّه خلط الحابل بالنابل.

430

و رأى الإمام عليّ (عليه السلام) أبا عبيدة بن الجرّاح، فقال له: و أنت أيضا تظاهر علينا؟

فقال: معذرة عليك، فحوّل الإمام وجهه عنه، و قال: هذا أوان لا يعذرون و لا يؤذن لهم فينتصرون.

يقول الزهري:

عليّ لعمري كان بالناس أرؤفا * * * و في العلم بالأحكام أقضى و أعرفا

فما عذر قوم أخّروه و قدّموا * * * عديّا و تيما و هو أعلى و أشرفا

***

الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على خير خلقه محمّد و آله الطاهرين، تمّ بحمد اللّه و منّه و بتوفيق منه و عناية الجزء الأوّل من كتاب «كامل البهائي» في السقيفة، و نسأله سبحانه أن يمنّ علينا بالتوفيق لإتمام الجزء الثاني منه.

شعبان المعظّم 1376 ه (1)

____________

(1) الظاهر أنّ تجزئة الكتاب من الناشر و الدعاء و التاريخ منه أيضا، و الحمد للّه أوّلا و آخرا.

431

فهرس المحتويات‏

مقدّمة المترجم 3

شرح حال المؤلّف مطابقا لما تفضّل به المحدّث القمّي رضوان اللّه عليه 13

ديباجة الكتاب 17

الباب الأوّل: في أقسام العلم 34

الباب الثاني: في أقسام النعم 37

في بيان ما هو المذهب الحقّ من المذاهب المتعدّدة 42

في بيان عقيدة الشيعة و أهل السنّة 45

الباب الثالث: في بيان مذاهب أهل السنّة، و الجواب عنها للشيعة 49

الفصل الأوّل 49

الفصل الثاني 51

الفصل الثالث 53

الفصل الرابع 54

الفصل الخامس 57

الفصل السادس 64

الباب الرابع: في أنّ الشيعة ناجية 73

الباب الخامس: في دلائل حجّة اللّه على خلق اللّه أمير المؤمنين عليّ و أولاده الطاهرين صلوات اللّه عليه و عليهم أجمعين 92

الفصل الأوّل: في من ظلم العترة و سبّهم 139

الفصل الثاني: في مناقب عليّ (عليه السلام) على سبيل الإجمال 142

الباب السادس: في الآيات التي لم يعملوا بها 145

الباب السابع: في بيان ما اجتمع بالقوم من الخصال الساقطة المنافية للإمامة 163

432

خصال عمر التي تفرّد بها 169

الباب الثامن: في المناقب و الأخبار التي افتروها زخرفة لأباطيلهم 176

فصل 313

الباب التاسع: في البدع التي ابتدعها أبو بكر و رسيلاه 316

قصّة سعد بن عبادة 323

بيان في أنّ عثمان و بني أميّة لم يكونوا من قريش و أنّ أميّة غلام روميّ 350

الباب العاشر: في حجّة الوداع و ذكر الغدير و وصيّة الرسول و وفاته و فيه ما يتبع ذلك 360

الفصل الأوّل: في حجّة الوداع 360

الفصل الثاني: في ذكر الغدير 362

الفصل الثالث: في ذكر وفاة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) 368

الفصل الرابع: في ذكر الوصيّة 370

الفصل الخامس: في تمام قصّة موته (صلّى اللّه عليه و آله) 372

الباب الحادي عشر: في بناء السقيفة 378

الفصل الأوّل: في خلاف الصحابة 382

الفصل الثاني: في وفاة فاطمة (عليها السلام) 393

الفصل الثالث 400

الفصل الرابع 405

الفصل الخامس 408

الفصل السادس 408

الفصل السابع 410

الفصل الثامن 413

الفصل التاسع: في فوائد هذا الكتاب 420

الفصل العاشر 422

الفصل العاشر 422

الفصل الحادي عشر 422

الفصل الثاني عشر 429