الموسوعة الكبرى عن فاطمة الزهراء(ع) - ج12

- إسماعيل الأنصاري الزنجاني المزيد...
320 /
453

و الغرض أن الإمام و القاضي يجب عليهما مراعاة ظاهر الشرع و هو أن لا يسمع قول المدّعي إلا بالحجة و إن تحقّق عصمته عن الكذب، فلو تمّ حجة حكم و إلا توقّف.

و لو صحّ قصة مرافعة فدك فأبو بكر عمل فيه ما كان يجب عليه من طلب الحجة من المدّعي، و إن اعتقد عصمته من الكذب.

و أما ما ذكر أن الحسنين (عليهم السلام) شهدا له و لم يسمع أبو بكر- فإن صحّ- فربما كان لصغرهما و لعدم سماع شهادة الفرع كما فعل شريح، و هذا لا طعن فيه كما ذكرنا، لأنه مراع لقواعد الشرع و شريح حكم بطلب الحجة و إتمامها على وجه يرتضيه الشرع، فلا طعن.

و أما عدم سماع شهادة أم أيمن- إن صحّ- فلأنها قاصرة عن نصاب الشهادة، فإنها شهدت مع علي (عليه السلام) و هو من باب شهادة رجل و امرأة، و كان لا بد من التكميل، و لا طعن على الحاكم إذا راعى ظاهر الشرع في الأحكام و أبو بكر ليس أقل قدرا من شريح و قد عمل مع أمير المؤمنين (عليه السلام) في أيام خلافته مثل هذا و هو كان قاضيا لأمير المؤمنين (عليه السلام)، فكيف يتصوّر الطعن؟

فأما غضب فاطمة (عليها السلام)، فهو من العوارض البشرية، و البشر لا يخلو من الغضب، و الغاضب على الغير يغضب لغرض ديني لقصور المغضوب عليه في أداء حق اللّه، و هذا الغضب من باب العداوة الدينية؛ و ما ذكر من الحديث: «إن اللّه يغضب لغضب فاطمة (عليها السلام)»، فالظاهر أن المراد هذا الغضب.

و أقول: ما زعمه من أن فدك قرية من قرى خيبر مخالف للضرورة و مناف أيضا لأخبارهم؛ روى الطبري في تاريخه بحوادث سنة سبع من الهجرة من حديث قال فيه:

حاصر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أهل خيبر في حصنيهم الوطيس و السلالم، حتى إذا أيقنوا بالهلكة سألوه أن يسيّرهم و يحقن دماءهم ففعل، و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قد حاز الأموال كلها؛ الشق و نطاة و الكتيبة و جميع حصونهم إلا ما كان من ذينك الحصنين.

454

فلما سمع بهم أهل فدك قد صنعوا ما صنعوا، بعثوا إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يسألونه أن يسيّرهم و يحقن دماءهم و يخلوا الأموال ففعل ...، فلما نزل أهل خيبر على ذلك، سألوا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أن يعاملهم بالأموال على النصف. فصالحهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) على النصف و صالحهم أهل فدك على مثل ذلك؛ فكانت خيبر فيئا للمسلمين و كانت فدك خالصة لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، لأنهم لم يجلبوا عليها بخيل و لا ركاب ....

و روى الطبري أيضا، قال: كانت المقاسم على أموال خيبر على الشق و نطاة و الكتيبة، فكانت الشق و نطاة في سهمين للمسلمين و كانت الكتيبة خمس اللّه و خمس النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و سهم ذي القربى ....، و لما فرغ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من خيبر، قذف اللّه الرعب في قلوب أهل فدك حين بلغهم من أوقع اللّه بأهل خيبر. فبعثوا إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يصالحونه على النصف من فدك، فقبل ذلك منهم؛ فكانت فدك لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) خاصة لأنه لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب.

و روى ابن الأثير في الكامل نحو هذين الخبرين، ثم قال: لما انصرف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من خيبر، بعث إلى أهل فدك يدعوهم إلى الإسلام. فصالحوا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) على نصف الأرض، فقبل منهم ذلك؛ و كان نصف فدك خالصا لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لأنه لم يوجف عليه بخيل و لا ركاب.

و روى البخاري و مسلم: أن فاطمة بنت رسول اللّه (عليها السلام) أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) مما أفاء اللّه عليه بالمدينة و فدك و ما بقي من خمس خيبر، فقال أبو بكر: إن رسول اللّه قال: لا نورّث، ما تركناه صدقة؛ إنما يأكل آل محمد في هذا المال، و إني و اللّه لا أغيّر شيئا من صدقة رسول اللّه عن حالها التي كانت عليها في عهد رسول اللّه و لأعملنّ فيها بما عمل به رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة (عليها السلام) شيئا ....

و روى مسلم أيضا أن فاطمة (عليها السلام) سألت أبا بكر بعد وفاة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أن يقسّم لها ميراثها مما ترك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) مما أفاء اللّه عليه. فقال لها أبو بكر: إن رسول اللّه قال:

455

لا نورّث، ما تركناه صدقة. و كانت فاطمة (عليها السلام) تسأل أبا بكر نصيبها مما ترك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من خيبر و فدك و صدقته بالمدينة. فأبى أبو بكر عليها ذلك و قال: لست تاركا شيئا كان رسول اللّه يعمل به إلا عملت به؛ إني أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ. فأما صدقته بالمدينة، فدفعها عمر إلى علي (عليه السلام) و عباس، فغلبه عليها علي (عليه السلام). و أما خيبر و فدك فأمسكها عمر و قال، هما صدقة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، كانتا لحقوقه التي تعروه و نوائبه و أمرهما إلى من ولي الأمر. قال: فهما على ذلك إلى اليوم.

و نحوه في صحيح البخاري و مسند أحمد، و ذكر البخاري في هذا الحديث أنها غضبت فهجرت أبا بكر، و لم تزل مهاجرته حتى توفّيت. و ذكر هو و مسلم في الحديث الأول أنها (عليها السلام) وجدت على أبي بكر في ذلك فهجرته فلم تكلّمه حتى توفّيت، و عاشت بعد النبي (صلّى اللّه عليه و آله) ستة أشهر. فلما توفّيت دفنها علي (عليه السلام) ليلا و لم يؤذن بها أبا بكر، و صلّى عليها.

فأنت ترى إن هذه الأخبار صريحة الدلالة على أن فدك غير خيبر، و مثلها في أخبارهم كثير. فكيف زعم الخصم أنها من قراها؟

و بهذه الأخبار التي ذكرناها يعلم أن فدك و كل ما لم يوجف عليه بخيل أو ركاب ملك لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) خاصة. فقول الخصم: و كان تحت يد رسول اللّه كما يكون أموال الفي‏ء تحت أيدي الأئمة باطل، فإن ظاهره أنه للمصالح العامة لا للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) خاصة، و هو مخالف للأخبار السابقة و ضرورة الإسلام، و لعله أخذ هذه الدعوى من قول أبي بكر في الحديث الأول: إني و اللّه لا أغيّر شيئا من صدقة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عن حالها التي كانت عليها و لأعملنّ فيها بما عمل.

و قوله في الحديث الثاني: لست تاركا شيئا كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يعلم به، فإن هذين القولين دالّان على أن متروكات النبي (صلّى اللّه عليه و آله) كانت صدقة في أيامه. و فيه: إن كلام أبي بكر متناقض، فلا ينبغي أن يعتمد عليه، لأن متروكات النبي (صلّى اللّه عليه و آله) إن كانت من الصدقات في أيامه لم يكن محل لروايته إن الأنبياء لا يورّثون، إذ لا ميراث حتى يحتاج لرواية هذا الحديث؛ و إن كانت ملكا لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان خوف أبي بكر من مخالفة عمل النبي (صلّى اللّه عليه و آله)

456

تقشفا كاذبا، لأن عمل النبي (صلّى اللّه عليه و آله) حيث وقع كان بنحو الملك، فلا يلزم أبا بكر أن يعمل كعمله، و قد صارت بزعمهم صدقة من سائر صدقات المسلمين التي يجوز تخصيص بعضهم فيها، كما خصّ هو عليا (عليه السلام) بسلاح النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و بغلته بعنوان الصدقة، كما أدّاه الخصم و خصّ عمر عليا (عليه السلام) و العباس بصدقة المدينة.

و أما ما زعمه من أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) كان ينفق على عياله من فدك، فيكذّبه ما رواه البخاري و مسلم أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) كان ينفق على أهله نفقة سنة من أموال بني النظير و ما بقي يجعله في الكراع و السلاح.

و يكذّبه أيضا الحديث الذي أشار إليه الخصم المشتمل على قصة منازعة علي (عليه السلام) و العباس في مال بني النظير؛ فإن عمر قال فيه: كان رسول اللّه ينفق على أهله نفقة سنتهم من هذا المال.

و ما رواه البغوي في المصابيح في باب الفي‏ء من الحسان، عن عمر، قال: كان لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ثلاث صفايا: بنو النظير و خيبر و فدك. فأما بنو النظير فكانت حبسا لنوائبه، و أما فدك فكانت حبسا لا بناء السبيل، و أما خيبر فجزّأها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ثلاثة أجزاء؛ جزءين بين المسلمين و جزءا نفقة لأهله، فما فضّل عن نفقة أهله جعله بين فقراء المهاجرين.

فإن هذه الأخبار مكذّبة لما ادعاه الخصم من أن نفقة عيال النبي (صلّى اللّه عليه و آله) من فدك، كما أنها متكاذبة فيما بينها لدلالة الخبرين الأولين على أنها من بني النظير و دلالة خبر البغوي على أنها من خيبر، على أنه لو كانت فدك محل نفقة عيال النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في سنين لما خفي ذلك على عياله و المسلمين، و لا سيما أن الفاضل عن نفقتهم بزعم الخصم يصرف في الكراع و السلاح، فكيف يمكن لفاطمة (عليها السلام) دعوى أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) نحلها فدك من يوم ملكها ثم يشهد لها بذلك أمير المؤمنين (عليه السلام)، و كيف لا تنعى عليها عائشة هذه الدعوى نصرة لأبيها.

457

و أما قوله: و لم يكن سعة في أموال الفي‏ء حتى ينفق الخليفة على أزواجه من سائر جهات الفي‏ء و يترك فدك لفاطمة، فعذر بارد لأنّ الحقوق الشرعية، لم تكن تضيق عن نفقة أزواج النبي (صلّى اللّه عليه و آله) التي تعوّدن عليها في أيامه، و لا أظن أنها كانت في ذلك الوقت تبلغ ما أعطاه جابر بن عبد اللّه في أيام وفاة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لما جاءه مال البحرين، فإنه أعطاه ألفا و خمسمائة درهم كما رواه البخاري و مسلم و أحمد في مسنده، و كذا أعطى غيره نحو ذلك.

ففي كنز العمال عن ابن سعد: سمعت منادي أبي بكر ينادي بالمدينة حين قدم عليه مال البحرين: من كانت له عدة عند رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فليأت. فيأتيه رجال فيعطيهم؛ فجاءه أبو بشر المازني فقال: إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال لي: إذا جاء ناشئ فأتنا، فأعطاه أبو بكر حفنتين أو ثلاثا، فوجدها ألفا و أربعمائة.

بل لم تكن نفقة أزواج النبي (صلّى اللّه عليه و آله) إلا القليل مما وهبه أبو بكر لمعاذ بن جبل؛ روى في الاستيعاب بترجمة معاذ أنه مكث باليمن أميرا، و كان أول من اتجر بمال اللّه. فمكث حتى أصاب و حتى قبض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). فلما قدم قال عمر لأبي بكر: أرسل إلى هذا الرجل فدع له ما يعيشه و خذ سائره منه .... فقال أبو بكر: لا آخذ منك شيئا قد وهبته لك؛ و نحوه في الكنز عن عبد الرزاق و ابن راهواه.

كما أن نفقتهن لا تبلغ إلا اليسير مما أعطاه لأبي سفيان؛ ففي شرح النهج عن الجوهري في كتاب السقيفة أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بعث أبا سفيان ساعيا. فرجع من سعايته و قد مات رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فقال: من ولّى بعده؟ قيل أبو بكر. قال: أبو فصيل؟! قالوا: نعم ....

فكلّم عمر أبا بكر فقال: إن أبا سفيان قد قدم و إنا لا نأمن شره. فدفع له ما في يده، فتركه فرضي. و أنت تعلم أن مال السعاية التي يوجّه بها أبو سفيان و يرشى به في أمر الخلافة و يرضيه ممن ازدراه و استصغره لهو من أكثر الأموال، فإذا وسع مال اللّه هذه العطيات و نحوها فكيف يضيّق عن نفقة أزواج النبي (صلّى اللّه عليه و آله)؟

458

و لو فرض أنه يضيّق عنها فقد كان من شرع الإحسان و حفظ الذمام لسيد المرسلين (صلّى اللّه عليه و آله) أن يضيّقوا على أنفسهم و ينفقوا على الأزواج من مال اللّه أو يضمّ أبو بكر و عمر ابنتيهما إلى عيالهما و يطيّبوا نفس بضعة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بإعطائها فدك التي أفاء اللّه بها عليه، و لا يلجؤها إلى النزاع في تلك المقامات و يغضبوها حتى الممات.

أ ترى أن من بنى لقومه بيت شرف و مجد و جعل لهم مملكة يزاحمون بها الممالك العظمى ثم مات و خلّف بينهم بنتا واحدة و ما لا يقوم بكفايتها، فهل يحسن منهم أن ينتزعوا منها ذلك المال قهرا بحجة أنه يعود إلى المملكة؟ و هل ترى من يفعل ذلك معدودا من حافظي حق الأب و ذمامه أو معدودا من المضيّعين لحقه و أعدائه؟ فكيف بسيد النبيين (صلّى اللّه عليه و آله) الذي بنى لهم شرف الدنيا و الدين و أخرجهم من الظلمات إلى النور و هداهم- لو آمنوا- إلى الصراط المستقيم، و ما خلّف بينهم إلا بنتا وصفها بأنها بضعته و أنها سيدة نساء العالمين و أنها بغضبه ما يغضبها!

و أما قوله: فعمل أبو بكر في فدك مثل عمل النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، فكان ينفق على أزواج النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و فاطمة (عليها السلام) و أولادها، فكذب ظاهر، إذ مع أن نفقة الأزواج بحسب أخبارهم السابقة كانت من مال بني النظير أو خيبر؛ إن سيدة النساء (عليها السلام) لم تقم بين أظهرهم إلا مدة يسيرة ساخطة عليهم، فمتى أخذت من أيديهم؟

مضافا إلى ما رواه البخاري و مسلم عن أبي هريرة أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: لا يقتسم ورثتي دينارا نارا؛ ما تركت بعد نفقة نسائي و مؤونة عاملي فهو صدقة. فإنه لم يستثن إلا نفقة نساء النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و مؤونة عامله، فلا تكون نفقة فاطمة (عليها السلام) و أولادها منها.

و الظاهر أن فدك صارت من مختصّات أبي بكر و عمر، كما عن السيوطى في تاريخ الخلفاء، و يدلّ عليه ما رواه أبو داود في سننه في باب صفايا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من كتاب الخراج عن أبي الطفيل، قال: جاءت فاطمة (عليها السلام) إلى أبي بكر تطلب ميراثها من النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، فقال أبو بكر: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: إن اللّه عز و جل إذا أطعم نبيا طعمة فهي للذي يقوم بعده. و نحوه في كنز العمال عن أحمد و أبي داود و ابن جريز و البيهقي.

459

بل الظاهر أن خيبر أيضا مختصّة بهما و صارت طعمة لهما، لما سبق عن البخاري و مسلم و أحمد أن عمر أمسك خيبر و فدك و قال: هما صدقة رسول اللّه، كانتا لحقوقه التي تعروه و أمرهما إلى من وليّ الأمر. فإنه دالّ على أن عمر و أبا بكر قد اتخذا فدك و خيبر لحقوقها و نوائبهما طعمة لهما، و هو مما يزيد في اللؤم و التقريع لهما في منع فاطمة (عليها السلام) فدكا و سهمها من خيبر.

و أما قوله: فلما انتهى أمر الخلافة إلى عمر ... ردّ سهم بني النظير إلى علي (عليه السلام) و عباس، فمن الجهل الواضح، لأنه يدلّ على زعمه اتحاد سهم بني النظير و فدك، لأن كلامه في فدك و تحقيق أمرها و هما بالضرورة مختلفان، و النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فتح بني النظير في سنة أربع و فدك في سنة سبع.

على أن عمر لم يردّ شيئا من فدك و سهم بني النظير، و إنما زعموا أنه ردّ صدقته بالمدينة كما سبق في حديث البخاري و مسلم و أحمد، لكن الظاهر إن الخصم أخذ دعوى ردّ عمر لسهم بني النظير من الخبر المشتمل على منازعة أمير المؤمنين (عليه السلام) و العباس، فإنه دالّ على ذلك. فيتناقض مع ما دلّ على أنه إنما ردّ صدقته بالمدينة.

فقد ظهر مما ذكرنا أن ما بيّنه الخصم في تاريخ فدك جهل في كذب، و هل هو أعلم بحقيقتها من الطاهرة العالمة.

و أما ما يظهر منه من التشكيك في دعوى فاطمة (عليها السلام) فمن الغرائب؛ ليت شعري إذا لم تدع أحدهما فما هذا الذي وقع بينها و بين أبي بكر مما ملأ العالم ذكره و شوّه وجه التاريخ أمره؟ و لنتكلّم في الدعويين.

أما دعوى الإرث فقد اشتملت عليها صحاح أخبارهم و قد سمعت بعضها، و لشهرتها و وضوحها لا نحتاج إلى تطويل الكلام بإثباتها. و لما ادعت الميراث ردّها أبو بكر بالحديث الذي رواه فكذّبته و قالت من خطبة طويلة: يا ابن أبي قحافة! أ ترث أباك و لا أرث أبي؟ لقد جئت شيئا فريا، كما ذكره ابن أبي الحديد و استدلّت (عليها السلام) بالآيات التي ذكرها المصنف، كما استدلّ أمير المؤمنين (عليه السلام) أيضا بآيتي سليمان و يحيى، كما في الكنز عن ابن سعد.

460

و أما قوله: الحديث إذا صحّ بشرائط يخصّص حكم الكتاب فصحيح، لكن الكلام في حصول الشرائط، كما ستعرف على أن آيتي إرث سليمان و يحيى خاصّتان فلا يعارضها الحديث و إن صحّ.

و أما تكذيبه للمصنف في دعوى تفرّد أبي بكر، فباطل لأن المصنف لم يستبدّ بهذه الدعوى، بل سبقته إليها عائشة و كانت أعلم بتفرّد أبيها؛ فقد نقل في الكنز في فضائل أبي بكر عن البغوي و أبي بكر في الغيلانيات و ابن عساكر، عن عائشة، قالت: لما توفّي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) اشرأب النفاق و ارتدّت العرب و انحازت الأنصار؛ فلو نزل بالجبال الراسيات ما نزل بأبي لهاضها. فما اختلفوا بنقطة إلا طار أبى بغنائها و فصلها. قالوا: أين يدفن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)؟ فما وجدنا عند أحد من ذلك علما، فقال أبو بكر: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: ما من نبي يقبض إلا دفن تحت مضجعه الذي مات فيه. و اختلفوا في ميراثه، فما وجدوا عند أحد من ذلك علما، فقال أبو بكر: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: إنا معاشر الأنبياء لا نورّث، ما تركناه صدقة. و نقله ابن حجر في الصواعق عن هؤلاء الجماعة.

و يدلّ أيضا على تفرّد أبي بكر ما رواه أحمد في مسند عن عمر، قال في جملة كلامه: حدثني أبو بكر- و حلف بأنه لصادق- أنه سمع النبي يقول: إن النبي لا يورّث و إنما ميراثه في الفقراء المسلمين و المساكين.

و قال ابن أبي الحديد: أكثر الروايات أنه لم يرو هذا الخبر إلا أبو بكر وحده؛ ذكر ذلك معظم المحدثين، حتى أن الفقهاء اطبقوا على ذلك في احتجاجهم في الخبر برواية الصحابي الواحد، و قال شيخنا أبو علي: لا يقبل في الرواية إلا رواية اثنين. فخالفه المتكلمون و الفقهاء كلهم و احتجّوا بقبول الصحابة رواية أبي بكر وحده: نحن معاشر الأنبياء لا نورّث. حتى أن بعض أصحاب أبي على تكلّف لذلك جوابا فقال: قد روي أن أبا بكر يوم حاجّ فاطمة (عليها السلام) قال: أنشد اللّه امرأ سمع من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في هذا شيئا، فروى مالك بن أوس بن الحدثان أنه سمعه من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).

461

و أما استدلال الخصم لعدم تفرّد أبي بكر بقول عمر بمحضر علي (عليه السلام) و العباس و غيرهما، فهو مما رواه البخاري من طرق و مسلم و الألفاظ متقاربة، و هو من الكذب الصريح لأمور:

الأول: إنه يصرّح بأن عمر ناشد القوم و من جملتهم عثمان، فشهدوا بأن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: لا نورّث، و هو مناف لما رواه البخاري عن عائشة أنها قالت: أرسلت أزواج النبي عثمان إلى أبي بكر يسألنه ثمنهن مما أفاء اللّه على رسوله، فكنت أنا أردّهن الحديث. فإنه يقتضي أن يكون عثمان جاهلا بذلك و إلا لامتنع أن يكون رسولا لهن، إلا أن يظن القوم فيه السوء.

الثاني: إنه لو كان القوم الذين ناشدهم عمر عالمين بما رواه أبو بكر لما تفرّد أبو بكر بروايته عند منازعة فاطمة (عليها السلام) له، فهل تراهم ذخروا شهادتهم لعمر و أخفوها عن أبي بكر و هو إليها أحوج؟

الثالث: إن أحاديث البخاري صريحة في أن أمير المؤمنين (عليه السلام) و العباس طلبا من عمر الميراث حيث يقول في أحدها: جئتماني و كلّمتكما واحدة؛ جئتني- يا عباس- تسألني نصيبك من ابن أخيك و جاءني هذا يريد نصيب امرأته من أبيها، فقلت لكما: إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: لا نورّث، ما تركناه صدقة. و قريب منه ما في حديثيه الآخرين.

فكيف يتصوّر أن يطلبا من عمر الميراث و هما يعلمان أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لا يورّث؟ و هو من الكذب الفضيع لمنافاته لدينهما و شأنهما، و كونه من طلب المستحيل عادة، لأن أبا بكر قد حسم أمره و كان أكبر أعوانه عليه عمر، فكيف يطلبان منه الميراث؟ و مع ذلك فكيف دفع لهما عمر مال بني النظير ليعملا به عمله و عمل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أبي بكر، و هما قد جاءاه و يطلبان الميراث مخالفين لعلمهما غير مبالين بحكم اللّه و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله)؟

حاشاهما! فيكون قدحا في عمر.

الرابع: إن أمير المؤمنين (عليه السلام) و العباس لو سمعا من النبي (صلّى اللّه عليه و آله) ما رواه أبو بكر حتى أقرّا به لعمر، فكيف يقول لهما عمر- كما في حديث مسلم-: رأيتما أبا بكر كاذبا آثما غادرا خائنا و رأيتماني كاذبا آثما غادرا خائنا؟

462

الخامس: إن أمير المؤمنين (عليه السلام) لو سمع ذلك فلم ترك بضعة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) أن تطالب بما لا حق لها فيه؟ أ أخفى ذلك عنها راضيا بأن تغصب مال المسلمين؟ أو أعلمها فلم تبال وعدت على ما ليس لها فيه حق، فيكون الكتاب كاذبا أو غالطا بشهادته لهما بالطهارة؟! فلا مندوحة لمن صدّق اللّه و كتابه و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) أن يقول بكذب هذه الأحاديث.

السادس: إنه ذكر في حديث مسلم- و يعزّ علىّ نقله و إن كان ناقل الكفر ليس بكافر- أن العباس قال لعمر: اقض بيني و بين هذا الكاذب الآثم الغادر الخائن. و هذا مما لا يتصوّر صدوره من العباس، إذ كيف ينسب لعلي (عليه السلام) الكذب و الغدر و الخيانة و هو يعلم أنه نفس النبي الأمين (صلّى اللّه عليه و آله) و أن اللّه سبحانه شهد له بالطهارة؟ و كيف يسبّه و قد علم أن من سبّه سبّ اللّه و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله)؟! اللهم إلا أن يكون كافرا مخالفا لما علم و ثبت بالضرورة، و العباس أجلّ قدرا و أعلى شأنا من ذلك. فلا بد أن يكون هذا القول مكذوبا على العباس من المنافقين الذين يريدون سبّ الإمام الحق و وضعوا هذا الحديث لإصلاح حال أبي بكر و عمر من دون فهم و رؤية.

و أما حديث أبي هريرة الذي استدلّ به الخصم لعدم تفرّد أبي بكر، فهو من الكذب المجمع عليه، لمخالفته لمذهبنا كما هو ظاهر و لمذهبهم، لأنهم يزعمون أن ما تركه النبي (صلّى اللّه عليه و آله) صدقة كله، فلا وجه لاستثناء نفقة نسائه؛ و ليس هذا الكذب إلا من أبي هريرة، تزلّفا لأهل الخلاف بلا معرفة.

فإذا عرفت أن أبا بكر متفرّد بهذه الرواية، عرفت أنه لا يصحّ التعويل عليها، إذ لا يمكن أن يخفي نبي الرحمة و الهدى (صلّى اللّه عليه و آله) هذا الحكم عمن هو محلّ الابتلاء به و هم ورثته و يعرف به أجنبيا واحدا حتى يصير سببا للفتنة و الخلاف بين ابنته الطاهرة و من يلي أمر الأمة، إلى أن ماتت غضبى عليه، و هو قد قال في حقها: «إن اللّه يغضب لغضبها و يرضى لرضاها و يؤذيني ما يؤذيها». فكان هذا البيان لفضلها مع ذلك الإخفاء عنها سببا لاختلاف أمته و العداوة بينهم إلى الأبد، لأنهم بين ناصر لها و قاطع بصوابها و بين ناصر لأبي بكر و راض بعمله.

463

و كيف يتصوّر أن يخفي هذا الحكم عن أخيه و نفسه و باب مدينة علمه و من عنده علم الكتاب و يظهره لغيره؟ ليت شعري أ لم تكن لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) رأفة على بضعته فيعلمها حكمها و يصوّنها عن الخروج إلى المحافل مطالبة بما لا تستحق و تعود بالفشل راغمة مهضومة؟! ما أظنّ مؤمنا برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عارفا بشأنه يلتزم بصحة هذا الخبر مع هذه المفاسد.

و أما ما أجاب به عن السؤال بقوله: فإن قيل: لا بد لكم من بيان حجية هذا الحديث و من بيان ترجيحه على الآية، ففيه أن دعوى الحكومة لأبي بكر في المقام خطأ، فإنه خصم بحت لاستحقاقه لهذه الصدقة، و إن فرض غناه لأنها من الصدقات بالمعنى الأعم الذي ادعاه الخصم، بل أبو بكر أظهر الناس خصومة لأنه يزعم أن أمر صدقات النبي (صلّى اللّه عليه و آله) راجع إلى وليّ الأمر بعده و أنه وليه.

و ليت شعري لم صار أمير المؤمنين (عليه السلام) خصما لليهودي في الرواية التي ذكرها الفضل و رجع إلى شريح و صار أبو بكر هو الحكم فيما ادعاه على الزكية الطاهرة (عليها السلام)؟

و لو سلّم أن له الحكومة- و إن كان خصما- فالحديث الذي استند إليه في الحكم عليها ليس قطعي الدلالة، لاحتمال أن يريد به النبي (صلّى اللّه عليه و آله) إنا لا نترك شيئا من المال يبقي بعدنا لورثتنا، بل نصرفه في وجوه البراذ؛ ليس من شأننا جمع المال كالملوك، و ما نتركه بعدنا إنما هو من مال الصدقات التي لنا الولاية عليها.

و حينئذ لو اتفق بقاء مال يملكه النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لسبب يرجح بقاءه، لا يمنع أن يكون إرثا لورثته، و قول الخصم لانتفاء الاحتمالات التي يمكن تطرقها إليه بقرينة الحال إلى آخر رجم بالغيب، إذ لا دليل على وجود قرينة الحال لو لا حمل أبي بكر على الصحة، و هو ليس أولى بالحمل على الصحة من أهل البيت (عليهم السلام) الملغين لحديثه. نعم، لا ينكر ظهور حديثه في مطلوبه، لكنه لو صحّ لا يصلح لمعارضة ظهور الآيات في توريث الأنبياء، لا سيما ما تعرض منها لإرث الأنبياء بخصوصهم.

464

و أما ما زعمه من الفرق بين الشهادة و الرواية، فممنوع إذا كانت الرواية لإثبات الحاكم مدّعاه بروايته إذ تلحقه التهمة بإرادة جرّ النفع إلى نفسه كالشاهد.

و أما ما أجاب به عن آية إرث سليمان، فمخالف للظاهر بل غير صحيح، لأن سليمان كان نبيا في حياة أبيه، فكيف يرث منه النبوة؟ و كذا العلم لقوله تعالى: «وَ لَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَ سُلَيْمانَ عِلْماً وَ قالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى‏ كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ ...». (1) فإنه دالّ على أن كلا منهما قد أوتي علما بالاصالة، و لذا قال سبحانه: «فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ». (2) فيدلّ قوله: «وَ وَرِثَ» على أنه ورث منه أمرا آخر غير العلم و ينصرف إلى المال، و إنما بيّن سبحانه إرثه للمال للدلالة على أنه بقى بعده و أن الأنبياء تورث المال و ترث منه.

و أما ما ذكره بالنسبة إلى دعاء زكريا، فيرد عليه:

أولا: منع اتفاق العلماء على إرادة النبوة و الحبورة لمخالفة أهل البيت (عليهم السلام) و شيعتهم جميعا و أكثر علماء التفسير من العامة. قال الرازي في تفسير الآية: اختلفوا في المراد بالميراث على وجوه: أحدها: أن المراد بالميراث في الموضعين هو وراثة المال، و هذا قول ابن عباس و الحسن و الضحاك. و ثانيها: إن المراد في الموضعين وراثة النبوة، و هو قول أبي صالح. و ثالثها: يرثني المال و من آل يعقوب النبوة، و هو قول السدي و مجاهد و الشعبي و روي أيضا عن ابن عباس و الحسن و الضحاك. رابعها: يرثني العلم و يرث من آل يعقوب النبوة و هو مرويّ عن مجاهد، و حكى السيوطي في الدر المنثور عن الفرياني أنه أخرج عن ابن عباس، قال: كان زكريا لا يولد له، فسأل ربه فقال: «رب‏ فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا. يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ» (3)؛ قال: يرثني مالي و يرث من آل يعقوب النبوة.

____________

(1). سورة النمل: الآية 16.

(2). سورة الأنبياء: الآية 79.

(3). سورة مريم: الآيتين 5، 6.

465

و يرد عليه ثانيا: إن دعواه الإجماع على أن يحيى قتل قبل أبيه باطلة، لأنها من قبيل دعوى الإجماع على خلاف ما أنزل اللّه تعالى؛ قال سبحانه: «إِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي‏ فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا. يَرِثُنِي». (1) فإنه يستلزم بمقتضى استجابة دعاء زكريا أن يكون يحيى قد بقى بعد أبيه، لأن الوراثة تستدعي بقاء الوارث بعد الموروث.

و ثالثا: إنه لا بد من حمل الآية على ميراث المال لا النبوة لأمور:

الأول: إن يحيى كان نبيا في حياة أبيه و هو صبي، فلا معنى لأن يكون وارثا للنبوة من أبيه، مع أن النبوة لا تحصل بالميراث إلا بالتجوّز، و هو خلاف الظاهر.

الثاني: إن الموالي كانوا شرار بني إسرائيل كما في الكشّاف و غيره، فلا يجوز أن يرثوا النبوة حتى يخافهم من ورائه و يدعو أن يهب اللّه له وارثا غيرهم. و لو فرض إمكان نبوتهم فلا وجه لخوفه من إرثهم للنبوة إلا البخل بنعمة اللّه على الغير و هو كما ترى، بل ينبغي سروره بذلك لخروجهم من الضلال إلى الهدى. و دعوى أنه ما خاف أن يرثوا النبوة بل خاف أن يضيّعوا الدين و يغيّروه فدعا ربه أن يهب له ولدا حافظا للدين مانعا لهم عن الفساد، ممنوعة لبعدها عن سوق الآيات و خصوصيات الكلام التي منها أنه طلب وليا و هو لا خصوصية له في تحصيل هذا الغرض، و طلب أن يكون رضيّا من دون قيد التمكّن من دفعهم عن الفساد.

الثالث: إنه لو كان المراد ولدا وارثا للنبوة لكان دعاؤه أن يجعله رضيا فضولا، إذ لا تكون النبوة إلا لرضي، و الحال أن ظاهره التقييد كما يشهد له ما حكاه السيوطي في الدرّ المنثور عن ابن أبي حاتم أنه أخرج عن محمد بن كعب، قال: قال داود: يا رب هب لي ابنا، فولد له ابن خرج عليه. فبعث له داود جيشا، إلى أن قال: رب إني سألت أن تهب لي ابنا فخرج عليّ!؟ قال: إنك لم تستثن. قال محمد بن كعب: لم يقل كما قال زكريا:

«وَ اجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا». (2)

____________

(1). سورة مريم: الآية 6.

(2). سورة مريم: الآيات 3- 6.

466

هذا، و لا يستبعد من زكريا أن يطلب وارثا لما له و إن لم يدخل المال تحت نظر الأنبياء، لأنه خاف أن يرث الموالي ماله فيستعينون به على معاصى اللّه تعالى، و لا يشكل بأنه اذا خاف ذلك أمكنه أن يتصدّق بماله فيحصل له ثواب الصدقة و يتمّ غرضه، و ذلك لأنه لا يرجح أن يفقر الإنسان نفسه باختياره ابتداء منه، و كلما نال مالا أخرجه في آنه؛ قال تعالى: «وَ لا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً». (1) على أن طلب الولد الصالح الذي يتعاهد أباه بماله و نتائجه و عمله أولى من الصدقة.

و أما ما أجاب به عن مناقضة فعل أبي بكر لروايته في توريث السيف و العمامة، فيبتنى ردّه على الإحاطة بأخبارهم الحاكية لكيفية وصول السيف و العمامة لأمير المؤمنين (عليه السلام)، و لم يتيسّر لي الآن ذلك.

و لكن لأبي بكر مناقضة أخرى أطلعت عليها في مسند أحمد، فقد أخرج عن ابن عباس أنه قال: لما قبض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و استخلف أبو بكر، خاصم العباس عليا (عليه السلام) في أشياء تركها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). فقال أبو بكر: شي‏ء تركه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فلم يحرّكه فلا أحرّكه .... و مثله في كنز العمال في أول كتاب الخلافة عن أحمد و البزار، و قال حسن الأسناد.

فإن هذا الحديث صريح في أنهما اختصما بأشياء من متروكات النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، و مقتضي رواية أبي بكر أن تكون هذه المتروكات من الصدقات، فكيف كان على أبي بكر أن لا يحرّكها و أيّ تحريك أكبر من حكم النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بأنها صدقة.

و أما قوله: و لو كان ميراثا لكان العباس وارثا أيضا لأنه العم، فمردود بأن العم لا يرث مع البنت، لبطلان التعصيب على الأحق. و لو سلّم فقد زعم بنو العباس أنهم ورثوا البردة و القضيب، و لعلهم يرون أنهما كانا سهم العباس من الميراث.

هذا كله في دعوى الإرث.

____________

(1). سورة الإسراء: الآية 29.

467

و أما دعوى النحلة، فلا ريب بصدورها من سيدة النساء (عليها السلام)، و هي مسلّمة من الصدر الأول إلى الآن.

قال قاضي القضاة فيما حكاه عنه ابن أبي الحديد: أكثر ما يروون في هذا الباب غير صحيح، و لسنا ننكر صحة ما روي من ادعائها فدك. فأما أنها كانت في يدها فغير مسلّم.

فأنت ترى أنه لم ينازع إلا في كون فدك بيدها، الذي هو محل الكلام في الصدر الأول و لم ينكر صحة ما روي من ادعائها النحلة.

و حكى ابن أبي الحديد عن كتاب السقيفة و فدك لأحمد بن عبد العزيز الجوهري أخبارا كثيرة في ادعائها نحلة فدك، و ذكر في المواقف و شرحها في المقصد الرابع من مقاصد الإمامة أنها ادعت النحلة و شهد لها علي و الحسنان (عليهم السلام)، و أضاف في المواقف أم كلثوم و قال في شرحها: الصحيح أم أيمن، و لم يناقش أحدهما في وقوع دعوى النحلة و صدور شهادة الشهود بها، و إنما أجابا بتصويب أبي بكر في ردّ شهادتهم.

و قال ابن حجر في الصواعق: و دعواها أنه (صلّى اللّه عليه و آله) نحلها فدكا، لم تأت عليها إلا بعلي (عليه السلام) و أم أيمن، فلم يكمل نصاب البينة، على أن في قبول شهادة الزوج لزوجته خلافا بين العلماء. و عدم حكمه بشاهد و يمين إما لعله لكونه ممن لا يراه ككثير من العلماء، أو أنها لم تطلب الحلف مع من شهد لها. و زعمهم أن الحسن و الحسين (عليهما السلام) و أم كلثوم شهدوا لها باطل، على أن شهادة الفرع و الصغير غير مقبولة؛ انتهى. فإنه لم ينكر صدور الدعوى منها و شهادة أمير المؤمنين (عليه السلام) و الصغير غير مقبولة؛ انتهى. فإنه لم ينكر صدور الدعوى منها و شهادة أمير المؤمنين (عليه السلام) و أم أيمن لها، و إنما أنكر شهادة الحسنين (عليهما السلام) و أم كلثوم.

و قال الشهرستاني في أوائل الملل و النحل: الخلاف السادس في أمر فدك و التوارث عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و دعوى فاطمة (عليها السلام) وراثة تارة و تمليكا أخرى حتى دفعت عن ذلك بالرواية المشهورة عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله): نحن معاشر الأنبياء لا نورّث، ما تركناه صدقة.

468

فإذا عرفت هذا فنقول: لا ريب عندنا أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) نحلها فدك و أن اليد لها عليها من يوم أفاء اللّه تعالى بها عليه، و كان بأمر اللّه سبحانه حيث قال له: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى‏ حَقَّهُ» (1)، و أن أبا بكر قبضها قهرا و طلب منها البينة على خلاف حكم اللّه تعالى، لأنه هو المدّعي.

و قد حاجّه أمير المؤمنين (عليه السلام) في ذلك، فما كان جوابهم إلا أن قال عمر: لا نقوّي على حجتك و لا نقبل إلا أن تقيم فاطمة (عليها السلام) البينة؛ كما صرّحت به أخبارنا و شهدت به أخبارهم!

قال السيوطي في الدرّ المنثور في تفسير قوله تعالى: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى‏ حَقَّهُ» (2) من سورة بني إسرائيل: أخرج البزّاز و أبو يعلي و ابن أبي حاتم و ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: لما نزلت هذه الآية: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى‏ حَقَّهُ» (3)، دعا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فاطمة (عليها السلام) فأعطاها فدك. قال: و أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: لما نزلت: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى‏ حَقَّهُ» (4) أقطع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فاطمة (عليها السلام) فدكا.

و نقل السيوطي أيضا الحديثين في لباب النقول، و ذكر أن الطبراني أخرج أيضا الحديث الأول عن أبي سعيد، لكن قال: هذا مشكل. فإنه يشعر بأن الآية مدنيّة و المشهور خلافه.

و فيه- مع أنه يكفينا موافقة البعض- أن الشهرة لو سلّمت إنما هي على كون السورة مكية، و هو باعتبار أغلبها لا ينافي نزول آية منها بالمدينة. و حكى في كنز العمال عن ابن النجار و الحاكم في تاريخه، عن أبي سعيد، قال: لما نزلت: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى‏ حَقَّهُ» (5) قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله): «يا فاطمة، لك فدك». و حينئذ فتكون مطالبة أبي بكر للزهراء (عليها السلام) بالبينة خلاف الحق و ظلما محضا، لأنها صاحبة اليد و هو المدعي.

____________

(1). سورة الإسراء: الآية 26.

(2). سورة الإسراء: الآية 26.

(3). سورة الإسراء: الآية 26.

(4). سورة الإسراء: الآية 26.

(5). سورة الإسراء: الآية 26.

469

و يدلّ على أن اليد لها لفظ الإيتاء في الآية و الاقطاع و الإعطاء في الأخبار المذكورة، فإنها ظاهرة في التسليم و المناولة، كما يشهد لكون اليد لها دعواها النحلة و هي سيدة النساء و أكملهن و شهادة أقضى الأمة بها، لأن الهبة لا تتمّ بلا إقباض. فلو لم تكن صاحبة اليد لما ادعت النحلة، و لردّ القوم دعواها بلا كلفة و لم يحتاجوا إلى طلب البينة.

و لو سلّم عدم معلومية أن اليد لها، فطلب أبي بكر منها البينة جور أيضا، لأن أدلة الإرث تقضي بملكيتها لفدك، و دعواها النحلة لا تجعلها مدعية لما تملك، بل من زعم الصدقة هو المدعي و عليه البينة، و لا تكفي روايته في إثبات ما يدعي لأنه الخصم كما عرفت، كما لا يقبل أيضا حكم الخصم على خصمه.

على أن البينة طريق ظني مجعول لإثبات ما يحتمل ثبوته و عدمه، فلا مورد لها مع القطع و اليقين المستفاد في المقام من قول سيدة النساء (عليها السلام) التي طهّرها اللّه تعالى و جعلها بضعة من سيد أنبيائه (صلّى اللّه عليه و آله)، لأن القطع طريق ذاتي إلى الواقع لا بجعل جاعل، فلا يمكن رفع طريقيته أو جعل طريق ظاهري على خلافه.

و لذا كان الأمر في قصة شهادة خزيمة للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) هو ثبوت ما ادعاه النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بلا بينة مع مخاصمة الأعرابي له، فإن شهادة خزيمة فرع عن قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و تصديق له فلا تفيد أكثر من دعوى النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، بل كان اللازم على أبي بكر و المسلمين أن يشهدوا الزهراء (عليها السلام) تصديقا لها كما فعل خزيمة مع النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و امضى النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فعله.

و لكن يا للأسف! من اطلع على أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) نحلها فدك، أخفى شهادته رعاية لأبي بكر- كما في الأكثر- أو خوفا منه و من أعوانه لما رأوه من شدتهم على أهل البيت (عليهم السلام)، أو علما بأن شهادتهم تردّ لما رأوه من ردّ شهادة أمير المؤمنين (عليه السلام) و اجتهاد الشيخين في غصب الزهراء (عليها السلام)؛ و لذا لم يشهد أبو سعيد و ابن عباس مع أنهم علموا و رووا أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أعطى فاطمة (عليها السلام) فدك.

و لا يبعد أن سيدة النساء (عليها السلام) لم تطلب شهادة ابن عباس و أبي سعيد و أمثالهما لأنها لم ترد واقعا بمنازعة أبي بكر إلا إظهار حاله و حال أصحابه للناس إلى آخر الدهر،

470

«لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى‏ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ» (1)، و إلا فبضعة رسول اللّه (عليها السلام) أجلّ قدرا و أعلى شأنا من أن تحرص على الدنيا، و لا سيما أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أخبرها بقرب موتها و سرعة لحاقها به.

و لو سلّم أن قول الزهراء (عليها السلام) وحده لا يفيد القطع، فهل يبقى مجال للشك بعد شهادة أمير المؤمنين (عليه السلام)؟ و لو سلّم حصول الشك فقد كان اللازم على أبي بكر أن يعرض عليها اليمين حينئذ و لا يتصرّف بفدك قبله لوجوب الحكم بالشاهد و اليمين، كما رواه مسلم في أول كتاب الأقضية عن ابن عباس، قال: قضى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بيمين و شاهد، و نقل في كنز العمال عن ابن راهواه عن علي (عليه السلام)، قال: نزل جبرئيل على النبي (صلّى اللّه عليه و آله) باليمين مع الشاهد.

و نقل في الكنز أيضا عن الدار قطني، عن ابن عمر، قال: قضى اللّه في الحق بشاهدين، فإن جاء بشاهدين أخذ حقه و إن جاء بشاهد واحد حلف مع شاهده، و نقل أيضا عن البيهقي، عن علي (عليه السلام)، قال: اليمين مع الشاهد، فإن لم تكن له بينه فاليمين على المدّعى عليه .... مع أنهم قد رووا أن أبا بكر و عمر و عثمان يقضون باليمين مع الشاهد، كما نقله في الكنز أيضا عن الدار قطني و البيهقي، عن عبد اللّه بن عامر بن ربيعة، و نقله أيضا عن البيهقي، عن علي (عليه السلام).

فإذا كان الأمر كذلك، فلم أسقط حقها من فدك و تصرّف فيها بمجرد سكوتها عن طلب يمينها ما لم تسقط حقها في اليمين كسائر الحقوق؟ و لو فرض أن أبا بكر لا يرى الحكم بشاهد و يمين، فقد كان اللازم عليه أن لا يمسك فدك إلا بيمينه أو تعفو عنه، لأنه الخصم المنكر. و دعوى أنها صدقة لا خصم بها ظاهرة البطلان، لأن مستحق هذه الصدقة و مدعيها خصم فيها و أبو بكر من مستحقيها و صاحب الولاية عليها بزعمه و متظاهر في الخصومة بها.

____________

(1). سورة الأنفال: الآية 42.

471

و لو تنزّلنا عن ذلك كله، فقد زعم أبو بكر أن له الأمر على فدك و غيرها من متروكات النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، حيث روى أن أمرها إلى من ولّى الأمر، حتى زعموا أنه أعطى أمير المؤمنين (عليه السلام) عمامة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و سيفه و بغلته و أن عمر أعطاه و العباس سهم بني النظير أو صدقته بالمدينة. فقد كان من شرع الإحسان أن يترك فدك لبضعة نبيه (عليها السلام) التي لم يخلف بينهم غيرها، تطييبا لخاطرها و حفظا لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فيها.

أ تراه يعتقد أن أبا سفيان و معاذا- و قد أعطاهما ما أعطاهما- أولى بالرعاية من سيدة النساء و بضعة المصطفى (عليها السلام)، أو أنه يحلّ له إعطاؤهما من مال الفي‏ء دون الزهراء (عليها السلام) من مال أبيها، أو أنه يعتقد صدق جابر و غيره ممن ادعوا عدة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فأعطاهم، و لا يعتقد صدق الطاهرة البتول (عليها السلام) فمنعها، أو أنه عدوّ مكّنه الدهر من عدوه فاجتهد بأذاه و وجد سبيلا إلى أضعاف أمر سيده و مولاه، و المنصف يعرف حقيقة الحال و يا بني على ما اللّه تعالى سائله يوم تنشر الأعمال.

فقد ظهر مما بيّنا أن أبا بكر لم يعامل سيدة النساء (عليها السلام) بشرع الإسلام و لا شرع الإحسان و الوفاء، كما ظهر بطلان ما فعله شريح مع أمير المؤمنين (عليه السلام). فإن الواجب عليه أن لا يطلب من أمير المؤمنين (عليه السلام) البينة، بل عليه و على المسلمين أن يفعلوا فعل خزيمة لعلمهم بأن علّام الغيوب شهد بطهارته و عصمته. و لكن لا عجب من شريح، لأنه ليس أهلا للقضاء كما قاله أمير المؤمنين (عليه السلام)، و قد أراد عزله فقال كثير من أهل الكوفة: قاض نصبه عمر لا يعزل، و إنما حضر أمير المؤمنين (عليه السلام) عنده لرفع التهمة عن نفسه.

و ما نقله الخصم من أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: أ لا تعلم أن هذه الدعوى لحق بيت المال و هاهنا تسمع شهادة الفرع، فكذب ظاهر، لدلالته على أن أمير المؤمنين (عليه السلام) لا يقول بسماع شهادة الفرع لحق الأصل و هو خلاف مذهبه، و لذا رضي بشهادة الحسنين (عليهما السلام) لأمهما (عليها السلام). نعم، لا يرى أمير المؤمنين (عليه السلام) سماع شهادة الفرع على الأصل، كما دلّت الأخبار عنه و عن ابنائه الطاهرين.

472

و أما قوله: فلو تمّ حجة حكم و إلا توقف، ففيه إنا لم نر أبا بكر توقّف بل قبض فدك و تصرّف بها ساكن الجأش مطمئن النفس كأنه ورث مال أبيه! و لعل الخصم يزعم أن الحجة تمّت ظاهرا لأبي بكر فلا يبقى مجال لتوقفه و هو خطأ، إذ لا أقل من الحاجة إلى يمين أبي بكر أو امتناع الزهراء (عليها السلام) عن اليمين، لو لم تتمّ لها الحجة إلا به.

و أما ما أجاب به عن شهادة الحسنين (عليهما السلام) فغير صحيح، إذ لا يمكن أن يخفى ذلك على باب مدينة علم النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و من عنده علم الكتاب و يدور معه الحق حيث دار و يظهر لهذا الخصم و أشباهه.

فلا ريب بجواز شهادة الفرع للأصل لرضا أمير المؤمنين (عليه السلام) بها مع طلب سيدة النساء (عليها السلام) لها، كما أن صغرهما غير مانع لأن اللّه تعالى عرّف الأمة كمالهما و فضلهما على جميع الأمة، حيث أمر سيد أنبيائه (صلّى اللّه عليه و آله) بأن يجعلهما عونا له في المباهلة و أمرهما بالتأمين على دعائه، و لو لا مضي شهادتهما مع صغرهما لما رضي أمير المؤمنين (عليه السلام) بها.

و ليث شعري أين منهم هذه المناقشات و التقشفات عن عائشة لما رأت أن الحجرة لها حتى استأذنها عمر في دفنه- كما رووا- و كذا بقية أزواج النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في حجرهن و أثاثهن؟ فإنا لم نسمع أنهم سألوهن البينة على الملكية فأقمنها؛ و سيأتي لهذا تتمة في أواخر هذه المباحث.

و أما ما زعمه من أن غضب الزهراء (عليها السلام) على أبي بكر كان من العوارض البشرية، فحاصل مقصوده منه أنه غضب باطل خارج عن الغضب المقصود بقوله (صلّى اللّه عليه و آله): «إن اللّه يغضب لغضبك و يرضى لرضاك». و فيه أنه عليه يكون المراد بالحديث إن اللّه يغضب لغضب فاطمة (عليها السلام) إذا كان غضبا بحق و من باب العداوة الدينية، فلا يدلّ على فضلها إذ كل مؤمن كذلك، و هو مما لا يقوله ذو معرفة.

فلا بد أن يكون المراد أنها لا تغضب إلا بحق، كما يقتضيه إطلاق غضبها في الحديث؛ و سيأتي له زيادة تحقيق إن شاء اللّه تعالى، و هذا الحديث قد رواه الحاكم في المستدرك‏

473

و صحّحه و حكاه في كنز العمال عن أبي يعلى و الطبراني و أبي نعيم و ابن عساكر، و حكاه أيضا عن الديلمى بلفظ: «إن اللّه عز و جل يغضب لغضب فاطمة (عليها السلام) و يرضى لرضاها».

تنبيهان:

الأول: قد يتساءل في أن المتقدم دعوى النحلة أو دعوى الميراث، و لا إشكال عندهم على تقدير تقدم دعوى النحلة و إنما الإشكال في العكس، لأنها إذا ادّعت الميراث أولا فقد أقرّت لزوما بأن المال ليس لها بل لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إلى حين وفاته، فكيف تدّعي بعد هذا الإقرار النحلة و الملك في حياته.

و يمكن الجواب عنه بأنها إنما ادّعت استحقاق متروكات النبي (صلّى اللّه عليه و آله) مطلقا بالإرث أو ما عدا فدك، فلا ينافي دعواها بعد ذلك استحقاق خصوص فدك بالنحلة، و لو سلّم أنها سمت فدك في دعوى الميراث فلا بأس به، لأن الشخص لا يلزم بالإقرار اللزومي ما لم يكن محل القصد في الإقرار، و إلا فالإشكال وارد أيضا على تقدير تقدم دعوى النحلة، لأن دعوى النحلة تستلزم إقرارها بأن فدك ليست من مواريث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أملاكه، فكيف تدّعي بعد ذلك الميراث لها؟ و هذا مما لا يقولها أحد؛ فلا بد من القول بأن الإقرار اللزومي غير معتبر!

و بالجملة لم تقصد سيدة النساء (عليها السلام) في الدعويين إلا أن المال لها بلا خصوصية للأسباب، إذ لا غرض لها يتعلّق بذوات الأسباب و إنما ذكرتها آلة للتوصل إلى ملكها، فلا يضرّ ذكرها و إن استلزم كل سبب منها عدم مسبب الآخر، كما في كل سببين متضادّين.

على أنها لما كانت اليد لها على فدك بوجه الملك بعد ما كانت لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لزم أن يكون انتقالها إليها بنحلة أو نحوها، فتتضمّن يدها دعوى النحلة أو غيرها. فإذا ادعت الميراث كانت دعواها له متأخرة عن دعوى النحلة ذاتا.

474

و بالجملة إن فدك كانت بيد الزهراء (عليها السلام) و لما توفّي النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قبضها أبو بكر بدعوى أنها لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كما قبض بقية مواريثه، فقالت: إذن ما هو له يكون لي إرثا؛ أ ترث أباك و لا أرث أبي؟ فردّها بأن الأنبياء لا يورّثون. فالتجأت إلى بيان وجه يدها على فدك و هو النحلة و استشهدت لها بالشهود، و ذلك أقرب إلى ظواهر الأخبار.

و كيف كان فقد ظهر مما بيّنا أن الزهراء (عليها السلام) في دعوى الإرث قد طالبت بجميع متروكات النبي (صلّى اللّه عليه و آله) التي قبضها أبو بكر، بلا فرق بين فدك و مال بني النظير و سهمه من خمس خيبر و غيرها. نعم، في دعوى النحلة إنما طالبت بخصوص فدك، لأنها هي التي نحلها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و بها طال النزاع و كانت هي المظهر لدعواها، لتعلق الدعويين بها و ظهور اغتصابه لها لسبق يدها عليها.

الثاني: إن لسيدة النساء (عليها السلام) دعوى ثالثة تتعلّق بحقها من خمس خيبر الذي ملكته في حياة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و هو سهمها من الخمس الذي قسّمه اللّه سبحانه بقوله: «وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى‏ ...» (1)، و هو الذي عيّنه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) له و لذويه و ميّزه عن سهام المحاربين، و هو حصن الكتيبة كما سبق في رواية الطبري؛ فملكوه بأشخاصهم. فللزهراء (عليها السلام) في خمس خيبر حقان؛ حق من حيث أنها شريكة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و حق من جهة ميراثها لحقه، و قد استولى أبو بكر على خمس خيبر كله فمنعها الحقّين.

و نحن إن أصححنا له روايته إن الأنبياء لا تورث و سوّغنا له الاستيلاء على حق رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فما المسوغ له الاستيلاء على حق غيره و قد ملكوه في حياة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و عيّنه لهم، و ليس للحاكم أن يتولّاه كالصدقات إذا قبضها الفقراء.

و لكن أبا بكر روى في ذلك رواية أخرى جعلها حجة لاستيلائه عليه؛ فقد نقل في الكنز عن أحد و ابن جرير و البيهقي و غيرهم، عن أبي الطفيل، قال: جاءت فاطمة (عليها السلام) إلى أبي بكر فقالت: أنت ورثت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أم أهله؟ قال: بل أهله. قالت: فما بال الخمس؟

____________

(1). سورة الأنفال: الآية 41.

475

فقال: إني سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: إذا أطعم اللّه نبيا طعمة ثم قبضه كانت للذي بعده؛ فلما ولّيت رأيت أن أردّه على المسلمين ....

و نقل أيضا عن ابن سعد عن أم هاني: إن فاطمة (عليها السلام) قالت: يا أبا بكر! من يرثك إذا متّ؟ قال: ولدي. قالت: فما شأنك ورثت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) دوننا؟! قال: يا بنت رسول اللّه، ما ورثته ذهبا و لا فضة و لا شاة و لا بعيرا و لا دارا و لا عقارا و لا غلاما و لا مالا. قالت:

فسهم اللّه الذي جعله لنا و صافيتنا التي بيدك! فقال: إني سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: إنما هي طعمة أطعمنيها اللّه، فإذا متّ كانت بين المسلمين.

و نحو الحديثين في شرح النهج عن كتاب السقيفة للجوهري، و هما ظاهران في أن الخمس المعيّن في زمن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) كخمس خيبر، قد زعم أبو بكر أنه بعد النبي (صلّى اللّه عليه و آله) للمسلمين أو أنه له و ردّه على المسلمين، و هو خطأ، فإن هذا الخمس ليس طعمة لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) خاصة حتى يشمله ما رواه هنا.

هذا، و للزهراء (عليها السلام) دعوى رابعة تتعلق بخمس الغنائم الحادثة بعد النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، فإن أبا بكر كما قبض الخمس الذي كان لأهل البيت (عليهم السلام) في حياة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) كخمس خيبر، منعهم خمس الغنائم الحادثة بعده. فنازعته الزهراء (عليها السلام) في ذلك أيضا، و الأخبار به كثيرة. و ذكر ابن أبي الحديد عدة أخبار في ذلك، و قد اشتهر النزاع بين الشيعة و السنة في أمر هذا الخمس و مستحقّه، و للقوم فيه أقوال ليس هذا محل ذكرها.

كما اشتهر إن أبا بكر و من لحقه منعوا بني هاشم خمسهم و أنهم عملوا بخلاف ما عمله رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، حتى روى أحمد في مسنده: إن نجدة الحروري سأل ابن عباس عن سهم ذي القربى فقال: هو لنا لقربى رسول اللّه، قسّمه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لهم، و كان عمر عرض علينا منه شيئا دون حقنا فرددناه عليه ....

و روى أحمد أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لم يقسّم لعبد شمس و لا لبني نوفل من الخمس شيئا كما كان يقسّم لبني هاشم و بني المطلب، و أن أبا بكر لم يكن يعطي قربى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كما كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يعطيهم، و كان عمر يعطيهم و عثمان من بعده منه، و الأخبار في هذا الباب كثيرة، و قد طال بنا المقام، فلنمسك عنان القلم خوف الملال.

476

المصادر:

دلائل الصدق: ج 3 ص 22.

143

المتن:

قال السيد ناصر حسين الهندي:

و من الخطوات التي أتت على سيدتنا فاطمة الزهراء (عليها السلام) ردّ فدك، و هو من الوقائع التي تورث العجب العجاب، فتحيّر عقول أولي الألباب.

و قال سبط ابن الجوزي الحنفي في كتابه المسمّى مرآة الزمان، في الباب العاشر في طلب آل رسول اللّه (عليهم السلام) الميراث من أبواب مرض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في وقائع السنة الحادية عشر، ما لفظه:

و قال علي بن الحسين (عليه السلام): جاءت فاطمة بنت رسول اللّه (عليها السلام) إلى أبي بكر و هو على المنبر فقالت: يا أبا بكر! أ في كتاب اللّه أن ترث ابنتك و لا أرث أبي؟ فاستعبر أبو بكر باكيا، ثم قال: بآبائي أبوك و بآبائي أنت. ثم نزل فكتب لها بفدك، و دخل عليه عمر فقال: ما هذا؟ فقال: كتاب كتبته لفاطمة ميراثها من أبيها. قال: فما ذا تنفق على المسلمين و قد حاربتك العرب كما ترى؟ ثم أخذ عمر الكتاب فشقّه.

و قال نور الدين الحلبي في إنسان العيون، في المجلد الثالث منه عند ذكره دعوى فاطمة (عليها السلام) في أمر فدك ما لفظه: و في كلام سبط ابن الجوزي أنه كتب لها بفدك و دخل عليه عمر فقال: ما هذا؟ فقال: كتاب كتبته لفاطمة بميراثها من أبيها. فقال: فما ذا تنفق على المسلمين و قد حاربتك العرب كما ترى؟ ثم أخذ عمر الكتاب فشقّه.

المصادر:

1. إفحام الأعداء و الخصوم: ص 95.

2. مرآة الزمان: الباب العاشر، على ما في إفحام الأعداء و الخصوم، شطرا منه.

477

3. إنسان العيون: على ما في إفحام الأعداء و الخصوم، شطرا منه.

4. السيرة الحلبية: ج 2 ص 485، شطرا منه، على ما في إفحام الأعداء و الخصوم.

144

المتن:

قال الكاشاني:

و مطاعن الثلاثة أكثر من أن تحصى و أشهر من تخفى، و كفاك منها تخلّفهم عن جيش أسامة مع علمهم بقصد التنفيذ و تأكيده (صلّى اللّه عليه و آله) ذلك باللعن.

و منع أبي بكر فاطمة (عليها السلام) فدك مع ادعائها النحلة لها و شهادة علي (عليه السلام) و أم أيمن بذلك و عدم تصديقه لهم و تصديق الأزواج في ادعاء الحجرة لهن من غير شاهد، و لهذا ردّها عمر بن عبد العزيز و أوصت فاطمة (عليها السلام) أن لا يصلّي عليها فدفنت ليلا ....

و منع عمر أهل البيت (عليهم السلام) من خمسهم و خرقه كتاب فاطمة (عليها السلام).

المصادر:

المحجة البيضاء: ج 1 ص 236، 239.

145

المتن:

عن جميل بن درّاج، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال:

أتت فاطمة (عليها السلام) أبا بكر تريد فدك، فقال: هاتي أسود أو أحمر يشهد بذلك. قال: فأتت بأم أيمن. فقال لها: بم تشهدين؟ قالت: أشهد أن جبرئيل أتى محمدا (صلّى اللّه عليه و آله) فقال: إن اللّه‏

478

تعالى يقول: «فَآتِ ذَا الْقُرْبى‏ حَقَّهُ» (1)، فلم يدر محمد (صلّى اللّه عليه و آله) من هم، فقال: يا جبرئيل، سل ربك من هم. فقال: فاطمة (عليها السلام) ذو القربى؛ فأعطاها فدكا. فزعموا أن عمر محى الصحيفة.

و قد كان كتبها أبو بكر.

المصادر:

1. تفسير العياشي: ج 2 ص 287 ح 49.

2. بحار الأنوار: ج 29 ص 120 ح 16.

3. تفسير البرهان: ج 2 ص 415.

4. تفسير نور الثقلين: ج 3 ص 156 ح 164.

146

المتن:

قال محمد بن الحسن الحرّ العاملي في مطاعن الثلاثة:

... و لما وعظت فاطمة (عليها السلام) أبو بكر في فدك، كتب لها كتابا و ردّها عليها. فخرجت من عنده، فلقيها عمر فخرق الكتاب. فدعت عليه بما فعله أبو لؤلؤ به ....

المصادر:

1. إثبات الهداة: ج 2 ص 334 ح 109، عن منهاج الكرامة.

2. منهاج الكرامة، على ما في إثبات الهداة.

147

المتن:

عن محمد بن الصباح الكناني، عن الصادق (عليه السلام):

أنه لما سمع أبو بكر مقالة فاطمة (عليها السلام)، دعا بصحيفة يكتب لها كتابا. فأقبل عمر فقال: يا خليفة رسول اللّه! ما تصنع؟ فقال: هذه بنت رسول اللّه كلّمتني في فدك و زعمت أن‏

____________

(1). سورة الإسراء: الآية 26.

479

رسول اللّه تصدّق بها عليها، فأردت أن أكتب لها كتابا. فقال عمر: ناولني الكتاب. فناوله فخرقه ثم قال: لا و اللّه لا تكتب لها بفدك حتى يقيم البيّنة بالقصة.

و في رواية محمد بن أسلم، عن زيد بن علي (عليه السلام): أن الثاني بعث إلى ولد فاطمة بغلّة فدك ....

المصادر:

مثالب النواصب لا بن شهرآشوب: ص 50.

148

المتن:

قال ابن أبي الحديد:

... روي أن أبا بكر لما شهد أمير المؤمنين (عليه السلام)، كتب بتسليم فدك إليها. فاعترض عمر قضيته و خرق ما كتبه.

المصادر:

1. شرح نهج البلاغة لا بن أبي الحديد: ج 16 ص 274.

2. عوالم العلوم: ج 11 ص 651 ح 4، عن شرح نهج البلاغة لا بن أبي الحديد.

149

المتن:

قال برهان الدين الشافعي:

و في كلام سبط ابن الجوزي أنه كتب لها (عليها السلام) بفدك، و دخل عليه عمر فقال: ما هذا؟

فقال: كتاب كتبته لفاطمة (عليها السلام) بميراثها من أبيها. فقال: مما ذا تنفق على المسلمين و قد حاربتك العرب؟ ثم أخذ الكتاب فشقّه.

480

المصادر:

1. السيرة الحلبية: ج 3 ص 362، على ما في العوالم.

2. عوالم العلوم: ج 11 ص 651 ح 3، عن السيرة الحلبية.

150

المتن:

قال النووي:

تقبل شهادة أحد الزوجين للآخر على الأظهر و قيل: قطعا، و في قول لا و في قول شهادة الزوج لها دون عكسه، و تقبل شهادة أحدهما على الآخر، إلا أنه لا يقبل شهادته عليها بزنا، لأنه دعوى خيانتها فراشه؛ قيل: فشهادة الزوج على كل يقبل لزوجتها.

و إن النووي من كبار فقهاء علمائهم و هذا رأيه، فما بال هذا التناقض في ردّ شهادة أمير المؤمنين (عليه السلام) في أمر فدك للزهراء (عليها السلام) و هذه فتواهم؟ بل هذا من مصاديق‏ أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَ تَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ...».

المصادر:

روضة الطالبين للنووي: ج 11 ص 237.

151

المتن:

قال السيد الميلاني في ذكر بعض الأسرار الغامضة في حديث زواج فاطمة (عليها السلام):

.... و من تلك الأسرار هي نوعية المهر الحقيقي لفاطمة (عليها السلام) دون المهر الذي قدّمه علي (عليه السلام) لها و هو درعه ....

481

عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أنه قال: «يا علي، إن اللّه زوّجك فاطمة (عليها السلام) و جعل صداقها الأرض؛ فمن مشى عليها مبغضا لك مشى حراما».

و لا غرو في ذلك فإن اللّه مالك الأرض و السماوات و يهب ما يشاء لمن يشاء، جل جلاله و عمّ نواله، و قد جعل الأرض صداقا و مهرا للصديقة لتكون زوجة لعلي (عليه السلام)؛ و هو أبو تراب وحده و ليس للأرض أب غيره. لهذا فقد صدق الصادق الأمين (صلّى اللّه عليه و آله): إن اللّه جعل الأرض صداقا لسيدة نساء العالمين (عليها السلام).

فإذا كانت الأرض كلها لها كيف لا تكون أراضي فدك لها، و هي نحلتها التي نحلها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و كيف تحرم حتى من شبر من الأرض؟

المصادر:

قدّيسة الإسلام: ص 62.

152

المتن:

قال محمد بن محمد بن الحسن نصير الدين الطوسي في الأدلة الدالة على عدم إمامة غير علي (عليه السلام):

... و منع (أبو بكر) فاطمة (عليها السلام) فدكا مع ادعاء النحلة لها، و شهد بذلك علي (عليه السلام) و أم أيمن، و صدّق الأزواج في ادّعاء الحجرة لهن، و لهذا ردّها عمر بن عبد العزيز.

و قال العلامة الحلي في شرحه: هذا دليل آخر على الطعن في أبي بكر و عدم صلاحيته للإمامة، و هو أنه أظهر التعصّب على أمير المؤمنين (عليه السلام) و على فاطمة بنت رسول اللّه (عليها السلام)، لأنها ادعت فدكا و ذكرت أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) نحلها إياها فلم يصدّقها في قولها، مع أنها معصومة و مع علمه بأنها من أهل الجنة و استشهدت عليا (عليه السلام) و أم أيمن، و صدّق أزواج النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في ادعاء أن الحجرة لهن و لم يجعل الحجرة صدقة.

482

و لمّا عرف عمر بن عبد العزيز كون فاطمة (عليها السلام) مظلومة ردّ على أولادها فدكا، و مع ذلك فإن فاطمة (عليها السلام) كان ينبغي لأبي بكر انحالها فدكا ابتداء لو لم تدعه أو يعطيها إياها بالميراث.

المصادر:

كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد: ص 293.

153

المتن:

قال السيد محمد حسن الموسوي القزويني في بحث فدك في شهادة عمر باختصاص فدك برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله):

و يدلّ على ما استظهرناه من التواريخ المعتبرة زيادة على ما نطقت به الكتب المتقدمة من اختصاص فدك برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أنها ملكه الشخصي كسائر أملاكه من غير حظّ للمسلمين فيها؛ الذي ذكره ابن حجر في الصواعق: ص 23، و الشيخ السمهودي في تاريخ المدينة، و كذلك ما اشتملت عليه الصحاح و السنن من رواية مالك بن أوس بن الحدثان في شأن فدك، أن عمر قال:

إني أحدّثكم عن هذا الأمر؛ إن اللّه كان قد خصّ رسوله في هذا الفي‏ء بشي‏ء لم يعطه أحدا غيره، فقال: «وَ ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى‏ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَ لا رِكابٍ وَ لكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى‏ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ» (1)؛ فكانت هذه خالصة لرسول اللّه.

فما اختارها دونكم و لا استأثر بها عليكم. لقد أعطاكموها و ثبتها فيكم حتى بقي منها هذا المال، و كان ينفق منه على أهله سنتهم ثم يأخذ ما بقي فيجعله فيما يجعل مال اللّه عز و جل؛ فعل ذلك في حياته. ثم توفّي النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، فقال أبو بكر: أنا ولىّ رسول اللّه.

فقبضها و قد عمل فيها بما عمل به رسول اللّه.

____________

(1). سورة الحشر: الآية 6.

483

قلت: قوله: فكانت هذه خالصة لرسول اللّه، نصّ على أن فدك كانت من جملة أملاك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و ما هذا شأنه يرجع إلى ورثته من بعده لأن ما تركه الميت فلوارثه بالضرورة من الدين، و كونها فيئا للمسلمين موقوف على برهان ساطع و دليل قاطع.

تشهد الرواية السابقة عن الصواعق المحرقة بأن أبا بكر إنما تصرّف في فدك حسب اعتقاده أنه ولىّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). فقبضها و عمل فيها بما عمل به رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كيلا يقع الخلاف في العمل بين الولىّ و النبي (صلّى اللّه عليه و آله).

و يشهد بذلك أيضا ما رواه العلامة السمهودي في تاريخه، قال: كانت فاطمة (عليها السلام) تسأل أبا بكر نصيبها مما ترك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من خيبر و فدك و صدقته بالمدينة. فأبى أبا بكر عليها ذلك و قال: لست تاركا شيئا كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يعمل به إلا إذا عملت به، فإني أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ.

قوله: أن أزيغ، أي أعدل عما فعله رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في فدك من صرف حاصلاتها في حوائجه الشخصية و المصالح النوعية الراجعة إلى المسلمين، فلو كانت رواية أنها طعمة صحيحة و أنها راجعة إلى الأمة و كونها من حقوقها، لكان اللازم جعلها علة للتصرف في فدك لا جعل السبب لصحة التصرف فيها.

قوله: لست تاركا شيئا كان رسول اللّه يعمل به، الذي هو اجتهاد و دراية من أبي بكر لا رواية عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله).

المصادر:

هدى الملة إلى أن فدك نحلة: ص 37.

154

المتن:

قال المحقق الأردبيلي في مطاعن أبي بكر:

484

... إن بعض الجهّال قالوا جدلا: إنه لما اشتركت عائشة و حفصة في حجرة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، دفن أبو بكر فيها من حصّتها.

و ما أدري أنهم لم يعلموا أو تجاهلوا بأن هذا الدعوى مخالف لا دعاء أبي بكر بأن الأنبياء لا يورّثون، فمنع فدك عن الزهراء (عليها السلام) بهذا الحديث الموضوع و غصب حقوق سيدة النساء (عليها السلام).

فإذا ثبت الملكية و الوارثية و ورثته نساء، فمنع فاطمة (عليها السلام) عن الميراث عناد مع أهل البيت (عليهم السلام).

و حصّة عائشة و حفصة من الحجرة لا يساوي محل دفن أبويهما ....

المصادر:

حديقة الشيعة: ص 255.

485

الفصل الرابع تطوّرات فدك بعد غصبها

486

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

487

في هذا الفصل‏

إن فدك ما دامت في يد فاطمة (عليها السلام) كانت روضة مصفّاة و جنة نعيم، و لما غصبوها عن صاحبها و أخذوها عنها قهرا و لم يسمعوا تظلّمها و احتجاجها صارت قطعة أرض تبكى من أجلها عيون المحبين لفاطمة (عليها السلام).

و بعد فاجعة السقيفة و غصبها عن الزهراء (عليها السلام) و بعد ما تصرّف فيها الأيادي الخبيثة و بعد ما أحرقوا من أجلها قلب فاطمة (عليها السلام)، لم يأخذها المعصومون (عليهم السلام) و لم يتصرّفوا فيها تكريما لأمهم المظلومة الشهيدة.

و أعطاها الخلفاء الثلاثة و الخلفاء الأموي و العباسي واحدا بعد واحد إلى الذي بعده و فعلوا بفدك ما شاءوا. فصارت فدك مظلومة كصاحبها في يد الفجار و الطلقاء، و صرفوا غلّاتها و حاصلها في الملاهي و ابتاعوا بها الخمور و صرفوها إلى المضحكين و الساخرين!

فدك بعد غصب أبي بكر و عمر عن صاحبها وقع في تطوّرات التاريخ:

488

1. ردّها عمر- على قول- إلى ورثة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) على أن يصرفوها فيما صرفها فيه أبو بكر و عمر.

2. أخذ عثمان بعد موت عمر من ورثة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و أقطعها لمروان بن الحكم.

3. قسّمها معاوية بعد موت عثمان و شهادة الإمام الحسن (عليه السلام) أثلاثا؛ أقطع ثلثها لمروان و ثلثها لعمرو بن عثمان و ثلثها لابنه يزيد، و بعد ما عزل مروان أخذ عنه، و بعد جعله حكما مرة ثانية أقطعها فدكا و أعطاها حاصلاتها الماضية أيضا.

4. تصرّف مروان في حكومته كل فدك، ثم أعطى نصفها لابنه عبد الملك و نصفها لابنه عبد العزيز.

5. أعطى عبد العزيز سهمه لابنه عمر بن عبد العزيز و بعد موت عبد الملك صارت كلها في تصرّف عمر بن عبد العزيز.

6. ثم أعلن عمر بن عبد العزيز في خلافته أنه أخرج فدكا عن ملكه الشخصي و جعله في بيت المال على أن يصرف فيه بتصدي بني فاطمة؛ قالوا له: إنك أطعنت و استهجنت بفدك هذا على أبي بكر و عمر. قال: إنهما طعنا أنفسهما طعنا بغصب فدك.

7. أخذها يزيد بن عبد الملك من بني فاطمة و جعلها في تصرفه.

و في حكومة العباسيين:

8. ردّها السفّاح و جعلها في يد الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب.

9. أخرجها المنصور الدوانيقي من يد بني فاطمة.

10. أعطاها مهدي العباسي لبني فاطمة.

11. أخذها الهادي العباسي منهم.

12. أعطاها المأمون لبني فاطمة.

489

13. أخذ المتوكل فدك عن بني فاطمة و جعلها في تصرف مازيار و أرسل هو رجلا من بصرة لقطع إحدى عشرة نخلة غرسها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بيده المباركة و أقطعها و رجع إلى البصرة ففلج.

14. اعطاء المنتصر بن المتوكل لبنى فاطمة (عليها السلام) و كتاب فدك مفتوح من يوم غصبها إلى زماننا هذا، و هي صارت عيار الحب و البغض بين المسلمين إلى ظهور صاحبنا و قائمنا المهدي (عليه السلام)، حتى يخرج الجبت و الطاغوت و يحرقهما و يأخذ الانتقام لأمه المظلومة (عليها السلام).

يأتي في هذا الفصل العناوين التالية في 70 حديثا:

كلام الإمام الصادق (عليه السلام) في ترك أمير المؤمنين (عليه السلام) فدكا في خلافته لثواب المظلوم و عقاب الظالم في غصبها.

سؤال الكرخي من أبي عبد اللّه (عليه السلام) عن علة ترك أمير المؤمنين (عليه السلام) و جوابه له: اقتداء برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في ترك داره بمكة بعد بيع عقيل.

جواب موسى بن جعفر (عليه السلام) لا بن فضال و جواب الشيخ المفيد في المسائل العكبرية و جواب المحقق الأردبيلي عن مناقشة سعد الدين في علة ترك أمير المؤمنين (عليه السلام) رد فدك إلى أهله في خلافته.

كلام العلامة السيد محمد حسن القزويني في رد عمر فدك و تسليمها لأهلها و ترك علي (عليه السلام) ردّها و نقل اجتهاد عمر و إتيان علي (عليه السلام) و العباس إلى عمر في تخاصمهما في فدك و الجواب عنهما و نقل المحمل الصحيح فيها.

مجي‏ء فاطمة (عليها السلام) إلى أبي بكر و كلامها في فدك و النقض و الإبرام، كما مرّ في الفصل الثالث من هذا المجلد و تطوّرات فدك في الأخذ و الرد؛ إقطاع عثمان ثم معاوية و إقطاعها أثلاثا و كونها بعد تخصيصه بمروان، و ردّها عمر بن عبد العزيز إلى أولاد فاطمة (عليها السلام)، و أخذها يزيد بن عاتكة، و ردّها السفاح و المهدي، و أخذها موسى بن‏

490

المهدي و هارون، و ردّها المأمون على الفاطميين، و أخذها المتوكل، و قطع عبد اللّه البازيار إحدى عشرة نخلة غرسها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و ابتلائه بالإفليج.

مصالحة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أهل فدك على النصف، إجلاء عمر في خلافته أهل فدك و دفعه إليهم قيمة النصف خمسين ألف درهم.

تقسيم عمر مال خيبر بين المسلمين في ذي القعدة من سنة ست عشرة و إجلائه اليهود عنها.

إجلاء عمر يهود نجران و فدك و إعطائه ليهود فدك نصف الأرض و نصف النخل.

كلام السيد حسن القزويني في ردّ عمر فدك إلى ورثة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، تنازع علي (عليه السلام) و العباس فيها و تسليمها عمر إليه، القول بإن ما سلّم عمر لهما هى الحوائط السبع لا فدك.

الصحيح إن فدك لم ترد إليهم أيام الخلفاء الثلاثة إلى أيام خلافة عمر بن عبد العزيز، نقمة بني أمية على عمر بن عبد العزيز و عتابهم له لردّها فدك إلى أهل البيت (عليهم السلام)، ذكر تطوّرات فدك من الأخذ و الرد من عمر بن عبد العزيز إلى زمن المتوكل و ردّه إلى ولد الحسن و الحسين (عليهم السلام)، صرم بشران بن أبي أمية إحدى عشرة نخلة غرسها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بيده.

كلام السيد الجزائري في ردّ عمر فدك و العوالي إلى ولد فاطمة (عليها السلام).

تلاعب عثمان ببيت المال و إعطائه من لا استحقاق له، تلاعب خلفاء الأموي و العباسي ببيت المال و فدك.

كلام الشيخ الحر العاملي في إقطاع عثمان فدكا لمروان، تقسيم عمر خيبر على أزواج النبي (صلّى اللّه عليه و آله).

491

كلام ابن قتيبة في إقطاع عثمان فدك لمروان و ذكر تطوراتها من يد إلى يد، كلام العلامة الأميني و تحقيقه في إقطاع مروان، إعطاء أبي بكر صكّ فدك للزهراء (عليها السلام) و خرق عمر لهذا الصكّ ....

نقمة الناس على عثمان لإعطائه طريد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) مائة ألف و لجوؤه إلى بيته و إعطاء فدك لمروان و إعطاء خمس في‏ء الإفريقية إياه.

إقطاع عثمان فدكا إلى مروان و نهروان إلى أبي الحرث شقيق مروان.

ذكر تطورات فدك مفصلا من الأخذ و الرد من المروان إلى المتوكل بأسنادها و مصادرها.

نقل أبي حنيفة المغربي في تطوّرات فدك في حديث أبي جعفر (عليه السلام).

خرق عمر سجل المزارع غير خيبر و السويداء، إعطاء عثمان فدك إلى مروان بن الحكم.

تقسيم عمر بن عبد العزيز غلّة فدك و أربعة آلاف دينار في ولد فاطمة (عليها السلام).

كلام المحدث القمي في ردّ عمر بن عبد العزيز فدك إلى ولد فاطمة و ما جرى بينه و بين علماء السوء من مشايخ الشام و استدلاله لفعله.

ردّ عمر بن عبد العزيز فدكا بعد استخلافه إلى محمد بن علي الباقر (عليه السلام) و كتابه له.

كلام الذهبي و النباطي البياضي و السيد ابن طاوس عن حماد بن عيسى و اليعقوبي و في سيرة عمر بن عبد العزيز و تاريخ دمشق و المجلسي الأول و الإربلي و السيد المرتضى و الصدوق في ردّ عمر بن عبد العزيز بالشرح و التفصيل ....

كلام الطريحي في مجي‏ء فاطمة (عليها السلام) إلى أبي بكر و كلامها و محاجّتها معه في أمر فدك و ما جرى بين الخلفاء الأموي و العباسي و تطوّراتها و كيفية الأخذ و الردّ.

تحديد موسى بن جعفر (عليه السلام) فدك عند هارون بعدن و سمرقند و إفريقية و سيف البحر و تغيّر لون الرشيد و عزمه على قتله (عليه السلام).

492

ورود موسى بن جعفر (عليه السلام) على المهدي العباسي و نقله (عليه السلام) قصة فدك و إعطائها لفاطمة (عليها السلام) و غصبها أبو بكر و احتجاج فاطمة (عليها السلام) و ردّ أبي بكر و كتابة صكّ بها و انتزاعه عمر من يدها و تفله فيه و محوه و خرقه.

تحديد الإمام (عليه السلام) فدك و قول المهدي: هذا كثير ....

تحديد الإمام الكاظم (عليه السلام) فدكا لهارون الرشيد و تغيّر لونه و حالته و كلامه في جوابه:

هذا كل الدنيا ....

كتاب المأمون إلى عبيد اللّه بن موسى العبسي و سؤاله عن قصة فدك و ردّ مأمون فدك إلى ولد فاطمة.

جعل مأمون علي بن موسى (عليه السلام) وليّ عهده و ضرب الدراهم الرضوية باسمه و رده فدك إلى ولد فاطمة و سمّه بعد كيد طويل.

شكوى جماعة من ولد الحسن و الحسين إلى المأمون في أمر فدك من إعطائها إلى فاطمة (عليها السلام) و غصبها و طلب البينة و ردّ بيّنتها و ذكر احتجاج فاطمة (عليها السلام) عند المأمون بطولها.

كلام صفي علي شاه بالشعر الفارسي في نزول آية: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى‏ حَقَّهُ» (1) و انتزاع فدك من يدها و ما جرى بعده ملخّصة مترجمة بالعربية.

كلام هشام بن الحكم في إمامة علي (عليه السلام) و مكانة أبي بكر و عمر و عثمان و طلحة و الزبير و عائشة، مرور أبي بكر على فاطمة (عليها السلام) و ضربها بالرفسة على بطنها و غصبها فدكها.

بعث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عليا (عليه السلام) إلى ناحية فدك في حاجة و لبثه فيها أياما، أمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بالتسليم على علي (عليه السلام) بإمرة المؤمنين.

ملاقاة عمر أبا لؤلؤة في السوق و سؤاله عن صناعته و شكوى أبي لؤلؤة عن كثرة خراجه، استفتاء أبي لؤلؤة عن جزاء من عصى مولاه و جواب عمر له بوجوب قتله،

____________

(1). سورة الإسراء: الآية 26.

493

ضربة أبي لؤلؤة بأربع ضربات على عمر، استجابة دعوة الزهراء (عليها السلام) وقت مزق كتاب فدك ببقر بطنه.

كلام أبي الصلاح الحلبي في دفن الرجلين مع النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في حجرته بلا استيذان بدعوى عائشة و ردّ دعوى فاطمة (عليها السلام) في فدك.

أحوال أزواج النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بعد وفاتها و جعل طلاقهن إلى علي (عليه السلام) و استنابة علي (عليه السلام) في مبيته على فراشه ليلة الغار و بعثه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إلى فدك.

عن جعفر بن محمد (عليه السلام): قصة رؤية علي (عليه السلام) الدنيا في حيطان فدك و في يده مسحاة على شكل امرأة جميلة باذلة نفسها للنكاح له (عليه السلام) و تزويجها، طردها و إقباله على مسحاته قائلا:

و ما أنا و الدنيا و أن محمدا * * * رهين بفقر بين تلك الجنادل‏

كلام المحقق الأردبيلي في قبول الحسنين (عليهما السلام) عطاء معاوية و حمله بأنه من خالصة ماله أو كونه من فيئهم و من غلّة أراضيهم من فدك و غيره.

كلام رجل من آل أبي طالب عند خطبة السفاح في قرية العباسة من ظلم أبي بكر في منع فاطمة (عليها السلام) فدكا ....

تقسيم الإمام الصادق (عليه السلام) نحلة فدك بعد رجوعها عليهم ....

كلام الفخر الرازي في تصدّي عبد اللّه بن الحسن بن جعفر بن الحسن المثنّى في صدقات علي (عليه السلام) و صدقات فاطمة (عليها السلام) و هي فدك.

كلام آية اللّه الميلاني في الارتباط بين حديث «نحن معاشر الأنبياء لا نورّث» و بين حديثين في الكافي من أن الأنبياء لا يورّثون درهما و لا دينارا و إنما يورّثون الأحاديث و العلم.

الكلام في أن منازعة علي (عليه السلام) و العباس في الميراث في فدك لا للخلافة.

494

جعل السمّ في طعام النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و بشر بن براء في فدك، و وفاة بشر من هذا السمّ.

كلام النباطي البياضي في مطاعن عمر، منها إعطاؤه عائشة و حفصة في كل سنة عشرة آلاف درهم و منع أهل البيت (عليهم السلام) خمسهم و منها خرق كتاب فاطمة (عليها السلام) في فدك ....

كلام الإمام الصادق (عليه السلام): ... البراءة ممن أخذوا من فاطمة (عليها السلام) فدك واجبة.

نقل الذهبي كلام الواعظ البلخي في بكاء فاطمة (عليها السلام) و ضجّة الجالسين.

كلام أبي بكر في مرض موته و ندامته من منع فدك عن فاطمة (عليها السلام).

في قضايا سنة 44 إعطاء معاوية فدكا لمروان بن الحكم.

من وقائع سنة 351 لعن معاوية و لعن من غصب فاطمة (عليها السلام) فدكا.

جواب رجل مزّاح عن سلطان البصرة أن عائشة أفضل من فاطمة (عليها السلام) لقوله تعالى:

«فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً» (1) و عائشة خرجت من المدينة إلى البصرة و جهّزت العساكر و جاهدت عليا (عليه السلام) و بني هاشم و أكابر الصحابة حتى قتل بسببها خلق كثير، و أما فاطمة (عليها السلام) فقد لزمت بيتها و ما خرجت إلا لطلب فدك و العوالي و لما منعها استقرّت في مكانها إلى يوم موتها.

أشعار بعض النواصب في حب علي (عليه السلام) و منع سبّ أبي بكر و عمر و جواب الشيخ البهائي في ردّه.

اعتراض الكميت للسيد الحميري لشعره في مداهنة منع فدك و جوابه أنه للتقية عن بني أمية.

جلدة مملوكة زانية لا بن عمر و نفيها إلى فدك.

قصة قتل أمير المؤمنين (عليه السلام) أشجعا عامل أبي بكر.

____________

(1). سورة النساء: الآية 95.

495

انتحال السيد غلام شاه و أهل قريته إلى مذهب التشيع لكتمان علماء العامة ذلك.

مناظرة السيدة حسنية مع علماء العامة حول فدك.

أهل السنة و حقيقة مسألة فدك.

496

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

497

1

المتن:

عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال:

قلت له: لم لم يأخذ أمير المؤمنين (عليه السلام) فدك لمّا ولّى الناس و لأيّ علة تركها؟ فقال له:

لأن الظالم و المظلومة قد كانا قدما على اللّه عز و جل و أثاب اللّه المظلومة و عاقب الظالم، فكره أن يسترجع شيئا قد عاقب اللّه عليه غاصبه و أثاب عليه المغصوبة.

المصادر:

1. علل الشرائع: ج 1 ص 154 ح 1.

2. بحار الأنوار: ج 29 ص 395 ح 1، عن العلل.

3. عوالم العلوم: ج 11 ص 766 ح 2، عن العلل.

4. كشف الغمة: ج 1 ص 494، بتفاوت فيه.

5. الطرائف: ص 251 ح 349، عن العلل.

6. الأنوار النعمانية: ج 1 ص 46، عن العلل.

7. مفتاح الكتب الأربعة: ج 17 ص 168.

498

الأسانيد:

في العلل: الدقّاق، عن الأسدي، عن النخعي، عن النوفلي، عن علي بن سالم، عن أبيه، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال:

2

المتن:

عن إبراهيم الكرخي، قال:

سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) فقلت له: لأيّ علة ترك أمير المؤمنين (عليه السلام) فدكا لما ولّى الناس؟

فقال: للاقتداء برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لما فتح مكة و قد باع عقيل بن أبي طالب داره. فقيل له: يا رسول اللّه! أ لا ترجع إلى دارك؟ فقال (صلّى اللّه عليه و آله): و هل ترك عقيل لنا دارا؛ إنّا أهل بيت لا نسترجع شيئا يؤخذ منا ظلما؛ فلذلك لم يسترجع فدكا لما ولّى.

المصادر:

1. علل الشرائع: ج 1 ص 155 ح 2.

2. بحار الأنوار: ج 29 ص 396 ح 2، عن العلل.

3. عوالم العلوم: ج 11 ص 766 ح 3، عن العلل.

4. كشف الغمة: ج 1 ص 494.

5. الطرائف: ص 251 ح 349، عن العلل.

6. الأنوار النعمانية: ج 1 ص 46، عن العلل.

7. ناسخ التواريخ: مجلدات الإمام الباقر (عليه السلام) ج 2 ص 183.

الأسانيد:

في العلل: ابن هاشم، عن أبيه، عن جده، عن ابن أبي عمير، عن إبراهيم الكرخي، قال.

499

3

المتن:

عن الحسن بن فضّال، عن أبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام)، قال:

سألته عن أمير المؤمنين (عليه السلام) لم لم يسترجع فدك لما ولّى الناس؟ فقال: لأنا أهل بيت ولّينا اللّه عز و جل، لا يأخذ لنا حقوقنا ممن يظلمنا إلا هو، و نحن أولياء المؤمنين؛ إنما نحكم لهم و نأخذ حقوقهم ممن يظلمهم و لا نأخذ لأنفسنا.

المصادر:

1. علل الشرائع: ج 1 ص 155 ح 3.

2. عيون أخبار الرضا (عليه السلام): ج 2 ص 86 ح 31.

3. بحار الأنوار: ج 29 ص 396 ح 3.

4. الطرائف: ص 251 ح 349.

5. عوالم العلوم: ج 11 ص 767 ح 5، عن عيون الأخبار و علل الشرائع.

6. الأنوار النعمانية: ج 1 ص 46، عن العلل.

الأسانيد:

في العلل و العيون: القطان، عن أحمد الهمداني، عن علي بن الحسن بن فضال، عن أبيه، عن أبي الحسن (عليه السلام)، قال.

4

المتن:

قال الشيخ المفيد في المسائل العكبرية في المسألة الحادية و الخمسون:

و سأل فقال: لم لم يرد أمير المؤمنين (عليه السلام) فدكا لمّا أفضى الأمر إليه و تابعه الناس و كيف وسعه ذلك؟ و ما بال عمر بن عبد العزيز تيّسر له ردّها و تعذّر على أمير المؤمنين (عليه السلام)؟ و كيف ردّها المأمون و لم يمنعه من ذلك مانع، و علي (عليه السلام) أتقى للّه منهما و أعظم سلطانا و أجلّ في النفوس؟!

500

و الجواب عن ذلك أن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان ممتحنا في زمانه بما لم يمتحن به عمر بن عبد العزيز و المأمون بل لم يمتحن به أحد من الخلق أجمعين، و هي مباينة عائشة بنت أبي بكر له و هي عند الجمهور أفضل أزواج النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، و مباينة طلحة و الزبير و هما عند أنفسهما و جمهور من العامة نظراؤه في الجلالة، و اجتماع الثلاثة على حربه و الطعن في إمامته و الاجتهاد في التماس الحيل لحلّ أمره و تفريق جمعه و سفك دمه و دماء ذريته و أنصاره و التشنيع عليه بالأباطيل، مع كون ناصريه في الحروب ممن يرى صواب أبي بكر في منع فاطمة (عليها السلام) فدكا و ضلالة ناقض كلمته في ذلك.

و مني (عليه السلام)(1) بمعاوية بن أبي سفيان و من كان في حيّزه من الصحابة و الوجوه عند العامة بأعظم مما مني به طلحة و الزبير و عائشة، و اتفق عليه من أصحابه الذين كانوا بطانته و خاصته ما شهرته من المحنة له به يغني عن ذكره مفصلا، حتى أكفره فريق منهم و ألحد فيه آخرون فاتخذوه ربا معبودا.

فاضطر لذلك إلى الاستنصار عليهم من جمهورهم القائلين بتصويب المتقدمين عليه في منع فاطمة (عليها السلام) فدكا، و تخطئة من شكّ في ذلك. فلم يجد لهذه الأسباب طريقا لاسترجاع فدك و إظهار التضليل من تقدّمه و قضائه فيها بنقيض الصواب عند اللّه تعالى و خلاف المنزل من القرآن.

و رأى (عليه السلام) أن تركه بعض حقوقه و استنزال ولده عن الطلب بميراثه للتوصل بذلك إلى إقامة حقوق اللّه تعالى و هي أعظم حراسة الدين و هو أولى. فوجّه الرأي و صواب التدبير أنه لا يسعه تضييع معظم الدين بالنظر في صغيره و إهمال كثيره بحفظ قليله، لا سيما و قد علم أن ما يرومه من ذلك لا يتمّ و أن السعي فيه يفسد عليه نظام الدين و الدنيا معا و يحلّ عليه عقد التدبير.

و قد بيّن ذلك (عليه السلام) في قوله لقضاته و قد سألوه: بم نقضي؟ فقال: أقضوا بما كنتم تقضون حتى يكون الناس جماعة أو أموت كما مات أصحابي.

____________

(1). أي ابتلي.

501

و قوله (عليه السلام): لو ثنّيت لي الوسادة لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم و بين أهل الإنجيل بإنجيلهم و بين أهل الزبور بزبورهم و بين أهل القرآن بقرآنهم، حتى يزهر كل كتاب من هذه الكتب و يقول: يا رب إن عليا قضى بقضائك.

و قوله (عليه السلام): إذا حدّثتكم عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الحديث فلئن أخرّ من السماء فيخطفني الطير أحبّ إليّ من أن أقول على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ما لم يقل، و إذا حدّثتكم عن نفسي فإنما أنا رجل محارب و الحرب خدعة.

فبيّن (عليه السلام) أنه كان مضطرّا إلى التألّف و المداراة و غير متمكّن من القضاء لما يراه في الدين، و محتاجا إلى التقية و الاستصل‏اح.

و في هذا القدر كفاية و غناء عما سواه في جواب ما سأل عنه السائل من أمر فدك و ترك أمير المؤمنين (عليه السلام) نقض أحكام المتقدمين عليه فيها مع بيعة الناس له، و بذلك يندفع ما توهّمه و تظناه.

المصادر:

المسائل العكبرية: ص 121.

5

المتن:

ذكر المحقق الأردبيلي مناقشة ملا سعد الدين شارح المقاصد بأنه لو كان لفاطمة (عليها السلام) حق في فدك فلم لم يتصرّفها أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في أيام خلافته، فأجاب عنه:

أولا: لرفع تهمة أن شهادة علي (عليه السلام) في نحلتها بجرّ النفع إلى نفسه كما قال الشيخان.

و ثانيا: هذا مشهور في فعالهم بأن ما أخذ منا ظلما و غصبا لا نرجع إليه.

و ثالثا: إن الذي كان سببا لإيذاء فاطمة (عليها السلام) لا ينبغي أن يكون سبب سرور أولادها.

502

و رابعا: كان أكثر الناس يعتقدون لأعمال الشيخين في خلافة علي (عليه السلام) و يزعمون أن فعالهما و سيرتهما كان حقا، فلا يقبلون مخالفتهما و إن كان بدعة، كما أنهم خالفوا أمير المؤمنين (عليه السلام) في منع صلاة التراويح.

و خامسا: لما دخل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) مكة يوم الفتح قالوا: انزل على دارك في مكة. قال: إن عقيل هل يترك لنا دارا؟ و نحن أهل بيت لا نرجع ما غصب عنا ظلما.

و ذكر أيضا مناقشة ملا علي القوشچي بأن الحاكم لا يحكم بمجرد شهادة رجل واحد و امرأة واحدة و إن كان المدعي معصوما، و إذا لم يكن نفسه شاهدا فيحكم بعلمه.

فأجاب عنه:

أولا: إنه ليس رجلا واحدا بل كان معه الحسن و الحسين (عليهم السلام)، و كذا ليست امرأة واحدة بل كانت أم أيمن و أم سلمة معا.

و أما ما يقال: إنه لم يثبت مال بينة واحدة أو يمين واحد إذا كان له منازع به أو مدعي عليه، و فدك مال في تصرف الزهراء (عليها السلام) و لم يكن لها منازع؛ فعلى هذا طلب البينة عن الزهراء (عليها السلام) و ردّ شهودها مع وجود النص من القرآن في باب ميراث الأنبياء و جعل الحديث على خلافه، كله خلاف الحقيقة و معارضة و مخالفة حكم اللّه و الظلم على أهل بيت رسول اللّه (عليهم السلام).

و أما ما قال: يحكم الحاكم بعلمه، نقول: إن أبا بكر يعلم بعلم اليقين أن المدعي صادق في ما يدعيه، و أن أمير المؤمنين و الحسن و الحسين و فاطمة (عليهم السلام) معصومون بمقتضى آية التطهير و آية «كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ» (1) باتفاق المفسرين.

المصادر:

حديقة الشيعة: ص 241.

____________

(1). سورة التوبة: الآية 119.