الموسوعة الكبرى عن فاطمة الزهراء(ع) - ج12

- إسماعيل الأنصاري الزنجاني المزيد...
320 /
203

أهل بيت الرحمة و العصمة (عليهم السلام)، و ذلك إن منافع فدك كانت في كل سنة مقدار ما يبلغ اثني عشر ألف دينار. فلما أرادا أن يسدّا باب بيت الرحمة و النبوة و الخلافة و الإمامة و يقلّا زوّار هذا الباب و المتردّدين إليه بل أن ينفيا و يعدما رجوع أحد إليه، غصبا فدك و نزعاها عن أهله ليقطعا من الأصل ما به معيشتهم و معيشة أعضادهم و أنصارهم، حتى يأمنا عند خيالهما عن وثبة واثب عليهما.

ففي مثل غصب فدك يليق أن يقال: فكلّ الصيد في جوف الفرا. فجعل علماؤنا لقضية فدك عنوانا مستقلا في كتبهم؛ و تحقيق الحال في غصب الأخيف و صاحبه إياها ليس من فضول الكلام و ما لا طائل تحته، بل إن ذلك مما يجب أن يفصل و يبسط فيه الكلام حتى يطلع الناس على الخبايا في زوايا.

فهذا حاصل كلام هذا العالم العلوي، و اللّه لقد أفاد و أجاد و لم يتكلّم إلا بالصدق و الصواب؛ جزاه اللّه تعالى خيرا.

ثم قال ابن أبي الحديد في آخر كلامه بعد نقل كلام ذلك العالم العلوي:

انظروا إلى هذا الرافضي- قاتله اللّه- كيف يجادل و يغالط هذا!

أقول: إخواني! لا تغترّوا بما في السنة جمع دائر من أن ابن أبي الحديد تفيد كلماته شرح نهج البلاغة تشيّعه و تبصّره؛ لا و اللّه العلي العظيم. فإن هذا لا يقوله في شأنه إلا قليل التتبع في كلماته أو قليل التدبر في فهم المطالب، و قد عرفت إن ذلك الزنديق قد اختار- فيما تقدّمت إليه الإشارة- التنصب في النهاية و التعصب في غاية الغاية، مع صدور إقرار منه و من شيخه.

و هكذا من إمام مذهبهم أي الواقدي بأن فدك كانت لفاطمة الصديقة (عليها السلام) لتمليكها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إياها بالهبة، و صدور اعتراف منهم أيضا بأن خير البشر حجة اللّه على جميع خلقه، أخا الرسول و وصيّه أمير المؤمنين (عليه السلام) قد شهد بذلك، و صدور إذعان منهم أيضا بأن الأخيف قد صعد المنبر و تكلم بتلك الكلمات: سبحان اللّه! و اعجبا من حماقة هؤلاء القوم أي أصحاب الأذناب الطويلة أو من زندقتهم، و كيف لا فإنه إذا كان من المتّفق عليه بين الفرقتين صحة رواية أن عليا (عليه السلام) خير البشر فمن أبى فقد كفر.

204

فكيف لا تكون تلك الكلمات الصادرة من الأخيف دالة على ارتداده و إلحاده و زندقته و كفره؟ و اللّه الذي فضّل محمدا و آله المعصومين (عليهم السلام) على العالمين إن ديدن هؤلاء المتنصّبين المتعصّبين ذوي الأذناب الطويلة و الآذان العريضة، يضحك الثكلى، حيث يقولون بصحة المقدمات البرهانية من حيث الشروط الجهاتية و المادية، و مع ذلك لا يحكمون بحصول النتيجة و ينقضون أصلهم المؤصّل من أن العلم بالنتيجة من باب جريان عادة اللّه تعالى على خلقه عقيب المقدمتين.

و بالجملة، فإن الواسطة غير معقولة، بمعنى أن العالم الخبير من أهل السنة إما أنه لا بد أن يتبصّر و يتشيّع و إما أنه مرتد و زنديق و في الضلالة و الطغيان و الكفران غريق.

المصادر:

أسرار الشهادة: ص 129.

20

المتن:

قال محمد بن الحسن الحر العاملي في مطاعن أبي بكر:

... و منها: منعه فاطمة (عليها السلام) قريتين من قرى خيبر، نحلها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لها و قد ادعتها مع عصمتها في آية التطهير، و أورد في مناقبها: فاطمة (عليها السلام) بضعة مني، من آذاها فقد آذاني و من أغضبها فقد أغضبني.

و قد شهد لها علي (عليه السلام) مع قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فيه: يدور مع الحق حيثما دار، و قوله: علي (عليه السلام) مع الحق و الحق مع علي (عليه السلام)، مع أنه قد روي أنها كانت في يدها فأخرج عمّالها منها.

و أيضا طلبت ميراثها من أبيها لقوله تعالى: «يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ» (1)، و هي محكمة كما قال صاحب التقريب و عارضها برواية تفرّد بها، و خبر الواحد إذا عارض القرآن‏

____________

(1). سورة النساء: الآية 11.

205

كان مردودا للأمر بعرضه على القرآن، ثم قال: أ ليس قد أسند علماؤكم بطرق ثلاثة إلى الخدري، و رواه أيضا عن مجاهد و السدي: إنه لما نزل: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى‏ حَقَّهُ» (1)، دفع النبي (صلّى اللّه عليه و آله) إليها فدكا.

قال: و أخرج البخاري أنها قالت: أ ترث أباك و لا أرث أبي؟ أين أنت من قوله تعالى:

«وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ» (2)، و قوله في زكريا: «يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ». (3)

المصادر:

إثبات الهداة: ج 2 ص 365.

21

المتن:

قال ابن أبي الحديد بعد ذكر الأقوال في ذكر فدك:

... و أما ما يرويه رجال الشيعة و الأخباريون منهم في كتبهم من قولهم: أنهما أهاناها و أسمعاها كلاما غليظا و إن أبا بكر رقّ لها حيث لم يكن حاضرا، فكتب لها بفدك كتابا.

فلما خرجت به وجدها عمر، فمدّ يده إليه ليأخذه مغالبة فمنعته، فدفع بيده في صدرها و أخذ الصحيفة فخرقها بعد تفل فيها فمحاها، و أنها دعت عليه فقالت: بقر اللّه بطنك كما بقرت صحيفتي ....

و قال علوي من الحلة يعرف بعلي بن مهنّا، ذكيّ ذو فضائل: ما تظن قصد أبي بكر و عمر بمنع فاطمة (عليها السلام) فدك؟ قلت: ما قصدا؟ قال: ألا يظهرا لعلي- و قد اغتصباه الخلافة- رقّة و لينا و خذلانا و لا يرى عندهما خورا، فأتبعا القرح بالقرح.

____________

(1). سورة الإسراء: الآية 26.

(2). سورة النمل: الآية 16.

(3). سورة مريم: الآية 6.

206

و قلت لمتكلم من متكلمي الإمامية يعرف بعلي بن تقي من بلدة النيل: و هل كانت فدك إلا نخلا يسيرا و عقارا ليس بذلك الخطير؟ فقال لي: ليس الأمر كذلك، بل كانت جليلة جدا، و كان فيها من النخل نحو ما بالكوفة الآن من النخل، و ما قصد أبو بكر و عمر بمنع فاطمة (عليها السلام) عنها إلا ألا يتقوّى علي (عليه السلام) بحاصلها و غلّتها على المنازعة في الخلافة، لهذا أتبعا ذلك بمنع فاطمة و علي (عليهما السلام) و سائر بني هاشم و بني المطلب حقهم في الخمس؛ فإن الفقير الذي لا مال له تضعّف همته و يتصاغر عند نفسه و يكون مشغولا بالاحتراف و الاكتساب عن طلب الملك و الرئاسة.

المصادر:

1. شرح نهج البلاغة لا بن أبي الحديد: ج 16 ص 234.

2. عوالم العلوم: ج 11 ص 886 ح 99، عن شرح نهج البلاغة لا بن أبي الحديد، شطرا منه.

3. فاطمة الزهراء (عليها السلام) للكعبي: ج 2 ص 146.

22

المتن:

روى الشيخ عبد علي بن حسين الجزائري من علمائنا في رسالته الموسومة بالعين العبري في تظلم الزهراء (عليها السلام)، نقلا من كتاب السقيفة لأحمد بن عبد العزيز الجوهري، و ذكر حديثا فيه:

إن فاطمة (عليها السلام) لما منعها أبو بكر فدكا، قالت: و اللّه لا كلّمتك أبدا، و اللّه لأدعون اللّه عليك.

فلما حضرتها الوفاة أوصت أن لا يصلي عليها.

و روى رواية أخرى من كتاب السقيفة أنها طلبت منه ميراثها وهبتها فمنعها، و أن عليا (عليه السلام) و أم أيمن شهدا لها فلم يقبل شهادتهما.

207

و روى من عدة طرق من كتب أهل السنة عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أنه لما نزلت: «فَآتِ ذَا الْقُرْبى‏ حَقَّهُ» (1)، قال: يا جبرئيل، و ما حقه؟ قال: فاطمة (عليها السلام) تدفع إليها فدكا. فدفع إليها فدكا ثم أعطاها العوالي بعد ذلك، فاستغلّتهما حتى توفّي أبوها. فلما بويع أبو بكر كان منه ما كان.

و روى حديثا من صحيح البخاري من الجزء الخامس مضمونه: أن فاطمة (عليها السلام) طلبت ميراثها من أبيها فمنعها أبو بكر، فهجرته فلم تكلّمه حتى توفّيت و عاشت بعد النبي (صلّى اللّه عليه و آله) ستة أشهر.

و في رواية أخرى من كتاب السقيفة: أن فاطمة احتجّت على أبي بكر بقوله تعالى:

«وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ» (2)، و قوله تعالى عن زكريا: «فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا. يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ» (3)، و قوله تعالى: «يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ» (4)، فلم يقبل منها و قال: النبي لا يورث؛ فهجرته حتى ماتت.

و في رواية أخرى: أن أبا بكر حكم لها أولا ثم منعه عمر ثم اتفقا على منعها، و نقل عن ابن أبي الحديد أنه قال: إن فاطمة (عليها السلام) انصرفت ساخطة، قال: و لست اعتقد أنها انصرفت راضية كما قال قاضي القضاة، بل أعلم و اعتقد أنها انصرفت ساخطة، و ماتت و هي على أبي بكر واجدة لأخبار أخرى و وقائع و مصائب تترى.

المصادر:

إثبات الهداة: ج 2 ص 379.

23

المتن:

قال الكمره‏اي- شارح شرح الخوئي لنهج البلاغة- في قوله: «و سخت عنها نفوس آخرين»:

____________

(1). سورة الإسراء: الآية 26.

(2). سورة النمل: الآية 16.

(3). سورة مريم: الآيتين 5، 6.

(4). سورة النساء: الآية 11.

208

يظهر من بعض الشّراح أن المراد من نفوس آخرين هم أهل البيت (عليهم السلام)، أي تركوها في أيدي الغاصبين و انصرفوا عنها. قال الشارح المعتزلي: «و سخت عنها نفوس آخرين» أي سامحت و أغضت و ليس يعني بالسخاء هاهنا إلا هذا لا السخاء الحقيقي، لأنه (عليه السلام) و أهله لم يسمحوا بفدك إلا غضبا و قسرا.

قال الكمره‏اي: أقول: يمكن أن يكون المراد من الآخرين عموم الأنصار، حيث سكتوا عن مطالبة حقهم و قعدوا عن نصرتهم لاسترداده و إن لم يبخلوا بكونها في أيديهم؛ هذا هو الظاهر، لأنه (عليه السلام) في مقام الشكوى إلى اللّه عمن ظلمه و أهله في غصب فدك، و قد سامح الأنصار في نصرته لردّها بعد مطالبتها من جانب فاطمة (عليها السلام).

المصادر:

1. منهاج البراعة: ج 20 ص 96.

2. القطرة: ص 223، بتفاوت يسير.

24

المتن:

قال البلاذري في ذكر إسارة أبي العاص في يوم بدر و فداء زينب بقلادتها فداء له:

... فلما بعث أهل مكة في فداء أسرائهم، بعثت زينب في فداء أبي العاص بمال، و بعثت معه بقلادة لها كانت خديجة و هبتها لها حين أدخلتها على أبي العاص. فلما رآها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عرفها، فرقّ لها رقّة شديدة و قال للمسلمين: إن رأيتم أن تردّوا قلادة زينب و مالها عليها و تطلقوا أسيرها فافعلوا. فقالوا: نعم و نعمه‏ (1) عين يا رسول اللّه، فأطلقه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).

____________

(1). هكذا في المصدر.

209

قيل: فكما أن القلادة كانت للمسلمين و وهبوا لزينب على كرامة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فما بال أبو بكر أن يتأسّى برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)؛ و على أن فدك كانت للمسلمين و ما كانت أن وهبها لفاطمة (عليها السلام) و يرضى المسلمون بها ....

المصادر:

جمل من أنساب الأشراف للبلاذري: ج 2 ص 24.

25

المتن:

قال السيد حسن القزويني في إنكار و اعتذار أبي بكر:

تضافرت النصوص في الصحاح و السنن و السير و التواريخ المعتبرة أن فدك كانت خاصة خالصة لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و مع ذلك لا معنى لإنكار أبي بكر أن هذا المال ليس ملكا لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و إنما كان فيئا للمسلمين، محتجّا بأنى كان النبي (صلّى اللّه عليه و آله) يحمل به الرجال و ينفقه في سبيل اللّه، فإنه يتوجّه عليه سؤال البينة على دعواه الفي‏ء لا طلب البينة من فاطمة (عليها السلام)، و لا يصح الاعتذار بأنه وليّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، إذ ليس للولي التصرف الابتدائى في أموال المولّى عليه من غير تعيينه.

لا يجوز لولي الأمر من بعد الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) أن يعمل في فدك حذو إرادته، بل يجب تركها لأهله من ذوي قرابة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، لأنهم ملاكها بصريح قوله تعالى: «ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى‏ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى‏ فَلِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى‏» (1)؛ فهم يتصرفون فيها طبق إرادتهم.

المرء يفعل في أمواله ما يشاء و لا يكون لوليه ذلك من بعده في الزائد على ما أوصى به، و النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لم يوصي بشي‏ء في فدك بالضرورة و إلا لم يقع الخلاف فيها- و قد وقع- حتى عدّه الشهرستاني في الملل و النحل من الاختلافات الواقعة بعد وفاة النبي (صلّى اللّه عليه و آله)

____________

(1). سورة الحشر: الآية 7.

210

قائلا: الخلاف السادس في أمر فدك التوارث عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و دعوى فاطمة (عليها السلام) وراثة تارة و تمليكا أخرى، أي عن طريق النحلة.

قال في معجم البلدان: و في فدك اختلاف كثير في أمره بعد النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و أبي بكر و آل رسول اللّه (عليهم السلام)، و من رواة خبرها من رواه بحسب الأهواء و شدة المراء.

قلت: مع هذا الاختلاف الكثير كيف تطمئن النفس بالرواية المنسوبة إلى أبي بكر في دفع فاطمة (عليها السلام) عن ميراثها بحجة أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال: نحن معاشر الأنبياء لا نورّث، أم كيف يذعن بأن تركة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) صدقة في قبال القطع و الإذعان بأن ما تركه الميت فلوارثه.

و عمل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في فدك بما يراه من صرف حاصلاتها في ذوي قرابته و ما يفضل عنهم يصرفه في الجهاد يحتاج إلى الإثبات، و على تقديره لا يكون ذلك شاهدا على كون فدك فيئا للمسلمين، فلم لا يكون صرف المحصول في ذوي القرابة و الأهل شاهدا على أن فدك ملك شخصي للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) يرثونها منه.

المصادر:

هدى الملة إلى أن فدك نحلة: ص 41.

26

المتن:

قال السيد حسن القزويني في منازعة فاطمة (عليها السلام) مع أبي بكر في فدك:

صريح جميع المسطورات التاريخية و غيرها من الصحاح كالبخاري و مسلم و سنن أبي داود و كتب المناقب أن فاطمة (عليها السلام) لم تسكت عن فدك ما دامت في الحياة، بل كانت تأتي مرة بعد أخرى حتى في مسجد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بمرأى من المسلمين، و تدّعي كون فدك لها تارة بعنوان النحلة من أبيها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و تقيم البينة على دعواها، و أخرى بعنوان: الوارثة.

211

و تحاجج مع أبي بكر بألسنة مختلفة:

تارة بقولها لأبي بكر: أنت ورثت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أم أهله؟ قال: بل أهله كما في مسند أحمد.

و أخرى بقولها: يا أبا بكر! أ في كتاب اللّه أن ترثك ابنتك و لا أرث أبي؟ كما في سيرة الحلبي.

و ثالثة بقولها: يا ابن أبي قحافة! أ ترث أباك و لا أرث أبي، لقد جئت شيئا فريا، كما في خطبتها التي حكاها بتمامها و ضبط أسانيدها ابن أبي الحديد المعتزلي؛ تركنا ذكرها طلبا للاختصار و هي أيضا مذكورة في كتاب «بلاغات النساء» لابن طيفور البغدادي.

و رابعة: مجيؤها مع علي (عليه السلام) إلى أبي بكر و الاحتجاج معه بالقرآن من قوله تعالى:

«وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ» (1)، و قوله تعالى: رب‏ «فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا. يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ» (2)، و قوله: «يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ» (3)، كما في مختصر كنز العمال المطبوع في حاشية المسند لأحمد.

و خامسة: ما رواه ابن أبي الحديد، عن أبي بكر الجوهري، عمن رواه، قال: دخلت فاطمة (عليها السلام) على أبي بكر بعد ما استخلف، فسألته ميراثها من أبيها فمنعها، فقالت له:

لإن متّ اليوم من كان يرثك؟ قال: ولدي و أهلي. قالت: فلم ورثت أنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) دون ولده و أهله؟ قال: فما فعلت يا بنت رسول اللّه؟ قالت: بلى، إنك عمدت إلى فدك و كانت صافية لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فأخذتها و عمدت إلى ما أنزل اللّه من السماء فرفعته عنا إلى غير ذلك من جهات الكلام و أطوار المنازعة و الخصام و وجوه الاحتجاج على أبي بكر.

____________

(1). سورة النمل: الآية 16.

(2). سورة مريم: الآيتين 5، 6.

(3). سورة النساء: الآية 11.

212

المستظهر من التواريخ و السير و الصحاح كما سيتلى عليك أن فدك كانت نحلة و عطيّة من النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لفاطمة (عليها السلام) و أنه دفعها إليها في حياته، و يوم وفاته كانت في يد فاطمة (عليها السلام).

و لما تولّى أبو بكر الخلافة، أرسل من ينتزع فدك من فاطمة (عليها السلام). فنازعته في ذلك، و لما طلب منها البينة على النحلة قيل عليه: أنه الغريم لها فتكون عليه البينة، و لا تطلب البينة من ذي اليد على ما في يده بالضرورة من الدين.

و أما شهادة علي (عليه السلام) و أم أيمن، فهي على وجه التبرع و الاستظهار و إلزام أبي بكر لفاطمة (عليها السلام) بالإشهاد.

إن عليا (عليه السلام) شهد لفاطمة بأن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أعطاها فدك، فأسقطوا شهادته و شهد أبو بكر أن ميراث محمد (صلّى اللّه عليه و آله) في‏ء للمسلمين. فقبلوا شهادته و لم يعلم الوجه في الإسقاط و القبول في المقامين!

قيل: إن فاطمة (عليها السلام) ادعت الميراث أولا ثم ادعت النحلة ثانيا، و ليس كذلك بل الأمر بالعكس.

قال في سيرة الحلبي: إن طلب فاطمة (عليها السلام) إرثها من فدك كان بعد أن ادعت أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أعطاها فدكا و قال لها: هل لك بينة؟ فشهد لها على- كرّم اللّه وجهه- و أم أيمن. إن فاطمة (عليها السلام) أتت أبا بكر بعد وفاة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و قالت: إن فدك نحلة أبي، أعطانيها حال حياته، و أنكر عليها أبو بكر فقال: أريد بذلك شهودا، فشهد لها علي (عليه السلام). فطلب شاهدا آخر، فشهدت لها أم أيمن، فقال: قد علمت يا بنت رسول اللّه إنه لا يجوز إلا شهادة رجل و امرأتين.

قال صاحب المعجم في فدك: و هي التي قالت فاطمة (عليها السلام): إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) نحلنيها.

فقال أبو بكر: أريد لذلك شهودا، و لها قصة.

213

و قال ابن أبي الحديد المعتزلي في الشرح‏ (1): إنه قال أبو بكر الجوهرى.

و روى هشام بن محمد، عن أبيه، قال: قالت فاطمة (عليها السلام) لأبي بكر: إن أم أيمن تشهد لي أن رسول اللّه أعطاني فدك. فقال لها: يا بنت رسول اللّه، و اللّه ما خلق اللّه خلقا أحب إليّ من رسول اللّه أبيك و لوددت أن السماء وقعت على الأرض يوم مات أبوك، و اللّه لأن تفتقر عائشة أحب إليّ من أن تفتقري؛ أ تراني أعطي الأحمر و الأبيض حقه و أظلمك حقك؟! أنت بنت رسول اللّه، إن هذا المال لم يكن للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) و إنما كان مالا من أموال المسلمين، يحمل النبي (صلّى اللّه عليه و آله) به الرجال و ينفقه في سبيل اللّه. فلما توفّي رسول اللّه ولّيته كما كان يليه. قالت: و اللّه لا كلّمتك أبدا. قال: و اللّه لا هجرتك أبدا. قالت: و اللّه لأدعون اللّه عليك. قال: و اللّه لأدعون اللّه لك.

فلما حضرتها الوفاة أوصت أنه لا يصلّي عليها. فدفنت ليلا و صلّى عليها عباس بن عبد المطلب، و كان بين وفاتها و وفاة أبيها اثنتان و سبعون ليلة.

قلت: الذي يظهر من هذه الرواية و ما يضاهيها من الروايات التي سنذكرها، أن أبا بكر لم يكن بريئا من التهمة عند فاطمة (عليها السلام) و إلا لم يكن وجه للغضب و الوجد إلى هذا الحد، إلا أن فاطمة (عليها السلام) عرفت أن السياسة الوقتية اقتضت انتزاع فدك عنها و عدم تصديقها في دعواها.

قال ابن أبي الحديد: و سألت علي بن الفارقي، مدرّس المدرسة الغربية ببغداد، فقلت له: أ كانت فاطمة (عليها السلام) صادقة؟ قال: نعم. قلت: فلم لم يدفع إليها أبو بكر فدك و هي عنده صادقة؟ فتبسم ثم قال كلاما لطيفا مستحسنا مع ناموسه و حرمته و قلة دعابته، قال: لو أعطاها اليوم فدك بمجرد دعواها، لجاءت إليه غدا و ادعت لزوجها الخلافة و زحزحته عن مقامه، و لم يكن يمكنه الاعتذار و الموافقة بشي‏ء لأنه يكون قد سجّل على نفسه أنها صادقة فيما تدعي، كائنا ما كان، من غير حاجة إلى بينة و لا شهود.

____________

(1). شرح نهج البلاغة لا بن أبي الحديد: ج 16 ص 214.

214

قال المعتزلي: و هذا الكلام صحيح، و إن كان أخرجه مخرج الدعابة و الهزل. قلت:

و عسى أن يكون الصواب ما فهمه علي بن الفارقي المدرس، غير أنه قد يؤدّي الاجتهاد و التأويل إلى الخطأ و الوقوع في خلاف الواقع.

المصادر:

هدى الملة إلى أن فدك نحلة: ص 43.

27

المتن:

قال المسعودي في فصل الدولة العباسية في ذكر حوار فاطمة الزهراء (عليها السلام) و أبي بكر:

و قد صنّف هؤلاء كتبا في هذا المعنى الذي ادعوه و هي متداولة في أيدي أهلها و منتحليها.

منها كتاب صنّفه عمرو بن بحر الجاحظ، و هو المترجم بكتاب «إمامة ولد العباس»؛ يحتجّ فيه لهذا المذهب و يذكر فعل أبي بكر في فدك و غيرها و قصته مع فاطمة (عليها السلام) و مطالبتها بإرثها من أبيها (صلّى اللّه عليه و آله) و استشهادها ببعلها و ابنيها و أم أيمن و ما جرى بينها و بين أبي بكر من المخاطبة و ما كثر بينهم من المنازعة و ما قالت و ما قيل لها عن أبيها من أنه قال: نحن معاشر الأنبياء نرث و لا نورّث، و ما احتجّت به من قوله عز و جل: «وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ» (1)؛ على أن النبوة لا تورث، فلم يبق إلا التوارث، و غير ذلك من الخطاب، و لم يصنّف الجاحظ هذا الكتاب و لا استقصى فيه الحجاج للراوندية، و هم شيعة ولد العباس، لأنه لم يكن مذهبه و لا كان معتقده، و لكن فعل ذلك تماجنا و تطرّبا.

المصادر:

مروج الذهب: ج 3 ص 232.

____________

(1). سورة النمل: الآية 16.

215

28

المتن:

قال آل الفقيه في هبات عثمان لأقربائه و ذوي أرحامه:

... منها: أقطع مروان بن الحكم فدك، و كانت فاطمة (عليها السلام) طلبتها بعد وفاة أبيها (صلّى اللّه عليه و آله) بدعوى الميراث تارة و أخرى بالنحلة، فدفعت عنها.

المصادر:

1. أبو ذر الغفاري لآل الفقيه: ص 111.

2. عمار بن ياسر لآل الفقيه: ص 94.

29

المتن:

قال محمد بن الحسن الحر العاملي في ذكر مطاعن أبي بكر:

و منها ما رواه مسلم في صحيحه: أنه لما بعث فاطمة (عليها السلام) تطلب إرثها و حقها من فدك و خمس خيبر، فلم يعطها شيئا و أقسم أن لا يغيّر شيئا من صدقات رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و قد غيّر ذلك و قد حنث في يمينه.

ففي الجمع بين الصحيحين: و كان أبو بكر يقسّم نحو قسم النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، غير أنه كان لا يعطي قرابة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) كما كان النبي (صلّى اللّه عليه و آله) يعطيهم.

قال ابن شهاب: و كان عمر يعطيهم منه و عثمان بعده.

المصادر:

إثبات الهداة: ج 2 ص 366.

216

30

المتن:

قال السيد شرف الدين نقلا عن الأستاذ محمود أبو رية المصري:

... بقي أمر لا بد أن نقول فيه كلمة صريحة، ذلك هو موقف أبي بكر من فاطمة بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و ما فعل معها في ميراث أبيها، لأنها إذا سلّمنا بأن خبر الآحاد الظني مخصّص الكتاب القطعي و أنه قد ثبت أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قد قال: أنه لا يورّث و أنه لا تخصيص في عموم هذا الخبر، فإن أبا بكر كان يسعه أن يعطي فاطمة (عليها السلام) بعض تركة أبيها كأن يخصّها بفدك، و هذا من حقه الذي لا يعارضه فيه أحد، إذ يجوز للخليفة أن يخصّ من يشاء بما يشاء.

قال: و قد خصّ هو نفسه الزبير و كان صهره على أسماء أم عبد اللّه بن العوام و محمد بن مسلمة، و غيرهما ببعض متروكات النبي (صلّى اللّه عليه و آله) كاختصاص بنته أم المؤمنين بالحجرة فدفنته حين مات فيها إلى جنب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، ثم دفن فيها خليفته عمر برخصة منها.

فلما توفي الحسن (عليه السلام) ريحانة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أراد بنو هاشم تجديد العهد فيه بجده. فكان ما كان بما لست أذكره؛ فظنّ خيرا و لا تسأل عن الخبر، فإنا للّه و إنا إليه راجعون. على أن فدكا هذه التي منعها أبو بكر لم تلبث أن أقطعها الخليفة عثمان لمروان. (1)

و نقل ابن أبي الحديد عن بعض السلف كلاما مضمونه العتب على الخليفتين، و العجب منها في مواقفها مع الزهراء (عليها السلام) بعد أبيها، قالوا في آخره: و قد كان الأجل أن يمنعها التكرم عما ارتكباه من بنت رسول اللّه (عليها السلام) فضلا عن الدين.

فذيّله ابن أبي الحديد بقوله: و هذا الكلام لا جواب عنه.

المصادر:

1. النص و الاجتهاد: ص 37، على ما في ما ذا تقضون.

2. ما ذا تقضون: ص 635، عن النص و الاجتهاد.

____________

(1). هذا كلامه بنصه، و قد نشرته مجلة الرسالة المصرية في عددها 518 من السنة 11، فراجعه صفحة 457.

217

3. كتاب محمود أبو رية، على ما في النص و الاجتهاد.

4. الرسالة المصرية: ح 518، على ما في كلام أبو رية.

31

المتن:

قال في الحقائق في تاريخ الإسلام في قصة فدك و كلام فاطمة (عليها السلام) مع أبي بكر و شهودها و البحث فيها:

عن جعونة، قال: قالت فاطمة (عليها السلام) لأبي بكر: إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) جعل لي فدك فأعطني إياها، و شهد لها علي بن أبي طالب (عليه السلام). فسألها شاهدا آخر، فشهدت لها أم أيمن، فقال:

علمت يا بنت رسول اللّه إنه لا تجوز إلا شهادة رجلين أو رجل و امرأتين، فانصرفت.

أقول: الحاجة إلى البينة إذا فقد العلم و اليقين، و كيف لا يحصل اليقين لمسلم عند دعوى فاطمة بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و هي سيدة نساء العالمين و البضعة من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أحب الخلق إليه؟ أو كيف لا يحصل إذا شهد لأمر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) و هو أخو رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و وليه و صفيه و حبيبه و حبيب اللّه بل و أحب الخلق إلى اللّه و إلى رسوله (صلّى اللّه عليه و آله)؟ و قد قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «من أغضب و آذى فاطمة (عليها السلام) فقد آذاني و أغضبني»، و قال: «من آذى عليا (عليه السلام) فقد آذاني»، و قال أيضا: «علي (عليه السلام) مع الحق و الحق مع علي (عليه السلام)»، و قال: «علي (عليه السلام) مني و أنا منه و هو ولي كل مؤمن بعدي». فهل يحتمل مسلم أن تدّعي فاطمة (عليها السلام) و أن يشهد علي (عليه السلام) باطلا.

و أما أم أيمن فهي حاضنة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و قال في حقها: إنها من أهل الجنة ....

المصادر:

الحقائق في تاريخ الإسلام و الفتن و الأحداث: ص 118.

218

32

المتن:

عن الباقر (عليه السلام) في قوله: «كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا ...» (1):

و اللّه ما آمنوا به، ثم ردّوا حكمه (صلّى اللّه عليه و آله) في علي و فاطمة (عليهما السلام) في الولاية لعلي (عليه السلام) و غصبوا فاطمة (عليها السلام) فدكا.

المصادر:

مثالب النواصب لا بن شهرآشوب: ص 183.

33

المتن:

قال السيد القزويني في أن فاطمة (عليها السلام) أولى بالتصديق من غيرها:

لا إشكال و لا شبهة في أن الزوجات ادعين ملكية الحجرات من غير شاهد و لا بينة و مع ذلك صدّقهن أبو بكر في ادعائهن، و فاطمة (عليها السلام) أولى بقبول قولها أن فدك نحلة أبيها، لأنها مأمونة عن الكذب بآية التطهير و آية المباهلة و أنها الحجة الإلهية لإثبات الرسالة، فتكون معصومة و مصونة عن الخطاء.

المصادر:

هدى الملة إلى أن فدك نحلة: ص 64.

____________

(1). سورة آل عمران: الآية 86.

219

34

المتن:

قال أبو المكارم في وضع حديث: مروا أبا بكر فليصلّ بالناس:

نقول أن هذا الحديث موضوع من وجوه:

الأول: أنه من أحاديث الآحاد و حديث الآحاد لا يوجب العمل فيه.

الثاني: أنه لا يرويها غير عائشة، و في مذهب الشافعي و الحنفي شهادة من يجرّ النفع إلى نفسه غير مسموع.

أقول: فما بالهم يثبتون و يقبلون شهادة عائشة في حق أبيها في حديث: مروا أبا بكر ...، و يردّون شهادة أمير المؤمنين و الحسن و الحسين (عليهم السلام) و قنبر و نساء بني هاشم في أمر فدك؟!

الثالث: أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: كل حديث تروون عني أعرضوا على القرآن، فإن كان مخالفا له لا تعتمدوا عليه.

المصادر:

تفسير شريف البلابل و القلاقل: ج 1 ص 374.

35

المتن:

قال الشيرواني في ذكر فدك:

... و منها أن أبا بكر منع فاطمة (عليها السلام) من فدك بخبر رواه متفرّدا به أو لم يكن له أن يخصّص النبي (صلّى اللّه عليه و آله) من بين معاشر الأنبياء أو يخصّص فدك من عموم «ما تركناه»، رعاية لمصلحة فاطمة (عليها السلام)؛ و هي بضعة منه و إيذاؤها إيذاؤه، و هل يدّعي أحد المصلحة

220

في الدين و الدنيا يساوي مصلحته سلوة قلبها، و هي حديثة عهد بالمصيبة التي تهدّ الجبال الرواسي و تزري آلمها بجزّ الموسى.

و كيف لم يتحرّز من شناعة المسلمين و إطلاقهم اللسان فيه و ثوران طائفة لتعصبها و حمايتها؟ و أي مفسدة أعظم من وقوع طائفة كثيرة لا يحصيهم العدد في عرض خليفة يجب عليه حفظ ناموس الخلافة في اغتيابه و نسبته إلى القبائح الكثيرة و الفضائح الغزيرة في شرق الأرض و غربها؟ و قد كان النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أخبرهم أن نسله من فاطمة (عليها السلام). فلم يتماشوا من أن يورث أمهم عداوة مورثة يرثها الصغير من الكبير و يوصي بها السلف الخلف.

و قد قيل: أن العلوي و إن كان كراميا لا يخلو عن ميل على الشيخين و إنما نشأ ذلك من جور جرى على أمهم ....

المصادر:

جيش أسامة للشيرواني: ص 34.

36

المتن:

قال العلامة المجلسي في ردّ فاطمة (عليها السلام) في دعواها فدك ورد شهودها:

... فنقول: خطاء أبي بكر و عمر في القضية واضحة من وجوه شتى:

الأول: إن فاطمة (عليها السلام) كانت معصومة، فكان يجب تصديقها في دعواها و قد بيّنا عصمتها فيما تقدم، و ما قيل من أن عصمتها لا تنافي طلب البينة منها، فلا يخفى سخافته، لأن الحاكم يحكم بعلمه، و قد دلّت الدلائل عليه، و أيضا اتفقت الخاصة و العامة على رواية قصة خزيمة بن ثابت و تسميته بذي الشهادتين لما شهد للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) بدعواه، و لو كان المعصوم كغيره لما جاز النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قبول شاهد واحد و الحكم لنفسه، بل كان يجب عليه الترافع إلى غيره.

221

الثاني: إنه لا ريب ممن له أدني تتبع في الآثار في أن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يرى فدكا حقا لفاطمة (عليها السلام) و قد اعترف بذلك جلّ أهل الخلاف و رووا أنه (عليه السلام) شهد لها، و قد ثبت بالأخبار المتظافرة عند الفريقين أن عليا (عليه السلام) لا يفارق الحق و الحق لا يفارقه بل يدور معه حيثما دار، و قد اعترف ابن أبي الحديد و غيره بصحة هذا الخبر.

و هل يشكّ عاقل في صحة دعوى كان المدّعى فيها سيدة نساء العالمين (عليها السلام) باتفاق المخالفين و المؤالفين، و الشاهد لها أمير المؤمنين و سيدا شباب أهل الجنة أجمعين، صلوات اللّه عليهم أجمعين.

الثالث: إنه طلب البينة من صاحب اليد، مع أنه أجمع المسلمون على أن البينة على المدّعي و اليمين على من أنكر.

الرابع: إنه ردّ شهادة الزوج، و الزوجية غير مانعة من القبول كما بيّن في محله.

الخامس: إنه ردّ شهادة الحسنين (عليهما السلام) إما لجرّ النفع أو للصغر كما قيل، مع أنه لا ريب أن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان أعرف منهم بالأحكام بالاتفاق و لو لم تكن شهادتهما جائزة مقبولة، لم يأت بهما للشهادة و القول في أم أيمن كذلك.

السادس: إنه لو لم تكن شهادة ما سوى أمير المؤمنين (عليه السلام) مقبولا، فلم لم يحكم بالشاهد و اليمين، مع أنه قد حكم بهما جلّ المسلمين؛ قال شارح الينابيع من علمائهم:

ثبوت المال بشاهد و يمين مذهب الخلفاء الأربعة و غيرهم.

السابع: إن الخبر الذي رواه موضوع مطروح لكونه مخالفا للكتاب، و قد ورد بأسانيد عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله): «إذا روي عني حديث فأعرضوه على كتاب اللّه، فإن وافقه فاقبلوه و إلا ردّوه».

و أما مخالفته للقرآن فمن وجوه:

الأول: عموم آيات الميراث، فإنه لا خلاف مجملا في عمومها إلا ما أخرجه الدليل.

الثاني: قوله تعالى مخبرا عن زكريا (عليه السلام): «وَ إِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَ كانَتِ امْرَأَتِي‏

222

عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا. يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ» (1)، و لفظ الميراث في اللغة و الشريعة و العرف إذا أطلق و لم يقيّد لا يفهم منه إلا الأموال و ما معناها، و لا يستعمل في غيرها إلا مجازا؛ فمن ادعى أن المراد ميراث العلم و النبوة لا بد له من دليل.

علي أن القرائن على إرادة ما ذكرنا كثيرة:

منها: إن زكريا اشترط في وارثه أن يكون رضيا، و إذا حمل الميراث على العلم و النبوة لم يكن لهذا الاشتراط معنى، بل كان لغوا لأنه إذا سأل من يقوم مقامه في العلم و النبوة فقد دخل في سؤاله الرضا و ما هو أعظم منه، فلا معنى لاشتراطه. أ لا ترى أنه لا يحسن أن يقول أحد: اللهم ابعث إلينا نبيا و اجعله مكلّفا عاقلا.

منها: إن الخوف من بني العم و من يحذو حذوهم يناسب المال دون النبوة و العلم، و كيف يخاف مثل زكريا أن يبعث اللّه تعالى إلى خلقه نبيا يقيمه مقام زكريا و لم يكن أهلا للنبوة و العلم، سواء كان من موالي زكريا أو غيرهم، على أن زكريا كان إنما بعث لإذاعة العلم و نشره في الناس؛ فلا يجوز أن يخاف من الأمر الذي هو الغرض في بعثته.

الثالث: قوله سبحانه: «وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ» (2) و التقريب ما مرّ.

أقول: و يدل على بطلان هذا الخبر وجوه أخرى:

منها: إن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يرى الخبر موضوعا باطلا و كان (عليه السلام) لا يرى إلا الحق الصدق، فلا بد من القول بأن من زعم أنه سمع الخبر كاذب. أما الأولى: فلما رواه مسلم في صحيحه في رواية طويلة أنه قال عمر لعلي (عليه السلام) و العباس: قال أبو بكر: قال رسول اللّه:

لا نورّث ما تركناه صدقة. فرأيتماه كاذبا آثما خائنا غادرا. و اللّه يعلم إنه لصادق بارّ راشد تابع للحق. ثم توفّي أبو بكر فقلت: أنا ولي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و ولي أبي بكر، فرأيتمانى كاذبا غادرا خائنا. و اللّه يعلم إني لصادق بارّ تابع للحق فولّيتها.

و نحو ذلك روى البخاري و ابن أبي الحديد عن أحمد بن عبد العزيز الجوهري.

____________

(1). سورة مريم: الآيتين 5، 6.

(2). سورة النمل: الآية 16.

223

و أما المقدمة الثانية فللأخبار الدالة على أن عليا (عليه السلام) مع الحق يدور معه حيثما دار.

و منها: أن فاطمة (عليها السلام) أنكرت الخبر و حكمت بكذب أبي بكر في خطبتها المشهورة و غيرها، و عصمتها و جلالتها مما ينافي تكذيب ما كان يحتمل عندها صدقه لغرض دنيوي.

و منها: إنه لو كانت تركة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) صدقة و لم يكن لها حظّ فيها لبيّن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) الحكم لها، إذ التكليف في تحريم أخذها يتعلق بها، و لو بيّنه لها لما طلبتها لعصمتها، و لا يرتاب عاقل في أنه لو كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بيّن لأهل بيته (عليهم السلام) أن تركتي صدقة لا تحلّ لكم، لما خرجت ابنته و بضعته من بيتها مستعدية ساخطة صارخة في معشر المهاجرين و الأنصار، تعاتب إمام زمانها- بزعمكم- و تنسبه إلى الجور و الظلم في غصب تراثها و تستنصر المهاجرة و الأنصار في الوثوب عليه و إثارة الفتنة بين المسلمين و تهيّج الشر، و لم يستقرّ بعد أمر الإمارة و الخلافة، و قد أيقنت بذلك طائفة من المؤمنين أن الخليفة غاصب للخلافة، ناصب لأهل الإمامة، نصبوا عليه اللعن و الطعن إلى نفخ الصور و يوم النشور.

و كان ذلك من آكد الدواعي إلى شقّ عصا المسلمين و افتراق كلمتهم و تشتّت ألفتهم، و قد كانت تلك النيران تخمدها بيان الحكم لها (عليها السلام) أو لأمير المؤمنين (عليه السلام)، و لعله لا يجسر من أوتى حظّا من الإسلام على القول بأن فاطمة (عليها السلام) مع علمها بأن ليس لها في التركة بأمر اللّه نصيب كانت تقدّم على مثل تلك الأمور، أو كان أمير المؤمنين (عليه السلام) مع علمه بحكم اللّه لم يزجرها عن الظلم و الاستعداء و لم يأمرها بالقعود في بيتها راضية بأمر اللّه فيها، و كان ينازع العباس بعد موتها و يتحاكم إلى عمر بن الخطاب.

فليت شعري هل كان ذلك الترك و الإهمال لعدم الاعتناء بشأن بضعته التي كانت يؤذيه ما آذاها أو بأمر زوجها و ابن عمه المساوي لنفسه و مواسيه بنفسه، أو لقلة المبالاة بتبليغ أحكام اللّه و أمر أمته و قد أرسله اللّه بالحق بشيرا و نذيرا للعالمين.

224

و منها: إنا مع قطع النظر عن جميع ما تقدم نحكم قطعا بأن مدلول هذا الخبر كاذب باطل، و من أسند إليه لا يجوز عليه الكذب فلا محيص من القول بكذب من رواه و القطع بأنه وضعه و افتراه.

أما المقدمة الثانية فغنيّة عن البيان، و أما الأولى فبيانها أنه جرت عادة الناس قديما و حديثا بالأخبار عن كل ما جرى بخلاف المعهود بين كافة الناس؛ سيما إذا وقع في كل عصر و زمان و توفّرت الدواعي إلى نقله و روايته.

و من المعلوم لكل أحد أن جميع الأمم على اختلافهم في مذاهبهم يهتمّون بضبط أحوال الأنبياء (عليهم السلام) و سيرتهم و أحوال أولادهم و ما يجرى عليهم بعد آبائهم و ضبط خصائصهم و ما يتفرّدون به عن غيرهم.

و من المعلوم أيضا أن العادة قد جرت من يوم خلق اللّه الدنيا و أهلها إلى انقضاء مدتها بأن يرث الأقربون من الأولاد و غيرهم أقاربهم و ذوي أرحامهم و ينتفعوا بأموالهم و ما خلفوه بعد موتهم، و لا شك لأحد في أن عامة الناس، عالمهم و جاهلهم و غنيهم و فقيرهم و ملوكهم و رعاياهم، يرغبون إلى كل ما نسب إلى ذي شرف و فضيلة، و يتبرّكون به و يحرّزه الملوك في خزائنهم و يوصون به لأحب أهلهم، فكيف بسلاح الأنبياء و ثيابهم و أمتعتهم.

إذا تمهّدت تلك المقدمات فنقول: لو كان ما تركه الأنبياء من لدن آدم (عليه السلام) إلى الخاتم (صلّى اللّه عليه و آله) صدقة، لقسّمت بين الناس بخلاف المعهود من توارث الآباء و الأولاد و سائر الأقارب، و لا تخلو الحال إما أن يكون كل نبي يبيّن هذا الحكم لورثته بخلاف نبينا (صلّى اللّه عليه و آله) أو يتركون البيان كما تركه (صلّى اللّه عليه و آله).

فإن كان الأول فمع أنه خلاف الظاهر كيف خفي هذا الحكم على جميع أهل الملل و الأديان و لم يسمعه الصدقة إلى فلان، و سيف سليمان صار إلى فلان، و كذا ثياب سائر الأنبياء و أسلحتهم و أدواتهم فرّقت بين الناس و لم يكن في ورثته أكثر من مائة ألف نبي، قوم ينازعون في ذلك و إن كان بخلاف حكم اللّه عز و جل.

225

و قد كان أولاد يعقوب- مع علوّ قدرهم- يحسدون على أخيهم و يلقونه في الجبّ لما رأوه أحبهم إليه، و وقعت تلك المنازعة مرارا؛ ينقلها أحد في الملل السابقة و أرباب السير مع شدة اعتنائهم بضبط أحوال الأنبياء و خصائصهم و ما جرى بعدهم.

و إن كان الثاني فكيف كانت حال ورثة الأنبياء؟ أ كانوا يرضون بذلك و لا ينكرون؟

فكيف كانت ورثة الأنبياء جميعا يرضون بقول القائمين بالأمر مقام الأنبياء و لم ترض به سيدة النساء (عليها السلام) أو كانت سنة المنازعة جارية في جميع الأمم و لم ينقلها أحد ممن تقدم و لا ذكر من انتقلت تركات الأنبياء إليهم؛ إن هذا لشي‏ء عجاب!

و أما أن فدكا كان لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فمما لا نزاع فيه، و قد أوردنا من رواياتنا و أخبار المخالفين في الكتاب الكبير ما هو فوق الغاية.

و روى في جامع الأصول من صحيح أبي داود عن عمر، قال: إن أموال بني النضير مما أفاء اللّه على رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل و لا ركاب، فكانت لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) خاصة قرى عرينة و فدك و كذا و كذا؛ ينفق على أهله منها نفقة سنتهم ثم يجعل ما بقى في السلاح و الكراع عدة في سبيل اللّه، و تلا: «ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى‏ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى‏ فَلِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ» (1).

و روى أيضا عن مالك بن أوس، قال: كان فيما احتجّ عمر أن قال: كانت لرسول اللّه ثلاث صفايا: بنو النضير و خيبر و فدك ....

و أما أنها كانت في يد فاطمة (عليها السلام)، فلأخبار كثيرة من كتبهم دلّت على ذلك، أوردتها في الكتاب الكبير.

و في نهج البلاغة في كتاب أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى عثمان بن حنيف: «بلى، كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلّته السماء؛ فشحّت عليها نفوس قوم و سخت عنها نفوس آخرين، و نعم الحكم اللّه».

____________

(1). سورة الحشر: الآية 7.

226

و روى الطبرسي في الاحتجاج عن حماد بن عثمان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: لما بويع أبو بكر و استقام له الأمر على جميع المهاجرين و الأنصار، بعث إلى فدك من أخرج وكيل فاطمة بنت رسول اللّه (عليها السلام) منها ....

المصادر:

مرآت العقول: 231.

37

المتن:

قال القاضي نور اللّه التستري في ذكر بعض ما صدر مما يخالف الشرع عن بعض أصحابه:

... مثل أبي بكر الذي ادعى الإمامة و نصّ الكتاب و الحديث المتواتر و دليل العقل ناطق بأنه حق علي (عليه السلام) و منع فاطمة (عليها السلام) إرثها، و كتاب اللّه ناطق بأن لها الإرث.

و عمر الذي ادعى ما ادعاه، و قال للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) في مرض موته من الهجر و الهذيان ما قال و فعل ما فعل من منع كتابته (صلّى اللّه عليه و آله) ما يصون الأمة عن الضلالة، و إقدامه بتخريق الكتاب الذي كتبه أبو بكر لفاطمة (عليها السلام) في أخذها لفدك.

المصادر:

الصوارم المهرقة في نقد الصواعق المحرقة: ص 9.

38

المتن:

كلام القاضي نور اللّه التستري بعد نقل قول ابن حجر في قصة فدك و النقض و الإبرام فيه:

227

قال ابن حجر في نظرات الشيعة:

زعموا أنه ظالم لفاطمة (عليها السلام) بمنعه إياها من مخلف أبيها و أنه لا دليل له في الخبر الذي رواه: نحن معاشر الأنبياء لا نورّث، ما تركناه صدقة، لأن فيه احتجاجا بخبر الواحد، مع معارضته لآية المواريث؛ و فيه ما هو مشهور عند الأصولين.

و زعموا أيضا أن فاطمة (عليها السلام) معصومة بنص: «إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» (1)، و خبر: «فاطمة (عليها السلام) بضعة مني»، و هو معصوم فتكون معصومة، و حينئذ فيلزم صدق دعواها الإرث.

و جوابها:

أما عن الأول: فهو لم يحكم بخبر الواحد الذي هو محل الخلاف و إنما حكم بما سمعه من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و هو عنده قطعي، فساوى آية المواريث في قطعية المتن، و أما حمله على ما فهمه منه فلانتفاء الاحتمالات التي يمكن تطرّقها إليه عنه بقرينة الحال.

فصار عنده دليلا قطعيا مخصّصا لعموم تلك الآيات.

و أما عن الثاني: فمن أهل البيت أزواجه على ما يأتي في فضائل أهل البيت (عليهم السلام) و لسن بمعصومات اتفاقا، فكذلك بقية أهل البيت.

و أما «بضعة مني» فمجاز قطعا، فلم يستلزم عصمتها، و أيضا فلا يلزم مساواة البعض للجملة في جميع الأحكام، بل الظاهر إن المراد أنها كبضعة مني فيما يرجع للحنو و الشفقة.

و دعواها أنه (صلّى اللّه عليه و آله) نحلها فدكا لم تأت عليها إلا بعلي و أم أيمن، فلم يكمل نصاب البينة على أن في قبول شهادة الزوج لزوجته خلافا بين العلماء، و عدم حكمه بشاهد و يمين اما لعلّه لكونه ممن لا يراه ككثيرين من العلماء أو أنها لم تطلب الحلف مع من شهد لها، و زعمهم أن الحسن و الحسين (عليهما السلام) و أم كلثوم شهدوا لها باطل، على أن شهادة الفرع و الصغير غير مقبولة.

____________

(1). سورة الأحزاب: الآية 33.

228

و سيأتي عن الإمام زيد بن علي بن الحسين- رضي اللّه عنهم- أنه صوّب ما فعله أبو بكر و قال: لو كنت مكانه لحكمت بمثل ما حكم به، و عن أخيه الباقر (عليه السلام) أنه قيل له:

أظلمكم الشيخان من حقكم شيئا؟ فقال: لا و منزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا، ما ظلمانا من حقنا ما يزن حبة خردلة.

و أخرج الدار قطني: أنه سئل ما كان يعمل علي (عليه السلام) في سهم ذوي القربى؟ قال: عمل فيه بما عمل أبو بكر و عمر؛ كان يكره أن يخالفهما. و أما عذر فاطمة (عليها السلام) في طلبها مع روايته لها الحديث، فيحتمل أنه لكونها رأت أن خبر الواحد لا يخصّص القرآن كما قيل به، فاتضح عذره في المنع و عذرها في الطلب. فلا يشكل عليك ذلك، و تأمّله فإنه مهم.

أما أولا: فلأنه يتوجه على جوابه عن الأول أن الخبر الذي رواه أبو بكر في ذلك أولى بأن يكون محل الخلاف، لأنه متهم في روايته بعداوته لأهل البيت (عليهم السلام). و جرّ النفع لنفسه لما روى الشيخ جلال الدين السيوطي في تاريخ الخلفاء من أن فدكا كان بعد ذلك حبوة أبي بكر و عمر، ثم اقتطعها مروان، و إن عمر بن عبد العزيز قد ردّ فدكا إلى بني هاشم، و روي أنه ردّها إلى أولاد فاطمة (عليها السلام)؛ انتهى.

و في هذا دلالة على اتهام أبي بكر عند عمر بن عبد العزيز أيضا، كما وقع التصريح به في الروايات الآخر، على أن تخصيص الكتاب بغير الحديث المتواتر و المشهور مما خالف فيه جمع كثير؛ فمنهم أبو حنيفة كما ذكر في شروح منهاج البيضاوي، و أيضا المنصف المتأمل يجزم بأنه لا وجه لأن يكون مثل هذا الخبر موجودا و لم يسمعه غير أبي بكر حتى نساء النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و علي و فاطمة (عليهما السلام)، مع أنهم كانوا مداومين في ملازمة النبي (صلّى اللّه عليه و آله).

و بالجملة كيف يبيّن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) هذا الحكم بغير ذريته و يخفيه عمن يرثه و لا يوصى إليهم بذلك حتى يقعوا ادعاء الباطل و التماس الحرام؟! على أنه (صلّى اللّه عليه و آله) كان مأمورا- خصوصا في محكم الكتاب- بإنذار عشيرته الأقربين.

229

و قد أخرج في جامع الأصول حديث شهر بن حوشب، عن الترمذي و أبي داود، أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال: أن الرجل و المرأة ليعملان بطاعة اللّه تعالى ستين سنة، ثم يحضرهما الموت فيضارّان في الوصية فيجب لهما النار». فأيّ ضرر أعظم من أن يكون النبي (صلّى اللّه عليه و آله) كتم ذلك عن وصيه و ورثته و أودعه أجنبيا لا فائدة له فيه ظاهرا و حاشاه من ذلك، إذ هو رحيم رءوف بلا باعد، فضلا عن الأقارب.

لا يقال: كفى تعريفا و إعلاما بذلك الخبر الذي ذكره النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لأبي بكر من كبار أصحابه، لأنا نقول: الكفاية ممنوعة، لأن أبا بكر إنما غلب على فاطمة (عليها السلام) بذلك الخبر من حيث أنه صار خليفة و قاضيا و ادعى أن علمه قد حصل بذلك من الخبر المذكور و علم القاضي كاف في إجراء الحكم.

و من البيّن أنه لو لم يتفق سوء اختيار القوم على خلافة أبي بكر، بل كان الخليفة غيره لما كان لذلك الخبر الواحد حجية عنده في إثبات كون تركة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) صدقة. أما عند الخليفة- على تقدير كونه غير أبي بكر- فلأن شهادة الواحد مردودة، فضلا عن روايته في مقام الشهادة.

و أما عند المدّعية- أعني فاطمة (عليها السلام)- فلما ظهر من أنها قد أنكرت ذلك و غضبت على أبي بكر في حكمه بما ذكر، و لا مجال لأن يقال: إن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لما عيّن أبا بكر للخلافة لم يحتج إلى إظهار ذلك لغيره، لأن هذا خلاف ما عليه جمهور أهل السنة من عدم النص و التعيين لأحد كما مرّ؛ على أنه يجوز أن يكون الحديث الذي تفرّد به أبو بكر من قبيل «الغرانيق العلى» الذي جوّز أهل السنة إلقاء الشيطان له على لسان النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، و كيف يستبعد إلقاء مثل ذلك له، مع ما روي سابقا عن أبي بكر من أنه قال: إن لي شيطانا يعتريني ....

و أما قوله: و إنما حكم بما سمع من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، ففيه: إن دعوى سماعه منه غير مسموع، لما سمعت من اتهامه سابقا.

و أما قوله: هو عنده قطعي، فمردود بقول شاعرنا:

230

و من أنتم حتى يكون لكم عند.

و أما ما ذكره من قوله: و أما حمله على ما فهمه منه فلانتفاء الاحتمالات ...، ففيه:

إن ذلك و هم لا فهم، و انتفاء الاحتمالات غير ثابت، لاحتمال أن يكون قوله:

«صدقة» في الحديث الحادث تميّزا، و يكون معنى الحديث أن ما تركناه على وجه الصدقة لا يورثه أحد، و قد وهم الراوي- و هو أبو بكر- في ذلك لاحتمال أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قد وقف على لفظ صدقة؛ فظنّه أبو بكر موقوفا على الرفع بالخبرية لا على النصب بكونه تميّزا و التميّز إنما هو شأن أهل الاستبصار، لا كل قاصر يكثر منه العثار.

و لعل هذا الشيخ المعاند أراد بقرينة الحال الذي علم بها أبو بكر انتفاء الاحتمالات الآخر في ذلك الحديث قرينة حال أبي بكر و عمر في إرادتهما الظلم على أهل البيت (عليهم السلام)، و هذا مسلم لا شك فيه.

و أما ثانيا فلأنه يتوجّه على ما ذكره في الجواب عن الثاني: «أن من أهل البيت أزواجه على ما يأتي في فضائل أهل البيت ...»، إنا قد راجعنا إلى ما ذكرناه هناك فلم نجد فيه إلا ما يجديه من ذكره أحاديث موضوعة و أقاويل من أهل السنة مصنوعة، زعم معارضتها لما ذكره أيضا من الأحاديث الصحيحة اتفاقا الدالة على خروج الأزواج؛ فلنضرب عن نقلها هاهنا صفحا و لنذكر من الاحتجاج الدافع للعناد و اللحاج ما يدمر أيضا على ما أتى به ثمّة عن غاية الاعوجاج، فنقول:

قد اتفق المفسرون- من الشيعة و السنة- على ذلك، و هذا الاتفاق حجة متحقّقة بموافقة بعض المفسرين من أهل السنة مع الشيعة فضلا عن أكثرهم، كما أعترف به هذا الشيخ الجامد في أوائل الفصل العاشر من كتابه هذا، لظهور أن ما ذهب إليه بعض من طائفة حجة على الكل، سيما إذا وافقهم فيه غيرهم.

و أيضا قد انعقد الإجماع على ذلك قبل ظهور المخالف من اتباع بني أمية المعادين لأهل البيت (عليهم السلام)، و المخالف الحادث لا يقدح خلافه في انعقاد الإجماع السابق.

231

و أيضا و الذي يدل على ذلك أن من روى خلاف ذلك من المفسرين كانوا متأخرين عن قدماء المفسرين و المحدثين كالثعلبي و أحمد بن حنبل، و الظاهر إن منشأ المتأخرين ذكر آية التطهير متصلا بما قبله، من الآية التي وقع فيها النداء على نساء النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و الخطاب معهن؛ و فيه: أن رعاية هذه المقارنة و المناسبة إنما تجب إذا لم يمنع عنها مانع، و من البيّن أن تذكير ضمير «عَنْكُمُ» و «يُطَهِّرَكُمْ» و بعض الدلائل و القرائن الآخر الخارجة مانع عن ذلك.

منها: ما روى هذا الشيخ في كتابه هذا من أنه (صلّى اللّه عليه و آله) لما نزلت آية المباهلة، جمع عليا و فاطمة و الحسن و الحسين (عليهم السلام) و جلّلهم بكساء فدكي فقال: هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس و طهّرهم تطهيرا.

و منها: ما رواه أيضا في الباب الحادي عشر حيث قال في مسلم: عن زيد بن أرقم أنه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: أذكّركم اللّه في أهل بيتي (عليهم السلام). قلنا لزيد: من أهل بيته نساؤه؟ قال: لا أيم اللّه، إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثم يطلّقها فترجع إلى أبيها و قومها، أهل بيته أهله و عصبته الذين حرّموا الصدقة بعده. انتهى، و هو مذكور في جامع الأصول أيضا.

و لا يخفى أنه يفهم من قول زيد أن إطلاق أهل البيت ليس على الحقيقة اللغوية بل على الحقيقة الشرعية، و يمكن أن يكون مراده أن الذي يليق أن يراد في أمثال الحديث المذكور من أهل البيت، أهله و عصبته الذين لا يزول نسبتهم عنه أصلا دون الأزواج، و على التقديرين فهو مؤيد لمطلوبنا.

و ذكر سيد المحدثين جمال الملة و الدين عطاء اللّه الحسيني في كتاب تحفة الأحبّاء خمسة أحاديث؛ اثنان منها- و هما المسندان- إلى أم سلمة نص صريح في الباب، لأن أحدهما- و هو الذي نقله في جامع الترمذي و ذكر أن الحاكم حكم بصحته- قد اشتمل على أنه لما قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله) عند إدخال علي و فاطمة و سبطيه (عليهم السلام) في العباء ما قال، قالت أم سلمة: يا رسول اللّه! أ لست من أهل بيتك؟ قال: إنك على خير، أو إلى خير.

232

و الآخر و هو الحديث الذي نقله عن كتاب المصابيح في بيان شأن النزول لأبي العباس أحمد بن الحسن المفسّر الضرير الأسفرايني، قد تضمّن أنه (صلّى اللّه عليه و آله) لما أدخل عليا و فاطمة و سبطيه (عليهم السلام) في العباء قال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي و أطهار عترتي و أطائب أرومتي من لحمي و دمي، إليك لا إلى النار؛ أذهب عنهم الرجس و طهّرهم تطهيرا»، و كرّر هذا الدعاء ثلاثا. قالت أم سلمة: يا رسول اللّه! و أنا معهم؟ قال: إنك إلى خير و أنت من خير أزواجي.

ثم قال السيد: فقد تحقق من هذه الأحاديث أن الآية إنما نزلت في شأن الخمسة المذكورين (عليهم السلام)، و لهذا يقال لهم: آل العباء، و للّه درّ من قال من أهل الكمال:

على اللّه في كل الأمور توكلي‏ * * * و بالخمس أصحاب العباء توسلي‏

محمد المبعوث حقا و بنته‏ * * * و سبطيه ثم المقتدى المرتضى علي‏

إن قيل: ما ذكر من الأحاديث معارضة بما روي أن أم سلمة قالت لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله):

أ لست من أهل البيت؟ فقال: بلى إن شاء اللّه. قلنا: لا نسلّم صحة سندها، و لو سلّم نقول:

أنها في هذه الرواية في معرض التهمة بجرّ نفع لنفسها فلا يسمع قولها وحدها، و لو سلّم نقول: إن كونها من أهل البيت قد علق فيها بمشية اللّه تعالى فلا تكون من أهل البيت جزما، مع أنها لو كانت منهن لما سألته لأنها من أهل اللسان و الترجيح معنا بعد التعارض، و هو ظاهر.

و أيضا أهل بيت الرجل في العرف هم قرابته من عترته لا أزواجه، بدليل سبق الفهم إلى ذلك و هو السابق إلى فهم أهل كل عصر و المتداول في أشعارهم و أخبارهم؛ فما أحد يذكر أهل بيت النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في شعر أو غيره إلا و هو يريد من ذكرناه لأزواجه.

و لعل مناقشة الجمهور في هذا المقام إنما نشأت من حملهم البيت في الآية و الحديث على البيت المبني من الطين و الخشب المشتمل على الحجرات التي كان يسكنها النبي (صلّى اللّه عليه و آله) مع أهل بيته و أزواجه، إذ لو أريد بالبيت ذلك لاحتمل فهمه من الآية و الرواية. لكن الظاهر أن المراد بأهل البيت- على طبق قولهم- أهل اللّه و أهل القرآن‏

233

أهل بيت النبوة، و لا ريب أن هذا منوط بحصول كمال الأهلية و الاستعداد المستعقب للتنصيص و التعيين من اللّه و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) على المتّصف به، و لهذا احتاجت أم سلمة إلى السؤال عن أهليتها للدخول فيهم كما مرّ.

و فوق ما ذكرناه كلام، و هو إنه لا يبعد أن يكون اختلاف أسلوب آية التطهير لما قبلها على طريق الالتفات من الأزواج إلى النبي و أهل بيته (عليهم السلام) على معنى أن تأديب الأزواج و ترغيبهنّ إلى الصلاح و السداد من توابع إذهاب الرجس و الدنس عن أهل البيت (عليهم السلام).

فحاصل نظم الآية على هذا إن اللّه تعالى رغّب أزواج النبي (صلّى اللّه عليه و آله) إلى العفة و الصلاح بأنه إنما أراد في الأزل أن يجعلكم معصومين يا أهل البيت، و اللائق أن يكون المنسوب إلى المعصوم عفيفا صالحا كما قال: «وَ الطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ». (1) على أنه قد وقع اختلاف كثير في ترتيب المصاحف حتى اصطلح الناس على مصحف واحد، و الاختلاف إنما هو في الترتيب البتة، لأن القرآن متواتر كما لا يخفى.

ثم أقول: يمكن أن يستدل على خروج الأزواج بأن الإرادة المدلول عليها في الآية بقوله تعالى: «يُرِيدُ اللَّهُ» إما أن تكون إرادة محضة لم يتبعها الفعل أو إرادة وقع الفعل عندها، و الأول باطل لأن ذلك لا تخصيص فيه بأهل البيت بل هو عام في جميع المكلفين، و لا مدح في الإرادة المجردة، و اجتمعت الأمة على أن الآية فيها تفضيل لأهل البيت و إبانة لهم عن سواهم؛ فثبت الوجه الثاني.

و في ثبوته ما يقتضى عصمة من عني بالآية و إن شيئا من القبائح لا يجوز أن يقع منهم، و لا شك في عدم القطع بعصمة الأزواج، و الآية موجبة للعصمة. فثبت أنها فيمن عداهنّ من آل العباء لبطلان تعلقها بغيرهم.

و أما ما ذكره هاهنا من أن «بضعة مني» مجاز، فهب أن يكون كذلك، لكنه يجب حمل المجاز على المعنى الأقرب إلى المعنى الحقيقي كما تقرّر في الأصول، و هو هاهنا ترتب الأحكام التي تترتب على النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و منها العصمة و الطهارة.

____________

(1). سورة النور: الآية 26.

234

و لو أغمضنا عن ذلك نقول: إن الاستدلال على عصمتها (عليها السلام) إنما وقع من الشيعة بمجموع الحديث، و تقريره إن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال في حقها (عليها السلام): «فاطمة (عليها السلام) بضعة مني، من آذاها فقد آذاني و من آذاني فقد آذى اللّه»، و في رواية: «من أغضبها فقد أغضبني»، و في رواية «يريا بني ما رابها»، و أمثالها كثيرة. فلو فرض عدم عصمتها لجاز عليها صدور معصية موجبة للحد أو التعزيز عليها، و لا ريب في إيذائها حينئذ بذلك و هو منهيّ عنه لما عرفت من أن إيذاءها إيذاء اللّه تعالى و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله)؛ فلو تكن معصومة لزم جواز إيذائها بالحد و التعزير، فلزم أن يكون إيذاؤها (عليها السلام) منهيا عنه و جائزا؛ هذا خلف. فسقط جميع ما نسجه في نفي دلالة الحديث على عصمتها (عليها السلام).

و بعبارة أخرى نقول: لا شك إن هذه الأحاديث جاءت في باب مناقبها و فضلها (عليها السلام)، و «من» و «ما» من ألفاظ العموم كما تقرّر في الأصول، فلو كانت تغضب و تتأذّى بالباطل- كما احتمله الناصبة في مقام التأويل- لما جاز من النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أن يغضب لها، و لو أمكن صدور الباطل منها لما ساغ من النبي (صلّى اللّه عليه و آله) إطلاق لفظ الغضب، بل كان يجب أن يقيّده؛ و على هذا لم يبق لها مزيّة على غيرها، إذ يجب عليه أن يغضب لكل مسلم بل و لكل كتابي إذا أغضب بغير حق. فلم يبق إلا أن غضبها مطلقا يغضبه (صلّى اللّه عليه و آله)، و ذلك دليل على عصمتها (عليها السلام) و إنها لا يصدر عنها غضب إلا و هو حق.

و كذلك القول في حق بعلها (عليه السلام)، لأن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) دعا له على القطع في قوله: «اللهم وال من والاه و عاد من عاداه و انصر من نصره و اخذل من خذله»، و مثله إخبار النبي (صلّى اللّه عليه و آله) على القطع و هو قوله: «يدور الحق معه حيثما دار»، و قوله: «علي (عليه السلام) مع الحق و الحق مع علي (عليه السلام)»، و قوله: «من اقتدى بعلي (عليه السلام) فقد اهتدى»، كما ذكره فخر الدين الرازي في تفسير الفاتحة، و كذلك آية التطهير تدلّ على عصمة أهل البيت (عليهم السلام) جميعهم، كما أوضحناها سابقا.

و أما ما ذكره من أن دعواها أنه نحلها فدكا، لم تأت عليها إلا بعلي (عليه السلام) و أم أيمن فلم يكمل نصاب البينة ...، فمدخول بأن الحكم بالشاهد و اليمين قد دلّ عليه الخبر، و ليس نسخا لمقتضى الآية كما توهّم.

235

أما أولا: فلأن الآية دلّت على الحكم بالشاهدين أو الشاهد و المرأتين و إن شهادتهما حجة، و ليس فيها ما يدل على امتناع الحكم بحجة أخرى إلا بالنظر إلى المفهوم و لا حجة فيه، فرفع الحكم الذي دلّ عليه المفهوم ليس بنسخ، فجاز الحكم بما دلّ عليه الخبر.

و أما ثانيا: فلأن قوله تعالى: «وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَ امْرَأَتانِ» (1)، تخيير بين استشهاد رجلين أو رجل و امرأتين، و الحكم بالشاهد و اليمين زيادة في التخيير و هي ليست نسخا. و من قال: إن الحكم بالشاهد و اليمين نسخ لهذه الآية، يلزمه أن يكون الوضوء بالنبيذ نسخا لقوله تعالى: «فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا». (2)

و قد علم بهذا إن الحكم بقصور شهادة الرجل و المرأة عن نصاب الشهادة شي‏ء توهّمه بعض الجمهور من مفهوم الآية أو اختلقوه تعمدا لهدم ما هو الحق في المسألة، مع أن أكثر الجمهور يقول بموافقتنا من تكميل البينة باليمين، بل قال شارح الينابيع: إن ثبوت المال بشاهد و يمين مذهب الخلفاء الأربعة، فمذهب أبي بكر حجة عليه في قضية فاطمة (عليها السلام)، و على تقدير وقوع الاختلاف في المسألة هل يكون وجه لوقوع قرعة رأي أبي بكر على الطرف الذي أوجب تضييع حق أهل البيت (عليهم السلام) و أخذ ضياعهم و عقارهم إلا قصد إضرارهم و الاهتمام في فقرهم و افتقارهم و تفريق مواليهم و أنصارهم؟ كيف لا و «هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى‏ مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا». (3)

و أيضا يعارض ذلك ما رواه البخاري من حديث جابر: «أن أبا بكر لما جاءه مال البحرين صبّه على نطع و قال: من له على رسول اللّه دين، من له عليه عدة؟ فقال جابر:

و عدني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بكذا و كذا. فحثا له أبو بكر حثوات في حجره. فكيف استجاز إعطاء مال المسلمين هاهنا من غير بينة و لم يجوز إعطاء حق فاطمة (عليها السلام) مع البينة؟! مع أنه‏

____________

(1). سورة البقرة: الآية 282.

(2). سورة النساء: الآية 43.

(3). سورة المنافقون: الآية 7.

236

لم يقل أحد أنه عرف صدق جابر، لأنه سمع من النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و أيضا فقد رووا في صحاحهم كالبخاري: «أنه لا ينبغي للحاكم أن يحكم بعلمه لموضع التهمة»، و أيّ تهمة أوضح مما قرّرناه من معاداة القوم لعلي و فاطمة (عليها السلام)؛ و يدلّ عليه تصفّح أخبارهم و تتبع آثارهم.

ثم أقول: حاصل كلام الشيعة في هذا المقام إن فدكا كانت مما أنحله النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لفاطمة (عليها السلام) و صرفه إليها في أيام حياته، و يوم مات أبوها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان ذلك في يدها و تصرّفها (عليها السلام). و لما تقمّص أبو بكر بالخلافة، أرسل إلى فدك و أخرج وكيل فاطمة (عليها السلام) و غصبه منها. فنازعته في ذلك؛ و لما طلب منها (عليها السلام) البينة على النحلة، قال له علي (عليه السلام):

حكمت فينا بخلاف ما حكم اللّه و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) في جميع المسلمين؛ فإنك طلبت البينة من فاطمة (عليها السلام) على شي‏ء هو في يدها، و ذلك قول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «البينة على المدعي و اليمين على من أنكر».

و أما شهادة علي (عليه السلام) و أم أيمن، فإنما وقعت على وجه التبرع و على جهة الاستظهار.

و أما ما ذكره في العلاوة من أن في قبول شهادة الزوج لزوجته خلافا بين العلماء، فأقول فيه: أنه لو سلّم الخلاف فهل لاختيار أبي بكر الطرف المخالف لدعوى فاطمة (عليها السلام) سوى ما ذكرناه من الضرر و الإضرار؟ على أنا قد بيّنا عصمة فاطمة (عليها السلام) بالآية و الرواية، و المدّعي إنما افتقر إلى الشهود إذا ارتفع العصمة عنه، و حيث جاز ادعاؤه باطلا استظهر بالشهود على قوله لئلا يطمع كثير من الناس في أموال غيرهم و جحد الحقوق الواجبة عليهم، و إذ كانت العصمة مغنية عن الشهادة، وجب القطع على قول فاطمة (عليها السلام) و على ظلم مانعها و طالب البينة عليها.

و يشهد على صحة ما ذكرناه إن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) استشهد على قوله في بيعه لناقة الأعرابي، فشهد له خزيمة بن ثابت. فقال له النبي (صلّى اللّه عليه و آله): من أين علمت يا خزيمة إن هذه الناقة لي؟

أشهدت ابتياعي لها؟ فقال: لا، و لكني علمت أنها لك من حيث علمت صدقك و عصمتك. فأجاز النبي (صلّى اللّه عليه و آله) شهادته بشهادة رجلين و حكم بقوله؛ فلو لا أن العصمة دليل الصدق و يغني عن الشهادة لما صوّب النبي (صلّى اللّه عليه و آله) شهادة خزيمة على ما لم يره و لم يحضره باستدلاله عليه بدليل صدقه و عصمته.

237

و بمثل هذا قال مالك بن أنس على ما نقل عنه ابن حزم من أنه إذا هلكت الوديعة و ادعى من أودعت عنده، ردّها إلى المودع، فلا يمين عليه إذا كان ثقة.

و إذا وجب قبول قول فاطمة (عليها السلام) بدلائل صدقها و عصمتها و استغنت عن الشهود لها، ثبت إن الذي منعها حقها و أوجب عليها الشهود على صحة قولها قد جار في حكمه و ظلم في فعله و آذى اللّه تعالى و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بإيذاء فاطمة (عليها السلام)، و قد قال اللّه تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً». (1)

و أما ما ذكره من أن «زعمهم إن الحسن و الحسين (عليهما السلام) شهدا» باطل، فمجرد دعوى لا يعجز أحد عن الحكم ببطلانها.

و ما ذكره من أن شهادة الفرع و الصغير باطلة، مردود بأنه كيف خفي على أمير المؤمنين (عليه السلام)، باب مدينة العلم، إن شهادتهما غير مقبولة للفرعية او للصغر؟

و لو كان عالما كيف أقامهما شاهدين؟ على أن عدم شهادة الفرع إنما ذهب إليه مستندا بعمل أبي بكر؛ فلا حجة فيه.

و بعد اللتيّا و التي نقول: أين ذهب شرع الإحسان و التكرم ...؟! و لم لم يعامل أبو بكر مع فاطمة (عليها السلام) في فدك ما عامل النبي (صلّى اللّه عليه و آله) مع زينب في التماسه عن المسلمين في أيام عسرتهم أن يردّوا إليها المال العظيم الذي بعثته لفداء زوجها أبي العاص حيث أسّر يوم بدر؛ كما فصّل أبن أبي الحديد الكلام في ذلك في شرح نهج البلاغة.

و بالجملة، لو استنزل أبو بكر المسلمين عن فدك و استوهبه عنهم كما استوهب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) المسلمين عن فداء أبي العاص بأن قال: هذه بنت نبيكم تطلب هذه النخلات أ فتطيبون عنها نفسا؟ كانوا منعوها ذلك؟

و حيث لم يتأسّوا بالنبي (صلّى اللّه عليه و آله) في شرع الإحسان و التكرم، فلا أقل من أن يستحقّوا اللعنة بمعنى البعد عن مرتبة الأبرار.

____________

(1). سورة الأحزاب: الآية 57.

238

إن قلت: يتوجّه على ما ذكره أبن أبي الحديد إنا مع إمكان استيهاب أبي بكر فدكا من المسلمين على قياس ما أمكن للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) استيهاب ما بعثته زينب لأجل فداء أبي العاص، لأن المال الذي بعثته كان مشتركا بين جمع محصور من المسلمين و هم غزاة يوم بدر، فأمكن الاستيهاب منهم، بخلاف فدك، فإنه كان صدقة مشتركة بين سائر المسلمين الغير المحصورين.

قلت: لو سلّم كثرة المشاركين في فدك فنقول: من البيّن أنها على تقدير كونها صدقة لم تكن صدقة واجبة محرّمة على أهل البيت (عليهم السلام)، بل إنما كانت الصدقة المستحبة المباحة عليهم أيضا و الصدقة المستحبة مما يجوز للإمام تخصيصها ببعض. كما روي من سيرة الثلاثة، سيما عثمان من أنه أعطى الحكم بن أبي العاص طريد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ثلث مال إفريقية، و قيل ثلاثين ألفا. فلو كان أبو بكر في مقام التكرم مع أهل بيت سيد الأنام (عليهم السلام) لخصّ فدكا بفاطمة (عليها السلام)، و لما جوّز إيذاءها المستعقب للطعن و الملام، إلى يوم القيام.

و الذي يدل على استحباب تلك الصدقة إن من جملة تركة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) السيف و الدرع و العمامة و البغلة. فلو كانت تركة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) صدقة واجبة، لكان كل ذلك داخلا في التركة معدودا من الصدقة الواجبة حراما على أمير المؤمنين (عليه السلام)؛ فكيف جاز لهم ترك ذلك عنده؟ و كيف أستحلّ أمير المؤمنين (عليه السلام) التصرف في ذلك مع علمه بأنه مما حرّمه اللّه عليه ...؟!

و أيضا يدل عليه ما رواه هذا الجامد في كتابه هذا من أن العباس رافع عليا (عليه السلام) إلى أبي بكر في مطالبته بالميراث عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من الدرع و البغلة و السيف و العمامة، و زعم أنه عمّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أنه أولى بتركة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) من ابن العم. فحكم أبو بكر بها لعلي (عليه السلام).

و كذا يدل عليه ما مرّ روايته عن جلال الدين السيوطي الشافعي في تاريخ الخلفاء من أن فدكا كان بعد ذلك حبوة أبي بكر و عمر، ثم اقتطعها مروان، و إن عمر بن عبد العزيز قد ردّ فدكا إلى بني هاشم و روي إلى أولاد فاطمة (عليها السلام).

239

و أنت خبير بأن جعل أبي بكر و عمر فدكا حبوة لأنفسهما دون سائر المسلمين- كما رواه السيوطي- يدل على أنهما لو أرادا إعطاءها لفاطمة (عليها السلام) لما نازعهما أحد من المسلمين، و لما توجّه إليهما حرج في الدنيا و الدين. لكن غلبتهم العصبية و ملكتهم الحميّة الجاهلية؛ «وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ». (1)

و أما ما نقله عن مولانا زين العابدين (عليه السلام)، فظاهر أنه افتراء، مع أن احتمال وقوعه تقية قائم، و يدل عليه إنه (عليه السلام) قد سلك في هذا المقال مسلك الإبهام و الإجمال، حيث قال:

«لو كنت مكانه لحكمت بمثل ما حكم به»، و لم يقل: لو كنت خليفة أو إماما؛ فما ذكره (عليه السلام) بمنزلة أن يقول أحد: لو كنت في مكان الشيطان و ما هو فيه من الطغيان لفعلت مثل ما يفعله من الشرور و العصيان. و حينئذ ليس في كلامه (عليه السلام) ما يدلّ على تصويب حكم أبي بكر.

و كذا الكلام فيما رواه عن الباقر (عليه السلام)، لأنه وقع السؤال فيه عن ظلم الشيخين و لم يقل (عليه السلام) في مقام الجواب إنهما ما ظلمانا، بل قال: «ما ظلمنا»، و الظاهر أنه يكون الضمير المستتر في «ظلمنا» راجعا إلى ما هو الأقرب، أعني «منزل الفرقان»، و هو حق لا ريب فيه.

هذا إن قرأ لفظ «ظلمنا» بصيغة الماضي المعلوم، و إن قرأ بصيغة المجهول فجاز حمل ضمير الجمع فيه على نفسه (عليه السلام) و من معه من أولاده و أصحابه؛ و من البيّن أن أبا بكر و عمر لم يظلماه (عليه السلام) حقه، و إنما ظلما حق جدته و جده (عليهما السلام).

المصادر:

الصوارم المهرقة في نقد الصواعق المحرقة للتستري: ص 140.

____________

(1). سورة الشعراء: الآية 227.

240

39

المتن:

قال في رحاب محمد و أهل بيته (عليهم السلام) في ذكر فدك:

.... و الخلاف الرئيسي الظاهر بين فاطمة (عليها السلام) و بين الصحابة الانقلابيين هو حول فدك، و هي قرية زراعية في ضواحي المدينة؛ كانت لليهود و استولى عليها النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بعد معركة خيبر ضمن شروط الاتفاقية التي وقعها معهم. فأصبحت ملكا خاصا لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لأنها مما لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب ...، أي لم تفتح بالحرب و إنما أخذت بالاتفاق و السلم و المصالحة ....

ثم إن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أنحل فدك لا بنته فاطمة (عليها السلام) بوحي من اللّه عام سبعة للهجرة، و كتب لها بهذه الهبة كتابا أشهد فيه وجوه أهل بيته (عليهم السلام) و على رأسهم الإمام علي (عليه السلام). و لما توفّي النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و وقع الانقلاب المعروف بانقلاب السقيفة و الذي أخبر عنه القرآن الكريم قبلا بقوله تعالى: «وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى‏ أَعْقابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى‏ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ» (1)، عمد الانقلابيون و انتزعوا فدكا من يد فاطمة (عليها السلام) بحجة أنها من أملاك الدولة و أنكروا هبة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) إياها لفاطمة (عليها السلام).

و لما أبرزت لهم فاطمة (عليها السلام) كتاب الهبة و جاءت إليهم بالشهود و هم علي و الحسن و الحسين (عليهم السلام) و أم أيمن و آخرون، رفضوا كتابها و ردّوا شهادة الشهود بعد أن طعنوا فيهم.

و جاءتهم فاطمة (عليها السلام) بعد ذلك مطالبة بفدك عن طريق الميراث، إذ لا شك و لا خلاف في أن فدك كانت ملكا خاصا للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) و فاطمة (عليها السلام) أبرز ورثة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و لها أكبر الحصص في فدك، لأنه (صلّى اللّه عليه و آله) مات عن بنت واحدة و تسع زوجات.

و لما أحرجتهم فاطمة (عليها السلام) افتعلوا ضدها حديثا عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و هو حديث: نحن‏

____________

(1). سورة آل عمران: الآية 134.

241

معاشر الأنبياء لا نورّث ...، و بما أن الذين اختلقوا هذا الحديث غفلوا عن كونه مخالفا لصريح القرآن و نصوص الآيات، بالإضافة إلى أنه حديث غريب لم يدّعي أحد من آل النبي (عليهم السلام) و أصحابه سماعه إلا أبو بكر فقط، و هو خصم لا تقبل دعواه منفردا.

و لذا وجدت فاطمة (عليها السلام) رحبا في الاحتجاج و مؤامرتهم و كشف نفاقهم، فخرجت في مظاهرة نسائية صاحبة من بيتها إلى مسجد أبيها ....

المصادر:

في رحاب محمد و أهل بيته (عليهم السلام): ص 44.

40

المتن:

قال العبيدلي في ذكر أولاد علي بن الحسين الأمير ابن زيد بن الحسين (عليه السلام):

فأما عبد اللّه بن علي بن الحسن بن زيد فعقبه من أحمد، و قال قوم من النسبان: و من محمد بن عبد اللّه ولده بأبهر و كان الحسن يعرف بالعفهف؛ ولّي أموال فدك للمعتضد و انقرض و لا بقية له.

المصادر:

تهذيب الأنساب و نهاية الأعقاب للعبيدلي: في أولاد زيد بن الحسن (عليه السلام).

41

المتن:

قال المحقق الأردبيلي في أن الإمام بعد النبي (صلّى اللّه عليه و آله) علي بن أبي طالب (عليه السلام) و أن عدم مطالبة حقه من الخلافة و فدك و دفع الظلم لمصالح في جواب كلام الرازي:

... و قول الرازي في المقدمة الثانية من مقدمات إثبات حقية إمامة أبي بكر: «إن عليا (عليه السلام) ما كان بعد وفاة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في العجز إلى حيث لا يمكنه طلب حق نفسه، و ما كان أبو بكر في القوة و السلطنة بحيث يمكّنه غصب الحق من علي (عليه السلام).

242

و الدليل عليه إن كان في غاية الشجاعة و الشهامة، و كانت فاطمة (عليها السلام) مع علوّ منصبها زوجة له و كان الحسن و الحسين (عليهما السلام) ابنيه و كان العباس- مع علوّ منصبه عمه .... فثبت بما ذكرنا أن الإمامة لو كانت حقا لعلي (عليه السلام) بالنص، لكان في غاية القدرة على أخذها و منع الظالم المنازع».

و في هذا- كما ترى مما ذكرنا من حاله- أنه في زمان شوكته (عليه السلام) و خلافته و استقلاله ما كان قادرا على منع معاوية و لا على منع الخوارج، حتى خالفوه ألوف كثيرة منهم و خرجوا من حكمه و صاروا يقاتلونه، و بعد جمع العساكر و رجوع بعضهم قتلهم اللّه بيده بعون من اللّه و قد أخبره به نبيه (صلّى اللّه عليه و آله).

و خالفه عائشة و طلحة و الزبير مع علمهم بمنزلته و حاله من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و نسبوه إلى الباطل و صاروا يقاتلونه، و لو تمكّنوا منه لقتلوه مع ما نقلوا و عرفوا من فضائله و أحقّيّته بالأمر حينئذ من غير شك؛ خصوصا عائشة، فإنها روت ما لا يحصى من فضائله و قرب منزلته من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و كونه أحب الرجال، و مع ذلك تترك المدينة و تركب الجمل و تظهر العساكر من المدينة إلى البصرة، على ما هو المعلوم و المشهور في التواريخ.

و غصب فدك من فاطمة (عليها السلام) معلوم بغير شك مع شهادة أمير المؤمنين و الحسن و الحسين (عليهم السلام) و ردّ شهادتهم. فلو كان قادرا لأخذه غضبا على أبي بكر فإنه سكت، مع أن ردّ شهادة أمثاله في غاية ما يكون من العار، فإنما كان ذلك عجزا.

بل روي ضرب فاطمة (عليها السلام) و إسقاط الولد، و لا يصبر على ذلك أدنى شخص من الرعية و خلق اللّه مع قدرته؛ فليس ذلك إلا عجزا أو بأمر من اللّه و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) لحكمة علمها اللّه تعالى. فلا استبعاد و هم لا يتجاوزون الحق، فلا معنى لقوله و قول غيره في ذلك.

المصادر:

الحاشية إلى إلهيات الشرح الجديد للتجريد: ص 213.

243

42

المتن:

كلام القاضي نور اللّه في جواب ابن حجر في نقل حديث زيد:

قال ابن حجر: و أخرج الحافظ عمر بن شبة: إن زيدا- هذا الإمام الجليل- قيل له: إن أبا بكر انتزع من فاطمة (عليها السلام) فدك. فقال: إنه كان رحيما، فكان يكره أن يغيّر شيئا ترك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). فأتته فاطمة (عليها السلام) فقالت له: إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أعطاني فدك. فقال: هل لك بينة؟

فشهد لها علي (عليه السلام) و أم أيمن، فقال لها: فبرجل و امرأة تستحقّينها؟! ثم قال زيد: و اللّه لو رجع الأمر فيها إليّ لقضيت بقضاء أبي بكر.

قال القاضي التستري في جوابه: لا يخفى ما في هذا الخبر من التناقض الدال على تلاعب زيد- رضي اللّه عنه- مع السائل تقية، لأنه إذا كان أبو بكر لم يغيّر شيئا تركه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فقد كان فدك شيئا تركه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لفاطمة (عليها السلام) كما مرّ، و يدلّ عليه قولها هاهنا: «أعطاني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فدك»؛ فكان يجب عليه أن لا يغيّره و لا يخرجه عن يدها (عليها السلام).

و قوله: قال لها: هل لك بينة، تذكّر لجوره في الحكم بطلب البينة عنها (عليها السلام)، لما مرّ من أن فدك كان مالا في يد فاطمة (عليها السلام) و البينة على المدعي و اليمين على من أنكر، كذا في قوله: فبرجل و امرأة تستحقّينها، تذكّر لظلمه عليها في عدم اكتفائه في الشهادة على ذلك كما سبق بيانه؛ فدلالة كلامه على الذم هو الظاهر، كما لا يخفى.

و أما قوله رضي اللّه عنه: «لو رجع الأمر فيها إليّ لقضبت بقضاء أبي بكر»، فليس أول قارورة كسرت في الإسلام، لأن عليا (عليه السلام) قضى في ذلك عند رجوع الأمر إليه بما قضى أبو بكر، لما مرّ من أن تصرفه في فدك كان يستلزم الطعن في عمل الشيخين و أنه (عليه السلام) لم يكن قادرا على تغيّر بدعهم و الطعن على أحكامهم. فكلامه دليل على وجوب إعمال التقية عليه بموافقة أبي بكر في القضاء عند رجوع الأمر إليه، كما فعل آباؤه (عليهم السلام)، فتدبّر.

المصادر:

الصوارم المهرقة في نقد الصواعق المحرقة: ص 243.

244

43

المتن:

قال السيد حسن القزويني في جواز إعطاء فدك من باب الولاية لو لا الغضاضة:

ثم إن أبا بكر لما كان واليا مطاعا عند المسلمين لا يتصوّر في حقه الوقوع في المحذور حتى يلتجئ إلى الاستقالة من الخلافة لأجل فدك. فإنه كان له أن يعطي فدك لفاطمة (عليها السلام) من باب الولاية، كما أنه أعطى المنقول من تركة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) مثل السيف و العصا و اللباس و البغلة و غيرها لعلي و فاطمة (عليهما السلام) و أعطى الحجرات للنساء، كذلك و خلّى بينهن و بين مساكنهن. فإن كان ذلك لعهد من النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فأيّ عهد وقع منه إلى أبي بكر أو غيره في ذلك و لم يقع في فدك؟

مع أن الحديث المروي في نفي الإرث عامة يشمل فدك و غير فدك، و إن كان من باب الولاية العامة كما قيل، فإعطاء فدك إلى فاطمة (عليها السلام) بعد هذه الاحتجاجات أولى من إعطاء غيرها لغيرها، و كان موافقا للإحسان و مخالفا للإساءة و السخط و البغضاء.

و لذا قال قاضي القضاة حاكيا قول الشيعة: و قد كان الأجمل أن يمنعهم التكرم مما ارتكبوا منها، فضلا عن الدين.

و لنعم ما قالوه في هذه المقام، فإن الإحسان و التكرم موجب لأن يعامل أبو بكر فاطمة (عليها السلام) في فدك مثل ما عامل النبي (صلّى اللّه عليه و آله) به زينب ابنته في التماسه من المسلمين أن يردّوا إليها المال الذي بعثته لفداء زوجها أبي العاص حيث أسّر يوم بدر، و قال (صلّى اللّه عليه و آله) للمسلمين:

إن رأيتم أن تطلقوا لها أسرها و تردّوا عليها ما بعثت به من الفداء فافعلوا. فقالوا: نعم يا رسول اللّه، نفديك بأنفسنا و أموالنا. فردّوا عليها ما بعثت به من الفداء و أطلقوا أبا العاص بغير فداء، و هذا من مسلمات الحديث.

قال ابن أبي الحديد المعتزلي في الشرح عند بيان غزوة بدر: قرأت على النقيب جعفر يحيى بن أبي زيد البصري العلوي هذا الخبر، فقال: أ ترى أبا بكر و عمر لم يشهدا هذا المشهد؟ أ ما كان يقتضى التكرم و الإحسان أن يطيبا قلب فاطمة (عليها السلام) بفدك و يستوهباها

245

من المسلمين؟ أ تقصر منزلتها عند رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عن منزلة زينب أختها و هي سيدة نساء العالمين؟ هذا إذا لم يثبت لها حق لا بالنحلة و لا بالإرث؛ فقلت له: فدك بموجب الخبر الذي رواه أبو بكر قد صار حقا من حقوق المسلمين، فلم يجز له أن يأخذه منهم.

فقال: و فداء أبي العاص قد صار حقا من حقوق المسلمين و قد أخذه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) منهم. فقلت: رسول اللّه صاحب الشريعة و الحكم حكمه و ليس أبو بكر كذلك. فقال: ما قلت: هلّا أخذه أبو بكر من المسلمين قهرا يدفعه إلى فاطمة (عليها السلام)، إنما قلت: هلّا استنزل المسلمين عنه و استوهبها منهم لها كما استوهب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من المسلمين فداء أبي العاص؛ أ تراه لو قال لهم: هذه بنت نبيكم قد حضرت لهذه النخيلات، أ فتطيبون عنها نفسا؛ أ كانوا يمنعونها ذلك؟

فقلت له: قد قال قاضي القضاة أبو الحسن عبد الجبار بن أحمد نحو هذا. قال: إنما لم يأتيا بحسن في شرح التكرم، و إن كان ما أتياه عندنا حسنا في الدين. قلت: إن ذلك لم يكن حسنا أيضا في الدين.

و ليس قوله هذا إلا لحسن ظنه بهما، و إلا فقواعد الشرع على الخلاف، و ذلك لما روته العامة في كتبهم المعتبرة إلى أن بلغت حد التواتر اليقيني من أن اللّه تعالى يغضب لغضب فاطمة (عليها السلام) و يرضى لرضاها، و هو من أحاديث الحاكم في «المستدرك» و العلامة المناوى في «كنوز الدقائق» في حرف الألف.

و أبو بكر و عمر سمعا بالحديث من النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و شهدا بذلك عند فاطمة (عليها السلام) حسبما عرفت من كتاب «الإمامة و السياسة» لابن قتيبة؛ فإن فيه قالت فاطمة (عليها السلام) لهما: نشدتكما اللّه أ لم تسمعا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: «رضا فاطمة (عليها السلام) من رضاي و سخط فاطمة (عليها السلام) من سخطي؛ فمن أحب فاطمة (عليها السلام) ابنتي فقد أحبّني و من أرضى فاطمة (عليها السلام) فقد أرضاني، و من أسخط فاطمة (عليها السلام) فقد أسخطني»؟ قالا: نعم سمعنا من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). قالت: فإني أشهد اللّه و ملائكته أنكما أسخطتماني و ما أرضيتماني و لإن لقيت النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لأشكونّكما إليه.

246

المصادر:

هدى الملة إلى أن فدك نحلة: ص 131.

44

المتن:

مما رواه محمد بن سلام بن سار الكوفي بأسناده، عنها (عليها السلام):

أنه أمر أبو بكر بأخذ فدك من يدها، و قد كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أقطعها إياها لما أنزل اللّه عز و جل: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى‏ حَقَّهُ» (1)؛ فكانت مما أفاء اللّه عز و جل عليه. فقال أبو بكر: هي لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). فشهد علي (عليه السلام) و أم أيمن- و هي ممن شهد له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بالجنة- إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أقطعها ذلك فاطمة (عليها السلام). فردّ أبو بكر شهادتها و قال: علي (عليه السلام) جارّ إلى نفسه و شهادة أم أيمن وحده لا تجوز. فقالت فاطمة (عليها السلام): إن لا يكن ذلك فميراثي من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). فقال: إن الأنبياء لا يورّثون.

و هذا خلاف كتاب اللّه عز و جل، لأنه يقول جلّ من قائل: «وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ» (2)، و قال حكاية عن زكريا: «فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا. يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ» (3)، و ذكر فرض المواريث ذكرا عاما لم يستثن فيها أحدا.

خرجت (عليها السلام) في ذلك إلى مجلس أبي بكر و احتجّت فيه عليه، فلم ينصرف إلى قولها و استنصرت الأمة فلم تجد لها ناصرا. فلذلك و لما هو أعظم و أجلّ منه في الاستيثار بحق بعلها و بنيها، لزمت فراشها أسفا و كمدا حتى لحقت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بعد سبعين يوما من وفاته غمّا و حزنا عليه، و هي ساخطة على الأمة لما اضطهدته فيها و ابتزّته من حق بعلها و بنيها.

____________

(1). سورة الإسراء: الآية 26.

(2). سورة النمل: الآية 16.

(3). سورة مريم: الآيتين 5، 6.

247

المصادر:

شرح الأخبار لأبي حنيفة النعمان: ج 3 ص 32 ح 973.

45

المتن:

قال الشيخ عبد الحميد المهاجر بعد ذكر عدة من أقوال العلماء في كتبهم في بحث فدك بأنها نحلة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لفاطمة (عليها السلام):

فاطمة الزهراء (عليها السلام) هي الصديقة الكبرى، و هي التي شهد اللّه و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) و المؤمنون بصدقها و عصمتها، و بالتالي ففاطمة (عليها السلام) تقول: أيها الناس! اعلموا أني فاطمة، أقول حقا عودا و بدا و لا أقول ما أقول غلطا و لا أفعل ما أفعل شططا.

و من هنا، فإنه ليس في إمكان أحد من العالمين أن يكذّب فاطمة (عليها السلام)، لأن مجرد تكذيب الزهراء (عليها السلام) يكفي لإخراج الإنسان من الإيمان و إبعاده عن الإسلام. هذا بالإضافة إلى نزول اللعنة و العذاب على من كذّب فاطمة (عليها السلام)، لأنها معصومة و اللّه يشهد لها بالصدق و الإخلاص و الوفاء و النصيحة، و هي الصادقة المصدّقة، بل هي الصديقة الكبرى و على معرفتها تدور الدوائر.

و هذا شي‏ء ثابت و حقيقة راسخة لا يختلف فيها أحد، غير أننا نرد مع المعلم الذي دار الحديث بينه و بين ابن أبي الحديد في هذا المسعى و في هذا المضمار؛ فتؤكّد أن أبا بكر كان يدفع فاطمة (عليها السلام) حتى لا تفتح باب الخلافة و المطالبة بالإمامة .... و لذلك نجد أن الزهراء (عليها السلام) كانت قد ذكرت موضوع الإمامة و الدفاع عنها في خطبتها الثانية أكثر من الأولى، لأنها في الأولى اكتفت بذكر الإمامة و أنها لتنظيم المجتمع و حفظ الناس من التفرقة و النزاع، ثم ذكرت مواصفات الإمام علي (عليه السلام) و بلاءه في الدفاع عن الإسلام، إذ أبلى بلاء حسنا ....

248

و ليس لنا أن نردّد مع ابن أبي الحديد كلمته هذه التي نقرأها معا: و لكن الأمر كما حكاه علي بن الفارقي- و كان من أعلام بغداد مدرّسا في مدرستها الغربية و هو أحد شيوخ ابن أبي الحديد المعتزلي- إذ سأله فقال له: أ كانت فاطمة (عليها السلام) صادقة في دعواها النحلة؟ قال: نعم. قال له ابن أبي الحديد: فلم لم يدفع لها أبو بكر فدكا و هي عنده صادقة؟

فتبسم ثم قال كلاما لطيفا مستحسنا مع ناموسه و حرمته و قلة دعابته، قال: لو أعطاها اليوم فدكا بمجرد دعواها لجاءت إليه غدا و ادعت لزوجها الخلافة و زحزحته عن مقامه، و لم يكن يمكنه حينئذ الاعتذار بشي‏ء لأنه يكون سجّل على نفسه بأنها صادقة فيما تدعي كائنا ما كان، من غير حاجة إلى بينة و لا شهود.

المصادر:

1. اعلموا أني فاطمة: ج 9 ص 258.

2. شرح نهج البلاغة لا بن أبي الحديد: ج 16 ص 284، شطرا من ذيله.

46

المتن:

قال النباطي البياضي في تكميل بحث فدك:

قال المرتضى: إن قيل: لو ورثت الأنبياء الأموال لتطرّق إلى أهلهم تمنّي موتهم و هو كفر، فنزّه اللّه أهل الأنبياء عن ذلك، قلنا: جعل متروكاتهم صدقة، فيه تمنّى جميع المسلمين موتهم، و لو لزم من الإرث تمني الموت لزم عقوق الوالدين و سري ذلك في الأولياء.

إن قيل: قد نهيت الأمم عن تمنّي موتهم، قلنا: و كذلك لحكم في أهلهم على أن اللّه أقدر الخلق على أنواع المعافي و لم يكن ذلك منه تعريضا لهذه القبائح، فيكف يكون‏

249

في ميراثهم تعريضا لتمنّي موتهم، و أيضا فالحكم بإرثهم مع نهي أهلهم عن تمنّي موتهم بمنزلة جليلة من التكليف لما فيه من مخالفة الهوى فيستحقّون جزيل الثواب، فكيف ينزهون عما هو إحسان إليهم.

المصادر:

الصراط المستقيم: ج 2 ص 291.

47

المتن:

قال النباطي البياضي في تكميل بحث فدك:

... قال الجبائي لا عفى اللّه عنه: طلبت فاطمة (عليها السلام) حقا و رجعت بحق، قلنا: كيف ذلك، فقد زعمتم أن من ظلم خردلة مخلّد في النار؛ فكيف من ظلم بنت نبيكم (عليها السلام)؟ قالوا: جاءت تطلب خادما من أبيها فلم يعطها و علّمها التسبيح المشهور بها، فكيف يعطيها أبو بكر فدكا بمجرد طلبها؟ قلنا: طلب الخادم نافلة من أبيها و طلب فدك بمستحقها فلا يقاس عليها، و لو منعها ذلك استهانة بها لوجب منعها من جميع حقوقها و لم يتجرّأ مسلم بذلك عليها، و أي عوض جعله الشيخ لها عند منعها كما جعله أبوها، إذ ناهيك شرفا و فضلا مشاركتها إلى القيامة من ثواب من أتى بتسبيحها.

قالوا: قلتم: إنما منعها كيلا ينتفع بها بعلها؛ كيف ذلك و قد أعطوه من غنيمة عساكرهم قطعة من بساط كسرى باعها بعشرين ألفا؟ قلنا: ظاهر منعها عدم انتفاع أهل البيت (عليهم السلام) بها لتمالئهم عليها و انحرافهم عنها و عن أهلها و إقطاع ذلك مروان دونها مع كونه عدوا لأبيها و كان الواجب صلتها بها، و إن يكن ملكا تقرّبا إلى أبيها و ربها.

و إعطاء البساط- إن صحّ- لم يناف ما قلناه لكونه حقه، إذ الأمر و الإمارة له، و لو أمكن منعه لشبهة لفعلوها كغيرها، إذ كل الأمور لا يمكن التلبيس فيها، و العساكر للإسلام لا لأولئك اللئام؛ و قد أخرج البخاري قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «إن اللّه ينتصر لهذا الدين بالرجل الفاجر».

250

قالوا: قلتم: غضبت لذلك عليهما و دفنت ليلا لئلا يصلّيا عليها لتمنعهما غفران ذنبيهما، كيف نسبتم إلى علي (عليه السلام) ذلك و فيه منع الدعاء لها بالصلاة عليها و منع غفران ذنوب الصحابة بتركها، و هل يكون عليا (عليه السلام) إلا منّاعا للخير عنهم و عنها؟

قلنا: أما غضبها فقد صار من الأوليات لما جاء من الخائنين في الروايات، فقد أخرج في جامع الأصول و حكاه عن مسلم و البخاري عن عائشة مجيئها تلتمس أرضها و ميراثها، فردّها أبو بكر بلا نورّث، و هجرته حتى ماتت و دفنها علي (عليه السلام) ليلا و لم يؤذنه بها، و في بعض الطرق أنه عتب فقال: بذلك أمرتني، على أنه لا حجة في دفنها ليلا لدفن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و ابن عمر و غيرهما ليلا.

و قد أسند عيسى بن مهران إلى ابن عباس أنها أوصت أن لا يعلمها بدفنها و لا يصلّيان عليها؛ رواه الواقدي و غيره، و هذا و نحوه دليل غضبها عليهما.

المصادر:

الصراط المستقيم للبياضي: ج 2 ص 291.

48

المتن:

قال الأميني في شواهد أن أبا بكر أرحم الأمة و النظر فيه و الجواب عنه:

... و هاهنا لا نناقش متن الرواية في الأوصاف التي حابت القوم بها، فلعل فيها ما هو مدعوم بالبرهنة.

فيشهد على كون أبي بكر أرحم الأمة إحراقه الفجاءة! و غضه الطرف عن وقيعة خالد بن الوليد في بني حنيفة و خزايته مع مالك بن نويرة و زوجته! و عدم اكتراثه لأمر الصديقة فاطمة (عليها السلام) في دعواها، و كانت له مندوحة عن مجابهتها باسترضاء المسلمين و استنزال كل منهم عن حصته من فدك؛ إن غاضينا القوم على الفتوى الباطلة و الرواية المكذوبة في انقطاع إرث النبوة خلافا لآيات المواريث المطلقة و إرث الأنبياء خاصة.

251

على أن فاطمة و ابن عمها (عليهما السلام) ما كانا يجهلان بما تفرّد بنقله أبو بكر و صافقته على قوله سما سرته من الساسة لأمر دبّر بليل، و أمير المؤمنين (عليه السلام) أقضى الأمة و باب مدينة علم النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و الصديقة فاطمة (عليها السلام) بضعته، و ما كان يشحّ (صلّى اللّه عليه و آله) عليها من إفاضته العلم، و لا سيما علم الأحكام و على الأخص ما يتعلق بها. و هو (صلّى اللّه عليه و آله) يعلم أنها سوف تقيم الدعوى على صحابته المتغلّبين على فدك، و أنها ستمنع عنها و يحتدم بينها و بينهم الشجار و يستتبع ذلك انشقاقا بين الأمة إلى يوم القيامة؛ فمن مزدلفة إلى بضعة النبوة و من جانحة إلى من منعها عن حقها؛ فكان من الواجب أن يسبق (صلّى اللّه عليه و آله) إلى ابنته بتفصيل حكم هذا شأنه قبل أبي بكر.

أ لم تكن لأبي بكر مندوحة تصحّح إقطاع فاطمة (عليها السلام) فدكا و ردّها إليها حتى لا يفتح باب السوءة على الأمة، كما ردّها عمر إلى ورثة النبي الأقدس (صلّى اللّه عليه و آله)، و أقطعها عثمان مروان، و أقطعها معاوية مروان و عمرو بن عثمان و يزيد بن معاوية على الأثلاث، إلى ما رأى فيها الخلفاء بعدهم من التصرف كتصرف الملّاك في أملاكهم.

سل عن صفة أبي بكر؛ هذه صفة فاطمة (عليها السلام)، و هي صديقة يوم خرجت خدرها و هي تبكي و تنادي بأعلى صوتها: يا أبت يا رسول اللّه! ما ذا لقينا بعدك من ابن الخطاب و ابن أبي قحافة.

و سلها عنها يوم لاثت خمارها على رأسها و اشتملت بجلبابها و أقبلت في لمّة من حفدتها و نساء قومها تطأ ذيولها، ما تخرم مشيتها مشية رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، حتى دخلت على أبي بكر و هو في حشد من المهاجرين و الأنصار و غيرهم. فنيطت دونها ملاءة، ثم أنّت أنّة أجهش لها القوم بالبكاء و ارتجّ المجلس.

و سل عنها يوم قالت لأبي بكر: و اللّه لأدعونّ عليك بعد كل صلاة أصلّيها.

و سل عنها يوم ماتت و هي واجدة على أبي بكر، و هي التي طهّرها الجليل بآية التطهير، و صحّ عن أبيها قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «فاطمة (عليها السلام) بضعة مني فمن أغضبها أغضبني و يؤذيني ما آذاها و يغضبني ما أغضبها». و قوله: «فاطمة قلبي و روحي التي بين جنبيّ، فمن آذاها فقد آذاني»، و قوله: «إن اللّه يغضب لغضب فاطمة (عليها السلام) و يرضى لرضاها».

252

المصادر:

الغدير: ج 9 ص 386.

49

المتن:

قال عبد الفتاح عبد المقصود في ذكر فدك:

... فلقد بعث إليهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أن يسلّموا برسالته، فيكون لهم و عليهم ما للمسلمين و على المسلمين. أو أن يسلّموا إليه ما يملكون و لهم دينهم الذي يدينون فيمنحهم السلام؛ فأبى كفرانهم عليهم الأولى.

و صالحوه على شرطه الأخير و رفع عنهم السيف، و غدت له أرضهم نصفها يزرعونه له و نصفها الثاني يزرعونه لأنفسهم. فيبقى تحت أيديهم يستثمرونه، إلا أن يرى النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فيهم رأيا فيجليهم عن القرية جميعا حين يريد و يعوّضهم عن نصيبهم المقسوم لقاء الجلاء.

و هكذا صارت خيبر للمسلمين كافة إذ انتزعوها من أصحابها بقوة السلاح، و صارت فدك خالصة لمحمد (صلّى اللّه عليه و آله)، لأنه احتازها سلما و لم يجلب عليها المسلمون بخيل و لا ركاب؛ فتلك شرعة اللّه.

... فما أن انتقل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إلى الرفيق الأعلى في غضون ما دون أربعة أعوام من ذلك النصر، حتى استولى الخليفة الأول أبو بكر على فدك، و ضمّها إلى مال المسلمين، و راجعته فاطمة (عليها السلام) في الأمر، و هل كانت فدك من المال العام أم كانت خالصة للرسول (صلّى اللّه عليه و آله) من دون الناس؟! يقول اللّه: «ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى‏ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ ...» (1)، فما أوجف عليه المسلمون بل صالح أهلها عليها الرسول (صلّى اللّه عليه و آله).

____________

(1). سورة الحشر: الآية 6.