الموسوعة الكبرى عن فاطمة الزهراء(ع) - ج12

- إسماعيل الأنصاري الزنجاني المزيد...
320 /
303

و المسألة في اختيار اللّه تعالى أحدا من عباده نبيا، و العلم موقوف على من يتعرّض له و يتعلّمه.

على أن زكريا إنما سأل وليا من ولده يحجب مواليه- كما هو صريح الآية- من بني عمه و عصبته من الميراث، و ذلك لا يليق إلا بالمال، و لا معنى لحجب الموالى عن النبوة و العلم.

ثم إن اشتراطه في وليه الوارث كونه رضيا بقوله: و اجعله رب رضيا لا يليق بالنبوة، إذ العصمة و القداسة في النفسيات و الملكات لا تفارق الأنبياء؛ فلا محصل عندئذ لمسألته ذلك. نعم، يتمّ هذا في المال و من يرثه، فإن وارثه قد يكون رضيا و قد لا يكون.

و أما كون الحكم من خاصة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فالقول به يستلزم تخصيص عموم آي الإرث، مثل قوله تعالى: «يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ» (1)، و قوله سبحانه: «وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ» (2)، و قوله العزيز: «إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ». (3)

و لا يسوغ تخصيص الكتاب إلا بدليل ثابت مقطوع عليه لا بالخبر الواحد الذي لم يصحّ الأخذ بعموم ظاهره، لمخالفته ما ثبت من سيرة الأنبياء الماضين؛ صلوات اللّه على نبينا و آله و عليهم.

لا بالخبر الواحد الذي لم يخبت إليه صديقة الأمة و صديقها (عليها السلام) الذي ورث علم نبيها الأقدس (صلّى اللّه عليه و آله)، و عدّه المولى سبحانه في الكتاب نفسا لنبيه (صلّى اللّه عليه و آله).

لا بالخبر الواحد الذي لا ينبأ عنه قط خبير من الأمة و في مقدمها العترة الطاهرة (عليهم السلام) و قد اختصّ الحكم بهم، و هم الذين زحزحوا به عن حكم الكتاب و السنة الشريفة و حرّموا من وراثة أبيهم الطاهر، و كان حقا عليه (صلّى اللّه عليه و آله) أن يخبرهم بذلك و لا يؤخّر بيانه عن‏

____________

(1). سورة النساء: الآية 11.

(2). سورة الأنفال: الآية 75.

(3). سورة البقرة: الآية 180.

304

وقت حاجتهم و لا يكتمه في نفسه عن كل أهله و ذويه و صاحبته و أمته، إلى آخر نفس لفظه.

لا بالخبر الواحد الذي جرّ على الأمة كل هذه المحن و الإحن و فتح عليها باب العداء المحتدم بمصراعيه و أجّج فيها نيران البغضاء و الشحناء في قرونها الخالية و شقّ عصا المسلمين من أول يومهم و أقلق من بينهم السلام و الوئام و توحيد الكلمة؛ جزى اللّه محدّثه عن الأمة خيرا!

ثم إن كان أبو بكر على ثقة من حديثه، فلم ناقضه بكتاب كتبه لفاطمة الصديقة (عليها السلام) بفدك؟ غير أن عمر بن الخطاب دخل عليه فقال: ما هذا؟ فقال: كتاب كتبته لفاطمة بميراثها من أبيها. فقال: مما ذا تنفق على المسلمين و قد حاربتك العرب كما ترى؟ ثم أخذ عمر الكتاب فشقّه؛ ذكره سبط ابن الجوزي، كما في السيرة الحلبية 3: 391.

و إن كان صحّ الخبر و كان الخليفة مصدّقا فيما جاء به، فما تلكم الآراء المتضاربة بعد الخليفة؟ و إليك شطرا منها:

1. لما ولّى عمر بن الخطاب الخلافة، ردّ فدكا إلى ورثة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فكان علي بن أبي طالب (عليه السلام) و العباس بن عبد المطلب يتنازعان فيها؛ فكان علي يقول: إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) جعلها في حياته لفاطمة (عليها السلام)، و كان العباس يأبى ذلك و يقول: هي ملك رسول اللّه و أنا وارثه. فكانا يتخاصمان إلى عمر، فيأبى أن يحكم بينهما و يقول: أنتما أعرف بشأنكما، أما أنا فقد سلّمتها إليكما. (1)

لفت نظر

____________

(1). راجع: صحيح البخاري: كتاب الجهاد و السير باب فرض الخمس ج 5 ص 3- 10. صحيح مسلم: كتاب الجهاد و السير باب حكم الفي‏ء. الأموال لأبي عبيد: ص 11، ذكر حديث البخاري و بتره. السنن الكبرى للبيهقي: ج 6 ص 299. معجم البلدان: ج 6 ص 343. تفسير ابن كثير: ج 4 ص 335. تاريخ ابن كثير: ج 5 ص 288. تاج العروس، ج 7 ص 166.

305

نحن لا نناقش فيما نجده من المخازي في أحاديث الباب، كأصل التنازع المزعوم بين علي (عليه السلام) و العباس، و ما جاء في لفظ مسلم في صحيحه من قول العباس لعمر: يا أمير المؤمنين! اقض بيني و بين هذا الكاذب الآثم الغادر الخائن.

أ هكذا كان العباس يقذف سيد العترة الطاهر المطهر (عليه السلام) بهذا السباب المقذع؟! و بين يديه آية التطهير و غيرها مما نزّل في علي أمير المؤمنين (عليه السلام) في آي الكتاب العزيز. فما العباس و ما خطره عندئذ؟ و بما ذا يحكم عليه أخذا بقول النبي الطاهر (صلّى اللّه عليه و آله): «من سبّ عليا (عليه السلام) فقد سبّني، و من سبّني فقد سبّ اللّه، و من سبّ اللّه كبه اللّه على منخريه في النار»؟

لا ها اللّه!

نحن نحاشي العباس عن هذه النسب المخزية، و نرى القوم راقهم سبّ مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام)؛ فنحتوا هذه الأحاديث و جعلوها للنيل منه قنطرة و معذرة، و اللّه يعلم ما تكنّ صدورها و ما يعلنون، و إلى اللّه المشتكى.

2. قطع مروان بن الحكم فدكا في أيام عثمان بن عفان‏ (1)، و ما كان إلا بأمر من الخليفة.

3. لما ولّي معاوية بن أبي سفيان الأمر أقطع مروان بن الحكم ثلث الفدك و أقطع عمرو بن عثمان بن عفان ثلثها و أقطع يزيد بن معاوية ثلثها، و ذلك بعد موت الحسن بن علي (عليه السلام). فلم يزالوا يتداولونها حتى خلّصت لمروان بن الحكم أيام خلافته، فوهبها لعبد العزيز ابنه، فوهبها عبد العزيز لابنه عمر بن عبد العزيز.

4. و لما ولّي عمر بن عبد العزيز الخلافة خطب فقال: إن فدك كانت مما أفاء اللّه على رسوله و لم يوجف المسلمون عليه بخيل و لا ركاب. فسألته إياها فاطمة، فقال: ما كان لك أن تسأليني و كان لي أن أعطيك. فكان يضع ما يأتيه منها في أبناء السبيل. ثم ولّي أبو بكر و عمر و عثمان و علي، فوضعوا ذلك بحيث وضعه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). ثم ولّي معاوية فأقطعها مروان بن الحكم، فوهبها مروان لأبي و لعبد الملك، فصارت لي و للوليد

____________

(1). كما في سنن البيهقي: ج 6 ص 301.

306

و سليمان. فلما ولّي الوليد سألته حصته منها فوهبها لي، و سألت سليمان حصته منها فوهبها لي فاستجمعتها، و ما كان لي من مال أحب إليّ منها. فاشهدوا أني قد رددتها إلى ما كانت عليه.

5. فكانت فدك بيد أولاد فاطمة (عليها السلام) مدة ولاية عمر بن عبد العزيز. فلما ولّي يزيد بن عبد الملك قبضها منهم، فصارت في أيدي بني مروان، كما كانت يتداولونها حتى انتقلت الخلافة عنهم.

6. و لما ولّي أبو العباس السفاح ردّها على عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن علي أمير المؤمنين.

7. ثم لما ولّي أبو جعفر المنصور قبضها من بني حسن.

8. ثم ردّها المهدي بن المنصور على ولد فاطمة (عليها السلام).

9. ثم قبضها موسى بن المهدي و أخوه من أيدي بني فاطمة، فلم تزل في أيديهم حتى ولّي المأمون.

10. ردّها المأمون على الفاطميين سنة 210 و كتب بذلك إلى قثم بن جعفر عامله علي المدينة:

أما بعد، فإن أمير المؤمنين بمكانه من دين اللّه و خلافة رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) و القرابة به أولى من استنّ بسنته و نفّذ أمره و سلّم لمن منحه منحة و تصدّق عليه بصدقة منحته و صدقته، و باللّه توفيق أمير المؤمنين و عصمته، و إليه في العمل بما يقرّبه إليه رغبته. و قد كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أعطى فاطمة بنت رسول اللّه (عليها السلام) فدكا و تصدّق بها عليها، و كان ذلك أمرا ظاهرا معروفا لا اختلاف فيه بين آل رسول اللّه (عليهم السلام). و لم تزل تدعي منه ما هو أولى به من صدّق عليه.

فرأى أمير المؤمنين أن يردّها إلى ورثتها و يسلّمها إليهم تقرّبا إلى اللّه تعالى بإقامة حقه و عدله، و إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بتنفيذ أمره و صدقته. فأمر بإثبات ذلك في دواوينه‏

307

و الكتاب إلى عماله؛ فلئن كان ينادي في كل موسم بعد أن قبض نبيه (صلّى اللّه عليه و آله) أن يذكر كل من كانت له صدقة أو هبة أو عدة ذلك فيقبل قوله و تنفذ عدته؛ إن فاطمة (عليها السلام) لأولى بأن يصدّق قولها فيما جعل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لها.

و قد كتب أمير المؤمنين إلى المبارك الطبري مولى أمير المؤمنين، يأمره بردّ فدك على ورثة فاطمة بنت رسول اللّه (عليها السلام) بحدودها و جميع حقوقها المنسوبة إليها و ما فيها من الرقيق و الغلات و غير ذلك، و تسليمها إلى محمد بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب و محمد بن عبد اللّه بن الحسن بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، لتولية أمير المؤمنين إياهما القيام بها لأهلها.

فاعلم ذلك من رأي أمير المؤمنين و ما ألهمه اللّه من طاعته و وفّقه له من التقرب إليه و إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أعلمه من قبلك، و عامل محمد بن يحيى و محمد بن عبد اللّه بما كنت تعامل به المبارك الطبري و أعنهما على ما فيه عمارتها و مصلحتها و وفور غلاتها إن شاء اللّه، و السلام.

و كتب يوم الأربعاء لليلتين خلتا من ذي القعدة، سنة 210 ه.

11. و لما استخلف المتوكل على اللّه، أمر بردّها إلى ما كانت عليه قبل المأمون. (1)

كل هذه تضادّ، ما جاء به الخليفة من خبره الشاذّ عن الكتاب و السنة. فأنّى لا بن حجر و من لفّ لفّه أن يعدّه من الأدلة الواضحة على علمه، و هذا شأنه. «فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً»؟! (2)

____________

(1). راجع: فتوح البلدان للبلاذري: ص 39- 41. تاريخ اليعقوبي: ج 3 ص 48. العقد الفريد: ج 2 ص 323.

معجم البلدان: ج 6 ص 344. تاريخ ابن كثير: ج 9 ص 200، و له هناك تحريف دعته إليه شنشنة أعرفها من أخزم. شرح ابن أبي الحديد: ج 4 ص 103. تاريخ الخلفاء للسيوطي: ص 154. جمهرة رسائل العرب:

ج 3 ص 510. أعلام النساء ج 3 ص 1211.

(2). سورة النساء: الآية 78.

308

المصادر:

1. الغدير: ج 7 ص 191.

2. عوالم العلوم: ج 6 ص 411، شطرا منها، عن فتوح البلدان.

3. فتوح البلدان، شطرا منه، على ما في العوالم.

4. الأوائل للتستري: ص 121، بتفاوت فيه.

92

المتن:

قصيدة الخليعي في فدك و محنة فاطمة (عليها السلام):

لم أبك ربعا للأحبة قد خلا * * * و عفا و غيّره الجديد و أمحلا

لكن بكيت لفاطم و لمنعها * * * فدكا و قد أتت الخئون الأوّلا

إذ طالبته بإرثها فروى لها * * * خبرا ينافي المحكم المنزلا

لهفي لها و جفونها قرحى‏ * * * و قد حملت من الأحزان عبأ مثقلا

و قد اغتدت منفيّة و حميّها * * * متطيّرا ببكائها متثقّلا

تخفي تفجّعها و تخفض صوتها * * * و تظلّ نادبة أباها المرسلا

تبكي على تكدير دهر ما صفا * * * من بعده و قرير عيش ما حلا

...

لم أنسها إذ أقبلت في نسوة * * * من قومها تروي مدامعها الملأ

و تنفّست صعدا و نادت أيها * * * الأنصار يا أهل الحماية و الكلا

أ ترون يا نجب الرجال و أنتم‏ * * * أنصارنا و حماتنا أن نخذلا

ما لي و لدعيّ تيم ادّعى‏ * * * إرثي و ضلّ مكذّبا و مبدّلا

أ عليه قد نزل الكتاب مبينا * * * حكم الفرائض أم علينا نزّلا

أم خصّه المبعوث منه بعلم ما * * * أخفاه عنا كي نضلّ و نجهلا

أم أنزلت آي بمنعى إرثه‏ * * * قد كان يخفيها النبي إذا تلا

309

أم كان في حكم النبي و شرعه‏ * * * نقص فتمّمه الغوي و كمّلا

أم كان ديني غير دين أبي فلا * * * ميراث لي منه و ليس له و لا

قوموا بنصري إنها لغنيمة * * * لمن اغتدى لي ناصرا متكفلا

و استعطفوه و خوّفوه و أشهدوا * * * ذلي له و جفاه لي بين الملأ

إن لجّ في سخطي فقد عدم الرضى‏ * * * من ذي الجلال و للعقاب تعجّلا

أو دام في طغيانه فقد اقتنى‏ * * * لعنا على مرّ الزمان مطوّلا

أين المودة و القرابة يا ذوي‏ * * * الإيمان ما هذا القطيعة و القلى‏

أ فهل عسيتم إن تولّيتم بأن‏ * * * تمضوا على سنن الجبابرة الأولى‏

و تنكبوا نهج السبيل يقطع ما * * * أمر الإله عباده أن توصلا

و لقد أزالكم الهوى و أحلّكم‏ * * * دار البوار من الجحيم و أدخلا

...

و لإن بقيت لأنظمنّ قلائدا * * * ينسي ترصّعها النظام الأولا

شهد الإله بأنني متبرّئ‏ * * * من حبتر و من الدلام و نعثلا (1)

و براءة الخلعي من عصب الخنا * * * تنبئ عن أن البرا أصل الولا

المصادر:

ناسخ التواريخ: مجلدات سيد الشهداء (عليه السلام) ج 4 ص 166.

93

المتن:

عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال:

لما قبض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و جلس أبو بكر مجلسه، بعث إلى وكيل فاطمة (عليها السلام) فأخرجه من فدك. فأتته فاطمة (عليها السلام) فقالت: يا أبا بكر! ادعيت أنك خليفة أبي و جلست مجلسه و أنت‏

____________

(1). مقصود الخليعي من هذا الثلاث الخلفاء الثلاثة، أبو بكر و عمر و عثمان.

310

بعثت إلى وكيلي فأخرجته من فدك، و قد تعلم أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) صدّق بها علي (عليه السلام)، و إن لي بذلك شهودا. فقال: إن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لا يورّث.

فرجعت إلى علي (عليه السلام) فأخبرته، فقال: ارجعي إليه و قولي له: زعمت أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لا يورّث؛ «وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ» (1) و ورث يحيى زكريا، و كيف لا أرث أنا أبي؟! فقال عمر: أنت معلّمة. قالت: و إن كنت معلّمة فإنما علّمني ابن عمي و بعلي (عليه السلام). فقال أبو بكر:

فإن عائشة تشهد و عمر أنهما سمعا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و هو يقول: النبي لا يورّث.

فقالت: هذا أول شهادة زور شهدا بها، و إن لي بذلك شهودا بها في الإسلام، ثم قالت:

فإن فدك إنما هي صدّق بها عليّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و لي بذلك بينة. فقال لها: هلمّي ببيّنتك.

قال: فجاءت بأم أيمن و علي (عليه السلام). فقال أبو بكر: يا أم أيمن! إنك سمعت من رسول اللّه يقول في فاطمة؟ فقالت: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: «إن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة».

ثم قالت أم أيمن: فمن كانت سيدة نساء أهل الجنة تدّعي ما ليس لها؟! و أنا امرأة من أهل الجنة، ما كنت لأشهد بما لم أكن سمعت من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). فقال عمر: دعينا يا أم أيمن من هذه القصص، بأيّ شي‏ء تشهدين؟

فقالت: كنت جالسة في بيت فاطمة (عليها السلام) و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) جالس حتى نزل عليه جبرئيل فقال: يا محمد! قم فإن اللّه تبارك و تعالى أمرني أن أخطّ لك فدكا بجناحي. فقام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) مع جبرئيل، فما لبث أن رجع. فقالت فاطمة (عليها السلام): يا أبة! أين ذهبت؟ فقال:

خطّ جبرئيل لي فدكا بجناحه و حدّ لي حدودها. فقالت: يا أبة! إني أخاف العيلة و الحاجة من بعدك، فصدّق بها عليّ. فقال: هي صدقة عليك. فقبضتها قالت: نعم. فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): يا أم أيمن! اشهدي و يا علي اشهد.

فقال عمر: أنت امرأة و لا نجيز شهادة امرأة وحدها، و أما علي (عليه السلام) فيجرّ إلى نفسه. قال:

فقامت مغضبة و قالت: اللهم إنهما ظلما ابنة نبيك حقها؛ فاشدد وطأتك عليهما.

____________

(1). سورة النمل: الآية 16.

311

ثم خرجت و حملها علي (عليه السلام) على أتان عليه كساء له خمل. فدار بها أربعين صباحا في بيوت المهاجرين و الأنصار و الحسن و الحسين (عليهما السلام) معها، و هي تقول: يا معشر المهاجرين و الأنصار! انصروا اللّه و ابنة نبيكم، و قد بايعتم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يوم بايعتموه أن تمنعوه و ذريته مما تمنعون منه أنفسكم و ذراريكم؛ ففوا لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ببيعتكم. قال: فما أعانها أحد و لا أجابها و لا نصرها.

قال: فانتهت إلى معاذ بن جبل فقالت: يا معاذ بن جبل! إني قد جئتك مستنصرة، و قد بايعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) على أن تنصره و ذريته و تمنع مما تمنع منه نفسك و ذريتك، و إن أبا بكر قد غصبني على فدك و أخرج وكيلي منها. قال: فمعي غيري؟ قالت: لا، ما أجابني أحد. قال: فأين أبلغ أنا من نصرك؟

قال: فخرجت من عنده و دخل ابنه، فقال: ما جاء بابنة محمد (عليها السلام) إليك؟ قال: جاءت تطلب نصرتي على أبي بكر، فإنه أخذ منها فدكا. قال: فما أجبتها به؟ قال: قلت: و ما يبلغ من نصرتي أنا وحدي. قال: فأبيت أن تنصرها؟ قال: نعم. قال: فأيّ شي‏ء قالت لك؟ قال:

قالت لي: و اللّه لا نازعتك الفصيح من رأسي حتى أرد على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). قال: فقال: أنا و اللّه لا نازعتك الفصيح من رأسي حتى أرد على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، إذ لم تجب ابنة محمد (عليها السلام).

قال: و خرجت فاطمة (عليها السلام) من عنده و هي تقول: و اللّه لا أكلّمك كلمة حتى أجتمع أنا و أنت عند رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، ثم انصرفت.

فقال علي (عليه السلام) لها: ائتي أبا بكر وحده فإنه أرقّ من الآخر و قولي له: ادعيت مجلس أبي و إنك خليفته و جلست مجلسه، و لو كانت فدك لك ثم استوهبتها منك لوجب ردّها عليّ. فلما أتته و قالت له ذلك، قال: صدقت. قال: فدعا بكتاب فكتبه لها بردّ فدك.

فخرجت و الكتاب معها، فلقيها عمر فقال: يا بنت محمد! ما هذا الكتاب الذي معك؟ فقالت: كتاب كتب لي أبو بكر برد فدك. فقال: هلمّيه إليّ، فأبت أن تدفعه إليه.

فرفسها برجله- و كانت (عليها السلام) حاملة بابن اسمه المحسن- فأسقطت المحسن من بطنها، ثم لطمها، فكأني أنظر إلى قرط في أذنها حين نقف، ثم أخذ الكتاب فخرقه.

312

فمضت و مكثت خمسة و سبعين يوما مريضة مما ضربها عمر، ثم قبضت.

فلما حضرتها الوفاة، دعت فقالت: إما تضمن و إلا أوصيت إلى ابن الزبير. فقال علي (صلّى اللّه عليه و آله): أنا أضمن وصيتك يا بنت محمد. قالت: سألتك بحق رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إذا أنا متّ أن لا يشهداني و لا يصلّيا عليّ. قال: فلك ذلك. فلما قبضت (عليها السلام)، دفنها ليلا في بيتها.

و أصبح أهل المدينة يريدون حضور جنازتها، و أبو بكر و عمر كذلك. فخرج إليهما علي (عليه السلام)، فقالا له: ما فعلت بابنة محمد؟ أخذت في جهازها يا أبا الحسن؟! فقال علي (عليه السلام):

قد و اللّه دفنتها. قالا: فما حملك على أن دفنتها و لم تعلمنا بموتها؟ قال: هي أمرتني.

فقال عمر: و اللّه لقد هممت بنبشها و الصلاة عليها. فقال علي (عليه السلام): أما و اللّه ما دام قلبي بين جوانحي و ذو الفقار في يدي فإنك لا تصل إلى نبشها، فأنت أعلم. فقال أبو بكر: اذهب فإنه أحق بها منا، و انصرف الناس.

المصادر:

1. بحار الأنوار: ج 29 ص 189 ح 39، عن الاختصاص.

2. الاختصاص: ص 183.

3. عوالم العلوم: ج 11 ص 647 ح 2، عن الاختصاص.

4. اعلموا أني فاطمة: ج 3 ص 647.

الأسانيد:

في الاختصاص: أبو محمد، عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال.

94

المتن:

لبعض علمائنا الأخيار، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال:

313

دخلت فاطمة بنت محمد (عليها السلام) على أبي بكر فسألته فدكا، قال: النبي لا يورّث. فقالت:

قد قال اللّه تعالى: «وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ». (1) فلما حاجّته، أمر أن يكتب لها و شهد علي بن أبي طالب (عليه السلام) و أم أيمن.

قال: فخرجت فاطمة (عليها السلام)، فاستقبلها عمر فقال: من أين جئت يا بنت رسول اللّه؟

قالت: من عند أبي بكر من شأن فدك، قد كتب لي بها. فقال عمر: هاتي الكتاب، فأعطته.

فبصق فيه و محاه، عجّل اللّه جزاه. فاستقبلها علي (عليه السلام) فقال: ما لك يا بنت رسول اللّه غضبى؟! فذكرت له ما صنع عمر، فقال: ما ركبوا مني و من أبيك أعظم من هذا.

فمرضت، فجاءا يعودانها فلم تأذن لهما. فجاءا ثانية من الغد، فأقسم عليها أمير المؤمنين (عليه السلام) فأذنت لهما. فدخلا عليها فسلّما، فردّت ضعيفا. ثم قالت لهما:

سألتكما باللّه الذي لا إله إلا هو، أسمعتما يقول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في حقي: «من آذى فاطمة فقد آذاني و من آذاني فقد آذى اللّه»؟ قالا: اللهم نعم. قالا: فأشهد أنكما قد آذيتماني.

المصادر:

1. بحار الأنوار: ج 29 ص 157 ج 32، عن مصباح الأنوار.

2. مصباح الأنوار: ص 246، على ما في البحار.

3. عوالم العلوم: ج 11 ص 631 ح 21، عن المصباح.

95

المتن:

قال الشيخ مرتضى الأنصاري في تقدم اليد على الاستصحاب مستشهدا بقضية فدك و استدلال سيدتنا فاطمة (عليها السلام) باليد، مع أنها (عليها السلام) كانت مدّعية لاستصحاب ملكها بهبة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله):

____________

(1). سورة النمل: الآية 16.

314

... بل يظهر مما ورد في محاجّة علي (عليه السلام) مع أبي بكر في أمر فدك المرويّة في الاحتجاج، أنه لم يقدح في تشبّث فاطمة (عليها السلام) باليد دعواها تلقّى الملك من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، مع أنه قد يقال: أنها حينئذ صارت مدعية لا تنفعها اليد.

المصادر:

فرائد الأصول للشيخ الأنصاري: ص 409.

96

المتن:

قال السيد الأجل المرتضى:

أما قول أبي علي‏ (1): و كيف يجوز ذلك مع الخبر الذي رواه ...، فما نراه زاد على التعجب و مما عجب منه عجبنا! و لم نثبت عصمة أبي بكر فتنفي عن أفعاله التناقض.

و قوله: و يجوز أن يكون رأي الصلاح في أن يكون ذلك في يده لما فيه من تقوية الدين، أو أن يكون النبي (صلّى اللّه عليه و آله) نحله.

فكل ما ذكره جائز، إلا أنه قد كان يجب أن يظهر أسباب النحلة و الشهادة بها و الحجة عليها، و لم يظهر شي‏ء من ذلك فنعرفه.

و من العجائب أن تدعي فاطمة (عليها السلام) فدك نحلة و تستشهد على قولها أمير المؤمنين (عليه السلام) و غيره، فلا يصغى إليها و إلى قولها و يترك السيف و البغلة و العمامة في يد أمير المؤمنين (عليه السلام) على سبيل النحلة بغير بينة ظهرت و لا شهادة قامت، على أنه كان يجب على أبي بكر أن يبيّن ذلك و يذكر وجهه بعينه، أيّ شي‏ء كان لمّا نازع العباس فيه.

فلا وقت لذكر الوجه في ذلك أولى من هذا الوقت.

____________

(1). و هو أن دفع أبي بكر سهم علي (عليه السلام) من خيبر لم يثبت أنه كان من الإرث.

315

و القول في البردة و القضيب- إن كان نحلة أو على الوجه الآخر- يجري مجرى ما ذكرناه في وجوب الظهر و الاستشهاد، و لسنا نرى أصحابنا يطالبون نفوسهم في هذا الموضع بما يطالبونا بمثله إذا ادعينا وجوها و أسبابا و عللا مجوّزة، لأنهم لا يقنعون منا بما يجوز و يمكن، بل يوجبون فيما ندّعيه الظهور و الاشتهار، و إذا كان ذلك عليهم نسوه أو تناسوه.

فأما قوله: إن أزواج النبي (صلّى اللّه عليه و آله) إنما طلبن الميراث لأنهن لم يعرفن رواية أبي بكر للخبر، و كذلك إنما نازع العباس أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد موت فاطمة (عليها السلام) في الميراث لهذا الوجه؛ فمن أقبح ما يقال في هذا الباب و أبعده من الصواب.

و كيف لا يعرف أمير المؤمنين (عليه السلام) رواية أبي بكر و بها دفعت زوجته عن الميراث، و هل مثل ذلك المقام قامته؟

و ما رواه أبو بكر في دفعها يخفى على من هو في أقاصي البلاد، فضلا عمن هو في المدينة شاهدا حاضرا يعتني بالأخبار و يراعيها! إن هذا الخروج في المكابرة عن الحد.

و كيف يخفى على الأزواج ذلك حتى يطلبنه مرة بعد أخرى، و يكون عثمان المترسّل لهن و المطالب عنهن؟ و عثمان- على زعمهم- أحد من شهد أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لا يورّث، و قد سمعن- على كل حال- أن بنت النبي (عليها السلام) لم تورث ماله. و لا بد أن يكنّ سألن عن السبب في دفعها، فذكر لهن الخبر؛ فكيف يقال: إنهن لن يعرفنه؟

و الإكثار في هذا الموضع يوهم أنه موضع شبهة، و ليس كذلك. انتهى كلامه، رفع مقامه.

المصادر:

بحار الأنوار: ج 29 ص 73.

316

97

المتن:

قال الإربلي:

روى الحميدي في الجمع بين الصحيحين في الجزء السادس عن عمر، عن أبي بكر المسند منه فقط، و هو: لا نورّث ما تركنا صدقة.

لمسلم من رواية جويرية بن أسماء، عن مالك و عن عائشة بطوله: أن فاطمة (عليها السلام) سألت أبا بكر أن يقسّم لها ميراثها، و في رواية أخرى: أن فاطمة (عليها السلام) و العباس أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و هما حينئذ يطلبان أرضه من فدك و سهمه من خيبر.

فقال أبو بكر: إني سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: لا نورّث ما تركنا صدقة؛ إنما يأكل آل محمد من هذا المال، و إني و اللّه لا أدع أمرا رأيت رسول اللّه يصنعه فيه إلا صنعته. زاد في رواية صالح بن كيسان: إني أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ،

قال: فأما صدقته بالمدينة فدفعها عمر إلى علي (عليه السلام) و العباس فغلبه عليها علي (عليه السلام)، و أما خيبر و فدك فأمسكهما عمر و قال: هما صدقة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، كانت لحقوقه التي تعروه و نوائبه و أمرهما إلى من ولّى الأمر، قال: فهما على ذلك اليوم.

قال غير صالح في روايته في حديث أبي بكر: فهجرته فاطمة (عليها السلام) فلم تكلّمه في ذلك حتى ماتت. فدفنها علي (عليه السلام) ليلا و لم يأذن بها أبا بكر. قال: و كان لعلي (عليه السلام) وجه من الناس حياة فاطمة (عليها السلام)، فلما توفّيت فاطمة (عليها السلام) انصرفت وجوه الناس عن علي (عليه السلام).

و مكثت فاطمة (عليها السلام) بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ستة أشهر ثم توفّيت. فقال رجل للزهري:

فلم يبايعه علي ستة أشهر؟ قال: لا و اللّه و لا أحد من بني هاشم حتى بايعه علي (عليه السلام).

في حديث عروة: فلما رأى علي (عليه السلام) انصراف وجوه الناس عنه ضرع إلى مصالحة أبي بكر؛ فأرسل إلى أبي بكر: ائتينا و لا تأتنا معك بأحد، و كره أن يأتيه عمر لما علم من‏

317

شدة عمر. فقال عمر: لا تأتهم وحدك. فقال أبو بكر: و اللّه لآتينّهم وحدي، ما عسى أن يصنعوا بي؟

فانطلق أبو بكر فدخل على علي (عليه السلام) و قد جمع بني هاشم عنده. فقام علي (عليه السلام) فحمد اللّه و أثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فلم يمنعنا أن نبايعك يا أبا بكر إنكار لفضيلتك و لا نفاسة عليك بخير ساقه اللّه إليك، و لكنا كنا نرى أن لنا في هذا الأمر حقا، فاستبددتم علينا ... ثم ذكر قرابتهم من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و حقهم.

فلم يزل علي (عليه السلام) يذكر حتى بكى أبو بكر و صمت علي (عليه السلام). و تشهد أبو بكر فحمد اللّه و أثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فو اللّه لقرابة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أحبّ إليّ أن أصل من قرابتي، و إني و اللّه ما لكأت في هذه الأموال التي كانت بيني و بينكم عن الخير، و لكني سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: لا نورّث ما تركنا صدقة، إنما يأكل آل محمد (عليهم السلام) في هذا المال؛ و إني و اللّه لا أدع أمرا صنعه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إلا صنعته إن شاء اللّه. و قال علي (عليه السلام):

موعدك للبيعة العشيّة.

فلما صلّى أبو بكر الظهر، أقبل على الناس يعذّر عليا (عليه السلام) ببعض ما اعتذر به. ثم قام علي (عليه السلام) فعظّم من حق أبي بكر و ذكر فضيلته و سابقته، ثم قام إلى أبي بكر فبايعه. فأقبل الناس على علي (عليه السلام) فقالوا: أصبح و أحسنت، و كان المسلمون إلى علي (عليه السلام) قريبا حين راجع الأمر بالمعروف. هذا آخر ما ذكره الحميدي.

المصادر:

1. كشف الغمة: ج 1 ص 474.

2. بحار الأنوار: ج 29 ص 201 ح 42، عن كشف الغمة.

318

98

المتن:

قال المجلسي في مطالبة فاطمة (عليها السلام) فدك و جواب أبي بكر لها و ما جرى بينهما:

و قد خطر لي عند نقلي لهذا الحديث كلام أذكره على مواضع منه. ثم بعد ذلك أورد ما نقله أصحابنا في المعنى، ملتزما بما اشترطه من العدل في القول و الفعل، و على اللّه قصد السبيل.

قول أبي بكر في أول الحديث و آخره: و إني و اللّه لا أدع أمرا رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يصنع فيه إلا صنعته، و هو لم ير النبي (صلّى اللّه عليه و آله) صنع فيها إلا أنه اصطفاها، و إنما سمع سماعا أنه بعد وفاته لا يورّث كما روى؛ فكان حق الحديث أن يحكى و يقول: و إني و اللّه لا أدع أمرا سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقوله إلا عملت بمقتضى قوله، أو ما هذا معناه.

و فيه: فأما صدقته بالمدينة، فدفعها عمر إلى علي (عليه السلام) و عباس، فغلبه عليها علي (عليه السلام).

أقول: حكم هذه الصدقة التي بالمدينة حكم فدك و خيبر، فهلّا منعهم الجميع كما فعل صاحبه إن كان العمل على ما رواه، أو صرفهم في الجميع إن كان الأمر بضد ذلك.

فأما تسليم البعض و منع البعض فإنه ترجيح من غير مرجّح، اللهم إلا أن يكونوا فعلوا شيئا لم يصل إلينا في إمضاء ذلك!

و في قوله: فغلبه عليها علي (عليه السلام)، دليل واضح على ما ذهب إليه أصحابنا من توريث البنات دون الأعمام. فإن عليا (عليه السلام) لم يغلب العباس على الصدقة من جهة العموم، إذ كان العباس أقرب من علي (عليه السلام) في ذلك و غلبه إياه على سبيل الغلب و العنف مستحيل أن يقع من علي (عليه السلام) في حق العباس، و لم يبق إلا أنه غلبه عليها بطريق فاطمة و بنيها (عليهم السلام).

و قول علي (عليه السلام): كنا نرى أن لنا في هذا الأمر حقا، فاستبددتم علينا ...، فتأمل معناه يضح لك مغزاه، و لا حاجة إلى كشف مغطّاه.

319

و روى أحمد بن حنبل في مسنده ما يقارب ألفاظ ما رواه الحميدي، و لم يذكر حديث علي (عليه السلام) و أبي بكر و مجيئه إليه في هذا الحديث.

روى ابن بابويه مرفوعا إلى أبي سعيد الخدري، قال: لما نزلت: «فَآتِ ذَا الْقُرْبى‏ حَقَّهُ» (1)، قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): يا فاطمة! لك فدك.

و في رواية أخرى عن أبي سعيد مثله.

و عن عطية، قال: لما نزلت: «فَآتِ ذَا الْقُرْبى‏ حَقَّهُ» (2)، دعا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فاطمة (عليها السلام) فأعطاها فدك.

و عن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام)، قال: أقطع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فاطمة (عليها السلام) فدك.

و عن أبان بن تغلب، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)؛ قال: قلت: كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أعطى فاطمة (عليها السلام) فدك؟ قال: كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) وقفها، فأنزل اللّه تبارك و تعالى: «فَآتِ ذَا الْقُرْبى‏ حَقَّهُ» (3)، فأعطاها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حقها. قلت: رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أعطاها؟ قال: بل اللّه تبارك و تعالى أعطاها.

و قد تظاهرت الرواية من طرق أصحابنا بذلك و ثبت أن ذا القربى علي و فاطمة و الحسن و الحسين (عليهم السلام)، و على هذا فقد كان أبو بكر و عمر لما ولّيا هذا الأمر يرتّبان في الأعمال و البلاد القريبة و النائية من الصحابة و المهاجرين و الأنصار من لا يكاد يبلغ مرتبة علي و فاطمة و الحسن و الحسين (عليهم السلام) و لا يقاربها.

فلو اعتقداهم مثل بعض الولاة و سلّما إليهم هذا الصدقة التي قامت النائرة في أخذها، و عرفاهم ما روياه و قالا لهم: أنتم أهل البيت و قد شهد اللّه لكم بالطهارة و أذهب عنكم الرجس، و قد عرفناكم أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: لا نورّث، و قد سلّمناها إليكم و شغلنا ذممكم بها، و اللّه من وراء أفعالكم فيها و اللّه سبحانه بمرأى منكم و مسمع. فاعملوا فيها

____________

(1). سورة الروم: الآية 38.

(2). سورة الروم: الآية 38.

(3). سورة الروم: الآية 38.

320

بما يقرّبكم منه و يزلفكم عنده، فعلى هذا سلّمناها إليكم و صرفناكم فيها. فإن فعلتم الواجب الذي أمرتم به و فعلتم فيها فعل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فقد أصبتم و أصبنا، و إن تعدّيتم الواجب و خالفتم ما حدّه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فقد أخطأتم و أصبنا؛ فإن الذي علينا الاجتهاد و لم نأل في اختياركم جهدا و ما علينا بعد بذل الجهد لائمة؛ و هذا الحديث من الإنصاف كما يروى، و اللّه الموفق و المسدد.

و روي أن فاطمة (عليها السلام) جاءت إلى أبي بكر بعد وفاة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فقالت: يا أبا بكر! من يرثك إذا متّ؟ قال: أهلي و ولدي. قالت: فما لي لا أرث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)؟ قال: يا بنت رسول اللّه! إن النبي لا يورّث، و لكن أنفق على من كان ينفق عليه رسول اللّه و أعطي ما كان يعطيه. قالت: و اللّه لا أكلّمك بكلمة ما حييت؛ فما كلّمته حتى ماتت.

و قيل: جاءت فاطمة (عليها السلام) إلى أبي بكر فقالت: أعطني ميراثي من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). قال: إن الأنبياء لا تورث، ما تركوه فهو صدقة. فرجعت إلى علي (عليه السلام) فقال: ارجعي فقولي: ما شأن سليمان ورث داود؟ و قال زكريا: «فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا. يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ»؟ (1) فأبوا و أبى.

و عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري، عن أبي جعفر (عليه السلام): أن أبا بكر قال لفاطمة (عليها السلام): النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لا يورث. قالت: قد «وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ» (2)، و قال زكريا: «فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا. يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ». (3) فنحن أقرب إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله) من زكريا إلى يعقوب.

و عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: قال علي (عليه السلام) لفاطمة (عليها السلام): انطلقي فاطلبي ميراثك من أبيك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). فجاءت إلى أبي بكر فقالت: أعطني ميراثي من أبي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). قال:

النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لا يورث. فقالت: أ لم يرث سليمان داود؟! فغضب و قال: النبي لا يورث. فقالت:

أ لم يقل زكريا: «فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا. يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ». (4) فقال: النبي‏

____________

(1). سورة مريم: الآيتين 5، 6.

(2). سورة النمل: الآية 16.

(3). سورة مريم الآيتين 5، 6.

(4). سورة مريم: الآيتين 5، 6.

321

لا يورّث. فقالت: أ لم يقل: «يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ»؟ (1) فقال:

النبي لا يورّث.

و عن أبي سعيد الخدري، قال: لما قبض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) جاءت فاطمة (عليها السلام) تطلب فدكا، فقال أبو بكر: إني لأعلم- إن شاء اللّه- أنك لن تقولي إلا حقا، و لكن هاتي بيّنتك.

فجاءت بعلي (عليه السلام) فشهد، ثم جاءت بأم أيمن فشهدت. فقال: امرأة أخرى أو رجلا فكتبت لك بها.

المصادر:

1. كشف الغمة: ج 1 ص 474.

2. بحار الأنوار: ج 29 ص 201 ح 42، عن كشف الغمة.

99

المتن:

قال الشيخ الطوسي:

هذا حديث وجدته بخط بعض المشايخ، ذكر أنه وجده في كتاب لأبي غانم الأعرج- و كان مسكنه بباب الشعير-. وجد بخطه على ظهر كتاب له حين مات، و هو:

أن عائشة بنت طلحة دخلت على فاطمة (عليها السلام) فرأتها باكية، فقالت لها: بأبي أنت و أمي! ما الذي يبكيك؟ فقالت لها: أ سائلتي عن هنة حلّق بها الطائر و حفي بها السائر، و رفعت إلى السماء أثرا و رزأت في الأرض خبرا إن قحيف تيم و أحيول عدي جاريا أبا الحسن في السباق، حتى إذا تفريا بالخناق أسرّا له الشنان و طوياه الإعلان.

فلما خبأ نور الدين و قبض النبي الأمين (صلّى اللّه عليه و آله)، نطقا بفهورهما و نفثا بسورهما و أدلّا بفدك؛ فيا لها كم من ملك ملك؛ إنها عطيّة الرب الأعلى للنجي الأوفى، و لقد نحلنيها للصبية

____________

(1). سورة النساء: الآية 11.

322

السواغب من نجله و نسلي و إنها لبعلم اللّه و شهادة أمينه، فإن انتزعا مني البلغة و منعاني اللمظة فأحتسبها يوم الحشر زلفة، و ليجدنّها آكلوها ساعرة حميم في لظى جحيم.

المصادر:

1. الأمالي للطوسي: ج 1 ص 207.

2. بحار الأنوار: ج 29 ص 182 ح 38، عن أمالى الطوسي.

3. كتاب أبي غانم الأعرج، على ما في الأمالي للطوسي.

100

المتن:

قال السيد الجزائري في تبيين بعض كلمات خطبة أمير المؤمنين (عليه السلام):

و قوله (عليه السلام): «على هاتا أحجى» أي على الطخية أولى. «فصبرت و في العين قذى و في الحلق شجى»، الشجى ما اعترض في الحلق من عظم و نحوه، و المراد به هنا المصيبة المانعة من لذيذ الأكل و الشرب.

و قوله (عليه السلام): «أرى تراثي نهبا»، التراث الميراث، و المراد به الخلافة؛ فإنها ميراثه من النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، أو المراد ما هو أعم، يتناول فدك و العوالي. فإنه بعد فاطمة (عليها السلام) صار ميراثا.

قوله (عليه السلام): «حتى إذا مضى الأول (و هو أبو بكر) لسبيله فأدلى بها إلى فلان» يعني أنه دفعها إلى عمر بطريق النص و الوصية. و قوله (عليه السلام): «شتان» البيت- و هو للأعشى- يقول:

تفرق ما بين يوميّ، يوم سروري و هو منادمتي لأخي حيّان و يوم شدتي و ركوبي على متن ناقتي في البراري و القفار. فهو (عليه السلام) قد استعار هذا ليوميه؛ يوم فرحه لما كان نديمه النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و يوم تعبه و هو يوم ركوبه المشاقّ و الحروب وحده بلا معاون و نصير.

المصادر:

الأنوار النعمانية: ج 1 ص 115.

323

101

المتن:

قال نوري جعفر في تطورات فدك بين الأمويين و العباسيين و محاجة فاطمة (عليها السلام) مع أبي بكر في الإرث:

... و من الطريف أن نذكر قبل التصدي للبحث في طبيعة النزاع بين الزهراء (عليها السلام) و أبي بكر في قضية فدك، أن فدك بقيت بيد الخلفاء الراشدين.

فلما استولى معاوية على الملك قسّمها مثالثة بين مروان بن الحكم و عمرو بن عثمان بن عفان و يزيد ابنه و أمر على جانب كبير من الغرابة، غير أنها قد أصبحت خالصة لمروان في خلافته. فوهبها لابنه عبد العزيز، الذي وهبها بدوره لابنه عمر الذي ردّها عند تولية الخلافة لأولاد فاطمة (عليها السلام)، و كان ردّه إياها- على ما يقول المؤرخون- أول ظلامة ردها. فلما ولّى يزيد قبضها منهم. فصارت في أيدي بني مروان و بقيت كذلك إلى سقوط دولتهم.

فلما جاء العباسيون ردّها السفاح إلى أهلها، ثم قبضها المنصور، و ردّها ابنه المهدي، و قبضها الهادي و الرشيد، و ردّها المأمون بعد أن ناظره في أمره شيخ طاعن في السن، ثم قبضها المعتصم، و بعد ذلك ضاعت معالمها على المؤرخين.

و يلوح مما ذكرنا أن فدك كانت وسيلة بيد الخليفة، إن شاء ردّها لأهلها و إن شاء قبضها عنهم وفق مزاجه و حالته النفسية من جهة، و موقف الطالبيين في زمانه من الأحداث السياسية العامة في الدولة من جهة أخرى.

و لما كان إرجاع فدك إلى ورثة السيدة فاطمة (عليها السلام) قد حصل في عهد المأمون بشكل يدعوا إلى التأمل و يشير بصراحة، لا لبس فيها و لا غموض إلى حق السيدة (عليها السلام) في فدك، لذلك نرى إثباته هنا بالشكل الذي ذكره البلاذري: و لما كانت سنة عشرة و مائتين أمر المأمون ... برد فدك إلى ولد فاطمة (عليها السلام)، و كتب بذلك إلى قثم بن جعفر عامله على المدينة:

أما بعد، فإن المؤمنين بمكانة من دين اللّه و خلافة رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) و القرابة به، أولى من‏

324

استنّ سنته و نفّذ أمره و سلّم لمن منحه منحة و تصدّق عليه بصدقة منحته و صدقته.

و قد كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أعطى فاطمة بنت رسول اللّه (عليها السلام) فدك و تصدّق بها عليها، و كان ذلك أمرا ظاهرا معروفا لا اختلاف فيه ....

فرأى أمير المؤمنين أن يردّها إلى ورثتها و يسلّمها إليهم تقرّبا إلى اللّه بإقامة حقه و عدله، و إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بتنفيذ أمره و صدقته. فأمر بإثبات ذلك في دواوينه و الكتابة به إلى عماله: فلئن كان ينادي في كل موسم بعد أن قبض اللّه رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) أن يذكر كل من كان له صدقة أو عدة ذلك فيقبل قوله و ينفذ عدته؛ إن فاطمة (عليها السلام) لأولى بأن يصدّق قولها فيما جعل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لها.

و قد كتب أمير المؤمنين إلى المبارك الطبري و مولى أمير المؤمنين يأمره بردّ فدك على ورثة فاطمة بنت رسول اللّه (عليها السلام) بحدودها و جميع حقوقها المنسوبة إليها و ما فيها من الرقيق و الغلات و غير ذلك إلى محمد بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، و محمد بن عبد اللّه بن الحسن بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب لتولية أمير المؤمنين إياهما القيام بها لأهلها.

فأعلم ذلك من رأى أمير المؤمنين و ما ألهمه اللّه من طاعته و وفّقه له من التقرب إليه و إلى رسوله (صلّى اللّه عليه و آله)، و أعلمه من قبلك.

و عامل محمد بن يحيى و محمد بن عبد اللّه بما كنت تعامل به المبارك الطبري و أعنهما على ما فيه عمارتها و مصلحتها و وفور غلاتها إن شاء اللّه؛ و السلام.

و قد كتب ذلك في يوم الأربعاء لليلتين خلتا من ذي القعدة سنة 210 ه، و تصدّى أبو بكر للرد على السيدة فاطمة (عليها السلام) في موضوع فدك من ناحية الميراث إلى حديث انفرد بذكره على ما يبدو هو: نحن معاشر الأنبياء لا نورّث، ما تركناه صدقة.

و قد أنفرد أبو بكر كذلك يذكر حديثا آخر عند ما اختلف المسلمون في محل دفن النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، فقال: سمعت رسول اللّه يقول: «ما قبض نبي إلا و دفن حيث قبض». في حين أن التاريخ- على ما يذكر الطبري- يخبرنا أن الكثيرين من أنبياء بني إسرائيل قد دفنوا في‏

325

غير الأماكن التي قبضوا فيها.

و قد استغربت السيدة (عليها السلام) من ذلك أشد الاستغراب، و كانت هي دون شك أولى من غيرها بسماعه، لأنه (صلّى اللّه عليه و آله) يخصّها أكثر مما يخصّ أبا بكر، كما أن عليا (عليه السلام) لم يسمعه كذلك بدليل أن فاطمة (عليها السلام) لم تخرج إلى أبي بكر مطالبة بميراثها من فدك إلا بعلم منه و إذن منه كذلك.

و لا ندري لما ذا همس الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) بهذا الحديث إلى أبي بكر دون سائر المسلمين و قبل أن يصبح أبو بكر طرفا في النزاع على هذا الميراث الذي يتصل بفاطمة و بنيها (عليهم السلام) أشد الاتصال؟

و مما يضعف هذا الحديث بنظر فاطمة (عليها السلام) أنه يتنافى هو و كثير من الآيات القرآنية الصريحة في هذا الباب.

فقد جاء في ذكر الميراث بشكل مطلق، دون أن يستثني الأنبياء؛ من ذلك قوله تعالى في سورة النساء: «يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ». (1)

و جاء في ذكر الميراث الذي وقع بالفعل للأنبياء الذين سبقوا محمدا (صلّى اللّه عليه و آله) قوله تعالى في سورة النمل: «وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وَ قالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَ أُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ». (2)

و خاطب زكريا ربه في سورة مريم: «قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَ اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَ لَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا. وَ إِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَ كانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا. يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَ اجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا». (3)

لقد أشارت السيدة فاطمة (عليها السلام) إلى ذلك كله في مناقشتها لأبي بكر بمحضر جماعة

____________

(1). سورة النساء: الآية 11.

(2). سورة النمل: الآية 16.

(3). سورة مريم: الآيات 4- 6.

326

من الصحابة، ثم ختمت محاورتها مع الخليفة قائلة:

فدونكها مخطومة مرحولة، تلقاك يوم حشرك ...؛ فنعم الحكم اللّه ... و الموعد القيامة، و عند الساعة يخسر المبطلون .... يا ابن أبي قحافة! أ في كتاب اللّه أن ترث أباك و لا أرث أبي؟ لقد جئت شيئا فريا! أ فعلي عمد تركتم كتاب اللّه و نبذتموه وراء أظهركم؟

أ لم تسمع قوله تعالى: «وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ»؟ (1) أحكم اللّه بآية أخرج أبي منها أم تقولون: أهل ملتين لا يتوارثان؟ أو لست أنا و أبي من أهل ملة واحدة، أم أنتم أعلم بخصوص القرآن و عمومه من أبي و ابن عمي؟!

و لما رأت السيدة فاطمة (عليها السلام) أن الخليفة مصرّ على رأيه، تركت الأمر و أعرضت عنه.

و يلوح للباحث أن السيدة فاطمة (عليها السلام) كانت عارفة منذ البداية أن الخليفة سوف لا يعيد لها فدك و أنها ذهبت إليه لإلقاء الحجة عليه، و لعل ذلك راجع إلى أنها لم تعرف من حيث الأساس بشرعية خلافته. فالشخص الذي له القدرة و الجرأة على سلب الخلافة من صاحبها الشرعي بنظرها، لهو أقدر على سلب فدك و أمثالها.

و إذا أمعن الباحث في الحديث الذي ذكره أبو بكر في ضوء سيرة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) بصورة عامة، أمكنه أن يقول: إن الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) لم يستثن نفسه من الخضوع للقواعد العامة التي جاء بها الإسلام. فما عرف عنه أنه قال: نحن معاشر الأنبياء لا نصلّي أو لا نصوم ...،

فكيف يعزل عن ميراث فدك وحده؟!

فهل لقضية فدك جانب سياسي؟

هل قصد بذلك إخضاع السيدة فاطمة (عليها السلام) و زوجها لأوامر الخليفة لإرغامها على الاعتراف بخلافته التي قابلاها بالصدور و الامتعاض؟

و هل لهذا الموضوع جانب اقتصادي؟

هل قصد بذلك حرمان علي (عليه السلام) من التمتع بواردات فدك و هي مورده الوحيد، وكيلا

____________

(1). سورة الأنفال: الآية 75.

327

يصبح مكتفيا من الناحية الاقتصادية و ليصرفه ذلك عن المطالبة بالخلافة؟

هل لموضوع فدك جانب مالي يتصل بوضع الدولة الإسلامية آنذاك و حاجتها إلى المال، لمواجهة الذين اتهموا بالارتداد عن دفع الزكاة؟

هل لقضية فدك جانب معنوي يتعلق بمحولة تضعيف موقف آل النبي (عليهم السلام) عند عامة المسلمين، فيقال: إن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قد حرّمهم كل شي‏ء حتى ميراثه من فدك، فتضعف حجتهم بالمطالبة بالخلافة؟

هل لموضوع فدك أكثر من عامل واحد؟

ثم لما ذا وضع الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)- إن صحّ الحديث الذي استشهد به الخليفة- صيغته بهذا الشكل من الإطلاق، بحيث جعله يشمل معاشر الأنبياء كافة؟ ما الهدف الذي كان يرمي إليه الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) من هذا الحديث؟

هل كان يخشى أن تتصرف السيدة فاطمة (عليها السلام) بعوائد فدك في غير أوجهها السليمة؟! و إذا كان الأمر كذلك فلما ذا وضعها تحت تصرفها في حياته؟

و يجمل بنا قبل أن نتصدّي لبحث فدك من ناحية النحلة أن ننبّه القارئ إلى أننا عثرنا على نقاش رائع من حيث الفكرة و الأسلوب حصل بين قاضي القضاة و الشريف المرتضى، ذكره ابن أبي الحديد؛ الأول ينفي أن يورث الأنبياء و الثاني يثبته.

يدلّل الأول- على رأيه- بأن ما ورد في القرآن لا يتضمن إلا وراثة العلم و الفضل، و يبرهن الثاني على أن الإرث يتضمّن المال و العقار أولا، و من ثمّ العلم و الفضل من باب التجوّز، و إن كلمة ميراث في اللغة و ما يتصل بها من المشتقات تعني ميراث الأمور المعنوية من باب التجوّز و الاتساع، و أن الدلالة إذا دلّت في بعض الألفاظ على معنى المجاز فلا يجب أن يقتصر عليه، بل يجب أن نحمل معناها على الحقيقة التي هي الأصل إذا يمنع من ذلك مانع.

و إذا فرضنا جدلا أن الميراث يقتصر على العلم و الفضل، أ لا يكون آل النبي (عليهم السلام)

328

- بحكم ذلك الميراث- أولى من غيرهم بالخلافة؟

ذلك ما يتصل بموضوع فدك من ناحية الميراث.

أما ما يتصل به من ناحية النحلة، فقد ذكرت السيدة فاطمة (عليها السلام) لأبي بكر أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قد وهبها فدك. فطلب الخليفة منها البينة على ذلك، فقدّمت له عليا (عليه السلام) و أم أيمن مربّية الرسول (صلّى اللّه عليه و آله). فلم يلتفت إلى ذلك و بدا كالمتشكّك في شهادة سيده، قمين بأبي بكر أن يسموا بها عن التشكّك.

فليس من المتوقّع أن تكذب السيدة فاطمة (عليها السلام) على أبيها بعد موته بعشرة أيام فقط، و في مسألة تافهة كفدك! أو أن تكذب أم أيمن العجوز الجليلة التي رافقت الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) من المهد إلى اللحد؛ أم أيمن التي خرجت مهاجرة إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من مكة إلى المدينة و هي ماشية و ليس معها زاد؛ أم أيمن زوج زيد بن حارثة مولى النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و أم أسامة بن زيد! أو أن يكذب ابن أبي طالب (عليه السلام)!!

و لا ندري كيف فات أبا بكر أن يتذكّر أن اللّه قد أنزل قرآنا في علي و فاطمة (عليهما السلام) و أذهب عنهما الرجس.

و قد كان المتوقّع أن يكتفي الخليفة برواية فاطمة (عليها السلام) وحدها، كما اكتفى أبوها قبل ذلك حين نازعه أعرابي ناقة ادعى كل منهما أنها ناقته. فشهد خزيمة بن ثابت للرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، فأجاز شهادته و جعلها شهادتين؛ فسمّي «ذا الشهادتين». و لكن موضوع السيدة فاطمة (عليها السلام)- مع هذا- لا يحتاج إلى شهود؛ ذلك لأنها روت رواية عن أبيها، كما روى أبو بكر رواية أخرى.

و أن السيدة فاطمة (عليها السلام) لم تطلب منه البينة على ما ادعاه، على الرغم من شكها في صحته، أما الشهود فموقعهم في الدعوى استمع إلى قوله تعالى في سورة البقرة: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى‏ أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ‏ ... وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ‏

329

فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَ امْرَأَتانِ». (1)

و الحجة التي نستند إليها في أهمية شهادة فاطمة (عليها السلام) أن موقفها عند الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)- من حيث صدّقها- لا يقل- على أسوأ الفروض- عن موقع خزيمة بن ثابت. و يصدق الشي‏ء نفسه على أم أيمن و ابن أبي طالب (عليه السلام) الذي لم يعرف عنه قط إلا اتّباع الحق و قول الصدق. فموقف أبي بكر غريب في بابه.

و أغرب منه أنه ترك سيف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و نعله و عمامته في يد علي (عليه السلام) على سبيل النحلة، بغير بينة ظهرت و لا شهادة قامت. كما أنه لم ينتزع من علي (عليه السلام) الخاتم و السيف اللذين وهبهما له النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أثناء مرضه.

و لم يطالب كذلك بثياب الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) التي مات فيها، فأخذتها فاطمة (عليها السلام) بعد موته، و لا بحجر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) التي بقيت بيد نسائه.

و لم يطلب أبو بكر من جابر- على رواية البخاري- البينة على دعواه، حين زعم أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) وعده بإعطائه مقدارا معيّنا من المال، بل سلّمه إياه عند ما و رده مال من قبل العلاء بن الحضرمي.

كما أن أبا بكر أيضا لم يطلب البينة- عند ما قدم عليه مال من البحرين- من أبي بشير المازني، حين ادعى أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال له: إذا جاءنا شي‏ء فائتنا. و إنما دفع له حفنتين أو ثلاثا من ذلك المال.

و إذا كان النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لا يورّث و ما تركه صدقة، فكيف يجوز أن يواري جثمانه في الحجرة التي كانت تسكنها زوجته عائشة بنت الخليفة؟ لأن تلك الحجرة قد أصبحت صدقة بعد وفاة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) مباشرة بحكم ذلك الحديث.

____________

(1). سورة البقرة: الآية 282.

330

ثم كيف نوفّق بين ذلك الحديث و بين الحديث الآخر الذي أنفرد بذكره أبو بكر القائل بأن الأنبياء يدفنون حيث يقبضون؟ أ في الحديث ناسخ و منسوخ؟! ثم كيف نفّذ الخليفة محتويات الحديثين على تناقضهما؟

و بقدر ما يتعلّق الأمر بالحديث الثاني يمكّننا أن نقول: إن النبي يموت في أحد موضعين، ما كان يملكه قبل وفاته و ما كان يملكه غيره من الناس؛ و لا يجوز أن يدفن جثمانه في المحل الأول لأنه أصبح صدقة على رواية أبي بكر عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، كما لا يجوز دفنه في المحل الثاني لأن ملكيته عائدة لغيره. كيف السبيل إلى الخروج من هذا المأزق الحرج؟

ثم كيف جاز لأبي بكر نفسه أن يطلب بدفن جثمانه قرب النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في أرض لا حق له بها من الناحية الشرعية؟

و إذا كان دفن جثمان النبي (صلّى اللّه عليه و آله) على الشكل الذي ذكرناه مستندا إلى الحديث الذي ذكره أبو بكر، فإلى أيّ حديث يستند أبو بكر في طلب دفنه بجوار النبي (صلّى اللّه عليه و آله)؟ هل قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله): يدفن الخليفة الأول قريبا مني؟ كل ذلك غريب في بابه.

و أغرب منه أن كثيرا من المفسرين قد تكلّفوا فيما بعد تفسير آيات الميراث، فزعموا للردّ على من طعن بصحة الحديث بأن الوارثة المذكورة في القرآن مقصورة على العلم و الفضل دون سائر الأمور.

و لسنا نعلم كيف يورث العلم و الفضل؟! و هو أمر يخالف ما ألّفه الناس من قديم الزمان و يتعارض مع أبسط مبادئ علم النفس و علم الاجتماع.

و أغرب من ذلك كله أن الخليفة يحرم السيدة فاطمة (عليها السلام) ميراث فدك ليطبق الحديث الذي أنفرد بذكره، في الوقت الذي يخالف فيه حديثا آخر أجمع الرواة على صحته باعتراف أبي بكر نفسه: «فاطمة (عليها السلام) بضعة مني، من آذاها فقد آذاني، و من آذاني فقد آذى اللّه».

331

و لا ندري- بالإضافة إلى كل ما ذكرناه- كيف فات أبا بكر أن يتذكّر موقف الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) من أبي العاص بن الربيع زوج زينب بنت خديجة زوج النبي (صلّى اللّه عليه و آله) حين أسّر في بدر مع المشركين؛ و إلى القارئ تلك القصة على ما رواها ابن الأثير: و كان في الأسارى أبو العاص بن الربيع بن عبد العزّى بن عبد شمس زوج زينب بنت خديجة.

فلما بعثت قريش في فداء الأسارى، بعثت زينب بفداء أبي العاص زوجها بقلادة لها كانت خديجة أدخلتها معها. فلما رآها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) رقّ لها رقّة شديدة و قال:

إن رأيتم أن تطلقوا أسيرها و تردّوا عليها الذي لها فافعلوا. فأطلقوا لها أسيرها و ردّوا القلادة ....

فلما كان قبل الفتح، خرج أبو العاص تاجرا إلى الشام بأمواله و أموال رجال قريش.

فلما عاد لقيته سريّة لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فأخذوا ما معه و هرب منهم. فلما كان الليل أتى إلى المدينة فدخل على زينب.

فلما كان الصبح خرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إلى الصلاة فنادت زينب من صفة النساء: أيها الناس! إني قد أجرت أبا العاص .... فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): إن رأيتم أن تردّوا عليه الذي له فأنا نحب ذلك، و إذا أبيتم فهو في اللّه الذي أفاء عليكم و أنتم أحق به. قالوا: يا رسول اللّه، نردّه عليه. فردّوا ماله كله حتى الشظاظ.

نقول: أ لم يكن باستطاعة أبي بكر- في حالة التسليم معه بأن السيدة فاطمة (عليها السلام) لا ترث أبيها، و أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لم يهب فدكا لها- أن يتخذ موقفا كهذا الذي أشرنا إليه؟ مع وجود الفارق الكبير بين الحالتين؛ فقد وهب المسلمون حقهم لأبي العاص المشرك و كانوا- دون شك- على استعداد تام لوهب حقوقهم- في حالة التسليم بصحة الإجرءات التي اتخذها الخليفة- إلى ابنة الرسول. أ لم يكن تصرّف الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) مع أبي العاص- في الحالتين- سنة؟ فهل يعتبر ترك أبي بكر لها- في هذه الحالة- منسجما مع السنة؟!

332

المصادر:

علي (عليه السلام) و مناوءوه: ص 52.

102

المتن:

قال المفيد في إثبات الحكم بقول فاطمة (عليها السلام) و أن رد قولها و منع حقها ظلم و إيذاء لها:

قد ثبت عصمة فاطمة (عليها السلام) بإجماع الأمة على ذلك فتيا مطلقة، و إجماعهم على أنه لو شهد عليها شهود بما يوجب إقامة الحد من الفعل المنافي للعصمة لكان الشهود مبطلين في شهادتهم و وجب على الأمة تكذيبهم و على السلطان عقوبتهم؛ فإن اللّه تعالى قد دلّ على ذلك بقوله: «إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً». (1)

و لا خلاف بين نقلة الآثار أن فاطمة (عليها السلام) كانت من أهل هذه الآية، و قد بيّنّا فيما سلف أن ذهاب الرجس عن أهل البيت (عليهم السلام) الذين عنوا بالخطاب يوجب عصمتهم، لإجماع الأمة أيضا على قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله): «من آذى فاطمة (عليها السلام) فقد آذاني و من آذاني فقد آذى اللّه عز و جل».

فلو لا أن فاطمة (عليها السلام) كانت معصومة من الخطاء مبرّاة من الزلل، لجاز منها وقوع ما يجب أذاها به بالأدب و العقوبة، و لو وجب ذلك لوجب أذاها و لو جاز وجوب أذاها لجاز أذى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و الأذى للّه عز و جل. فلما بطل ذلك دلّ على أنها كانت معصومة حسبما ذكرناه.

و إذا ثبت عصمة فاطمة (عليها السلام)، وجب القطع بقولها و استغنت عن الشهود في دعواها، لأن المدعي إنما افتقر للشهود له لارتفاع العصمة عنه و جواز ادعائه الباطل. فيستظهر

____________

(1). سورة الأحزاب: الآية 33.

333

بالشهود على قوله لئلا يطمع كثير من الناس في أموال غيرهم و جحد الحقوق الواجبة عليهم.

و إذا كانت العصمة مغنية عن الشهادة، وجب القطع على قول فاطمة (عليها السلام) و على ظلم مانعها فدكا و مطالبها بالبينة عليها.

و يكشف عن صحة ما ذكرناه أن الشاهدين إنما يقبل قولها على الظاهر مع جواز أن يكونا مبطلين كاذبين فيما شهدا به، و ليس يصحّ الاستظهار على قول من قد آمن منه الكذب بقول من لا يؤمن عليه ذلك، كما لا يصحّ الاستظهار على قول المؤمن بقول الكافر و على قول العدل البرّ بقول الفاسق الفاجر.

و يدلّ أيضا على ذلك أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) استشهد على قوله، فشهد خزيمة بن ثابت في ناقة نازعه فيها منازع. فقال له النبي (صلّى اللّه عليه و آله): من أين علمت- يا خزيمة- أن هذه الناقة لي؛ أشهدت شراي لها؟ فقال: لا، و لكني علمت أنها لك من حيث علمت أنك رسول اللّه. فأجاز النبي (صلّى اللّه عليه و آله) شهادته كشهادة رجلين و حكم بقوله.

فلو أن العصمة دليل الصدق و تغني عن الاستشهاد لما حكم النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بقول خزيمة بن ثابت وحده و صوّبه في الشهادة له على ما لم يره و لم يحضره باستدلاله عليه بدليل نبوته و صدقه على اللّه سبحانه فيما أداه إلى بريّته.

و إذا وجب قبول قول فاطمة (عليها السلام) بدلائل صدقها و استغنت عن الشهود لها، ثبت أن من منع حقها و أوجب الشهود على صحة قولها قد جار في حكمه و ظلم في فعله و آذى اللّه تعالى و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) بإيذائه لفاطمة (عليها السلام)، و قد قال اللّه جل جلاله: «إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً». (1)

المصادر:

الفصول المختارة: ص 88.

____________

(1). سورة الأحزاب: الآية 57.

334

103

المتن:

قال المجلسي في فوائد ما يستفاد من أخبار الباب الحادي عشر:

الفائدة الثانية في بيان ما يدلّ على كونها (عليها السلام) محقّة في دعوى فدك، مع قطع النظر عن عصمتها؛ فنقول:

لا ريب على من له أدنى تتبع في الآثار، و تنزل قليلا عن درجة التعصب و الإنكار في أن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يرى فدكا حقا لفاطمة (عليها السلام). و قد اعترف بذلك جلّ أهل الخلاف و رووا أنه (عليه السلام) شهد لها. و لذلك تراهم يجيبون تارة بعدم قبول شهادة الزوج، و تارة بأن أبا بكر لم يمض شهادة علي (عليه السلام) و شهادة أم أيمن لقصورها عن نصاب الشهادة؛ و قد ثبت بالأخبار المتظافرة عند الفريقين أن عليا (عليه السلام) لا يفارق الحق و الحق لا يفارقه، بل يدور معه حيث ما دار، و قد اعترف ابن أبي الحديد بصحة هذا الخبر.

و روى ابن بطريق عن السمعاني في كتاب فضائل الصحابة بأسناده، عن عائشة، قالت: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: «علي (عليه السلام) مع الحق و الحق مع علي (عليه السلام)، لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض».

و روى ابن شيرويه الديلمي في الفردوس، بالإسناد، عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «رحم اللّه عليا (عليه السلام)، اللهم أدر الحق معه حيث دار».

و قد روى علي بن عيسى في كشف الغمة و ابن شهرآشوب في المناقب و ابن بطريق في المستدرك و العمدة و العلامة في كشف الحق و غيرهم في غيرها أخبارا كثيرة من كتب المخالفين في ذلك، و سنوردها بأسانيدها في المجلد التاسع.

فهل يشكّ عاقل في حقّيّة دعوى كان المدعي فيها سيدة نساء العالمين (عليها السلام) من الأولين و الآخرين باتفاق المخالفين و المؤالفين، و الشاهد لها أمير المؤمنين (عليه السلام) الذي قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فيه إن الحق لا يفارقه و إنه الفاروق بين الحق و الباطل و إن من اتبعه اتبع الحق و من تركه ترك الحق، و غير ذلك مما سيأتي في أبواب فضائله و مناقبه (عليه السلام).

335

و أما فضائل فاطمة (عليها السلام) فتأتي الأخبار المتواترة من الجانبين في المجلد التاسع و المجلد العاشر.

و روى في جامع الأصول من صحيح الترمذي، عن أنس، قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله):

«حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران و خديجة بنت خويلد و فاطمة بنت محمد و آسية امرأة فرعون».

و روى البخاري و مسلم و الترمذي و أبو داود في صحاحهم- على ما رواه في جامع الأصول في حديث طويل-، قال في آخره: قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لفاطمة (عليها السلام): «يا فاطمة! أ ما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء الأمة؟».

و في رواية أخرى رواها البخاري و مسلم: «أ ما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة و أنك أول أهلي لحوقا بي؟».

و روى ابن عبد البر في الاستيعاب في ترجمة خديجة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «خير نساء العالمين أربع: مريم بنت عمران و ابنة مزاحم امرأة فرعون و خديجة بنت خويلد و فاطمة بنت محمد».

و عن ابن عباس: إنهن أفضل نساء أهل الجنة.

و عن أنس: إنهن خير نساء العالمين.

و عن ابن عباس، قال: خطّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في الأرض أربعة خطوط ثم قال: أ تدرون ما هذا؟ قالوا: اللّه و رسوله أعلم. فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد و فاطمة بنت محمد و مريم بنت عمران و آسية بنت مزاحم امرأة فرعون».

و روى في ترجمة فاطمة (عليها السلام) بالإسناد، عن عمران بن حصين: أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) عاد فاطمة (عليها السلام)- و هي مريضة- فقال لها: «كيف تجدينك يا بنية؟ قالت: إني لوجعة و إني ليزيدني أني ما لي طعام آكله. قال: يا بنية! أ لا ترضين أنك سيدة نساء العالمين؟ فقالت: يا أبة! فأين مريم بنت عمران؟ قال: تلك سيدة نساء عالمها و أنت سيدة نساء عالمك. أما و اللّه لقد زوّجتك سيدا في الدنيا و الآخرة».

336

و قال البخاري في عنوان باب مناقب قرابة الرسول، أنه قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله): «فاطمة (عليها السلام) سيدة نساء أهل الجنة».

و روى من طريق أصحابنا الكراجكي في كنز الفوائد، عن أبي الحسن محمد بن أحمد بن شاذان، عن أبيه، عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن الصفار، عن محمد بن زياد، عن المفضل بن عمر، عن يونس بن يعقوب، عن أبي عبد اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، قال: قال جدي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «ملعون ملعون من يظلم بعدي فاطمة (عليها السلام) ابنتي و يغصبها حقها و يقتلها. ثم قال: يا فاطمة! أبشري فلك عند اللّه مقام محمود؛ تشفعين فيه لمحبيك و شيعتك و فتشفّعين.

يا فاطمة! لو أن كل نبي بعثه اللّه و كل ملك قرّبه شفّعوا في كل مبغض لك غاصب لك، ما أخرجه اللّه من النار أبدا».

الفائدة الثالثة

في أن فدكا نحلة لفاطمة (عليها السلام) من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أن أبا بكر ظلمها بمنعها.

قال أصحابنا رضوان اللّه عليهم: كانت فدك مما أفاء اللّه على رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) بعد فتح خيبر؛ فكانت خاصة له، إذ لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب، و قد وهبها لفاطمة (عليها السلام) و تصرّف فيها وكلاؤها و نوّابها.

فلما غصب أبو بكر الخلافة انتزعها. فجاءته فاطمة (عليها السلام) مستعدية، فطالبها بالبينة.

فجاءت بعلي و الحسنين (عليهم السلام) و أم أيمن المشهود لها بالجنة. فردّ شهادة أهل البيت (عليهم السلام) بجرّ النفع و شهادة أم أيمن بقصورها عن نصاب الشهادة. ثم ادعتها على وجه الميراث، فردّ عليها بما مرّ و سيأتي. فغضبت عليه و على عمر فهجرتهما، و أوصت بدفنها ليلا لئلا يصلّيا عليها؛ فأسخطا بذلك ربهما و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) و استحقّا أليم النكال و شديد الوبال.

ثم لما انتهت الإمارة إلى عمر بن عبد العزيز، ردّها على بني فاطمة، ثم انتزعها منهم يزيد بن عبد الملك، ثم دفعها السفاح إلى الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ثم أخذها المنصور، ثم أعادها المهدي، ثم قبضها الهادي، ثم ردّها المأمون لما جاءه رسول بني فاطمة؛ فنصب وكيلا من قبلهم و جلس محاكما فردّها عليهم، و في ذلك يقول دعبل الخزاعي:

337

أصبح وجه الزمان قد ضحكا * * * بردّ مأمون هاشما فدكا

و لنبيّن خطأ أبي بكر في تلك القضية مع وضوحها بوجوه:

أما أن فدكا كان لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فمما لا نزاع فيه، و قد أوردنا من رواياتنا و أخبارنا للمخالفين ما فيه كفاية، و نزيده وضوحا بما رواه في جامع الأصول مما أخرجه من صحيح أبي داود عن عمر، قال: إن أموال بني النظير مما أفاء اللّه على رسوله مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل و لا ركاب. فكانت لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) خاصة قرى عرينة و فدك و كذا و كذا ...؛ ينفق على أهله منها نفقة سنتهم، ثم يجعل ما بقي في السلاح و الكراع عدة في سبيل اللّه، و تلا: «ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى‏ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى‏ فَلِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ ...». (1)

و روى أيضا عن مالك بن أوس قال: كان فيما احتجّ عمر أن قال: كانت لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ثلاث صفايا: بنو النضير و خيبر و فدك ....

و روى ابن أبي الحديد في شرح كتاب أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى عثمان بن حنيف، عن أبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجواهري، قال: حدثني أبو إسحاق، عن الزهري، قال:

بقيت بقية من أهل خيبر تحصّنوا، فسألوا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أن يحقن دماءهم و يسيّرهم، ففعل ذلك. فسمع أهل فدك فنزلوا على مثل ذلك؛ فكانت للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) خاصة، لأنه لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب.

قال: و قال أبو بكر: و روى محمد بن إسحاق أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لما فرغ من خيبر، قذف اللّه الرعب في قلوب أهل فدك. فبعثوا إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يصالحونه على النصف من فدك. فقدّمت عليه رسلهم بخيبر أو بالطريق أو بعد ما قدم المدينة، فقبل ذلك منهم؛ فكانت فدك لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) خاصة، لأنه لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب.

قال: و قد روي أنه صالحهم عليها كلها، و اللّه أعلم أيّ الأمرين كان.

و سيأتي اعتراف عمر بذلك في تنازع علي (عليه السلام) و العباس.

____________

(1). سورة الحشر: الآية 7.

338

و أما أنه وهبها لفاطمة (عليها السلام)، فلأنه لا خلاف في أنها (عليها السلام) ادعت النحلة مع عصمتها الثابتة بالأدلة المتقدمة، و شهد له من ثبتت عصمته بالأدلة الماضية و الآتية، و المعصوم لا يدّعي إلا الحق و لا يشهد إلا بالحق و يدور الحق معه حيثما دار.

و أما أنها كانت في يدها (عليها السلام)، فلأنها ادعتها بعد وفاة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) على وجه الاستحقاق، و شهد المعصوم بذلك لها. فإن كانت الهبة قبل الموت تبطل بموت الواهب- كما هو المشهور- ثبت القبض، و إلا فلا حاجة إليه في إثبات المدّعى، و قد مرّ من الأخبار الدالة على نحلتها و أنها كانت في يدها (عليها السلام) ما يزيد على كفاية المنصف، بل يسدّ طريق إنكار المتعسّف.

و يدل على أنها كانت في يدها (عليها السلام) ما ذكر أمير المؤمنين (عليه السلام) في كتابه إلى عثمان بن حنيف، حيث قال: بلى، كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلّته السماء؛ فشحّت عليها نفوس قوم و سخت عنها نفوس آخرين، و نعم الحكم اللّه.

و أما أن أبا بكر و عمر أغضبا فاطمة (عليها السلام)، فقد اتضح بالأخبار المتقدمة.

ثم اعلم إنا لم نجد أحدا من المخالفين أنكر كون فدك خالصة لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في حياته، و لا أحدا من الأصحاب طعن على أبي بكر بإنكاره ذلك، إلا ما تفطّن به بعض الأفاضل من الأشارف، مع أنه يظهر من كثير من أخبار المؤالف و المخالف ذلك.

و قد تقدّم ما رواه ابن أبي الحديد في ذلك عن أحمد بن عبد العزيز الجوهري و غيرها من الأخبار، و لا يخفى أن ذلك يتضمّن إنكار الآية و إجماع المسلمين؛ إذ القائل بأن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان يصرف شيئا من غلة فدك و غيرها من الصفايا في بعض مصالح المسلمين يقل بأنها لم تكن لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، بل قال بأنه فعل ذلك على وجه التفضل و ابتغاء مرضاة اللّه تعالى. و ظاهر الحال أن ذلك دفعا لصحة النحلة، فكيف كان يسمع الشهود على النحلة مع ادعائه أنها كانت من أموال المسلمين؟!

و اعتذر المخالفون من قبل أبي بكر بوجوه سخيفة ...:

339

الأول: منع عصمتها (عليها السلام)، و قد تقدمت الدلائل المثبتة لها.

الثاني: أنه لو سلّم عصمتها فليس للحاكم أن يحكم بمجرد دعواها و إن تيقّن صدقها.

و أجاب أصحابنا بالأدلة الدالة على أن الحاكم يحكم بعلمه، و أيضا اتفقت الخاصة و العامة على رواية قصة خزيمة بن ثابت و تسميته بذي الشهادتين، لما شهد للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) بدعواه، و لو كان المعصوم كغيره لما جاز للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) قبول شاهد واحد و الحكم لنفسه، بل كان يجب عليه الترافع إلى غيره.

و قد روى أصحابنا أن أمير المؤمنين (عليه السلام) خطّأ شريحا في طلب البينة منه و قال: إن إمام المسلمين يؤتمن من أمورهم على ما هو أعظم من ذلك. و أخذ ما ادعاه من درع طلحة بغير حكم شريح، و المخالفون حرّفوا هذا الخبر و جعلوه حجة لهم.

و اعتذروا بوجوه أخرى سخيفة، لا يخفى على عاقل- بعد ما أوردنا في تلك الفصول- ضعفها و وهنها؛ فلا نطيل الكلام بذكرها.

المصادر:

بحار الأنوار: ج 29 ص 342.

104

المتن:

روى العلامة في كشكوله- المنسوب إليه- عن المفضل بن عمر، قال:

قال مولاي جعفر الصادق (عليه السلام): لما ولّى أبو بكر بن أبي قحافة قال له عمر: إن الناس عبيد هذه الدنيا لا يريدون غيرها، فامنع عن علي و أهل بيته (عليهم السلام) الخمس و الفي‏ء و فدكا، فإن شيعته إذا علموا ذلك تركوا عليا (عليه السلام) و أقبلوا إليك، رغبة في الدنيا و إيثارا و محاباة عليها.

ففعل أبو بكر ذلك و صرف عنهم جميع ذلك.

340

فلما قام- أبو بكر بن أبي قحافة- مناديه: من كان له عند رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) دين أو عدة فليأتني حتى أقضيه، و أنجز لجابر بن عبد اللّه و لجرير بن عبد اللّه الجبلي. قال: قال علي (عليه السلام) لفاطمة (عليها السلام): صيري إلى أبي بكر و ذكّريه فدكا.

فصارت فاطمة (عليها السلام) إليه و ذكرت له فدكا مع الخمس و الفي‏ء. فقال: هاتي بينة يا بنت رسول اللّه. فقالت: أما فدك، فإن اللّه عز و جل أنزل على نبيه (صلّى اللّه عليه و آله) قرآنا يأمر فيه بأن يؤتيني و ولدي حقي. قال اللّه تعالى: «فَآتِ ذَا الْقُرْبى‏ حَقَّهُ». (1) فكنت أنا و ولدي أقرب الخلائق إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فنحلني و ولدي فدكا. فلما تلا عليه جبرئيل: «وَ الْمِسْكِينَ وَ ابْنَ السَّبِيلِ» (2)، قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): ما حق المسكين و ابن السبيل؟ فأنزل اللّه تعالى:

«وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى‏ وَ الْيَتامى‏ وَ الْمَساكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ». (3)

فقسّم الخمس على خمسة أقسام، فقال: «ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى‏ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى‏ فَلِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى‏ وَ الْيَتامى‏ وَ الْمَساكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ» (4)؛ فما للّه فهو لرسوله (صلّى اللّه عليه و آله) و ما لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فهو لذي القربى، و نحن ذو القربى؛ قال اللّه تعالى: «قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏». (5)

فنظر أبو بكر بن أبي قحافة إلى عمر بن الخطاب و قال: ما تقول؟ فقال عمر: و من اليتامى و المساكين و أبناء السبيل؟ فقالت فاطمة (عليها السلام): اليتامى الذين يأتمّون باللّه و برسوله (صلّى اللّه عليه و آله) و بذي القربى، و المساكين الذين أسكنوا معهم في الدنيا و الآخرة و ابن السبيل الذي يسلك مسلكهم. قال عمر: فإذا الخمس و الفي‏ء كله لكم و لمواليكم و أشياعكم؟! فقالت فاطمة (عليها السلام): أما فدك فأوجبها اللّه لي و لولدي دون موالينا و شيعتنا، و أما الخمس فقسّمه اللّه لنا و لموالينا و أشياعنا كما يقرأ في كتاب اللّه.

____________

(1). سورة الروم: الآية 38.

(2). سورة الروم: الآية 38.

(3). سورة الأنفال: الآية 41.

(4). سورة الحشر: الآية 7.

(5). سورة الشورى: الآية 23.

341

قال عمر: فما لسائر المهاجرين و الأنصار و التابعين بإحسان؟ قالت فاطمة (عليها السلام): إن كانوا موالينا و من أشياعنا فلهم الصدقات التي قسّمها اللّه و أوجبها في كتابه؛ فقال اللّه عز و جل: «إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَ الْمَساكِينِ وَ الْعامِلِينَ عَلَيْها وَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَ فِي الرِّقابِ» (1).

....

قال عمر: فدك لك خاصة و الفي‏ء لكم و لأوليائكم؟ ما أحسب أصحاب محمد يرضون بهذا! قالت فاطمة (عليها السلام): فإن اللّه عز و جل رضي بذلك و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) رضي به، و قسّم على الموالاة و المتابعة لا على المعاداة و المخالفة، و من عادانا فقد عادى اللّه و من خالفنا فقد خالف اللّه و من خالف اللّه فقد استوجب من اللّه العذاب الأليم و العقاب الشديد في الدنيا و الآخرة.

فقال عمر: هاتي بينة يا بنت محمد على ما تدّعين؟! فقالت فاطمة (عليها السلام): قد صدّقتم جابر بن عبد اللّه و جرير بن عبد اللّه و لم تسألوهما البينة، و بينتي في كتاب اللّه! فقال عمر:

إن جابرا و جريرا ذكرا أمرا هيّنا، و أنت تدّعين أمرا عظيما يقع به الردة من المهاجرين و الأنصار! فقالت: إن المهاجرين برسول اللّه و أهل بيت رسول اللّه (عليهم السلام) هاجروا إلى دينه، و الأنصار بالإيمان باللّه و رسوله و بذي القربى (عليهم السلام) أحسنوا؛ فلا هجرة إلا إلينا و لا نصرة إلا لنا و لا اتباع بإحسان إلا بنا، و من ارتدّ عنا فإلى الجاهلية.

فقال لها عمر: دعينا من أباطيلك و احضرينا من يشهد لك بما تقولين. فبعثت إلى علي و الحسن و الحسين (عليهم السلام) و أم أيمن و أسماء بنت عميس- و كانت تحت أبي بكر بن أبي قحافة- فأقبلوا إلى أبي بكر و شهدوا لها بجميع ما قالت وادعته.

فقال: أما علي (عليه السلام) فزوجها، و أما الحسن و الحسين (عليهما السلام) ابناها، و أما أم أيمن فمولاتها، و أما أسماء بنت عميس فقد كانت تحت جعفر بن أبي طالب فهي تشهد لبني هاشم- و قد كانت تخدم فاطمة (عليها السلام)- و كل هؤلاء يجرّون إلى أنفسهم.

____________

(1). سورة التوبة: الآية 60.

342

فقال علي (عليه السلام): أما فاطمة (عليها السلام) فبضعة من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و من آذاها فقد آذى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و من كذّبها فقد كذّب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و أما الحسن و الحسين (عليهما السلام) فابنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و سيدا شباب أهل الجنة، من كذّبهما فقد كذّب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إذ كان أهل الجنة صادقين، و أما أنا فقد قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «أنت مني و أنا منك، و أنت أخي في الدنيا و الآخرة، و الرادّ عليك هو الراد عليّ؛ من أطاعك فقد أطاعني و من عصاك فقد عصاني»، و أما أم أيمن فقد شهد لها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بالجنة، و دعا لأسماء بنت عميس و ذريتها.

قال عمر: أنتم كما وصفتم أنفسكم، و لكن شهادة الجارّ إلى نفسه لا تقبل. فقال علي (عليه السلام): إذا كنا كما نحن كما تعرفون و لا تنكرون و شهادتنا لأنفسنا لا تقبل و شهادة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لا تقبل، فإنا للّه و إنا إليه راجعون. إذا ادعينا لأنفسنا تسألنا البينة، فما من معين يعين؟! و قد وثبتم على سلطان اللّه و سلطان رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) فأخرجتموه من بيته إلى بيت غيره من غير بينة و لا حجة؛ «وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ». (1)

ثم قال لفاطمة (عليها السلام): انصرفي حتى يحكم اللّه بيننا و هو خير الحاكمين.

قال المفضل: قال مولاي جعفر (عليه السلام): كل ظلامة حدثت في الإسلام أو تحدث و كل دم مسفوك حرام و منكر مشهور و أمر غير محمود، فوزره في أعناقهما و أعناق من شايعهما أو تابعهما و رضي بولايتهما إلى يوم القيامة.

المصادر:

1. بحار الأنوار: ج 29 ص 194 ح 40، عن الشكول.

2. الشكول فيما جرى على آل الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) المنسوب إلى العلامة: ص 203، على ما في البحار.

3. عوالم العلوم: ج 11 ص 633 ح 27، عن الشكول.

4. فاطمة الزهراء (عليها السلام) من المهد الى اللحد: ص 346.

5. قبسات من حياة سيدة نساء العالمين (عليها السلام): ص 81، عن الشكول.

6. أحوال المعصومين (عليهم السلام) للأردكاني: منزلة العشرين.

____________

(1). سورة الشعراء: الآية 227.

343

7. سرور المؤمنين عن الشكول، على ما في أحوال المعصومين (عليهم السلام).

8. درر البحار: ج 3 ص 122، عن الكشكول.

105

المتن:

عن حماد بن عثمان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال:

لما بويع أبو بكر و استقام له الأمر على جميع المهاجرين و الأنصار، بعث إلى فدك من أخرج وكيل فاطمة بنت رسول اللّه (عليها السلام) منها.

فجاءت فاطمة (عليها السلام) إلى أبي بكر فقالت: يا أبا بكر! لم تمنعني ميراثي من أبي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أخرجت وكيلي من فدك؟ و قد جعلها لي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بأمر اللّه تعالى.

فقال: هاتي على ذلك بشهود.

فجاءت بأم أيمن، فقالت: لا أشهد يا أبا بكر حتى أحتج عليك بما قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).

أنشدك باللّه أ لست تعلم أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: إن أم أيمن امرأة من أهل الجنة؟ فقال: بلى.

قالت: فأشهد أن اللّه عز و جل أوحى إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «فَآتِ ذَا الْقُرْبى‏ حَقَّهُ» (1)، فجعل فدك لفاطمة (عليها السلام) بأمر اللّه. و جاء علي (عليه السلام) فشهد بمثل ذلك. فكتب لها كتابا و دفعه إليها.

فدخل عمر فقال: ما هذا الكتاب؟ فقال: إن فاطمة ادعت في فدك و شهدت لها أم أيمن و علي فكتبته. فأخذ عمر الكتاب من فاطمة (عليها السلام) فمزّقه، فخرجت فاطمة (عليها السلام) تبكي.

فلما كان بعد ذلك، جاء علي (عليه السلام) إلى أبي بكر- و هو في المسجد و حوله المهاجرون و الأنصار- فقال: يا أبا بكر! لم منعت فاطمة (عليها السلام) ميراثها من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و قد ملكته في‏

____________

(1). سورة الإسراء: الآية 26.

344

حياة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)؟! فقال أبو بكر: إن هذا في‏ء للمسلمين؛ فان أقامت شهودا أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) جعله لها و إلا فلا حق لها فيه.

فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): يا أبا بكر! تحكم فينا بخلاف حكم اللّه في المسلمين؟ قال:

لا. قال: فإن كان في يد المسلمين شي‏ء يملكونه ثم ادعيت أنا فيه، من تسأل البينة؟ قال:

إياك كنت أسأل البينة. قال: فما بال فاطمة (عليها السلام) سألتها البينة على ما في يدها و قد ملكته في حياة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و بعده، و لم تسأل المسلمين البينة على ما ادعوها شهودا كما سألتني على ما ادعيت عليهم؟!

فسكت أبو بكر، فقال عمر: يا علي! دعنا من كلامك، فإنا لا نقوّي على حجتك، فإن أتيت بشهود عدول و إلا فهو في‏ء للمسلمين، لا حق لك و لا لفاطمة فيه. فقال علي (عليه السلام): يا أبا بكر! تقرأ كتاب اللّه؟ قال: نعم. قال: أخبرني عن قول اللّه عز و جل: «إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» (1)، فينا نزلت أو في غيرنا؟ قال: بل فيكم.

قال: فلو أن شهودا شهودا على فاطمة بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بفاحشة ما كنت صانعا بها؟

قال: كنت أقيم عليها الحد كما أقيم على سائر نساء العالمين! قال: كنت إذا عند اللّه من الكافرين. قال: و لم؟ قال: لأنك رددت شهادة اللّه لها بالطهارة و قبلت شهادة الناس عليها، كما رددت حكم اللّه و حكم رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) أن جعل لها فدك و قبضته في حياته، ثم قبلت شهادة أعرابي بائل على عقبيه عليها و أخذت منها فدكا و زعمت أنه في‏ء للمسلمين، و قد قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «البيّنة على المدعي و اليمين على المدّعى عليه».

فرددت قول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) البينة على من ادّعى و اليمين على من ادّعى عليه.

قال: فدمدم الناس و أنكر بعضهم و قالوا: صدق و اللّه علي (عليه السلام)، و رجع علي (عليه السلام) إلى منزله.

قال: و دخلت فاطمة (عليها السلام) المسجد و طافت على قبر أبيها و هي تقول:

____________

(1). سورة الأحزاب: الآية 33.

345

قد كان بعدك أنباء و هنبثة * * * لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب‏

إنا فقدناك فقد الأرض وابلها * * * و اختلّ قومك فاشهدهم فقد نكبوا

قد كان جبريل بالآيات يؤنسنا * * * فغاب عنا فكل الخير محتجب‏

قد كنت بدرا و نورا يستضاء به‏ * * * عليك تنزل من ذي العزة الكتب‏

تهجّمتنا رجال و استخفّ بنا * * * إذ غبت عنا فنحن اليوم نغتصب‏

فسوف نبكيك ما عشنا و ما بقيت‏ * * * منا العيون بتهمال لها سكب‏

قال: فرجع أبو بكر و عمر إلى منزلهما.

و بعث أبو بكر إلى عمر ثم دعاه، فقال: أ ما رأيت مجلس علي منا في هذا اليوم؟ و اللّه لإن قعد مقعدا مثله ليفسدن أمرنا؛ فما الرأي؟! قال عمر: الرأي أن نأمر بقتله. قال: فمن يقتله؟ قال: خالد بن الوليد.

فبعثا إلى خالد فأتاهم، فقالا له: نريد أن نحملك على أمر عظيم. فقال: احملوني على ما شئتم و لو على قتل علي بن أبي طالب. قالا: فهو ذاك. قال خالد: متى أقتله؟ قال أبو بكر: احضر المسجد و قم بجنبه في الصلاة، فإذا سلّمت قم إليه و اضرب عنقه. قال:

نعم.

فسمعت أسماء بنت عميس- و كانت تحت أبي بكر-، فقالت لجاريتها: اذهبي إلى منزل علي و فاطمة (عليهما السلام) و اقرئيهما السلام، و قولي لعلي: «إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ». (1)

فجاءت الجارية إليهم فقالت لعلي (عليه السلام): إن أسماء بنت عميس تقرأ عليك السلام و تقول: «إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ». (2) فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): قولي لها: إن اللّه يحول بينهم و بين ما يريدون. ثم قام و تهيأ للصلاة، و حضر المسجد و صلّى لنفسه خلف أبي بكر و خالد بن الوليد بجنبه و معه السيف.

____________

(1). سورة القصص: الآية 20.

(2). سورة القصص: الآية 20.

346

فلما جلس أبو بكر للتشهد، ندم على ما قال و خاف الفتنة و عرف شدة علي (عليه السلام) و بأسه. فلم يزل متفكّرا لا يجسر أن يسلّم، حتى ظنّ الناس أنه سها. ثم التفت إلى خالد و قال: يا خالد! لا تفعلنّ ما أمرتك، السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته.

فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): يا خالد! ما الذي أمرك به؟ قال: أمرني بضرب عنقك. قال: أو كنت فاعلا؟! قال: أي و اللّه، لو لا أنه قال لي: لا تفعله قبل التسليم لقتلتك.

قال: فأخذه علي (عليه السلام) فجلد به الأرض. فاجتمع الناس عليه، فقال عمر: يقتله و رب الكعبة. فقال الناس: يا أبا الحسن! اللّه اللّه، بحق صاحب القبر، فخلّى عنه.

ثم التفت إلى عمر، فأخذ بتلابيبه فقال: يا ابن صهاك! و اللّه لو لا عهد من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و كتاب من اللّه سبق لعلمت أيّنا أضعف ناصرا و أقلّ عددا، و دخل منزله.

المصادر:

1. بحار الأنوار: ج 29 ص 127 ح 27، عن الاحتجاج.

2. الاحتجاج: ج 1 ص 119.

3. تفسير القمي: ج 2 ص 155، بزيادة فيها. (1)

4. بحار الأنوار: ج 29 ص 134، عن تفسير القمي.

5. تفسير البرهان: ج 3 ص 263 ح 1، عن تفسير القمي.

6. تفسير نور الثقلين: ج 4 ص 186 ح 71، عن تفسير القمي.

____________

(1). و زاد في تفسير القمي: فأخذ عمر الكتاب من فاطمة (عليها السلام) فمزّقه و قال: هذا في‏ء المسلمين، و قال: أوس بن الحدثان و عائشة و حفصة يشهدون على رسول اللّه بأنه قال: إنا معاشر الأنبياء لا نورّث، ما تركناه صدقة، و أن عليا (عليه السلام) زوجها يجرّ إلى نفسه، و أم أيمن فهي امرأة صالحة لو كان معها غيرها لنظرنا فيه.

فخرجت فاطمة (عليها السلام) من عندهما باكية حزينة. فلما كان بعد هذا جاء علي (عليه السلام).

و فيه أيضا بعد قولها: نغتصب:

فكل أهل له قربى و منزلة * * * عند الإله على الأدنين يقترب‏

أبدت رجال لنا نجوى صدورهم‏ * * * لما مضيت و حالت دونك الكتب‏

فقد رزينا بما لم يرزه أحد * * * من البرية لا عجم و لا عرب‏

و قد رزينا به محضا خليقته‏ * * * صافي الضرائب و الأعراق و النسب‏

فأنت خير عباد اللّه كلهم‏ * * * و أصدق الناس حين الصدق و الكذب‏

و فيه بعد البيت الأخير:

سيعلم المتولى ظلم حامتنا * * * يوم القيامة أنّا كيف ننقلب‏

347

7. فاطمة الزهراء (عليها السلام) من المهد إلى اللحد: ص 343.

8. بيت الأحزان: ص 108، عن الاحتجاج و تفسير القمي، بتفاوت فيه.

9. نور الأنوار: ص 221، عن الاحتجاج.

10. بهجة المباهج لأبي سعيد (مخطوط): في ذكر فدك.

الأسانيد:

في تفسير القمي: أبي، عن ابن أبي عمير، عن عثمان بن عيسى و حماد بن عثمان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام).

106

المتن:

قال أبو الصلاح الحلبي في القبائح التي وقعت في خلافة أبي بكر:

و منها: قصة فدك و منعه فاطمة (عليها السلام) منها، و خطأه في ذلك من وجوه:

منها: قبضه يد النائب عنها عن التصرف فيها بغير حجة، مع استقرار الشرع و مطابقته لأدلة العقل بحظر قبض اليد المتصرفة في شي‏ء عنه بغير بينة تمنع منه.

و منها: كونه حكما فيما هو خصم فيه، و ذلك ظاهر الفساد في الشرع.

و منها: مطالبته بالبينة مع استغنائها (عليها السلام) عنها باليد و وجوب ذلك عليه دونها، و ردّ دعواها و مطالبتها بالبينة، مع إجماع الأمة على صدقها في هذه الدعوى؛ فإن يجهل هذا الإجماع فليس من الأمة و إن يعلمه فقد ردّ دعوى يعلم صحتها و طالب بإمارة الظن مع ثبوت دلالة العلم و أخذ منها ما يعلم استحقاقها و إباحته لمن يعلم كونه غير مستحق له، و هذا عظيم جدا.

و منها: قيام الدلالة على عصمتها من وجوه:

348

منها: قوله تعالى: «إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» (1)، و فاطمة (عليها السلام) من جملة المذكورين بإجماع، و لا وجه للإرادة هاهنا إلا الإخبار عن ذهاب الرجس عن المذكورين و ثبوت التطهير، لأن الإرادة المتعلقة بطاعات العباد لا تخصّ مكلّفا من مكلّف، و الإرادة في الآية خرجت مخرج التخصيص للمذكور فيها و الإبانة له من غيره، و لأن حرف إنما يثبت الحكم لما اتصل به و ينفيه عما انفصل عنه، و ذلك يمنع من حمل إرادة الآية على العموم.

و قوله (عليه السلام): «فاطمة (عليها السلام) بضعة مني، يؤلمني ما يؤلمها و يؤذيني ما يؤذيها»، و ذلك لا يمكن إلا مع كونها معصومة، لأن تجويز القبح عليها يصحّح وقوعه، و وقوعه موجب لأذاها باللعن و الذم و الحد و التعزير و ذلك مناف للخبر، و لأنه لو شهد عليها شهود بما يوجب الحد لوجب جلدهم حدّ المفتري دونها بإجماع، و ذلك لا يصح إلا مع القول بعصمتها.

و إذا ثبتت عصمتها اقتضى ذلك قبول قولها لاقتضائه العلم بصحته، و أغنى عن البينة التي لا توجب علما.

و لا يجي‏ء من ذلك القول بأن الرجل جهل عصمتها، لأنه لا تكليف له في ذلك، لأن صحة دعواها (عليها السلام) إذا كانت مستندة إلى ثبوت عصمتها فلا بد من أن تحتجّ عليه بدليلها الذي لا حجة لها غيره. و إذا فعلت ذلك تعيّن عليه فرض النظر الذي متى يفعله يعلم عصمتها، و إن لا يفعل يخلّ بالواجب عليه، و الإخلال بالواجب قبيح و مطالبة المعلوم الصدق بينة استظهار على العلم بالظن، و ذلك جهل قبيح و ظلم صريح.

و منها: أنه لا يخلو أن تكون فدك مما يجب في الشرع تسليمه لفاطمة (عليها السلام) أو مما يجب منعها منه، و لا ثالث هاهنا.

و القسم الأول يقتضي كون المانع ظالما، لإخلاله بالواجب من تسليم الحق إلى مستحقه، فاسقا لجهله بما يجب على الحاكم علمه. و الثاني يقتضي كونها (عليها السلام)- و حاشاها- مطالبة بما لا تستحقّه و كاذبة في دعواها و تظلّمها من الحق الواجب عليها،

____________

(1). سورة الأحزاب: الآية 33.

349

و مشاركة أمير المؤمنين (عليه السلام) لها في ذلك للرضى به و إقرارها عليه و مشاركتها في الدعوى و التظلم، و الإجماع بخلاف ذلك. فصحّ القسم الأول.

و بهذا يسقط اعتذارهم للرجل بأنه حكم على الظاهر في الملة من اتفاق الحكم على البينة و أنه عادل في حكمه، و إن كانت فاطمة (عليها السلام) صادقة، لاتفاق العقلاء على أنه لا حكم للظن مع إمكان العلم ظنا عن ثبوته، و قد أجمع المسلمون على صحة الحكم بالعلم، و أجاز رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) شهادة خزيمة بن ثابت فيما يعلم صحته، لاستناده إلى صدق النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و ثبوت نبوته و سمّاه «ذا الشهادتين».

فلا عذر إذا لمن منع مستحقا يعلمه كذلك، و لا يصح وصفه عادلا مع قبضه يدا عما يعلم كونه ملكا لها و إباحته لمن يعلم أنه لا يستحقه، لحصول العلم الضروري- الذي لا تصح مخالفته و لا انتظار دليل عقلي و لا شرعي بخلافه- بكون من كان كذلك ظالما.

و منها: ردّه شهادة أمير المؤمنين و الحسنين (عليهم السلام) و أم أيمن بصحة النحلة، مع إجماع الأمة على عدالتهم و علمهم بموقع الشهادة. و ذلك يقتضي عدوله عن موجب الحكم إلى إرادة الظلم و فعله.

و اعتذاره للردّ بأن عليا (عليه السلام) زوج و الحسنين (عليهم السلام) ابنان و أم أيمن مولاة، و هم يجرّون إلى أنفسهم بشهادتهم ليس بعذر، لأنه يقتضي القدح في عدالتهم المعلوم ثبوتها بإجماع.

و يدل على شك القادح في عدالتهم في نبوة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أو جهله، لحصول العلم من دينه بصواب هؤلاء الشهود و كونهم من أعلا المباحين درجة، إذ التصديق بثبوت هذه الصفة لهم و القدح في عدالتهم لا يجتمع، و لأن هذا لو كان سببا مانعا من قبول شهادة العدل لكانت فاطمة و علي و الحسنان (عليهم السلام) أعلم به من أبي بكر؛ فكانت لا تعرضهم للشهادة و لا يتعرّضون لها لعلمهم بأنها لا تقبل، لأن ذلك فسق و سوء تدبير و سفه مأمون منهم بإجماع و غير مأمون من الرجل و كان به أحق.

350

و بهذا تسقط شبهة من قدح في شهادة الحسنين (عليهما السلام) بالصبا، لأن ذلك لو كان مانعا من قبول شهادتهما لكان علي (عليه السلام) به أعلم من أبي بكر، و كان لا يعرضهما للشهادة، و كان ردّ شهادتهما لذلك أولى من ردّها بالنبوّة. و لما لم يقل ذلك أبو بكر دلّ على أنهما معتدان بشهادتهما.

و منها: قبوله دعوى جابر في الحثيات و عائشة و حفصة من ثياب النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و إقرارهما في ثبوته بغير بينة، مع تميّز المردود دعواه و شهادته في الفضل و تبريزه عليهم في العدالة و الزهد و اختصاصهم من النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بمنزلة لم يشاركهم فيها أحد، و ذلك يوضح عن قصده أهل هذا البيت بالظلم و إرادة الوضع منهم و التصغير من قدرهم ... بأدنى تأمل.

و منها:- حين طالبت بفدك من جهة الإرث إذ دفعها عنها بالنحلة- كذبه على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أنه قال: نحن معاشر الأنبياء لا نورّث، ما تركناه صدقة، ليتمّ له منع فاطمة (عليها السلام) لفدك من جهة الإرث كالنحلة؛ و الدلالة على كذبه من وجوه:

منها: تصريح القرآن بخلافه في قوله تعالى: «وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ» (1)، و قوله تعالى:

«يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ» (2)، و إطلاق الإرث مختص بانتقال الأعيان إلى الوارث فيما يصح نقله، و رفع الحظر، و صحة تصرفه فيما لا يصح نقله من الحرث و الرباع. فيجب عليه دون ما يدعى من علم و غيره، و لأن العلم و النبوة لا يورثان، لوقوف النبوة على ما يعلم اللّه سبحانه من صلاح الخلق، و يفعله من تصديق النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لبيان ذلك و العلم على اكتساب العالم له، و لأن الظاهر من سليمان يتناول جميع الأشياء، من قوله: «وَ أُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ» (3) عقيب قوله: «وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ». (4) فلا وجه لتخصيصه بشي‏ء من شي‏ء، و اشتراط ذكره له كون الوارث مرضيا يمنع من تخصيص الميراث في الآية بالنبوة، لأن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لا يكون إلا مرضيا، و خوفه من بني العم أيضا يمنع من النبوة و العلم، لأن النبوة موقوفة على المصالح و الغرض في العلم بذله، فلا وجه لخوفه إلا تعلقه بالمال.

____________

(1). سورة النمل: الآية 16.

(2). سورة مريم: الآية 6.

(3). سورة النمل الآية 16.

(4). سورة النمل: الآية 16.

351

و منها: قوله تعالى: «لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَ الْأَقْرَبُونَ وَ لِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَ الْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً» (1)، و هذا عام، و قوله تعالى:

«وَ لِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَ الْأَقْرَبُونَ» (2)، و هذا عام أيضا، و قوله تعالى:

«يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ» (3)، و هذا عام في جميع الأولاد، و قوله تعالى: «وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ» (4)، و هذا عام أيضا في جميع ذوي الأرحام.

و لأن المعلوم من دينه (صلّى اللّه عليه و آله) ثبوت حكم التوريث بين ذوي الأنساب و الأسباب؛ و إذا كان حكم التوريث معلوما من دينه ضرورة و قد نطق به القرآن، وجب القطع على كذب المدعى لخلافه، لا سيما و لا نعلم مشاركا له في روايته.

و دعوى إمساك الصحابة عنه لا يغني شيئا، لاحتماله للرضى و غيره على ما بيّناه، و لحصول الإمساك منهم أيضا عن فاطمة (عليها السلام) و ترك النكير عليها في دعوى النحلة و الميراث.

و لا يجوز أن يقول جاهلهم في هذا: قد أنكر عليها أبو بكر، لأنه يقال له: و قد أنكرت هي أيضا على أبي بكر، و هل من فضل؟!

و منها: أن هذا الخبر- لو كان صدقا- لم يختص سماعه بأبي بكر، بل الوجوب في حكمة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) إعلام أهل بيته (عليهم السلام) به، لاختصاص فرض تبليغه إليهم بهم، لكونه من فروضهم دون أبي بكر.

و لو أعلمهم لم يطالبوا إلا عن علم منهم بتحريم المطالبة، و ذلك مأمون منهم بغير خلاف، و لأنه (صلّى اللّه عليه و آله) نصّ على أن عليا (عليه السلام) أعلم القوم و أقضاهم و باب مدينة علمه و من لا يفارق الحق و لا يفارقه، و ذلك يمنع من جهله بحكم شرعي يعلمه أبو بكر،

____________

(1). سورة النساء: الآية 7.

(2). سورة النساء: الآية 33.

(3). سورة النساء: الآية 11.

(4). سورة الأنفال: الآية 75.

352

و أن لا يبلغه النبي (صلّى اللّه عليه و آله) إليهم و لا إلى من تقوم الحجة بنقله إخلال منه (صلّى اللّه عليه و آله) بواجب الأداء، و ذلك مأمون منه باتفاق. فلم يبق إلا كذب المخبر به.

و بعد، فلو سلّم الحديث، لم يمنع من مقصودنا من وجهين:

أحدهما: أن إعرابه غير مضبوط، فيصحّ أن تكون الرواية بنصب صدقة؛ فتكون فائدته أن المتروك للصدقة لا يورث، بخلاف كل موص بصدقة لا يمضي منها ما زاد على الثلث.

الثاني: أنه لو ثبت ما أرادوا من نفي التوريث، لكان مختصّا بما يصحّ ذلك فيه من أملاكه، و فدك خارجة عن هذا، لكونها من جملة الأنفال التي لا تملك على حال، و لا يصح تصرف النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و لا من يقوم مقامه من الحجة من الأئمة المستحقين للأنفال في شي‏ء من منافعها بعد الوفاة، لاختصاص ذلك بالقيام في حفظ الملة مقام الماضي.

و ليس لأحد أن يقول: فأبو بكر بهذه الصفة، لأنا نعلم ضرورة أنه لم يدّعها لنفسه، و ذلك يقتضي جهله بهذا الحكم أو علمه بأنه ليس من أهله، و أيّ الأمرين كان قدح في عدالته.

إن قيل: فعلى أيّ وجه صحّ من فاطمة (عليها السلام) أن تدّعي استحقاقها بالنحلة تارة و بالميراث أخرى؟ قيل: للوجه الذي له حلّ لها التصرف فيها في حياة النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، و هو إذنه لها بذلك، و بعد وفاته إذن أمير المؤمنين (عليه السلام) المستحق لها بنيابته في الحجة عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و لم تتمكن (عليها السلام) أن تطلبها من هذا الوجه المقتضي لتضليل و لي الأمر دون أمير المؤمنين (عليه السلام)، كما لم يتمكن أمير المؤمنين (عليه السلام) من التصريح بذلك. فعدلت إلى دعوى النحلة من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و هي صادقة، لكونها منحولة منه.

و لما دفعت عنها بفعل من قد اعتقد كونها ملكا للنبي (صلّى اللّه عليه و آله)، يصحّ ميراثه؛ قالت: فاذا تعطنيها بالنحلة و كانت عندك ملكا لأبي، فأنا أولى الخلق بميراثه. فعدل إلى الخبر الذي لا حجة فيه على وجه، و هي في ذلك واضحة و للاحتجاج عليه موضعه، و إن كان الوجه في استحقاقها ما بيّناه.