الموسوعة الكبرى عن فاطمة الزهراء(ع) - ج12

- إسماعيل الأنصاري الزنجاني المزيد...
320 /
353

على أن الرجل قد ناقض ما ادعاه على النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و حكم به على فاطمة (عليها السلام) بإقراره الأزواج في بيوت النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، و القميص في يد عائشة الذي أخرجته للتأليب على عثمان، و السلاح و الفرس و النعلين و القضيب و البردة و العمامة و الحمار و الناقة العضباء و الراية في يد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام).

و ذلك لا يعدو أحد أمرين: إما كونه كاذبا في الخبر، أو مانعا لأهل الصدقة ما يستحقونه من هذه الأشياء المقرة في يد من لا يستحق الصدقة، و إن استحقها فهو كبعض الفقراء.

و مما يدل على كونه ظالما يمنع فدك استمرار تظلّم فاطمة (عليها السلام) منه و قولها: فدونكها مزمومة مرحولة، تلقاك يوم حشرك؛ فنعم الحاكم اللّه و الزعيم محمد (صلّى اللّه عليه و آله) و عندها هناك يخسر المبطون. أ في آية- يا ابن أبي قحافة- أن ترث أباك و لا أرث أبي؟ لقد جئت شيئا فريا!

إلى غير ذلك من كلامها و هجرانها إلى أن ماتت و إيلافها على ترك كلامه و إيصائها بدفنها ليلا لئلا يصلي عليها.

و تظلّم أمير المؤمنين (عليه السلام) في أحوال التمكن من منعهم فدك، و قوله المشهور: كانت لنا فدك من جميع ما أظلّه الفلك؛ فشحّت عليها نفوس قوم و سخت نفوس آخرين، و نعم الحاكم اللّه.

المصادر:

تقريب المعارف: ص 336.

107

المتن:

قال السيد محمد كاظم القزويني في سرّ مطالبة فاطمة الزهراء (عليها السلام) بفدك:

354

من الممكن أن يقال: إن السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) الزاهدة عن الدنيا و زخارفها و التي كانت بمعزل عن الدنيا و مغريات الحياة، ما الذي دعاها إلى هذه النهضة و إلى هذا السعي المتواصل و الجهود المستمرة في طلب حقوقها؟

و ما سبب هذا الإصرار و المتابعة بطلب فدك و الاهتمام بتلك الأراضي و النخيل، مع ما كانت تتمتع به السيدة فاطمة (عليها السلام) من علو النفس و سمو المقام؟

و ما الداعلي إلى طلب الدنيا التي كانت أزهد عندهم من عفطة عنز و أحقر من عظم خنزير في فم مجذوم و أهون من جناح بعوضة؟

و ما الدافع بسيدة نساء العالمين (عليها السلام) أن تتكلّف هذا التكلف و تتجشّم هذه الصعوبات المجهدة للمطالبة بأراضيها، و هي تعلم أن مساعيها تبوء بالفشل و أنها لا تستطيع التغلب على الموقف و لا تتمكن من انتزاع تلك الأراضي من المغتصبين؟!

هذه تصورات يمكن أن تتبادر إلى الأذهان حول الموضوع.

أولا: إن السلطة حينما صادرت أموال السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) و جعلتها في ميزانية الدولة- بالاصطلاح الحديث- كان هدفهم تضعيف جانب أهل البيت (عليهم السلام)؛ أرادوا أن يحاربوا عليا (عليه السلام) محاربة اقتصادية؛ أرادوا أن يكون علي (عليه السلام) فقيرا حتى لا يلتفّ الناس حوله و لا يكون له شأن على الصعيد الاقتصادي. و هذه سياسة أراد المنافقون تنفيذها في حق رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حين قالوا: لا تنفقوا على من عند رسول اللّه حتى ينفضّوا من حوله.

ثانيا: لم تكن أراضي فدك قليلة الإنتاج، ضئيلة الغلات، بل كان لها وارد كثير يعبأ به، بل ذكر ابن أبي الحديد أن نخيلها كانت مثل نخيل الكوفة في زمان ابن أبي الحديد.

و ذكر الشيخ المجلسي عن كشف المحجة أن وارد فدك كان أربعة و عشرين ألف دينار في كل سنة، و في رواية أخرى سبعين ألف دينار، و لعل هذا الاختلاف في واردها بسبب اختلاف السنين.

355

و على كل تقدير فهذه ثروة طائلة واسعة، لا يصح التغاضي عنها.

ثالثا: أنها كانت تطالب من وراء المطالبة بفدك، الخلافة و السلطة لزوجها علي بن أبي طالب (عليه السلام)؛ تلك السلطة العامة و الولاية الكبرى التي كانت لأبيها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).

فقد ذكر ابن أبي الحديد في شرحه، قال: سألت علي بن الفارقي- مدرّس المدرسة الغربية ببغداد- فقلت له: أ كانت فاطمة (عليها السلام) صادقة؟ قال: نعم. قلت: فلم لم يدفع إليها أبو بكر فدك و هي عنده صادقة؟ فتبسم، ثم قال كلاما لطيفا مستحسنا مع ناموسه و حرمته و قلة دعابته، قال: لو أعطاها اليوم فدك بمجرد دعواها، لجاءت إليه غدا و ادعت لزوجها الخلافة و زحزته عن مقامه، و لم يكن يمكنه الاعتذار و الموافقة بشي‏ء، لأنه يكون قد أسجل على نفسه بأنها صادقة فيما تدعي، كائنا ما كان، من غير حاجة إلى بينة و شهود.

رابعا: الحق يطلب و لا يعطى، فلا بد للإنسان المغصوب منه ماله أن يطالب بحقه، لأنه حقه، حتى و إن كان مستغنيا عن ذلك المال و زاهدا فيه، و ذلك لا ينافي الزهد و ترك الدنيا و لا ينبغي السكوت عن الحق.

خامسا: إن الإنسان و إن كان زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة، فإنه مع ذلك يحتاج إلى المال ليصلح به شأنه و يحفظ به ماء وجهه و يصل به رحمه و يصرفه في سبيل اللّه، كما تقتضيه الحكمة.

أ ما ترى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)- و هو أزهد الزهاد- كيف انتفع بأموال خديجة في سبيل تقوية الإسلام؟ كما مرّ كلامه (صلّى اللّه عليه و آله) حول أموال خديجة في ص 39.

سادسا: قد تقتضي الحكمة أن يطالب الإنسان بحقه المغصوب، فإن الأمر لا يخلو من أحد وجهين: إما أن يفوز الإنسان و يظفر بما يريد، و هو المطلوب و به يتحقق هدفه من المطالبة، و إما أن لا يفوز في مطالبته فلن يظفر بالمال، فهو إذا ذاك قد أبدى ظلامته و أعلن للناس أنه مظلوم و أن أمواله غصبت منه.

356

هذا، و خاصة إذا كان الغاصب ممن يدعي الصلاح و الفلاح و يتظاهر بالديانة و التقوى، فإن المظلوم يعرّفه للأجيال أنه غير صادق فيما يدّعي.

سابعا: إن حملة المبادئ يتشبّثون بشتّى الوسائل الصحيحة لجلب القلوب إليهم؛ فهناك من يجلب القلوب بالمال أو بالأخلاق أو بالوعود و أشباه ذلك.

و لكن أفضل الوسائل لجلب القلوب- قلوب كافة الطبقات- هو التظلم و إظهار المظلومية، فإن القلوب تعطف على المظلوم، كائنا من كان، و تشمئز من الظالم، كائنا من كان.

و هذه خطّة ناجحة و ناجعة لتحقيق أهداف حملة المبادئ الذين يريدون إيجاد الوعي في النفوس عن طريق جلب القلوب إليهم، و هناك أسباب و دواع أخرى لا مجال لذكرها.

لهذه الأسباب قامت السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) و توجّهت نحو مسجد أبيها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لأجل المطالبة بحقها.

إنها لم تذهب إلى دار أبي بكر ليقع الحوار بينها و بينه فقط، بل اختارت المكان الأنسب و هو المركز الإسلامي يومذاك و مجمع المسلمين حينذاك، و هو مسجد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ....

المصادر:

فاطمة الزهراء (عليها السلام) من المهد إلى اللحد: ص 353.

108

المتن:

قصيدة من ياسين بن أحمد الصواف، نظّمها قبل تأليف كتابه عقد الدرر، و نحن نورد بعض منها: ...

357

تبسّم الزهر عن ثغر من الدرر * * * لما فتكن بنات الدهر في عمر

لما ادعت فاطم الزهراء نحلتها * * * من النبي بما قد جاء في الخبر

في مجلس من أبي بكر تحاكمه‏ * * * قد ضمّ مجلسه جمعا من البشر

إن العوالي و ما والاه في فدك‏ * * * عطية من أبي بالي و مدّخر

فقال هاتي شهودا يشهدون على‏ * * * دعواك حقا فهذا الأمر في وغر

فأقبلت بشهود يشهدون على‏ * * * تصحيح عرفان ما في الأمر من نكر

لما تبيّن ما في الأمر من فدك‏ * * * بأنها من عطايا سيد البشر

فردّها ثم أعطاها الكتاب على‏ * * * تسليمها فدكا يا صاح فاعتبر

فجاءه عمر يسعى على عجل‏ * * * في زمرة من أخسّ القوم في الزهر

معقّبا لأبي بكر اللعين بما * * * أعطى لفاطم من حكم و مستطر

مبطلا ضمن ما ضمّ الكتاب و ما * * * في حكمه سفها هذا من العبر

و ظلّ يزقّ فيه عامدا سفها * * * مبقّر البطن ما في الحكم من سطر

ودع فاطمة الزهراء و دافعها * * * عن إرث والدها المختار من مضر

مخالفا لكتاب اللّه مجتريا * * * على البدائع لم يجوب بمؤتمر

محرّفا لكتاب اللّه مفتريا * * * على الرسول بقول الزور و الهدر

مهدما ما بنى المختار من حكم‏ * * * فأصبحت ملة الإسلام في دثر

مكذّبا كل ما أوحى الإله إلى‏ * * * رسوله و بما في الكر من سطر

محرّما ما أحلّ اللّه من عمل‏ * * * مخالفا كل ما قد جاء في الزبر

محرقا بيت وحي اللّه في سفه‏ * * * و عاود الكفر لا يخشى من الوزر

و شمّر الدين و ارتد اللعين على ال * * * دين المبين كقول الكاذب الأشر

و عاند المرتضى الكرار حيدرة * * * مسفها رأيه للّه في كفر

زار على عترة الهادي النبي و هم‏ * * * مطهّرون من الأدناس و القذر

ويل له كيف ردّ الطهر فاطمة * * * عن حقها لم يخف منشئ الصور

بأي وجه يلاقي المصطفى و لقد * * * آذى البتول بقول الفحش و الضرر

هذا و لم يكفه الطاغي فأضغطها * * * بالباب قسرا على ما جاء في الخبر

358

و أمّر قنفذا بالسوط يضربها * * * وا حسرتاه لما لا قت من الضرر

فأسقطت بجنين آه وا عجبا * * * ما في الصحابة من ناه و منتهر

يا للحمية للطهر فاطمة * * * من البرية من خادم و منتصر

هناك ستّ النساء الطهر فاطمة * * * بنت النبي على القدر و الحظر

دعت عليه ببقر البطن منه و ما * * * قد صار فيه بأمر غير مستتر

أجاب دعوتها البارئ و بلّغها * * * حسب المراد على ما جاء في الخبر

في تاسع من ربيع الأول انكسرت‏ * * * عصا الفجور مع العصيان في الأثر

المصادر:

عقد الدرر للصواف: ص 85.

109

المتن:

قال مقاتل بن عطية في مناظرة العلوي و العباسي عند ملك شاه السلجوقي وزيره:

قال الملك: إنك- أيها العلوي- قلت في أول الكلام: إن أبا بكر أساء إلى فاطمة الزهراء بنت رسول اللّه (عليها السلام)، فما هي إساءته إلى فاطمة (عليها السلام)؟

قال العلوي: إن أبا بكر بعد ما أخذ البيعة لنفسه من الناس بالإرهاب و السيف و التهديد و القوة، أرسل عمرا و قنفذا و خالد بن الوليد و أبا عبيدة الجراح و جماعة أخرى- من المنافقين- إلى دار علي و فاطمة (عليهما السلام)، و جمع عمر الحطب على باب بيت فاطمة (عليها السلام)؛ ذلك الباب الذي طالما وقف عليه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و قال: «السلام عليكم يا أهل بيت النبوة» و ما كان يدخله إلا بعد الاستئذان؛ و أحرق الباب بالنار.

و لما جاءت فاطمة (عليها السلام) خلف الباب لتردّ عمر و حزبه، عصّر عمر فاطمة (عليها السلام) بين الحائط و الباب عصرة شديدة قاسية حتى أسقطت جنينها و نبت مسمار الباب في صدرها، و صاحت فاطمة: أبتاه يا رسول اللّه! أنظر ما ذا لقينا بعدك من ابن الخطاب‏

359

و ابن أبي قحافة! فالتفت عمر إلى من حوله و قال: اضربوا فاطمة. فانهالت السياط على حبيبة رسول اللّه و بضعته (عليها السلام) حتى أدموا جسمها.

و بقيت آثار هذه العصرة القاسية و الصدمة المريرة تنخر في جسم فاطمة (عليها السلام).

فأصبحت مريضة عليلة حزينة حتى فارقت الحياة بعد أبيها بأيام؛ ففاطمة (عليها السلام) شهيدة بيت النبوة؛ فاطمة (عليها السلام) قتلت بسبب عمر بن الخطاب.

قال الملك للوزير: هل ما يذكره العلوي صحيح؟ قال الوزير: نعم، إني رأيت في التواريخ ما يذكره العلوي. قال العلوي: و هذا هو السبب لكراهة الشيعة أبا بكر و عمر.

و أضاف العلوي قائلا: و يدلّك على وقوع هذه الجريمة من أبي بكر و عمر أن المؤرخين ذكروا إن فاطمة (عليها السلام) ماتت و هي غاضبة على أبي بكر و عمر، و قد ذكر الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) في عدة أحاديث له: «إن اللّه يرضى لرضا فاطمة (عليها السلام) و يغضب لغضبها»، و أنت- أيها الملك- تعرف ما هو مصير من غضب اللّه عليه.

قال الملك موجّها الخطاب للوزير: هل صحيح هذا الحديث و هل صحيح أن فاطمة (عليها السلام) ماتت و هي واجدة- أي غاضبة- على أبي بكر و عمر؟! قال الوزير: نعم، ذكر ذلك أهل الحديث و التاريخ.

قال العلوي: و يدلّك- أيها الملك- على صدق مقالتي أن فاطمة (عليها السلام) أوصت إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام) أن لا يشهد أبا بكر و عمر و سائر الذين ظلموها جنازتها فلا يصلّوا عليها و لا يحضروا تشييعها، و أن يخفي علي (عليه السلام) قبرها حتى لا يحضروا على قبرها، و نفّذ علي (عليه السلام) وصاياها.

قال الملك: هذا أمر غريب، فهل صدر هذا الشي‏ء من فاطمة و علي (عليهما السلام)؟ قال الوزير:

هكذا ذكر المؤرخون.

قال العلوي: و قد آذى أبو بكر و عمر فاطمة (عليها السلام) أذيّة أخرى. قال العباسي: و ما هي تلك الأذيّة؟ قال العلوي: هي أنهما غصبا ملكها فدك. قال العباسي: و ما هو الدليل على أنهما غصبا فدك؟

360

قال العلوي: التواريخ ذكرت أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أعطى فدكا لفاطمة (عليها السلام)، فكانت فدك في يدها في أيام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). فلما قبض النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، أرسل أبو بكر و عمر من أخرج عمّال فاطمة (عليها السلام) من فدك بالجبر و السيف و القوة، و احتجّت فاطمة (عليها السلام) على أبي بكر و عمر، لكنهما لم يسمعا كلامها، بل نهراها و منعاها، و لذلك لم تكلّمهما حتى ماتت غاضبة عليهما.

قال العباسي: لكن عمر بن عبد العزيز ردّ فدك على أولاد فاطمة (عليها السلام) في أيام خلافته.

قال العلوي: و ما الفائدة؟ فهل لو أن إنسانا غصب منك دارك و شرّدك، ثم جاء إنسان آخر بعد أن متّ أنت و ردّ دارك على أولادك؛ كان ذلك يسمح ذنب الغاصب الأول؟

قال الملك: يظهر من كلامكها- أيها العباسي و العلوي- أن الكل متفقون على غصب أبي بكر و عمر فدكا؟ قال العباسي: نعم، ذكر ذلك التاريخ. قال الملك: و لما ذا فعلا ذلك؟

قال العلوي: لأنهما أرادا غصب الخلافة و علما بأن فدك لو بقيت بيد فاطمة (عليها السلام) لبذلت و وزّعت واردها الكثير- مائة و عشرون ألف دينار ذهب على قول بعض التواريخ- في الناس و بذلك يلتفّ الناس حول علي (عليه السلام)، و هذا ما كان يكرهه أبو بكر و عمر.

المصادر:

مؤتمر علماء بغداد: ص 62.

110

المتن:

قال الشيخ المفيد في ذكر حديث نحن معاشر الأنبياء لا نورّث ما تركناه صدقة:

إذا سلّم للخصوم ما ادعوه على النبي (صلّى اللّه عليه و آله) من قوله: نحن معاشر الأنبياء لا نورّث ما تركناه صدقة، كان محمولا على أن الذي تركه الأنبياء (عليهم السلام) صدقة فإنه لا يورث، و لم يكن محمولا على أن ما خلّفوه من أملاكهم فهو صدقة لغيرهم لا يورث.

361

و الحجة على ذلك أن التأويل الأول موافق لعموم القرآن و تأويل الناصبة مانع من العموم، و ما يوافق ظاهر القرآن أولى بالحق مما خالفه.

فإن قالوا: هذا لا يصح، و ذلك لأن كل شي‏ء تركه الخلق بأجمعهم صدقة، و كان من صدقاتهم لم يورث و لم يصح ميراثه. فلا يكون حينئذ لتخصيص الأنبياء (عليهم السلام) بذكره فائدة معقولة.

قيل لهم: ليس الأمر كما ذكرتم، و ذلك إن الشي‏ء قد يعمّ بتخصيص البعض للتحقيق به أنهم أولى الناس بالعمل بمعناه و ألزم الخلق له، و إن كان دينا لمن سواهم من المكلفين؛ قال اللّه عز و جل: «إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها» (1)، و إن كان منذرا لجميع العقلاء؛ و قال: «إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ أَقامَ الصَّلاةَ» (2)، و إن كان يعمّرها الكفار و من هو بخلاف هذه الصفة؛ و قال: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ» (3)، و إن كان في الكفار من إذا ذكر اللّه و جل قلبه و خاف و في المؤمنين من يسمع ذكر اللّه و هو مسرور بنعم اللّه أو مشغول بضرب من المباح، فلا يلحقه في الحال وجل و لا يعتريه خوف.

و هذا محسوس معروف بالعادات، و هو كقول القائل: نحن معاشر المسلمين لا نقرّ على منكر، و إن كان أهل الملل من غيرهم لا يقرّون على ما يرونه من المنكرات و في المسلمين من يقرّ على منكر يعتقد صوابه بالشبهات؛ و كقول فقيه من الفقهاء: نحن معاشر الفقهاء لا نرى قبول شهادة الفاسقين، و قد ترى ذلك جماعة ممن ليس من الفقهاء؛ و كقول القائل: نحن معاشر القرّاء لا نستجيز خيانة الظالمين، و قد يدخل معهم من يحرم ذلك من غير القراء من العدول و الفاسقين؛ و أمثال هذا في القول المعتاد كثير.

و إنما المعنى في التخصيص به التحقيق بمعناه و التقدم فيه، و أنهم قدوة لمن سواهم و أئمتهم في العلم نحو ما ذكرناه.

____________

(1). سورة النازعات: الآية 45.

(2). سورة التوبة: الآية 18.

(3). سورة الأنفال: الآية 2.

362

و وجهه آخر و هو أنه يحتمل أن يكون قوله (صلّى اللّه عليه و آله)- إن صحّ عنه- أنه قال: نحن معاشر الأنبياء لا نورّث ما تركناه صدقة لا يورث، أي لا يستحقّه أحد من أولادنا و أقربائنا، و إن صاروا إلى حالة الفقراء التي من صار إليها من غيرهم حلّت لهم صدقات أهليهم، لأن اللّه تعالى حرّم الصدقة على أولاد الأنبياء و أقاربهم تعظيما لهم و رفعا لأقدارهم عن الأدناس، و ليس ذلك في من سواهم من الناس لأن غير الأنبياء إذا تركوا صدقات و وقوفا و وصايا للفقراء من سائر الناس فصار أولادهم و أقاربهم من بعدهم إلى حال الفقر كان لهم فيها حقوق أوكد من حقوق غيرهم من الأباعد.

فمنع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ذريته و أهل بيته (عليهم السلام) من نيل ما تركه من صدقاته و إن افتقروا و خرجوا من حال الغنى، و كان المعنى في قوله: «لا نورّث» أي لا يصير من بعدنا إلى ورثتنا على حال، و هذا معروف في انتقال الأشياء من الأموات إلى الأحياء و الوصف له بأنه ميراث و إن لم يوجد من جهة الإرث؛ قال اللّه عز و جل: «وَ أَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَ دِيارَهُمْ». (1)

فصل: و تعلّق بعضهم بلفظ آخر في هذا الخبر فقال: إن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال: نحن معاشر الأنبياء لا نورّث ما تركناه هو صدقة، و هذا أيضا لا يصح.

فالوجه فيه: إن الذي تركناه من حقوقنا و ديوننا فلم نطالب في حياتنا و نستنجزه قبل مماتنا، فهو صدقة على من هو في يده من بعد موتنا، و ليس يجوز لورثتنا أن يتعرّضوا لتمليكه؛ فإنا قد عفونا لمن هو في يده عنه بتركنا قبضه منه في حياتنا، و ليس معناه ما تأوّله الخصوم.

و الدليل على ذلك: إن الذي ذكرناه فيه موافق لعموم القرآن و ظاهره، و ما ادعاه المخالف دافع لعموم القرآن و مخالف لظاهره، و حمل السنة على وفاق العموم أولى من حمله على خلاف ذلك.

____________

(1). سورة الأحزاب: الآية 27.

363

المصادر:

رسالة حول حديث نحن معاشر الأنبياء لا نورّث للمفيد: ص 1.

111

المتن:

كلام السيد بن طاوس في قصة فدك و ما جرى على فاطمة (عليها السلام) من منع فدك و الإرث:

و من طريف مناقضاتهم ما رووه في كتبهم الصحيحة عندهم برجالهم عن مشايخهم حتى أسندوه عن سيد الحفاظ يعنون ابن مردويه، قال: أخبرنا محيي السنة أبو الفتح عبدوس بن عبد اللّه الهمداني إجازة، قال: حدثنا القاضي أبو نصر شعيب بن علي، قال: حدثنا موسى بن سعيد، قال: حدثنا الوليد بن علي، قال: حدثنا عباد بن يعقوب، عن ابن عباس، عن فضيل، عن عطية، عن أبي سعيد، قال: لما نزلت هذه الآية:

«وَ آتِ ذَا الْقُرْبى‏ حَقَّهُ» (1)، دعا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فاطمة (عليها السلام) فأعطاها فدكا.

قال: فهل ترى عذرا في منع فاطمة (عليها السلام) من فدك؟ و هل تراهم إلا قد شهدوا بتصديقها ثم منعوها و كذّبوها؟ و هل ترى شكا فيما ترويه الشيعة من ظلمها و دفعها من حقها؟

و من طريف مناقضتهم أيضا في ذلك و إقرارهم بظهور حجة اللّه و حجة رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) و حجة فاطمة (عليها السلام) عليهم و مبالغتهم في اعترافهم ببطلان، إعذارهم في منع فاطمة (عليها السلام) من فدك.

و ما ذكره المسمّى صدر الأئمة عندهم فخر خوارزم موفق بن أحمد المكي في كتابه، قال ما هذا لفظه: و مما سمعت في المقادير بإسنادي عن أبن عباس، قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «يا علي، إن اللّه تعالى زوّجك فاطمة (عليها السلام) و جعل صداقها الأرض؛ فمن مشى عليها مبغضا لها مشى حراما».

____________

(1). سورة الإسراء: الآية 26.

364

قال: فإذا كان الأمر كما قالوه و إن الأرض صداقها، أ فما كان يحسن أن تعطي من جملة صداقها فدكا؟ و هل رواياتهم لمثل هذا إلا زيادة في الحجة عليهم؟ فإن من شهدتم أن الأرض صداقها، فكيف جاز أن تكذّب و تمنع من فدك؟ إن هذا من عجائب ما نقلوه و مناقض ما قالوه.

و من طريف مناقضتهم أيضا ما رواه أبو بكر بن مردويه في كتابه بأسناده، قال: نابت أصحاب محمد (صلّى اللّه عليه و آله) نائبة، فجمعهم عمر فقال لعلي (عليه السلام): تكلّم فأنت خيرهم و أعلمهم؛ هذا لفظ الحديث.

و من طريف مناقضتهم أيضا في ذلك روايتهم في صحاحهم بأن عليا (عليه السلام) أقضاهم و أعلمهم.

و قد ذكر الحميدى في كتاب الجمع بين الصحيحين في الحديث الأول من أفراد البخاري في مسند أبيّ بن كعب طرفا من ذلك، و رووا في كتبهم: كان عمر يقول:

لا عاش عمر لمعضلة ليس لها أبو الحسن، يعني عليا، و أن: لو لا علي لهلك عمر.

فكيف يقال عن علي (عليه السلام)- و هو بهذا العلم و هذه الأوصاف و قد بلغ من الأمانة و الورع و الزهادة إلى الغايات- بأنه يترك زوجته المعظّمة في الإسلام تطلب حكما و شيئا لا يثبت لها و لا تقبل فيه شهادة شهودها، و إنه ممن لا يقبل شهادته في ذلك، ثم يشهد لها ثم يوافقها و يعاضدها في الحياة و يزكّيها بعد الوفاة؟!

و من طريف الأمور الدالة على تهوينهم بفاطمة بنت نبيهم (عليها السلام) و بوصايا أبيها فيها و عدم طلبهم لمراضيها، أنها تبقى ستة أشهر- على ما تقدّمت الرواية عنهم في صحاحهم- هاجرة لأبي بكر، فلا يقع توصّل في رضاها، و قد كان يمكن أبو بكر إذا عجز عن كل شي‏ء أن يهب لها ما يخصّها من الحصّة التي ادعاها بشهادة في ميراث أبيها و يستوهب لها باقى فدك و العوالي من المسلمين أو يشتري ذلك منهم. أ فما كان لحق أبيها و حقها ما يوجب عليه و على المسلمين أن يؤثروها بذلك أو يبعثوا من يشتري لها ذلك؟!

365

و من طريف ما رأيت من اعتذارهم لأبي بكر في ظلم فاطمة بنت نبيهم (عليها السلام) أن محمود الخوارزمي ذكر في كتاب الفائق في الأصول لما استدلّوا عليه بأن فاطمة (عليها السلام) صادقة و أنها من أهل الجنة، فكيف يجوز الشك في دعواها لفدك، و كيف يجوز أن يقال عنها أرادت ظلم جميع المسلمين و أصرّت على ذلك إلى الوفاة؟ فقال الخوارزمي ما هذا لفظه: إن كون فاطمة (عليها السلام) صادقة في دعواها و أنها من أهل الجنة، لا توجب العمل بما تدعيه إلا ببينة.

قال الخوارزمي: و إن أصحابه يقولون لا يكون حالها أعلى من حال نبيهم محمد (صلّى اللّه عليه و آله)، و لو ادعى نبيهم محمد (صلّى اللّه عليه و آله) مالا على ذمّيّ و حكم حكما، ما كان للحاكم أن يحكم له لنبوته و كونه من أهل الجنة إلا ببينة.

و قال: أ ما تضحك العقول الصحيحة من هذا الكلام؟! كيف يعدّون هؤلاء من أهل الإسلام و يزعمون أنهم قد صدّقوا نبيهم في التحريم و التحليل و العطاء و المنع و كل شي‏ء ذكره لنفسه أو لغيره، و يكذّبونه أو يشكّون في صدقه في الدعوى على ذمّيّ حتى يقوم ببينة؟! إن هذا عقل ضعيف و دين سخيف!

و من طريف ذلك أن البينة، ما عرفوا ثبوتها و صحة العمل بها إلا من نبيهم و يكون ثبوت صدقه الآن في الدعوى على الذمي بالبينة.

و من طريف ما تجدّد في هذا المعنى أن فاطمة بنت نبيهم (عليها السلام) المشهود لها بالفضائل و أنها سيدة نساء أهل الجنة، يكذّبونها و يكذّبون شهودها و يطعنون فيهم و فيها، مع ما تقدم في رواياتهم من مدائح اللّه و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) لهم، و يدّعي بنو صهيب مولى بني جزعان ببيتين و حجرة من بيوت نبيهم (صلّى اللّه عليه و آله) و حجراته و يطلبون ذلك بعد وفاته بمدة طويلة، تقتضى أن لو كان لهم حق فيما ادعوه لظهر، فيعطون ذلك بشهادة عبد اللّه بن عمر وحده و لا ينكر ذلك مسلم منهم، و لا يجري عند هؤلاء الأربعة المذاهب حال فاطمة (عليها السلام) و شهودها مجرى عبد اللّه بن عمر وحده! و قد روى الحديث في ذلك جماعة.

366

و رواه الحميدي في مسند عبد اللّه بن عمر في الحديث الثامن و الستين من أفراد البخاري من كتاب الجمع بين الصحيحين بهذه الألفاظ: إن بني صهيب مولى بني جزعان أدعوا ببيتين و حجرة أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أعطى ذلك صهيبا. فقال مروان: من يشهد لكم على ذلك؟ قالوا: عبد اللّه بن عمر. فشهد لهم بذلك، فقضى مروان بشهادته وحده لهم.

و من طريف ما تجدّد لفاطمة (عليها السلام) منهم أنها لما رأت تكذيبهم لها و شكهم فيها و في شهودها بأن أباها وهبها ذلك في حياته، أرسلت إلى أبي بكر- و رووا أنها حضرت بنفسها- تطلب فدكا بطريق ميراث أبيها، لأن المسلمين لا يختلفون في أن فدكا كانت لأبيها محمد (صلّى اللّه عليه و آله).

فمنعها أيضا أبو بكر من ميراثها و هان عليه ظلمها و تكذيبها، و ادعى في منعها قولا من أبيها، لو كان قد قاله ما كان خفي عنها و عن جماعة من أهل الإسلام، و أذاها و قبح ذكر صدقها و أساء الخلافة لأبيها فيها، و طعن في تزكيته لها؛ فهجرته حتى ماتت.

فمن الرواية في ذلك ما ذكره البخاري في صحيحه في الجزء الخامس من أجزاء ثمانية في رابع كرّاس من أوله من النسخة المنقول منها، بأسناده عن عائشة: أن فاطمة بنت رسول اللّه (عليها السلام) أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) مما أفاء اللّه عليه بالمدينة و فدك و ما بقي من خمس خيبر، فقال أبو بكر: إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: نحن معاشر الأنبياء لا نورّث ما تركناه فهو صدقة؛ إنما يأكل آل محمد (عليهم السلام) من هذا المال. و إني و اللّه لا أغيّر شيئا من صدقة رسول اللّه عن حالها التي كانت عليها في عهد رسول اللّه، و لأعملن فيها بما عمل به رسول اللّه.

فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة (عليها السلام) منها شيئا. فوجدت فاطمة (عليها السلام) على أبي بكر في ذلك، فهجرته فلم تكلّمه حتى توفّيت؛ و عاشت بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ستة أشهر. فلما توفّيت دفنها زوجها علي بن أبي طالب (عليه السلام) ليلا و لم يؤذن بها أبا بكر، و صلّى عليها علي (عليه السلام) ....

367

و قال: و من الرواية في ذلك ما رواه مسلم في صحيحه في الجزء الثالث من أجزاء ستة في أواخره على نحو ثلاث كراريس من النسخة المنقول منها، بأسناده: أن فاطمة بنت رسول اللّه (عليها السلام) أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) مما أفاء اللّه عليه بالمدينة و فدك و ما بقي من خمس خيبر. فقال أبو بكر: إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: لا نورّث ما تركناه صدقة؛ إنما يأكل آل محمد (عليهم السلام) من هذا المال. و إني و اللّه لا أغيّر شيئا من صدقة رسول اللّه عن حالها التي كانت عليها في عهد رسول اللّه و لأعملن فيها بما عمل رسول اللّه.

فأبي أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة (عليها السلام) شيئا. فوجدت فاطمة (عليها السلام) على أبي بكر في ذلك.

فهجرته فلم تكلّمه حتى توفّيت، و عاشت بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ستة أشهر. فلما توفّيت، دفنها زوجها علي بن أبي طالب ليلا و لم يؤذن بها أبا بكر، و صلّى عليها علي (عليه السلام).

قال عبد المحمود: في هذين الحديثين عدة طرائف:

فمن طريف ذلك أنهم نسبوا محمدا (صلّى اللّه عليه و آله) نبيهم إلى أنه أهمل أهل بيته (عليهم السلام) الذين قال اللّه تعالى عنهم: «وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ» (1)، و قال في كتابهم: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَ أَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَ الْحِجارَةُ» (2)، و مع هذا ينقلون أنه لم ينذر عشيرته و لا وقى أهله و لا عرّفهم أنهم لا يرثونه و لا عرّف عليا (عليه السلام) و لا العباس و لا أحدا من بني هاشم و لا أزواجه و لا سمعوا و لا أحد منهم بذلك مدة حياة نبيهم (صلّى اللّه عليه و آله) و لا بعد وفاته، حتى خرج بعضهم يطلب ميراثه و بعضهم يرضى بذلك الطلب و تبذلوا و تبذلت ابنته فاطمة المعظّمة (عليها السلام) سيدة نساء العالمين، فطلبت على قولهم ظلم جميع المسلمين!

لا سيما و قد روى الحميدي في الجمع بين الصحيحين في مسند أبي بكر من المتفق عليه في الحديث السادس: أن فاطمة (عليها السلام) و العباس أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و هما حينئذ يطلبان أرضه من فدك و سهمه من خيبر ....

____________

(1). سورة الشعراء: الآية 214.

(2). سورة التحريم: الآية 6.

368

و روى أيضا الحميدي في الجمع بين الصحيحين من مسند عائشة في الحديث الثالث و الأربعين من المتفق عليه أنها قالت: أن أزواج النبي (صلّى اللّه عليه و آله) حين توفّي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، أردن أن يبعثن عثمان بن عفان إلى أبي بكر فيسألنه ميراثهن .....

كيف يقبل العقول و يقتضي العوائد أن نبيهم (صلّى اللّه عليه و آله) يعلم أنه لا يورث و يكتم ذلك عن وراثه و نسائه و خاصته؛ إن ذلك دليل واضح على إنه قد كان موروثا على اليقين، و إنهم دفعوا فاطمة (عليها السلام) و ورّاثه بالمحال الذي لا يخفى على أهل البصائر و الدين.

و من طريف ذلك أن يكون بنو هاشم و أزواجه و ابنته مشاركين لمحمد (صلّى اللّه عليه و آله) نبيهم في سرّه و جهره و مطّلعين على أحواله، و يستر عنهم أنهم لا يستحقون ميراثه و يعلم ذلك أبو بكر و من وافقه من الأباعد! و ليس لهم ما لبني هاشم من الاختصاص به و المخالطة له ليلا و نهارا و سرّا و جهرا. إن ذلك من طرائف ما يقال عن هؤلاء القوم من ارتكاب المحال.

و من طريف ذلك أن محمدا (صلّى اللّه عليه و آله) نبيهم يبلغ الغايات من الشفقة على الأباعد، و قد تضمّن كتابهم: «لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ». (1) فيصفه اللّه بهذه الرأفة و الرحمة و يشهدون بتصديق ذلك.

فكيف يقال عن هذا الشفيق الرءوف الرحيم أنه ترك الشفقة على مثل ابنته و عمه و أزواجه و بني هاشم و لم يعرفهم أنهم لا يستحقون ميراثه و يعرف بذلك الأباعد، حتى يجري ما جرى؟! إن ذلك من عجيب المناقضات و طريف المقالات!

و من طريف ذلك أن أبا بكر قد أقسم في الحديثين المذكورين أنه لا يغيّر ما كان من ذلك على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).

و قد روى الحميدى في الجمع بين الصحيحين من مسند جبير بن مطعم في الحديث الثالث من أفراد البخاري، قال: جاء جبير بن مطعم و عثمان بن عفان إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله) يكلّمانه فيما فيه من خمس خيبر من بني هاشم و بني عبد المطلب، فقالا: يا

____________

(1). سورة التوبة: الآية 128.

369

رسول اللّه! قسّمت لإخواننا بني عبد المطلب و لم تعطنا شيئا، و قرابتنا مثل قرابتهم بهما. فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): إنما أرى هاشما و عبد المطلب شيئا واحدا. قال جبير:

و لم يقسّم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لبني عبد شمس و لا لبني نوفل من ذلك الخمس شيئا.

و زاد حرملة، عن أبن وهب، عن يونس: قال ابن شهاب: و كان أبو بكر يقسّم الخمس نحو قسم النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، غير أنه لم يكن يعطي قرابة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كما كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يعطيهم.

ثم رأيت في نسخة الحميدى و إن هذه صورتها، ثم قال: أظنّه كان يزيدهم. قال ابن شهاب: و كان عمر يعطيهم منه و عثمان بعده.

قال: و قد استطرفت و استعظمت يمين أبي بكر و دفعه لفاطمة (عليها السلام)، أنه يعمل في خمس خيبر كما عمل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أنه لا يغيّر ذلك. ثم شهادتهم على أبي بكر في هذا الحديث الصحيح أنه غير ذلك و ما كان يقسّم خمس خيبر بعد نبيهم محمد (صلّى اللّه عليه و آله) في قرابته كما كان يقسّمها نبيهم في حياته، و هذا من عظائم الأمور التي تدلّ على سوء أحوال الفاعلين و الراضين بالأمور المذكورة.

و من طريف ذلك اعتذار الحميدي لأبي بكر و قوله: «أظنّه كان يزيدهم». فهب أنه كان يزيدهم، أما ذلك خلاف ما كان يفعل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في خمس خيبر؟ ثم إن كان لأبي بكر أن يفعل ذلك، فهلا أعطى لفاطمة (عليها السلام) فدكا و العوالي بالحجة التي يزيد بها قرابة نبيهم (صلّى اللّه عليه و آله) بعد وفاته و غيّر ما ذكر أنه لا يغيّره من عاداته؟! أما لهؤلاء المسلمين عقول يفكرون في مناقضات هذا المنقول؟

و من طريف الحديثين المذكورين و ما رووه و صحّحوه في ضد ذلك، و ما رواه الحميدي في الجمع بين الصحيحين في الحديث الحادي و الثلاثين من المتفق عليه من مسند عبد اللّه بن عباس، في جواب ما كتب إليه نجدة بن عامر الحروري- و هو من رؤساء الخوارج-، قال: و كتبت تسألني عن الخمس لمن هو؟ و إنا كنا نقول: هو لنا، فأبى علينا قومنا ذلك.

370

قال: فهذه شهادة عبد اللّه بن عباس فيما صحّحوه أن فاطمة و أن عليا و الحسنين (عليهم السلام) منعوا من الخمس، و في ذلك ما فيه لمن كان له قلب عاقل و نظر فاصل.

المصادر:

الطرائف: ص 253.

112

المتن:

ذكر أبو هلال العسكري في كتاب أخبار الأوائل:

أن أول من ردّ فدكا على ورثة فاطمة (عليها السلام) عمر بن عبد العزيز، و كان معاوية أقطعها لمروان بن الحكم و عمرو بن عثمان و يزيد بن معاوية و جعلها بينهم أثلاثا، ثم قبضت من ورثة فاطمة (عليها السلام) فردّها عليهم السفّاح، ثم قبضت فردّها عليهم المهدي، ثم قبضت فردّها عليهم المأمون، كما تقدم شرحه.

و من غير كتاب أبي هلال العسكري بل في تواريخ متفرقة أنها قبضت منهم بعد المأمون فردّها عليهم الواثق، ثم قبضت فردّها عليهم المستعين، ثم قبضت فردّها عليهم المعتمد، ثم قبضت فردّها المعتضد، ثم قبضت فردّها عليهم الراضي.

قال: و من طريف ما رأيت من المناقضة في ذلك أن أبا بكر و عمر يردّان شهادة علي بن أبي طالب (عليه السلام) و يقولان: أنه يجرّ إلى نفسه، و قد عرف أهل الملل و العارفون بأحوال الإسلام أن علي بن أبي طالب (عليه السلام) ما كان طالبا للدنيا و لا راغبا و لا متّكلا عليها كما فعل أبو بكر و عمر، حتى يقال أنه يجرّ إلى نفسه.

و من طريف ذلك، إن يكون اللّه العالم بالسرائر يشهد لعلي بن أبي طالب (عليه السلام) على لسان رسولهم (صلّى اللّه عليه و آله) على ما ذكروه في صحاحهم و قد تقدم بعضه أن علي بن أبي طالب (عليه السلام) ممدوح مزكّى في الحياة و بعد الوفاة و أنه أفضل الصحابة، فإن جاز الشك في علي (عليه السلام)

371

الموصوف بتلك الصفات فإنما هو شك فيمن أسندوا إليه تلك الروايات و تكذيب لأنفسهم فيما صحّحوه و نقص للإسلام الذي مدحوه.

و من طريف ذلك أن تسقط شهادة علي (عليه السلام) بدعوى أنه يجرّ إلى نفسه، و يشهد أبو بكر أن ميراث محمد (صلّى اللّه عليه و آله) للمسلمين. فإذا كان أبو بكر من المسلمين فله في ميراثه حصّة و لكل من وافقه في الشهادة بذلك؛ فكيف لا يكونون جارّين إلى أنفسهم، و كيف لا يبطل شهادة أبي بكر و هو في تلك الحال؛ يزعم أنه وكيل المسلمين و شاهد لهم و شاهد لنفسه و مدّع لثبوت يده على فدك و العوالي، و لا يكون بعض هذه الأمور القادحة في الشهادات مبطلا لشهادته و لا جارّا إلى نفسه و لا مسقطا لروايته؟! إن ذلك من طرائف ما ادعاه المسلمون و عجائب السلف الماضين.

المصادر:

1. الطرائف: ص 252.

2. أخبار الأوائل، على ما في الطرائف.

3. الأوائل للتستري: ص 9.

113

المتن:

قال العالم الزاهد جمال السالكين السيد ابن طاوس:

إن جماعة من ولد الحسن و الحسين (عليهما السلام) رفعوا قصة إلى المأمون؛ الخليفة العباسي من بني العباس؛ يذكرون أن فدك و العوالي كانت لأمهم فاطمة (عليها السلام) بنت محمد نبيهم (صلّى اللّه عليه و آله) و أن أبا بكر أخرج يدها عنها بغير حق، و سألوا المأمون انصافهم و كشف ظلامتهم.

فأحضر المأمون مائتي رجل من علماء الحجاز و العراق و غيرهم و هو يؤكّد عليهم في أداء الأمانة و اتباع الصدق و عرّفهم ما ذكره ورثة فاطمة (عليها السلام) في قضيتهم و سألهم عما عندهم من الحديث الصحيح في ذلك.

372

فروى غير واحد منهم عن بشير بن الوليد و الواقدي و بشر بن عتاب في أحاديث يرفعونها إلى محمد (صلّى اللّه عليه و آله) نبيهم: لما فتح خيبر، اصطفى لنفسه قرى من قرى اليهود. فنزل عليه جبرئيل بهذه الآية: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى‏ حَقَّهُ». (1) فقال محمد (صلّى اللّه عليه و آله): و من ذو القربى و ما حقه؟ قال: فاطمة (عليها السلام)، تدفع إليها فدك. فدفع إليها فدك، ثم أعطاها العوالي بعد ذلك.

فاستغلّتها حتى توفّي أبوها محمد (صلّى اللّه عليه و آله).

فلما بويع أبو بكر، منعها أبو بكر منها. فكلّمته فاطمة (عليها السلام) في ردّ فدك و العوالي عليها و قالت له: إنها لي و إن أبي دفعها إليّ. فقال أبو بكر: و لا أمنعك ما دفع إليك أبوك.

فأراد أن يكتب لها كتابا، فاستوقفه عمر بن الخطاب و قال: إنها امرأة، فادعها بالبينة على ما ادّعت. فأمر أبو بكر أن تفعل. فجاءت بأم أيمن و أسماء بنت عميس مع علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فشهدوا لها جميعا بذلك، فكتب لها أبو بكر.

فبلغ ذلك عمر، فأتاه فأخبره أبو بكر الخبر. فأخذ الصحيفة فماحاها فقال: إن فاطمة امرأة و علي بن أبي طالب زوجها و هو جارّ إلى نفسه، و لا يكون بشهادة امرأتين دون رجل.

فأرسل أبو بكر إلى فاطمة (عليها السلام) فأعلمها بذلك. فحلفت باللّه الذي لا إله إلا هو أنهم ما شهدوا إلا بالحق. فقال أبو بكر: فلعل أن تكوني صادقة، و لكن احضري شاهدا لا يجرّ إلى نفسه. فقالت فاطمة (عليها السلام): أ لم تسمعا من أبي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: أسماء بنت عميس و أم أيمن من أهل الجنة؟ فقالا: بلى. فقالت: امرأتان من الجنة تشهدان بباطل؟!

فانصرفت صارخة تنادي أباها و تقول: قد أخبرني أبي بأني أول من يلحق به، فو اللّه لأشكونّهما. فلم تلبث أن مرضت، فأوصت عليا (عليه السلام) أن لا يصلّيا عليها و هجرتهما؛ فلم تكلّمهما حتى ماتت. فدفنها علي (عليه السلام) و العباس ليلا.

فدفع المأمون الجماعة عن مجلسه ذلك اليوم.

____________

(1). سورة الإسراء: الآية 26.

373

ثم أحضر في اليوم الآخر ألف رجل من أهل الفقه و العلم و شرح لهم الحال و أمرهم بتقوى اللّه و مراقبته. فتناظروا و استظهروا، ثم افترقوا فرقتين؛ فقالت طائفة منهم: الزوج عندنا جارّ إلى نفسه فلا شهادة له، و لكنا نرى يمين فاطمة (عليها السلام) قد أوجبت لها ما ادعت مع شهادة الامرأتين. و قالت طائفة: نرى اليمين مع الشهادة لا توجب حكما، و لكن شهادة الزوج عندنا جائزة و لا نراه جارّا إلى نفسه. فقد وجب بشهادته مع شهادة الامرأتين لفاطمة (عليها السلام) ما ادعت. فكان اختلاف الطائفتين إجماعا منهما على استحقاق فاطمة (عليها السلام) فدك و العوالي.

فسألهم المأمون بعد ذلك عن فضائل لعلي بن أبي طالب (عليه السلام). فذكروا منها طرفا جليلة قد تضمّنه رسالة المأمون و سألهم عن فاطمة (عليها السلام)، فرووا لها عن أبيها فضائل جميلة. و سألهم عن أم أيمن و أسماء بنت عميس، فرووا عن نبيهم محمد (صلّى اللّه عليه و آله) أنهما من أهل الجنة.

فقال المأمون: أ يجوز أن يقال أو يعتقد أن علي بن أبي طالب مع ورعه و زهده يشهد لفاطمة بغير حق؟ و قد شهد اللّه تعالى و رسوله بهذه الفضائل له. أو يجوز مع علمه و فضله أن يقال أنه يمشي في شهادة و هو يجهل الحكم فيها؟ و هل يجوز أن يقال أن فاطمة مع طهارتها و عصمتها و أنها سيدة نساء العالمين و سيدة نساء أهل الجنة- كما رويتم- تطلب شيئا ليس لها تظلم فيه جميع المسلمين و تقسم عليه باللّه الذي لا إله إلا هو؟ أو يجوز أن يقال عن أم أيمن و أسماء بنت عميس أنهما شهدتا بالزور و هما من أهل الجنة؟! إن الطعن على فاطمة و شهودها طعن على كتاب اللّه و إلحاد في دين اللّه! حاشا اللّه أن يكون ذلك كذلك.

ثم عارضهم المأمون بحديث رووه أن علي بن أبي طالب (عليه السلام) أقام مناديا بعد وفاة محمد (صلّى اللّه عليه و آله) نبيهم ينادي: من كان له على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) دين أو عدة فليحضر. فحضر جماعة فأعطاهم علي بن أبي طالب (عليه السلام) ما ذكروه بغير بينة، و أن أبا بكر أمر مناديا ينادي بمثل ذلك، فحضر جرير بن عبد اللّه و ادعى على نبيهم (صلّى اللّه عليه و آله) عدة فأعطاها أبو بكر بغير بينة، و حضر جابر بن عبد اللّه و ذكر أن نبيهم (صلّى اللّه عليه و آله) وعده أن يحثو له ثلاث حثوات من مال‏

374

البحرين، فلما قدم مال البحرين بعد وفاة نبيهم (صلّى اللّه عليه و آله) أعطاه أبو بكر الثلاث الحثوات بدعواه بغير بينة.

و قد ذكر الحميدي هذا الحديث في الجمع بين الصحيحين في الحديث التاسع من أفراد مسلم من مسند جابر، و أن جابرا قال: فعددتها فإذا هي خمسمائة. فقال أبو بكر:

خذ مثليها.

قال رواة رسالة المأمون: فتعجّب المأمون من ذلك و قال: أ ما كانت فاطمة و شهودها يجرون مجرى جرير بن عبد اللّه و جابر بن عبد اللّه؟! ثم تقدّم بسطر الرسالة المشار إليها و أمر أن تقرأ بالموسم على رءوس الأشهاد، و جعل فدك و العوالي في يد محمد بن يحيى بن الحسين بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب، يعمّرها و يستغلّها و يقسّم دخلها بين ورثة فاطمة (عليها السلام) بنت محمد نبيهم (صلّى اللّه عليه و آله).

و من طرائف صحيح الأجوبة في ترك علي بن أبي طالب (عليه السلام) لاستعادة فدك لما بويع له بالخلافة.

ما ذكره ابن بابويه في أوائل كتاب العلل في باب العلة التي من أجلها ترك أمير المؤمنين (عليه السلام) فدك لما ولّى الناس، بأسناده إلى أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)- يعني جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)- قال: قلت له: لم لم يأخذ أمير المؤمنين (عليه السلام) فدك لما ولّى الناس و لأيّ علة تركها؟ فقال: لأن الظالم و المظلومة قد كانا قدما على اللّه عز و جل، و أثاب اللّه المظلومة و عاقب الظالم، فكره أن يسترجع شيئا قد عاقب اللّه عليه غاصبه و أثاب عليه المغصوبة.

و ذكر أيضا في الباب المذكور جوابا آخر، و رواه بأسناده إلى إبراهيم الكرخي، قال:

سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) فقلت له: لأيّ علة ترك أمير المؤمنين (عليه السلام) فدك لما ولّى الناس؟ فقال:

للاقتداء برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لما فتح مكة و قد باع عقيل بن أبي طالب داره، فقيل له: يا رسول اللّه! أ لا ترجع إلى دارك؟ فقال: و هل ترك عقيل لنا دارا؟ إنا أهل بيت لا نسترجع شيئا يؤخذ منا ظلما. فلذلك لم يسترجع فدك لما ولّى.

375

و ذكر أيضا في الباب المذكور جوابا ثالثا بأسناده إلى علي بن فضال، عن أبيه، عن أبي الحسن- يعني موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام)- قال: سألته عن أمير المؤمنين (عليه السلام) لم لم يسترجع فدك لما ولّى الناس؟ فقال: لأنا أهل بيت لا يأخذ حقوقنا ممن ظلمنا إلا هو- يعني إلا اللّه- و نحن أولياء المؤمنين، إنما نحكم لهم و نأخذ حقوقهم ممن ظلمهم و لا نأخذ لأنفسنا.

المصادر:

1. الطرائف: 248.

2. فاطمة الزهراء (عليها السلام) بهجة قلب المصطفى (صلّى اللّه عليه و آله): ص 408، عن الطرائف.

114

المتن:

قال الشيخ عبد المنعم الفرطوسي في مأساة الزهراء (عليها السلام) في عضب حقها و إيذائها:

غصبوا حقها جهارا فأبدوا * * * كلما أضمروا لها في الخفاء

أنكروا فرض إرثها من أبيها * * * و هي كانت أقرب الأقرباء

حين صدّوا ببدعة و نفاق‏ * * * فدكا عن سليلة الأنبياء

و هي مما أفاءه اللّه لطفا * * * لأبيها محمد من عطاء

ناشدتهم باللّه عهدا فعهدا * * * أن يفيقوا من سكرة الجهلاء

فتعاملوا عن الهداية جهلا * * * حين صمّوا عن منطق العقلاء

بعد ردّ منهم بما أثبتته‏ * * * أنها نحلة بخير ادعاء

و علي و أم أيمن للزهراء * * * كانا من خيرة الشهداء

و كفى حجة على عهد طه‏ * * * بيديها كانت بعدل القضاء

غير أن النفوس بالغيّ مرضي‏ * * * من قديم و ما لها من شفاء

376

احتجاج الزهراء (عليها السلام) على أبي بكر

و تناهى بها الحديث فقالت‏ * * * و هي تدلي بالحجة البيضاء

لأبي بكر و هو يصغي إليها * * * بين حشد من مجمع الجلساء

أبدين اللّه الذي فيه جاءت‏ * * * للبرايا شرائع الأصفياء

أنت تعطى إرثا و أمنع إرثي‏ * * * من أبي دون سائر الأبناء

ما لكم قد تركتم الذكر عمدا * * * و هو يبدو أمامكم من وراء

أ خصّصتم بآية أخرجتنا * * * دون باقي الأبناء و الآباء

أم بحكم الكتاب أعلم أنتم‏ * * * من علي و أحمد في القضاء

أ تقولون أهل شرعين كانا * * * أ فلسنا من ملة الحنفاء

ها هو الذكر شاهد و لسان‏ * * * ناطق صادق بغير افتراء

حين أضحى ميراث داود فيه‏ * * * لسليمان دون أيّ خفاء

و ليحيى الميراث من زكريا * * * و هو أمسى وليه في الدعاء

قال هب لي يا رب منك وليا * * * وارثا لي فأنت رب العطاء

قال فيه يوصيكم للبرايا * * * في اقتسام الميراث بعد الفناء

مثل حظّ الأنثيين يكافي‏ * * * ذكر من بينكم في العطاء

و الوصايا للوالدين بخير * * * حين يبقى خير و للأقرباء

و جميع الأرحام أولى ببعض‏ * * * بعضهم في كتاب رب القضاء

أ فلا تكتفون فيما أتاكم‏ * * * منه نصا و فيه خير اكتفاء

فتحمل أعباءها سوف تأسى‏ * * * حين منها تنوء بالأعباء

يوم تلقاك عند حشر و نشر * * * مثقلا بالأوزار يوم اللقاء

فالزعيم النبي و الحكم اللّه‏ * * * و نعم الميعاد يوم الجزاء

جواب أبي بكر

فتصدّى منهم أبو بكر ردّا * * * لاحتجاج الزهراء دون ارعواء

قال: يا بنت أحمد كان طه‏ * * * برجال الهدى من الرحماء

377

و على الكافرين كان عقابا * * * و عذابا صبا عظيم البلاء

إن عزوناه في انتساب وجدناه‏ * * * أباك من دون باقي النساء

و أخا إلفك الحميم علي‏ * * * دون باقي الأصحاب و الرفقاء

آثر المرتضى على كل خل‏ * * * و اغتدى عونه على الخصماء

لا يواليكم سوى السعداء * * * ليس يقلوكم سوى الأشقياء

أنتم عترة النبي اجتباكم‏ * * * ربكم للورى بخير اجتباء

و أدلّاؤنا على الخير رشدا * * * و طريق لجنة السعداء

أنت يا خيرة النساء مقاما * * * و ابنة الحق خيرة الأصفياء

لا تقولين غير صدق و حق‏ * * * ليس فيه من ريبة و افتراء

غير مردودة عن الحق ظلما * * * و اغتصابا من سائر الحنفاء

و أنا ما عدوت سنة طه‏ * * * و تحديث رأيه بالقضاء

و أنا رائد أ يكذّب حقا * * * رائد أهله بأيّ افتراء

و أنا أشهد الإله بصدق‏ * * * و هو بالحق خيرة الشهداء

إنني قد سمعت من فم طه‏ * * * قال إنا معاشر الأنبياء

كل فرد يورث العلم منا * * * لبنيه و حكمة الحكماء

كل ميراث فضة و نضار * * * قد تركنا يكون للأولياء

فوليّ الأمور يحكم فيه‏ * * * حين يقضي بحكمه في استواء

و رأينا بأن يكون سلاحا * * * و كراعا لأمة الحنفاء

فوضعنا فيهما كسواه‏ * * * لجهاد الكفار و الأشقياء

و أنا ما انفردت فيه برأيي‏ * * * مستقلا عن سائر الآراء

حيث قام الإجماع منهم عليه‏ * * * باتفاق ما بينهم و التقاء

و أنا في يديك حالي و مالي‏ * * * فاحكمي فيهما بكل مشاء

ليس يزوي عليك مني شي‏ء * * * لحجاب محصن و وقاء

و لأنت الأم الزكية طهرا * * * و سمو لولدك الأزكياء

و لك العزّ و السيادة فينا * * * شرفا بعد فضلك المترائي‏

378

دون وضع للأصل و الفرع طر * * * منك بعد العلو و الارتقاء

كل حكم علي يصدر ماض‏ * * * نافذ منك ساعة الإمضاء

أ تريدين أن أخالف طه‏ * * * بالذي تطلبين دون اهتداء

ردّها على أبي بكر

أجابت سبحان رب البرايا * * * لم يكن قط خاتم الأصفياء

صادفا عن كتابه مستحلّا * * * بعض أحكامه بدون اختشاء

فهو طول الحياة ما زال يقفو * * * أثر الذي في أتمّ اقتفاء

أ مع الغدر تجمعون ضلالا * * * قولة الزور ساعة الافتراء

مثلما كدتموه حيا فهذا * * * هو كيد له عقيب الفناء

فكتاب الإله هذا لعمري‏ * * * حكم عادل بفصل القضاء

كل نص مخالف لكتاب اللّه‏ * * * منكم أحق بالامتراء

و هو أوحى ميراث داود حقا * * * لسليمان دون أيّ مراء

قال هب لي من آل يعقوب بعدي‏ * * * يرث الفضل خيرة الأولياء

و أبان اللّه الفرائض طرّا * * * في المواريث دون أيّ خفاء

عند توزيعه السهام بعدل‏ * * * لذويها بدون أيّ اعتداء

ما أزاح الرحمن فيه جليّا * * * شبهات العمى بدون غشاء

إنما سوّلت لك النفس أمرا * * * فاصطبار على عظم البلاء

فتلا قائلا أبو بكر جهرا * * * قولها في صراحة و جلاء

صدق اللّه و الرسول و حقا * * * صدقت بنت خاتم الأنبياء

معدن الحكمة البليغة ركن الدين‏ * * * عين المحجة البيضاء

غير مستنكر خطابك فينا * * * دون قولي مني صوابك نائي‏

ها هم المسلمون قد قلّدوني‏ * * * فتقلّدت منصب الخلفاء

و أخذت الذي أخذت بشورى‏ * * * و اتفاق و هم من الشهداء

غير مستأثر بما كان مني‏ * * * دونهم في بداية و انتهاء

379

و هي قالت لهم عقيب التفات‏ * * * معشر المسلمين و الحنفاء

كيف أسرعتم عقيب التغاضي‏ * * * عن قبيح الفعال للافتراء

أ فلا تقرءون قرآن ربي‏ * * * أنتم في تدبر و اهتداء

أم على تلكم القلوب من الريبة * * * أقفال ضلة و امتراء

بل عليها قد ران ما قد أسأتم‏ * * * من قبيح الأفعال و الأخطاء

آخذا عند ذاك بالسمع منكم‏ * * * و جميع الأبصار بعد غطاء

ساء و اللّه ما به قد أشرتم‏ * * * و اغتصبتم في ساعة الاعتداء

عن قريبيكون حملا عليكم‏ * * * بعد غبّ من أثقل الأعباء

عند كشف الغطاء و الستر عنكم‏ * * * حينما تصبحون دون وقاء

بئس للظالمين فالنار مثوى‏ * * * و مقرا لهم بيوم البقاء

لم تزل تقرع المسامع منهم‏ * * * مرتجات باليأس دون رجاء

فدك‏

فدك قرية من النخل كانت‏ * * * في مكان عن يثرب غير نائي‏

قطّ ما أوجفوا عليها بخيل‏ * * * و ركاب في البدء و الانتهاء

فهي من جملة الصفايا لطه‏ * * * و الصفايا لخاتم الأنبياء

و هي مما أفاء فيها عليه‏ * * * ربه من كرامة و عطاء

فهي ملك لخاتم الرسل محض‏ * * * خالص دون سائر الحنفاء

صالح المصطفى اليهود عليها * * * ليكونوا فيها من الأمناء

فاصطفاها لنفسه و حباها * * * نحلة للزكية الزهراء

حينما أنزلت عليه و آتوا * * * حق أدني الأرحام و الأقرباء

فدعاها و قال هذا عطاء * * * لك مني بأمر رب السماء

و هي كانت في عهده بيديها * * * خير ملك لها و خير حباء

قد أقامت وكيلها و هو حي‏ * * * و استقلّت تصرّفا في النماء

و أبو بكر حين خلّف فيهم‏ * * * بعد فقدان خاتم السفراء

380

طرد العامل الموكّل فيها * * * لابنة المصطفى بأقسى جفاء

و أتت عنوة لمسجد طه‏ * * * و هي تسعى في لمّة من نساء

و أبانت ما جاء في الذكر نصا * * * في المواريث من حكيم القضاء

و أقامت ما حجه فأتاها * * * بعد دحض بالحجة البيضاء

بحديث ما أنزل اللّه فيه‏ * * * آية قطّ في كتاب السماء

و سواه لم يروه فهو مما * * * خصّ فيه من بدعة و افتراء

و قد خاصمته أخرى فقالت‏ * * * نحلة من أبي بأقوى ادعاء

أقامت شهودها فحباها * * * منه صكّا بها بغير وفاء

حينما في يديه بعد انتزاع‏ * * * عمر شقّه بوقت اللقاء

و استمرّت في المنع حتى تولّى‏ * * * عمر بعده على الحنفاء

فحباها لأهلها دون منع‏ * * * بعد دفع من أول الخلفاء

تضارب الآراء من ولاة الأمور في فدك‏

و عجيب هذا التضارب فيها * * * من ولاة الأمور في الآراء

فهي إن كان نحلة و نصيبا * * * من فروض الميراث للأولياء

كيف صدّت عن أهلها و هي حق‏ * * * من أبي بكر ساعة الابتداء

و هي إن كان مثل ما قال فيئا * * * كيف تعطى من آخر بسخاء

و اصطفاها عثمان بعد انتزاع‏ * * * و حباها مروان دون اختشاء

حين أضحى من آل أحمد أولى‏ * * * بمواريث خاتم الأنبياء

و طريد النبي لا شك أولى‏ * * * عند عثمان من بني الأزكياء

و هي مما تنعى عليه و كانت‏ * * * عاملا من عوامل الاستياء

و تولّى ابن هند فيمن تولّى‏ * * * بعد هذا ظلما من الأمراء

فحبا ثلثها يزيدا و ثلثا * * * لابن عثمان دون أيّ اتقاء

و اجتباها مروان حين تولّى‏ * * * مستقلا له بشرّ اجتباء

و حباها عبد العزيز فكانت‏ * * * بيديه ملكا ليوم الفناء

381

و اصطفاها مستخلصا بانفراد * * * عمر أمرها بخير اصطفاء

و حباها في الملك حين تولّى‏ * * * لبني فاطم بخير حباء

بعد رفع السباب و الشتم ممن‏ * * * أبدعوه عن سيد الأوصياء

و إليه الرضي بالشعر أوحى‏ * * * يا ابن عبد العزيز عند الرثاء

و تعدّى ابن عاتك بعد أخذ * * * فحواها بزيد دون إباء

و استمرّت في آل مروان حتى‏ * * * أذهب اللّه دولة الطلقاء

و أعاد السفاح ما كان منها * * * أخذوه للعترة النجباء

و رجوع المنصور فيها رجوع‏ * * * و نكوص عن مسلك الاستواء

و عدول المهدي عنها اعتدال‏ * * * و استواء في منهج الاهتداء

و تمادى موسى و هارون فيها * * * و تعامى الأمين بالاقتداء

و تهادى المأمون حين أعيدت‏ * * * لذويها في عهده بلواء

و اصطفاها لنفسه بعد أخذ * * * جعفر معلنا بنصب العداء

و حباها بعد اللّه من قد نماه‏ * * * عمر البازيار شعر انتماء

و تعدّى ظلما فأرسل شخصا * * * صرم النخل في يد الاعتداء

فعراه بعد الجذاذ انتقاما * * * فلج فاتك بأعظم داء

جذّ منها ما قام من نخلات‏ * * * هي من غرس خاتم الأنبياء

كان أبناء فاطم و علي‏ * * * تجتني تمرها لأهل الولاء

فإذا جاء موسم الحج جاءوا * * * و أفاضوا فيها على الحنفاء

فيعيشون منهم بالهدايا * * * حين تهدى لهم بكل سخاء

المصادر:

1. فاطمة الزهراء (عليها السلام) من قبل الميلاد إلى بعد الاستشهاد: ص 570، عن ديوان الفرطوسي.

2. ملحمة أهل البيت (عليهم السلام): ج 3 ص 7.

382

115

المتن:

قال السيد المقرّم في ذكر مقدار غلّة فدك و ما يحصل منها و ما ينفق و يصرف:

لقد كان وكيلها يجبي لها غلّتها البالغة كل سنة أربعة و عشرين ألف دينارا أو سبعون ألف دينارا.

فكانت تفرقها على الفقراء من بني هاشم و المهاجرين و الأنصار، حتى لم يبق عندها ما يسع نفقة اليوم لها و لولدها و لا بدع فيه، بعد أن كانت بضعة من الرسول الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله)، و محدّثة من قبل المولى سبحانه على لسان ملك يتلو عليها حوادث الغابرين و التالين، حتى جمعت مصحفا عرف عند أهل البيت (عليهم السلام) ب «مصحف فاطمة (عليها السلام)».

و إذا كان أبوها مالكا لخزائن الأرض و أعطاه المهيمن جلّ شأنه قدرة التصرف في الأشياء، كيفما شاء و قد تمرّ عليه الأيام طاويا. فابنته الحوراء سيدة نساء العالمين المتشظية من روحه المشتقّة من النور الأقدس؛ لا تتخطى طريقته المثلى، فلم تعبأ بالدنيا و لذائذها، على أن سيرة ابن عمها (عليه السلام) سيد الأوصياء نصب عينها.

فإن صدقته كانت تساوي أربعين ألف دينارا أو أربعمائة ألف دينارا، و لو قسّمت على بني هاشم لوسعتهم و لكنه يفرّقها عليهم و على المحاويج من المهاجرين و الأنصار، حتى لم يبق عنده ما يمون به لعياله، و قد تبلغ به الحاجة إلى بيع سيفه أو إزاره لقوت يومه؛ و هذا شأن من تجرّد عن الحياة الذميمة و اتصل بالمبدإ الأعلى و كان واسطة الفيض الإلهي على الممكنات.

و لم تكن مطالبة الصديقة (عليها السلام) بفدك لرغبة فيما يعود منها عليها. أ ليست هي و أمير المؤمنين و الحسنان (عليهم السلام) آثروا المسكين و اليتيم و الأسير على نفوسهم، حتى يذقّوا شيئا غير الماء ثلاثة أيام. فنزل في الثناء عليهم قرآن يتلى في الليل و النهار:

«وَ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى‏ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَ يَتِيماً وَ أَسِيراً إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ‏

383

جَزاءً وَ لا شُكُوراً». (1)

إذا فما تصنع بفدك و غير فدك؟ و إنما ارادت بتلك المحاججة- مرة بعد أخرى- تعريف الأمة المتردّدة في الغيّ الضالّة عن الصراط السويّ، خطأ المتغلّبين على المقام الإلهي المتأمّرين على الأمة بغير رضى من اللّه و لا من رسوله (صلّى اللّه عليه و آله)؛ «وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى‏ آمَنُوا وَ اتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ وَ لكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ‏ وَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَ ما هُمْ بِمُعْجِزِينَ‏ أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى‏ فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ». (2)

أجل، إنها مطامع و غايات حسب أهل الشره لأجلها؛ إن التغالب على فدك و العوالي مما يوجب تضعيف الحالة الاقتصادية على أمير المؤمنين (عليه السلام) و انصراف الناس عنه و إن أصابوا الغرض في هذا. فقد وضح الصبح لذي عينين حين عرفوا عاقبة العثرة و إن ذلك التهجم فلتة.

ثم جاءوا من بعدها يستقيلون‏ * * * و هيهات عثرة لا تقال‏

يا لها سوأة إذا أحمد قا * * * م غدا بينهم فقال و قالوا

و في حديث المفضل بن عمر، أن الصادق (عليه السلام) قال: لما بويع أبو بكر، أشار عليه عمر بن الخطاب أن يمنع عليا و أهل بيته (عليهم السلام) الخمس و الفي‏ء و فدكا، فإن شيعته إذا علموا ذلك تركوه و أقبلوا إليك رغبة في الدنيا.

فصرفهم أبو بكر عن جميع ما هو لهم و أمر بإخراج وكيل فاطمة من فدك. فقالت له:

لم أخرجت وكيلي من فدك و قد تصدّق النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بها عليّ. فطلب منها البينة، فجاءته بأمير المؤمنين و الحسنين (عليهم السلام) و أسماء بنت عميس و أم سلمة، و لم تشهد أم أيمن إلا بعد أن استشهدت أبا بكر بما سمعه من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بأنها من أهل الجنة. فاعترف بذلك فقالت: أشهد أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أعطى فاطمة (عليها السلام) فدكا.

____________

(1). سورة الإنسان: الآية 8 و 9.

(2). سورة يونس: الآية 35.

384

فقال عمر بن الخطاب: أما علي فزوجها و الحسنان ابناهما و هم يجرّون إلى أنفسهم، و أسماء بنت عميس كانت تحت جعفر بن أبي طالب فهي تشهد لبني هاشم، و أم سلمة تحبّ فاطمة فتشهد لها، و أما أم أيمن فامرأة أعجمية لا تفصح.

أن العجب لا ينقضي من هذا التهوّر و الطغيان على سيد الأوصياء و ابنيه سيدي شباب أهل الجنة (عليهم السلام)، كيف ينسب إليهم الإقدام على غير الحق لمحض جرّ النفع إليهم؟! «كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ». (1) كأنهم تناسوا تنزيه اللّه تعالى لهم عن اقتراف الآثام في آية التطهير. و من أشدها شهادة الزور شرها في الحطام و طمعا في رضيخة فدك، و قد نصّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله) على أن عليا (عليه السلام) مع الحق و الحق معه، لا يفترقان أبدا.

و المتأمل في هذا النص المتّفق عليه يتجلّى له سرّ دقيق توخاه سيد الأنبياء (صلّى اللّه عليه و آله) بهذا اللون من البيان، و هو أن صدور الحق يعرف من أمير المؤمنين (عليه السلام) فيما إذا تضاربت الأقوال و تباينت الآراء، لأنه المرجع الفذّ و الموئل الوحيد في المشكلات كلها و عند ما تلتبس الأحكام. فهذه الجملة من دلائل الخلافة العامة لسيد الاوصياء (عليه السلام) و ليس المراد منها محض الإخبار بأن أبا الحسن (عليه السلام) صادق في أقواله شأن الرجال العدول فيما يلفظونه من قول؛ و الذي يشهد للأول صدور هذه المضمون من النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في موارد متعددة، و لو لا الإشارة إلى ما ذكرناه لما كان لتعدد موارده فائدة.

و لقد أدرك محض الحقيقة الفخر الرازي، فذكر في تفسيره عند بيان الجهر بالبسملة: أنه ثبت بالتواتر جهر علي بن أبي طالب (عليه السلام) بالبسملة، و من اقتدى في دينه بعلي بن أبي طالب (عليه السلام) فقد اهتدى، و الدليل عليه قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله): «اللهم أدر الحق مع علي (عليه السلام) حيث دار».

و ليس ببعيد عن هذا في الغرابة طلب البينة من الصديقة (عليها السلام) بعد أن كانت يدها ثابتة على فدك، تتصرّف فيها تصرّف المالكين من دون نكير، و لها وكيل يشاهده المسلمون. و مع ثبوت اليد لا يحتاج إلى بينة و غيرها، مع أن البينة إنما تطلب من‏

____________

(1). سورة الكهف: الآية 5.

385

المدعي إذا احتمل فيه خلاف الواقع، و الزهراء (عليها السلام) ممن أذهب اللّه عنهم الرجس و طهّرهم تطهيرا؛ فهي معصومة عن الخطل و الآثام، فيستحيل في حقها أن تدّعي باطلا أو يحدوها المطاع إلى طلب ما لا يتفق مع شريعة أبيها الأقدس.

و يتحدّث علم الهدى و تلميذه شيخ الطائفة بأن أحدا من المسلمين لم يخالف في صدق الحوراء (عليها السلام)، و إنما وقع الخلاف في وجوب تسليم ما أودعته بلا بينة أو لا بد لها من إقامة البينة. و لكن طلب البينة منها خروج عن فقه الشريعة، لأن السر في إقامة البينة لحصول غلبة الظن بمطابقة ما تشهد به الواقع، و من هنا كان الإقرار أقوى منها لشدة تأثيره في أغلبيته للظن. و عليه فالعلم بصدق المدعى أقوى منهما معا و معه لا يحتاج إلى بينة أو إقرار ....

المصادر:

وفاة الصديقة الزهراء (عليها السلام) للمقرّم: ص 72.

116

المتن:

قال السيد فاضل الحسيني الميلاني في ذكر فدك:

لما كان الرعب الذي وقع في قلوب أهل فدك من سقوط خيبر بيد المسلمين هو الذي أدّى إلى خضوعهم للحكم الإسلامي و لم يحصل ذلك بحرب أو غزوة، فإن الحكم في مثل ذلك أن تكون ملكا صرفا للنبي (صلّى اللّه عليه و آله)، كما هو صريح قوله تعالى: «ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى‏ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَ لا رِكابٍ وَ لكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى‏ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ». (1)

____________

(1). سورة الحشر: الآية 7.

386

و هذا ما لا مجال لنقاش فيه، إنما الاختلاف يظهر في أمر آخر هو مقدار ما تنازل به أهالي فدك للنبي (صلّى اللّه عليه و آله):

أ. فمقتضى رواية محمد بن إسحاق عن الزهري أنهم صالحوا النبي (صلّى اللّه عليه و آله) على النصف من فدك.

ب. و يذكر أبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) صالحهم عليها كلها.

و يؤيد محمد بن إسحاق في روايته، مالك بن أنس محدّثا عن عبد اللّه بن أبي بكر بن عمرو بن حزم. و لكن يظهر هنا اختلاف آخر، فيروي مالك بن أنس أن عمر لما أجلاهم إلى الشام عوّضهم عن النصف الذي لهم بمقدار من إبل و غيرها، بينما يروي غيره أنه عوّضهم عن نصفهم بمبلغ 50000 درهم.

و مهما يكن من أمر، الاختلاف الذي غالبا ما يحصل في أمثال هذه المسائل. فإن الراجح أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) صالح أهالي فدك على النصف من نخيلها و أرضها و اشترى عمر النصف الآخر من بيت المال عند تولية الخلافة. لقد رأينا أن اختلاف الرواة ينصب على مقدار ما تنازل به أهالي فدك للنبي (صلّى اللّه عليه و آله)، أما أن فدك كانت للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) بمقتضى الآية الشريفة فذلك ما لم ينكره أحد.

و إذا انتهينا من كون فدك خالصة للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) و عدم كونها للمسلمين حتى تخضع لاجتهاد أحد من الصحابة- كائنا من كان- ساغ لنا أن نسأل: و ما فعل بها النبي (صلّى اللّه عليه و آله)؟

الصحيح أنه نحلها إلى فاطمة (عليها السلام) قبل وفاته، أي أنه وهبها لها فصارت ملكا للزهراء (عليها السلام) بلا منازع.

و إذا كنا نؤمن بأن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) معصوم و «ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى‏ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى‏»!. (1) و إذا عرفنا أن الفقهاء يجمعون على أن «الناس مسلّطون على أموالهم»، فلا مجال لأن يعترض أحد على سبب منح النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فدكا إلى ابنته الصديقة الطاهرة (عليها السلام).

____________

(1). سورة النجم: الآيات 4، 5.

387

أما كيف قلنا بأن فدكا كانت نحلة من النبي (صلّى اللّه عليه و آله) إلى فاطمة (عليها السلام) فسندنا في ذلك أمور:

الأول: قول الزهراء (عليها السلام) للإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): «هذا ابن أبي قحافة، يبتزّني نحلة أبي».

الثاني: قول الزهراء (عليها السلام) لأبي بكر: «إن فدك وهبها لي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)»، و عصمتها تمنع من أن تكذب، و أن تطلب ما ليس لها.

الثالث: لقد ثبت في محله أن عليا (عليه السلام) معصوم و عصمته تمنع من أن يمكّن زوجته من أن تطلب ما ليس لها.

الرابع: قول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في رسالته إلى عثمان بن حنيف: «بلى! كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلّته السماء؛ فشحّت عليها نفوس قوم و سخت عنها نفوس قوم آخرين». و لو كانت داخلة في تركة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لم يصح له التعبير بأنها كانت في أيدي أهل البيت (عليهم السلام)، نظرا لتعلّق حقوق زوجات النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بذلك.

الخامس: شهادة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) و أم أيمن بأن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و هبها لفاطمة (عليها السلام) عند ما طلب أبو بكر من الزهراء (عليها السلام) أن تأتي بشاهد على ما تقول: بعد أن فاضت روح النبي (صلّى اللّه عليه و آله) إلى الرفيق الأعلى، نشبت خلافات عظيمة بين المهاجرين و الأنصار حول الخلافة، و بدأ الأنصار ذلك الخلاف بأن اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة لترشيح سعد بن عبادة للخلافة، و علم المهاجرون بذلك و هالهم الأمر.

فتدخّل عمر بن الخطاب و أبو بكر و أبو عبيدة الجراح في النزاع كممثّلين عن المهاجرين. و بعد مناوشات و مفاوضات و خطب و تهديدات من الطرفين، تنازل الأنصار عما كانوا يهدفون إليه، فوافقوا على أن يكون منهم أمير و من المهاجرين أمير.

فأجابهم عمر بأنه لا يلتقي قرنان في رأس واحد، و طلب أن يكونوا هم الأمراء و الأنصار الوزراء. و أخيرا غلب هؤلاء أولئك على أمرهم و تمّت البيعة لأبي بكر؛ كل هذا و النبي (صلّى اللّه عليه و آله) مسجى في داره و علي (عليه السلام) مشغول بتجهيزه و تكفينه و الصلاة عليه.

و يخرج الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد ثلاثة أيام ليرى أن المؤامرة قد أحبكت خيوطها و دبّرت على أتم ما يكون لنزع الخلافة عنه و إيكالها إلى غيره، و يتسلم أبو بكر زمام‏

388

الأمر و يبدأ حركاته الاصلاحية، و في مقدمة قائمة المشاريع التي كان يجب عليه تنفيذها، منازعة فاطمة (عليها السلام) في أمر فدك و إرجاعها إلى بيت مال المسلمين.

أما مبرّراته في ذلك فهي:

1. إن ذلك لم يكن للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) بل كان للمسلمين.

2. و على فرض أن فدكا كانت للنبي (صلّى اللّه عليه و آله)، فإنه سمع النبي (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: نحن معاشر الأنبياء لا نورّث.

3. رواية أبي هريرة عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله): لا يقسّم ورثتي دينارا و لا درهما؛ ما تركت بعد نفقة نسائي و مؤونة عيالي فهو صدقة.

هذه هي المبرّرات التي تذكر لقيام أبي بكر بانتزاع فدك من فاطمة (عليها السلام).

و إذا ما عرّضناها على طاولة المناقشة بموضوعية و أمانة تامّتين، متخلّين عن الرواسب الموجودة في أفكارنا تجاه القضية و محاولين التهرّب من إضفاء هالة التقديس على المسلمين الأولين- الأمر الذي وقع فيه أكثر الباحثين فغشّت عيونهم عن إبصار نور الحق- نجد ما يلي:

1. إن أبا بكر يدّعي أن فدكا لم تكن للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) بل كانت للمسلمين.

لقد وجدنا أن المؤرخين يجمعون على أن فدكا كانت خالصة للنبي (صلّى اللّه عليه و آله)، هذا مضافا إلى أن الآية الكريمة صريحة في ذلك، و معه يكون كلام أبي بكر اجتهادا في مقابل النص، و هو باطل بلا ريب.

2. أما أنه سمع النبي (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: نحن معاشر الأنبياء لا نورّث، ما تركناه صدقة، فيمكن أن يناقش بوجوه:

389

أ. إنه خارج عن محل الكلام، لأننا أثبتنا أن فدكا كانت نحلة وهبها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لفاطمة (عليها السلام)، و إذا كانت ملكا لفاطمة (عليها السلام) فلا تكون إرثا من النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لها ليقال أن الأنبياء لا يورثون.

ب. إن الراوي لها منحصر بأبي بكر، فلم يروها أحد غيره؛ و في ذلك يقول ابن أبي الحديد المعتزلي: «المشهور أنه لم يرو حديث انتفاء الإرث إلا أبو بكر وحده»، و أن القرآن الكريم أثبت الإرث لعموم الناس، و جاء التصريح به في خصوص بعض الأنبياء. فإن هذا الخبر- و هو خبر واحد- لا يصلح لتخصيص الكتاب العزيز.

ج. على أن التدقيق في الدوافع الحقيقية لمنع فدك من فاطمة (عليها السلام) يكشف لنا عن أن المسألة لم تكن على هذا المستوى من البساطة، و إنما كانت هناك عوامل سياسية تذهب دورها في هذا الصدد، و إلا فما الذي يمنع الخليفة أو المسلمين قاطبة من أن يتنازلوا عن حقهم في فدك إرضاء لبنت نبيهم (عليها السلام)؟ و قد سمعوا أباها يقول: «فاطمة (عليها السلام) بضعة مني، من أحبّها فقد أحبّني و من أغضبها فقد أغضبني».

3. و أما رواية أبي هريرة، فيكفينا اشتهاره بالوضع في الأحاديث، حتى أنه صرّح نفسه بذلك؛ و قد أغنانا الأستاذ المحقق الشيخ محمود أبو ريّة في كتابه «شيخ المضيرة أبو هريرة الدوسي» من تجشّم عناء البرهنة على كذب أبي هريرة و تزويره.

هذا مضافا إلى أن ابن أبي الحديد يستغرب من هذه الرواية قائلا: «و هذا حديث غريب، لأن المشهور أنه لم يرو حديث انتفاء الإرث إلا أبو بكر وحده».

الواقع أن التاريخ الإسلامي يحتاج إلى غربلة عنيفة؛ فقد كتب طبقا لأهواء الحكام، شأنه في ذلك شأن التاريخ عند بقية الأمم، و هذه غلطة فظيعة ارتكبها المؤرخون المسلمون حين راحوا يسجّلون الأحداث من زاوية الحكّام لا من زاوية المحكومين.

إن البحث التاريخي الحرّ يفرض على صاحبه كثيرا من التجرّد و الموضوعية إن وظيفة المؤرخ لا تعدو وظيفة عدسة للتصوير، يرسلها الجيل الحاضر إلى الأجيال‏

390

السابقة، لتعود عليه بصور ملتقطة من هنا و هناك، محتفظة بألوانها الأصلية، من دون أن تلعب فيها العدسة أو تغيّر شيئا. و لكن عكس ذلك هو الذي حدث.

و لسنا الآن بصدد البرهنة على ذلك من نماذج تاريخية معيّنة، و إنما نريد أن نخلّص من هذه المقدمة إلى أن التجرد و الموضوعية ضرورة حتميّة في البحث التاريخي.

نأتي إلى قضية معينة، فنحاول أن نكتشف الأسباب الخفية التي أدّت إلى وقوعها و العوامل اللاشعورية التي دفعت بأشخاص الرواية للظهور على خشية المسرح في الدور الذي ظهروا فيه، و إذا استطعنا ذلك كنا قد أدّينا مهمتنا بنجاح.

المصادر:

فاطمة الزهراء (عليها السلام) أم أبيها للميلاني: ص 146.

117

المتن:

قال السيد محمد الحسيني الميلاني بعد ما أورد خطبة الزهراء (عليها السلام):

فحينما نأتي إلى نهاية خطبة الزهراء (عليها السلام) و نعرف أن بلاغة فاطمة (عليها السلام) بلاغة ليس لها مثيل، لا بد أن نعرف أيضا أن فدك كانت نحلة الزهراء (عليها السلام)، حيث وهبها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ذلك في حياته.

ثم بعد النحلة كانت الزهراء (عليها السلام) وارثة لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).

ثم إن الصديقة الزهراء فاطمة (عليها السلام) كان بنت النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و أقرب الأقارب و ذوي قرباه؛ فكانت لها حق الخمس بنص القرآن.

فهذه أدلة ثلاثة تستوجب استحقاقها لفدك قطعا.

و بعد ذلك لا بد أن نعرف بأنها صديقة، لا تدّعي ما ليس لها أولا.

391

ثم أنها صاحبة اليد، فكان الفدك بيدها، فالذي ادّعى نفي الملكية كانت عليه أن يقيم البينة عليه لا أن يطلب منها البينة ثانيا.

و أما ثالثا، فإنها أقامت الشهادة و اليمين على النحلة.

و رابعا، إن الذي ادعى بأن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لا يورث، خالف نص القرآن، كما استشهدت بذلك الزهراء فاطمة (عليها السلام). فقوله باطل و ادعاؤه مردود شرعا.

و خامسا، لو كان النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لم يورث، فبأيّ الحجة دفن الشيخان في حجرته؟ فعلى قبول ادعاء أبو بكر يلزم أن زوجات النبي (صلّى اللّه عليه و آله)- بما فيهن عائشة و حفصة- لم يرثا شيئا من الحجرة، فعليه يكون دفنهما فيها تصرفا غصبيا ممنوعا.

و سادسا، على فرض عدم ردّ دعواه بعدم توريث النبي (صلّى اللّه عليه و آله) الذي لا زمه توريثه فدكا للزهراء فاطمة (عليها السلام)، يلزم اشتراك جميع النساء في الحجرة؛ فإذا كانت حجرة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) مساحتها ثلاثة أمتار في ثلاثة ثلاثة أمتار- أي تسعة أمتار- و النساء بغير الزهراء (عليها السلام) كنّ تسعة زوجات. فيكون سهم كل من عائشة و حفصة التسع من الثمن، أي ينقسم الثمن الذي هو أقل من متر من الحجرة على تسعة زوجات. فيكون سهم كل واحدة أقل من شبر؛ و هذا من أعجب الأمور الواقعة في تاريخ الميراث.

فكيف دفن الشيخان هناك؟ ثم كيف يحرم الحسن (عليه السلام) ابن فاطمة (عليها السلام) من الدفن في ملكه الذي ورثه عن أمه و هي وارثة النبي (صلّى اللّه عليه و آله)؟!

هذا، و قد أجمع فقهاء أهل البيت (عليهم السلام) على أن الزوجة لا ترث من الأرض. فعليه فإن حجرة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) ملك خاص لفاطمة (عليها السلام)، لأنها الوارثة الوحيدة للحجرة؛ فلا ترث عائشة و حفصة شيئا من ذلك بإجماعهم و بادعاء الخليفة و نفي الإرث أيضا.

فالنتيجة أننا حينما نقرؤ خطبة الزهراء (عليها السلام) هذه، نستفيد- إضافة على الأدب الجمّ و الفصاحة و البلاغة الراقية- استفادة فقهية و قضائية و علمية عظمى من بيان سيدة النساء الصديقة (عليها السلام) و نستفيد أمورا كثيرة تاريخية، تكشف لنا حقيقة الأوضاع السياسية التي واجهتها فاطمة الزهراء (عليها السلام).

392

و بالتالي ليس لنا سوى أن ننحاز إلى جانب فاطمة المظلومة (عليها السلام) و نؤيد كلامها و استدلالها و احتجاجها و نذعن بصدقها و نصدّقها، فإنها صديقة طاهرة، لا تقول كذبا و لا تدّعي باطلا.

فالخطبة البليغة هذه تثبت حقانيتها و تدين غاصبيها، و لا حول و لا قوة إلا باللّه.

و قد صرّح أمير المؤمنين (عليه السلام) بملكية فدك لها و أنها كانت بيدها بقوله: «بلى، كانت في أيدينا فدك من كل ما أفاء اللّه عليه؛ فشحّت عليها نفوس قوم و سخت عنها نفوس قوم آخرين، فنعم الحكم اللّه ...».

فلا مجال مطلقا لإنكار ملكية فدك للزهراء سيدة النساء (عليها السلام)، و لهذا فقد فازت الصديقة (عليها السلام) على الخليفة في الاحتجاج، فاستسلم لها و كتب لها كتابا و أقرّ لها بفدك.

لكن مشاوره استعمل القوة، فمزّق السند بحجة أن الخليفة بحاجة إلى واردات فدك في محاربته لقبائل العرب، و لو لا اذعان الخليفة لحقها لما كتب لها.

فكل سنّي ملزم بفعل أبي بكر و كتابته لسند فدك باسم فاطمة (عليها السلام) و الإقرار بأن فدك ملك لها قطعا.

و الذي ينكر ملكية فدك لفاطمة (عليها السلام) فهو لا سنّي و لا شيعي، بل هو منافق ناصبي خبيث، عدو للّه و لرسوله (صلّى اللّه عليه و آله) و لفاطمة (عليها السلام).

المصادر:

قدّيسة الإسلام للميلاني: ص 159.

118

المتن:

قال أبو الفتح محمد بن علي الكراجكي في ذكر فدك:

فمن عجيب الأمور و طريفها أن تخرج فاطمة الزهراء البتول سيدة نساء العالمين‏

393

ابنة خاتم النبيين (عليها السلام)، تندب أباها و تستغيث بأمته و من هدايتهم إلى شريعته في منع أبي بكر من ظلمها؛ فلا يساعدها أحد و لا يتكلّم معها بشر، مع قرب العهد برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و مع ما يدخل القلوب من الرقّة في مثل هذا الفعل، إذ ورد من مثلها حتى تحمل الناس أنفسهم على الظلم فضلا عن غيره.

ثم تخرج عائشة بنت أبي بكر إلى البصرة تحرّض الناس على قتال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) و قتال من معه من خيار الناس، ساعية في سفك دمه و دماء أولاده و أهله و شيعته، فتجيبها عشرة ألوف من الناس و يقاتلون أمامها، إلى أن هلك أكثرهم بين يديها؛ إن هذا لمن الأمر العجيب!

و من العجب أن تأتي فاطمة (عليها السلام) إلى أبي بكر تطالبه بفدك و تذكر أن أباها نحلها إياها، فيكذّب قولها و يقول لها: هذه دعوى لا بينة لها. هذا مع إجماع الأمة على طهارتها و عدالتها. فنقول له: إن لم يثبت عندك أنها نحلة فأنا أستحقّها ميراثا. فيدّعي أنه سمع النبي (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: نحن معاشر الأنبياء لا نورّث، و ما تركناه صدقة، و يلزمها تصديقه فيما ادعاه من هذا الخبر، مع اختلاف الناس في طهارته و عدالته، و هو فيما ادعاه خصم لأنه يريد أن يمنعها حقا جعله اللّه لها.

و من العجيب أن يقول لها أبو بكر- مع علمه بعظم خطرها في الشرف و طهارتها من كل دنس و كونها في مرتبة من لا يتّهم و منزلة من لا يجوز عليه الكذب-: ايتيني بأحمر أو أسود يشهد لك بها و خذيها- يعني فدك-.

فأحضرت إليه أمير المؤمنين و الإمامين الحسن و الحسين (عليهما السلام) و أم أيمن، فلم يقبل شهادتهم و أعلّها و زعم أنه لا تقبل شهادة الزوج لزوجته و لا الولد لوالده، و قال: هذه امرأة واحدة- يعني أم أيمن-. هذا مع إجماع المخالف و المؤالف على أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال:

«علي (عليه السلام) مع الحق و الحق مع علي (عليه السلام)، اللهم أدر الحق معه حيثما دار»، و قوله: «الحسن و الحسين (عليهما السلام) إمامان قاما أو قعدا»، و قوله (صلّى اللّه عليه و آله) في أم أيمن: «أنت على خير و إلى خير». فردّ شهادة الجميع مع تميّزهم على الناس.

394

ثم لم يمض الأيام حتى أتاه مال البحرين. فلما ترك بين يديه، تقدم إليه جابر بن عبد اللّه الأنصاري فقال له: النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال لي: إذا أتى مال البحرين حبوت لك ثم حبوت لك، ثلاثا. فقال له: تقدّم فخذ بعددها. فأخذ ثلاث حفنات من أموال المسلمين بمجرد الدعوى من غير بينة و لا شهادة، و يكون أبو بكر عندهم مصيبا في الحالين عادلا في الحكمين!؟ إن هذا من الأمر المستطرف البديع.

و من عجيب أمر المعتزلة إقرارهم بأن أمير المؤمنين (عليه السلام) أعلم الناس و أزهدهم بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، ثم يعلمون أنه أتى مع فاطمة (عليها السلام) شاهدا لها بصحة ما ادعته من نحلتها، فلا يستدلون بذلك على صوابها و ظلم مانعها؛ و لا يتساءلون إن أعلم الناس لا يخفى عنه ما يصحّ من الشهادة و ما يبطل و إن أزهد الناس لا يشهد بباطل؛ و إن أمير المؤمنين (عليه السلام) لو كان لا يعلم إن شهادته بذلك- مع من حضره- لا يجوز قبولها و لا يؤثر في وجوب الحكم بها و كان أبو بكر يعلم ذلك، لبطل القول بأنه (عليه السلام) أعلم الناس بعد النبي (صلّى اللّه عليه و آله)؛ و أنه لو كان يعلم أن فاطمة (عليها السلام) تطلب باطلا و التمست محالا و إن شهادته لا تحلّ في تلك الحال قبولها و لا يسوغ الحكم بها ثم أقدم مع ذلك عليها فشهد لها، لكان قد أخطأ معتمّدا و فعل ما لا يليق بالزهاد و الأتقياء؛ و يظلّ قولهم أنه (عليه السلام) أزهد الناس بعد النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و لا ينتبهون بهذا الحال من رقدة الخلال!؟

و من عجيب أمرهم اعتقادهم في ردّ أبي بكر شهادة أمير المؤمنين و الحسن و الحسين (عليهم السلام) بقولهم أن هذا بعلها و هذان ابناها و كل منهم يجرّ إلى نفسه و لا يصحّ شهادة من له حظّ فيما يشهد به، ثم يقبلون مع ذلك قول سعيد بن زيد بن نفيل فيما رواه وحده من أن أبا بكر و عمر و عثمان و طلحة و الزبير و سعدا و سعيدا و عبد الرحمن بن عوف و أبا عبيدة من أهل الجنة و يصدّقونه في هذه الدعوى و يحتجّون بقوله! مع علمهم بأنه أحد من ذكره و له حظّ فيما شهد به، و لا يردّون بذلك قوله و لا يبطلون خبره، و يتغطى عليهم أنه لا للزوج من مال زوجته و لا للولد من مال والده إلا ما نحله أباه أو ورثه عنه.

و من عجيب الأمور و عظيم البدع في الدين أن يشهد رجل برّ تقيّ لم يكن قط باللّه مشركا و لا للدين منكرا و لا أكل من حرام سحتا و لا عاقر على خمر نديما و لا ارتكب‏

395

محرّما و لا جرّب أحد منه قط كذبا و لا علم منه ذنبا و لا كان في طاعة اللّه و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) مقصّرا و لا عن درجات السبق إلى الفضائل متأخّرا مع اختصاصه برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) نسبا و سببا، عند رجل أقام أربعين سنة من عمره كافرا و باللّه تعالى مشركا و لما ظهر و بطن من الفواحش مرتكبا و لمّا ظهر الإسلام لم يعلم أحد أن له فيه أثرا جميلا و لا كفى النبي (صلّى اللّه عليه و آله) مخوّفا، بل عن كل فضيلة متأخّرا و لعهود اللّه ناكثا و كان في علمه ضعيفا و إلى غيره فيه فقيرا.

فيردن شهادته و لا يقبل قوله، و يظهر أنه أعرف بالصواب منه! هذا، و الشاهد متّفق على طهارته و صدقه و إيمانه، و المشهود عنده مخالف في طهارته و صدقه و إيمانه؛ إن هذا مما تنفر منه النفوس السليمة و العقول المستقيمة.

و من العجب أنهم يدّعون على فاطمة البتول سيدة نساء العالمين (عليها السلام) التي أحضرها النبي (صلّى اللّه عليه و آله) للمباهلة و شهد لها بالجنة و نزلت فيها آية الطهارة، أنها طلبت من أبي بكر باطلا و التمست لنفسها محالا و قالت كذبا، و يعتذرون في ذلك بأنها لم تعلم بدين أبيها، أنه لا حق لها في ميراثه و لا نصيب لها من تركته، و جهلت هذا الأصل في الشرع. و علم أبو بكر أن النساء لا يعلمن ما يعلم الرجال و لا جرت العادة بأن يتفقّهن في الأحكام.

ثم يدّعون مع هذا أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال: خذوا ثلث دينكم عن عائشة، لا بل خذوا ثلثي دينكم عن عائشة، لا بل خذوا كل دينكم عن عائشة. فتحفظ عائشة جميع الدين و تجهل فاطمة (عليها السلام) في مسألة واحدة مختصّة بها في الدين؟! إن هذا لشي‏ء عجيب!

و الذي يكثر العجب و يطول فيه الفكر أن بعلها أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يعلمها و لم يصنها عن الخروج من منزلها لطلب المحال و الكلام بين الناس، بل يعرضها لا لتماس الباطل و يحضر معها فيشهد بما لا يسوغ و لا يحلّ! إن هذا من الأمر المهول الذي تحار فيه العقول.

و من عجيب أمرهم و ضعف دينهم أنهم نسبوا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إلى أنه لم يعلم ابنته- التي هي أعزّ الخلق عنده و الذي يلزم من صيانتها و يتعيّن عليه من حفظها أضعاف ما

396

يلزمه لغيرها- بأنه لا حق لها من ميراثه و لا نصيب له في تركته، و يأمرها أن تلزم بيتها و لا تخرج للمطالبة لما ليس لها و المخاصمة في أمر مصروف عنها؛ و قد جرت عادة الحكماء في تخصيص الأهل و الأقرباء بالإرشاد و التعليم و التأديب و التهذيب و حسن النظر بهم بالتنبيه و التنتيف و الحرص عليهم بالتعريف و التوقيف و الاجتهاد في إيداعهم معالم الدين و تميّزهم عن العالمين.

هذا مع قول اللّه تعالى: «وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ» (1)، و قوله سبحانه: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَ أَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَ الْحِجارَةُ» (2)، و قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله): «بعثت إلى أهل بيتي (عليهم السلام) خاصة و إلى الناس عامة». فنسبوه (صلّى اللّه عليه و آله) إلى تضييع الواجب و التفريط في الحق اللازم من نصيحة والده و إعلامه ما عليه و له!

و من ذا الذي يشك في أن فاطمة (عليها السلام) كانت أقرب الخلق إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أعظمهم منزلة عنده و أجلّهم قدرا لديه، و أنه كان في كل يوم يغدو إليها لمشاهدتها و السؤال عن خبرها و المراعاة لأمرها و يروح كذلك إليها و يتوفّر على الدعاء لها و يبالغ في الإشفاق عليها، و ما خرج قطّ في بعض غزواته و أسفاره حتى ولج بيتها ليودعها و لا قدم من سفره إلا لقوه بولديها. فحملهما على صدره و توجّه بهما إليها. فهل يجوز في عقل أو يتصوّر في فهم أن يكون النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أغفل إعلامها بما يجب لها و عليها و أهمل تعريفها بأنه لا حظّ في تركته لها و التقدّم إليها بلزوم بيتها بترك الاعتراض بما لم يجعله اللّه لها؟

اللهم إلا أن نقول إنه (صلّى اللّه عليه و آله) أوصاها (عليها السلام) فخالفت و أمرها بترك الطلب فطلبت و عاندت! فيجاهرون بالطعن عليها و يوجبون بذلك ذمها و القدح فيها و يضيفون المعصية إلى من شهد القرآن بطهارتها، و ليس ذلك منهم بمستحيل، و هو في جنب عداوتهم لأهل البيت (عليهم السلام) قليل.

____________

(1). سورة الشعراء: الآية 214.

(2). سورة التحريم: الآية 6.

397

و من العجب قول بعضهم لما أغضبه الحجّاج أنه (صلّى اللّه عليه و آله) أعلمها فنسيت و اعترضها الشك بعد علمها فطلبت، و هذا مخالف للعادات، لأنه لم يجر العادة بنسيان ما هذا سبيله، لأنه قال لها: لا ميراث لك مني و إنا معاشر الأنبياء لا نورّث و ما تركناه صدقة. كان الحكم في ذلك معلّقا بها، فكيف يصحّ في العادات أن تنسي شيئا يخصّها فرض العلم به و يصدّق حاجتها إليه حتى يذهب عنها علمه و تبرز للحاجة و يقال لها: إن أباك قال أنه لا يورث، و لا تذكّر مع وصيته- إن كان وصّاها- حتى تحاجهم بقول اللّه تعالى: «وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ» (1)، و قوله تعالى حكاية عن زكريا: «يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَ اجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا» (2)، و لا تزال باكية شاكية إلى أن قبضت و أوصت أن لا يصلّي ظالمها و أصحابه عليها و لا يعرفوا قبرها.

و من العجب أن يعترض اللبس على أمير المؤمنين (عليه السلام) حتى يحضر فيشهد لها مما ليس لها، مع قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله): «أنا مدينة العلم و علي (عليه السلام) بابها».

و من العجب اعترافهم بأن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: «إن اللّه يغضب لغضب فاطمة (عليها السلام) و يرضى لرضاها»، و قال: «فاطمة (عليها السلام) بضعة مني يؤلمني ما يؤلمها»، و قال: «من آذى فاطمة (عليها السلام) فقد آذاني و من آذاني فقد آذى اللّه».

ثم إنهم يعلمون و يتفقون أن أبا بكر أغضبها و آلمها و آذاها، فلا يقولون هو هذا أنه ظلمها و يدّعون أنها طلبت باطلا، فكيف يصحّ هذا و متى يتخلّص أبو بكر من أن يكون ظالما و قد أغضب من يغضب لغضبه اللّه و آلم هو بضعة لرسول اللّه و يتألّم لألمها و آذى من في أذيّته أذية اللّه و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله)؟ و قد قال اللّه تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً» (3)؛ و هل هذا إلا مباهتة في تصويب الظالم و تهوّر في ارتكاب المظالم.

____________

(1). سورة النمل: الآية 16.

(2). سورة مريم: الآية 6.

(3). سورة الأحزاب: الآية 57.

398

و من العجب قول بعضهم أيضا أن أبا بكر كان يعلم صدق الطاهرة فاطمة (عليها السلام) فيما طلبته من نحلته من أبيها، لكنه لم يكن يرى أن يحكم بعلمه فاحتاج في إمضاء الحكم لها إلى بيّنة تشهد بها. فإذا قيل لهم فلم لم يورثها من أبيها، قالوا: لأنه سمع النبي (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: نحن معاشر الأنبياء لا نورّث ما تركناه صدقة. فإذا قيل لهم فهذا خبر تفرّد أبو بكر بروايته و لم يروه معه غيره، قالوا هو و إن كان كذلك فإنه السامع له من النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و لم يجز له مع سماعه منه و علمه به أن يحكم بخلافه.

فهم في النحلة يقولون أنه لا يحكم بعلمه و له المطالبة بالبينة و في الميراث يقولون أنه يحكم بعلمه و يقضي بما انفرد بسماعه، و المستعان باللّه على تلاعبهم بأحكام الملة و هو الحكم العدل بينهم و بين من عائد من أهله.

و من عجائب الأمور تأتي فاطمة بنت رسول اللّه (عليها السلام) تطلب فدك و تظهر أنها تستحقها، فيكذّب قولها و لا تصدّق في دعواها و تردّ خائبة إلى بيتها. ثم تأتي عائشة بنت أبي بكر تطلب الحجرة التي أسكنها أباها (عليها السلام) رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و تزعم أنها تستحقّها، فيصدّق قولها و يقبل دعواها و لا يطالب بينة عليها و تسلّم هذه الحجرة إليها، فتصرّف فيها و تضرب عند رأس النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بالمعاول حتى تدفن تيما و عديّا فيها، ثم تمنع الحسن بن رسول اللّه (عليه السلام) بعد موته منها و من أن يقرّبوا سريره إليها و تقول: لا تدخلوا بيتي من لا أحبّه، و إنما أتوا به ليتبرّك بوداع جده؛ فصدّته عنه.

فعلى أيّ وجه دفعت هذه الحجرة إليها و أمضى حكمها؟ إن كان ذلك لأن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) نحلها أباها، فكيف لم تطالب بالبينة على صحة نحلتها كما طولبت بمثل ذلك فاطمة (عليها السلام)؟ و كيف صار قول عائشة بنت أبي بكر مصدّقا و قول فاطمة ابنة رسول اللّه (عليها السلام) مكذّبا مردودا؟ و أيّ عذر لمن جعل عائشة أزكى من فاطمة (عليها السلام)، و قد نزل القرآن بتزكية فاطمة (عليها السلام) في آية الطهارة و غيرها و نزل بذم عائشة و صاحبتها و شدة تظاهرهما على النبي محمد (صلّى اللّه عليه و آله) و أفصح بذمها.

399

و إن كانت الحجرة دفعت إليها ميراثا، فكيف استحقّت هذه الزوجة من ميراثه و لم تستحق ابنته منه حظا و لا نصيبا؟ و كيف لم يقل هذا الحاكم لا بنته عائشة نظير ما قالت لبنت رسول اللّه (عليها السلام) أن النبي لا يورث و ما تركه صدقة؟

على أن في الحكم لعائشة بالحجرة عجبا آخر و هو أنها واحدة من تسع أزواج خلّفهن النبي (صلّى اللّه عليه و آله)؛ فلها تسع الثمن بلا خلاف، و لو اعتبر مقدار ذلك من الحجرة مع ضيقها لم يكن بمقدار ما يدفن أباها، و كان بحكم الميراث للحسن (عليه السلام) منها أضعاف مما ورثه من أمه فاطمة (عليها السلام) و من أبيه أمير المؤمنين (عليه السلام) المنتقل إليه بحق الزوجية منها.

ثم إن العجب كله من أن يمنع فاطمة (عليها السلام) جميع ما جعله اللّه لها من النحلة و الميراث و نصيبها و نصيب أولادها من الأخماس التي خصّ اللّه تعالى بها أهل بيته (عليهم السلام) دون جميع الناس.

فإذا قيل للحاكم بهذه القضية أنها و ولدها يحتاجون إلى إنفاق جعل لهم في كل سنة بقدر قوتهم على تقدير الكفاف، ثم برأيه يجري على عائشة و حفصة في كل سنة اثنى عشر ألف درهم واصلة إليهما على الكمال و لا ينتطح في الحكم عنزان!

المصادر:

1. كنز الفوائد: ص 52، على ما في الإحقاق.

2. إحقاق الحق: ج 33 ص 350، عن كنز الفوائد.

119

المتن:

قال علي بن أحمد الكوفي في ذكر بدع الأول:

... ثم إنه عمد إلى الطامة الكبرى و المصيبة العظمى في ظلم فاطمة بنت رسول اللّه (عليها السلام)؛ فقبض دونها تركات أبيها مما خلّفه عليها من الضياع و البساتين و غيرها و جعل ذلك كله بزعمه صدقة للمسلمين، و أخرج أرض فدك من يدها فزعم أن هذه‏

400

الأرض كانت لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، إنما هي في يدك طعمة منه لك، و زعم أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال:

نحن معاشر الأنبياء لا نورّث و ما تركناه فهو صدقة.

فذكرت فاطمة (عليها السلام) برواية جميع أوليائه أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قد جعل لي أرض فدك هبة و هدية، فقال لها: هات بينة تشهد لك بذلك. فجاءت أم أيمن فشهدت لها، فقال: امرأة؛ لا نحكم بشهادة امرأة. و هم رووا جميعا أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال: أم أيمن من أهل الجنة.

فجاء أمير المؤمنين (عليه السلام) و شهد لها، فقال: هذا بعلك و إنما يجرّ إلى نفسه. و هم قد رووا جميعا أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: «علي (عليه السلام) مع الحق و الحق مع علي (عليه السلام)، يدور معه حيث دار و لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض».

هذا مع ما أخبر اللّه به من تطهيره لعلي و فاطمة (عليهما السلام) من الرجس و جميع الباطل بجميع وجوهه رجس. فمن توهّم أن عليا و فاطمة (عليهما السلام) يدخلان من بعد هذا الأخبار من اللّه في شي‏ء من الكذب و الباطل على غفلة أو تعمد، فقد كذّب اللّه و من كذّب اللّه فقد كفر بغير خلاف.

فغضبت فاطمة (عليها السلام) عند ذلك، فانصرفت من عنده و حلفت أنها لا تكلّمه و صاحبه حتى تلقى أباها فتشكو إليه ما صنعا بها.

فلما حضرتها الوفاة، أوصت عليا (عليه السلام) أن يدفنها ليلا لئلا يصلي عليها أحد منهم، ففعل ذلك. فجاؤوا من الغد يسألون عنها، فعرفهم أنه قد دفنها، فقالوا له: ما حملك على ما صنعت؟ قال: أوصتني بذلك، فكرهت أن أخالف وصيتها، و هم قد رووا جميعا أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: «فاطمة (عليها السلام) بضعة مني، من آذاها فقد آذاني و من آذاني فقد آذى اللّه عز و جل». و لم يجز أن أخالف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في مخالفة وصيتها.

فقال عمر: اطلبوا قبرها حتى ننبشها و نصلى عليها. فطلبوه فلم يجدوه و لم يعرفوا لها قبرا إلى هذه الغاية.

401

المصادر:

الاستغاثة للكوفي: ص 35.

120

المتن:

قال علي بن أحمد الكوفي في ذكر بدع الأول:

... و رووا مشايخنا أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال لأبي بكر حين لم يقبل شهادته: يا أبا بكر! أصدقني عما أسألك. قال: قل. قال: أخبرني لو أن رجلين احتكما إليك في شي‏ء في يد أحدهما دون الآخر، أ كنت تخرجه من يده دون أن يثبت عندك ظلمه؟ قال: لا. قال:

فممن كنت تطلب البينة منهما أو على من كنت توجب اليمين منهما؟ قال: أطلب البينة من المدعي و أوجب اليمين على المنكر؛ قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «البينة على المدعي و اليمين على المنكر».

قال أمير المؤمنين (عليه السلام) أ فتحكم فينا بغير ما تحكم به في غيرنا؟! قال: فكيف ذلك؟

قال: إن الذين يزعمون أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: ما تركناه فهو صدقة، و أنت ممن له في هذه الصدقة- إذا صحّت- نصيب، و أنت فلا تجيز شهادة الشريك لشريكه فيما يشاركه فيه، و تركة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) بحكم الإسلام في أيدينا إلى أن تقوم البينة العادلة بأنها لغيرنا. فعلى من أدعى ذلك علينا إقامة البينة ممن لا نصيب له فيما يشهد به علينا و علينا اليمين فيما تنكره؛ فقد خالفت حكم اللّه تعالى و حكم رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) إذ قبلت شهادة الشريك في الصدقة و طالبتنا بإقامة البينة على ما ننكره مما أدعوه علينا. فهل هذا إلا ظلم و تحامل؟

ثم قال: يا أبا بكر، أ رأيت لو شهد عندك شهود من المسلمين المعدلين عندك على فاطمة (عليها السلام) بفاحشة، ما كنت صانعا؟ قال: كنت و اللّه أقيم عليها حدّ اللّه في ذلك. قال له: إذا كنت تخرج من دين اللّه و دين رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). قال: لم؟ قال: لأنك تكذّب اللّه و تصدّق المخلوقين، إذ قد شهد اللّه لفاطمة (عليها السلام) بالطهارة من الرجس في قوله تعالى: «إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ‏

402

لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً». (1) فقلت أنت: إنك تقبل شهادة من شهد عليها بالرجس- إذ الفواحش كلها رجس- و تترك شهادة اللّه لها بنفي الرجس عنها.

فلما لم يجد جوابا قام من مجلسه ذلك و ترك عليا (عليه السلام).

فانظروا يا أهل الفهم، هل جرى في الإسلام بدعة أظلم و أظهر و أفظع و أعظم و أشنع من طالب ورثة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) بإقامة البينة على تركة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)؟ أنها لهم مع شهادة اللّه لورثة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) بإزالة جميع الباطل عنهم، و ذلك كله بحكم الإسلام في أيديهم.

و قد رووا أن الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) قال: نحن أهل بيت لا تحلّ علينا الصدقة. فيجوز لمسلم أن يتوهّم على أهل بيت الرسول (عليهم السلام) أنهم طلبوا شيئا من الحرام؟! هذا مع ما أخبرهم اللّه بتطهيرهم من الرجس.

كلا، و قد دلّ قول القوم أن الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) قال: ما تركناه فهو صدقة. على أن المنازعة جرت بينهم و بين أهل البيت (عليهم السلام) في التركة، فلا يخلو أهل بيت الرسول (عليهم السلام) من أن يكونوا طلبوا الحرام بالباطل. فيلزم عند ذلك تكذيب اللّه تعالى فيما أخبر به من تطهيرهم من ذلك. و أما إن يكونوا طلبوا الحق، فقد ثبت ظلم من منعهم من حقهم، و لا يبعد اللّه إلا من ظلم و تعدّى و غشم.

هذا مع تكذيب اللّه لهم فيما ادعوه من صدقة تركة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و إن الأنبياء لا يورّثون، إذ يقول اللّه في كتابه: «وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ» (2)، و قال فيما أخبر به عن زكريا أنه قال: «فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَ اجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا». (3) فأخبر اللّه بميراث أنبيائه و زعم واضع الخبر المتخرّص أن الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) قال: نحن معاشر الأنبياء لا نورّث و ما تركناه فهو صدقة!

____________

(1). سورة الأحزاب: الآية 33.

(2). سورة النمل: الآية 16.

(3). سورة مريم: الآيتان 5، 6.