الموسوعة الكبرى عن فاطمة الزهراء(ع) - ج12

- إسماعيل الأنصاري الزنجاني المزيد...
320 /
403

و لعمري لقد كان واضع الخبر و متخرّصه جاهلا كتاب اللّه، إذ لم يعلم ما فيه من تكذيب خبره، و ذلك من امتنان اللّه على المؤمنين في كشف باطل المبطل، و لو كان واضع الخبر جعل ما تخرّصه في تركة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) منسوبا إلى رسولنا خاصة دون غيره من الأنبياء، لدخلت شبهة على كثير من الناس العارفين فضلا عن الأعجام و جمهور الأعوام. و لكن اللّه أعمى قلبه و سمعه حتى قال فيما اخترصه من ذلك كله ما يكذّبه كتاب اللّه.

المصادر:

الاستغاثة للكوفي: ص 41.

121

المتن:

ذكر المحب الطبري في ما روي عن محمد بن علي الباقر (عليه السلام):

... و عنه- و قد مثّل عن أمر فدك- فقال: إن فاطمة (عليها السلام) ذكرت لأبي بكر أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أعطاها فدكا، فقال: ائتني على ما تقولين ببينة. فجاءت برجل و امرأة. فقال أبو بكر:

رجل مع الرجل أو امرأة مع امرأة (1)، فأعيت.

المصادر:

الرياض النضرة في مناقب العشرة المبشّرين بالجنة: ج 1 ص 59.

122

المتن:

عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال:

____________

(1). الظاهر إن فيه سقط و الأصل: أو رجل و امرأة مع امرأة.

404

جاءت فاطمة (عليها السلام) إلى أبي بكر تطلب ميراثها و جاء العباس بن عبد المطلب يطب ميراثه و جاء معهما علي (عليه السلام)، فقال أبو بكر: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): لا نورّث ما تركناه صدقه.

و ما كان النبي (صلّى اللّه عليه و آله) يعول فعليّ.

فقال علي (عليه السلام): «وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ» (1)، و قال زكريا: «يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ». (2)

قال أبو بكر: هو هكذا، و أنت و اللّه تعلم مثل ما أعلم. فقال علي (عليه السلام): هذا كتاب اللّه ينطق.

فسكتوا و انصرفوا ....

المصادر:

جامع الأحاديث للسيوطي: ج 13 ص 87 ح 309.

123

المتن:

قال أبي حنيفة المغربي في إمامة أبي بكر في الصلاة:

... إن الصلاة التي ادعيتموها لم يثبت عندكم لما جاء فيها من الاضطراب في النقل و الأخبار و اختلافهما و أنها كلها من عائشة بنت أبي بكر، و أنتم تقولون: أن من اختلف عنه في حديث كان كمن لم يأت عنه شي‏ء، و رددتم شهادة علي (عليه السلام) لفاطمة (عليها السلام)؛ فكيف تجيزون شهادة عائشة لأبيها لو قد ثبت عنها ذلك؟ و كيف و هو لم يثبت أنه أمره بالصلاة إلا عن عائشة. فلما علم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ذلك خرج فأخّره و صلّى بالناس.

المصادر:

دعائم الإسلام: ج 1 ص 41.

____________

(1). سورة النمل: الآية 16.

(2). سورة مريم: الآية 6.

405

124

المتن:

قال الشهرستاني:

و من الطرائف أنه- أبو بكر- ترجع الأمة إلى الأخذ بالقرآن و يخالف هو عمومات الذكر، كما اتضح ذلك من خلال مناقشة الزهراء (عليها السلام) له بقولها حين طالبت بفدك: أعلى عمد تركتم كتاب اللّه و نبذتموه من وراء ظهوركم إذ يقول: «وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ»؟ (1) ....

المصادر:

السنة بعد الرسول (صلّى اللّه عليه و آله): المرحلة الثانية.

125

المتن:

قال الإسكافي المعتزلي في قول عائشة في الصلاة:

... و قد عارضتكم الرافضة في حديثكم، فقالت: كيف قبلتم قول عائشة في الصلاة و جعلتموها حجة و لم تقبلوا قول فاطمة (عليها السلام) في فدك و شهادة أم أيمن لها و علي بن أبي طالب (عليه السلام) و قد شهد لها النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بالجنة؟

فإن قلتم: إن الحكم في الأصول لا تجب بشهادة امرأة. قلنا: و كذلك الحجة في الدين لا يثبت بقول امرأة ....

المصادر:

المعيار و الموازنة في فضائل الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): ص 229.

____________

(1). سورة النمل: الآية 16.

406

126

المتن:

قال الإسكافي المعتزلي في ذكر أعمدة من شوامخ علوّه و عظمته و كظم الغيظ و صبره:

... فقد نازعت زوجته أبا بكر و عمر في فدك و شهد علي (عليه السلام) على دعواها، فلم يفد ذلك في استرجاع فدك إليها. فصبر على مرّ الحق عند ما ظهر من أبي بكر و عمر من الحرص البالغ و العزم القاطع على الحكم عليها. ثم ولّى الأمر، فأمضى ذلك على ما لم يزل ....

المصادر:

المعيار و الموازنة في فضائل الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): ص 229.

127

المتن:

روى أحمد بن حنبل:

لما قبض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، أرسلت فاطمة (عليها السلام) إلى أبي بكر: أنت ورثت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أم أهله؟ فقال: لا بل أهله. قالت: فأين سهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)؟ فقال: إني سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: إن اللّه عز و جل إذا أطعم نبيا طعمة ثم قبضه اللّه، جعله للذي يقوم من بعده.

فرأيت أن أراده على المسلمين.

و في رواية عند ابن سعد، قالت: فسهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الذي جعله لنا و صافيتنا التي بيدك؟ فقال: إني سمعت رسول اللّه يقول: إنما هي طعمة أطعمنيها اللّه؛ فإذا متّ كانت بيد المسلمين. و إذا كان من العجيب أن يترك النبي (صلّى اللّه عليه و آله) عترته دون أن يبيّن لهم حقيقة ميراثه، فإن الأعجب أنه لم يبيّن لنسائه أيضا.

407

روى البخاري عن عائشة قالت: أرسل أزواج النبي عثمان إلى أبي بكر يسألنه ثمنهن مما أفاء اللّه على رسوله؛ قالت عائشة: فكنت أنا أردّهنّ فقلت لهن: أ لا تتّقين اللّه، أ لم تعلمن أن النبي قال: لا نورّث و ما تركناه صدقة؟ فانتهين أزواج النبي إلى ما أخبرتهن.

مما سبق نرى أن الزهراء (عليها السلام) طالبت بنحلتها و بالإرث و بسهم ذي القربى، و لكن أبا بكر أبى عليها، و توفّيت بعد وفاة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بستة أشهر.

و في عهد عمر بن الخطاب ذهب علي (عليه السلام) و العباس ينازعان في الميراث، و كان في مجلس عمر يومئذ عثمان و عبد الرحمن بن عوف و الزبير و سعد. فقال لهم عمر:

أ تعلمون أن رسول اللّه قال: لا نورّث ما تركناه صدقة؟ قالوا: نعم. قال عمر: إن اللّه جلّ و عزّ كان خصّ رسوله بخاصة لم يخصّص بها أحدا غيره؛ قال: «ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى‏ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى‏ فَلِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ». (1) فقسّم رسول اللّه أموال بني النضير. فو اللّه ما استأثر عليكم و لا أخذها دونكم حتى بقي هذا المال، فكان رسول اللّه يأخذ منه نفقة سنة ثم يجعل لها بقية أسوة المال. أ تعلمون ذلك؟ قالوا: نعم.

ثم نشد عباسا و عليا (عليه السلام) بمثل ما ناشد به القوم: أ تعلمان ذلك؟ قالا: نعم. قال: فلما توفّي رسول اللّه قال أبو بكر: أنا وليّ رسول اللّه. فجئت تطلب ميراثك من ابن أخيك و يطلب هذا ميراث امرأته من أبيها، فقال أبو بكر: قال رسول اللّه: ما نورّث ما تركناه صدقة.

فرأيتماه كاذبا آثما غادرا خائنا، و اللّه يعلم أنه لصادق بارّ راشد تابع للحق. ثم توفّي أبو بكر و أنا وليّ رسول اللّه و وليّ أبي بكر. فرأيتماني كاذبا آثما غادرا خائنا، و اللّه يعلم أني لصادق بارّ راشد تابع للحق، فولّيتها. ثم جئتني أنت و هذا و أنتما جميع و أمركما واحد فقلتما: ادفعها إلينا.

____________

(1). سورة الحشر: الآية 7.

408

و لنا تعليق على هذه الروايات، و في البداية نقول:

إن حديث لا نورّث لم يرويه إلا أبو بكر وحده. ذكر ذلك أعظم المحدثين حتى أن الفقهاء في أصول الفقه أطبقوا على ذلك في احتجاجهم في الخبر برواية الصحابي الواحد. و في الحديث السابق استشهد عمر و عبد الرحمن بن عوف و الزبير و سعدا فقالوا: سمعناه من رسول اللّه. فأين كانت هذه الروايات أيام أبي بكر؛ ما نقل أن أحدا من هؤلاء يوم خصومة الزهراء (عليها السلام) و أبي بكر روى من هذا شيئا.

و في الحديث السابق أيضا، جاء علي (عليه السلام) و العباس إلى عمر يطلبان الميراث، و قد كان أبو بكر قد حسم هذا كله في عهده و قرّر أمام أزواج النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و أمام علي (عليه السلام) و العباس و فاطمة (عليها السلام)، و عمر حيث كان من المساعدين له: أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لا يورّث. فكيف يعود العباس و علي (عليه السلام) بعد وفاة أبي بكر يحاولان أمرا قد فرغ منه؟

اللهم إلا أن يكونا ظنّا أن عمر ينقض قضاء أبو بكر في هذه المسألة. و هذا بعيد لأن عليا (عليه السلام) و العباس كانا في هذه المسألة يتّهمان عمر بممالأة أبي بكر على ذلك. أ لا تراه يصرّح بأنهما نسباه إلى الكذب و الغدر و الخيانة، فكيف يظنان أنه ينقض قضاء أبي بكر؟

ثم إن قول عمر لعلي (عليه السلام) و العباس عن أبي بكر: فرأيتماه كاذبا آثما غادرا خائنا، ثم قال لما ذكر نفسه: فرأيتماني كاذبا آثما غادرا خائنا؛ فإذا كانا يزعمان ذلك، فكيف يزعم هذا الزعم مع كونهما يعلمان أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: لا أورّث؟

قال ابن أبي الحديد: إن هذا لمن أعجب العجائب، و لو لا أن هذا الحديث مذكور في الصحاح المجمع عليها لما أطلت العجب من مضمونه، إذ لو كان غير مذكور في الصحاح لكان بعض ما ذكرناه يطعن في صحته، و إنما الحديث في الصحاح لا ريب في ذلك.

و ورد أيضا أن أزواج النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أرسلوا عثمان إلى أبي بكر يسألنه ثمنهن، و لقد ذكرنا الرواية في ذلك.

409

ثم وجدنا عثمان في مجلس عمر بعد ذلك و عمر يقول: أ تعلمون أن رسول اللّه قال:

لا نورّث ما تركناه صدقة؟ قالوا: نعم، و من جملة الذين أجابوا عثمان. فكيف يعلم بذلك فيكون مترسلا لأزواج النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، يسأله أن يعطيهن الميراث.

و روي أيضا أن عمر قال لعلي (عليه السلام) و العباس: أ تعلمون ذلك؟ قالوا: نعم. فإذا كانا يعلمانه فكيف جاء العباس و فاطمة (عليها السلام) إلى أبي بكر يطلبان الميراث على ما ذكر، و هل يجوز أن يقال: كان العباس يعلم ذلك ثم يطلب الإرث الذي لا يستحقه؟ و هل يجوز أن يقال: أن عليا (عليه السلام) كان يعلم ذلك و يمكّن زوجته أن تطلب ما لا تستحقه؟ خرجت من دارها إلى المسجد و نازعت أبا بكر و كلّمته بما كلّمته إلا بقوله و إذنه و رأيه؟!

و إذا تمّ التسليم بأن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لا يورث، فكيف نسلّم بأن النبي (صلّى اللّه عليه و آله)- و هو الذي أنزل عليه قوله تعالى: «كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ» (1)، و قوله: «يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ» (2)، إلى قوله تعالى: «تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، وَ مَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَ لَهُ عَذابٌ مُهِينٌ» (3)، و الآيات هنا عامة يدخل فيها النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و غيره، بدليل أن الآية لم تستثن أحدا- كيف نسلّم بأن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لم يكتب وصيته و يقول فيها:

لا نورّث؟ و كيف يبيّن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) هذا الحكم لغير الأقربين و يكتمه عن الأقربين و هم ورثته؟

و كيف يظلّ علي و العباس و فاطمة (عليها السلام) على كلمة واحدة، يكذّبون رواية نحن معاشر الأنبياء لا نورّث و يقولون أنها مختلقة، بينما يزعم عمرو و أبو بكر أن عليا (عليه السلام) و العباس في قصة الميراث زعما هما كاذبين ظالمين فاجرين. و ما رأينا عليا (عليه السلام) و العباس اعتذرا و لا تنصّلا و لا رأينا أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أنكروا عليه ما حكاه عمر عنهما و نسبه إليهما؛ إن هذا التضارب فتح الأبواب للقيل و القال.

____________

(1). سورة البقرة: الآية 180.

(2). سورة النساء: الآية 11.

(3). سورة النساء: الآية 14.

410

و مما قيل: قيل لرجل من قرية تسمّى الحلة بين الكوفة و البصرة: ما تظنّ قصد أبي بكر و عمر بمنع فاطمة (عليها السلام) فدك، ما قصدا؟ قال: أرادا ألا يظهرا لعلي (عليه السلام)- بعد السقيفة- رقة و لينا و خذلانا و لا يرى عندهما خورا، فأتبعاه القرح بالقرح.

و قيل لآخر من بلدة تسمّى بليدة في سواد الكوفة: و هل كانت فدك إلا نخيلا يسيرا و عقارا ليس بذلك الخطير؟ فقال: ليس الأمر كذلك بل كانت جليلة جدا، و كان فيها من النخل ما بالكوفة الآن من النخل، و ما قصد أبو بكر و عمر بمنع فاطمة (عليها السلام) عنها إلا ألا يتقوّى علي بن أبي طالب (عليه السلام) بحاصلها و غلّتها على المنازعة في الخلافة. و لهذا أتبعا ذلك بمنع فاطمة (عليها السلام) و سائر بني هاشم و بني عبد المطلب حقهم في الخمس؛ فإن الفقير الذي لا مال له تضعّف همته و يتصاغر عند نفسه و يكون مشغولا بالاحتراف و الاكتساب عن طلب الملك و الرئاسة؛ و هكذا ضاعت فدك و ضاع سهم ذي القربى الذي نصّ عليه كتاب اللّه.

روى أبو داود: أن نجدة الحروري حين حجّ في أيام ابن الزبير، أرسل إلى ابن عباس يسأله عن سهم ذي القربى و يقول: لمن تراه؟ قال ابن عباس: لقربى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و قد كان عمر عرض علينا من ذلك عرضا رأيناه دون حقنا، فرددناه عليه و أبينا أن نقبله.

و ترتّب على ذلك فيما بعد اختلاف العلماء في الغنائم و كيف توزع و اختلفوا في الفي‏ء و الخمس إلى غير ذلك، و جميع هذه الاختلافات أصلها مصادرة الدولة لنحلة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و إرثه و سهم ذي القربى، و هذه الاختلافات ولدت فيما بعد الاختلاف الأعظم في معرفة أهل البيت (عليهم السلام)، و خصوصا عند ما أمر عمر بن الخطاب بعدم رواية الحديث.

فعندئذ اختلف عامة المسلمين في أهل البيت (عليهم السلام)؛ فمن عاكف عليهم هائم بهم و من معرض عنهم لا يعبأ بأمرهم و مكانتهم من علم القرآن، أو مبغض شانئ لهم، و قد وصّاهم النبي (صلّى اللّه عليه و آله)- بما لا يرتاب في صحته و دلالته مسلم- أن يتعلّموا منهم و لا يعلّموهم و هم أعلم منهم بكتاب اللّه، و ذكر لهم أنهم لن يغلطوا في تفسيره‏

411

و لن يخطئوا في فهمه. و لكن الوصايا لم تذاع وفقا للمصلحة العامة، حيث كان العديد من الدوائر يتربّص بالإسلام و المسلمين.

و إن أردت العجب، فلك أن تعجب إذا علمت أن مصير فدك بعد سنوات قليلة من منعها عن ريحانة رسول اللّه فاطمة الزهراء (عليها السلام)، قد أصبح في جعبة مروان بن الحكم الذي لعن الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) أباه و هو في صلبه.

قال في الفتح الرباني: فلما كان عهد عثمان، تصرّف في فدك بحسب ما رأى، فأقطعها لمروان لأنه تأوّل أن الذي يختصّ به النبي (صلّى اللّه عليه و آله) يكون للخليفة بعده. فوصل بها بعض أقاربه أنها التركة التي لغير وارث.

و من العجيب أن الحكام فيما بعد، كانوا يعتبرون التركة من غير وارث ليستولوا عليها. روي أنه في القرن الثالث الهجري أنشأ ديوان خاص يسمّى ديوان المواريث و ذلك في عهد الخليفة المعتمد (256- 279 ه)، و كان هذا الديوان مجالا واسعا لظلم الناس و الإعنات في مواريثهم و أخذ ما لم تجز به السنة. يقول ابن المعتز قرب أواخر القرن الثالث، يشكو ما يجري على أصحاب المواريث:

و ويل لمن مات أبوه موسرا * * * أ ليس هذا محكما شهرا

و طال في دار البلاء سجنه‏ * * * و قيل من يدري بأنك ابنه‏

فقال جيراني و من يعرفني‏ * * * فنتفوا سباله حتى فنى‏

و أسرفوا في لكمه و دفعه‏ * * * و انطلقت أكفّهم في صفعه‏

و لم يزل في ضيق الحبوس‏ * * * حتى رمى لهم بالكيس‏

و كان سيف الدولة يأخذ المواريث أخذا رسميا. ففي عام 333 ه عيّن ابن عبد الملك الرقي قاضيا على حلب. فكان هذا القاضي يصادر التركات و يقول:

التركة لسيف الدولة، و ليس لي إلا أخذ الجعالة. و كان كثير من الحكّام يحاولون أن يعتبروا التركة من غير وارث ليستولوا عليها.

412

و نعود إلى حيث ابتدأنا فنقول: إن فاطمة الزهراء (عليها السلام) كانت مصيبة فيما ادعته و لم تكن فاطمة (عليها السلام) في حاجة إلى شهادة و بينة، لأنها بنص الآية: «إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» (1) معصومة، و الآية تناولت جماعة منهم فاطمة (عليها السلام) بما تواترت الأخبار في ذلك.

و هي أيضا بنص الحديث: «فاطمة (عليها السلام) بضعة مني، من آذاها فقد آذاني و من آذاني فقد آذى اللّه عز و جل» معصومة، لأنها لو كانت ممن تقارف الذنوب لم يكن من يؤذيها مؤذيا له على كل حال، بل إن إقامة الحد عليها- إن كان صدر منها فعل- يقتضي ذلك أن يكون سارا له و مطيعا (2) و لأنها بعيدة عن كل هذا، كان من آذاها فقد آذاه.

و لا خلاف بين المسلمين في صدقها فيما ادعته، لأن أحدا لا يشك أنها تدّعي ما ادعته كاذبة، و ليس بعد لا تكون كاذبة إلا أن تكون صادقة.

و لقد قال البعض عن الفعل الأصح الذي كان يجب أن يكون، قد كان الأجمل أن يمنعهم التكرم مما ارتكبا منها، فضلا عن الدين. و قال ابن أبي الحديد في تعليقه على هذا القول المفيد: و هذا الكلام لا جواب عنه.

و لقد كان التكرّم و رعاية حق رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و حفظ عهده يقتضي أن تعوّض ابنته بشي‏ء يرضيها- إن لم يستنزل المسلمون عن فدك- و تسلّم إليها تطييبا لقلبها، و قد يسوغ للإمام أن يفعل ذلك من غير مشاورة المسلمين إذا رأى المصلحة فيه، و قد بعد العهد الآن بيننا و بينهم و لا نعلم حقيقة ما كان، و إلى اللّه ترجع الأمور.

و إذا تحدّثنا عن الزهراء (عليها السلام)، نجد أنفسنا أمام أسئلة حائرة تبحث لها عن أجوبة. من هذه الأسئلة:

هل بايعت فاطمة الزهراء (عليها السلام) أبا بكر؟ و الإجابة التي نجدها في البخاري و غيره من حديث عائشة عند ما أبو بكر أن يعطي فاطمة (عليها السلام) ما سألت: أن فاطمة (عليها السلام) غضبت و هجرت‏

____________

(1). سورة الأحزاب: الآية 33.

(2). هكذا في المصدر.

413

أبا بكر، فلم تزل مهاجرته حتى توفّيت. و عند البخاري: أن عليا (عليه السلام) دفنها و لم يخبر أبو بكر بموتها.

و على هذه الإجابة نقول: كيف يستقيم موقف الزهراء (عليها السلام) مع الحديث الصحيح: «من فارق الجماعة شبرا فمات إلا مات ميتة جاهلية»، و حديث: «من خرج من السلطان شبرا مات ميتة جاهلية»؛ هل كانت الزهراء (عليها السلام) مفارقة للجماعة، كيف؟!

و بخصوص علي بن أبي طالب (عليه السلام)؛ فلقد روى البخاري و مسلم: كان لعلي (عليه السلام) من الناس وجهة حياة فاطمة (عليها السلام). فلما توفّيت استنكر على وجوه الناس، فالتمس مصالحة أبي بكر و مبايعته و لم يكن بايع تلك الأشهر. فأرسل إلى أبي بكر أن ائتنا و لا يأتنا معك أحد كراهية محضر عمر بن الخطاب. فقال عمر لأبي بكر: و اللّه لا تدخل عليهم وحدك! فقال أبو بكر: و ما عساهم أن يفعلوا بي، إني و اللّه لآتينهم. فدخل عليهم أبو بكر.

قال المفسّرون: إنه كان لعلي (عليه السلام) من الناس وجه حياة فاطمة (عليها السلام)، أي وجه و إقبال في مدة حياتها، و قيل: وجه من الناس حياة فاطمة (عليها السلام)، أي جاه و عزّ فقدهما بعدها، و بعد وفاة فاطمة (عليها السلام) استنكر علي (عليه السلام) وجوه الناس، أي لم يعجبه نظرهم إليه. فأرسل إلى أبي بكر أن ائتنا و لا يأتنا معك أحد. قال المفسرون: أي لئلا يحضر معه من يكره حضوره و هو عمر بن الخطاب، لما علم من شدته و صدعه بما يظهر له؛ فخاف هو و من معه ممن تخلّف عن البيعة أن ينتصر عمر لأبي بكر فيصدر عنه ما يوحش صدورهم على أبي بكر بعد أن طالبت و انشرحت له.

أما قول عمر: لا تدخل عليهم وحدك، فمن خوفه أن يغلظوا على أبي بكر في العتاب، و يحملهم على الإكثار من ذلك لين عريكة أبي بكر و صبره عن الجواب. و بين استنكار وجوه الناس و بين الخوف من غلظة عمر- كما قال المفسرون- روى البخاري و مسلم: فقال علي (عليه السلام) لأبي بكر: موعدك العشية للبيعة.

و يبقى السؤال: هل يوجد دليل واحد يقول بأن عليا (عليه السلام) يستمدّ الجاه و العزّ من وجوه الناس، و هو الذي أطاح برقاب الجبابرة على امتداد حياته، و عاش مظلوما و مات مظلوما، و ما هو رزن بيعة مدخلها إرضاء الناس؟

414

ثم إذا كان الناس قد انفضّوا من حول علي (عليه السلام)، فلما ذا خاف عمر على أبي بكر أن يدخل عليهم وحده؟ و أيّ عتاب هذا الذي كان الفاروق يخشاه على أبي بكر؟

ثم نعود إلى حديث من فارق الجماعة شبرا فمات إلا مات ميتة جاهلية، فنقول:

أ لم يعلم علي (عليه السلام) بهذا الحديث؟ فإذا كان قد بايع بعد وفاة الزهراء (عليها السلام)، فهل كان علي (عليه السلام) يعلم أنه سيعيش إلى ما بعد أبي بكر فتأخّر عن بيعته تلك الشهور الستة؟ و لقد لعن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) المسوّفون الذين يقولون: سوف أعمل غدا كذا و كذا، ثم يأتيهم الموت على شرّ و لم يعملوا شيئا؛ إن هذه أسئلة.

و لقد بعد العهد الآن بيننا و بينهم و لا نعلم حقيقة ما كان، و إلى اللّه ترجع الأمور.

المصادر:

معالم الفتن: ج 1 ص 316.

128

المتن:

في معالم الفتن:

و بعد وفاة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) وضعت الدولة اليد على فدك و انتزعتها من يد الزهراء (عليها السلام)، و من هنا بدأ نزاع فاطمة (عليها السلام) و أبي بكر.

روى البخاري عن عائشة: إن فاطمة (عليها السلام) سألت أبا بكر بعد وفاة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أن يقسّم لها ميراثها مما ترك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) مما أفاء اللّه عليه. فقال لها أبو بكر: إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال:

لا نورّث، ما تركناه صدقة. فغضبت فاطمة (عليها السلام) فهجرت أبا بكر؛ فلم تزل مهاجرته حتى توفّيت؛ و عاشت بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ستة أشهر. و كانت فاطمة (عليها السلام) تسأل أبا بكر نصيبها مما ترك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من خيبر و فدك و صدقته بالمدينة، فأبى أبو بكر عليها ذلك ....

415

و روى أن عليا (عليه السلام) عند ما سمع قول أبي بكر بأن الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) قال: لا نورّث و ما تركناه صدقة، قال علي (عليه السلام): «وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ» (1)، و قال زكريا: «يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ...». (2) هذا كتاب اللّه ينطق.

و روى أن فاطمة (عليها السلام) نازعت في سهم ذي القربى الذي نصّ القرآن عليه، و كانت الدولة قد وضعت يدها عليه.

المصادر:

معالم الفتن: ج 1 ص 315.

129

المتن:

قال المفيد في بغض عائشة لأمير المؤمنين (عليه السلام):

... و من ذلك ما اجتمع عليه أهل النقل في شهادتها لأبي بكر في صواب منعه فاطمة (عليها السلام) فدكا، و مباينتها في تلك الشهادة أمير المؤمنين (عليه السلام) فيما ذهب إليه من استحقاقها، و مظاهرة أبي بكر على منع فاطمة (عليها السلام) من ميراث أبيها؛ و لم تشركها في ذلك إحدى الأزواج.

المصادر:

الجمل و النصرة لسيد العترة (عليه السلام): ص 428.

____________

(1). سورة النمل: الآية 16.

(2). سورة مريم: الآية 6.

416

130

المتن:

قال القاضي أبو حنيفة النعمان في صلاة أبي بكر بالناس مكان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بما جاء عن عائشة:

.... و قد عارضتكم الرافضة في حديثكم هذا، فقالوا لكم: قبلتم قول عائشة في الصلاة و جعلتموها حجة و لم تقبلوا قول فاطمة (عليها السلام) في فدك أو شهادة أم أيمن لها، و قد شهد لها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بالجنة و قال: إنها سيدة نساء العالمين.

فإن قلتم: لأن الحكم في الأموال لا يجب بشهادة امرأة. قلنا لكم: و كذلك الحكم في الدين لا يقبل بقول امرأة، و لإن كانت صلاة أبي بكر توجب له التقديم على من صلّى خلفه و أنه أفضل منهم، فصلاة عمرو بن العاص بأبي بكر و عمر توجب له التقدمة عليهما ....

المصادر:

شرح الأخبار لأبي حنيفة: ج 2 ص 233.

131

المتن:

قال علي (عليه السلام) لأبي بكر:

لو شهد العدول على فاطمة (عليها السلام) بفاحشة، ما كنت صانعا؟ قال: أحدّها. قال: إذن تخرج من الإسلام، لأنك تركت شهادة اللّه لها بإذهاب الرجس عنها و صدّقت الخلق بإثباته فيها.

فقام من المجلس و ترك عليا (عليه السلام).

قالوا: لا يلزم من عصمتها أخذ مدّعاها بغير بينة منها، لأن أباها مع نبوته لا يحكم له بدون بينة. قلنا: هذا يضحك الثكلى، فإذا لم يعرف كون البينة حجة إلا بقوله، فكيف لا يقبل قوله إلا ببينة؟! إن هذا لشي‏ء عجاب!

417

المصادر:

الصراط المستقيم للنباطي البياضي: ج 2 ص 289.

132

المتن:

قال محمد بن الحسن الحرّ العاملي نقلا عن ابن أبي الحديد:

و روى روايات كثيرة في فدك و قال: إني نقلتها من كتب الحديث لا من كتب الشيعة.

فنقل من كتاب أحمد بن عبد العزيز الجوهري في السقيفة و فدك أخبارا مضمونها:

أنها كانت للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) خاصة، و أنه لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب، و أن أبا بكر منعها فاطمة (عليها السلام) بعد ما طلبتها. فتألّمت و تظلّمت و قالت: يا ابن أبي قحافة! أ ترث أباك و لا أرث أبي؟ لقد جئت شيئا فريّا.

و أنها بكت و استنجدت المهاجرين و الأنصار و استنصرتهم لطلب حقها و ما غصب منها، و أنها قالت لأبي بكر: و اللّه لا كلّمتك أبدا، إذا و اللّه لأدعونّ اللّه عليك. فلما حضرتها الوفاة، أوصت أن لا يصلّي عليها فدفنت ليلا، و أنها ادعت النحلة و شهد لها علي (عليه السلام) و أم أيمن، فلم يقبل أبو بكر شهادتهما.

و روى: نحن معاشر الأنبياء لا نورّث، و قال: لم يرو هذا الخبر غير أبي بكر.

و روى حديث مرافعة علي (عليه السلام) و العباس إلى عمر، يطلبان الميراث و النحلة و أنه يقبل، و أن عمر قال لهما: أنكما تزعمان أن أبا بكر فاجر ظالم و اللّه يعلم أنه صادق بارّ، و تزعمان أني ظالم فاجر و اللّه يعلم إني صادق بارّ، و قال: هذا الحديث مرويّ في الصحاح، لا يمكن ردّه.

المصادر:

إثبات الهداة: ج 2 ص 358.

418

133

المتن:

قال الشيخ الزنجاني في مدينة البلاغة بعد نقل خطبته (صلّى اللّه عليه و آله) في الفتن، قالها في مرضه (صلّى اللّه عليه و آله):

قلت: هذا الحديث رواه الفريقان، غير أن كل ناس على وجه قوله: أتت الفتن، يعني فتنة الخلافة و ردّها إلى غير أهلها و إيذائهم أهل بيته (عليهم السلام)، خصوصا فاطمة (عليها السلام)، و أخذهم فدكا من يدها و إخراجهم عاملها منها و ادعائهم على النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أنه قال: نحن معاشر الأنبياء لا نورّث. نعوذ باللّه أن يقال عليه ما لم يقله، خصوصا على خلاف ما نطق به القرآن بتوريث الأنبياء.

مضافا إلى أن فدكا كانت نحلة و هبة من النبي (صلّى اللّه عليه و آله) إليها في حياته، و كانت فاطمة (عليها السلام) متصرفة فيها زائدا عليها، و ردّهم عليها شهادة علي (عليه السلام) و أم أيمن و الحسنين (عليهما السلام) و إيذائهم الأنصار، إلى غير ذلك من الفتن.

و أما احتمال كون المراد منها خروج مسيلمة، فإنه مضافا إلى وحدته، كان موجودا في عصره بعيد على الظاهر، كما لا يخفى.

المصادر:

مدينة البلاغة: ج 1 ص 116.

134

المتن:

قال هاشم معروف الحسني:

و جاء في شرح النهج عن أبي سعيد الخدري: أنه (صلّى اللّه عليه و آله) وهبها لفاطمة (عليها السلام)، و لما انتهت الخلافة لأبي بكر كان أول ما قام به أن انتزعها من يدها بحجة أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) على حد زعمه‏

419

قال: نحن معاشر الأنبياء لا نورّث، ما تركناه صدقة، و أصرّ على انتزاعها من يدها بالرغم من أنها طالبت بها و أقامت البينة على ملكيتها لها.

و في بعض الروايات أنها لما أفحمتهم بحجتها، كتب لها كتابا فيها و دفعه إليها، و لكن عمر بن الخطاب أبى عليه ذلك و انتزع الكتاب منها في حديث طويل، لا يعنينا منه أكثر من هذه الإشارة العابرة، و ظلّت في يد الخلفاء كمورد من موارد الدولة، حتى انتهى الحكم لمعاوية.

فقسّمها ثلاثا بين مروان بن الحكم و عمرو بن عثمان و يزيد بن معاوية، و انتهت كلها لمروان أيام خلافته فوهبها لولده عبد العزيز، و عبد العزيز وهبها لولده عمر بن عبد العزيز. و لما انتهت الخلافة إليه، كانت أول ظلامة ردّها على العلويين و سلّمها للإمام علي بن الحسين (عليه السلام). فكان يوزع ناتجها على ذرية فاطمة (عليها السلام).

و بعد وفاة عمر بن عبد العزيز، انتزعها من العلويين يزيد بن عبد الملك، و بقيت بيد خلفائهم إلى أن جاءت الدولة العباسية. فردّها أبو العباس السفاح- أحد حكّامهم- على العلويين، و انتزعها المنصور بعد ثورة عبد اللّه بن الحسن، ثم ردّها عليهم المهدي العباسي، و انتزعها منهم موسى بن المهدي العباسي، و بقيت في أيدي العباسيين إلى عهد المأمون فسلّمها للفاطميين، و بقيت في أيديهم إلى أن جاء المتوكل و كان شديد الكراهية لعلي (عليه السلام) و بنيه. فانتزعها منهم إلى كثير من المرويات حولها.

و مما يؤكّد أن فدكا كانت لفاطمة (عليها السلام) هبة لها من أبيها ما جاء في كتاب علي (عليه السلام) لعثمان بن حنيف الأنصاري، فقد قال فيه: بلى، كانت في أيدينا فدك من كل أظلّته السماء، فشحّت عليها نفوس قوم و سخت عنها نفوس قوم آخرين، و نعم الحكم اللّه.

و لما اطمأنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) على مصير الإسلام من اليهود و تضعضع مركزهم في بلاد العرب و أراد الرجوع إلى المدينة، جاءته زينب بنت الحارث زوجة سلام بن مشكم بشاة مطبوخة، كانت قد وضعت فيها السم و أكثرت منه في ذراعها بعد أن بلغها أنه يحبّ من الشاة لحم الذراع.

420

فلما وضعتها بين يديه، جلس هو و أصحابه ليأكلوا. فتناول منها الذراع و وضع قطعة منه في فمه، فلاكها و لم يستسغها، فلفظها و هو يقول: إن هذا العظم ليخبرني بأنه مسموم، و كان بشير بن البراء قد تناول قطعة و ازدردها. ثم توقف هو (صلّى اللّه عليه و آله) و أصحابه عن الأكل و دعا بزينب و سألها عن السمّ. فاعترفت و قالت: لقد بلغت من قومي ما بلغت، فصنعت لكم هذه الشاة و قلت في نفسي، إن كان ملكا قد أدركت ثأري منه و إن كان نبيا- كما يدعى- فسيخبره اللّه بذلك، و مات بشير بن البراء من ساعته.

و اختلف الرواة بشأن زينب بعد هذه الحادثة؛ فقيل: إن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قبل عذرها و عفا عنها لأنها صنعت ذلك بدافع الثأر لأبيها و زوجها، و قيل: إنه أمر بقتلها في بشير بن البراء الذي قتله السم، و هو الأرجح، و لا يمكن أن يقبل لها النبي (صلّى اللّه عليه و آله) عذرا في إقدامها على هذه الجريمة.

و يدّعي المؤرخون أن آثار السم بقيت في جسم النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و تغلّبت عليه في مرضه الأخير، و بتأثيرها كانت وفاته كما يزعمون.

و تجهّز رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بعد ذلك للعودة إلى المدينة عن طريق وادي القرى. فاستعدّ يهودها لقتال المسلمين، فعبأ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أصحابه- كما جاء في رواية الواقدي- و دفع لواءه لسعد بن عبادة.

ثم دعاهم إلى الإسلام و قال لهم: إن أسلمتم تحرزون أموالكم و دماءكم، و لكنهم رفضوا الإسلام و أصرّوا على المقاومة. فبرز منهم رجل و طلب القتال، فخرج إليه الزبير و قتله. ثم برز رجل آخر من أبطالهم، فبرز إليه علي بن أبي طالب (عليه السلام) و احتدمت المعركة بين الطرفين حتى قتل منهم أحد عشر رجلا، و كان كلما قتل علي (عليه السلام) منهم رجلا دعاهم إلى الإسلام و هم يرفضون.

و استمرّ القتال بينهم و بين المسلمين إلى اليوم الثاني. فلما ارتفعت الشمس، استسلموا؛ فاستولى المسلمون على أموالهم و أمتعتهم و ترك النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لهم الأرض و النخيل على أن يستعملوها بنصف ناتجها كما صنع مع أهل خيبر.

421

أما يهود تيماء، فقد عرض عليهم النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أن يدخلوا في الإسلام أو يدفعوا الجزية، فقبلوا بالجزية و التزموا بدفعها و لم يقع بينهم و بين المسلمين قتال، و انتهى بذلك كل ما كان لهم من سلطان في شبه الجزيرة، و أصبح المسلمون بمأمن من ناحية الشمال إلى حدود الشام، كما أصبحوا بمأمن من ناحية الجنوب بعد صلح الحديبية.

و جاء في كتب الحديث و السيرة أن أحد المسلمين ممن اشتركوا في غزوة خيبر يدّعي الحجاج بن ملاط السلمي كانت له ديون في مكة على جماعة من أهلها و خاف أن يمتنعوا عن وفائها. فجاء إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بعد سقوط خيبر و فدك في أيدي المسلمين و قال له: يا رسول اللّه، إن لي عند صاحبتي أم شيبة بنت أبي طلحة و غيرها أموالا و لا استطيع تحصيلها إلا أن أقول ما ليس بواقع. فقال له النبي (صلّى اللّه عليه و آله): قل ما تشاء يا حجاج.

فخرج الحجاج مسرعا حتى انتهى إلى مكة. قال: فوجدت بثنية البيضاء رجالا من قريش، خرجوا يتطلّعون إلى أخبار معركة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) مع اليهود و نتائجها و كان يهمّهم أن يهزم النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في تلك الغزوة- كما ذكرنا-. فلما رأوني أسرعوا إليّ و لم يكونوا قد علموا بإسلامي و قالوا: لقد بلغنا أن القاطع سار بمن معه إلى خيبر، فأخبرنا بما عندك.

فقلت لهم: إن عندي من الخبر ما يسرّكم. فالتفّوا حول ناقتي، فقلت لهم: لقد هزم اللّه محمدا و أصحابه هزيمة لم تسمعوا بمثلها قط؛ لقد قتل أصحاب محمد و وقع هو أسيرا بيد اليهود و اتفقوا على أن يرسلوه إليكم لتقتلوه بما أصاب من رجالكم.

فاستبشروا و صاحوا بمكة من جميع الجوانب يبشّرون أهلها بذلك و يقولون: إن محمدا وقع أسيرا في يد اليهود و سيقدّمون به عليكم ليقتل بين أظهركم.

ثم قال لهم الحجاج: أعينوني على جمع أموالي من غرمائي لأني أريد أن أرجع فورا إلى خيبر لأشتري مما غنمه اليهود من محمد قبل أن يسبقني التجار إلى ذلك. فأسرعوا في جمع الديون التي كانت لي بكاملها، و جئت صاحبتي فأخذت منها ما كان لي عندها

422

من المال، و قلت لها: إني راجع مسرعا لعلّي أصيب مما غنمه اليهود من محمد قبل أن يسبقني إليه التجار.

و انتشر الخبر بين أحياء مكة و بيوتها بأسرع ما يكون، و أخذ كل واحد يبشّر الآخر و علت الهتافات و الزغاريد، و شهدت مكة في تلك الساعات من الفرح و البهجة ما لم تشهده في تاريخها الطويل، و لكن هذه الشائعة كانت صدمة على الهاشميين، كادت تزهق لها نفوسهم.

و لما سمع العباس بن عبد المطلب، جاءني مسرعا و وقف إلى جانبي و أنا في خيمة من خيام التجار، فقال لي: يا حجاج! ما هذا الذي جئت به؟ فقلت له: هل عندك حفظ لما أضعه عندك؟ قال: نعم. فقلت له: تأخّر حتى ألقاك على خلاء، فإني مشغول بجمع مالي.

فانصرف عني حتى إذا انتهيت من جمع كل شي‏ء كان لي بمكة و عزمت على الخروج منها، خلوت به و قلت له: احفظ عليّ حديثي يا أبا الفضل ثلاثا، فإني أخشى الطلب و بعد ذلك قل ما تشاء. فقال: أفعل ذلك.

فقلت له: و اللّه لقد تركت ابن أخيك عروسا على ابنة ملكهم صفية بنت حيّ بن أخطب، و لقد افتتح خيبر و فدك و استولى على أموالهم و أصبحت له و لأصحابه. فقال:

ما تقول يا حجاج؟! فقلت: و اللّه أن الأمر كذلك، فاكتم عليّ ثلاثا، و إني قد أسلمت و جئتهم بهذا الخبر لآخذ أموالي خوفا من أن أغلب عليها، و انصرفت عنه.

فلما كان اليوم الثالث، لبس العباس حلّة له و تخلّق و أخذ عصاه، ثم خرج و أتى الكعبة فطاف بها. فلما رأوه قالوا: يا أبا الفضل! هذا و اللّه التجلّد لحرّ المصيبة. قال: كلا و الذي حلفتم به، لقد افتتح خيبرا و أحرز أموالهم و أصبح عروسا على ابنة ملكهم و أصبحت خيبر له و لأصحابه. فقالوا: من جاءك بهذا الخبر؟! قال: الذي جاءكم بما جاءكم به، و لقد دخل عليكم و أخذ ماله ليلحق برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أصحابه. فقالوا: لقد أفلت عدو اللّه؛ أما و اللّه لو علمنا بذلك لكان لنا و له شأن.

423

و ما لبثوا حتى جاءتهم الأخبار بانتصار الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و استيلائه على خيبر و فدك و غيرها و رجوعه إلى المدينة بمن معه من أصحابه فاتحين فرحين بنصر اللّه.

و كان رجوعه خلال النصف الثاني من صفر. فأقام بالمدينة شهري ربيع و جماديين و رجب و شعبان و رمضان و شوال من السنة السابعة.

و خلال المدة التي أقامها في المدينة، إلى أن جاء الموعد الذي تواعد فيه مع قريش على الرجوع إلى مكة لأداء مناسك الحج، خلال تلك الأشهر انصرف إلى تنظيم أمور المسلمين و تبليغ الأحكام حسبما كانت تنزل عليه بين الحين و الآخر، و كان مع ذلك يبعث السرايا، السريّة تلو الأخرى، يتعقّبون عبدة الأصنام من الأعراب عند ما يبلغه أنهم يفكّرون في الاعتداء على المسلمين، أو سلب شي‏ء من أموالهم، و تمكّن المسلمون من أولئك الأجلاف الغلاظ قبيلة أثر قبيلة، بعد أن تبدّد شملهم في غزوة الأحزاب، و بعد موادعة قريش في الحديبية و القضاء على آخر معقل من معاقل اليهود في خيبر و فدك و تيماء و غيرها.

المصادر:

سيرة المصطفي (صلّى اللّه عليه و آله): ص 559.

135

المتن:

قال في بلغة الفقيه نقلا عن شرح نهج البلاغة لا بن أبي الحديد بعنوان ما ورد من السير و الأخبار في أمر فدك:

و في نفس المصدر و غيره من مصادر التاريخ أن فاطمة (عليها السلام) قالت لأبي بكر: إن فدك وهبها لي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). قال: فمن يشهد بذلك؟ فجاء علي بن أبي طالب (عليه السلام) فشهد، و جاءت أم أيمن فشهدت أيضا.

424

فجاء عمر بن الخطاب و عبد الرحمن بن عوف فشهدا أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان يقسّمها.

قال أبو بكر: صدقت يا بنت رسول اللّه و صدق علي و صدقت أم أيمن و صدق عمر و صدق عبد الرحمن بن عوف ....

قال ابن أبي الحديد: و مثله غيره: طالبته أولا نحن معاشر الأنبياء لا نورّث ...، مع اعترافه في احتجاج علي (عليه السلام) معه بعدم سؤال البينة من ذي اليد، بل تسأل ممن يدّعي عليه و ليس إلا لبطلان اليد بدعوى الانتقال بالنحلة التي لو تتمّ لكان فيئا لا ميراثا ....

و لما منعت منها طالبت ضرورة بالميراث، لأن للمدفوع عن حقه أن يتوصّل إلى تناوله بكل وجه و سبب. فقال أبو بكر بعد أن احتجّت عليه الزهراء (عليها السلام) بتلك الخطبة البليغة: يا خير النساء و ابنة خير الأنبياء! و اللّه ما عدوت رأي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و لا عملت إلا بإذنه و إن الرائد لا يكذّب أهله، و إني أشهد اللّه- و كفى باللّه شهيدا- أني سمعت رسول اللّه يقول: إنا معاشر الأنبياء لا نورّث ذهبا و لا فضة و لا دارا و لا عقارا، و إنما نورّث الكتاب و الحكمة و العلم و النبوة.

هذا بإيجاز، و للتفصيل عن موضوع فدك يراجع ما كتبناه في تعليقنا على الجزء الثالث من تلخيص الشافي.

المصادر:

بلغة الفقيه: ج 3 ص 352.

136

المتن:

قال العلامة الجليل كاشف الغطاء في مساوئ و مطاعن أبي بكر:

و منها منع فاطمة الزهراء (عليها السلام) إرثها برواية مخالفة للقرآن، و قد روى البخاري بطريقين أن فاطمة (عليها السلام) أرسلت تطالبه بميراثها، فمنعها من ذلك. فغضبت على أبي بكر و هجرته و لم تكلّمه حتى ماتت، و دفنها علي (عليه السلام) ليلا و لم يؤذن بها أبو بكر.

425

و هذا لا يكون إلا من عدم إنذار النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لأهل بيته (عليهم السلام)، فيلزم أن يكون النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قد خالف اللّه تعالى في قوله تبارك و تعالى: «وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ» (1)، لأنه لم ينذر عليا و فاطمة و الحسن و الحسين (عليهم السلام) و العباس و لا أحدا من بني هاشم إلا مرّتين و لا أحدا من نسائه و لا أحدا من المسلمين.

و روى الحافظ ابن مردويه بأسناده إلى عائشه: أنها ذكرت كلام فاطمة (عليها السلام) لأبيها و قالت في آخره: و أنتم تزعمون أن لا إرث لنا؛ «أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ...»؟ (2) يا معشر المسلمين! إنه لا أرث أبي؟! يا ابن أبي قحافة! أ في كتاب اللّه ترث أباك و لا أرث أبي؟

لقد جئت شيئا فريا. فدونكها مرحولة مختومة في عنقك، تلقاه يوم حشرك و يوم نشرك؛ فنعم الحكم اللّه تعالى و المقيم محمد (صلّى اللّه عليه و آله) و الموعد يوم القيامة، و عند الساعة يخسر المبطلون.

و روى الواقدي و غيرهم من العامة: أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لما فتح خيبرا، اصطفى لنفسه قرى من قرى اليهود، فنزل عليه جبرئيل بهذه الآية: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى‏ حَقَّهُ». (3) فقال النبي (صلّى اللّه عليه و آله):

و من ذا القربى و ما حقه؟ قال جبرئيل: فاطمة (عليها السلام). فدفع إليها فدك و العوالي. فاستعملتها حتى توفّي أبوها.

فلما بويع أبو بكر منعها، فكلّمته فقال: ما أمنعك عما دفع إليك أبوك. فأراد أن يكتب لها، فاستوقفه عمر فقال: امرأة، فلتأت على ما ادّعت ببينة. فأمرها أبو بكر، فجاءت بعلي و الحسنين (عليهم السلام) و أم أيمن و أسماء بنت عميس. فردّ شهادتهم فقال: لا؛ أما علي فإنه يجرّ نفعا إلى نفسه و الحسنان ابناك و أم أيمن و أسماء نساء. فعند ذلك غضبت عليه فاطمة الزهراء (عليها السلام) و حلفت أن لا تكلّمه حتى تلقى أباها و تشكو إليه.

و هذا يدلّ على نهاية جهله بالأحكام، على أنهما لم يكن عندهما مثقال ذرة من الإسلام، و هل يجوز على الذين طهّرهم اللّه بنصّ الكتاب أن يقدّموا على غصب المسلمين أموالهم و أن يدلّهم أبو بكر على طريق الصواب؟ فاعتبروا يا أولي الألباب.

____________

(1). سورة الشعراء: الآية 214.

(2). سورة المائدة: الآية 50.

(3). سورة الإسراء: الآية 26.

426

مع أنه قد روى مسلم في صحيحه بطريقين: أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال: «فاطمة الزهراء (عليها السلام) بضعة مني، يؤذيني من آذاها».

و روى البخاري في صحيحه أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: «فاطمة (عليها السلام) بضعة مني، من أغضبها فقد أغضبني».

و كذلك روى هذين الحديثين في الجمع بين الصحيحين و روى في الجمع بين الصحاح: أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: «فاطمة (عليها السلام) بضعة مني و سيدة نساء العالمين»، ثم قال:

«سيدة نساء أهل الجنة».

و روى بطريق آخر أيضا: أنه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: «أ لا ترضين أن تكوني سيدة نساء العالمين- أو- سيدة نساء أهل الجنة؟».

و روى بطريق آخر أيضا: قال لها: «أ لا ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين- أو- سيدة نساء هذه الأمة؟».

و كذلك رواه البخاري في صحيحه، و كذلك رواه الثعلبي.

المصادر:

كشف الغطاء: ص 17.

137

المتن:

قال سليم بن قيس في الحديث 18 من كتابه:

... أ رأيتم لو أمرت بمقام إبراهيم فرددته إلى المكان الذي وضعه فيه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و رددت فدك إلى ورثة فاطمة (عليها السلام) و رددت ما قسّم من أرض خيبر و محوت ديوان الأعطية و أعطيت كما كان يعطي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و لم أجعله دولة بين الأغنياء ...، لنادى بعض الناس من أهل العسكر ممن يقاتل معي: يا أهل الإسلام! و قالوا: غيّرت سنة عمر؟ ....

427

المصادر:

كتاب سليم بن قيس الهلالي: ج 2 ص 721 ح 18.

138

المتن:

قال في المنهاج في شرح قوله (عليه السلام): «بلى كانت في أيدينا فدك ...»:

... فبخلت بها قوم، سلبوها و أخذوها من أيدينا غصبا و هم المتصدون لغصب خلافته خوفا منهم أن يجمع الناس حول أهل البيت (عليهم السلام) برجاء هذا المال. فأيّدوهم و استردّوا حقهم.

«و سخت عنها نفوس آخرين»، يظهر من بعض الشراح أن المراد من نفوس آخرين هم أهل البيت (عليهم السلام)، أي تركوها في أيدي الغاصبين و انصرفوا عنها. قال الشارح المعتزلي: «و سخت عنها نفوس آخرين» أي سامحت و أغضت، و ليس يعني بالسخاء هاهنا إلا هذا لا السخاء الحقيقي، لأنه (عليه السلام) و أهله لم يسمحوا بفدك إلا غصبا و قسرا.

أقول: يمكن أن يكون المراد من الآخرين هم الأنصار، حيث سكتوا عن مطالبة حقهم و قعدوا عن نصرتهم لاسترداده و إن لم يبخلوا بكونها في أيديهم، و هذا هو الظاهر لأنه (عليه السلام) في مقام الشكوى إلى اللّه عمن ظلمه و أهله في غصب فدك، و قد سامح الأنصار في نصرته لردّها بعد مطالبتها من جانب فاطمة (عليها السلام).

قال في شرح المعتزلي: قال أبو بكر: حدثني أبو زيد عمر بن شبة، قال: حدثنا حيّان بن بشر، قال: حدثنا يحيى بن آدم، قال: أخبرنا ابن أبي زائدة، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، قال: بقيت بقية من أهل خيبر تحصّنوا، فسألوا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أن يحقن دماءهم و يسيّرهم، ففعل. فسمع ذلك أهل فدك فنزلوا على مثل ذلك، و كانت للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) خاصة لأنه لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب.

428

و قال ابن ميثم: ثم المشهور بين الشيعة و المتفق عليه عندهم أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أعطاها فاطمة (عليها السلام)، و رووا ذلك من طرق مختلفة.

منها: عن أبي سعيد الخدري، قال: لما أنزلت: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى‏ حَقَّهُ» (1)، أعطى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فاطمة (عليها السلام) فدك. فلما تولّى أبو بكر الخلافة، عزم على أخذها منها. فأرسلت إليها يطالبها بميراثها من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و تقول: إنه أعطاني فدكا في حياته، و استشهدت على ذلك عليا (عليه السلام) و أم أيمن. فشهدا لها بها.

فأجابها عن الميراث بخبر رواه هو: نحن معاشر الأنبياء لا نورّث فما تركناه فهو صدقة، و عن دعوى فدك: أنها لم تكن للنبي و إنما كانت للمسلمين في يده، يحمل بها الرجال و ينفقه في سبيل اللّه، و أنا إليه كما كان يليه.

المصادر:

منهاج البراعة: ج 20 ص 96.

139

المتن:

قال في المنهاج بعد ذكر الخطبة و شطر مما ورد في أمر فدك من طريق أهل السنة:

... و قد بحث الفريقان في هذه المسألة بحثا وافيا لا مزيد عليه، و أوّلوا ما ورد فيه و ما صدر من النصوص بكل وجه ممكن لتأييد كل فريق مذهبه. و كفى في ذلك ما نقله الشارح المعتزلي عن قاضي القضاة و ما نقله من النقد و الردّ عليه من السيد المرتضى و ما علّق على نقوض السيد المرتضى انتصارا لقاضي القضاة؛ من أراد الاطلاع فليرجع إليه، و نحن نلخّص البحث في أمر فدك بما يلي:

____________

(1). سورة الإسراء: الآية 26.

429

الأول: لا خلاف و لا شك في أن فدك كانت ملكا صافيا خالصا لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، لأن أهلها ملّكوها إياها صلحا على أن يزرعوها بنصف عوائدها، و ما روي من أنه (صلّى اللّه عليه و آله) صالحهم على النصف، محمول على العوائد لا على صلب الملك، و لا ينافي مع ما دلّ على أن أهلها صالحوه على جميعها، و الدليل على ذلك من وجوه:

1. قوله تعالى: «وَ ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى‏ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَ لا رِكابٍ وَ لكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى‏ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ». (1)

ظاهر هذه الآية أن ما عطاء اللّه رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) من أهل القرى من غير إيجاف الخيل و الركاب و زحف المجاهد و المحارب فهو خاصة للرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، لا يشترك فيه سائر المسلمين، كأرض صالح أهلها مع النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و سلّموها إليه أو باد أهلها أو تركوها و هاجروا منها. و فدك مما سلّمها أهلها إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله) من دون حرب و زحف، فهي له خاصة، و الآية التالية تنظر إلى الفي‏ء الذي أخذ عنوة؛ فهو للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) و ذوي القربى و غيرهم.

2. اعتراف أبي بكر بأنه للنبي (صلّى اللّه عليه و آله)، حيث تمسّك بمنعها عن فاطمة (عليها السلام) بحديث رواه عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و هو قوله: لا نورّث، ما تركناه صدقة. مع أنه لو لم يعترف بكونها ملك النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لا يحتاج إلى التمسك بهذا الحديث، بل يمنعها باعتبار عدم ارتباطها بها.

3. أنه بعد ما ادعت فاطمة (عليها السلام) أنها نحلة أبي و قد وهبها لي، طلب أبو بكر منها الشهود، و طلب الشهود على النحلة يدلّ على اعترافه بأنها ملك مخصوص بالنبي (صلّى اللّه عليه و آله)، لأنه لا هبة إلا في ملك.

نعم، قال في الشرح المعتزلي: قال أبو بكر: و روى هشام بن محمد، عن أبيه، قال:

قالت فاطمة (عليها السلام) لأبي بكر: إن أم أيمن تشهد لي أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أعطاني فدك. فقال لها:

يا بنت رسول اللّه، و اللّه ما خلق اللّه خلقا أحبّ إليّ من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أبيك .... إن هذا المال‏

____________

(1). سورة الحشر: الآية 6.

430

لم يكن للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) و إنما كان مالا من أموال المسلمين، يحمل النبي به الرجال و ينفقه في سبيل اللّه. فلما توفّي رسول اللّه ولّيته كما كان يليه. قالت: و اللّه لا كلّمتك أبدا ....

و يرد الإشكال على هذا الحديث بوجوه:

1. معارضته صريحا مع ما رواه في الشرح أيضا: قال أبو بكر: حدثني أبو زيد عمر بن شبة، قال: حدثنا يحيى بن بشر، قال: حدثنا يحيى بن آدم، قال: أخبرنا ابن أبي زائدة، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، قال: بقيت بقية من أهل خيبر تحصّنوا. فسألوا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أن يحقن دماءهم و يسيّرهم، ففعل. فسمع ذلك أهل فدك، فنزلوا على مثل ذلك؛ و كانت للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) خاصة، لأنه لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب.

و هذا الحديث صريح و معلّل و موافق للقرآن، و له وجوه من الترجيح سندا.

2. قال الشارح المعتزلي: و أما الخبر الثاني- و هو الذي رواه هشام بن محمد الكلبي عن أبيه- ففيه إشكال أيضا، لأنه قال: إنها طلبت فدك و قالت: إن أبي أعطانيها و إن أم أيمن تشهد لي بذلك. فقال لها أبو بكر في الجواب: إن هذا المال لم يكن لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و إنما كان مالا من أموال المسلمين، يحمل به الرجال و ينفقه في سبيل اللّه.

فلقائل أن يقول له: أ يجوز للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) أن يملّك ابنته أو غير ابنته من أفناء الناس ضيعة مخصوصة أو عقارا مخصوصا من مال المسلمين لوحي أوحى اللّه إليه؟ ... و هذا ليس بجواب صحيح.

3. مخالفته مع الآية السابقة السادسة من سورة الحشر كما بيّناه. فالقول بأن فدك لم يكن للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) مردود و مخالف لما عليه الفريقان. فإذا ثبت أن فدك كانت خاصة لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، يثبت أن انتقالها إلى فاطمة (عليها السلام) كان بهبة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إياها لا بالإرث، فإنه لو كان بالإرث لا يختصّ بفاطمة (عليها السلام)؛ فإنها لم تك وارثة منحصرة له (صلّى اللّه عليه و آله)، بل تشترك معها أزواج النبي (صلّى اللّه عليه و آله) التسع و عصبة النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، على مذهب العامة؛ فلا يصحّ لها دعوى كل فدك.

431

و لم يرد في رواية اشتراك غيرها معها في دعوى فدك، إلا ما رواه في الشرح عن أبي بكر بسنده، عن عروة، عن عائشة: أن فاطمة (عليها السلام) و العباس أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و هما حينئذ يطلبان أرضه بفدك و سهمه بخيبر. فقال لهما أبو بكر: إني سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: لا نورّث، ما تركناه صدقة، إنما يأكل آل محمد (عليهم السلام) من هذا المال، و إني و اللّه لا أجيز أمرا رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يصنعه إلا صنعته.

قال: فهجرته فاطمة (عليها السلام) فلم تكلّمه حتى ماتت.

و هذه رواية شاذّة تتضمّن إرث العصبة مع الأولاد، و هو مخالف لمذهب الإمامية، مع احتمال أن يكون أرضه بفدك غير ضيعة فدك، بل قطعة أرض مخصوصة فيها.

الثاني: لا بد و أن يكون في بحث فاطمة (عليها السلام) مع أبي بكر دعويان:

1. دعوى فدك بعنوان النحلة لا بعنوان الميراث.

2. دعوى ميراث النبي (صلّى اللّه عليه و آله) مما تركه من غير فدك و هو أمور؛ منها سهمه (صلّى اللّه عليه و آله) بخيبر، و منها سهم الخمس الذي كان له في حياته من سهم اللّه و سهم الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، و منها سائر ما يملكه من الدار و المتاع و غيرهما؛ و قد حازها كلها أبو بكر بحجة ما تفرّد بروايته من قوله: لا نورّث ما تركناه صدقة.

فدعوى الهبة و الإرث لم تتعلق بموضوع واحد و هو فدك، بل الهبة متعلقة بفدك و دعوى الإرث بغيرها. كما يستفاد مما رواه في الشرح المعتزلي عن أبي بكر بسنده إلى أم هاني: أن فاطمة (عليها السلام) قالت لأبي بكر: من يرثك إذا متّ؟ قال: ولدي و أهلي. قالت: فما لك ترث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) دوننا؟ قال: يا بنت رسول اللّه، و ما ورّث أبوك دارا و لا مالا و لا ذهبا و لا فضة. قالت: بلى، سهم اللّه الذي جعله لنا و صار فيئنا الذي بيدك. فقال لها: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: إنما هي طعمة أطعمنا اللّه، فإذا متّ كانت بين المسلمين.

و لا بد من القول بأن الدعويين مختلفتان و لم تتواردا على مورد واحد، فإنهما متكاذبان، لأن دعوى الهبة تقتضي الاعتقاد بخروج المورد عن ملك النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في حياته، و دعوى الإرث تقتضي بقاءه في ملكه إلى حين الموت. اللهم إلا أن يقال: إن دعوى‏

432

الهبة مقدمة على دعوى الإرث، فلما ردّت طرحت دعوى الإرث على وجه التنزل عنها و على وجه الجدال مع الخصم، و فيه بعد.

و قد اختلف كلامهم في أن أيّ الدعويين مقدمة. قال في الشرح المعتزلي في الفصل الثالث من مباحثة التي طرحها في أمر فدك: (1) و قد أنكر أبو علي ما قاله السائل من أنها لما ردّت في دعوى النحلة ادّعته إرثا و قال: بل كانت طلبت الإرث قبل ذلك. فلما سمعت منه الخبر، كفّت و ادّعت النحلة.

و العجب كل العجب من أبي علي، كيف خفي عليه أنه لو كانت دعوى الإرث مقدمة فقد اعترفت فاطمة (عليها السلام) ببقاء المورد في ملك أبيه إلى حين الوفاة، فكيف يصحّ منها أن تدعي النحلة بعد ذلك.

و العجب من السيد المرتضى، حيث لم يتوجّه في جوابه عن كلامه هذا في الشافي إلى خبطه فقال: و أما إنكار أبي علي أن يكون النحل قبل ادعاء الميراث و عكسه الأمر فيه. فأول ما فيه أن لا نعرف له غرضا صحيحا في إنكار ذلك، لأن كون أحد الأمرين قبل الآخر لا يصحّح له مذهبا، فلا يعتد على مخالفه مذهبا، ثم قال:

ثم إن الأمر في أن الكلام في النحل كان المتقدم ظاهرا، و الروايات كلها به واردة، و كيف أن تبتدأ بطلب الميراث فيما تدّعيه بعينه نحلا أو ليس هذا يوجب أن تكون قد طالبت بحقها من وجه لا تستحقه منه مع الاختيار، و كيف يجوز ذلك و الميراث يشتركها فيه غيرها و النحل تنفرد به.

أقول: قد ترى أن السيد لم يشر إلى التكاذب و التناقض الذي يلزم على المدعي للميراث قبل ادعاء النحل، فإنه لو ادعى الميراث أولا فقد اعترف ببقاء الملك على ملك المورث إلى حين الموت. فلو ادعى النحل بعد ذلك فقد ناقض دعواه الأولى و كذّب نفسه، و لا يصحّ صدوره من فاطمة (عليها السلام) مع عصمته و طهارته. فلا بد من القطع بتقدم دعوى النحل على دعوى الإرث و لا يصحّ جعله ظاهر الحال أو ظاهر الأخبار، كما يستفاد من كلام السيد.

____________

(1). شرح نهج البلاغة لا بن أبي الحديد (ط مصر): ج 16 ص 269.

433

و قد انتصر الشارح المعتزلي لأبي علي بما يلي‏ (1): فأما تعجب المرتضى من قول أبي علي أن دعوى الإرث كانت متقدمة على دعوى النحل و قوله: إنا لا نعرف له غرضا في ذلك، فإنه لا يصحّ له بذلك مذهب و لا يبطل على مخالفيه مذهب، فإن المرتضى لم يقف على مراد الشيخ أبي علي في ذلك و هذا شي‏ء يرجع إلى أصول الفقه، فإن أصحابنا استدلوا على جواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد بإجماع الصحابة، لأنهم أجمعوا على تخصيص قوله تعالى: «يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ» (2) برواية أبي بكر عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله): لا نورّث، ما تركناه صدقة، قالوا: و الصحيح في الخبر أن فاطمة (عليها السلام) طالبت بعد ذلك بالنحل لا بالميراث، فلهذا قال الشيخ أبو علي: إن دعوى الميراث تقدّمت على دعوى النحل، و ذلك لأنه ثبت أن فاطمة (عليها السلام) انصرفت على ذلك المجلس غير راضية و لا موافقة لأبي بكر، فلو كانت دعوى الإرث متأخرة و انصرفت عن سخط، لم يثبت الإجماع على تخصيص الكتاب بخبر الواحد.

أما إذا كانت دعوى الإرث متقدمه، فلمّا روى لها الخبر أمسكت و انتقلت إلى النزاع من جهة أخرى، فإنه يصحّ حينئذ الاستدلال بالإجماع على تخصيص الكتاب بخبر الواحد.

فأما أنا فالأخبار عندي متعارضة؛ يدلّ بعضها على أن دعوى الإرث متأخرة، و بعضها على أنها متقدّمة، و أنا في هذا الموضع متوقف، و ما ذكره المرتضى من أن الحال تقتضي أن تكون البداية بدعوى النحل فصحيح، انتهى.

أقول: لا يخفى ما في كلام الشارح المعتزلي من الاضطراب و التناقض! فتارة ينتصر لأبي علي جزما ليصحح الإجماع، و أخرى يحكم بتعارض الأخبار و يتوقّف، و ثالثة يصحّح كلام المرتضى في تقدم دعوى النحل.

____________

(1). شرح نهج البلاغة لا بن أبي الحديد (ط مصر): ج 16 ص 285.

(2). سورة النساء: الآية 11.

434

و الأصح أن مورد دعوى النحل خصوص فدك و لم يرد عليها دعوى الإرث أصلا، لا قبلها و لا بعدها، و مورد دعوى الإرث سائر ما تركه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من سهمه بخيبر و سهمه في الخمس و غير ذلك من متاعه، و قد تصرّف أبو بكر في جميع ذلك و قام مقامه كلا و لم يمسك عن أموال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يدا إلا من آلة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و دابته و حذائه، حيث دفعها إلى علي (عليه السلام)، كما في رواية عوانة بن الحكم.

و العجب من الشارح المعتزلي حيث انتصر لأبي علي بما يوجب تكاذب فاطمة (عليها السلام) لنفسها و سقوط كلامها عن الاعتبار بالتناقض الظاهر! و كيف يصحّ لها (عليها السلام) دعوى النحل في فدك بعد الاعتراف بأنها ميراث لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و قد أصرّ في غير موضع من كلامه على اعتراف فاطمة (عليها السلام) بصحة ما رواه أبو بكر من قوله: لا نورّث، ما تركناه صدقة، و موافقتها معه في ذلك.

و من يتدبّر في كلام فاطمة (عليها السلام) تجاه أبي بكر و من وافقه، يفهم أن فاطمة (عليها السلام) أنكر حديثه و نسبت المعترف به إلى الكفر و الإلحاد و الخروج عن الإسلام و متابعة القرآن.

فانظر إلى قولها فيما ذكره الشارح المعتزلي بإسناد عدة:

ثم أنتم الآن تزعمون أن لا إرث لي؛ «أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ». (1) أيها معاشر المسلمين! أبتزّ إرث أبي؟! أبى اللّه أن ترث- يا ابن أبي قحافة- أباك و لا أرث أبي؛ لقد جئت شيئا فريا. فدونكها مخطومة مرحولة، تلقاك يوم حشرك؛ فنعم الحكم اللّه و الزعيم محمد (صلّى اللّه عليه و آله) و الموعد القيامة، «و عند السَّاعَةُ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ‏ و لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ و فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَ يَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ». (2)

و قالت فيما خاطبت و عاتبت به الأنصار: ما هذه الفترة عن نصرتي و الونية عن معونتي و الغمزة في حقي و السنة عن ظلامتي ...؟! أيّها بني قيلة، أ أهتضم تراث أبي و أنتم بمرأى و مسمع؟ تبلغكم الدعوة و يشملكم الصوت و فيكم العدة و العدد و لكم الدار و الجنن،

____________

(1). سورة المائدة: الآية 50.

(2). سورة الأنعام: الآية 67.

435

و أنتم نخبة اللّه التي انتخب و خيرته التي اختار؛ باديتم العرب و بادهتم الأمور و كافحتم البهم حتى دارت بكم رحى الإسلام و درّ حلبه و خبت نيران الفتنة و سكنت فورة الشرك و هدأت دعوة الهرج و استوثق نظام الدين.

أ فتأخّرتم بعد الإقدام و نكصتم بعد الشدة و جبنتم بعد الشجاعة عن قوم‏ «نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَ طَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ»؟ (1)

أقول: من تدبّر هذه الكلمات التي خرجت من قلب ملتهب و أسف عميق، يفهم بوضوح عدم طريق للموافقة بين بنت الرسول (عليها السلام) المظلومة الممنوعة عن حقها مع مخالفيها بوجه من الوجوه، و قد صرّحت فيها بنكث العهد و مخالفة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) عن أولئك المخالفين.

الثالث: مما يهمّ في المقام، بيان أن فدك كانت في تصرف فاطمة (عليها السلام)، فانتزعها منها أبو بكر، أو كانت في ضمن ما تركه النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فمنعها أبو بكر من التصرف فيها.

حكى في الشرح المعتزلي عن قاضي القضاة ما يلي‏ (2): و لسنا ننكر صحة ما روي من ادعائها فدك؛ فأما أنها كانت في يدها فغير مسلم، بل إن كانت في يدها لكان الظاهر أنها لها. فإذا كانت في جملة التركة، فالظاهر أنها ميراث.

و نقل عن السيد المرتضى في ردّ كلامه‏ (3): فأما إنكار صاحب الكتاب لكون فدك في يدها، فما رأيناه أعتمد في إنكار ذلك على حجة، بل قال: لو كان ذلك في يدها لكان الظاهر أنها لها و الأمر على ما قال، فمن أين أنه لم يخرج عن يدها على وجه يقتضي الظاهر خلافه.

و قد روي من طرق مختلفة غير طريق أبي سعيد الذي، ذكره صاحب الكتاب، أنه لما نزل قوله تعالى: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى‏ حَقَّهُ» (4)، دعا النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فاطمة (عليها السلام) فأعطاها فدك، و إذا كان ذلك مرويا فلا معنى لدفعه بغير حجة.

____________

(1). سورة التوبة: الآية 12.

(2). شرح نهج البلاغة لا بن أبي الحديد (ط مصر): ج 16 ص 269.

(3). شرح نهج البلاغة لا بن أبي الحديد (ط مصر): ج 16 ص 275.

(4). سورة الإسراء: الآية 26.

436

أقول: لا إشكال في أن ظاهر «فأعطاها فدك»- الواردة في غير واحد من الأخبار- هو إقباض النبي (صلّى اللّه عليه و آله) إياها، لا مجرد إنشاء صيغة الهبة؛ فإن العطاء حقيقة في العمل الخارجي.

و من هذه الجهة عنون الفقهاء المعاطاة في مقابل العقد و المعاملة الإنشائية، فالمعاطاة معاملة بالعمل و بالأخذ و الرد.

و أدلّ دليل على كونها في تصرف فاطمة (عليها السلام) حين موت النبي (صلّى اللّه عليه و آله) كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) في هذا الكتاب الموجّه إلى عثمان بن حنيف- من كبار الصحابة- حيث يقول (عليه السلام): «بلى كانت في أيدينا فدك»، فإنه كاد أن يكون صريحا في كونها تحت تصرف أهل البيت (عليهم السلام).

الرابع: لقضية فدك جهتان هامتان:

الأولى: النظر إليها من الوجهة الحقوقية و القضائية و البحث من حيث أن فدك كانت حقا لفاطمة (عليها السلام) بهبة من النبي (صلّى اللّه عليه و آله) كما هو الظاهر، أو بالإرث كما ذكره غير واحد من الأصحاب و جمّ من المخالفين؛ فأخذت منها غصبا و تعمّدا، أو على وجه الشبهة باعتماد الحديث الذي رواه أبو بكر عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله): لا نورّث، ما تركناه صدقة، و البحث في هذا الحديث يقع من وجهين:

الأول: من جهة السند، و يضعّف من وجوه شتّى كتفرد أبي بكر بنقله مع وفور الصحابة و توفّر الداعي ببيانه للناس لإزالة الشبهة، و كعدم اطلاع أهل البيت (عليهم السلام) و أزواج النبي (صلّى اللّه عليه و آله) عنه مع مسيس الحاجة إلى إبلاغهم هذا الحكم من النبي (صلّى اللّه عليه و آله) ليعرفوا تكليفهم في تركته من حين موته، و يكاد يقطع باستحالة إخفاء النبي (صلّى اللّه عليه و آله) هذا الحكم عنهم مع ولعه بتقوى ذويه و أهل بيته (عليهم السلام).

الثاني: من جهة دلالته، حيث أن للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) جهتان متمايزتان: الأولى: جهة شخصية و أنه كسائر أفراد البشر و المسلمين، يملك و يتزوّج و يصير أبا و يكون ابنا لأبيه، و له حقوق متساوية مع غيره فيملك و يملّك و يرث و يورّث.

437

الثانية: جهة نبوته (صلّى اللّه عليه و آله) و ما يتعلق به بعنوان أنه نبي، فيكون والد الأمة و مالك الوجوه العامة من الغنائم و السبايا و بيده مفتاح بيت المال، يتصرّف فيه على ما يراه صلاحا، فيمكن أن يكون مقصوده من قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «لا نورث» الجهة الثانية، و معناه أن ما يملكه النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بعنوان أنه نبيّ غير مورث و تترك صدقة عامة للأمة و لا يشمل ما يملكه باعتبار شخصه من أمواله الخاصة، فإنها متروكة لوارثه كسائر الأفراد.

و حيث كانت فدك مطرحا لدعوى فاطمة (عليها السلام) من جهة النحلة و طلب أبو بكر منها البينة، فشهد لها علي (عليه السلام) و أم أيمن فردّت شهادتهما أو لم يكتف بهما لنقصانهما عن حد البينة الشرعية فإنها تتحقق بشهادة رجلين أو رجل و امرأتين، عرضت القضية لبحث قضائي من وجوه شتى.

منها: هل يصحّ أو يجب الاكتفاء بمجرد الدعوى من فاطمة (عليها السلام) للحكم لها أم حالها حال سائر الناس؟ و لا بد من عرض دعواها على الموازين القضائية العامة؟

و تحقيق البحث فيه يرجع إلى النظر في أمرين:

الأول: في أن البينة حجة لإثبات دعوى المدعى باعتبار صرف الحكاية عن الواقع من جهة الكاشفية فقط، فكل كاشف عن الواقع يساويها في البيان أو يقوّي عليها يقوم مقامها، أم هي حجة قضائية بخصوصها و لها موضوعية لفصل الدعوى و إثبات المدعى.

و الظاهر هو الأول، لأن البينة كاشفة عن الواقع و حجة بهذا الاعتبار و لذا يقوم مقامها الشياع، و حينئذ فعصمة فاطمة (عليها السلام) و طهارتها عن الكذب بحكم آية التطهير الشامل لها مما يوجب العلم بصدق دعواها، فيحكم لها لهذا العلم الناشي عن خصوصية المدعي.

و إن منعنا عن جواز حكم القاضي في موضوع النزاع بمجرد علمه الغير المستند إلى طرح الدعوى كالوحى أو الاستظهار بالغيب من الرياضة أو مثل علوم الجفر و الرمل و نحوهما لمن هو أهله.

438

ففي الشرح المعتزلي: قال المرتضى: نحن نبتدئ فندلّ على أن فاطمة (عليها السلام) ما ادّعت من نحل فدك إلا ما كانت مصيبة فيه، و أن مانعها و مطالبها بالبينة متعنّت عادل عن الصواب، لأنها لا تحتاج إلى شهادة و بينة .... أما الذي يدل على ما ذكرناه فهو أنها معصومة من الغلط مأمون منها فعل القبيح، و من هذا صفته لا يحتاج فيما يدعيه إلى شهادة و بينة.

ثم استشهد لإثبات عصمتها بآية التطهير و حديث: «فاطمة (عليها السلام) بضعة مني، من آذاها فقد آذاني و من آذاني فقد آذى اللّه عز و جل»، و هذا يدل على عصمتها، لأنها لو كانت ممن يقترف الذنوب لم يكن من يؤذيها مؤذيا له على كل حال، بل متى فعل المستحق من ذمها أو إقامة الحد عليها، إن كان الفعل يقتضيه سارا له و مطيعا.

على أننا لا نحتاج في هذا الموضع على الدلالة على عصمتها، بل يكفي في هذا الموضوع العلم بصدقها فيما ادعته، و هذا لا خلاف فيه بين المسلمين لأن أحدا لا يشك أنها لم تدّع ما ادعته كاذبة، و ليس بعد أن لا تكون كاذبة إلا أن تكون صادقة، و إنما اختلفوا في أنه هل يجب بعد العلم بصدقها تسليم ما ادعته بغير بينة أم لا يجب ذلك؟

ثم استدل على أن البينة من جهة الكاشفية لا من جهة الموضوعية بوجوه:

1. اشتراط العدالة في البينة للاعتماد بصدقها.

2. جواز حكم الحاكم بعلمه من غير شهادة.

3. كون الإقرار أقوى من البينة من حيث أنه أكشف للواقع ....

و الذي يدل علي صحة ما ذكرناه أيضا أنه لا خلاف بين أهل النقل في أن أعرابيا نازع النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في ناقة، فقال (صلّى اللّه عليه و آله): هذا لي و قد خرجت إليك من ثمنها. فقال الأعرابي: من يشهد لك بذلك؟ فقال خزيمة بن ثابت: أنا أشهد بذلك. فقال النبي (صلّى اللّه عليه و آله): من أين علمت و ما حضرت ذلك؟ قال: لا و لكن علمت ذلك من حيث علمت أنك رسول اللّه. فقال:

439

قد أجزت شهادتك و جعلتها شهادتين؛ فسمّي ذا الشهادتين، و هذه القضية شبيهة لقصة فاطمة (عليها السلام).

و منها: أنه حيث كانت فاطمة (عليها السلام) مدّعية لفدك- باتفاق أهل الحديث- يستفاد أنها كانت متصرّفة فيها و صاحبة يد عليها، فلا يصح مطالبتها بالبينة، إلا أن يقال بأن دعواها مقرونة بالاستناد إلى ادعاء الهبة و بهذا الاعتبار تحتاج إلى البينة، و قد شهد لها علي (عليه السلام) و أم أيمن.

و يظهر مما نسب إلى أبي بكر التوقف في الحكم لها باعتبار نقصان البينة، فإنها تتحقق برجلين أو رجل و امرأتين. فيبحث عن خطأ أبي بكر في ذلك باعتبار أن عليا (عليه السلام) مشمول لآية التطهير و معصوم فيقوم شهادته مقام رجلين، و أم أيمن ممن ثبت كونها من أهل الجنة فيقطع بصدقها و يقوم شهادتها مقام امرأتين و أكثر.

و نسب إلى عمر ردّ شهادتهما باتهام علي (عليه السلام) بأنه يجرّ النار إلى قرصه، و القدح في أم أيمن بأنها عجمية مردودة الشهادة، فيا لهما من خطأ و جور!

الثانية: النظر إليها من الوجهة السياسية، و هي إن أخذ فدك من فاطمة (عليها السلام) و أخذ سائر مواريث النبي منها و من سائر الوراث، تابع للاستيلاء على الخلافة و الحكم، فلا يستقرّ بيعة سقيفة على أبي بكر إلا بهذين الأمرين، لأن الرئاسة علي الأمة من أهمّ مواريث النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و من أوفر ما تركه بعده. فتتعلق بذويه الأقربين من أهل بيته. و لا يكفي مجرد بيعة الناس مع أبي بكر لسلب هذا الحق عن أهل البيت (عليهم السلام) إلا بمنع التوريث عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، و منع الإرث يحتاج إلى قضية عامة و هي جملة لا نورّث، ما تركناه صدقة، التي ابتكرها أبو بكر و تفرّد بنقلها، و لم يكن لمن بايع معه من المهاجرين و الأنصار إلا التسليم لها و ترك النكير عليها؛ فإنهم لو أنكروها و قاموا في وجه أبي بكر لردّها يضطرّون إلى نقض بيعتهم معه بالرئاسة و الخلافة، فلا يستقيم قبول وراثة فاطمة (عليها السلام) و سائر أهل البيت (عليهم السلام) عما تركه النبي (صلّى اللّه عليه و آله) مع بيعتهم لأبي بكر بالخلافة.

440

و يدلّ على ذلك ما حكي أن هارون العباسي قال لموسى بن جعفر (عليه السلام): حدّ لي فدك حتى أردّه. فقال (عليه السلام): حدّها من سيف البحر إلى دومة الجندل إلى عريش مصر. فقال هارون:

حتى أنظر فيها. فالظاهر أن مقصوده (عليه السلام) أن فدك نموذج ما تركه النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لأهل بيته (عليهم السلام) و هو ما استقرّ حكومته عليه في حياته.

و قال الشارح المعتزلى- (1): و سألت علي بن الفارقي مدرّس المدرسة الغربية ببغداد، فقلت له: أ كانت فاطمة (عليها السلام) صادقة؟ قال: نعم. قلت: فلم لم يدفع إليها أبو بكر فدك و هي عنده صادقة؟ فتبسم، ثم قال كلاما لطيفا مستحسنا مع ناموسه و حرمته و قلة دعابته، قال: لو أعطاها اليوم فدك بمجرد دعواها لجاءت إليه غدا و ادعت لزوجها الخلافة و زحزحته عن مقامه، و لم يكن يمكنه الاعتذار و الموافقة بشي‏ء لأنه يكون قد أسجل على نفسه أنها صادقة فيما تدعي، كائنا ما كان، من غير حاجة إلى بينة و لا شهود. و هذا كلام صحيح، و إن كان قد أخرجه مخرج الدعابة و الهزل.

ثم إن عمق سياسة قضية فدك يظهر من التدبر في خطب أبي بكر و مكالمته مع فاطمة (عليها السلام)، حيث يستفاد منها أن أبا بكر كان داهية دهياء و لا يكون في المسلمين يومئذ أدهى منه و أمكر، و صوّر خطّة سياسته في هذه القضية من ثلاث:

الأولى: رقّته و لينه تجاه فاطمة (عليها السلام) بما لا مزيد عليه و تمسّكه بالاطاعة لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و ولعه على العمل بسنته و سيرته حرفا بحرف و قدما على قدم، و تحريش الناس على فاطمة (عليها السلام) بأنها يريد خلاف قول أبيها طلبا لحطام الدنيا! فانظر فيما يلي:

في الشرح المعتزلي‏ (2): و روى هشام بن محمد، عن أبيه، قال: قالت فاطمة (عليها السلام) لأبي بكر: إن أم أيمن تشهد لي أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أعطاني فدك. فقال لها: يا بنت رسول اللّه، و اللّه ما خلق اللّه خلقا أحبّ إليّ من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أبيك، و لوددت أن السماء وقعت على الأرض يوم مات أبوك، و اللّه لإن تفتقر عائشة أحبّ إليّ من أن تفتقري، أ تراني أعطي‏

____________

(1). شرح نهج البلاغة لا بن أبي الحديد (ط مصر): ج 16 ص 284.

(2). شرح نهج البلاغة لا بن أبي الحديد (ط مصر): ج 16 ص 214.

441

الأحمر و الأبيض حقه و أظلمك حقك، و أنت بنت رسول اللّه. إن هذا المال لم يكن للنبي و إنما كان مالا من أموال المسلمين، يحمل النبي به الرجال و ينفقه في سبيل اللّه؛ فلما توفّي رسول اللّه ولّيته كما كان يليه. قالت: و اللّه لا كلّمتك أبدا. قال: و اللّه لا هجرتك أبدا. قالت: و اللّه لأدعونّ اللّه عليك. قال: و اللّه لأدعونّ اللّه لك.

فلما حضرتها الوفاة أوصت ألا يصلّي عليها، فدفنت ليلا ....

و في الشرح أيضا (1): عن عوّانة بن الحكم، قال: لما كلّمت فاطمة (عليها السلام) أبا بكر بما كلّمته به، حمد أبو بكر اللّه و أثنى عليه و صلّى على رسوله (صلّى اللّه عليه و آله)، ثم قال: يا خيرة النساء و ابنة خير الآباء، و اللّه ما عدوت رأي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و ما عملت إلا بأمره و إن الرائد لا يكذّب أهله، و قد قلت فأبلغت و أغلظت فأهجرت، فغفر اللّه لنا و لك. أما بعد، فقد دفعت آلة رسول اللّه و دابته و حذاءه إلى علي (عليه السلام). فأما ما سوى ذلك فإني سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: إنا معاشر الأنبياء لا نورّث ذهبا و لا فضة و لا أرضا و لا عقارا و لا دارا، و لكنا نورث الإيمان و الحكمة و العلم و السنة، فقد عملت بما أمرني و نصحت له، و ما توفيقي إلا باللّه، عليه توكّلت و إليه أنيب.

فقد ترى أبا بكر في هذا المكالمة و هذه الخطبة القصيرة التي أجاب بها عن خطبة فاطمة (عليها السلام) الطويلة القاصعة، يظهر الخضوع و التذلل لفاطمة (عليها السلام) و الطوع و الانقياد لأمر أبيها حتى يصوّر فاطمة (عليها السلام) في نظر الناس عاقّة لأبيها و طالبة لحطام الدنيا!

الثانية: استصغار علي و أهل بيته (عليهم السلام) و إهانتهم في نظر الناس ليسقط عندهم هيبة أهل البيت (عليهم السلام) و ينتهك حرمتهم التي اكتسبوها في ضوء توصيات النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و حرمة مهبط الوحي و الرسالة، و يجترؤوا على الصول عليهم بما يقتضيه السياسة في مواقفها الآتية.

فانظر إلى قوله في تلك الخطبة: أما بعد، فقد دفعت آلة رسول اللّه و دابته و حذاءه إلى علي. فإن فيه من الإهانة بمقام علي (عليه السلام) ما لا يخفى؛ فيغصب أبو بكر منبر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و سيفه و يدفع إلى علي (عليه السلام) حذاءه.

____________

(1). شرح نهج البلاغة لا بن أبي الحديد (ط مصر): ج 16 ص 213.

442

ثم انظر إلى ما أفاده في خطبته الثانية كما في الشرح المعتزلي‏ (1): قال أبو بكر:

و حدّثني محمد بن زكريا، قال: حدثنا جعفر بن محمد بن عمارة بالإسناد الأول، قال:

فلما سمع أبو بكر خطبتها، شقّ عليه مقالتها. فصعد المنبر و قال: أيها الناس! ما هذه الرّعة إلى كل قالة؟ أين كانت هذه الأماني في عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)؟ ألا من سمع فليقل و من شهد فليتكلّم؛ إنما هو ثعالة شهيده ذنبه، مربّ لكل فتنة، هو الذي يقول: كرّوها جذعة بعد ما هرمت، يستعينون بالضعفة و يستنصرون بالنساء كأم طحال أحبّ أهلها إليها البغيّ. ألا إني لو أشاء أن أقول لقلت و لو قلت لبحت، إني ساكت ما تركت ....

قال الشارح المعتزلي: قرأت هذا الكلام على النقيب أبي يحيى جعفر بن يحيى بن أبي زيد البصري و قلت له: بمن يعرّض؟ فقال: بل يصرّح. قلت: لو صرّح لم أسألك.

فضحك و قال: بعلي بن أبي طالب (عليه السلام). قلت: هذا الكلام كله لعلي (عليه السلام) يقوله؟! قال: نعم، إنه الملك يا بني، و يظهر نهاية استخفافه بعلي و فاطمة (عليهما السلام) و استصغاره لشأنهما بما فسّره من غريب ألفاظ الخطبة.

قال: فسألته عن غريبه، فقال: أما الرّعة بالتخفيف أي الاستماع و الإصغاء، و القالة القول، و ثعالة اسم الثعلب، علم غير مصروف مثل ذؤالة للذئب، و شهيده ذنبه أي لا شاهد له على ما يدعى إلا بعضه و جزء منه، و أصله مثل ما قالوا: إن الثعلب أراد أن يغري الأسد بالذئب فقال: إنه قد أكل الشاة التي قد أعددتها لنفسك و كنت حاضرا.

قال: فمن يشهد لك بذلك؟ فرفع ذنبه و عليه دم، و كان الأسد قد افتقد الشاة، فقبل شهادته و قتل الذئب.

و مربّ ملازم أربّ بالمكان، و كرّوها جذعة أعيدوها إلى الحال الأولى، يعني الفتنة و الهرج، و أم طحال امرأة بغي في الجاهلية، فيضرب بها المثل فيقال: أزني من أم طحال، انتهى.

____________

(1). نهج البلاغة لا بن أبي الحديد (ط مصر): ج 16 ص 214.

443

فقد اتهم عليا (عليه السلام) في كلامه هذا بأنه يجرّ النار إلى قرصه و يشهد لجرّ النفع و جلب المنفعة، و أنه يريد إلقاء الفتنة بين المسلمين و إيقاد نيران الحرب و ردّ الإسلام قهقرى، فيستعين بالضعفة و النساء.

و كفى و هنا به و بفاطمة (عليها السلام) قوله: كأم طحال أحبّ أهلها إليها البغيّ؛ و هل قصد تشبيه علي (عليه السلام) بأم طحال أو فاطمة (عليها السلام) أو هما معا؟! و كفى به توهينا لهما و إظهارا للكفر و الزندقة.

و يقصد في ضمن ذلك سلب الفوائد عن علي (عليه السلام) بحيث لا يملك درهما و لا دينارا، فيكون قد اشتغل بتحصيل القوت، و يكون آكلا سهمه من بيت المال بنظارته كأحد أجرائه و أمرائه لئلا يتوجّه إليه الناس فيعتزّ بهم و يطلب حقه من الخلافة.

قال في الشرح المعتزلي‏ (1): و قال لي علوي من الحلة يعرف بعلي بن مهنّا، ذكيّ ذو فضائل: ما تظنّ قصد أبي بكر و عمر بمنع فاطمة (عليها السلام) فدك؟ قلت: ما قصدا؟ قال: أراد أن لا يظهرا لعلي (عليه السلام)- و قد اغتصباه الخلافة- رقّة و لينا و لا يرى عندهما خورا، فأتبعا القرح بالقرح.

و قلت لمتكلم من متكلمي الإمامية يعرف بعلي بن تقي من بلدة النيل: و هل كانت فدك إلا نخلا يسيرا و عقارا ليس بذلك الخطير؟ فقال لي: ليس الأمر كذلك، بل كانت جليلة جدا، و كان فيها من النخل نحو ما بالكوفة الآن من النخل، و ما قصد أبو بكر و عمر بمنع فاطمة (عليها السلام) عنها إلا ألّا يتقوّى علي (عليه السلام) بحاصلها و غلّتها على المنازعة في الخلافة، و لهذا اتبعا ذلك بمنع فاطمة و علي (عليهما السلام) و سائر بني هاشم و بني المطلب حقهم في الخمس، فإن الفقير الذي لا مال له تضعّف همته و يتصاغر عند نفسه و يكون مشغولا بالاحتراف و الاكتساب عن طلب الملك و الرئاسة. فانظر إلى ما قد وقر في صدور هؤلاء ....

الثالثة: إرعاب الناس و تخويفهم إلى حيث ينقادون لحكمهم و يتهيّئون لكل ما يقرّرونه بعد ذلك من مؤامراتهم، فتشديدهم الأمر على أهل بيت النبي (عليهم السلام) إلى حيث‏

____________

(1). شرح نهج البلاغة لا بن أبي الحديد (ط مصر): ج 16 ص 236.

444

هدّدوهم بإحراق بيتهم أو أشعلوا النار في باب فاطمة (عليها السلام)، و في روايات عدة أنهم ضربوها بالسياط تقريرا لهذه السياسة الحديدية النارية التي يرتكبها الطامعون في استقرار حكومتهم و كبح مخالفيهم.

قال في الشرح المعتزلي فيما نقله عن السيد المرتضى في جواب قاضي القضاة (1):

فأما قوله إن حديث الاحتراق لم يصح و لو صح لساغ لعمر مثل ذلك، فقد بيّنا أن خبر الإحراق قد رواه غير الشيعة، و قوله أنه يسوغ مثل ذلك، فكيف يسوغ إحراق بيت علي و فاطمة (عليهما السلام) و هل في ذلك عذر يصغى إليه أو يسمع، و إنما يكون علي (عليه السلام) و أصحابه خارقين للإجماع و مخالفين للمسلمين لو كان الإجماع قد تقرّر و ثبت، و ليس بمتقرّر و لا ثابت مع خلاف علي (عليه السلام) وحده، فضلا عن أن يوافقه على ذلك غيره ....

و تهديد أبي بكر للناس و خصوص الأنصار الذين هم العدة و العدد و صاحبوا الدار و الجنن يظهر من ذيل خطبته السابقة (2): ثم التفت إلى الأنصار فقال: قد بلغني- يا معشر الأنصار- مقالة سفهائكم و أحقّ من لزم عهد رسول اللّه أنتم، فقد جاءكم فاويتم و نصرتم؛ ألا إني لست باسطا يدا و لا لسانا على من لم يستحق ذلك منا، ثم نزل.

فانصرفت فاطمة (عليها السلام) إلى منزلها.

قال الشارح المعتزلي في ضمن ما سأله عن النقيب أبي يحيى: قلت: فما مقالة الأنصار؟ قال: هتفوا بذكر علي (عليه السلام)، فخاف من اضطراب الأمر عليهم فنهاهم.

و بهذه السياسة الحديدية المقرونة بأشد الإرعاب أخمدوا نار الثورة الفاطمية التي أشعلتها عليهم بخطبتها الرنّانة الفائقة، و تمسكوا بالملك و الخلافة بكل قوة و شدة؛ «وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ». (3)

____________

(1). شرح نهج البلاغة لا بن أبي الحديد (ط مصر): ج 16 ص 283.

(2). شرح نهج البلاغة لا بن أبي الحديد (ط مصر): ج 16 ص 215.

(3). سورة الشعراء: الآية 227.

445

المصادر:

منهاج البراعة: ج 20 ص 100.

140

المتن:

روى صاحب منتخب البصائر بسند معتبر إلى المفضل بن عمر، قال:

سألت سيدي الصادق (عليه السلام): هل للمهدي (عليه السلام) من وقت يوقت يعلمه الناس؟ ...،

الحديث طويل جدا أوردنا شطرا منه بالمناسبة، إلى أن قال الصادق (عليه السلام) فيما يقع في الرجعة:

... و كأني أرى- يا مفضل- إننا معاشر الأئمة واقفون عند جدنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، نشكو إليه ما صنع بنا هذه الأمة من بعده من تكذيبنا و سبّنا و إخافتنا و الإخراج من حرم اللّه و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) و قتلنا و حبسنا. فيبكي النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و يقول: قد فعلوا بكم ما فعلوا بجدكم.

فأول من يشكو إليه فاطمة (عليها السلام) من أبي بكر و عمر، فتقول له: إنهما أخذا فدك مني بعد ما أقمت البراهين عليهما، فلم ينفع و الكتاب الذي كتبته لي على فدك؛ أخذه مني عمر بحضور المهاجرين و الأنصار و تفل فيه و مزّقه. فأتيت إلى قبرك شاكية ....

المصادر:

1. الهداية: ص 392.

2. الأنوار النعمانية: ج 2 ص 81، عن منتخب البصائر.

3. منتخب البصائر: ص 182.

446

141

المتن:

قال العلامة المظفر:

لا ريب عندنا أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) نحلها فدك، و أن اليد لها عليها من يوم أفاء اللّه تعالى بها عليه، و كان بأمر اللّه سبحانه حيث قال له: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى‏ حَقَّهُ» (1)، و أن أبا بكر قبضها قهرا و طلب منها البينة على خلاف حكم اللّه تعالى، لأنه هو المدّعي. و قد حاجّه أمير المؤمنين (عليه السلام) في ذلك، فما كان جوابهم إلا أن قال عمر: لا نقوّي على حجتك و لا نقبل إلا أن تقيم فاطمة البينة؛ كما صرّحت به أخبارنا و شهدت به أخبارهم.

ثم قال بعد ذكر أخبار الباب: و حينئذ فتكون مطالبة أبي بكر للزهراء (عليها السلام) بالبينة خلاف الحق و ظلما محضا، لأنها صاحبة اليد و هو المدعي.

و يدل على أن اليد لها لفظ الإيتاء في الآية و الإقطاع و الإعطاء في الأخبار المذكورة، فإنها ظاهرة في التسليم و المناولة كما يشهد لكون اليد لها دعواها النحلة، و هي سيدة النساء و أكملهن، و شهادة أقضى الأمة بها، لأن الهبة لا تتمّ بلا إقباض؛ فلو لم تكن صاحبة اليد لما ادّعت النحلة، و لردّ القوم دعواها بلا كلفة و لم يحتاجوا إلى طلب البينة.

و لو سلّم عدم معلومية أن اليد لها فطلب أبي بكر منها البينة جور أيضا، لأن أدلة الإرث تقتضي بملكيتها لفدك، و دعواها النحلة لا تجعلها مدعية لما تملك بل من زعم الصدقة هو المدّعي و عليه البينة ....

على أن البينة طريق ظني مجهول لإثبات ما يحتمل ثبوته و عدمه، فلا مورد لها مع القطع و اليقين المستفاد في المقام من قول سيدة النساء (عليها السلام) التي طهّرها اللّه تعالى و جعلها بضعة من سيد أنبيائه، لأن القطع طريق ذاتي إلى الواقع لا بجعل جاعل، فلا يمكن رفع طريقيته أو جعل طريق ظاهري على خلافه.

____________

(1). سورة الإسراء: الآية 26.

447

و لذا كان الأمر في قصة شهادة خزيمة للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) هو ثبوت ما ادعاه النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بلا بينة مع مخاصمة الأعرابي له، فإن شهادة خزيمة فرع عن قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و تصديق له فلا تفيد أكثر من دعوى النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، بل كان اللازم على أبي بكر و المسلمين أن يشهدوا للزهراء (عليها السلام) تصديقا لها، كما فعل خزيمة مع النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و أمضى النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فعله.

و لكن يا للأسف، من اطلع على أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) نحلها فدك، أخفى شهادته رعاية لأبي بكر- كما في الأكثر- أو خوفا منه و من أعوانه لما رأوه من شدتهم على أهل البيت (عليهم السلام)، أو علما بأن شهادتهم تردّ لما رأوه من ردّ شهادة أمير المؤمنين (عليه السلام) و اجتهاد الشيخين في غصب الزهراء (عليها السلام)، و لذا لم يشهد أبو سعيد و ابن عباس مع أنهم علموا و رووا أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أعطى فاطمة (عليها السلام) فدك.

و لا يبعد أن سيدة النساء (عليها السلام) لم تطلب شهادة ابن عباس و أبي سعيد و أمثالهما، لأنها ترد واقعا بمنازعة أبي بكر إلا إظهار حاله و حال أصحابه للناس إلى آخر الدهر، «لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى‏ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ» (1)، و إلا فبضعة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أجلّ قدرا و أعلى شأنا من أن تحرص على الدنيا، و لا سيما أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أخبرها بقرب موتها و سرعة لحاقها.

و لو سلّم أن قول الزهراء (عليها السلام) وحده لا يفيد القطع، فهل يبقى مجال للشك بعد شهادة أمير المؤمنين (عليه السلام)؟ و لو سلّم حصول الشك فقد كان اللازم على أبي بكر أن يعرض عليها اليمين حينئذ و لا يتصرّف بفدك قبله لوجوب الحكم بالشاهد و اليمين.

كما رواه مسلم في أول كتاب الأقضية عن أبن عباس، قال: قضى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بيمين و شاهد، و نقل في الكنز عن ابن راهواه، عن علي (عليه السلام)، قال: نزل جبرئيل على النبي (صلّى اللّه عليه و آله) باليمين مع الشاهد، و نقل في الكنز أيضا عن الدار قطني، عن ابن عمر، قال: قضى اللّه في الحق بشاهدين، فإن جاء بشاهدين أخذ حقه و إن جاء بشاهد واحد حلف مع شاهد ....

____________

(1). سورة الأنفال: الآية 42.

448

و لو تنزّلنا عن ذلك كله، فقد زعم أبو بكر أن له الأمر على فدك و غيرها من متروكات النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، حيث روى أن أمرها إلى من ولّى الأمر، حتى زعموا أنه أعطى أمير المؤمنين (عليه السلام) عمامة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و سيفه و بغلته و أن عمر أعطاه و العباس سهم بني النضير أو صدقته بالمدينة. فقد كان من شرع الإحسان أن يترك فدك لبضعة نبيه (عليها السلام) التي لم يخلف بينهم غيرها، تطيّبا لخاطرها و حفظا لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فيها.

أ تراه يعتقد أن أبا سفيان و معاذا- و قد أعطاهما ما أعطاهما- أولى بالرعاية من سيدة النساء و بضعة المصطفى (عليها السلام)؟ أو أنه يحلّ له إعطاؤهما من مال الفي‏ء دون الزهراء (عليها السلام) من مال أبيها؟ ... المنصف يعرف حقيقة الحال و يا بني على ما اللّه تعالى سائله يوم نشر الأعمال.

المصادر:

1. دلائل الصدق: ج 3 ص 66، على ما في فاطمة الزهراء (عليها السلام) بهجة قلب المصطفى (صلّى اللّه عليه و آله).

2. فاطمة الزهراء (عليها السلام) بهجة قلب المصطفى (صلّى اللّه عليه و آله): ص 406، عن دلائل الصدق.

142

المتن:

قال العلامة الشيخ محمد حسن المظفر في مطاعن أبي بكر:

قال المصنف: و منها: أنه منع فاطمة (عليها السلام) إرثها، فقالت: يا ابن أبي قحافة! أ ترث أباك و لا أرث أبي. و احتجّ عليها برواية تفرّد هو بها عن جميع المسلمين، مع قلة رواياته و قلة علمه و كونه الغريم لأن الصدقة تحلّ عليه، فقال لها: إن النبي قال: نحن معاشر الأنبياء لا نورّث، ما تركناه صدقة. و القرآن مخالف لذلك، فإن صريحه يقتضي دخول النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فيه بقوله تعالى: «يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ» (1)، و قد نصّ على أن الأنبياء يورّثون،

____________

(1). سورة النساء: الآية 11.

449

فقال تعالى: «وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ» (1)، و قال عن زكريا: «إِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَ كانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا. يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ». (2)

و ناقض فعله أيضا هذه الرواية، لأن أمير المؤمنين (عليه السلام) و العباس اختلفا في بغلة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و سيفه و عمامته و حكم بها ميراثا لأمير المؤمنين (عليه السلام)، و لو كانت صدقة لما حلّت على علي (عليه السلام) و كان يجب على أبي بكر انتزاعها منه، و لكان أهل البيت (عليهم السلام) الذين حكى اللّه تعالى عنهم بأنه طهّرهم تطهيرا مرتكبين ما لا يجوز؛ نعوذ باللّه من هذه المقالات الردية و الاعتقادات الفاسدة.

و أخذ فدكا من فاطمة (عليها السلام) و قد وهبها إياها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فلم يصدّقها، مع أن اللّه قد طهّرها و زكّاها و استعان بها النبي في الدعاء (صلّى اللّه عليه و آله) على الكفار على ما حكى اللّه تعالى و أمره بذلك، فقال تعالى: «فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ» (3)؛ فكيف يأمره اللّه تعالى بالاستعانة و هو سيد المرسلين (صلّى اللّه عليه و آله) بابنته و هي كاذبة في دعواها غاصبة لمال غيرها؟! نعوذ باللّه من ذلك!

فجاءت بأمير المؤمنين (عليه السلام) فشهد لها، فلم يقبل شهادته، قال: إنه يجرّ إلى نفسه، و هذا من قلة معرفته بالأحكام، و مع أن اللّه تعالى قد نصّ في آية المباهلة أنه نفس رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فكيف يليق بمن هو بهذه المنزلة و استعان به رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بأمر اللّه في الدعاء يوم المباهلة أن يشهد بالباطل و يكذب و يغصب المسلمين أموالهم؟! نعوذ باللّه من هذه المقالة!

و شهد لها الحسنان (عليهما السلام)، فردّ شهادتهما و قال: هذان ابناك، لا أقبل شهادتهما لأنهما يجرّان نفعا بشهادتهما. و هذا من قلة معرفته بالأحكام أيضا مع أن اللّه قد أمر النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بالاستعانة بدعائهما يوم المباهلة فقال: «أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ» (4) و حكم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بأنهما

____________

(1). سورة النمل: الآية 16.

(2). سورة مريم: الآيتين 5، 6.

(3). سورة آل عمران: الآية 61.

(4). سورة آل عمران: الآية 61.

450

سيدا شباب أهل الجنة؛ فكيف يجامع هذا شهادتهما بالزور و الكذب و غصب المسلمين حقهم؟! نعوذ باللّه من ذلك!

ثم جاءت بأم أيمن، فقال: امرأة لا يقبل قولها مع أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال: «أم أيمن من أهل الجنة».

فعند ذلك غضبت (عليها السلام) عليه و علي صاحبه و حلفت أن لا تكلّمه و لا صاحبه حتى تلقى أباها و تشكو إليه. فلما حضرتها الوفاة، أوصت أن تدفن ليلا و لا يدع أحدا منهم يصلّي عليها؛ و قد رووا جميعا أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال: «إن اللّه يغضب لغضبك و يرضى لرضاك».

و قال الفضل: لا بد في هذا المقام من تحقيق أمر فدك ليتبيّن حقيقة الأمر؛ فنقول:

كانت فدك قرية من قرى خيبر، و لما فتح اللّه خيبر على رسوله (صلّى اللّه عليه و آله)، جلا أهل فدك ففتحت؛ فكان مما أفاء اللّه عليه من غير إيجاف خيل و لا ركاب. فصار من أقسام الفي‏ء و كان تحت يد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كما يكون أموال الفي‏ء تحت أيدي الائمة (عليهم السلام)، و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ينفق منها على عياله و أهل بيته (عليهم السلام)، ثم يصرف ما يفضل عن نفقة عياله في السلاح و الكراع.

فلما توفّي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و ترك أزواجا و أهل بيت و لم يكن يحلّ لأزواج النبي (صلّى اللّه عليه و آله) التزويج بعده لأنهن كنّ أمهات المؤمنين و لم يكن سعة في أموال الفي‏ء حتى ينفق الخليفة على أزواجه من سائر جهات الفي‏ء و يترك فدك لفاطمة (عليها السلام) و أولادها. فعمل أبو بكر في فدك مثل عمل النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، فكان ينفق منها على أزواج النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و فاطمة و أولادها (عليهم السلام)، ما كان يفضل عن نفقتهن يصرفها في السلاح و الكراع لسبيل اللّه، كما كان يفعل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).

فلما انتهى أمر الخلافة إلى عمر بن الخطاب، حصل في الفي‏ء سعة و كثرت خمس الغنائم و أموال الفي‏ء و الخراج. فجعل عمر لكل واحد من أزواج النبي (صلّى اللّه عليه و آله) عطاء من بيت المال و ردّ سهم بني النظير إلى علي (عليه السلام) و عباس و جعلها فيهم ليعملوا بها كيف شاءوا؛ و قد ذكر في صحيح البخاري أن عليا (عليه السلام) و عباسا تنازعا في سهم بني النظير

451

و رفعا أمرها إلى عمر بن الخطاب. فذكر أن أمركم كان هكذا، ثم ذكر أنه تركها لهم ليعملوا كيف شاءوا؛ هذا ما كان من أمر حقيقة فدك.

و أما دعوى فاطمة (عليها السلام) ارث فدك و إنها منقولها من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فلم يثبت في الصحاح، و إن صحّ فكل ما ذكر من المطاعن في أبي بكر بحكمه في فدك فليس بطعن.

أما ما ذكر أنه احتج برواية الحديث و عارض به النص، فإن الحديث إذا صحّ بشرائطه فهو يخصّص حكم الكتاب.

و أما ما ذكر أن أبا بكر تفرّد برواية هذا الحديث من بين سائر المسلمين، فهذا كذب صراح، فإن عمر قال بمحضر علي (عليه السلام) و عباس و جمع من الصحابة: أنشدكم باللّه، هل سمعتم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: نحن معاشر الأنبياء لا نورّث ما تركناه صدقة؟ فقالوا جميعا: اللهم نعم، كما رواه البخاري في صحيحه و روى أيضا في الصحيح، فقال:

حدثنا عبد اللّه بن يوسف، قال: حدثنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة:

أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: لا تقسّم ورثتي دينارا و ما تركت بعد نفقة نسائي و مؤونة عاملي فهو صدقة، انتهى. فكيف يقول هذا الفاجر الكاذب أن أبا بكر تفرّد برواية حديث عدم توريث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)؟

فإن قيل: لا بد لكم من بيان حجية هذا الحديث و من بيان ترجيحه على الآية، قلنا:

حجية خبر الواحد و الترجيح مما لا حاجة بنا إليه هاهنا، لأن أبا بكر كان حاكما بما سمعه من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فلا اشتباه عنده في سنده، و علم أيضا دلالته على ما حمله عليه من المعنى لانتفاء الاحتمالات التي يمكن تطرّقها إليه بقرينة الحال؛ فصار عنده دليلا قطعيا مخصّصا للعمومات الواردة في بيان الإرث.

و أما ما ذكر أن أبا بكر لا يسمع عنه هذا الخبر لأنه كان غريما لأن الصدقة تحلّ له، فما أجهله بالفرق بين الشهادة و الرواية، فإن الشهادة لا تسمع من الغريم الذي يجرّ النفع و الرواية ليست كذلك، و هذا معلوم عند العامة و مجهول عنده.

452

و أما ما ذكر من النصوص على أن الأنبياء يورّثون لقوله تعالى: «وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ» (1)، فالمراد ميراث العلم و النبوة و الحكمة، و أما دعاء زكريا فاتفق العلماء أن المراد النبوة و الحبورة و إلا لم يستجب دعاءه لأن الإجماع على أن يحيى قتل قبل زكريا، فكيف يصحّ حمله على الميراث و هو لم يرث منه.

و أما ما ذكره أنه ناقض فعله في توريث علي (عليه السلام) في السيف و العمامة، فالجواب أنه أعطاهما عليا (عليه السلام) لأنه كان المصالح و الصدقة في هذا الحديث لا يراد بها الزكاة المحرّمة على أهل البيت (عليهم السلام)، بل المراد أنها من جملة بيت مال المسلمين، و قد يطلق الصدقة بالمعنى الأعم و هو كل مال يرصد لمصالح المسلمين و الجنود.

و هذا المعنى يشمل خمس الغنائم و الفي‏ء و الخراج و مال من لا وارث له من المسلمين و الزكوات، و قد يطلق و يراد به الزكوات المفروضة و الصدقة المسنونة المتبرّع بها، و هاتان الأخيرتان كانتا محرّمتين على أهل بيت رسول اللّه (عليهم السلام)؛ فأعطى أبو بكر سيف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و عمامته عليا (عليه السلام) لأنه كان من جملة مال من لا وارث له من المسلمين، و لو كان ميراثا لكان العباس وارثا أيضا لأنه كان العم.

و أما قوله: لكان أهل البيت (عليهم السلام) الذين حكى اللّه عنهم بأنه طهّرهم مرتكبين ما لا يجوز، فنقول: أهل البيت (عليهم السلام) على هذا التقدير كانوا مدّعين لحقهم و الإمام يفرض عليه أن يعامل الناس بالأحكام الشرعية، و لو أن ملكا من الملائكة يدّعي حقا له مع وجوب عصمته و تيقّن صدقه فليس للإمام أن يقول هو صادق و لا يحتاج إلى البينة لعصمته من الكذب، بل الواجب عليه أن يطلب الحجة في قوله. أ ما سمعت أن أمير المؤمنين (عليه السلام) ادّعى على يهودي عند شريح القاضي فطلب منه الحجة، فأتي بالحسن بن علي (عليه السلام) فما قبل شهادته و قال: أنه فرع. فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): لست أهلا للقضاء؛ أ لا تعلم أن هذا الدعوى لحق بيت المال و هاهنا تسمع شهادة الفرع؟!

____________

(1). سورة النمل: الآية 16.