الكوثر في أحوال فاطمة بنت النبي الأعظم(ع) - ج4

- السيد محمد باقر الموسوي‏ المزيد...
686 /
105

21- إخبار رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فاطمة (عليها السلام) بأوصاف جهنّم‏

2553/ 1- علم اليقين: روى العامّة بإسنادهم عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك، قال: جاء جبرئيل إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله في ساعة ما كان يأتيه فيها متغيّر اللّون.

فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله: مالي أراك متغيّر اللّون؟

فقال: يا محمّد! جئتك في الساعة الّتي أمر اللّه تعالى بمنافخ النار أن ينفخ فيها، و لا ينبغي لمن يعلم أنّ جهنّم حقّ، و أنّ عذاب اللّه أكبر، أن تقرّ عينه حتّى يأمنها.

فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله: صف لي النار يا جبرئيل؟

فقال: نعم، يا محمّد! إنّ اللّه تعالى لمّا خلق جهنّم أوقد عليها ألف سنة، فاحمرّت، ثمّ أوقد عليها ألف سنة، فاسودّت، فهي سوداء مظلمة لا يضي‏ء لهبها و لا حمرتها.

و الّذي بعثك بالحقّ نبيّا؛ لو أنّ مثل خرم إبرة وقع منها لأحرق أهل الدنيا عن آخرهم.

و الّذي بعثك بالحقّ نبيّا؛ لو أنّ ثوبا من ثياب أهل النار علّق بين السماء و الأرض لماتوا عن آخرهم لما يجدون من نتنها.

و الّذي بعثك بالحقّ نبيّا؛ لو أنّ ذرّا من السلسلة الّتي ذكره اللّه عزّ و جلّ في كتابه‏ (1) وضع على جبل لذابّ حتّى يبلغ الأرضين.

____________

(1) إشارة إلى قوله تعالى: ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ‏ (الحاقّة: 32).

106

و الّذي بعثك بالحقّ نبيّا؛ لو أنّ رجلا بالمغرب يعذّب لا حترق الّذي بالمشرق من شدّة عذابها.

حرّها شديد، و قعرها بعيد، و حليّها حديد، و شرابها الحميم و الصديد، و ثيابها مقطعات النيران، لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ‏ (1) من الرجال و النساء.

فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله: أهي كأبوابنا هذه؟

فقال: لا، و لكنّها مفتوحة بعضها أسفل من بعض، من باب إلى باب مسيرة سبعين سنة، كلّ باب منها أشدّ حرّا من الّذي يليه سبعين ضعفا، يساق أعداء اللّه إليها، فإذا انتهوا إلى أبوابها استقبلتهم الزبانية بالأغلال و السلاسل، فتسلك السلسلة في فيه و تخرج من دبره، و تغلّ يده اليسرى إلى عنقه، و تدخل يده اليمنى في فؤاده، و تنزع من بين كتفيه، و يشدّ بالسلاسل.

و يقرن كلّ آدمي مع شيطان في سلسلة، و يسحب على وجهه، فتضربه الملائكة بمقامع من حديد كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها. (2)

فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله: من سكّان هذه الأبواب؟.

قال: فأمّا الباب الأسفل؛ ففيه المنافقون، و من كفر من أصحاب المائدة و آل فرعون، اسمها: الهاوية.

و الباب الثاني؛ ففيه المشركون، و اسمه: الجحيم.

و الباب الثالث؛ ففيه الصابئون، و اسمه: سقر.

و الباب الرابع؛ ففيه إبليس و من تبعه من المجوس، و اسمه: لظى.

و الخامس؛ ففيه اليهود، و اسمه: الحطمة.

و الباب السادس؛ ففيه النصارى، و اسمه: السعير.

ثمّ أمسك جبرئيل (عليه السلام).

____________

(1) الحجر: 44.

(2) الحج: 22.

107

فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله: ألا تخبرني من سكّان الباب السابع؟

قال: يا محمّد! لا تسألني عنه.

فقال: بلى، يا جبرئيل! أخبرني عن الباب السابع؟

فقال: فيه أهل الكبائر من امّتك الّذين ماتوا و لم يتوبوا.

فخرّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله مغشيّا عليه، فوضع جبرئيل رأسه في حجره، حتّى أفاق.

فلمّا أفاق، قال: يا جبرئيل! عظمت مصيبتي و اشتدّ حزني أو يدخل من امّتي النار؟

قال: نعم، أهل الكبائر من امّتك.

ثمّ بكى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و بكى جبرئيل، و دخل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله منزله، و احتجب عن الناس، فكان لا يخرج إلّا إلى الصلاة، فيصلّي و يدخل، و لا يكلّم أحدا و يأخذ في الصلاة، و يبكي و يتضرّع إلى اللّه تعالى.

فلمّا كان اليوم الثالث، أقبل أبو بكر حتّى وقف بالباب، فقال: السلام عليكم يا أهل بيت الرّحمة! هل إلى رسول اللّه من سبيل؟

فلم يجبه أحد، فتنحّى باكيا.

فأقبل عمر، فصنع مثل ذلك، فلم يجبه أحد، فتنحّى و هو يبكي.

و أقبل سلمان الفارسي رضي اللّه عنه، فوقف بالباب، فقال: السلام عليكم يا أهل بيت الرّحمة! هل إلى مولاي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله من سبيل؟

فلم يجبه أحد.

فأقبل مرّة يبكي، و يقع مرّة و يقوم اخرى، حتّى أتى بيت فاطمة (عليها السلام)، فوقف بالباب، ثمّ قال: السلام عليكم يا أهل بيت المصطفى! و كان عليّ (عليه السلام) غائبا-.

فقال سلمان: يا بنت رسول اللّه! إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله احتجب عن الناس، فليس يخرج إلّا للصلاة و لا يكلّم أحدا و لا يأذن لأحد أن يدخل عليه.

فاشتملت فاطمة (عليها السلام) بعباءة قطوانيّة، و أقبلت حتّى وقفت على باب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، ثمّ سلّمت، و قالت: يا رسول اللّه! أنا فاطمة.

108

و رسول اللّه ساجد يبكي. فرفع رأسه. فقال: ما بال قرّة عيني فاطمة (عليها السلام) حجبت عنّي؟ إفتحوا لها الباب.

ففتح الباب، فلمّا نظرت إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بكت بكاء شديدا لما رأت من حاله مصفّرا متغيّرا مذابا لحم وجهه من البكاء و الحزن.

فقالت: يا رسول اللّه! ما الّذي نزل عليك؟

فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله: جاءني جبرئيل (عليه السلام) و وصف لي أبواب جهنّم، و أخبرني بأنّ في أعلى بابها أهل الكبائر من امّتي، فذاك الّذي أبكاني و أحزنني.

قالت: يا رسول اللّه! أو لم تسأله كيف يدخلونها؟

قال: تسوقهم الملائكة إلى النار، و لا تسود وجوههم، و لا تزرق عيونهم، و لا يختم على أفواههم، و لا يقرنون مع الشياطين، و لا يوضع عليهم السلاسل و الأغلال.

قالت: يا رسول اللّه! كيف تقودهم الملائكة؟

قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله: أمّا الرجال؛ فباللحى، و إمّا النساء؛ فبالذوائب و النواصي، فكم من ذي شيبة من امّتي قد قبض على شيبته يقاد إلى النار و هو ينادي: وا شيبتاه! و اضعفاه!

و كم من شباب من امّتي يقبض على لحيته يقاد إلى النار و هو ينادي: وا شباباه! و احسن صورتاه!

و كم من امرأة من امّتي يقبض على ناصيتها تقاد إلى النار و هي تنادي: وا فضيحتاه! و اهتك ستراه! حتّى ينتهي بهم إلى مالك.

فإذا نظر إليهم مالك قال للملائكة: ما هؤلاء؟

فما ورد عليّ من الأشقياء أعجب من هؤلاء، لم تتسوّد وجوههم، و لم توضع السلاسل و الأغلال في أعناقهم؟

فتقول الملائكة: هكذا امرنا أن نأتيك بهم على هذه الحال. (1)

____________

(1) مسند فاطمة الزهراء (عليها السلام): 235- 239.

109

22- ملاطفة كلاميّة بين أمير المؤمنين و فاطمة (عليهما السلام)

2554/ 1- فضائل ابن شاذان: روي أنّه جاء في الخبر: أنّ الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) كان ذات يوم هو و زوجته فاطمة (عليها السلام) يأكلان تمرا في الصحراء، إذ تداعبا بينهما بالكلام. فقال عليّ (عليه السلام): يا فاطمة! إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يحبّني أكثر منك.

فقالت: و اعجباه! يحبّك أكثر منّي، و أنا ثمرة فؤاده، و عضو من أعضائه، و ليس له ولد غيري؟!

فقال لها عليّ (عليه السلام): يا فاطمة! إن لم تصدّقيني، فامضي بنا إلي أبيك محمّد صلّى اللّه عليه و آله.

قال: فمضينا إلى حضرته صلّى اللّه عليه و آله، فتقدّمت (عليها السلام) و قالت: يا رسول اللّه! أيّنا أحبّ إليك أنا أم علي (عليه السلام)؟

قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله: أنت أحبّ و عليّ أعزّ عليّ منك.

فعندها قال سيّدنا و مولانا الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام):

أقول: إنّي ولد فاطمة ذات التقى.

قالت فاطمة (عليها السلام): و أنا بنت خديجة الكبرى.

قال عليّ (عليه السلام): و أنا ابن الصفا.

قالت فاطمة (عليها السلام): و أنا ابنة سدرة المنتهى.

قال عليّ (عليه السلام): و أنا فخر اللواء.

قالت فاطمة (عليها السلام): و أنا ابنة من دنى فتدلّى و كان من ربّه كقاب قوسين أو أدنى.

110

قال عليّ (عليه السلام): و أنا ولد المحصنات.

قالت فاطمة (عليها السلام): و أنا بنت الصالحات و المؤمنات.

قال عليّ (عليه السلام): أنا خادمي جبرئيل.

قالت فاطمة (عليها السلام): و أنا خاطبني في السماء راحيل، و خدمتني الملائكة جيلا بعد جيل.

قال عليّ (عليه السلام): و أنا ولدت في المحلّ البعيد المرتقى.

قالت فاطمة (عليها السلام): و أنا زوّجت في الرفيع الأعلى، و كان ملاكي في السماء.

قال عليّ (عليه السلام): أنا حامل اللواء.

قالت فاطمة (عليها السلام): و أنا ابنة من عرج به إلى السماء.

قال عليّ (عليه السلام): و أنا صالح المؤمنين.

قالت فاطمة (عليها السلام): و أنا ابنة خاتم النبيّين.

قال عليّ (عليه السلام): و أنا الضارب على التنزيل.

قالت فاطمة (عليها السلام): و أنا جنّة التأويل.

قال عليّ (عليه السلام): و أنا شجرة تخرج من طور سينين.

قالت فاطمة (عليها السلام): و أنا الشجرة الّتي تؤتي اكلها كلّ حين.

قال عليّ (عليه السلام): و أنا مكلم الثعبان.

قالت فاطمة (عليها السلام): و أنا الشجرة الّتي تخرج اكلها يعني: الحسن و الحسين (عليهما السلام).

قال عليّ (عليه السلام): و أنا المثاني و القرآن العظيم.

قالت فاطمة (عليها السلام): و أنا ابنة النبيّ الكريم.

قال عليّ (عليه السلام): و أنا النبأ العظيم.

قالت فاطمة (عليها السلام): و أنا ابنة الصادق الأمين.

قال عليّ (عليه السلام): و أنا الحبل المتين.

111

قالت فاطمة (عليها السلام): و أنا ابنة خير الخلق أجمعين.

قال عليّ (عليه السلام): و أنا ليث الحروب.

قالت فاطمة (عليها السلام): و أنا ابنة من يغفر اللّه به الذنوب.

قال عليّ (عليه السلام): و أنا المتصدّق بالخاتم.

قالت فاطمة (عليها السلام): و أنا ابنة سيّد العالم.

قال عليّ (عليه السلام): و أنا سيّد بني هاشم.

قالت فاطمة (عليها السلام): و أنا ابنة محمّد المصطفى.

قال عليّ (عليه السلام): و أنا الإمام المرتضى.

قالت فاطمة (عليها السلام): و أنا ابنة سيّد المرسلين.

قال عليّ (عليه السلام): و أنا سيّد الوصيّين.

قالت فاطمة (عليها السلام): و أنا ابنة النبيّ العربي.

قال عليّ (عليه السلام): و أنا الشجاع المكّي.

قالت فاطمة (عليها السلام): و أنا ابنة أحمد النبيّ.

قال عليّ (عليه السلام): و أنا البطل الأورع.

قالت فاطمة (عليها السلام): و أنا ابنة الشفيع المشفّع.

قال عليّ (عليه السلام): و أنا قسيم الجنّة و النّار.

قالت فاطمة (عليها السلام): و أنا ابنة محمّد المختار.

قال عليّ (عليه السلام): و أنا قاتل الجانّ.

قالت فاطمة (عليها السلام): و أنا ابنة رسول الملك الديّان.

قال عليّ (عليه السلام): و أنا خيرة الرحمان.

قالت فاطمة (عليها السلام): و أنا خيرة النسوان.

قال عليّ (عليه السلام): و أنا مكلّم أصحاب الرقيم.

قالت فاطمة (عليها السلام): و أنا ابنة من ارسل رحمة للمؤمنين و [هو] بهم رؤوف رحيم.

112

قال عليّ (عليه السلام): و أنا الّذي جعل اللّه نفسي نفس محمّد صلّى اللّه عليه و آله، حيث يقول في كتابه العزيز أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ‏.

قالت فاطمة (عليها السلام): و أنا وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ‏. (1)

قال عليّ (عليه السلام): و أنا علّمت شيعتي القرآن.

قالت فاطمة (عليها السلام): و أنا يعتق من أحبّني من النيران.

قال عليّ (عليه السلام): و أنا من شيعتي من علمي يسطرون.

قالت فاطمة (عليها السلام): و أنا من بحر علمي يغترفون.

قال عليّ (عليه السلام): و أنا اشتقّ اللّه تعالى اسمي من اسمه، فهو العالي و أنا عليّ.

قالت فاطمة (عليها السلام): و أنا كذلك، فهو الفاطر و أنا فاطمة.

قال عليّ (عليه السلام): أنا حياة العارفين.

قالت فاطمة (عليها السلام): أنا فلك نجاة الراغبين.

قال عليّ (عليه السلام): أنا الحواميم.

قالت فاطمة (عليها السلام): و أنا ابنة الطواسين.

قال عليّ (عليه السلام): و أنا كنز الغنى.

قالت فاطمة (عليها السلام): و أنا الكلمة الحسنى.

قال عليّ (عليه السلام): أنا بي تاب اللّه على آدم في خطيئته.

قالت فاطمة (عليها السلام): و أنا بي قبل اللّه توبته.

قال عليّ (عليه السلام): أنا كسفينة نوح، من ركبها نجا.

قالت فاطمة (عليها السلام): و أنا اشاركه في دعوته.

قال عليّ (عليه السلام): و أنا طوفانه.

قالت فاطمة (عليها السلام): و أنا حورته.

____________

(1) آل عمران: 61.

113

قال عليّ (عليه السلام): و أنا النسيم إلى حفظه.

قالت فاطمة (عليها السلام): و أنا منّي أنهار الماء و اللبن و الخمر و العسل في الجنان.

قال عليّ (عليه السلام): و أنا الرقّ المنشور.

قالت فاطمة (عليها السلام): و أنا البيت المعمور.

قال عليّ (عليه السلام): و أنا السّقف المرفوع.

قالت فاطمة (عليها السلام): و أنا البحر المسجور.

قال عليّ (عليه السلام): أنا علمي علم النبيّين.

قالت فاطمة (عليها السلام): و أنا ابنة سيّد المرسلين [من‏] الأوّلين و الآخرين.

قال عليّ (عليه السلام): أنا البئر و القصر المشيد.

قالت فاطمة (عليها السلام): أنا منّي شبّر و شبير.

قال عليّ (عليه السلام): و أنا بعد الرسول خير البريّة.

قالت فاطمة (عليها السلام): أنا البرّة الزكيّة.

فعندها قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله: لا تكلّمي عليّا، فإنّه ذو البرهان.

قالت فاطمة (عليها السلام): أنا ابنة من انزل عليه القرآن.

قال عليّ (عليه السلام): أنا الأمين الأصلع.

قالت فاطمة (عليها السلام): أنا الكوكب الّذي يلمع.

قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله: فهو ذو الشفاعة يوم القيامة.

قالت فاطمة (عليها السلام): و أنا خاتون يوم القيامة.

فعند ذلك قالت فاطمة (عليها السلام) لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: يا رسول اللّه! لا تحام لابن عمّك و دعني و إيّاه.

و قال عليّ (عليه السلام): يا فاطمة! أنا من محمّد صلّى اللّه عليه و آله عصبته و نخبته.

قالت فاطمة (عليها السلام): و أنا لحمه و دمه.

قال عليّ (عليه السلام): فأنا الصحف.

114

قالت فاطمة (عليها السلام): و أنا أشرف.

قال عليّ (عليه السلام): و أنا وليّ الزلفى.

قالت فاطمة (عليها السلام): و أنا الخمصاء الحسناء.

قال عليّ (عليه السلام): و أنا نور الورى.

قالت فاطمة (عليها السلام): و أنا فاطمة الزهراء.

فعندها قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله لفاطمة (عليها السلام): يا فاطمة! قومي و قبّلي رأس ابن عمّك، فهذا جبرئيل و إسرافيل و عزرائيل مع أربعة آلاف من الملائكة يحامون مع عليّ (عليه السلام)، و هذا أخي راحيل و دردائيل مع أربعة آلاف من الملائكة ينظرون بأعينهم.

قال: فقامت فاطمة الزهراء (عليها السلام)، فقبّلت رأس الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) بين يدي النبيّ صلّى اللّه عليه و آله، و قالت: يا أبا الحسن! بحقّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله معذرة إلى اللّه عزّ و جلّ و إليك و إلى ابن عمّك.

قال: فوهبها الإمام (عليه السلام) و قبّلت يد أبيها عليه و (عليهم السلام).

و هذا ما وجدنا في النسخة من الحديث على التمام و الكمال، و نستغفر اللّه العظيم من الزيادة و النقصان، و نعوذ باللّه من سخط الرحمان. (1)

____________

(1) فضائل ابن شاذان: 105- 109، و رواه في مسند فاطمة الزهراء (عليها السلام): 265، و العوالم: 11/ 217، مع اختلاف يسير في الألفاظ.

115

23- نصرة فاطمة (عليها السلام) عليّا (عليه السلام) و دفاعها عنه‏

2555/ 1- عبد اللّه بن النضر التميميّ، عن جعفر بن محمّد المكّي، عن عبد اللّه بن إسحاق المدائني، عن محمّد بن زياد، عن مغيرة، عن سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه عروة بن الزبير، قال:

كنّا جلوسا في مجلس في مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فتذاكرنا أعمال أهل بدر و بيعة الرضوان.

فقال أبو الدّرداء: يا قوم! ألا اخبركم بأقلّ القوم مالا و أكثرهم ورعا، و أشدّهم اجتهادا في العبادة؟

قالوا: من؟

قال: أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام).

قال: فو اللّه؛ إن كان في جماعة أهل المجلس إلّا معرض عنه بوجهه.

ثمّ انتدب له رجل من الأنصار، فقال له: يا عويمر! لقد تكلّمت بكلمة ما وافقك عليها أحد منذ أتيت بها.

فقال أبو الدرداء: يا قوم! إنّي قائل ما رأيت، و ليقل كلّ قوم منكم ما رأوا، شهدت عليّ بن أبي طالب بشويحطات النجّار، و قد اعتزل عن مواليه و اختفى ممّن يليه و استتر بمغيلات النخل، فافتقدته و بعد عليّ مكانه، فقلت: لحق بمنزله، فإذا أنا بصوت حزين، و نغمة شجيّ، و هو يقول:

إلهي كم من موبقة حلمت عن مقابلتها بنقمتك، و كم من جريرة تكرمت عن كشفها بكرمك.

116

إلهي إن طال في عصيانك عمري، و عظم في الصحف ذنبي فما أنا مؤمّل غير غفرانك، و لا أنا براج غير رضوانك.

فشغلني الصوت و اقتفيت الأثر فإذا هو عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) بعينه، فاستترت له و أخملت الحركة، فركع ركعات في جوف الليل الغابر، ثمّ فرغ إلى الدعاء و البكاء و البثّ و الشكوى، فكان ممّا به اللّه ناجاه أن قال:

إلهي افكّر في عفوك فتهون عليّ خطيئتي، ثمّ أذكر العظيم من أخذك فتعظم عليّ بليّتي.

ثمّ قال: آه! إن أنا قرأت في الصحف سيّئة أنا ناسيها و أنت محصيها، فتقول:

خذوه، فيا له من مأخوذ لا تنجيه عشيرته، و لا تنفعه قبيلته، يرحمه الملأ إذا أذن فيه بالنداء.

ثمّ قال: آه! من نار تنضج الأكباد و الكلى، آه! من نار نزّاعة للشّوى، آه! من غمرة من ملهبات لظى.

قال: ثمّ أنعم في البكاء فلم أسمع له حسّا و لا حركة، فقلت: غلب عليه النوم لطول السهر، أوقظه لصلاة الفجر.

قال أبو الدرداء: فأتيته فإذا هو كالخشبة الملقاة، فحركّته فلم يتحرّك، و زويته فلم ينزو، فقلت: إنّا للّه و إنّا إليه راجعون، مات و اللّه؛ عليّ بن أبي طالب (عليه السلام).

قال: فأتيت منزله مبادرا أنعاه إليهم.

فقالت فاطمة (عليها السلام): يا أبا الدرداء! ما كان من شأنه و من قصّته؟

فأخبرتها الخبر.

فقالت: هي و اللّه؛ يا أبا الدرداء! الغشية الّتي تأخذه من خشية اللّه.

ثمّ أتوه بماء، فنضحوه على وجهه، فأفاق، و نظر إليّ و أنا أبكي.

فقال: ممّ بكائك يا أبا الدرداء؟

فقلت: ممّا أراه تنزله بنفسك.

117

فقال: يا أبا الدرداء! فكيف و لو رأيتني و دعي بى إلى الحساب، و أيقن أهل الجرائم بالعذاب، و احتوشتني ملائكة غلاظ و زبانية فظاظ، فوقفت بين يدي الملك الجبّار، قد أسلمني الأحبّاء، و رحمني أهل الدنيا، لكنت أشدّ رحمة لي بين يدي من لا تخفى عليه خافية.

فقال أبو الدرداء: فو اللّه؛ ما رأيت ذلك من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله. (1)

أقول: أخذت صدر الحديث من «البحار» و البقيّة من «مسند فاطمة الزهراء (عليها السلام)».

2556/ 2- علم اليقين: ثمّ إنّ عمر جمع جماعة من الطلقاء و المنافقين، و أتى بهم إلى منزل أمير المؤمنين (عليه السلام)، فوافوا بابه مغلقا، فصاحوا به: أخرج يا عليّ! فإنّ خليفة رسول اللّه! يدعوك.

فلم يفتح لهم الباب. فأتوا بحطب، فوضعوه على الباب و جاؤوا بالنار ليضرموه، فصاح عمر و قال: و اللّه؛ لئن لم تفتحوا لنضر منّه بالنار!!

فلمّا عرفت فاطمة (عليها السلام) إنّهم يحرقون منزلها قامت، و فتحت الباب، فدفعها القوم قبل أن تتوارى عنهم، فاختبئت فاطمة (عليها السلام) وراء الباب و الحائط.

ثمّ إنّهم تواثبوا على أمير المؤمنين (عليه السلام) و هو جالس على فراشه، و اجتمعوا عليه حتّى أخرجوه سحبا من داره، ملببّا بثوبه يجرّونه إلى المسجد.

فحالت فاطمة (عليها السلام) بينهم و بين بعلها، و قالت: و اللّه؛ لا أدعكم تجرّون ابن عمّي ظلما، و يلكم ما أسرع ما خنتم اللّه و رسوله فينا أهل البيت، و قد أوصاكم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله باتّباعنا و مودّتنا و التمسّك بنا، فقال اللّه تعالى: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏. (2)

____________

(1) البحار: 41/ 11 و 12 ح 1، و 84/ 194 ح 2، مسند فاطمة الزهراء (عليها السلام): 296- 298، عن أمالي الصدوق: 72 و 73.

(2) الشورى: 23.

118

قال: فتركه أكثر القوم لأجلها، فأمر عمر قنفذ أن يضربها بسوطه!! فضربها!! قنفذ بالسوط على ظهرها و جنبيها إلى أن أنهكها و أثر في جسمها الشريف.

و كان ذلك الضرب أقوى ضرر في إسقاط جنينها، و قد كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله سمّاه محسنا.

و جعلوا يقودون أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى المسجد حتّى أوقفوه بين يدي أبي بكر، فلحقته فاطمة (عليها السلام) إلى المسجد لتخلّصه، فلم تتمكّن من ذلك، فعدلت إلى قبر أبيها فأشارت إليه بحرقة و نحيب، و هي تقول:

نفسي على زفراتها محبوسة * * * يا ليتها خرجت مع الزفرات‏

لا خير بعدك في الحياة و إنّما * * * أبكي مخافة أن تطول حياتي‏

ثمّ قالت: وا أسفاه عليك! يا أبتاه! وا ثكل حبيبك أبو الحسن المؤتمن و أبو سبطيك الحسن و الحسين (عليهما السلام)، و من ربّيته صغيرا و واخيته كبيرا، و أجلّ أحبّائك لديك، و أحبّ أصحابك عليك، أوّلهم سبقا إلى الإسلام، و مهاجرة إليك يا خير الأنام، فها هو يساق في الأسر كما يقاد البعير.

ثمّ إنّها أنّت أنّه و قالت: وا محمّداه! وا حبيباه! وا أباه! وا أبا القاسماه! وا أحمداه! وا قلّة ناصراه! وا غوثاه! وا طول كربتاه! وا حزناه! وا مصيبتاه! وا سوء صباحاه!

و خرّت مغشيّة عليها، فضجّ النّاس بالبكاء و النحيب، و صار المسجد مأتما ... إلى آخر الحديث. (1)

____________

(1) مسند فاطمة الزهراء (عليها السلام): 299 و 300.

119

الفصل العاشر في جوامع فضائلها و مناقبها (عليها السلام)

1- إنّ جبرائيل و ميكائيل ... خدمة لفاطمة (عليها السلام) ...

2- كلّ شي‏ء في خدمة فاطمة (عليها السلام) حتّى النار

3- إنّه يخدم ابنتي فاطمة (عليها السلام) خير أهل الأرض و خير أهل السّماء

4- ابتياع عليّ (عليه السلام) طعاما بدينار جبرائيل بإشارة فاطمة (عليها السلام)

5- خبر الناقة

6- إنّ المائدة نزلت على فاطمة (عليها السلام) في موارد شتّى‏

7- إتحاف اللّه لفاطمة (عليها السلام) ... تفّاحة من ثمار الجنّة مكتوب فيها: أمان لمحبّيهم من النار

8- إضاءة ملاءة فاطمة (عليها السلام) في دار اليهودي و إسلام عدّة منهم‏

9- نزول ثياب الجنّة لفاطمة (عليها السلام) في عرس اليهود و إسلام كثير منهم بسببها

10- نزول ثياب السندس الأخضر من الجنّة هديّة من اللّه لفاطمة (عليها السلام) في ليلة عرسها

11- إحياء شاة أبي أيّوب في عرس فاطمة (عليها السلام) بعد ما ذبحت و أكلت‏

12- ظهور إعجاز رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في طعام طبخته فاطمة (عليها السلام)

13- نزول صحفة من الجنّة لفاطمة (عليها السلام) ...

14- إنّ فاطمة (عليها السلام) تتحف أولياءها من تحف الجنّة ...

120

15- زيارة حور العين لفاطمة (عليها السلام) بعد وفاة أبيها و تقديم التحف إليها ...

16- كلّ شي‏ء في خدمة فاطمة (عليها السلام) و أبنائها

17- حكم فاطمة (عليها السلام) بين الحسن و الحسين (عليهما السلام)

18- إنّ فاطمة (عليها السلام) و ابناها الحسن و الحسين (عليهما السلام) من شجرة الجنّة

19- إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله دعا اللّه تعالى أن يجبر قلب فاطمة (عليها السلام) فأجبر اللّه قلبها

20- إنّ ابنة يزدجرد أسلمت على يد فاطمة (عليها السلام)

21- إنّ نرجس (عليها السلام) امّ الحجّة (عليه السلام) أسلمت على يد فاطمة (عليها السلام)

22- حديقة بني النجّار و خدمة رسول الجنّ في حقّ الحسنين (عليهما السلام)

23- خروج الحسين (عليه السلام) من الدار؛ و صالح اليهودي و الضبية

24- قصّة حديقة بني النجّار برواية منصور الدوانيقي‏

25- قصّة حديقة بني النجّار برواية هارون الرشيد

26- إنّ الحسنين (عليهما السلام) يصطرعان و النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يؤيّد الحسن (عليه السلام) و جبرائيل (عليه السلام) يؤيّد الحسين (عليه السلام)

27- مسرّة فاطمة (عليها السلام) مع عليّ و ابنيها (عليهم السلام) في خبر الطير و ظهور حسد عائشة

28- مجي‏ء جبرائيل بماء الكوثر لفاطمة (عليها السلام) و عليّ (عليه السلام) في الدنيا للغسل‏

29- مجي‏ء جبرائيل بماء من الرحيق المختوم لفاطمة و عليّ و ابنيها (عليهم السلام)

30- إنّ اللّه تعالى أنزل الماء من الفردوس الأعلى ليطهر به عليّ و فاطمة (عليهما السلام) ...

و ...

121

1- إنّ جبرائيل و ميكائيل ... خدمة لفاطمة (عليها السلام) ...

2557/ 1- و رأيت في بعض مؤلّفات أصحابنا: أنّ امّ أيمن قالت:

مضيت ذات يوم إلى منزل مولاتي فاطمة الزهراء (عليها السلام) لأزورها في منزلها، و كان يوما حارّا من أيّام الصيف، فأتيت إلى باب دارها، و إذا بالباب مغلق، فنظرت من شقوق الباب، فإذا بفاطمة الزهراء (عليها السلام) نائمة عند الرحى، و رأيت الرحى تطحن البرّ و هي تدور من غير يد تديرها، و المهد أيضا إلى جانبها، و الحسين (عليه السلام) نائم فيه، و المهد يهتزّ و لم أر من يهزّه، و رأيت كفّا يسبّح اللّه تعالى قريبا من كفّ فاطمة الزهراء (عليها السلام).

قالت امّ أيمن: فتعجّبت من ذلك، فتركتها و مضيت إلى سيّدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّمت عليه، و قلت له: يا رسول اللّه! إنّي رأيت عجبا ما رأيت مثله أبدا.

فقال لي: ما رأيت يا امّ أيمن؟

فقلت: إنّي قصدت منزل سيّدتي فاطمة الزهراء (عليها السلام)، فلقيت الباب مغلقا، و إذا أنا بالرحى تطحن البرّ، و هي تدور من غير يد تديرها، و رأيت مهد الحسين (عليه السلام) يهتزّ من غير يد تهزّه، و رأيت كفّا يسبّح اللّه تعالى قريبا من كفّ فاطمة (عليها السلام)، و لم أر شخصه، فتعجّبت من ذلك يا سيّدي!

فقال: يا امّ أيمن! اعلمي أنّ فاطمة الزهراء (عليها السلام) صائمة، و هي متعبة جائعة، و الزمان قيّظ، فألقى اللّه تعالى عليها النعاس، فنامت، فسبحان من لا ينام؛

فوكّل اللّه ملكا يطحن عنها قوت عيالها، و أرسل اللّه ملكا آخر يهزّ مهد ولدها الحسين (عليه السلام)، لئلّا يزعجها من نومها؛

122

و وكّل اللّه ملكا آخر يسبّح اللّه عزّ و جلّ قريبا من كفّ فاطمة (عليها السلام) يكون ثواب تسبيحه لها، لأنّ فاطمة (عليها السلام) لم تفتر عن ذكر اللّه، فإذا نامت جعل اللّه ثواب تسبيح ذلك الملك لفاطمة (عليها السلام).

فقلت: يا رسول اللّه! أخبرني من يكون الطحّان؟ و من الّذي يهزّ مهد الحسين (عليه السلام) و يناغيه؟ و من المسبّح؟

فتبسّم النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ضاحكا و قال: أمّا الطحّان؛ فجبرئيل، و أمّا الّذي يهزّ مهد الحسين (عليه السلام)، فهو ميكائيل، و أمّا الملك المسبّح؛ فهو إسرافيل. (1)

2558/ 2- روي: أنّ سلمان قال: كانت فاطمة (عليها السلام) جالسة قدّامها رحى تطحن بها الشعير، و على عمود الرحى دم سائل، و الحسين (عليه السلام) في ناحية الدّار يتضوّر من الجوع.

فقلت: يا بنت رسول اللّه! دبرت كفّاك، و هذه فضّة.

فقالت: أوصاني رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ان تكون الخدمة لها يوما، فكان أمس يوم خدمتها.

قال سلمان: قلت: إنّي مولى عتاقه، إمّا أنا أطحن الشعير أو أسكّت الحسين (عليه السلام) لك؟

فقالت: أنا بتسكينه أرفق، و أنت تطحن الشعير.

فطحنت شيئا من الشعير فإذا أنا بالإقامة، فمضيت و صلّيت مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فلمّا فرغت قلت لعليّ (عليه السلام) ما رأيت.

فبكى و خرج ثمّ عاد، فتبسّم فسأله عن ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.

قال: دخلت على فاطمة (عليها السلام) و هي مستلقية لقفاها و الحسين (عليه السلام) نائم على صدرها، و قدّامها رحى تدور من غير يد.

____________

(1) البحار: 37/ 97 و 98.

123

فتبسّم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و قال: يا عليّ! أما علمت أنّ للّه ملائكة سيّارة في الأرض، يخدمون محمّدا و آل محمّد إلى أن تقوم الساعة. (1)

2559/ 3- روي: أنّ أبا ذرّ قال: بعثني رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أدعو عليّا (عليه السلام)، فأتيت بيته فناديته، فلم يجبني أحد، و الرّحى تطحن و ليس معها أحد.

فناديته، فخرج و أصغى إليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فقال له شيئا لم أفهمه.

فقلت: عجبا من رحى في بيت عليّ (عليه السلام) تدور و ليس معها أحد.

قال: إنّ ابنتي فاطمة (عليها السلام) ملأ اللّه قلبها و جوارحها إيمانا و يقينا، و أنّ اللّه علم ضعفها، فأعانها على دهرها و كفاها، أما علمت أنّ للّه ملائكة موكّلين بمعونة آل محمّد صلّى اللّه عليه و آله؟ (2)

2560/ 4- الحسن البصريّ؛ و ابن إسحاق، عن عمّار؛ و ميمونة أنّ كليهما قالا:

وجدت فاطمة (عليها السلام) نائمة و الرّحى تدور، فأخبرت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بذلك.

فقال: إنّ اللّه علم ضعف أمته، فأوحى إلى الرّحى أن تدور، فدارت.

و قد رواه أبو القاسم البستيّ في «مناقب أمير المؤمنين (عليه السلام)» و أبو صالح المؤذّن في «الأربعين» عن الشعبيّ بإسناده، عن ميمونة و ابن فيّاض في «شرح الأخبار». (3)

أقول: ذكر في العوالم في الهامش أسامي عدّة كتب العامّة المعتبرة أخرجوا هذا الخبر أيضا، فراجع. (4)

2561/ 5- روي: أنّها (عليها السلام) ربّما اشتغلت بصلاتها و عبادتها، فربّما بكى ولدها،

____________

(1) البحار: 43/ 28 ح 33، عن الخرائج.

(2) البحار: 43/ 29 ح 34، عن الخرائج.

(3) البحار: 43/ 45.

(4) العوالم: 11/ 156.

124

فرئى المهد يتحرّك، و كان ملك يحرّكه. (1)

2562/ 6- محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ (عليهم السلام) قال:

بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله سلمان إلى فاطمة (عليها السلام)، قال: فوقفت بالباب وقفة حتّى سلّمت.

فسمعت فاطمة (عليها السلام) تقرأ القرآن من جوّا و الرّحى تدور من برّ و ما عندها أنيس.

و قال في آخر الخبر: فتبسّم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و قال: يا سلمان! إنّ ابنتي فاطمة (عليها السلام) ملأ اللّه قلبها و جوارحها إيمانا إلى مشاشها، فتفرّغت لطاعة اللّه، فبعث اللّه ملكا اسمه زوقابيل- و في خبر آخر: جبرئيل- فأدار لها الرّحى، و كفاها اللّه مؤونة الدّنيا مع مؤونة الآخرة. (2)

و رواه أيضا في كتاب «فاطمة الزهراء (عليها السلام) بهجة قلب المصطفى صلّى اللّه عليه و آله». (3)

أقول: و للعلّامة المجلسي (رحمه الله) بيان لهذا الحديث في بعض ألفاظها، فراجع المأخذ.

2563/ 7- إرشاد القلوب:، عن أبي ذرّ الغفاريّ رضي اللّه عنه قال:

سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول: افتخر إسرافيل على جبرائيل، فقال: أنا خير منك.

قال: و لم أنت خير منّي؟

قال: لأنّي صاحب الثمانية حملة العرش، و أنا صاحب النفخة في الصور، و أنا أقرب الملائكة إلى اللّه تعالى.

____________

(1) البحار: 43/ 45.

(2) البحار: 43/ 46، أقول: قال في العوالم في الهامش: رواه الطبري في دلائل الإمامة: 48، و في ثاقب المناقب: 254 (مخطوط)، و أخرجه عن المناقب لابن شهر اشوب: 3/ 116 عنه البحار.

(3) فاطمة الزهراء (عليها السلام) بهجة قلب المصطفى صلّى اللّه عليه و آله: 214.

125

قال جبرائيل (عليه السلام): أنا خير منك.

فقال: بما أنت خير منّي؟

قال: لأنّي أمين اللّه على وحيه، و أنا رسوله إلى الأنبياء و المرسلين، و أنا صاحب الخسوف و القذوف، و ما أهلك اللّه امّة من الامم إلّا على يدي.

فاختصما إلى اللّه تعالى، فأوحى إليهما: اسكتا، فو عزّتي و جلالي؛ لقد خلقت من هو خير منكما.

قالا: يا ربّ! أو تخلق خير منّا، و نحن خلقتنا من نور؟

قال اللّه تعالى: نعم، و أوحى إلى حجب القدرة: انكشفي.

فانكشفت فإذا على ساق العرش الأيمن مكتوب:

«لا إله إلّا اللّه، محمّد و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين خير خلق اللّه».

فقال جبرائيل: يا ربّ! فإنّي أسألك بحقّهم عليك إلّا جعلتني خادمهم.

قال اللّه تعالى: قد جعلت.

فجبرائيل من أهل البيت، و إنّه لخادمنا.

كنز جامع الفوائد: عن الصدوق بإسناده، عن أبي ذر رضي اللّه عنه (مثله). (1)

2564/ 8- أبو السعادات في «فضائل العشرة»: قال يزيد بن أبي زياد:

خرج النبيّ صلّى اللّه عليه و آله من بيت عائشة، فمرّ على بيت فاطمة (عليها السلام)، فسمع الحسين (عليه السلام) يبكي، فقال: ألم تعلمي أنّ بكاءه يؤذيني. (2)

2565/ 9- في «المسألة الباهرة في تفضيل الزهراء الطاهرة (عليها السلام)» عن أبي محمّد الحسن بن طاهر القائنيّ الهاشميّ، قال: جاء الحديث:

أنّ جبرئيل نزل يوما فوجد الزهراء (عليها السلام) نائمة، و الحسين (عليه السلام) قلقا على عادة

____________

(1) البحار: 16/ 364 و 365 ح 68، و 26/ 344 ح 17.

(2) البحار: 43/ 295.

126

الأطفال مع امّهاتهم، فقعد جبرئيل يلهيه عن البكاء حتّى استيقظت.

فأعلمها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بذلك. (1)

2566/ 10- الحسن بن محمّد بن سعيد الهاشميّ، عن فرات بن إبراهيم، عن ابن عقدة، عن العبّاس بن عبد اللّه البخاريّ، عن محمّد بن القاسم بن إبراهيم، عن أبي الصلت الهرويّ، عن الرّضا، عن آبائه، عن أمير المؤمنين (عليهم السلام) قال:

قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: ما خلق اللّه عزّ و جلّ خلقا أفضل منّي، و لا أكرم عليه منّي.

قال عليّ (عليه السلام): فقلت: يا رسول اللّه! فأنت أفضل أو جبرئيل؟

فقال صلّى اللّه عليه و آله: يا عليّ! إنّ اللّه تبارك و تعالى فضّل أنبياءه المرسلين على ملائكته المقرّبين، و فضّلني على جميع النبيّين و المرسلين، و الفضل بعدي لك يا عليّ! و للأئمة (عليهم السلام) من بعدك، و إنّ الملائكة لخدّامنا و خدّام محبّينا.

يا عليّ! الّذين يحملون العرش و من حوله يسبّحون بحمد ربّهم و يستغفرون للّذين آمنوا بولايتنا.

يا عليّ! لو لا نحن ما خلق آدم و لا حوّاء، و لا الجنّة و لا النار، و لا السماء و لا الأرض، فكيف لا نكون أفضل من الملائكة و قد سبقناهم إلى معرفة ربّنا و تسبيحه و تهليله و تقديسه؟

- و ساق الحديث إلى قوله- فكيف لا نكون أفضل من الملائكة و قد سجدوا لآدم كلّهم أجمعون لكوننا في صلبه؟ ... إلى آخر الخبر بطوله. (2)

أقول: و هذا الخبر يدلّ على أنّ لو لاهم لما خلق كلّ شي‏ء أيضا، أوردنا الأخبار في ذلك في عنوانه الخاصّ، فراجع.

و رواه في «غاية المرام» عن ابن بابويه، قال: حدّثنا الحسن بن محمّد بن‏

____________

(1) البحار: 43/ 297 و 298.

(2) البحار: 60/ 303 و 304 ح 16، عن العلل: 1/ 6، و عيون أخبار الرضا (عليه السلام): 1/ 262، و كمال الدين.

127

سعد الهاشمي، قال: حدّثنا فرات بن إبراهيم بن فرات الكوفي، قال: حدّثنا محمّد بن أحمد بن عليّ الهمداني، قال: حدّثني أبو الفضل العبّاس بن عبد اللّه البخاري، قال: حدّثنا محمّد بن القاسم بن إبراهيم بن محمّد بن عبد اللّه بن القاسم محمّد بن أبي بكر؛

قال: حدّثنا عبد السلام بن صالح الهروي، عن عليّ بن موسى الرضا، عن أبيه موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمّد، عن أبيه محمّد بن عليّ، عن أبيه عليّ بن الحسين، عن أبيه الحسين بن عليّ، عن أبيه عليّ بن أبى طالب (عليهم السلام) قال:

قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ... (مثله).

و الروايات الّتي تدلّ على هذا المعنى كثيرة، فراجع المأخذ و موارد اخرى.

2567/ 11- ثاقب المناقب: روى عن سلمان، قال:

أتيت ذات يوم منزل فاطمة (عليها السلام) بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فوجدتها نائمة قد تغطّت بعباءة، و نظرت إلى قدر منصوبة بين يديها تغلي من غير نار، فانصرفت مبادرا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.

فلمّا بصر بي ضحك.

ثمّ قال: يا عبد اللّه! أعجبك ما رأيت من حال ابنتي فاطمة؟

قلت: نعم، يا رسول اللّه!

قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: أتعجب من أمر اللّه تبارك و تعالى، علم اللّه ضعف ابنتي فاطمة (عليها السلام)، فأيّدها بمن يعينها على دهرها من كرام ملائكته. (1)

أقول: أوردت حديث القدر و سؤال الحجّاج بن يوسف عن أنس حديث القدر عن عائشة في عنوان «إنّ كرامة فاطمة (عليها السلام) صارت سبب إعجاب المنافقين ...»، فراجع.

____________

(1) العوالم: 11/ 206.

128

2568/ 12- المحبّ الطبري في «الرياض النضرة»: قال: و عن أبي ذر، قال:

بعثني رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ادعو عليّا (عليه السلام)، فأتيت بيته، فناديته، فلم يجبني.

فعدت فأخبرت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فقال لي: عد إليه ادعه، فإنّه في البيت.

قال: فعدت اناديه، فسمعت رحى تطحن، فشارفت فإذا الرحى تطحن و ليس معها أحد، فناديته فخرج إليّ منشرحا.

فقلت له: إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يدعوك.

فجاء، ثمّ لم أزل أنظر إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و ينظر إليّ، ثمّ قال: يا أبا ذر! ما شأنك؟

فقلت: يا رسول اللّه! عجيب من العجب، رأيت رحى تطحن في بيت عليّ (عليه السلام) و ليس معه أحد يرحى.

فقال: يا أبا ذر! إنّ للّه ملائكة سياحين في الأرض و قد وكّلوا بمعونه آل محمّد (عليهم السلام).

قال: أخرجه الملا في سيرته.

أقول: و ذكره ابن حجر أيضا في صواعقه: ص 105 مختصرا، و قال أيضا:

أخرجه الملا في سيرته. (1)

أقول: و رواه في «البحار»:، عن أبي عليّ الصولي في «أخبار فاطمة (عليها السلام)» و أبو السعادات في «فضائل العشرة» بالإسناد عن أبي ذر (مثله).

و قال في هامش «العوالم»: أخرج هذا الحديث ... و ذكر أسامي عشرين كتابا من كتب المعتبرة عند العامّة، فراجع. (2)

____________

(1) فضائل الخمسة: 2/ 124.

(2) البحار: 43/ 45، العوالم: 11/ 155.

129

2- كلّ شي‏ء في خدمة فاطمة (عليها السلام) حتّى النار

2569/ 1- من طريق الخصم، عن أنس، قال: سألني الحجّاج بن يوسف عن حديث عائشة و القدر، رأت فاطمة (عليها السلام) تحرّكها بيدها و هي تغلي و تفور؟

فقلت: نعم، دخلت عائشة على فاطمة (عليها السلام)، و هي تعمل للحسن و الحسين (عليهما السلام) حريرة بدقيق و لبن و شحم في قدر و القدر على النار تغلي و تفور، و فاطمة (عليها السلام) تحرّك ما في القدر بيدها.

فخرجت عائشة فزعة مرعوبة، فدخلت على أبيها، و قالت: يا أبتي! إنّي رأيت من فاطمة (عليها السلام) عجبا؛ رأيتها و هي تعمل في القدر، و القدر على النار تغلي و هي تحرّك ما في القدر بيدها.

فقال: يا بنيّة! اكتمي هذا، فإنّه أمر عظيم.

فبلغ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ذلك، فصعد المنبر، فحمد اللّه و أثنى عليه، ثمّ قال:

إنّ الناس يستعظمون و يستكبرون ما رأوا من القدر و النار؛

و الّذي بعثني بالنّبوّة و اصطفاني بالرسالة؛ لقد حرّم اللّه عزّ و جلّ النار على لحم فاطمة (عليها السلام) و دمها و عصبها و شعرها، و فطم من النار ذرّيتها و شيعتها.

إنّ من نسل فاطمة (عليها السلام) من تطيعه النار و الشمس و القمر، و تضرب بين يديه الجنّ بالسيف، و توفي إليه الأنبياء بعهودها، و تسلم إليه الأرض كنوزها، و تنزل عليه السماء بركات ما فيها.

الويل، ثمّ الويل، الويل لمن شكّ في فضل فاطمة (عليها السلام)، و لعنة اللّه، ثمّ لعنة اللّه على من يبغض بعلها عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، و لم يرض بإمامة ولديها.

130

إنّ لفاطمة (عليها السلام) موقفا، و لشيعتها أحسن موقف.

و إنّ فاطمة (عليها السلام) تدعو قبلي و تشفع و تشفّع على رغم كلّ راغم.

و لقد أجاد فيها الفاضل الشيخ حسن الدمستاني حيث يقول:

أيكبر عن قدر البتول أنّها * * * تلامس ما في القدر و هي تفور

أما هي بنت المصطفى طابع الحصى‏ * * * بخاتمه و المسلمون حضور

و مظهر أسرار الإله الّتي لها * * * على باطن السرّ الخفيّ ظهور

و من كان الحور الحسان تزورها * * * لهن لديها غبطة و سرور (1)

2570/ 2- محمّد بن إسماعيل البرمكيّ، عن الحسين بن الحسن، عن يحيى بن عبد الحميد، عن شريك بن حمّاد، عن أبي ثوبان الأسدي- و كان من أصحاب أبي جعفر (عليه السلام)- عن الصلت بن المنذر، عن المقداد بن الأسود الكنديّ:

أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله خرج في طلب الحسن و الحسين (عليهما السلام) و قد خرجا من البيت، و أنا معه، فرأيت أفعي على الأرض.

فلمّا أحسّت بوطى‏ء النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قامت و نظرت، و كانت أعلى من النخلة و أضخم من البكر، يخرج من فيها النار، فهالني ذلك.

فلمّا رأت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله صارت كأنّها خيط، فالتفت إليّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقال: ألا تدري ما تقول هذه يا أخا كندة؟

قلت: اللّه و رسوله أعلم.

قال: قالت: الحمد للّه الّذي لم يمتني حتّى جعلني حارسا لابني رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.

و جرت في الرمل؛ رمل الشعاب، فنظرت إلى شجرة لا أعرفها بذلك الموضع، لأنّي ما رأيت فيه شجرة قطّ قبل يومي ذلك، و لقد أتيت بعد ذلك اليوم‏

____________

(1) فاطمة الزهراء (عليها السلام) بهجة قلب المصطفى صلّى اللّه عليه و آله: 102.

131

أطلب الشجرة، فلم أجدها، و كانت الشجرة أظلّتهما بورق.

و جلس النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بينهما، فبدأ بالحسين (عليه السلام) فوضع رأسه على فخذه الأيمن، ثمّ وضع رأس الحسن (عليه السلام) على فخذه الأيسر، ثمّ جعل يرخي لسانه في فم الحسين (عليه السلام)، فانتبه الحسين (عليه السلام) فقال: يا أبه!

ثمّ عاد في نومه، فانتبه الحسن (عليه السلام)، و قال: يا أبه! و عاد في نومه.

فقلت: كأنّ الحسين (عليه السلام) أكبر.

فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله: إنّ للحسين (عليه السلام) في بواطن المؤمنين معرفة مكتومة، سل امّه عنه.

فلمّا انتبها حملهما على منكبه.

ثمّ أتيت فاطمة (عليها السلام) فوقفت بالباب، فأتت حمامة، و قال: يا أخا كندة!

قلت: من أعلمك أنّي بالباب.

فقالت: أخبرتني سيّدتي أنّ بالباب رجلا من كندة من أطيبها أخبارا، يسألني عن موضع قرّة عيني.

فكبر ذلك عندي، فولّيتها ظهري، كما كنت أفعل حين أدخل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في منزل أمّ سلمة.

فقلت لفاطمة (عليها السلام): ما منزلة الحسين (عليه السلام)؟

قالت: إنّه لمّا ولدت الحسن (عليه السلام) أمرني أبي أن لا ألبس ثوبا أجد فيه اللذّة حتّى أفطمه.

فأتاني أبي زائرا، فنظر إلى الحسن (عليه السلام) و هو يمصّ الثدي، فقال: فطمته؟

قلت: نعم.

قال: إذا أحبّ عليّ الاشتمال، فلا تمنعيه، فإنّي أرى في مقدّم وجهك ضوءا و نورا، و ذلك أنّك ستلدين حجّة لهذا الخلق.

فلمّا تمّ شهر من حملي وجدت فيّ سخنة، فقلت لأبي ذلك، فدعا بكوز من‏

132

ماء، فتكلّم عليه و تفل عليه، و قال: اشربي.

فشربت فطرد اللّه عنّي ما كنت أجد، و صرت في الأربعين من الأيّام فوجدت دبيبا في ظهري كدبيب النمل في بين الجلدة و الثوب.

فلم أزل على ذلك حتّى تمّ الشهر الثاني، فوجدت الاضطراب و الحركة، فو اللّه؛ لقد تحرّك و أنا بعيد عن المطعم و المشرب، فعصمني اللّه كأنّي شربت لبنا حتّى تمّت الثلاثة أشهر و أنا أجد الزّيادة، و الخير في منزلي.

فلمّا صرت في الأربعة آنس اللّه به وحشتي، و لزمت المسجد لا أبرح منه إلّا لحاجة تظهر لي، فكنت في الزّيادة و الخفّة في الظاهر و الباطن حتّى تمّت الخمسة.

فلمّا صارت الستّة كنت لا أحتاج في الليلة الظلماء إلى مصباح، و جعلت أسمع إذا خلوت بنفسي في مصلّاي التسبيح و التقديس في باطني.

فلمّا مضى فوق ذلك تسع ازددت قوّة، فذكرت ذلك لامّ سلمة.

فشدّ اللّه بها أزري، فلمّا زادت العشر غلبتني عيني و أتاني آت فمسح جناحه على ظهري، فقمت و أسبغت الوضوء، و صلّيت ركعتين، ثمّ غلبتني عيني، فأتاني آت في منامي، و عليه ثياب بيض، فجلس عند رأسي، و نفخ في وجهي و في قفاي.

فقمت و أنا خائفة فأسبغت الوضوء و أدّيت أربعا، ثمّ غلبتني عيني فأتاني آت في منامي، فأقعدني و رقاني و عوّذني.

فأصبحت و كان يوم امّ سلمة، فدخلت في ثوب حمامة، ثمّ أتيت امّ سلمة، فنظر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله إلى وجهي، فرأيت أثر السرور في وجهه، فذهب عنّي ما كانت أجد، و حكيت ذلك للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله.

فقال: أبشري أمّا الأوّل، فخليلي عزرائيل الموكّل بأرحام النساء، و أمّا الثاني؛ فخليلي ميكائيل الموكّل بأرحام أهل بيتي، فنفخ فيك؟

133

قلت: نعم.

فبكى، ثمّ ضمّني إليه، و قال: و أمّا الثالث؛ فذاك حبيبي جبرئيل يخدمه اللّه ولدك.

فرجعت فنزل تمام السنة.

قال العلّامة المجلسي (رحمه الله): بيان: قال الجوهريّ: «و إنّي لأجد في نفسي سخنة»- بالتحريك- و هي فضل حرارة تجدها مع وجع.

قولها (عليها السلام): «و أنا بعيد، عن المطعم و المشرب» أي: لا أجدهما، أو لا أشتهيهما.

و لا يخفى تنافي الأخبار الواردة في مدّة الحمل، و أخبار السّتّة أكثر و أقوى. (1)

أقول: ذكرت هذا الخبر في عنوان آخر من عناويننا بمناسبة اخرى أيضا، و يدلّ على هذا المعنى أخبار اخرى لم أذكره للاختصار، فراجع المأخذ و موارد اخرى.

____________

(1) البحار: 43/ 271- 273 ح 36، عن الخرائج.

134

3- إنّه يخدم ابنتي فاطمة (عليها السلام) خير أهل الأرض و خير أهل السّماء

2571/ 1- روى ابن نما في «مثير الأحزان»- من تأريخ البلاذريّ، قال: حدّث محمّد بن يزيد المبرّد النحويّ في إسناد ذكره، قال:

انصرف النبيّ صلّى اللّه عليه و آله إلى منزل فاطمة (عليها السلام) فرآها قائمة خلف بابها، فقال: ما بال حبيبتي هاهنا؟

فقالت: ابناك خرجا غدوة و قد غبي عليّ خبرهما.

فمضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقفو آثارهما حتّى صار إلى كهف جبل، فوجدهما نائمين و حيّة مطوّقة عند رؤوسهما، فأخذ حجرا و أهوى إليها، فقالت: السلام عليك يا رسول اللّه! و اللّه؛ ما نمت عند رؤوسهما إلّا حراسة لهما.

فدعا لها بخير، ثمّ حمل الحسن (عليه السلام) على كتفه اليمنى، و الحسين (عليه السلام) على كتفه اليسرى.

فنزل جبرئيل فأخذ الحسين (عليه السلام) و حمله، فكانا بعد ذلك يفتخران؛

فيقول الحسن (عليه السلام): حملني خير أهل الأرض؛

و يقول الحسين (عليه السلام): حملني خير أهل السماء. (1)

2572/ 2- روي: أنّها (عليها السلام) ربّما اشتغلت بصلاتها و عبادتها، فربّما بكى ولدها، فرؤي المهد يتحرّك، و كان ملك يحرّكه. (2)

____________

(1) البحار: 43/ 316.

(2) فاطمة الزهراء (عليها السلام) بهجة قلب المصطفى صلّى اللّه عليه و آله: 214.

135

4- ابتياع عليّ (عليه السلام) طعاما بدينار جبرائيل بإشارة فاطمة (عليها السلام)

2573/ 1- في مدينة المعاجز: عن السيّد الرضي (رحمه الله) في «المناقب الفاخرة»:

أخبرنا أبو الخير المبارك بن سرور بقرائتي عليه، فأقرّ به، قلت: أخبركم القاضي أبو عبد اللّه؟

قال: حدّثني أبي (رحمه الله)، قال: أخبرنا محمّد بن عبد الوهّاب بن طاوان، عن أبي عليّ بن محمّد بن المعلّى السلمى العدل، عن عليّ بن عبد اللّه بن عيسى، عن خالد بن ذكرى، عن يزيد بن هارون، عن مبارك بن فضالة، قال: حدّثنا أبو هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري:

إنّ عليّا (عليه السلام) احتاج حاجة شديدة و لم يكن عنده شي‏ء، فخرج من البيت ذات يوم، فوجد دينارا، فعرّفه، فلم يعرفه غيره.

فقالت له فاطمة (عليها السلام): لو جعلته على نفسك و ابتعت لنا به دقيقا، فإن جاء صاحبه رددته.

فاحتسبه على نفسه، فخرج ليشتري به دقيقا، فرآى رجلا معه دقيق، فقال له: كم بدينار؟

فقال له: كذا و كذا.

فقال: كل، فكال، فأعطاه الدينار.

قال: و اللّه؛ لا أخذته.

فرجع إلى فاطمة (عليها السلام)، فأخبرها، فقالت: يا سبحان اللّه! أخذت دقيق الرجل و جئت بالدينار معك؟

136

فمكث (عليه السلام): يعرّف الدينار طول ما هم يأكلون الدقيق إلى أن نفد، و لم يعرف الدينار أحد، فخرج ليبتاع به دقيقا، فإذا هو بذلك الرجل و معه دقيق، فقال (عليه السلام): كم بدينار؟

فقال: كذا و كذا.

فقال: كل، فكال، و أعطاه الدينار، فحلف أن لا يأخذه.

فجاء عليّ (عليه السلام) بالدينار و الدقيق.

فأخبر فاطمة (عليها السلام)، فقالت: جئت بالدينار و الدقيق؟

فقال: و ما أصنع و قد حلف يمينا برّة، لا يأخذه.

فقالت: كنت بادرته أنت اليمين قبل أن يحلف هو.

و مكث يعرّف الدينار و هم يأكلون الدقيق، فلمّا نفد الدقيق أخذ الدينار ليبتاع به دقيقا، و إذا بالرجل و معه دقيق، فقال له: كم بدينار؟

قال: كذا و كذا.

فقال: كل، فكال.

فقال له عليّ (عليه السلام): لتأخذنّ الدينار و اللّه؛ و رمى بالدينار عليه، و انصرف.

فقال النبيّ لعليّ (عليهما السلام): يا عليّ! أتدري من كان الرجل؟

قال: لا.

قال: ذلك جبرئيل، و الدينار رزق ساقه اللّه إليك، و الّذي نفسي بيده؛ لو لم تحلف عليه ما زلت تجده مادام الدينار في يدك.

و في غاية المرام أيضا من طريق المخالفين ما رواه الموفق بن أحمد من علماء الجمهور في كتاب «مناقب أمير المؤمنين (عليه السلام)»، قال: أخبرنا شهريار إجازة، أخبرنا أبو الفتح عبدوس بن عبد اللّه بن عبدوس الهمداني كتابة، أخبرنا أبو نصر رضي اللّه عنه، حدّثنا ابن لآل، حدّثنا القيّم بن بندار.

قال: حدّثنا إبراهيم بن الحسين، حدّثنا أبو ظفر، حدّثنا جعفر بن سليمان،

137

عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري، (مثله) مع تغيير في بعض ألفاظ الخبر، و نقله عن «مدينة المعاجز». (1)

2574/ 2- مستدرك الوسائل: عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه دخل يوما على فاطمة (عليها السلام)، فوجد الحسن و الحسين (عليهما السلام) بين يديها يبكيان.

فقال: ما لهما يبكيان؟

فقالت: [يريدان‏] ما يأكلان، و لا شي‏ء عندنا في البيت.

قال: فلو أرسلت إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.

قالت: نعم، فأرسلت إليه تقول: يا رسول اللّه! إبناك يبكيان و لم نجد لهما شيئا، فإن كان عندك شي‏ء، فأبلغناه.

فنظر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في البيت، فلم يجد شيئا غير تمر، فدفعه إلى رسولها، فلم يقع منهما [كذا].

فخرج أمير المؤمنين (عليه السلام) يبتغي أن يأخذ سلفا أو شيئا بوجهه من أحد، فكلّما أراد أن يكلّم أحدا احتشم، فانصرف.

فبينا هو يسير إذ وجد دينارا، فأتى به فاطمة (عليها السلام)، فأخبرها بالخبر، فقالت:

لو رهنته لنا اليوم في طعام، فإن جاء طالبه رجونا أن نجد فكاكه إن شاء اللّه.

فخرج به (عليه السلام)، فاشترى دقيقا، ثمّ دفع الدينار رهنا بثمنه، فأبى صاحب الدقيق عليه أن يأخذ رهنا، و قال: متى تيسّر ثمنه، فجي‏ء به، و اقسم أن لا يأخذه رهنا.

ثمّ مرّ بلحم فاشترى منه بدرهم و دفع الدينار إلى القصّاب رهنا، فامتنع أيضا عليه و حلف أن لا يأخذه.

فأقبل إلى فاطمة (عليها السلام) باللحم و الدقيق، و قال: عجّليه، فإنّي أخاف أنّ رسول‏

____________

(1) مدينة المعاجز: 23، عنه مسند فاطمة الزهراء (عليها السلام): 368 و 369.

138

اللّه صلّى اللّه عليه و آله ما بعث بابنيه بالتمر و عنده طعام اليوم.

فعجّلته و أتى إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فجاء به فإنّهم ليأكلون، إذ سمعوا غلاما ينشد باللّه و بالإسلام من وجد دينارا.

فأخبر عليّ أمير المؤمنين (عليه السلام) رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بالخبر.

فدعى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بالغلام، فسأله؟

فقال: أرسلني أهلي بدينار أشتري لهم به طعاما، فسقط منّي، و وصفه، فردّه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله. (1)

____________

(1) مستدرك الوسائل: 17/ 125، عنه مسند فاطمة الزهراء (عليها السلام): 170 (ط ج).

139

5- خبر الناقة

2575/ 1- الهمداني، عن عمر بن سهل بن إسماعيل الدينوري، عن زيد بن إسماعيل الصائغ، عن معاوية بن هشام، عن سفيان، عن عبد الملك بن عمير، عن خالد بن ربعي، قال:

إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) دخل مكّة في بعض حوائجه، فوجد أعرابيّا متعلّقا بأستار الكعبة، و هو يقول: يا صاحب البيت! البيت بيتك، و الضيف ضيفك، و لكلّ ضيف من ضيفه قرى، فاجعل قراي منك الليلة المغفرة.

فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) لأصحابه: أما تسمعون كلام الأعرابي؟

قالوا: نعم.

فقال: اللّه أكرم من أن يردّ ضيفه.

فلمّا كان الليلة الثانية وجده متعلّقا بذلك الركن، و هو يقول: يا عزيزا في عزّك، فلا أعزّ منك في عزّك، أعزّني بعزّ عزّك في عزّ لا يعلم أحد كيف هو، أتوجّه إليك و أتوسّل إليك، بحقّ محمّد و آل محمّد عليك أعطني ما لا يعطيني أحد غيرك، و اصرف عنّي ما لا يصرفه أحد غيرك.

قال: فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) لأصحابه: هذا و اللّه؛ الاسم الأكبر بالسريانية، أخبرني به حبيبي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، سأله الجنّة فأعطاه، و سأله صرف النار و قد صرفها عنه.

قال: فلمّا كانت الليلة الثالثة وجده و هو متعلّق بذلك الركن، و هو يقول: يا من لا يحويه مكان، و لا يخلو منه مكان بلا كيفيّة كان أرزق الأعرابي أربعة آلاف درهم.

140

قال: فتقدّم إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: يا أعرابي! سألت ربّك القرى، فقراك، و سألته الجنّة، فأعطاك، و سألته أن يصرف عنك النار و قد صرفها عنك، و في هذه الليلة تسأله أربعة آلاف درهم؟!

قال الأعرابي: من أنت؟

قال: أنا عليّ بن أبي طالب.

قال الأعرابي: أنت و اللّه؛ بغيتي، و بك أنزلت حاجتي.

قال: سل يا أعرابي!

قال: اريد ألف درهم للصداق، و ألف درهم أقضي به ديني، و ألف درهم اشتري به دارا، و ألف درهم أتعيّش منه.

قال: أنصفت يا أعرابي! فإذا خرجت من مكّة، فاسأل عن داري بمدينة الرسول. صلّى اللّه عليه و آله‏

فأقام الأعرابي بمكّة اسبوعا، و خرج في طلب أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى مدينة الرسول صلّى اللّه عليه و آله، و نادى: من يدلّني على دار أمير المؤمنين (عليه السلام)؟

فقال الحسين بن عليّ (عليهما السلام)- من بين الصبيان- أنا أدلّك على دار أمير المؤمنين (عليه السلام)، و أنا ابنه الحسين بن عليّ (عليه السلام).

فقال الأعرابي: من أبوك؟

قال: أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام).

قال: من امّك؟

قال: فاطمة الزهراء (عليها السلام) سيّدة نساء العالمين.

قال: من جدّك؟

قال: رسول اللّه محمّد بن عبد اللّه بن عبد المطلّب صلّى اللّه عليه و آله.

قال: من جدّتك؟

قال: خديجة بنت خويلد (عليها السلام).

141

قال: من أخوك؟

قال: أبو محمّد الحسن بن علي (عليهما السلام).

قال: أخذت الدنيا بطرفيها، امش إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) و قل له: إنّ الأعرابي صاحب الضمان بمكّة على الباب.

قال: فدخل الحسين بن عليّ (عليهما السلام) فقال: يا أبه! أعرابيّ الباب يزعم أنّه صاحب الضمان بمكّة.

قال: فقال: يا فاطمة! عندك شي‏ء يأكله الأعرابي؟

قالت: اللهمّ لا.

قال: فتلبّس أمير المؤمنين (عليه السلام) و خرج، و قال: ادعو إليّ أبا عبد اللّه سلمان الفارسي.

قال: فدخل إليه سلمان الفارسي، فقال: يا عبد اللّه! أعرض الحديقة الّتي غرسها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لي على التجّار.

قال: فدخل سلمان إلى السوق و عرض الحديقة، فباعها باثني عشر ألف درهم، و أحضر المال، و أحضر الأعرابي، فأعطاه أربعة آلاف درهم و أربعين درهما نفقة.

و وقع الخبر إلى سؤال المدينة، فاجتمعوا. و مضى رجل من الأنصار إلى فاطمة (عليها السلام)، فأخبرها بذلك، فقالت: آجرك اللّه في ممشاك.

فجلس عليّ (عليه السلام) و الدراهم مصبوبة بين يديه، حتّى اجتمع إليه أصحابه، فقبض قبضة قبضة و جعل يعطي رجلا رجلا، حتّى لم يبق معه درهم واحد.

فلمّا أتى المنزل قالت له فاطمة (عليها السلام): يابن عمّ! بعت الحائط الّذي غرسه لك والدي؟

قال: نعم؛ بخير منه عاجلا و آجلا.

قالت: فأين الثمن؟

142

قال: دفعته إلى أعين استحييت أن أذلّها بذلّ المسألة، قبل أن تسألني.

قالت فاطمة (عليها السلام): أنا جائعة و ابناي جائعان، و لا أشكّ إلّا و أنّك مثلنا في الجوع لم يكن لنا منه درهم، و أخذت بطرف ثوب عليّ (عليه السلام).

فقال عليّ (عليه السلام): يا فاطمة! خلّيني.

فقالت: لا و اللّه؛ أو يحكم بيني و بينك أبي.

فهبط جبرئيل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقال: يا محمّد! السلام يقرئك السلام و يقول: اقرأ عليّا (عليه السلام) منّي السلام، و قل لفاطمة (عليها السلام): ليس لك أن تضربي على يديه.

فلمّا أتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله منزل عليّ (عليه السلام) وجد فاطمة (عليها السلام) ملازمة لعليّ (عليه السلام)، فقال لها: يا بنيّة! مالك ملازمة لعليّ؟

قالت: يا أبه! باع الحائط الّذي غرسته له باثني عشر ألف درهم و لم يحبس لنا منه درهما نشتري به طعاما.

فقال: يا بنيّة! إنّ جبرئيل يقرئني من ربّي السلام و يقول: اقرأ عليّا (عليه السلام) من ربّه السلام، و أمرني أن أقول لك: ليس لك أن تضربي على يديه.

قالت فاطمة (عليها السلام): فإنّي أستغفر اللّه و لا أعود أبدا.

قالت فاطمة (عليها السلام): فخرج أبي في ناحية، و زوجي في ناحية، فما لبث أن أتى أبي صلّى اللّه عليه و آله و معه سبعة دراهم سود هجريّة، فقال: يا فاطمة! أين ابن عمّي؟

فقلت له: خرج.

فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: هاك هذه الدراهم، فإذا جاء ابن عمّي فقولي له: يبتاع لكم بها طعاما.

فما لبثت إلّا يسيرا حتّى جاء عليّ (عليه السلام)، فقال: رجع ابن عمّي؟ فإنّي أجد رائحة طيّبة.

قالت: نعم، و قد دفع إليّ شيئا تبتاع به لنا طعاما.

قال عليّ (عليه السلام): هاتيه.

143

فدفعت إليه سبعة دراهم سودا هجريّة. فقال: بسم اللّه، و الحمد للّه كثيرا طيّبا، و هذا رزق اللّه عزّ و جلّ.

ثمّ قال: يا حسن! قم معي.

فأتيا السوق، فإذا هما برجل واقف و هو يقول: من يقرض الملّي الوفي؟

قال: يا بنيّ نعطيه؟

قال: إي و اللّه؛ يا أبة!

فأعطاه عليّ (عليه السلام) الدراهم.

فقال الحسن (عليه السلام): يا أبتاه! أعطيته الدراهم كلّها؟

قال: نعم؛ يا بنيّ! إنّ الّذي يعطي القليل قادر على أن يعطي الكثير.

قال: فمضى علي (عليه السلام) بباب رجل يستقرض منه شيئا، فلقيه أعرابي و معه ناقة.

فقال: يا عليّ! اشتر منّي هذه الناقة.

قال: ليس معي ثمنها.

قال: فإنّي أنظركم به إلى القبض.

و قال: بكم يا أعرابي؟

قال: بمائة درهم.

قال عليّ (عليه السلام): خذها يا حسن!

فأخذها، فمضى عليّ (عليه السلام)، فلقيه أعرابي آخر المثال واحد و الثياب مختلفة.

فقال: يا عليّ! تبيع الناقة؟

قال عليّ (عليه السلام): و ما تصنع بها؟

قال: أغزو عليها غزوة يغزوها ابن عمّك.

قال: إن قبلتها، فهي لك بلا ثمن.

قال: معي ثمنها، و بالثمن أشتريها، فبكم اشتريتها؟

144

قال: بمائة درهم.

قال الأعرابي: فلك سبعون و مائة درهم.

قال عليّ (عليه السلام) [للحسن (عليه السلام)‏]: خذ السبعين و المائة و سلّم الناقة، و المائة للأعرابي الّذي باعنا الناقة، و السبعين لنا نبتاع بها شيئا.

فأخذ الحسن (عليه السلام) الدراهم و سلّم الناقة.

قال عليّ (عليه السلام): فمضيت أطلب الأعرابي الّذي ابتعت منه الناقة، لأعطيه ثمنها، فرأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله جالسا في مكان لم أره فيه قبل ذلك و لا بعده على قارعة الطريق، فلمّا نظر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله إليّ تبسّم ضاحكا، حتّى بدت نواجده.

قال عليّ (عليه السلام): أضحك اللّه سنّك و بشّرك بيومك.

فقال: يا أبا الحسن! إنّك تطلب الأعرابي الّذي باعك الناقة لتوفيه الثمن؟

فقلت: إي و اللّه؛ فداك أبي و امّي!

فقال: يا أبا الحسن! الّذي باعك الناقة جبرئيل، و الّذي اشتراها منك ميكائيل، و الناقة من نوق الجنّة، و الدراهم من عند ربّ العالمين عزّ و جلّ، فأنفقها في خير و لا تخف اقتارا. (1)

____________

(1) أمالي الصدوق: 377- 380، عنه البحار: 41/ 44- 47، مسند فاطمة الزهراء (عليها السلام): 280- 285.

145

6- إنّ المائدة نزلت على فاطمة (عليها السلام) في موارد شتّى‏

2576/ 1- روي: أنّ فاطمة (عليها السلام) قالت: يا رسول اللّه! إنّ الحسن و الحسين (عليهما السلام) جائعان.

قال: ما لكما يا حبيبيّ؟

قالا: نشتهي طعاما.

فقال: اللهمّ أطعمهما طعاما.

قال سلمان: فنظرت، فإذا بيد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله سفر جلة مشبهة بالجرّة الكبيرة أشدّ بياضا من اللبن، ففركها بإبهامه، فصيّرها نصفين، فدفع نصفها للحسن (عليه السلام) و نصفها للحسين (عليه السلام) فجعلت أنظر إليها و أنا أشتهي.

فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: هذا طعام من الجنّة لا يأكله رجل حتّى ينجو من الحساب غيرنا، و إنّك على خير. (1)

2577/ 2- عن أبي سعيد الخدريّ، قال: أصبح عليّ (عليه السلام) ذات يوم، فقال: يا فاطمة! عندك شي‏ء تغدّينيه؟

قالت: لا، و الّذي أكرم أبي بالنبوّة، و أكرمك بالوصيّة ما أصبح الغداة عندي شي‏ء اغدّيكه، و ما كان عندي شي‏ء منذ يومين إلّا شي‏ء كنت اوثرك به على نفسي و على ابنيّ هذين حسن و حسين (عليهما السلام)- ثمّ ساق الخبر إلى قوله صلّى اللّه عليه و آله- و يجري‏

____________

(1) البحار: 37/ 101 ح 5، عن الخرائج.

146

فاطمة (عليها السلام) مجرى مريم بن عمران (عليها السلام) ... (1)

أقول: أخرجه في «العوالم» عن «تفسير فرات» عن أبي سعيد الخدري؛

و عن «كشف الغمّة» عن أبي سعيد (مثله)؛

و عن «أمالي الطوسي» عن جماعة، عن أبي المفضّل، عن محمّد بن جعفر بن مسكان، عن عبد اللّه بن الحسين، عن يحيى بن عبد الحميد الحمانيّ، عن قيس بن الربيع، عن أبي هارون العبديّ، عن أبي سعيد (مثله). (2)

2578/ 3- جماعة، عن أبي المفضّل، عن عبد الرّزاق بن سليمان، عن الحسن بن عليّ الأزديّ، عن عبد الوهّاب بن همام الحميريّ، عن جعفر بن سليمان، عن أبي هارون العبديّ، عن ربيعة السعديّ، عن حذيفة بن اليمان، قال:

لمّا خرج جعفر بن أبي طالب من أرض الحبشة إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قدم جعفر و النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بأرض خيبر، فأتاه بالفرع من الغالية و القطيفة.

فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله: لأدفعنّ هذه القطيفة إلى رجل يحبّ اللّه و رسوله و يحبّه اللّه و رسوله.

فمدّ أصحاب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أعناقهم إليها.

فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله: أين عليّ (عليه السلام)؟

فوثب عمّار بن ياسر، فدعا عليّا (عليه السلام)، فلمّا جاء قال له النبيّ صلّى اللّه عليه و آله: يا عليّ! خذ هذه القطيفة إليك.

فأخذها عليّ (عليه السلام) و أمهل حتّى قدم المدينة، فانطلق إلى البقيع- و هو سوق المدينة- فأمر صائغا، ففصّل سلكا سلكا، فباع الذّهب و كان ألف مثقال، ففرّقه عليّ (عليه السلام) في فقراء المهاجرين و الأنصار، ثمّ رجع إلى منزله و لم يترك من الذهب قليلا و لا كثيرا.

____________

(1) البحار: 37/ 103 ح 7، عن كشف الغمّة.

(2) العوالم: 11/ 158- 161.

147

فلقيه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله من غد في نفر من أصحابه، فيهم حذيفة و عمّار، فقال: يا عليّ! إنّك أخذت بالأمس ألف مثقال، فاجعل غدائي اليوم و أصحابي هؤلاء عندك.

و لم يكن عليّ (عليه السلام) يرجع يومئذ إلى شي‏ء من العروض ذهب أو فضّة، فقال- حياء منه و تكرّما- نعم يا رسول اللّه! و في الرحب و السعة أدخل يا نبي اللّه! أنت و من معك.

قال: فدخل النبيّ صلّى اللّه عليه و آله، ثمّ قال لنا: ادخلوا.

قال حذيفة: و كنّا خمسة نفر: أنا و عمّار و سلمان و أبوذر و المقداد رضي اللّه عنهم، فدخلنا و دخل عليّ (عليه السلام) على فاطمة (عليها السلام) يبتغي عندها شيئا من زاد، فوجد في وسط البيت جفنة من ثريد تفور و عليها عراق كثير، و كان رائحتها المسك.

فحملها عليّ (عليه السلام) حتّى وضعها بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و من حضر معه، فأكلنا منها حتّى تملّأنا و لا ينقص منها قليل و لا كثير.

و قام النبيّ صلّى اللّه عليه و آله حتّى دخل على فاطمة (عليها السلام)، و قال: أنّى لك هذا الطعام يا فاطمة؟

فردّت عليه و نحن نسمع قولهما فقالت: هو من عند اللّه، إنّ اللّه يرزق من يشاء بغير حساب.

فخرج النبيّ صلّى اللّه عليه و آله إلينا مستعبرا و هو يقول: الحمد للّه الّذي لم يمتني حتّى رأيت لا بنتي ما رآى زكريّا لمريم رضى اللّه عنه كان إذا دخل عليها المحراب وجد عندها رزقا، فيقول لها: يا مريم! أنّى لك هذا، فتقول: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ‏ (1). (2)

____________

(1) آل عمران: 37.

(2) البحار: 37/ 105 و 106 ح 8، عن أمالي الطوسي.

148

أقول: و ذكر العلّامة المجلسي (رحمه الله) هذا الحديث بهذا الإسناد في موضع آخر من «البحار» في باب غزوة خيبر و فدك إلّا أنّ بدلا من: «عبد الرزاق بن سليمان» ذكر «عبد الرحمان بن سليمان الأزدي»، فراجع. (1)

و في «الدرر النظيم» رواه عن حذيفة أيضا، قال: لمّا خرج جعفر بن أبي طالب من أرض الحبشة إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أرسل النجاشيّ من غالية و قطيفة منسوجة بالذهب هدية إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله، فقدم جعفر و النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بأرض خيبر، فأتاه بالقدح من الغالية و القطيفة ... إلى آخر الخبر. (2)

2579/ 4- الخركوشيّ في «شرف المصطفى» عن زينب بنت حصين- في خبر-

أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله دخل على فاطمة (عليها السلام) غداة من الغدوات، فقالت: يا أبتاه! قد أصبحنا و ليس عندنا شي‏ء.

فقال: هاتي ذينك الطيرين.

فالتفتت فإذا طيران خلفها، فوضعتهما عنده، فقال لعليّ و فاطمة و الحسن و الحسين (عليهم السلام): كلوا باسم اللّه.

فبينما هم يأكلون، إذ جاءهم سائل، فقام على الباب، فقال: السلام عليكم أهل البيت أطعمونا ممّا رزقكم اللّه.

فردّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله: يطعمك اللّه يا عبد اللّه!

فمكث غير بعيد، ثمّ رجع، فقال مثل ذلك، ثمّ ذهب، ثمّ رجع فقالت فاطمة (عليها السلام): يا أبتاه! سائل.

فقال: يا بنتاه! هذا هو الشيطان جاء ليأكل من هذا الطعام، و لم يكن اللّه‏

____________

(1) البحار: 21/ 19 ح 14.

(2) البحار: 37/ 107.

149

ليطعمه هذا من طعام الجنّة. (1)

2580/ 5- و ذكر الصّدوق (رحمه الله) في كتاب «إكمال الدين» قال: حدّثنا عبد اللّه بن محمّد بن عبد الوهّاب الشجريّ، عن محمّد بن القاسم الرقّي؛ و عليّ بن الحسن بن جنكاء اللائكي قال: ... حدّثنا أبو معمّر المغربي، قال: سمعت عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) يقول:

أصاب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله جوع شديد، و هو في منزل فاطمة (عليها السلام).

قال عليّ (عليه السلام): فقال لي النبيّ صلّى اللّه عليه و آله: يا عليّ! هات المائدة.

فقدّمت المائدة فإذا عليها خبز و لحم مشويّ. (2)

أقول: ذكرت السند من أوّل الباب، و اختصرت بذكر مورد الحاجة من الصفحة 228 من روايات أبو الدّنيا، فراجع «البحار» و ذكرت السند بأدنى تغيير غير مغيّر للمعنى، فراجع المأخذ.

2581/ 6- العلّانيّ بإسناده إلى ابن عبّاس- في خبر طويل- أنّه اجتمع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و عليّ (عليه السلام) و جعفر عند فاطمة (عليها السلام) و هي في صلاتها، فلمّا سلّمت أبصرت عن يمينها رطبا على طبق و على يسارها سبعة أرغفة و سبع طيور مشويّات و جام من لبن، و طاس من عسل، و كأس من شراب الجنّة، و كوز من ماء معين.

فسجدت. و حمدت و صلّت على أبيها، و قدّمت الرطب، فلمّا فرغوا من أكله قدّمت المائدة، فإذا بسائل ينادي من وراء الباب: أهل بيت الكرم هل لكم في إطعام المساكين؟

فمدّت فاطمة (عليها السلام) يدها إلى رغيف وضعت عليه طيرا و حملت بالجام و أرادت أن تدفع إلى السائل.

____________

(1) البحار: 39/ 120.

(2) البحار: 51/ 225 و 228.

150

فتبسّم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في وجهها، و قال: إنّها محرّمة على هذا السائل، ثمّ نبّأها بأنّه إبليس لعنه اللّه، و أنّه لو واسيناه لصار من أهل الجنّة.

فلمّا فرغوا من الطعام خرج عليّ (عليه السلام) من الدار و واجه إبليس و بكته و وبّخه، و قال له: الحكم بيني و بينك السيف ألا تعلم بفناء من نزلت يا لعين؟

شوّشت ضيافة نور اللّه في أرضه- في كلام له-

فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله: أمره إلى ديّان يوم الدّين.

فقال إبليس: يا رسول اللّه!

اشتقت إلى رؤية عليّ (عليه السلام) فجئت أخذ منه الحظّ الأوفر و أيم اللّه أنّي من أودّائه و أنّي لاواليه. (1)

2582/ 7- أبو صالح المؤذّن في «الأربعين» بإسناده عن زينب بنت جحش- في حديث دخول النبيّ صلّى اللّه عليه و آله على فاطمة (عليها السلام) و قوله لها: هاتي ذلك الطيران و كان من موائد الجنّة-.

فإذا سائل، فقال: السلام عليكم يا أهل البيت! أطعمونا ممّا رزقكم اللّه.

فردّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله: يطعمك اللّه يا عبد اللّه!

فجاء مرّة اخرى، فردّه ... إلى آخر الخبر. (2)

2583/ 8- كتاب أبي إسحاق العدل الطبريّ، عن عمر بن عليّ، عن أبيه أمير المؤمنين (عليه السلام) قال:

دعانا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أنا [و عليّ‏] و فاطمة و الحسن و الحسين (عليهم السلام)، ثمّ نادى بالصحفة، فيها طعام كهيئة السكنجبين، و كهيئة الزبيب الطائفيّ الكبار، فأكلنا منه، فوقف سائل على الباب.

____________

(1) البحار: 37/ 101 ح 6، عن المناقب لابن شهر اشوب.

(2) البحار: 37/ 102.

151

فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: اخسأ.

ثمّ قال: ارفع ما فضل، فرفعه.

فقالت فاطمة (عليها السلام): يا رسول اللّه! لقد رأيتك صنعت اليوم شيئا ما كنت تفعله؟ سأل سائل، فقلت: اخسأ، و رفعت فضل الطعام و لم أرك رفعت طعاما قطّ.

فقال صلّى اللّه عليه و آله: إنّ الطّعام كان من طعام الجنّة، و إنّ السائل كان شيطانا. (1)

2584/ 9- أحمد بن محمّد الثعلبي، عن عبد اللّه بن حامد، عن أبي محمّد المزني، عن أبي يعلى الموصليّ، عن سهل بن زنجلة الرازي، عن عبد اللّه بن صالح، عن ابن لهيعة، عن محمّد بن المنكدر، عن جابر بن عبد اللّه:

أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أقام أيّاما لم يطعم طعاما حتّى شقّ ذلك عليه، و طاف في منازل أزواجه فلم يجد عند واحدة منهنّ شيئا، فأتى فاطمة (عليها السلام) فقال: يا بنيّة! هل عندك شي‏ء آكله، فإنّي جائع؟

فقالت: لا و اللّه؛ بأبي أنت و امّي.

فلمّا خرج من عندها بعث إليها جارة لها برغيفين و قطعة لحم، فأخذته منها فوضعته في جفنة لها و غطّت عليها، و قالت: لأوثرنّ بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله على نفسي و من عندي.

و كانوا جميعا محتاجين إلى شبعة طعام، فبعثت حسنا (عليه السلام)- أو حسينا (عليه السلام)- إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فرجع إليها.

فقالت: بأبي أنت و امّي؛ قد أتانا اللّه بشي‏ء، فخبأته.

قال: هلمّي.

فأتته، فكشفت عن الجفنة، فإذا هي مملوءة خبزا و لحما، فلمّا نظرت إليه بهتت، فعرفت أنّها كرامة من اللّه عزّ و جلّ، فحمدت اللّه و صلّت على نبيّه.

____________

(1) البحار: 37/ 102- 103.

152

فقال صلّى اللّه عليه و آله: من أين لك هذا يا بنيّة؟

فقالت: هو من عند اللّه، إنّ اللّه يرزق من يشاء بغير حساب.

فحمد اللّه عزّ و جلّ، و قال: الحمد للّه الّذي جعلك شبيهة بسيّدة نساء العالمين في نساء بني إسرائيل في وقتهم، فإنّها كانت إذا رزقها اللّه تعالى، فسألت عنه، قالت: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ‏. (1)

فبعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إلى عليّ (عليه السلام)، ثمّ أكل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين (عليهم السلام) و جميع أزواج النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و أهل بيته جميعا، و شبعوا و بقيت الجفنة كما هي.

قالت فاطمة (عليها السلام): فأوسعت منها على جميع جيراني، و جعل اللّه فيها البركة و الخير كما فعل اللّه بمريم (عليها السلام).

المناقب لابن شهر اشوب: الثعلبيّ في تفسيره، و ابن المؤذّن في «الأربعين» بإسنادهما عن محمّد بن المنكدر، عن جابر (مثله). (2)

2585/ 10- من كتاب المناقب المذكور عن أبي الفرج محمّد بن أحمد المكّي، عن المظفّر بن أحمد بن عبد الواحد، عن محمّد بن عليّ الحلوانيّ، عن كريمة بنت أحمد بن محمّد المروزي؛

و أخبرني أيضا به عاليا قاضي القضاة محمّد بن الحسين البغداديّ، عن الحسين بن محمّد بن عليّ الزينبيّ، عن الكريمة فاطمة بنت أحمد بن محمّد

____________

(1) آل عمران: 37.

(2) البحار: 43/ 68 و 69. أقول: أخرج الخبر في العوالم: 11/ 164 عن الخرائج عن جابر، و ذكر في الهامش: رواه في ثاقب المناقب: 260، و مقصد الراغب: 117، و الثعلبي في تفسيره: 2/ 20 و ص 92 (مخطوط)، و العرائس: 57، و مقتل الحسين (عليه السلام): 1/ 57، و فرائد السمطين: 2/ 51، و ابن كثير في البداية و النهاية: 6/ 111، و في تفسيره: 2/ 222، و الدرّ المنثور: 2/ 20، و روح المعاني: 3/ 124، و التكملة: 87 (مخطوط)، عن بعضها الإحقاق: 3/ 538 و 10/ 314.

153

المروزية- بمكّة حرسها اللّه تعالى- عن أبي عليّ زاهر بن أحمد، عن معاذ بن يوسف الجرجاني، عن أحمد بن محمّد بن غالب، عن عثمان بن أبي شيبة، عن [ابن‏] نمير، عن مجالد، عن ابن عبّاس، قال:

خرج أعرابيّ من بني سليم يتبدّى في البريّة، فإذا هو بضبّ قد نفر من بين يديه، فسعى وراءه حتّى اصطاده، ثمّ جعله في كمّه و أقبل يزدلف نحو النبيّ صلّى اللّه عليه و آله، فلمّا أن وقف بإزائه ناداه: يا محمّد! يا محمّد!

و كان من أخلاق رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إذا قيل له: يا محمّد، قال: يا محمّد، و إذا قيل له: يا أحمد، قال: يا أحمد، و إذا قيل له: يا أبا القاسم، قال: يا أبا القاسم، و إذا قيل [له‏]: يا رسول اللّه، قال: لبّيك و سعديك و تهلّل وجهه.

فلمّا أن ناداه الأعرابيّ: يا محمّد! يا محمّد!

قال له النبيّ صلّى اللّه عليه و آله: يا محمّد! يا محمّد!

قال له: أنت السّاحر الكذّاب الّذي ما أظلّت الخضراء، و لا أقلّت الغبراء من ذي لهجة هو أكذب منك، أنت الّذي تزعم أنّ لك في هذه الخضراء إلها بعث بك إلى الأسود و الأبيض، و اللات و العزّى؛ لو لا أنّي أخاف أنّ قومي يسمّونني العجول لضربتك بسيفي هذا ضربة أقتلك بها، فأسود بك الأوّلين و الآخرين!!

فوثب إليه عمر بن الخطّاب ليبطش به!!

فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله: اجلس يا أبا حفص! فقد كاد الحليم أن يكون نبيّا.

ثمّ التفت فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله إلى الأعرابيّ، فقال له: يا أخا بني سليم! هكذا تفعل العرب؟ يتهجّمون علينا في مجالسنا يجبهوننا بالكلام الغليظ؟

يا أعرابيّ! و الّذي بعثني بالحقّ نبيّا؛ إنّ من ضرّبي في دار الدنيا هو غدا في النار يتلظّى.

يا أعرابي! و الّذي بعثني بالحقّ نبيّا؛ أنّ أهل السّماء السّابعة يسمّونني أحمد الصادق.

154

يا أعرابيّ! أسلم تسلم من النار يكون لك ما لنا، و عليك ما علينا، و تكون أخانا في الإسلام.

قال: فغضب الأعرابيّ، و قال: و اللّات و العزّى؛ لا اومن بك يا محمّد! أو يؤمن هذا الضبّ.

ثمّ رمى بالضبّ عن كمّه، فلمّا أن وقع الضبّ على الأرض ولّى هاربا.

فنادى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله: أيّها الضبّ! أقبل إليّ.

فأقبل الضبّ ينظر إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله.

قال: فقال له النبيّ صلّى اللّه عليه و آله: أيّها الضبّ! من أنا؟

فإذا هو ينطق بلسان فصيح ذرب غير قطع، فقال: أنت محمّد بن عبد اللّه بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف.

فقال له النبيّ صلّى اللّه عليه و آله: من تعبد؟

قال: أعبد اللّه عزّ و جلّ الّذي فلق الحبّة و برأ النسمة، و اتّخذ إبراهيم خليلا، و اصطفاك يا محمّد! حبيبا.

ثمّ أنشأ يقول:

ألا يا رسول اللّه! إنّك صادق‏ * * * فبوركت مهديّا و بوركت هاديا

شرعت لنا دين الحنيفة بعدما * * * عبدنا لأمثال الحمير الطّواغيا

فيا خير مدعوّ و يا خير مرسل‏ * * * إلى الجنّ بعد الإنس لبّيك داعيا

و نحن أناس من سليم و إنّنا * * * أتيناك نرجو أن ننال العواليا

أتيت ببرهان من اللّه واضح‏ * * * فأصبحت فينا صادق القول زاكيا

فبوركت في الأحوال حيّا و ميّتا * * * و بوركت مولودا و بوركت ناشيا

قال: ثمّ أطبق على فم الضبّ، فلم يحر جوابا.

فلمّا أن نظر الأعرابيّ إلى ذلك قال: وا عجبا! ضبّ اصطدته من البريّة، ثمّ أتيت به في كمّي لا يفقه و لا ينقه و لا يعقل يكلّم محمّدا صلّى اللّه عليه و آله بهذا الكلام، و يشهد له‏