الكوثر في أحوال فاطمة بنت النبي الأعظم(ع) - ج4

- السيد محمد باقر الموسوي‏ المزيد...
686 /
155

بهذه الشهادة، أنا لا أطلب أثرا بعد عين، مدّ يمينك فأنا أشهد أن لا إله إلّا اللّه، و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله.

فأسلم الأعرابيّ و حسن إسلامه.

ثمّ التفت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله إلى أصحابه، فقال لهم: علّموا الأعرابيّ سورا من القرآن.

قال: فلمّا أن علّم الأعرابيّ سورا من القرآن، قال له النبيّ صلّى اللّه عليه و آله: هل لك شي‏ء من المال؟

قال: و الّذي بعثك بالحقّ نبيّا؛ أنّ أربعة آلاف رجل من بني سليم ما فيهم أفقر منّي، و لا أقلّ مالا.

ثمّ التفت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله إلى أصحابه، فقال لهم: من يحمل الأعرابيّ على ناقة أضمن له على اللّه ناقة من نوق الجنّة.

قال: فوثب إليه سعد بن عبادة قال: فداك أبي و امّي؛ عندي ناقة حمراء عشراء و هي للأعرابيّ.

فقال له النبيّ صلّى اللّه عليه و آله: يا سعد! تفخر علينا بناقتك، ألا أصف لك الناقة الّتي نعطيكها بدلا من ناقة الأعرابيّ؟

فقال: بلى فداك أبي و امّي.

فقال: يا سعد! ناقة من ذهب أحمر، و قوائمها من العنبر، و وبرها من الزعفران، و عيناها من ياقوتة حمراء، و عنقها من الزّبرجد الأخضر، و سنامها من الكافور الأشهب، و ذقنها من الدّرّ، و خطامها من اللؤلؤ الرّطب، عليها قبّة من درّة بيضاء، يرى باطنها من ظاهرها، و ظاهرها من باطنها، تطير بك في الجنّة.

ثمّ التفت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله إلى أصحابه، فقال لهم: من يتوّج الأعرابيّ أضمن له على اللّه تاج التّقى.

قال: فوثب إليه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، و قال: فداك أبي‏

156

و امّي؛ و ما تاج التّقى، فذكر من صفته.

قال: فنزع عليّ (عليه السلام) عمامته، فعمّم بها الأعرابيّ.

ثمّ التفت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فقال: من يزوّد الأعرابيّ و أضمن له على اللّه عزّ و جلّ زاد التقوى؟

قال: فوثب إليه سلمان الفارسي، فقال: فداك أبي و امّي؛ و ما زاد التقوى؟

قال: يا سلمان! إذا كان آخر يوم من الدنيا لقّنك اللّه عزّ و جلّ قول شهادة أن لا إله إلّا اللّه، و أنّ محمّدا رسول اللّه، فإن أنت قلتها لقيتني و لقيتك، و إن أنت لم تقله لم تلقني و لم ألقك أبدا.

قال: فمضى سلمان حتّى طاف تسعة أبيات من بيوت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فلم يجد عندهنّ شيئا، فلمّا أن ولّى راجعا نظر إلى حجرة فاطمة (عليها السلام)، فقال: إن يكن خير فمن منزل فاطمة (عليها السلام) بنت محمّد صلّى اللّه عليه و آله.

فقرع الباب، فأجابته من وراء الباب: من بالباب؟

فقال لها: أنا سلمان الفارسيّ.

فقالت له: يا سلمان! و ما تشاء؟

فشرح قصّة الأعرابيّ و الضبّ مع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله.

قالت له: يا سلمان! و الّذي بعث محمّدا صلّى اللّه عليه و آله بالحقّ نبيّا، إنّ لنا ثلاثا ما طعمنا، و إنّ الحسن و الحسين (عليهما السلام) قد اضطربا عليّ من شدّة الجوع، ثمّ رقدا كأنّهما فرخان منتوفان، و لكن لا أردّ الخير إذا نزل الخير ببابي.

يا سلمان! خذ درعي هذا، ثمّ امض به إلى شمعون اليهوديّ، و قل له: تقول لك فاطمة بنت محمّد صلّى اللّه عليه و آله: أقرضني عليه صاعا من تمر و صاعا من شعير أردّه عليك إن شاء اللّه تعالى.

قال: فأخذ شمعون الدّرع، ثمّ جعل يقلّبه في كفّه و عيناه تذرفان بالدموع و هو يقول: يا سلمان! هذا هو الزهد في الدنيا، هذا الّذي أخبرنا به موسى بن‏

157

عمران في التوراة، أنا أشهد أن لا إله إلّا اللّه، و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله.

فأسلم و حسن إسلامه.

ثمّ دفع إلى سلمان صاعا من تمر، و صاعا من شعير، فأتى به سلمان إلى فاطمة (عليها السلام)، فطحنته بيدها و اختبزته خبزا، ثمّ أتت به إلى سلمان، فقالت له: خذه و امض به إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله.

قال: فقال لها سلمان: يا فاطمة! خذي منه قرصا تعلّلين به الحسن و الحسين (عليهما السلام).

فقالت: يا سلمان! هذا شي‏ء أمضيناه للّه عزّ و جلّ لسنا نأخذ منه شيئا.

قال: فأخذه سلمان، فأتى به النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فلمّا نظر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله إلى سلمان، قال له: يا سلمان! من أين لك هذا؟

قال: من منزل بنتك فاطمة (عليها السلام).

قال: و كان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله لم يطعم طعاما منذ ثلاث.

قال: فوثب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله حتّى ورد إلى حجرة فاطمة (عليها السلام)، فقرع الباب؛ و كان إذا قرع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله الباب لا يفتح له الباب إلّا فاطمة (عليها السلام).

فلمّا أن فتحت له الباب نظر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله إلى صفار وجهها و تغيّر حدقتيها، فقال لها: يا بنيّة! ما الّذي أراه من صفار وجهك و تغيّر حدقتيك؟

فقالت: يا أبه! إنّ لنا ثلاثا ما طعمنا طعاما، و أنّ الحسن و الحسين (عليهما السلام) قد اضطربا عليّ من شدّة الجوع، ثمّ رقدا كأنّهما فرخان منتوفان.

قال: فأنبههما النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فأخذ واحدا على فخذه الأيمن، و الآخر على فخذه الأيسر، و أجلس فاطمة (عليها السلام) بين يديه، و اعتنقها النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و دخل عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، فاعتنق النبيّ صلّى اللّه عليه و آله من ورائه، ثمّ رفع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله طرفه نحو السماء فقال:

إلهي و سيّدي و مولاي! هؤلاء أهل بيتي، اللهمّ أذهب عنهم الرّجس و طهّرهم تطهيرا.

158

قال: ثمّ و ثبت فاطمة (عليها السلام) بنت محمّد صلّى اللّه عليه و آله حتّى دخلت إلى مخدع لها، فصفّت قدميها، فصلّت ركعتين، ثمّ رفعت باطن كفّيها إلى السماء، و قالت:

إلهي و سيّدي! هذا محمّد نبيّك، و هذا عليّ ابن عمّ نبيّك، و هذان الحسن و الحسين سبطا نبيّك، إلهي أنزل علينا مائدة من السماء، كما أنزلتها على بني إسرائيل، أكلوا منها و كفروا بها، اللهمّ أنزلها علينا، فإنّا بها مؤمنون.

قال ابن عبّاس: و اللّه؛ ما استتمّت الدعوة فإذا هي بصحفة من ورائها يفور قتارها، و إذا قتارها أزكى من المسك الأذفر، فاحتضنتها، ثمّ أتت بها إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و عليّ و الحسن و الحسين (عليهما السلام).

فلمّا نظر إليها عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) قال لها: يا فاطمة! من أين لك هذا؟

و لم يكن عهد عندها شيئا.

فقال له النبيّ صلّى اللّه عليه و آله: كل يا أبا الحسن! و لا تسأل، الحمد للّه الّذي لم يمتني حتّى رزقني ولدا مثلها مثل مريم بنت عمران‏ كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ‏. (1)

قال: فأكل النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين (عليهما السلام)، و خرج النبيّ صلّى اللّه عليه و آله.

و تزوّد الأعرابيّ، و استوى على راحلته، و أتى بني سليم- و هم يومئذ أربعة آلاف رجل- فلمّا أن وقف في وسطهم ناداهم بعلوّ صوته: قولوا: لا إله إلّا اللّه، محمّد رسول اللّه.

قال: فلمّا سمعوا منه هذه المقالة أسرعوا إلى سيوفهم فجرّدوها، ثمّ قالوا له: لقد صبوت إلى دين محمّد السّاحر الكذّاب؟!

____________

(1) آل عمران: 37.

159

فقال لهم: ما هو بساحر و لا كذّاب.

ثمّ قال: يا معشر بني سليم! أنّ إله محمّد صلّى اللّه عليه و آله خير إله، و أنّ محمّدا صلّى اللّه عليه و آله خير نبيّ، أتيته جائعا فأطعمني، و عاريا فكساني، و راجلا فحملني.

ثمّ شرح لهم قصّة الضبّ مع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله، ثمّ قال: يا معاشر بني سليم! أسلموا تسلموا من النار.

فأسلم في ذلك اليوم أربعة آلاف رجل، و هم أصحاب الرايات الخضر، و هم حول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.

أقول: وجدت الحديث في كتاب قديم من مؤلّفات العامّة، قال: حدّثنا أبو بكر أحمد بن عليّ الطرشيشي- ببغداد سنة أربع و ثمانين و أربع مائة- قال:

حدّثتنا كريمة بنت أحمد بن محمّد بن حاتم المروزي بمكّة حرسها اللّه بقرائتها علينا في المسجد الحرام في ذي الحجّة سنة إحدى و ثلاثين و أربع مائة؛

قالت: أخبرنا أبو علي زاهر بن أحمد الفقيه- بسرخس- قال: حدّثنا معاذ بن يوسف الجرجانيّ، قال: حدّثنا أحمد بن محمّد بن غالب، عن عثمان بن أبي شيبة، عن ابن نمير، عن مجالد، عن ابن عبّاس (مثله). (1)

2586/ 11- مصباح الأنوار: عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال:

أقبلت فاطمة (عليها السلام) إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فعرف في وجهها الخمص.

- قال: يعني الجوع-

فقال لها: يا بنيّة! هاهنا.

فأجلسها على فخذه الأيمن، فقالت: يا أبتاه! إنّي جائعة.

فرفع يديه إلى السّماء فقال: اللهمّ رافع الوضعة، و مشبع الجاعة، اشبع فاطمة بنت نبيّك.

____________

(1) البحار: 43/ 69- 74 ح 61. أقول: ذكر الخبر في العوالم: 11/ 165- 171، عن المناقب لابن شهر اشوب، و قال في الهامش: و رواه في مقتل الحسين (عليه السلام): 1/ 71، و في نزهة المجالس: 1/ 224، عنه الإحقاق: 10/ 318.

160

قال أبو جعفر (عليه السلام): فو اللّه؛ ما جاعت بعد يومها حتّى فارقت الدّنيا. (1)

2587/ 12- و عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، قال:

إنّ فاطمة (عليها السلام) بنت محمّد صلّى اللّه عليه و آله وجدت علّة، فجاءها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله عائدا، فجلس عندها و سألها، عن حالها.

فقالت: إنّي أشتهي طعاما طيّبا.

فقام النبيّ صلّى اللّه عليه و آله إلى طاق في البيت، فجاء بطبق فيه زبيب، و كعك، و أقط، و قطف عنب، فوضعه بين يدي فاطمة (عليها السلام)، فوضع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يده في الطبق و سمّى اللّه، و قال: كلوا بسم اللّه.

فاكلت فاطمة و رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و الحسن و الحسين و علي (عليهم السلام)، فبينما هم يأكلون إذ وقف سائل على الباب، فقال: السلام عليكم، أطعمونا ممّا رزقكم اللّه.

فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله: أخسأ.

فقالت فاطمة (عليها السلام): يا رسول اللّه! ما هكذا تقول للمسكين.

فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله إنّه الشيطان، و إنّ جبرئيل جاءكم بهذا الطعام من الجنّة، فأراد الشيطان أن يصيب منه، و ما كان ذلك ينبغي له. (2)

2588/ 13- عبيد بن كثير معنعنا عن أبي سعيد الخدريّ، قال:

أصبح عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) ذات يوم ساغبا، فقال: يا فاطمة! هل عندك شي‏ء تغذّينيه؟

قالت: لا، و الّذي أكرم أبي بالنبوّة، و أكرمك بالوصيّة؛ ما أصبح الغداة عندي شي‏ء، و ما كان شي‏ء أطعمناه مذ يومين إلّا شي‏ء كنت اؤثرك به على نفسي و على ابنيّ هذين الحسن و الحسين (عليهما السلام).

____________

(1) البحار: 43/ 77 ح 64، العوالم: 11/ 180.

(2) البحار: 43/ 77 و 78، العوالم: 11/ 180.

161

فقال عليّ (عليه السلام): يا فاطمة! ألا كنت أعلمتيني فأبغيكم شيئا؟

فقالت: يا أبا الحسن! إنّي لأستحيي من إلهي أن اكلّف نفسك ما لا تقدر عليه.

فخرج عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) من عند فاطمة (عليها السلام) واثقا باللّه بحسن الظنّ، فاستقرض دينارا.

فبينا الدينار في يد عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) يريد أن يبتاع لعياله ما يصلحهم، فتعرّض له المقداد بن الأسود في يوم شديد الحرّ قد لوّحته الشمس من فوقه، و آذته من تحته.

فلمّا رآه عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) أنكر شأنه، فقال: يا مقداد! ما أزعجك هذه الساعة من رحلك؟

قال: يا أبا الحسن! خلّ سبيلي، و لا تسألني عمّا ورائي.

فقال: يا أخي! إنّه لا يسعني أن تجاوزني حتّى أعلم علمك.

فقال: يا أبا الحسن! رغبة إلى اللّه و إليك أن تخلّي سبيلي و لا تكشفني عن حالي.

فقال له: يا أخي! إنّه لا يسعك أن تكتمني حالك.

فقال: يا أبا الحسن! أمّا إذا أبيت، فو الّذي أكرم محمّدا بالنبوّة، و أكرمك بالوصيّة؛ ما أزعجني من رحلي إلّا الجهد، و قد تركت عيالي يتضاغون جوعا، فلمّا سمعت بكاء العيال لم تحملني الأرض، فخرجت مهموما راكب رأسي، هذه حالي و قصّتي.

فانهملت عينا عليّ (عليه السلام) بالبكاء حتّى بلّت دمعته لحيته، فقال له: أحلف بالّذي حلفت ما أزعجني إلّا الّذي أزعجك من رحلك، فقد استقرضت دينارا، فقد آثرتك على نفسي.

فدفع الدّينار إليه، و رجع حتّى دخل مسجد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله، فصلّى فيه الظهر

162

و العصر و المغرب، فلمّا قضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله المغرب مرّ بعليّ بن أبي طالب (عليه السلام) و هو في الصفّ الأوّل، فغمزه برجله.

فقام عليّ (عليه السلام) متعقّبا خلف رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله حتّى لحقه على باب من أبواب المسجد، فسلّم عليه.

فردّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله [السلام‏] فقال: يا أبا الحسن! هل عندك شي‏ء نتعشّاه فنميل معك؟

فمكث مطرقا لا يحير جوابا حياء من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و هو يعلم ما كان من أمر الدّينار، و من أين أخذه، و أين وجّهه، و قد كان أوحى اللّه تعالى إلى نبيّه محمّد صلّى اللّه عليه و آله أن يتعشّى الليلة عند عليّ بن أبي طالب (عليه السلام).

فلمّا نظر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إلى سكوته، فقال: يا أبا الحسن! مالك لا تقول: لا، فأنصرف، أو تقول: نعم، فأمضي معك.

فقال- حياء و تكرّما- فاذهب بنا.

فأخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يد [ي‏] عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) فانطلقا حتّى دخلا على فاطمة الزهراء (عليها السلام)، و هي في مصلّاها قد قضت صلاتها، و خلفها جفنة تفور و دخانا.

فلمّا سمعت كلام رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في رحلها خرجت من مصلّاها، فسلّمت عليه، و كانت أعزّ النّاس عليه.

فردّ (عليها السلام)، و مسح بيده على رأسها، و قال لها: يا بنتاه! كيف أمسيت رحمك اللّه تعالى؟

[قالت: بخير. قال:] (1)

عشّينا غفر اللّه لك، و قد فعل.

____________

(1) ما بين المعقوفين أثبتناه من هامش البحار.

163

فأخذت الجفنة فوضعتها بين يدي النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، فلمّا نظر عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) إلى طعام و شمّ ريحه رمى فاطمة (عليها السلام) ببصره رميا شحيحا.

قالت له فاطمة (عليها السلام): سبحان اللّه! ما أشحّ نظرك و أشدّه هل أذنبت فيما بيني و بينك ذنبا استوجبت به السخطة؟

قال: و أيّ ذنب أعظم من ذنب أصبتيه؟ أليس عهدي إليك اليوم الماضي و أنت تحلفين باللّه مجتهدة ما طعمت طعاما مذ يومين؟

قال: فنظرت إلى السماء، فقالت: إلهي يعلم في سمائه و يعلم في أرضه أنّي لم أقل إلّا حقّا.

فقال لها: يا فاطمة! أنّى لك هذا الطعام الّذي لم أنظر إلى مثل لونه قطّ، و لم أشمّ مثل ريحه قطّ، و ما آكل أطيب منه؟

قال: فوضع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله كفّه الطيّبة المباركة بين كتفي عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) فغمزها، ثمّ قال: يا علي! هذا بدل دينارك، و هذا جزاء دينارك من عند اللّه‏ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ‏.

ثمّ استعبر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله باكيا، ثمّ قال: الحمد للّه الّذي [هو] أبى لكم أن تخرجا من الدّنيا حتّى يجزيكما و يجريك يا عليّ! مجرى زكريّا، و يجري فاطمة (عليها السلام) مجرى مريم بن عمران‏ كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً. (1)

كشف الغمّة: عن أبي سعيد (مثله).

أمالي الطوسي: جماعة، عن أبي المفضّل، عن محمّد بن جعفر بن مسكان، عن عبد اللّه بن الحسين، عن يحيى بن عبد الحميد الحماني، عن قيس بن الرّبيع،

____________

(1) آل عمران: 37.

164

عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد (مثله). (1)

مصباح الأنوار: روى عن أبي سعيد الخدري، قال: أصبح عليّ (عليه السلام) ذات يوم فقال: يا فاطمة! عندك شي‏ء تغذّيناه؟ ... (2) إلى آخر الحديث، و فيه بعد عِنْدَها رِزْقاً: قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ‏.

أقول: و هذا الحديث بعينه هو الّذي أوردت من «البحار»، و لذا لم أذكر تمام الحديث هنا حذرا من الإطالة و التكرار، فراجع المأخذ.

2589/ 14- ... لئن أطعم إدريس من تحف الجنّة بعد وفاته، فإنّ محمّدا صلّى اللّه عليه و آله أطعم في الدنيا في حياته بينما يتضوّر جوعا، فأتاه جبرئيل بجام من الجنّة، فيه تحفة، فهلّل الجام، و هلّلت التحفة في يده و سبّحا و كبّرا و حمّدا، فناوله أهل بيته، ففعل الجام مثل ذلك.

فهمّ أن يناولها بعض أصحابه، فتناولها جبرئيل (عليه السلام)، فقال له: كلها، فإنّها تحفة من الجنّة أتحفك اللّه بها، و إنّها لا تصلح إلّا لنبيّ أو وصيّ نبيّ.

____________

(1) البحار: 43/ 59- 61 ح 51، عن تفسير فرات أقول: و ذكر الخبر في كتاب «فاطمة الزهراء (عليها السلام) بهجة قلب المصطفى صلّى اللّه عليه و آله»: 100 و 101، و قال: خرّجه الحافظ الدمشقيّ في الأربعين الطوال نقله عن ذخائر العقبى: 45- 47 (ط. القدسي).

(2) البحار: 93/ 147 ح 25، أقول: و ذكر في الهامش ما هكذا لفظه: و قد أخرج الحديث بهذا اللفظ في كشف الغمّة: ص 141 و 142 «الطبعة الحجريّة»، و مثله في تفسير العيّاشي: 1/ 171، و ذكر الزمخشري في الكشّاف عند ذكر قصّة زكريّا و مريم (عليهما السلام)؛ و عن النبي صلّى اللّه عليه و آله أنّه جاع ... و أوردناه من البحار: 43/ 29، فراجع أرقامنا 14 من هذا العنوان.

و قال في هامش العوالم: [الكشّاف‏]: 1/ 275 عنه الإقبال: 529، و البحار 43/ 29، و أهل البيت:

143.

و رواه البيضاوي في تفسيره: 1/ 17، و الدر و اللآل: 20، عنه الإحقاق: 30/ 538، و 19/ 149، عن أهل البيت، [فضائل الخمسة: 2/ 124، 126].

165

فأكل صلّى اللّه عليه و آله و أكلنا معه، و إنّي لأجد حلاوتها ساعتي هذه. (1)

أقول: هذه العبارات من كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) في سؤال اليهوديّ، و قد اختصرت و أخذت موضع الحاجة إليه، فراجع المأخذ.

2590/ 15- زيد بن أرقم- في خبر طويل-.

إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أصبح طاويا، فأتى فاطمة (عليها السلام)، فرآى الحسن و الحسين (عليهما السلام) يبكيان من الجوع، و جعل يزقّهما بريقه حتّى شبعا و ناما، فذهب مع عليّ (عليه السلام) إلى دار أبي الهيثم.

فقال: مرحبا برسول اللّه! ما كنت أحبّ أن تأتيني و أصحابك إلّا و عندي شي‏ء، و كان لي شي‏ء، ففرّقته في الجيران.

فقال: أوصاني جبرئيل بالجار، حتّى حسبت أنّه سيورثه.

قال: فنظر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله إلى نخلة في جانب الدار، فقال: يا أبا الهيثم! تأذن في هذه النخلة؟

فقال: يا رسول اللّه! إنّه لفحل، و ما حمل شيئا قطّ، شأنك به.

فقال: يا عليّ! ائتني بقدح ماء، فشرب منه، ثمّ مجّ فيه، ثمّ رشّ على النخلة، فتملّت أعذاقا من بسر و رطب ما شئنا، فقال: ابدءوا بالجيران.

فأكلنا و شربنا ماء باردا حتّى روينا.

فقال: يا عليّ! هذا من النعيم الّذي يسألون عنه يوم القيامة.

يا علي! تزوّد لمن وراث لفاطمة و الحسن و الحسن (عليهم السلام).

قال: فما زالت تلك النخلة عندنا نسمّيها نخلة الجيران حتّى قطعها يزيد لعنه اللّه عام الحرّة. (2)

____________

(1) البحار: 10/ 29 ضمن ح 1.

(2) البحار: 18/ 41 و 42، عن أمالي الطوسي.

166

2591/ 16- روي: أنّ عليّا (عليه السلام) قال: دخلت السوق فابتعت لحما بدرهم و ذرّة بدرهم، فأتيت بهما فاطمة (عليها السلام) حتّى إذا فرغت من الخبز و الطبخ، قالت: لو أتيت أبي، فدعوته.

فخرجت و هو مضطجع يقول: أعوذ باللّه من الجوع ضجيعا.

فقلت: يا رسول اللّه! عندنا طعام.

فاتّكأ عليّ و مضينا نحو فاطمة (عليها السلام)، فلمّا دخلنا قال: هلمّي طعامك يا فاطمة!

فقدمت إليه البرمة و القرص، فغطّى القرص، و قال: اللهمّ بارك لنا في طعامنا.

ثمّ قال: اغرفي لعائشة، فغرفت.

ثمّ قال: اغرفي لامّ سلمة.

فما زالت تغرف حتّى وجّهت إلى النساء التسع بقرصة قرصة و مرق.

ثمّ قال: اغرفي لأبيك و بعلك.

ثمّ قال: اغرفي و أهدي لجيرانك، ففعلت و بقي عندهم ما يأكلون أيّاما. (1)

2592/ 17- المناقب لابن شهر اشوب: الحسن البصريّ و أمّ سلمة:

أنّ الحسن و الحسين (عليهما السلام) دخلا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و بين يديه جبرئيل، فجعلا يدوران حوله يشبّهانه بدحية الكلبيّ.

فجعل جبرئيل يؤمى‏ء بيده كالمتناول شيئا، فإذا في يده تفّاحة و سفرجلة و رمّانة، فناولهما و تهلّلت وجوههما و سعيا إلى جدّهما.

فأخذ منهما فشمّها، ثمّ قال: صيرا إلى امّكما بما معكما و بدوكما بأبيكما أعجب.

____________

(1) البحار: 18/ 30 ح 20، عن الخرائج.

167

فصاراكما أمرهما، فلم يأكلوا حتّى صار النبيّ صلّى اللّه عليه و آله إليهم، فأكلوا جميعا، فلم يزل كلّما أكل منه عاد إلى ما كان حتّى قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.

قال الحسين (عليه السلام): فلم يحلقه التغيير و النقصان أيّام فاطمة بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله حتّى توفّيت، فلمّا توفيّت فقدنا الرمّان، و بقي التفّاح و السفرجل أيّام أبي (عليه السلام)، فلمّا استشهد أمير المؤمنين (عليه السلام) فقد السفرجل، و بقي التفّاح على هيئته عند الحسن (عليه السلام) حتّى مات في سمّه.

و بقيت التفّاحة إلى الوقت الّذي حوصرت، عن الماء، فكنت أشمّها إذا عطشت، فيسكن لهب عطشي، فلمّا اشتدّ عليّ العطش عضضتها و أيقنت بالفناء.

قال عليّ بن الحسين (عليهما السلام): سمعته يقول ذلك قبل مقتله بساعة، فلمّا قضى نحبه وجد ريحها في مصرعه، فالتمست فلم ير لها أثر، فبقي ريحها بعد الحسين (عليه السلام)، و لقد زرت قبره فوجدت ريحها يفوح من قبره، فمن أراد ذلك من شيعتنا الزائرين للقبر، فليلتمس ذلك في أوقات السحر، فإنّه يجده إذا كان مخلصا. (1)

2593/ 18- روي: أنّ عليّا (عليه السلام) أصبح يوما، فقال لفاطمة (عليها السلام): عندك شي‏ء تغذّينيه؟

قالت: لا.

فخرج و استقرض دينارا ليبتاع ما يصلحهم، فإذا المقداد في جهد، و عياله جياع.

فأعطاه الدّينار، و دخل المسجد، و صلّى الظهر و العصر مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، ثمّ أخذ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بيد علي (عليه السلام) و انطلقا إلى فاطمة (عليها السلام) و هي في مصلّاها و خلفها جفنة تفور.

____________

(1) البحار: 45/ 91 ح 31.

168

فلمّا سمعت كلام رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله خرجت فسلّمت عليه، و كانت أعزّ النّاس عليه.

فرد السّلام، و مسح بيده على رأسها، ثمّ قال: عشّينا غفر اللّه لك، و قد فعل.

فأخذت الجفنة، فوضعتها بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال: يا فاطمة! أنّى لك هذا الطّعام الّذي لم أنظر إلى مثل لونه قطّ، و لم أشمّ مثل رائحته قطّ، و لم آكل أطيب منه؟

و وضع كفّه بين كتفي، و قال: هذا بدل، عن دينارك، إن اللّه يرزق من يشآء بغير حساب. (1)

2594/ 19- محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن إسماعيل، عن صالح بن عقبة، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال:

قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله لفاطمة (عليها السلام): يا فاطمة! قومي فاخرجي تلك الصّحفة.

فقامت فأخرجت صحفة فيها تريد و عراق يفور، فأكل النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين (عليهم السلام) ثلاثة عشر يوما.

ثمّ إنّ امّ أيمن رأت الحسين (عليه السلام) معه شي‏ء، فقالت له: من أين لك هذا؟

قال: إنّا لنأكله منذ أيّام.

فأتت امّ أيمن فاطمة (عليها السلام) فقالت: يا فاطمة! إذا كان عند امّ أيمن شي‏ء فإنّما هو لفاطمة (عليها السلام) و لولدها، و إذا كان عند فاطمة (عليها السلام) شي‏ء فليس لامّ أيمن منه شي‏ء؟

فأخرجت لها منه، فأكلت منه امّ أيمن و نفدت الصّحفة.

فقال لها النبيّ صلّى اللّه عليه و آله: أما لو لا أنّك أطعمتها لأكلت منها أنت و ذريّتك إلى أن تقوم السّاعة.

____________

(1) البحار: 43/ 29 ح 35، و العوالم: 11/ 209.

169

ثمّ قال أبو جعفر (عليه السلام): و الصحفة عندنا يخرج بها قائمنا (عليه السلام) في زمانه. (1)

2595/ 20- زينب بنت عليّ (عليه السلام)، قالت:

صلّى أبي مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله صلاة الفجر، ثمّ أقبل عليّ (عليه السلام) فقال: هل عندكم طعام؟

فقال: لم آكل منذ ثلاثة أيّام طعاما، و ما تركت في منزلي طعاما.

قال: امض بنا إلى فاطمة (عليها السلام).

فدخلا و هي تلتوي من الجوع و ابناها معها.

فقال: يا فاطمة! فداك أبوك؛ هل عندك شي‏ء.

فاستحيت، فقالت: نعم، و قامت و صلّت، ثمّ سمعت حسّا فالتفتت فإذا صحفة ملأى ثريدا و لحما، فاحتملتها، فجاءت بها و وضعتها بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فجمع عليّا و فاطمة و الحسن و الحسين (عليهم السلام).

و جعل عليّ (عليه السلام) يطيل النظر إلى فاطمة (عليها السلام)، و يتعجّب و يقول: خرجت من عندها و ليس عندها طعام فمن أين هذا؟

ثمّ أقبل عليها، فقال: يا ابنة رسول اللّه! أنّى لك هذا؟

قالت: هو من عند اللّه إنّ اللّه يرزق من يشاء بغير حساب.

فضحك النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و قال: الحمد للّه الّذي جعل في أهلي نظير زكريّا و مريم إذ قال لها: أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ‏. (2)

فبينما هم يأكلون إذ جاء سائل بالباب، فقال: السلام عليكم يا أهل البيت! أطعموني ممّا تأكلون.

____________

(1) البحار: 43/ 63 ح 55، عن الكافي: 2/ 358 ح 7، العوالم: 11/ 181 و 182، فاطمة الزهراء (عليها السلام) بهجة قلب المصطفى صلّى اللّه عليه و آله: 99 و 100.

(2) آل عمران: 37.

170

فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله: اخسأ اخسأ، ففعل ذلك ثلاثا.

و قال عليّ (عليه السلام): أمرتنا أن لا نردّ سائلا، من هذا الّذي أنت تخسأه؟

فقال: يا عليّ! إن هذا إبليس، علم أنّ هذا طعام الجنّة، فتشبّه بسائل لنطعمه منه.

فأكل النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين (عليهم السلام) حتّى شبعوا، ثمّ رفعت الصحفة، فأكلوا من طعام الجنّة في الدنيا. (1)

2596/ 21- أبو الحسن محمّد بن أحمد بن عليّ بن شاذان، و في المناقب المائة، عن سلمان الفارسي (رحمه الله)، قال: أتيت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله، فسلّمت عليه، ثمّ دخلت على فاطمة (عليها السلام)، فسلّمت عليها.

قالت: يا أبا عبد اللّه! إنّ الحسن و الحسين (عليهما السلام) جائعان يبكيان، فخذ بيدهما، فاخرج [بهما] إلى جدّهما.

فأخذت بأيديهما، فحملتهما حتّى أتيت بهما إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله.

فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله: ما لكما يا حبيبيّ؟

قالا: نشتهي طعاما يا رسول اللّه!

فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله: اللهمّ أطعمهما- ثلاثا-

فنظرت، فإذا سفرجلة في يد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله شبيهة قلّة من قلال هجر، أشدّ بياضا من اللبن، و أحلى من العسل، و ألين من الزبد، ففركها بإبهامه، فصيّرها نصفين، ثمّ دفع إلى الحسن (عليه السلام) نصفها، و إلى الحسين (عليه السلام) نصفها، فجعلت أنظر إلى النصفين في أيديهما و أنا أشتهيها.

فقال: يا سلمان! هذا طعام الجنّة، لا يأكله أحد حتّى ينجو من الحساب،

____________

(1) مسند فاطمة الزهراء (عليها السلام): 109 و 110، عن الثاقب في المناقب.

171

و إنّك لعلى خير. (1)

2597/ 22- مدينة المعاجز عن الثاقب في المناقب: عن عبد الرحمان بن أبي ليلى مرسلا، فقال:

دخل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله على فاطمة (عليها السلام) و ذكر فضلها و فضل زوجها و ابنيها في- حديث طويل- فقالت: لقد باتا و إنّهما لجائعان.

فقال صلّى اللّه عليه و آله: يا فاطمة! قومي فهات القصاع.

فقالت: يا رسول اللّه! و ما هاهنا من قصاع؟!

قال: يا فاطمة! قومي، فإنّه من أطاعني فقد أطاع اللّه، و من عصاني فقد عصى اللّه.

قال: فقامت إلى المسجد، و إذا هي بقصاع مغطّى.

قال: فوضعته قدام النبيّ صلّى اللّه عليه و آله.

فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله: فإذا هو مغطّى بمنديل شامي.

فقال: دعا بعليّ (عليه السلام) و أيقظ الحسن و الحسين (عليهما السلام)، ثمّ كشف عن الطبق، فإذا فيه كعك أبيض ككعك الشام، و زبيب يشبه زبيب الطائف، و تمر يشبه العجوة يسمّى الرابع.

- (و في رواية:) و صيحاني مثل صيحاني المدينة-

فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله: كلوا. (2)

2598/ 23- قال: حدّثنا أحمد بن الحسن القطّان، قال: حدّثنا عبد الرحمان بن محمّد الحسني، قال: حدّثنا فرات بن إبراهيم بن فرات الكوفي، قال: حدّثني الحسن بن الحسين بن محمّد، قال: حدّثني علي بن أحمد بن الحسين بن سليمان‏

____________

(1) مسند فاطمة الزهراء (عليها السلام): 327، عن مدينة المعاجز.

(2) مسند فاطمة الزهراء (عليها السلام): 347 العوالم: 11/ 174.

172

القطّان، قال: حدّثنا الحسن بن جبرئيل الهمداني، قال: أخبرنا إبراهيم بن جبرئيل، قال: حدّثنا أبو عبد اللّه الجرجاني، عن نعيم النخعي، عن الضحّاك، عن ابن عبّاس قال:

كنت عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و بين يديه عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين (عليهم السلام) إذ هبط عليه جبرئيل، و معه تفّاحة، فحيّا بها النبيّ صلّى اللّه عليه و آله، و حيّأ بها كلّ واحد منهم.

و ذكر الحديث ... إلى أن قال: و عليها سطران مكتوبان:

بسم اللّه الرحمن الرحيم، هذه تحيّة من اللّه عزّ و جلّ إلى محمّد المصطفى، و عليّ المرتضى، و فاطمة الزهراء، و الحسين و الحسين، و أمان لمحبّيهم يوم القيامة من النّار. (1)

2599/ 24- الثعلبي في «قصص الأنبياء»: (ص 513)؛ و الزمخشري في «الكشّاف» في تفسير قوله تعالى: كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً (2) في سورة آل عمران؛

و السيوطي فى «الدرّ المنثور» في ذيل تفسير الآية المذكورة نقلا عن أبي يعلى أنّه أخرج عن جابر، و اللفظ للثعلبي، قال: أخبرنا عبد اللّه بن حامد بإسناده عن جابر بن عبد اللّه:

أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أقام أيّاما لم يطعم طعاما حتّى شقّ ذلك عليه، فطاف في منازل أزواجه، فلم يصب في بيت أحد منهنّ شيئا.

فأتى فاطمة (عليها السلام)، فقال: يا بنيّة! هل عندك شي‏ء آكل، فإنّي جائع؟

فقالت: لا و اللّه؛ بأبي أنت و امّي.

فلمّا خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله من عندها بعثت إليها جارة لها بر غيفين، و بضعة

____________

(1) كليّات حديث قدسي: 406 ح 337/ 48.

(2) آل عمران: 37.

173

لحم، فأخذته منها و وضعته في جفنة و غطّت عليه، و قالت: لأوثرنّ بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله على نفسي و من عندي، و كانوا جميعا محتاجين إلى شبعة من طعام.

فبعثت حسنا و حسينا (عليهما السلام) إلى جدّهما رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فرجع إليها.

فقالت: بأبي أنت و أمّي؛ يا رسول اللّه! قد أتانا اللّه بشي‏ء، فخبأته لك.

قال: فهلمّي به.

فأتى به فكشفت عن الجفنة فإذا هي مملوءة خبز و لحما، فلمّا نظرت إليه بهتت و عرفت أنّها بركة من اللّه، فحمدت اللّه تعالى و صلّت على نبيّه.

فقال صلّى اللّه عليه و آله: من أين لك هذا يا بنيّة؟

قالت: هو من عند اللّه إنّ اللّه يرزق من يشاء بغير حساب.

فحمد اللّه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و قال: الحمد للّه الّذي جعلك شبيهة بسيّدة نساء بني إسرائيل، فإنّها كانت إذا رزقها اللّه رزقا حسنا، فسألت عنه، قالت: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ‏. (1)

فبعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إلى عليّ (عليه السلام).

فأتى فأكل الرسول صلّى اللّه عليه و آله و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين (عليهم السلام)، و جميع أزواج النبيّ صلّى اللّه عليه و آله حتّى شبعوا و بقيت الجفنة كما هي.

قالت فاطمة (عليها السلام): و أوسعت منها على جميع جيراني، و جعل اللّه فيها بركة و خيرا 2600/ 25- عن كعب الأحبار، أنّه قال: مرضت فاطمة رضى اللّه عنه فجاء عليّ (عليه السلام) إلى منزلها، فقال: يا فاطمة! ما يريد قلبك من حلاوات الدنيا؟

فقالت: يا عليّ! أشتهي رمّانا.

فتفكّر ساعة، لأنّه ما كان معه شي‏ء، ثمّ قام و ذهب إلى السوق و استقرض درهما و اشترى به رمّانة.

____________

(1) آل عمران: 37.

174

فرجع إليها، فرآى شخصا مريضا مطروحا على قارعة الطريق، فوقف عليّ (عليه السلام)، فقال له: ما يريد قلبك يا شيخ؟

فقال يا عليّ! خمسة أيّام هنا أنا مطروح، و مرّ الناس عليّ و لم يلتفت أحد إليّ يريد قلبي رمّانا.

فتفكّر في نفسه ساعة، فقال لنفسه: اشتريت رمّانة واحدة لأجل فاطمة (عليها السلام)، فإن أعطيتها لهذا السائل بقيت فاطمة (عليها السلام) محرومة و إن لم أعطه خالفت قوله تعالى: وَ أَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (1)، و النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال: «لا تردّوا السائل و لو كان على فرس».

فكسر الرمّانة، فأطعم الشيخ، فعوفي في الساعة؛

و عوفيت فاطمة (عليها السلام)، و جاء عليّ (عليه السلام) و هو مستحي.

فلمّا رأته فاطمة (عليها السلام) قامت إليه و ضمّته إلى صدرها، فقالت: أمّا إنّك مغموم، فو عزّة اللّه و جلاله؛ إنّك لمّا أطعمت ذلك الشيخ الرمّانة زال عن قلبي اشتهاء الرمّان.

ففرح عليّ (عليه السلام) بكلامها، فأتى رجل، فقرع الباب، فقال عليّ (عليه السلام): من أنت؟

فقال: أنا سلمان الفارسي، افتح الباب.

فقام عليّ (عليه السلام) و رآى سلمان الفارسي، و بيده طبق مغطّى رأسه بمنديل، فوضعه بين يديه.

فقال عليّ (عليه السلام): ممّن هذا يا سلمان؟

فقال: من اللّه إلى الرسول، و من الرسول إليك.

فكشف الغطاء فإذا فيه تسع رمّانات.

فقال: يا سلمان! لو كان هذا إليّ لكان عشرا، لقوله تعالى:

____________

(1) الضحى: 10.

175

مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها (1) فضحك سلمان، فأخرج رمّانة من كمّه فوضعها في الطبق، فقال: يا علي! و اللّه؛ كانت عشرا، و لكن أردت بذلك أن اجرّبك. (2)

2601/ 26- روى ركن الأئمّة عبد الحميد بن ميكائيل، عن يوسف بن منصور الساويّ، عن عبد اللّه بن محمّد الأزديّ، عن سهل بن عثمان، عن منصور بن محمّد النسفيّ، عن عبد اللّه بن عمرو، عن الحسن بن موسى، عن سعدان، عن مالك بن سليمان، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عائشة، قالت:

كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله جائعا لا يقدر على ما يأكل، فقال لي: هاتي رداي.

فقلت: أين تريد؟

قال: إلى فاطمة ابنتي، فأنظر إلى الحسن و الحسين (عليهما السلام)، فيذهب بعض ما بي من الجوع.

فخرج حتّى دخل على فاطمة (عليها السلام)، فقال: يا فاطمة! أين ابناي؟

فقالت: يا رسول اللّه! خرجا من الجوع و هما يبكيان.

فخرج النبيّ صلّى اللّه عليه و آله في طلبهما، فرآى أبا الدّرداء، فقال: يا عويمر! هل رأيت ابنيّ؟

قال: نعم يا رسول اللّه! هما نائمان في ظلّ حائط بني جدعان.

فانطلق النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فضمّهما و هما يبكيان و هو يمسح الدّموع عنهما.

فقال له أبو الدّرداء: دعني أحملهما.

فقال: يا أبا الدّرداء! دعني أمسح الدّموع عنهما، فو الّذي بعثني بالحقّ نبيّا؛ لو قطر قطرة في الأرض لبقيت المجاعة في امّتي إلى يوم القيامة.

ثمّ حملهما و هما يبكيان و هو يبكي.

____________

(1) الأنعام: 160.

(2) فاطمة الزهراء (عليها السلام) بهجة قلب المصطفى صلّى اللّه عليه و آله: 102 و 103.

176

فجاء جبرئيل، فقال: السلام عليك يا محمّد! ربّ العزّة جلّ جلاله يقرئك السلام و يقول: ما هذا الجزع؟

فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله: يا جبرئيل! ما أبكي جزعا بل أبكي من ذلّ الدّنيا.

فقال جبرئيل: إنّ اللّه تعالى يقول: أيسرّك أن احوّل لك احدا ذهبا، و لا ينقص لك ممّا عندي شي‏ء؟

قال: لا.

قال: لم؟

قال: لأنّ اللّه تعالى لم يحبّ الدّنيا، و لو أحبّها لما جعل للكافر أكملها.

فقال جبرئيل (عليه السلام): يا محمّد! ادع بالجفنة المنكوسة الّتي في ناحية البيت.

قال: فدعا بها، فلمّا حملت فإذا فيها ثريد و لحم كثير.

فقال: كل يا محمّد! و أطعم ابنيك و أهل بيتك.

قال: فأكلوا، فشبعوا.

قال: ثمّ أرسل بها إليّ، فأكلوا و شبعوا و هو على حالها.

قال: ما رأيت جفنة أعظم بركة منها.

فرفعت عنهم، فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله: و الّذي بعثني بالحقّ؛ لو سكتّ لتداولها فقراء امّتي إلى يوم القيامة. (1)

2602/ 27- أقول: وجدت في بعض مؤلّفات أصحابنا: أنّه روي مرسلا عن جماعة من الصّحابة، قالوا:

دخل النبيّ صلّى اللّه عليه و آله دار فاطمة (عليها السلام) فقال: يا فاطمة! إنّ أباك اليوم ضيفك.

فقالت (عليها السلام): يا أبه! إنّ الحسن و الحسين (عليهما السلام) يطالباني بشي‏ء من الزادّ، فلم أجد لهما شيئا يقتاتان به.

ثمّ إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله دخل و جلس مع عليّ و الحسن و الحسين و فاطمة (عليهم السلام)، و فاطمة (عليها السلام) متحيّرة ما تدري كيف تصنع؟

____________

(1) البحار: 43/ 309 و 310.

177

ثمّ إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله نظر إلى السماء ساعة، و إذا بجبرئيل (عليه السلام) قد نزل، و قال:

يا محمّد! العليّ الأعلى يقرئك السّلام، و يخصّك بالتحيّة و الإكرام، و يقول لك: قل لعليّ و فاطمة و الحسن و الحسين: أيّ شي‏ء يشتهون من فواكه الجنّة؟

فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله: يا عليّ! و يا فاطمة! و يا حسن! و يا حسين! إنّ ربّ العزّة علم أنّكم جياع، فأيّ شي‏ء تشتهون من فواكه الجنّة؟

فأمسكوا عن الكلام، و لم يردّوا جوابا حياء من النبيّ صلّى اللّه عليه و آله.

فقال الحسين (عليه السلام): عن إذنك يا أباه يا أمير المؤمنين! و عن إذنك يا امّاه يا سيّدة نساء العالمين! و عن إذنك يا أخاه الحسن الزكيّ! أختار لكم شيئا من فواكه الجنّة؟

فقالوا جميعا: قل: يا حسين! ما شئت، فقد رضينا بما تختاره لنا.

فقال: يا رسول اللّه! قل لجبرئيل: إنّا نشتهي رطبا جنيّا.

فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله: قد علم اللّه ذلك.

ثمّ قال: يا فاطمة! قومي و ادخلي البيت و احضري إلينا ما فيه.

فدخلت فرأت فيه طبقا من البلّور، مغطّى بمنديل من السندس الأخضر، و فيه رطب جنيّ في غير أوانه.

فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله: يا فاطمة! أنّى لك هذا؟

قالت: هو من عند اللّه إنّ اللّه يرزق من يشاء بغير حساب، كما قالت مريم بنت عمران.

فقام النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و تناوله و قدّمه بين أيديهم، ثمّ قال: بسم اللّه الرّحمن الرّحيم.

ثمّ أخذ رطبة واحدة، فوضعها في فم الحسين (عليه السلام)، فقال: هنيئا مريئا لك يا حسين!

ثمّ أخذ رطبة، فوضعها في فم الحسين (عليه السلام) و قال: هنيئا مريئا يا حسن!

ثمّ أخذ رطبة ثالثة، فوضعها في فم فاطمة الزهراء (عليها السلام) و قال لها: هنيئا مريئا لك يا فاطمة الزّهراء!

178

ثمّ أخذ رطبة رابعة، فوضعها في فم عليّ (عليه السلام) و قال: هنيئا مريئا لك يا عليّ!

ثمّ ناول عليّا (عليه السلام) رطبة اخرى، و النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يقول له: هنيئا مريئا يا عليّ!

ثمّ وثب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قائما، ثمّ جلس ثمّ أكلوا جميعا عن ذلك الرطب، فلمّا اكتفوا و شبعوا ارتفعت المائدة إلى السماء بإذن اللّه تعالى.

فقالت فاطمة (عليها السلام): يا أبه! لقد رأيت اليوم منك عجبا.

فقال: يا فاطمة! أمّا الرّطبة الاولى الّتي وضعتها في فم الحسين، و قلت له:

هنيئا يا حسين! فإنّي سمعت ميكائيل و إسرافيل يقولان: هنيئا لك يا حسين؛

فقلت أيضا موافقا لهما في القول.

ثمّ أخذت الثانية، فوضعتها في فم الحسن، فسمعت جبرئيل و ميكائيل يقولان: هنيئا لك يا حسن؛

فقلت: أنا موافقا لهما في القول.

ثمّ أخذت الثالثة، فوضعتها في فمك يا فاطمة، فسمعت الحور العين مسرورين مشرفين علينا من الجنان، و هنّ يقلن: هنيئا لك يا فاطمة؛

فقلت موافقا لهنّ بالقول.

و لمّا أخذت الرّابعة، فوضعتها في فم عليّ (عليه السلام) سمعت النداء من [قبل‏] الحقّ سبحانه و تعالى يقول: هنيئا مريئا لك يا عليّ.

فقلت موافقا لقول اللّه عزّ و جلّ.

ثمّ ناولت عليّا رطبة اخرى، ثمّ اخرى و أنا أسمع صوت الحقّ سبحانه و تعالى يقول: هنيئا مريئا لك يا عليّ.

ثمّ قمت إجلالا لربّ العزّة جلّ جلاله، فسمعته يقول: يا محمّد! و عزّتي و جلالي؛ لو ناولت عليّا من هذه الساعة إلى يوم القيامة رطبة رطبة لقلت له: هنيئا مريئا بغير انقطاع. (1)

____________

(1) البحار: 43/ 310- 312، مسند فاطمة الزهراء (عليها السلام): 88.

179

7- إتحاف اللّه لفاطمة (عليها السلام) ... تفّاحة من ثمار الجنّة مكتوب فيها: أمان لمحبّيهم من النار

2603/ 1- في بعض كتب المناقب القديمة: عن محمّد بن أحمد بن عليّ بن شاذان بإسناده عن ابن عبّاس قال:

كنت جالسا بين يدي النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ذات يوم و بين يديه عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين (عليهم السلام)، إذ هبط جبرئيل (عليه السلام) و معه تفّاحة، فحيّا بها النبيّ صلّى اللّه عليه و آله، فتحيّا بها النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و حيّا بها عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، فتحيّا بها عليّ (عليه السلام) و قبّلها و ردّها إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.

فتحيّا بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و حيّا بها الحسن (عليه السلام)، و تحيّا بها الحسن (عليه السلام)، و قبّلها و ردّها إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.

فتحيّا بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و حيّا بها الحسين (عليه السلام)، فتحيّا بها الحسين (عليه السلام)، و قبّلها و ردّها إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.

فتحيّا بها و حيّا بها فاطمة (عليها السلام) فتحيّت بها و قبّلتها و ردّتها إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله، فتحيّا بها الرابعة، و حيّا بها عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، فتحيّا بها عليّ بن أبي طالب (عليه السلام).

فلمّا همّ أن يردّها إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله سقطت التفّاحة من بين أنامله، فانفلقت بنصفين فسطع منها نور حتّى بلغ إلى السماء الدّنيا، فإذا عليها سطران مكتوبان:

180

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم تحيّة من اللّه [تعالى‏] إلى محمّد المصطفى، و عليّ المرتضى، و فاطمة الزّهراء، و الحسن و الحسين سبطي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و أمان لمحبّيها يوم القيامة من النّار. (1)

____________

(1) البحار: 43/ 307 و 308، و 37/ 99، عن أمالي الصدوق، و فاطمة الزهراء (عليها السلام) بهجة قلب المصطفى صلّى اللّه عليه و آله: 57، عن مقتل الخوارزميّ.

181

8- إضاءة ملاءة فاطمة (عليها السلام) في دار اليهودي و إسلام عدّة منهم‏

2604/ 1- المناقب لابن شهر اشوب و الخرائج: روي:

إنّ عليّا (عليه السلام) استقرض من يهوديّ شعيرا فاسترهنه شيئا، فدفع إليه ملاءة فاطمة (عليها السلام) رهنا، و كانت من الصوف.

فأدخلها اليهوديّ إلى دار و وضعها في بيت، فلمّا كانت الليلة دخلت زوجته البيت الّذي فيه الملاءة بشغل، فرأت نورا ساطعا في البيت أضاء به كلّه.

فانصرفت إلى زوجها فأخبرته بأنّها رأت في ذلك البيت ضوءا عظيما، فتعجّب اليهوديّ زوجها و قد نسي أنّ في بيته ملاءة فاطمة (عليها السلام).

فنهض مسرعا و دخل البيت فإذا ضياء الملاءة ينشر شعاعها كأنّه يشتعل من بدر منير يلمع من قريب، فتعجّب من ذلك فأنعم النظر في موضع الملاءة، فعلم أنّ ذلك النور من ملاءة فاطمة (عليها السلام).

فخرج اليهوديّ يعدو إلى أقربائه و زوجته تعدو إلى أقربائها، فاجتمع ثمانون من اليهود فرأوا ذلك فأسلموا كلّهم. (1)

أقول: و لا تعجّب من ذلك، فإنّ كلّ شي‏ء تنسب إلى فاطمة (عليها السلام) فهو يتنوّر كما أنّ السماوات و الأرض أشرقت بنورها بعد ظلمة شديدة و وحشة الملائكة

____________

(1) البحار: 43/ 30 ح 36، أقول: ذكر الخبر في العوالم: 11/ 209 و 210، عن المناقب لابن شهر آشوب و الخرائج، و قال في الهامش: رواه في ثاقب المناقب: 265 (مخطوط).

182

من ذلك الظلمة، و سألوا من اللّه تعالى أن ينكشف منهم الظلمة فتجلّى اللّه تعالى نور فاطمة (عليها السلام)، و انكشفت الظلمة بنورها، و لذلك سمّيت (عليها السلام) الزهراء، كما في الخبر.

و هذا نور يهدي اللّه به من يشاء و لا نور للهداية إلّا نور فاطمة (عليها السلام) و أبيها و بعلها و بنيها، فصلوات اللّه عليهم.

اللهمّ اهدنا بنور هدايتهم، كما هديت بنورهم الأنبياء و الو العزم من الرسل و الملائكة المقرّبين، و كلّ من هديت من شيعتهم و محبّيهم المخلصين و أهل و لائهم، آمين ربّ العالمين.

183

9- نزول ثياب الجنّة لفاطمة (عليها السلام) في عرس اليهود و إسلام كثير منهم بسببها

2605/ 1- الخرائج: روي: أنّ اليهود كان لهم عرس، فجاؤوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و قالوا: لنا حقّ الجوار، فنسألك أن تبعث فاطمة (عليها السلام) بنتك إلى دارنا حتّى يزداد عرسنا بها، و ألحّوا عليه.

فقال: إنّها زوجة عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) و هي بحكمه، و سألوه أن يشفع إلى عليّ (عليه السلام) في ذلك، و قد جمع اليهود الطّمّ و الرّمّ‏ (1) من الحليّ و الحلل.

و ظنّ اليهود أنّ فاطمة (عليها السلام) تدخل في بذلتها، و أرادوا استهانة بها.

فجاء جبرئيل بثياب من الجنّة، و حليّ و حلل لم يروا مثلها، فلبستها فاطمة (عليها السلام) و تحلّت بها، فتعجّب النّاس من زينتها و ألوانها و طيبها.

فلمّا دخلت فاطمة (عليها السلام) دار اليهود سجد لها نساؤهم، يقبّلن الأرض بين يديها، و أسلم بسبب ما رأوا خلق كثير من اليهود. (2)

2606/ 2- ... و رهنت (عليها السلام) كسوة لها عند امرأة زيد اليهوديّ في المدينة، و استقرضت الشعير، فلمّا دخل زيد داره قال: ما هذه الأنوار في دارنا؟

قالت: لكسوة فاطمة (عليها السلام).

فأسلم في الحال، و أسلمت امرأته و جيرانه حتّى أسلم ثمانون نفسا. (3)

____________

(1) الطمّ و الرمّ. أي بكلّ ما كان عنده مستقصى، فما كان من البحر فهو الطّمّ، و ما كان من البرّ فهو الرمّ (هامش البحار).

(2) البحار: 43/ 30 ح 37، العوالم: 11/ 210.

(3) البحار: 43/ 47، عن المناقب لابن شهر اشوب.

184

10- نزول ثياب السندس الأخضر من الجنّة هديّة من اللّه لفاطمة (عليها السلام) في ليلة عرسها

2607/ 1- ذكر ابن الجوزي: أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله صنع لها قميصا جديدا ليلة عرسها و زفافها، و كان لها قميص مرقوع، و إذا بسائل على الباب يقول: أطلب من بيت النبوّة قميصا خلقا.

فأرادت أن تدفع إليه القميص المرقوع، فتذكّرت قوله تعالى: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ‏ (1)، فدفعت له الجديد.

فلمّا قرب الزفاف نزل جبرئيل، و قال:

يا محمّد! اللّه يقرؤك السلام، و أمرني أن اسلّم على فاطمة (عليها السلام) و قد أرسل لها معي هديّة من ثياب الجنّة من السندس الأخضر.

فلمّا بلغها السلام، و ألبسها القميص الّذي جاء به لفّها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بالعباءة، و لفّها جبرئيل بأجنحته، حتّى لا يأخذ نور القميص بالأبصار.

فلمّا جلست بين النساء الكافرات و مع كلّ واحدة شمعة، و مع فاطمة (عليها السلام) سراج، رفع جبرئيل جناحه و رفع العباءة، و إذا بالأنوار قد طبقت المشرق و المغرب.

فلمّا وقع النّور على أبصار الكافرات خرج الكفر من قلوبهنّ و أظهرن الشهادتين. (2)

____________

(1) آل عمران: 92.

(2) العوالم: 11/ 210 و 211، عن نزهة المجالس: 2/ 226، عنه الإحقاق: 10/ 401 و 19/ 114، عن أهل البيت: 138.

185

11- إحياء شاة أبي أيّوب في عرس فاطمة (عليها السلام) بعد ما ذبحت و أكلت‏

2608/ 1- المناقب لابن شهر آشوب: ... و أتى أبو أيّوب بشاة إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في عرس فاطمة (عليها السلام)، فنهاه جبرئيل عن ذبحه، فشقّ ذلك عليه.

فأمر صلّى اللّه عليه و آله يزيد بن جبير الأنصاري‏ (1) فذبحه بعد يومين.

فلمّا طبخ أمر ألّا يأكلوا إلّا باسم اللّه، و أن لا يكسروا عظامه.

ثمّ قال: إنّ أبا أيّوب رجل فقير، إلهي أنت خلقتها، و أنت أفنيتها، و إنّك قادر على إعادتها، فأحيها يا حيّ لا إله إلّا أنت.

فأحياه اللّه، و جعل فيها بركة لأبي أيّوب، و شفاء المرضى في لبنها، فسمّاها أهل المدينة المبعوثة، و فيها قال عبد الرحمان بن عوف أبياتا منها:

ألم يبصروا شاة ابن زيد و حالها * * * و في أمرها للطالبيين مزيد

و قد ذبحت، ثمّ استجرّ إهابها * * * و فصّلها فيما هناك يزيد

و أنضج منها اللحم و العظم و الكلى‏ * * * فهلهله بالنار و هو هريد

فأحيا له ذا العرش و اللّه قادر * * * فعادت بحال ما يشاء يعود (2)

____________

(1) لعلّه مصحّف يزيد بن جارية (هامش البحار).

(2) البحار: 18/ 19 و 20.

186

12- ظهور إعجاز رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في طعام طبخته فاطمة (عليها السلام)

2609/ 1- ... أنّ عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) قال: دخلت السوق فابتعت لحما بدرهم، و ذرة بدرهم، و أتيت فاطمة (عليها السلام) حتّى إذا فرغت من الخبز و الطبخ، قالت:

لو دعوت أبي.

فأتيته و هو مضطجع، و هو يقول: أعوذ باللّه من الجوع ضجيعا.

فقلت له: يا رسول اللّه! إنّ عندنا طعاما.

فقام و اتّكأ عليّ و مضينا نحو فاطمة (عليها السلام)، فلمّا دخلنا قال: هلّم طعامك يا فاطمة!

فقدّمت إليه البرمة و القرص، فغطّى القرص، و قال: اللهمّ بارك لنا في طعامنا.

ثمّ قال: اغرفي لعائشة، فغرفت.

ثمّ قال: اغرفي لامّ سلمة، فما زالت تغرف حتّى وجّهت إلى نسائة التسع قرصة قرصة و مرقا.

ثمّ قال: اغرفي لابنيك و بعلك.

ثمّ قال: اغرفي و كلي و أهدي لجاراتك، ففعلت، و بقي عندهم أيّاما يأكلون. (1)

____________

(1) البحار: 17/ 232.

187

13- نزول صحفة من الجنّة لفاطمة (عليها السلام) ...

2610/ 1- محمّد بن يحيى، عن أحمد بن عليّ بن الحكم، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

إنّ أبا بكر و عمر أتيا امّ سلمة فقالا لها: يا امّ سلمة! إنّك قد كنت عند رجل قبل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فكيف رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله من ذاك [في الخلوة]!! (1)

فقالت: ما هو إلّا كسائر الرجال.

ثمّ خرجا عنها، و أقبل النبيّ صلّى اللّه عليه و آله، فقامت إليه مبادرة فرقا أن ينزل أمر من السماء، فأخبرته الخبر.

فغضب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله حتّى تربّد وجهه، و التوى عرق الغضب بين عينيه، و خرج و هو يجرّ رداءه حتّى صعد المنبر، و بادرت الأنصار بالسلاح، و أمر بخيلهم أن تحضر، فصعد المنبر فحمد اللّه و أثنى عليه، ثمّ قال:

أيّها الناس! ما بال أقوام يتبعون عيبي، و يسألون عن عيبي، و اللّه؛ إنّي لأكرمكم حسبا، و أطهركم مولدا، و أنصحكم للّه في الغيب، و لا يسألني أحد منكم، عن أبيه إلّا أخبرته.

فقام إليه رجل، فقال: من أبي؟

فقال: فلان الراعي.

فقام إليه آخر، فقال: من أبي؟

____________

(1) أثبتناه من هامش المصدر.

188

فقال: غلامكم الأسود.

فقام إليه الثالث، فقال: من أبي؟

فقال: الّذي تنسب إليه.

فقالت الأنصار: يا رسول اللّه! اعف عنّا، عفا اللّه عنك، فإنّ اللّه بعثك رحمة، فاعف عنّا، عفا اللّه عنك.

و كان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله إذا كلّم استحيى و عرق و غضّ طرفه عن الناس حياء حين كلّموه، فنزل.

فلمّا كان في السحر هبط جبرئيل (عليه السلام) بصحفة من الجنّة، فيها هريسة، فقال:

يا محمّد! هذه عملها لك الحور العين، فكلها أنت و عليّ و ذريّتكما، فإنّه لا يصلح أن يأكلها غيركم.

فجلس رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين (عليهم السلام) فأكلوا، فأعطي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في المباضعة من تلك الأكلة قوّة أربعين رجلا، فكان إذا شاء غشي نساءه كلّهنّ في ليلة واحدة. (1)

____________

(1) البحار: 22/ 225 ح 6، عن الكافي.

189

14- إنّ فاطمة (عليها السلام) تتحف أولياءها من تحف الجنّة ...

2611/ 1- روى جعفر غلام عبد اللّه بن بكير، عن عبد اللّه بن محمّد بن نهيك، عن النصيبيّ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام):

يا سلمان! اذهب إلى فاطمة (عليها السلام) فقل لها: تتحفك بتحفة من تحف الجنّة.

فذهب إليها سلمان، فإذا بين يديها ثلاث سلال، فقال لها: يا بنت رسول اللّه! اتحفيني.

فقالت: هذه ثلاثة سلال جاءتني بها ثلاثة وصائف فسألتهنّ، عن أسمائهنّ.

فقالت واحدة: أنا سلمى لسلمان؛

و قالت الاخرى: أنا ذرّة لأبي ذرّ؛

و قالت الاخرى: أنا مقدودة لمقداد.

قال سلمان: ثمّ قبضت، فناولتني، فما مررت بملا إلّا ملؤوا طيبا لريحها. (1)

____________

(1) البحار: 22/ 352 و 353 ح 81، عن رجال الكشي.

190

15- زيارة حور العين لفاطمة (عليها السلام) بعد وفاة أبيها و تقديم التحف إليها ...

2612/ 1- مهج الدعوات: عن الشيخ عليّ بن محمّد بن عليّ بن عبد الصّمد، عن جدّه، عن الفقيه أبي الحسن، عن أبي البركات عليّ بن الحسين الجوزي، عن الصدوق، عن الحسن بن محمّد بن سعيد، عن فرات بن إبراهيم، عن جعفر بن محمّد بن بشرويه، عن محمّد بن إدريس بن سعيد الأنصاري، عن داود بن رشيد و الوليد بن شجاع بن مروان، عن عاصم، عن عبد اللّه بن سلمان الفارسي، عن أبيه قال:

خرجت من منزلي يوما بعد وفاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بعشرة أيّام، فلقيني عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) ابن عمّ الرّسول محمّد صلّى اللّه عليه و آله، فقال لي: يا سلمان! جفوتنا بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.

فقلت: حبيبي أبا الحسن! مثلكم لا يجفى، غير أنّ حزني على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فهو الّذي منعني من زيارتكم.

فقال (عليه السلام): يا سلمان! ائت منزل فاطمة (عليها السلام) بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فإنّها إليك مشتاقة، تريد أن تتحفك بتحفة قد أتحفت بها من الجنّة.

قلت لعليّ (عليه السلام): قد أتحفت فاطمة (عليها السلام) بشي‏ء من الجنّة بعد وفاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله؟

قال: نعم بالأمس.

191

قال سلمان الفارسيّ: فهرولت إلى منزل فاطمة (عليها السلام) بنت محمّد صلّى اللّه عليه و آله، فإذا هي جالسة و عليها قطعة عباء إذا خمّرت رأسها انجلى ساقها، و إذا غطّت ساقها انكشف رأسها، فلمّا نظرت إليّ اعتجرت.

ثمّ قالت: يا سلمان! جفوتني بعد وفاة أبي صلّى اللّه عليه و آله.

قلت: حبيبتي! أأجفاكم؟

قالت: فمه، اجلس و اعقل ما أقول لك:

إنّي كنت جالسة بالأمس في هذا المجلس، و باب الدّار مغلق، و أنا أتفكّر في انقطاع الوحي عنّا، و انصراف الملائكة عن منزلنا، فإذا انفتح الباب من غير أن يفتحه أحد، فدخل عليّ ثلاث جوار لم ير الراؤون بحسنهنّ، و لا كهيئتهنّ، و لا نضارة وجوههنّ، و لا أزكى من ريحهنّ.

فلمّا رأيتهنّ قمت إليهنّ متنكّرة لهنّ، فقلت: بأبي أنتنّ من أهل مكّة أم من أهل المدينة؟

فقلن: يا بنت محمّد! لسنا من أهل مكّة و لا من أهل المدينة، و لا من أهل الأرض جميعا غير أنّنا جوار من الحور العين من دار السلام، أرسلنا ربّ العزّة إليك يا بنت محمّد! إنّا إليك مشتاقة. (1)

فقلت للّتي أظنّ أنّها أكبر سنّا: ما اسمك؟

قالت: اسمي مقدودة.

قلت: و لم سمّيت مقدودة؟

قالت: خلقت للمقداد بن الأسود الكنديّ، صاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.

فقلت للثانية: ما اسمك؟

____________

(1) و في الدلائل هكذا: بعث بنا إليك ربّ العالمين، يسلّم عليك و بعزّيك بأبيك محمّد صلّى اللّه عليه و آله، قالت فاطمة (عليها السلام): فجلست أمامهنّ.

192

قالت: ذرّة.

قلت: و لم سمّيت ذرّة، و أنت في عيني نبيلة؟

قالت: خلقت لأبي ذرّ الغفاريّ صاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.

فقلت للثالثة: ما اسمك؟

قالت: سلمى.

قلت: و لم سمّيت سلمى؟

قالت: أنا لسلمان الفارسي مولى أبيك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.

قالت فاطمة (عليها السلام): ثمّ أخرجن لي رطبا أزرق كأمثال الخشكنانج‏ (1) الكبار أبيض من الثلج، و أزكى ريحا من المسك الأزفر.

[فأحضرته‏] فقالت لي: يا سلمان! أفطر عليه عشيّتك، فإذا كان غدا فجئني بنواه- أو قالت: عجمه-

قال سلمان: فأخذت الرّطب، فما مررت بجمع من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إلّا قالوا: يا سلمان! أمعك مسك؟

قلت: نعم.

فلمّا كان وقت الإفطار أفطرت عليه، فلم أجد له عجما و لا نوى.

فمضيت إلى بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في اليوم الثاني، فقلت لها: إنّي أفطرت على ما أتحفتيني به، فما وجدت له عجما و لا نوى.

قالت: يا سلمان! و لن يكون له عجم و لا نوى، و إنّما هو نخل غرسه اللّه في دار السلام بكلام علّمنيه أبي محمّد صلّى اللّه عليه و آله، كنت أقوله غدوة و عشيّة.

قال سلمان: قلت: علّميني الكلام يا سيّدتي!

فقالت: إن سرّك أن لا يمسّك أذى الحمّى ما عشت في دار الدّنيا، فواظب عليه.

____________

(1) خشكنانج: معرّب خشكنانه، و هو الخبز السّكريّ الّذي يختبز مع الفستق و اللوز. (هامش البحار).

193

ثمّ قال سلمان: علّمتني هذا الحرز، فقالت:

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم، بسم اللّه النّور، بسم اللّه نور النور، بسم اللّه نور على نور، بسم اللّه الّذي هو مدبّر الأمور، بسم اللّه الّذي خلق النور من النور، الحمد للّه الّذي خلق النور من النور، و أنزل النور على الطور، في كتاب مسطور، في رقّ منشور، بقدر مقدور، على نبيّ محبور، الحمد للّه الّذي هو بالعزّ مذكور، و بالفخر مشهور، و على السرّاء و الضرّاء مشكور، و صلّى اللّه على سيّدنا محمّد و آله الطّاهرين.

قال سلمان: فتعلّمتهنّ، فو اللّه؛ لقد علّمتهنّ أكثر من ألف نفس من أهل المدينة و مكّة ممّن بهم الحمّى، فكلّ برى‏ء من مرضه بإذن اللّه تعالى.

الثاقب في المناقب: عن عاصم بن الأحول، عن زرّ بن حبيش، عن سلمان (مثله).

دلائل الإمامة: عن علي بن الحسن الشافعي، عن يوسف بن يعقوب، عن محمّد بن الأشعث، عن محمّد بن عون، عن داود بن أبي هند، عن ابن أبان، عن سلمان (مثله). (1)

____________

(1) البحار: 43/ 66- 68 ح 59، و 95/ 36- 39 ح 22، و 94/ 226 ح 2، و 9/ 322، الثاقب في المناقب:

261، دلائل الإمامة: 28، الخرائج: 533 ح 29، العوالم: 11/ 161، أقول: و ذكر الخبر مختصرا مع الدعاء في كتاب «فاطمة الزهراء (عليها السلام) بهجة قلب المصطفى صلّى اللّه عليه و آله» 230 أيضا، و ذكر أيضا، عن عبد اللّه بن سلمان الفارسيّ- أي قولها (عليها السلام): غدوة و عشيّة- في ص 279- 281 بعنوان: إتحاف حور العين إيّاها من الجنّة. فراجع.

و قال في العوالم (11/ 163) في الهامش: و في البلد الأمين: 51 قطعة، و الجنّة الواقية: 84 قطعة أيضا.

194

16- كلّ شي‏ء في خدمة فاطمة (عليها السلام) و أبنائها

2613/ 1- المناقب لابن شهر اشوب: في معجزاتهما (عليهما السلام): أحمد بن حنبل في «المسند»، و ابن بطّة في «الإبانة»، و النطنزي في «الخصائص» و الخركوشيّ في «شرف النبيّ صلّى اللّه عليه و آله»، و اللفظ له.

و روى جماعة عن أبي صالح، عن أبي هريرة؛ و عن صفوان بن يحيى؛ و عن محمّد بن علي بن الحسين، و عن علي بن موسى الرّضا، و عن أمير المؤمنين (عليهم السلام):

أنّ الحسن و الحسين (عليهما السلام) كانا يلعبان عند النبيّ صلّى اللّه عليه و آله حتّى مضى عامّة الليل، ثمّ قال لهما: انصرفا إلى امّكما.

فبرقت برقة فما زالت تضي‏ء لهما حتّى دخلا على فاطمة (عليها السلام)، و النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ينظر إلى البرقة، و قال: الحمد للّه الّذي أكرمنا أهل البيت.

و قد رواه السمعانيّ و أبو السعادات في فضائلهما، عن أبي جحيفة، إلّا أنّهما تفرّدا في حقّ الحسن (عليه السلام). (1)

2614/ 2- عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال:

كان الحسن (عليه السلام) عند النبيّ صلّى اللّه عليه و آله، و كان يحبّه حبّا شديدا، فقال صلّى اللّه عليه و آله: اذهب إلى امّك.

فقلت: اذهب معه؟

قال: لا.

____________

(1) البحار: 43/ 288 ح 52.

195

فجاءت برقة من السماء فمشى في ضوئها حتّى وصل إلى امّه. (1)

2615/ 3- مستدرك الصحيحين: روى بسنده عن أبي هريرة، قال:

كنّا نصلّي مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله العشاء، فكان يصلّي فإذا سجد و ثب الحسن و الحسين (عليهما السلام) على ظهره، و إذا رفع رأسه أخذهما فوضعهما وضعا رفيقا، فإذا عاد عادا.

فلمّا صلّى جعل واحدا هاهنا و واحدا هاهنا.

فجئته فقلت: يا رسول اللّه! ألا أذهب بهما إلى امّهما؟

قال: لا.

فبرقت برقة، فقال: ألحقا بامّكما، فما زالا يمشيان في ضوئها حتّى دخلا.

قال: هذا حديث صحيح الإسناد.

أقول: و رواه أحمد بن حنبل أيضا في مسنده: (513) بطريقين؛ و ذكره المتّقي أيضا في كنز العمّال: (7/ 109) بطريقين، و قال: أخرجهما ابن عساكر؛

و ذكره الهيثمي أيضا في مجمعه: (9/ 181)، و قال: رواه أحمد و البزاز باختصاره. (2)

2616/ 4- روي في بعض الأخبار:

أنّ أعرابيّا أتى الرّسول صلّى اللّه عليه و آله، فقال له: يا رسول اللّه! لقد صدت خشفة غزالة، و أتيت بها إليك هديّة لولديك الحسن و الحسين (عليهما السلام).

فقبلها النبيّ صلّى اللّه عليه و آله، و دعا له بالخير، فإذا الحسن (عليه السلام) واقف عند جدّه، فرغب إليها، فأعطاه إيّاها، فما مضى ساعة إلّا و الحسين (عليه السلام) قد أقبل، فرأى الخشفة عند أخيه يلعب بها.

____________

(1) البحار: 37/ 75.

(2) فضائل الخمسة: 3/ 191، مستدرك الصحيحين: 3/ 167.

196

فقال: يا أخي! من أين لك هذه الخشفة؟

فقال الحسن (عليه السلام): أعطانيها جدّي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.

فسار الحسين (عليه السلام) مسرعا إلى جدّه، فقال: يا جدّاه! أعطيت أخي خشفة يلعب بها، و لم تعطني مثلها.

و جعل يكرّر القول على جدّه، و هو ساكت، لكنّه يسلّي خاطره، و يلاطفه بشي‏ء من الكلام، حتّى أفضى من أمر الحسين (عليه السلام) إلى أن همّ يبكي.

فبينما هو كذلك إذ نحن بصياح قد ارتفع عند باب المسجد، فنظرنا فإذا ظبية و معها خشفها، و من خلفها ذئبة تسوقها إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و تضربها بأحد أطرافها حتّى أتت بها إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله.

ثمّ نطقت الغزالة بلسان فصيح و قالت: يا رسول اللّه! قد كانت لي خشفتان:

إحداهما صادها الصيّاد، و أتى بها إليك، و بقيت لي هذه الاخرى، و أنا بها مسرورة، و إنّي كنت الآن ارضعها، فسمعت قائلا يقول:

أسرعي أسرعي يا غزالة! بخشفك إلى النبيّ محمّد صلّى اللّه عليه و آله و أوصليه سريعا، لأنّ الحسين (عليه السلام) واقف بين يدي جدّه، و قد همّ أن يبكي، و الملائكة بأجمعهم قد رفعوا رؤوسهم من صوامع العبادة، و لو بكى الحسين (عليه السلام) لبكت الملائكة المقرّبون لبكائه.

و سمعت أيضا قائلا يقول: أسرعي يا غزالة! قبل جريان الدّموع على خدّ الحسين (عليه السلام)، فإن لم تفعلي سلّطت عليك هذه الذئبة تأكلك مع خشفك.

فأتيت بخشفي إليك يا رسول اللّه! و قطعت مسافة بعيدة، و لكن طويت لي الأرض حتّى أتيتك سريعة، و أنا أحمد اللّه ربّي على أن جئتك قبل جريان دموع الحسين (عليه السلام) على خدّه.

فارتفع التهليل و التكبير من الأصحاب، و دعا النبيّ صلّى اللّه عليه و آله للغزالة بالخير و البركة، و أخذ الحسين (عليه السلام) الخشفة و أتى بها إلى امّه الزهراء (عليها السلام)، فسرّت بذلك‏

197

سرورا عظيما. (1)

2617/ 5- الطبرانيّ بإسناده عن سلمان، قال:

كنّا حول النبيّ صلّى اللّه عليه و آله، فجاءت امّ أيمن، فقالت: يا رسول اللّه! لقد ضلّ الحسن و الحسين (عليهما السلام)، و ذلك عند ارتفاع النهار.

فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: قوموا فاطلبوا ابنيّ.

فأخذ كلّ رجل تجاه وجهه، و أخذت نحو النبيّ صلّى اللّه عليه و آله، فلم يزل حتّى أتى سفح الجبل، و إذا الحسن و الحسين (عليهما السلام) ملتزق كلّ واحد منهما بصاحبه، و إذا شجاع‏ (2) قائم على ذنبه، يخرج من فيه شبه النار.

فأسرع إليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فالتفت مخاطبا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، ثمّ انساب، فدخل إلى بعض الأجحرة.

ثمّ أتاهما، فأفرق بينهما و مسح وجوههما، و قال: بأبي و امّي أنتما؛ ما أكرمكما على اللّه.

ثمّ حمل أحدهما على عاتقه الأيمن، و الآخر على عاتقه الأيسر.

فقلت: طوبا كما! نعم المطيّة مطيّتكما.

فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: و نعم الرّاكبان هما، و أبوهما خير منهما. (3)

2618/ 6- روي عن سلمان الفارسيّ، قال:

اهدي إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قطف من العنب في غير أوانه.

فقال لي: يا سلمان! ائتني بولديّ الحسن و الحسين (عليهما السلام) ليأكلا معي من هذا العنب.

قال سلمان الفارسيّ: فذهبت أطرق عليهما منزل امّهما، فلم أرهما، فأتيت‏

____________

(1) البحار: 43/ 312 و 313.

(2) الشجاع- بالضمّ و الكسر- الحيّة. (هامش البحار).

(3) البحار: 43/ 308 و 309.

198

منزل اختهما امّ كلثوم، فلم أرهما، فجئت فخبّرت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بذلك.

فاضطرب و وثب قائما و هو يقول: وا ولداه! وا قرّة عيناه! من يرشدني عليهما فله على اللّه الجنّة.

فنزل جبرئيل من السماء، و قال: يا محمّد! علام هذا الانزعاج؟

فقال: على ولديّ الحسن و الحسين (عليهما السلام)، فإنّي خائف عليهما من كيد اليهود.

فقال جبرئيل: يا محمّد! بل خف عليهما من كيد المنافقين، فإنّ كيدهم أشدّ من كيد اليهود.

و اعلم! يا محمّد! أنّ ابنيك الحسن و الحسين (عليهما السلام) نائمان في حديقة أبي الدحداح.

فصار النبيّ صلّى اللّه عليه و آله من وقته و ساعته إلى الحديقة، و أنا معه حتّى دخلنا الحديقة، و إذا هما نائمان و قد اعتنق أحدهما الآخر، و ثعبان في فيه طاقة ريحان و يروّح بها وجهيهما.

فلمّا رآى الثعبان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ألقى ما كان في فيه، فقال: السلام عليك يا رسول اللّه! لست أنا ثعبانا، و لكنّي ملك من ملائكة [اللّه‏] الكرّوبيّين، غفلت عن ذكر ربّي طرفة عين، فغضب عليّ ربيّ و مسخني ثعبانا، كما ترى، و طردني من السماء إلى الأرض، و إنّي منذ سنين كثيرة أقصد كريما على اللّه، فأسأله أن يشفع لي عند ربّي عسى أن يرحمني و يعيدني ملكا كما كنت أوّلا، إنّه على كلّ شي‏ء قدير.

قال: فجثا النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يقبّلهما حتّى استيقظا، فجلسا على ركبتي النبيّ صلّى اللّه عليه و آله، فقال لهما النبيّ صلّى اللّه عليه و آله: انظرا يا ولديّ! هذا ملك من ملائكة اللّه الكرّوبيّين، قد غفل عن ذكر ربّه طرفة عين، فجعله اللّه هكذا، و أنا مستشفع بكما إلى اللّه تعالى، فاشفعا له.

199

فوثب الحسن و الحسين (عليهما السلام) فأسبغا الوضوء، و صلّيا ركعتين، و قالا:

اللهمّ بحقّ جدّنا الجليل محمّد المصطفى، و بأبينا عليّ المرتضى، و بامّنا فاطمة الزّهراء، إلّا ما رددته إلى حالته الاولى.

قال: فما استتمّ دعاءهما، فإذا بجبرئيل قد نزل من السماء في رهط من الملائكة، و بشّر ذلك الملك برضى اللّه عنه، و بردّه إلى سيرته الاولى، ثمّ ارتفعوا به إلى السماء و هم يسبّحون اللّه تعالى.

ثمّ رجع جبرئيل إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و هو متبسّم و قال: يا رسول اللّه! إنّ ذلك الملك يفتخر على ملائكة السبع السماوات، و يقول لهم: من مثلي و أنا في شفاعة السيّدين السبطين الحسن و الحسين. (عليه السلام)(1)

2619/ 7- ابن عبّاس، قال: بينا نحن ذات يوم مع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله إذ أقبلت فاطمة (عليها السلام) تبكي.

فقال لها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: فداك أبوك! ما يبكيك؟

قالت: إنّ الحسن و الحسين (عليهما السلام) خرجا، و لا أدري أين باتا؟

فقال لها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: لا تبكين، فإنّ خالقهما ألطف بهما منّي و منك.

ثمّ رفع يديه، فقال: اللهمّ احفظهما و سلمهما.

فهبط جبرئيل، و قال: يا محمّد! لا تحزن، فإنّهما في حظيرة بني النجّار نائمان، و قد وكّل اللّه بهما ملكا يحفظهما.

فقام النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و معه أصحابه حتّى أتى الحظيرة، فإذا الحسن و الحسين (عليهما السلام) معتنقان نائمان، و إذا الملك الموكّل بهما قد جعل أحد جناحيه تحتهما و الآخر فوقهما يظلّهما.

فأكبّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله عليهما و يقبّلهما حتّى انتبها من نومهما، ثمّ جعل‏

____________

(1) البحار: 43/ 313 و 314.

200

الحسن (عليه السلام) على عاتقه الأيمن، و الحسين (عليه السلام) على عاتقه الأيسر.

فتلقاه أبو بكر، و قال: يا رسول اللّه! ناولني أحد الصبيين أحمله عنك!!

فقال صلّى اللّه عليه و آله: نعم المطي مطيهما، و نعم الراكبان هما، و أبوهما خير منهما، حتّى أتى المسجد قام رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله على قدميه، و هما على عاتقه.

ثمّ قال: معاشر المسلمين! ألا أدلّكم على خير الناس جدّا وجدّة؟

قالوا: بلى يا رسول اللّه!

قال: الحسن و الحسين، جدّهما رسول اللّه و خاتم المرسلين، و جدّتهما خديجة بنت خويلد سيّدة نساء أهل الجنّة ...

إلى أن قال في آخره: و من أحبّهما في الجنّة، و من أبغضهما في النار.

قال: أخرجه الملا في سيرته و غيره. (1)

أقول: قد اختصرت الخبر، و أخذت من آخره أيضا، لأنّ الخبر أوردتها في محلّه بتمامه، فراجع.

____________

(1) فضائل الخمسة: 3/ 187 و 188، عن ذخائر العقبى: 130.

201

17- حكم فاطمة (عليها السلام) بين الحسن و الحسين (عليهما السلام)

2620/ 1- روي في المراسيل: أنّ الحسن و الحسين (عليهما السلام) كانا يكتبان، فقال الحسن (عليه السلام) للحسين (عليه السلام): خطّي أحسن من خطّك.

و قال الحسين (عليه السلام): لا، بل خطّي أحسن من خطّك.

فقالا لفاطمة (عليها السلام): احكمي بيننا.

فكرهت فاطمة (عليها السلام) أن تؤذي أحدهما، فقالت لهما: سلا أباكما.

فسألاه، فكره أن يؤذي أحدهما، فقال: سلا جدّكما رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.

فقال صلّى اللّه عليه و آله: لا أحكم بينكما حتّى أسأل جبرئيل.

فلمّا جاء جبرئيل قال: لا أحكم بينهما، و لكن إسرافيل يحكم بينهما.

فقال إسرافيل: لا أحكم بينهما، و لكن أسأل اللّه أن يحكم بينهما.

فسأل اللّه تعالى ذلك، فقال تعالى: لا أحكم بينهما، و لكن امّهما فاطمة (عليها السلام) تحكم بينهما.

فقالت فاطمة (عليها السلام): أحكم بينهما يا ربّ!

و كانت لها قلادة، فقالت لهما: أنا أنثر بينكما جواهر هذه القلادة، فمن أخذ منهما أكثر، فخطّه أحسن.

فنثرت و كان جبرئيل و قتئذ عند قائمة العرش، فأمره اللّه تعالى أن يهبط إلى الأرض و ينصّف الجواهر بينهما كيلا يتأذّى أحدهما.

ففعل ذلك جبرئيل إكراما لهما و تعظيما. (1)

____________

(1) البحار: 43/ 309.

202

18- إنّ فاطمة (عليها السلام) و ابناها الحسن و الحسين (عليهما السلام) من شجرة الجنّة

2621/ 1- حكي عن عروة البارقيّ، قال: حججت في بعض السنين، فدخلت مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فوجدت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله جالسا و حوله غلامان يافعان، و هو يقبّل هذا مرّة و هذا اخرى، فإذا رآه الناس يفعل ذلك أمسكوا عن كلامه حتّى يقضي و طره منهما، و ما يعرفون لأيّ سبب حبّه إيّاهما؟

فجئته و هو يفعل ذلك بهما، فقلت: يا رسول اللّه! هذان ابناك؟

فقال: إنّهما، ابنا ابنتي و ابنا أخي و ابن عمّي، و أحبّ الرّجال إليّ و من هو سمعي و بصري، و من نفسه نفسي، و نفسي نفسه، و من أحزن لحزنه، و يحزن لحزني.

فقلت له: قد عجبت يا رسول اللّه! من فعلك بهما، و حبّك لهما.

فقال لي: احدّثك أيّها الرّجل! إنّي لمّا عرج بي إلى السماء، و دخلت الجنّة انتهيت إلى شجرة في رياض الجنّة، فعجبت من طيب رائحتها.

فقال لي جبرئيل: يا محمّد! لا تعجب من هذه الشجرة، فثمرها أطيب من ريحها، فجعل جبرئيل يتحفني من ثمرها، و يطعمني من فاكهتها، و أنا لا أملّ منها.

ثمّ مررنا بشجرة اخرى، فقال لي جبرئيل: يا محمّد! كل من هذه الشجرة، فإنّها تشبه الشجرة الّتي أكلت منها الثمر، فهي أطيب طعما، و أذكى رائحة.

قال: فجعل جبرئيل يتحفني بمثرها، و يشمّني من رائحتها و أنا لا أملّ منها.

203

فقلت: يا أخي جبرئيل! ما رأيت في الأشجار أطيب و لا أحسن من هاتين الشجرتين؟

فقال لي: يا محمّد! أتدري ما اسم هاتين الشجرتين؟

فقلت: لا أدري.

فقال: إحداهما الحسن، و الاخرى الحسين، فإذا هبطت يا محمّد! إلى الأرض من فورك، فأت زوجتك خديجة، و واقعها من وقتك و ساعتك، فإنّه يخرج منك طيب رائحة الثمر الّذي أكلته من هاتين الشجرتين، فتلد لك فاطمة الزّهراء (عليها السلام)، ثمّ زوّجها أخاك عليّا (عليه السلام)، فتلد له ابنين، فسمّ أحدهما الحسن، و الآخر الحسين.

قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: ففعلت ما أمرني به أخي جبرئيل، فكان الأمر ما كان.

فنزل إليّ جبرئيل بعد ما ولد الحسن و الحسين (عليهما السلام)، فقلت له: يا جبرئيل! ما أشوقني إلى تينك الشجرتين.

فقال لي: يا محمّد! إذا اشتقت إلى الأكل من ثمرة تينك الشجرتين، فشمّ الحسن و الحسين (عليهما السلام).

قال: فجعل النبيّ صلّى اللّه عليه و آله كلّما اشتاق إلى الشجرتين يشمّ الحسن و الحسين (عليهما السلام) و يلثمهما و هو يقول: صدق أخي جبرئيل (عليه السلام).

ثمّ يقبّل الحسن و الحسين (عليهما السلام) و يقول: يا أصحابي! إنّي أودّ أنّي أقاسمهما حياتي لحبّي لهما، فهما ريحانتاي من الدّنيا.

فتعجّب الرّجل [من‏] وصف النبيّ صلّى اللّه عليه و آله للحسن و الحسين (عليهما السلام)، فكيف لو شاهد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله من سفك دماءهم، و قتل رجالهم، و ذبح أطفالهم، و نهب أموالهم، و سبي حريمهم، اولئك عليهم لعنة اللّه و الملائكة و الناس أجمعين، و سيعلم الّذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون. (1)

____________

(1) البحار: 43/ 314 و 315.

204

19- إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله دعا اللّه تعالى أن يجبر قلب فاطمة (عليها السلام) فأجبر اللّه قلبها

2622/ 1- روي عن بعض الثقات الأخيار: أنّ الحسن و الحسين (عليهما السلام) دخلا يوم عيد إلى حجرة جدّهما رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فقالا:

يا جدّاه! اليوم يوم العيد، و قد تزيّن أولاد العرب بألوان اللباس، و لبسوا جديد الثياب، و ليس لنا ثوب جديد، و قد توجّهنا لذلك إليك.

فتأمّل النبيّ صلّى اللّه عليه و آله حالهما و بكى، و لم يكن عنده في البيت ثياب يليق بهما، و لا رآى أن يمنعهما فيكسر خاطرهما، فدعا ربّه، و قال: إلهي أجبر قلبهما، و قلب أمّهما.

فنزل جبرئيل و معه حلّتان بيضاوان من حلل الجنّة، فسرّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و قال لهما: يا سيّدي شباب أهل الجنّة! خذا أثوابا خاطها خيّاط القدرة على قدر طولكما.

فلمّا رأيا الخلع بيضا قالا: يا جدّاه! كيف هذا و جميع صبيان العرب لابسون ألوان الثّياب.

فأطرق النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ساعة، متفكّرا في أمرهما.

فقال جبرئيل: يا محمّد! طب نفسا و قرّ عينا؛ إنّ صابغ صبغة اللّه عزّ و جلّ يقضي لهما هذا الأمر، و يفرّح قلوبهما بأيّ لون شاء، فأمر يا محمّد! بإحضار الطست و الإبريق.