الكوثر في أحوال فاطمة بنت النبي الأعظم(ع) - ج4

- السيد محمد باقر الموسوي‏ المزيد...
686 /
205

فأحضرا، فقال جبرئيل: يا رسول اللّه! أنا أصبّ الماء على هذه الخلع، و أنت تفركهما بيدك، فتصبغ لهما بأي لون شاءا.

فوضع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله حلّة الحسن (عليه السلام) في الطست، فأخذ جبرئيل يصبّ الماء، ثمّ أقبل النبيّ صلّى اللّه عليه و آله على الحسن (عليه السلام) و قال له: يا قرة عيني! بأيّ لون تريد حلّتك؟

فقال: أريدها خضراء.

ففركها النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بيده في ذلك الماء، فأخذت بقدرة اللّه لونا أخضرا فائقا كالزبرجد الأخضر، فأخرجها النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و أعطاها الحسن (عليه السلام)، فلبسها.

ثمّ وضع حلّة الحسين (عليه السلام) في الطست، و أخذ جبرئيل يصبّ الماء، فالتفت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله إلى نحو الحسين (عليه السلام)- و كان له من العمر خمس سنين- و قال له: يا قرّة عيني! أيّ لون تريد حلّتك؟

فقال الحسين (عليه السلام): يا جدّاه! اريدها حمراء.

ففركها النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بيده في ذلك الماء، فصارت حمراء كالياقوت الأحمر، فلبسها الحسين (عليه السلام).

فسرّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بذلك، و توجّه الحسن و الحسين (عليهما السلام) إلى امّهما فرحين مسرورين.

فبكى جبرئيل (عليه السلام) لمّا شاهد تلك الحال.

فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله: يا أخي جبرئيل! في مثل هذا اليوم الّذي فرح فيه ولداي تبكي و تحزن؟ فباللّه عليك إلّا ما أخبرتني.

فقال جبرئيل: اعلم يا رسول اللّه! أنّ اختيار ابنيك على اختلاف اللون، فلابدّ للحسن (عليه السلام) أن يسقوه السمّ و يخضرّ لون جسده من عظم السمّ، و لا بدّ للحسين (عليه السلام) أن يقتلوه و يذبحوه و يخضب بدنه من دمه.

206

فبكى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و زاد حزنه لذلك. (1)

أقول: أوردت حديث خياطة ثوب الحسن و الحسين (عليهما السلام) بيد القدرة، و جاء بالثياب إلى فاطمة (عليها السلام) رضوان خازن الجنّة، كما في خبر أبي عبد اللّه المفيد النيسابوريّ في أماليه الّذي رواه في «البحار» (2)، أو جاء بالقميصين جبرئيل، كما في خبر رواه في «البحار» و «العوالم» (3)، و نقلته في عنوان: «إنّ اللّه تعالى يريد ما أرادت فاطمة (عليها السلام)» من عناويننا، فراجع.

____________

(1) البحار: 44/ 245 و 246 ح 45.

(2) البحار: 43/ 289.

(3) البحار: 43/ 75، العوالم: 11/ 171.

207

20- إنّ ابنة يزدجرد أسلمت على يد فاطمة (عليها السلام)

2623/ 1- روي عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال:

لمّا قدمت ابنة يزدجرد ابن شهريار آخر ملوك الفرس و خاتمهم على عمر، و أدخلت المدينة استشرفت لها عذارى المدينة، و أشرق المجلس بضوء وجهها، و رأت عمر، فقالت: آه! «بيروز باد هرمز».

فغضب عمر، و قال: شتمتني هذه العلجة، و همّ بها.

فقال له عليّ (عليه السلام): ليس لك إنكار على ما لا تعلمه.

فأمر أن ينادي عليها.

فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): لا يجوز بيع بنات الملوك، و إن كنّ كافرات، و لكن أعرض عليها أن تختار رجلا من المسلمين حتّى تتزوّج منه، و تحسب صداقها عليه من عطائه من بيت المال يقوم مقام الثمن.

فقال عمر: أفعل، و عرض عليها أن تختار، فجالت فوضعت يدها على منكب الحسين (عليه السلام).

فقال: «چه نام داري أي كنيزك؟» يعني: ما اسمك يا صبيّة؟

قالت: «جهان شاه».

فقال: بل شهر بانويه.

قالت: تلك اختي.

قال: «راست گفتي» أي: صدقت.

ثمّ التفت إلى الحسين (عليه السلام) فقال: احتفظ بها و أحسن إليها، فتستد لك خير

208

أهل الأرض في زمانه بعدك، و هي امّ الأوصياء الذريّة الطيّبة.

فولدت عليّ بن الحسين زين العابدين (عليهما السلام).

و يروى: أنّها ماتت في نفاسها به، و إنّما اختارت الحسين (عليه السلام) لأنّها رأت فاطمة (عليها السلام) و أسلمت قبل أن يأخذها عسكر المسلمين.

و لها قصّة و هي أنّها قالت: رأيت في النوم قبل ورود عسكر المسلمين، كأنّ محمّدا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله دخل دارنا، و قعد مع الحسين (عليه السلام) و خطبني له و زوّجني منه.

فلمّا أصبحت كان ذلك يؤثر في قلبي، و ما كان لي خاطر غير هذا.

فلمّا كان في الليلة الثانية رأيت فاطمة (عليها السلام) بنت محمّد صلّى اللّه عليه و آله قد أتتني، و عرضت عليّ الإسلام، فأسلمت.

ثمّ قالت: إنّ الغلبة تكون للمسلمين، و إنّك تصلين عن قريب إلى ابني الحسين سالمة لا يصيبك بسوء أحد.

قالت: و كان من الحال أنّي خرجت إلى المدينة ما مسّ يدي إنسان. (1)

____________

(1) البحار: 46/ 10 ح 21، عن الخرائج.

209

21- إنّ نرجس (عليها السلام) امّ الحجّة (عليه السلام) أسلمت على يد فاطمة (عليها السلام)

2624/ 1- جماعة عن أبي المفضّل الشيباني، عن محمّد بن بحر بن سهل الشيباني، قال: قال بشر بن سليمان النخّاس- و هو من ولد أبي أيّوب الأنصاري أحد موالي أبي الحسن و أبي محمّد (عليه السلام) و جارهما ب «سرّ من رآى»-.

أتاني كافور الخادم فقال: مولانا أبو الحسن عليّ بن محمّد العسكريّ (عليه السلام) يدعوك إليه.

فأتيته فلمّا جلست بين يديه، قال لي: يا بشر! إنّك من ولد الأنصار، و هذه الموالاة لم نزل فيكم يرثها خلف عن سلف، و أنتم ثقاتنا أهل البيت، و إنّي مزكّيك و مشرّفك بفضيلة تسبق بها الشيعة في الموالاة بسرّ اطلعك عليه، و انفذك في ابتياع أمة.

فكتب كتابا لطيفا بخطّ رومي و لغة روميّة، و طبع عليه خاتمه، و أخرج شقّة صفراء فيها مائتان و عشرون دينارا، فقال:

خذها و توجّه بها إلى بغداد و احضر معبر الفرات ضحوة يوم كذا، فإذا وصلت إلى جانبك زواريق السّبايا و ترى الجواري فيها ستجد طوائف المبتاعين من وكلاء قوّاد بني العبّاس، و شرذمة من فتيان العرب.

فإذا رأيت ذلك فأشرف من البعد على المسمّى عمر بن يزيد النخّاس عامّة نهارك إلى أن تبرز للمبتاعين جارية صفتها كذا و كذا، لابسة حريرين صفيقين، تمتنع من العرض و لمس المعترض و الانقياد لمن يحاول لمسها، و تسمع صرخة روميّة من وراء ستر رقيق.

210

فاعلم أنّها تقول: و اهتك ستراه!

فيقول بعض المبتاعين: عليّ ثلاثمائة دينار، فقد زادني العفاف فيها رغبة، فتقول له بالعربيّة: لو برزت في زيّ سليمان بن داود و على شبه ملكه ما بدت لي فيك رغبة، فأشفق على مالك.

فيقول النخّاس: فما الحيلة و لا بدّ من بيعك.

فتقول الجارية: و ما العجلة، و لا بدّ من اختيار مبتاع يسكن قلبي إليه و إلى وفائه و أمانته.

فعند ذلك قم إلى عمر بن يزيد النخّاس، و قل له: إنّ معك كتابا ملطّفة لبعض الأشراف، كتبه بلغة روميّة و خطّ روميّ، و وصف فيه كرمه و وفاءه و نبله و سخاءه، تناولها لتتأمّل منه أخلاق صاحبه، فإن مالت إليه و رضيته، فأنا وكيله في ابتياعها منك.

- قال بشر بن سليمان: فامتثلت جميع ما حدّه لي مولاي أبو الحسن (عليه السلام) في أمر الجارية-

فلمّا نظرت في الكتاب بكت بكاء شديدا، و قالت لعمر بن يزيد: بعني من صاحب هذا الكتاب، و حلفت بالمحرّجة و المغلّظة أنّه متى امتنع من بيعها منه قتلت نفسها.

فلما زلت اشاحّه في ثمنها حتّى استقرّ الأمر فيه على مقدار ما كان أصحبنيه مولاي (عليه السلام) من الدّنانير، فاستوفاه و تسلّمت الجارية ضاحكة مستبشرة.

و انصرفت بها إلى الحجيرة الّتي كنت آوي إليها ببغداد، فما أخذها القرار حتّى أخرجت كتاب مولانا (عليه السلام) من جيبها و هي تلثمه و تطبّقه على جفنها، و تضعه على خدّها، و تمسحه على بدنها.

فقلت تعجّبا منها: تلثمين كتابا لا تعرفين صاحبه؟

فقالت: أيّها العاجز الضّعيف المعرفة بمحلّ أولاد الأنبياء! أعرني سمعك،

211

و فرّغ لي قلبك، أنا مليكة بنت يشوعا بن قيصر ملك الرّوم، و امّي من ولد الحواريّين تنسب إلى وصيّ المسيح شمعون، انبّئك بالعجب.

إنّ جدّي قيصر أراد أن يزوّجني من ابن أخيه، و أنا من بنات ثلاث عشر سنة، فجمع في قصره من نسل الحواريّين من القسّيسين و الرهبان ثلاث مائة رجل، و من ذوي الأخطار منهم سبعمائة رجل، و جمع من امراء الأجناد و قوّاد العسكر و نقباء الجيوش و ملوك العشاير أربعة آلاف، و أبرز من بهيّ ملكه عرشا مساغا من أصناف الجوهر، و رفعه فوق أربعين مرقاة.

فلمّا صعد ابن أخيه و أحدقت الصّلب و قامت الأساقفة عكّفا، و نشرت أسفار الإنجيل تسافلت الصّلب من الأعلى، فلصقت الأرض و تقوّضت أعمدة العرش، فانهارت إلى القرار، و خرّ الصاعد من العرش مغشيّا عليه.

فتغيّرت ألوان الأساقفة، و ارتعدت فرائصهم، فقال كبيرهم لجدّي: أيّها الملك! اعفنا من ملاقاة هذه النحوس الدالّة على زوال هذا الدين المسيحي، و المذهب الملكاني.

فتطيّر جدّي من ذلك تطيّرا شديدا، و قال للأساقفة: أقيموا هذه الأعمدة، و ارفعوا الصّلبان، و احضروا أخا هذا المدبّر العاهر المنكوس جدّه لازوّجه هذه الصبيّة، فيدفع نحوسه عنكم بسعوده.

و لمّا فعلوا ذلك حدث على الثاني مثل ما حدث على الأوّل، و تفرّق النّاس، و قام جدّي قيصر مغتمّا، فدخل منزل النساء، و ارخيت السّتور.

و اريت في تلك الليلة كأنّ المسيح و شمعون و عدّة من الحواريّين قد اجتمعوا في قصر جدّي، و نصبوا فيه منبرا من نور يباري السماء علوّا و ارتفاعا في الموضع الّذي كان نصب جدّي، و فيه عرشه، و دخل عليه محمّد صلّى اللّه عليه و آله و ختنه و وصيّه (عليه السلام) و عدّة من أبنائه.

فتقدّم المسيح إليه، فاعتنقه فيقول له محمّد صلّى اللّه عليه و آله: يا روح اللّه! إنّي جئتك‏

212

خاطبا من وصيّك شمعون فتاته مليكة لابني هذا- و أومأ بيده إلى أبي محمّد (عليه السلام) ابن صاحب هذا الكتاب-

فنظر المسيح إلى شمعون، و قال له: قد أتاك الشرف، فصل رحمك برحم آل محمّد (عليهم السلام).

قال: قد فعلت.

فصعد ذلك المنبر، فخطب محمّد صلّى اللّه عليه و آله و زوّجني من ابنه، و شهد المسيح (عليه السلام) و شهد أبناء محمّد (عليهم السلام) و الحواريّون.

فلمّا استيقظت أشفقت أن أقصّ هذه الرؤيا على أبي و جدّي مخافة القتل، فكنت اسرّها و لا ابديها لهم، و ضرب صدري بمحبّة أبي محمّد (عليه السلام) حتّى امتنعت من الطعام و الشراب، فضعفت نفسي، و دقّ شخصي، و مرضت مرضا شديدا، فما بقي في مداين الروم طبيب إلّا أحضره جدّي، و سأله عن دوائي.

فلمّا برح به اليأس قال: يا قرّة عيني! هل يخطر ببالك شهوة فازوّدكها في هذه الدّنيا؟

فقلت: يا جدّي! أرى أبواب الفرج عليّ مغلقة، فلو كشفت العذاب عمّن في سجنك من اسارى المسلمين، و فككت عنهم الأغلال، و تصدّقت عليهم، و منّيتهم الخلاص، رجوت أن يهب المسيح و امّه عافية.

فلمّا فعل ذلك تجلّدت في إظهار الصحّة من بدني قليلا، و تناولت يسيرا من الطعام، فسرّ بذلك و أقبل على إكرام الاسارى و إعزازهم.

فاريت أيضا بعد أربع عشرة ليلة كأنّ سيّدة نساء العالمين فاطمة (عليها السلام) قد زارتني، و معه مريم بنت عمران، و ألف من وصايف الجنان.

فتقول لي مريم: هذه سيّدة النساء (عليها السلام) امّ زوجك أبي محمّد (عليه السلام).

فأتعلّق بها و أبكي و أشكو إليها امتناع أبي محمّد (عليه السلام) من زيارتي.

فقالت سيّدة النساء (عليها السلام): إنّ ابني أبا محمّد صلّى اللّه عليه و آله لا يزورك، و أنت مشركة باللّه‏

213

على مذهب النصارى، و هذه اختي مريم بنت عمران تبرء إلى اللّه من دينك، فإن ملت إلي رضى اللّه تعالى و رضى المسيح و مريم (عليها السلام) و زيارة أبي محمّد (عليه السلام) إيّاك، فقولي: أشهد أن لا إله إلّا اللّه، و أنّ أبي محمّدا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.

فلمّا تكلّمت بهذه الكلمة ضمّتني إلى صدرها سيّدة نساء العالمين، و طيّب نفسي، و قالت: الآن توقّعي زيارة أبي محمّد (عليه السلام)، و إنّي منفذته إليك.

فانتبهت، و أنا أنول و أتوقّع لقاء أبي محمّد (عليه السلام)، فلمّا كان في الليلة القابلة رأيت أبا محمّد (عليه السلام)، و كأنّي أقول له: جفوتني يا حبيبي! بعد أن أتلفت نفسي في معالجة حبّك.

فقال: ما كان تأخّري عنك إلّا لشركك، فقد أسلمت و أنا زائرك في كلّ ليلة إلى أن يجمع اللّه شملنا في العيان.

فلمّا قطع عنّي زيارته بعد ذلك إلى هذه الغاية.

قال بشر: فقلت لها: و كيف وقعت في الاسارى؟

فقالت: أخبرني أبو محمّد (عليه السلام) ليلة من الليالي أنّ جدّك سيسيّر جيشا إلى قتال المسلمين يوم كذا و كذا، ثمّ يتبعهم، فعليك باللحاق بهم متنكّرة في زيّ الخدم، مع عدّة من الوصايف من طريق كذا.

ففعلت ذلك، فوقفت علينا طلايع المسلمين، حتّى كان من أمري ما رأيت و شاهدت، و ما شعر بأنّي ابنة ملك الروم إلى هذه الغاية أحد سواك، و ذلك باطّلاعي إيّاك عليه.

و لقد سألني الشيخ الّذي وقعت إليه في سهم الغنيمة عن اسمي، فأنكرته و قلت: نرجس، فقال: اسم الجواري.

قلت: العجب! أنّك روميّة، و لسانك عربيّ؟

قالت: نعم، من ولوع جدّي و حمله إيّاي على تعلّم الآداب أن أو عز إليّ امرأة ترجمانة له في الاختلاف إليّ، و كانت تقصدني صباحا و مساء، و تفيدني‏

214

العربية حتّى استمرّ لساني عليها و استقام.

قال بشر: فلمّا انكفأت بها إلى «سرّ من رآى» دخلت على مولاي أبي الحسن (عليه السلام)، فقال: كيف أراك اللّه عزّ الإسلام، و ذلّ النصرانيّة، و شرف محمّد و أهل بيته (عليهم السلام)؟

قالت: كيف أصف لك يا بن رسول اللّه! ما أنت أعلم به منّي؟

قال: فإنّي احبّ أن اكرمك، فأيّما أحبّ إليك: عشرة آلاف دينار، أم بشرى لك بشرف الأبد؟

قالت: بشرى بولد لي.

قال لها: ابشري بولد يملك الدّنيا شرقا و غربا، و يملأ الأرض قسطا و عدلا، كما ملئت ظلما و جورا.

قالت: ممّن؟

قال: ممّن خطبك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله له ليلة كذا، في شهر كذا، من سنة كذا بالروميّة.

قال لها: ممّن زوّجك المسيح (عليه السلام) و وصيّه؟

قالت: من ابنك أبي محمّد (عليه السلام).

فقال: هل تعرفينه؟

قالت: و هل خلت ليلة لم يزرني فيها منذ الليلة الّتي أسلمت على يد سيّدة النساء (عليها السلام).

قال: فقال مولانا: يا كافور! ادع اختي حكيمة.

فلمّا دخلت، قال لها: هاهيه، فاعتنقتها طويلا و سرّت بها كثيرا.

فقال لها أبو الحسن (عليه السلام): يا بنت رسول اللّه! خذيها إلى منزلك، و علّميها الفرائض و السنن، فإنّها زوجة أبي محمّد (عليه السلام) و امّ القائم (عليه السلام). (1)

____________

(1) البحار: 51/ 6- 11 ح 12، عن الغيبة للشيخ الطوسي.

215

2625/ 2- محمّد بن عليّ بن محمّد بن حاتم، عن أحمد بن عيسى الوشّاء، عن أحمد بن طاهر القمّي، عن أبي الحسين محمّد بن يحيى الشيباني، قال:

وردت كربلاء سنة ستّ و ثمانين و مائتين.

قال: و زرت قبر غريب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، ثمّ انكفأت إلى مدينة السلام متوجّها إلى مقابر قريش، و قد تضرّمت الهواجر، و توقّدت السماء، و لمّا وصلت منها إلى مشهد الكاظم (عليه السلام) و استنشقت نسيم تربته المغمورة من الرحمة المحفوفة بحدائق الغفران أكببت عليها بعبرات متقاطرة، و زفرات متتابعة، و قد حجب الدمع طرفي عن النّظر.

فلمّا رقأت العبرة، و انقطع النحيب، و فتحت بصري و إذا أنا بشيخ قد انحنى صلبه، و تقوّس منكباه، و تثفنت جبهته و راحتاه، و هو يقول لآخر معه عند القبر: يا ابن أخ! فقد نال عمّك شرفا بما حمّله السيّدان من غوامض الغيوب، و شرايف العلوم الّتي لم يحمل مثلها إلّا سلمان، و قد أشرف عمّك على استكمال المدّة و انقضاء العمر، و ليس يجد في أهل الولاية رجلا يفضي إليه.

قلت: يا نفس! لا يزال العناء و المشقّة ينالان منك بإتعابي الخفّ و الحافر في طلب العلم، و قد قرع سمعي من هذا الشيخ لفظ يدلّ على علم جسيم، و أمر عظيم.

فقلت: أيّها الشيخ! و من السيّدان؟

قال: النجمان المغيّبان في الثرى ب «سرّ من رآى».

فقلت: إنّي اقسم بالمولاة، و شرف محلّ هذين السيّدين من الإمامة و الوراثة أنّي خاطب علمهما، و طالب آثارهما، و باذل من نفسي الأيمان الموكّدة على حفظ أسرارهما.

قال: إن كنت صادقا فيما تقول، فأحضر ما صحبك من الآثار عن نقلة أخبارهم.

216

فلمّا فتّش الكتب، و تصفّح الرّوايات منها قال: صدقت أنا بشر بن سليمان النخّاس من ولد أبي أيّوب الأنصاري أحد موالي أبي الحسن و أبي محمّد (عليهما السلام) و جارهما ب «سرّ من رآى».

قلت: فأكرم أخاك ببعض ما شاهدت من آثارهما.

قال: كان مولاي أبو الحسن (عليه السلام) فقّهني في علم الرقيق، فكنت لا أبتاع و لا أبيع إلّا بإذنه، فاجتنبت بذلك موارد الشبهات حتّى كملت معرفتي فيه، فأحسنت الفرق فيما بين الحلال و الحرام.

فبينا أنا ذات ليلة في منزلي ب «سرّ من رآى» و قد مضى هويّ من الليل إذ قرع الباب قارع، فعدوت مسرعا، فإذا بكافور الخادم رسول مولانا أبي الحسن عليّ بن محمّد (عليهما السلام) يدعوني إليه.

فلبست ثيابي و دخلت عليه، فرأيته يحدّث ابنه أبا محمّد (عليه السلام) و اخته حكيمة من وراء الستر.

فلمّا جلست قال: يا بشر! إنّك من ولد الأنصار و هذه الولاية لم تزل فيكم يرثها خلف عن سلف، و أنتم ثقاتنا أهل البيت، و ساق الخبر نحوا ممّا رواه الشيخ ... إلى آخره.

قال العلّامة المجلسي (رحمه الله) بيان: «يباري السماء»: أي يعارضها، و يقال: برّح به الأمر تبريحا: جهّده و أضرّبه، و أوعز إليه في كذا، أي: تقدّم، و انكفأ أي: رجع. (1)

____________

(1) البحار: 51/ 10 و 11 ح 13 عن اكمال الدين.

217

22- حديقة بني النجّار و خدمة رسول الجنّ في حقّ الحسنين (عليهما السلام)

2626/ 1- مدينة المعاجز: ابن بابويه في أماليه، قال: حدّثنا محمّد بن موسى بن المتوكّل (رحمه الله)، قال: حدّثنا عليّ بن الحسين السعد آبادي؛

قال: حدّثنا أحمد بن أبي عبد اللّه البرقي، عن أبيه، عن فضالة بن أيّوب، عن زيد الشحّام، عن أبي عبد اللّه الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه محمّد بن عليّ الباقر، عن أبيه (عليهم السلام)، قال: مرض النبيّ صلّى اللّه عليه و آله المرضة الّتي عوفي منها.

فعادته فاطمة سيّدة النساء (عليها السلام)، و معه الحسن و الحسين (عليهما السلام)، و قد أخذت الحسن (عليه السلام) بيدها اليمنى، و الحسين (عليه السلام) بيدها اليسيرى، و هما يمشيان و فاطمة (عليها السلام) بينهما، حتّى دخلوا منزل عائشة.

فقعد الحسن (عليه السلام) على جانب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله الأيمن، و الحسين (عليه السلام) على جانب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله الأيسر، فأقبلا يغمزان ما بينهما من بدن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فما أفاق النبيّ صلّى اللّه عليه و آله من نومه.

فقالت فاطمة (عليها السلام) للحسن و الحسين (عليهما السلام): حبيبيّ! إنّ جدّكما أغفى، فانصرفا ساعتكما هذه، و دعاه حتّى يفيق و ترجعان إليه.

فقالا: لسنا ببارحين في وقتنا هذا، فاضطجع الحسن (عليه السلام) على عضد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله الأيمن، و الحسين (عليه السلام) على عضده الأيسر.

فانتبها قبل أن ينتبه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله- و قد كانت فاطمة (عليها السلام) حين ناما انصرفت‏

218

إلى منزلها- فخرجا في ليلة ظلماء مدلهمّة ذات رعد و برق، و قد ارخت السماء عزاليها، فسطع لهما نور، فلم يزالا يمشيان في ذلك النور، و الحسن (عليه السلام) أخذ بيده اليمنى على يد الحسين (عليه السلام) اليسرى، و هما يتماشيان و يتحدّثان، حتّى أتيا حديقة بني النجّار، فلمّا بلغا الحديقة حارا، فبقيا لا يعلمان أين يأخذان.

فقال الحسن للحسين (عليهما السلام): إنّا قد حرنا و بقينا على حالتنا هذه، و ما ندري أين نسلك، فلا علينا إلّا أن ننام في وقتنا هذا حتّى نصبح.

فقال له الحسين (عليه السلام): دونك يا أخي! فافعل ما ترى.

فاضطجعا جميعا و اعتنق كلّ واحد منهم صاحبه و ناما.

و انتبه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله من نومته الّتي نامها، فطلبهما في منزل فاطمة (عليها السلام)، فلم يكونا فيه و افتقدهما، فقام صلّى اللّه عليه و آله قائما على رجليه، و هو يقول:

إلهي و سيّدي و مولاي! هذان شبلاي خرجا من المخمصة و المجاعة، اللهمّ أنت وكيلي عليهما.

فسطع من النبيّ صلّى اللّه عليه و آله نور، فلم يزل يمضي في ذلك النور حتّى أتى حديقة بني النجّار، فإذا هما نائمان قد اعتنق كلّ واحد منهما صاحبه، و قد تقشّعت فوقهما كطبق، فهي تمطر أشدّ مطر، ما رآى الناس مثله قطّ، و قد منع اللّه عزّ و جلّ المطر عنهما في البقعة الّتي هما فيها نائمان لا يمطر عليها قطرة، قد اكتنفتهما حيّة كآجام القصب و جناحان، جناح قد غطّت به الحسن و جناح قد غطّت به الحسين (عليهما السلام).

فلمّا أن بصر بهما النبيّ صلّى اللّه عليه و آله تنحنح، فانسابت الحيّة، و هي تقول: اللهمّ إنّي أشهدك و أشهد ملائكتك أنّ هذين شبلا نبيّك قد حفظتهما إليه، و دفعتهما إليه صحيحين سالمين.

فقال لها النبيّ صلّى اللّه عليه و آله: أيّتها الحية! فمن أنت؟

قال: أنا رسول الجنّ إليك.

219

قال: و أيّ الجنّ؟

قال: جنّ نصيبين نفر من بني مليح، نسينا آية من كتاب اللّه عزّ و جلّ، فلمّا بلغا هذا الموضع سمعنا مناديا ينادي: أيّتها الحيّة! هذان شبلا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فاحفظهما من العاهات و الآفات من طوارق الليل و النهار.

و قد حفظتهما و سلمتهما إليك سالمين صحيحن، و أخذت الحيّة الآية و انصرفت.

و أخذ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله الحسن (عليه السلام)، فوضعه على عاتقه الأيمن، و وضع الحسين (عليه السلام) على عاتقه الأيسر.

و خرج عليّ (عليه السلام)، فلحق رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فقال له عليّ (عليه السلام): بأبي و امّي؛ إدفع لي أحد شبليك حتّى أخفف عنك.

فالتفت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله إلى الحسن (عليه السلام)، فقال: يا حسن! هل تمضي إلى كتف أبيك؟

فقال له: و اللّه؛ يا جدّاه! إنّ كتفك لأحبّ إليّ من كتف أبي.

فأقبل بهما إلى منزل فاطمة (عليها السلام)، و قد ادّخرت لهما تميرات، فوضعتها بين أيديهما، فأكلا و شبعا و فرحا.

فقال لهما النبيّ صلّى اللّه عليه و آله: قوما، فاصطرعا.

فقاما ليصطرعا، و قد خرجت فاطمة (عليها السلام) في بعض حاجتها، فدخلت، فسمعت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يقول: إيه يا حسن! شدّ على الحسين، فاصرعه.

فقالت: يا أبه! وا عجبا أتشجّع هذا على هذا؟ أتشجّع الكبير على الصغير؟

فقال لها: يا بنيّة! أما ترضين أن أقول: يا حسن! شدّ على الحسين، فأصرعه؟ و هذا حبيبي جبرئيل يقول: يا حسين! شدّ على الحسن، فأصرعه. (1)

____________

(1) مسند فاطمة الزهراء (عليها السلام): 330- 333.

220

2627/ 2- مدينة المعاجز: عن ابن عبّاس، قال: كنّا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و إذا بفاطمة الزهراء (عليها السلام) قد أقبلت تبكي.

فقال لها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: ما يبكيك يا فاطمة؟

فقالت: يا أبتاه! الحسن و الحسين قد غابا عنّي اليوم، و قد طلبتهما في بيوتك، فلم أجدهما و لا أدري أين هما؟ و إنّ عليّا (عليه السلام) راح إلى الدالية منذ خمسة أيّام يسقي بستانا له.

و إذا أبو بكر قائم بين يدي النبيّ صلّى اللّه عليه و آله، فقال له: يا أبا بكر! أطلب قرّتي عيني.

ثمّ قال: يا عمر! و يا سلمان! و يا أبا ذر! و يا فلان! و يا فلان! قوموا، فأطلبوا قرّتي عيني.

قال: فأحصيت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إنّه وجّه سبعين رجلا في طلبهما، فغابوا ساعة، ثمّ رجعوا و لم يصيبوهما.

فاغتمّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله غمّا شديدا، فوقف عند باب المسجد، و قال:

اللهمّ بحقّ إبراهيم خليلك، و بحقّ آدم صفيّك إن كان قرّتا عيني و ثمرتا فؤادي أخذا برّا أو بحرا، فاحفظهما و سلّمهما من كلّ سوء يا أرحم الراحمين.

قال: فإذا جبرائيل (عليه السلام) قد هبط من السّماء، و قال: يا رسول اللّه! لا تحزن و لا تغتم، فإنّ الحسن و الحسين (عليهما السلام) فاضلان في الدنيا و الآخرة، قد وكّل اللّه بهما ملكا يحفظهما إن قاما و إن قعدا و إن ناما، و هما في حضيرة بني النجّار.

ففرح النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بذلك، و سار جبرائيل عن يمينه، و ميكائيل عن يساره، و المسلمون من حوله حتّى دخلوا حضيرة بني النجّار، و ذلك الملك الموكّل بهما قد جعل أحد جناحيه تحتهما و الآخر فوقهما، و على كلّ واحد منهما دراعة من صوف و المداد على سفتيهما [كذا؟]، و إذا الحسن (عليه السلام) معانق للحسين (عليه السلام).

فحمل الرسول صلّى اللّه عليه و آله الحسن (عليه السلام)، و جبرائيل الحسين (عليه السلام)، و خرج النبيّ صلّى اللّه عليه و آله من الحضيرة، و هو يقول:

221

معاشر الناس! اعلموا أنّ من أبغضهما في النار، و من أحبّهما فهو في الجنّة، و من كرامتهما على اللّه تعالى سمّاهما في التوراة: شبر و شبير. (1)

2628/ 3- أمالي الشيخ الصدوق (رحمه الله): حدّثني والدي، عن أبيه، عن جدّه، قال:

كنّا قعودا عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إذ جائت فاطمة (عليها السلام) تبكي.

فقال لها النبيّ صلّى اللّه عليه و آله: ما يبكيك يا فاطمة؟

قالت: يا أبتا! خرج الحسن و الحسين (عليهما السلام)، فما أدري أين باتا؟

فقال لها النبيّ صلّى اللّه عليه و آله: لا تبكي، فاللّه الّذي خلقهما هو ألطف بهما منك، و رفع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يده إلى السماء، فقال:

اللهمّ إن كانا أخذا برّا أو بحرا، فاحفظهما و سلّمهما.

فنزل جبرئيل من السماء، فقال: يا محمّد! إنّ اللّه يقرؤكم السلام و هو يقول:

لا تحزن و لا تغتمّ لهما، فإنّهما فاضلان في الدنيا، فاضلان في الآخرة، و أبوهما خير منهما، هما نائمان في حظيرة بني النجّار، و قد وكّل اللّه بهما ملكا.

قال: فقام النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فرحا و معه أصحابه حتّى أتوا حظيرة بني النجّار فإذا هم بالحسن معانق للحسين (عليهما السلام)، و إذا الملك الموكّل بهما قد افترش أحد جناحيه تحتهما و غطاهما بالآخر.

قال: فمكث النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يقبّلهما حتّى انتبها، فلمّا استيقظا حمل النبيّ صلّى اللّه عليه و آله الحسن (عليه السلام)، و حمل جبرئيل الحسين (عليه السلام)، فخرج من الحظيرة و هو يقول:

لاشرّفنّكما كما شرّفكم اللّه عزّ و جلّ.

فقال له أبو بكر: ناولني أحد الصبيين أخفف عنك!!

فقال: يا أبا بكر! نعم الحاملان، و نعم الراكبان، و أبو هما أفضل منهما.

فخرج حتّى أتى باب المسجد، فقال: يا بلال! هلمّ عليّ بالناس.

____________

(1) مسند فاطمة الزهراء (عليها السلام): 333- 334.

222

فنادي منادي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في المدينة، فاجتمع الناس عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في المسجد، فقام على قدميه، فقال:

يا معشر الناس! ألا أدلّكم على خير الناس جدّا وجدّة؟

قالوا: بلى يا رسول اللّه!

قال: الحسن و الحسين، فإنّ جدّهما محمّد، و جدّتهما خديجة بنت خويلد سيّدة نساء أهل الجنّة.

أيّها النّاس ألا أدّلكم على خير الناس أبا و امّا؟

قالوا: بلى يا رسول اللّه!

قال: الحسن و الحسين، و أبوهما عليّ بن أبي طالب، و امّهما فاطمة سيّدة نساء العالمين.

قال المؤلّف: و في رواية اخرى من كتاب «مدينة المعاجز» ورد هذا الحديث عن ابن عبّاس إلّا و أنّ فيه: قال: فحمل النبيّ صلّى اللّه عليه و آله الحسن (عليه السلام) و حمل جبرئيل الحسين (عليه السلام)، و الناس يرون أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله حمله.

و قال: قد تقدّم هذا الحديث عن طريق ابن بابويه بطرق كثيرة عن الأعمش في معاجز الحسن بن عليّ (عليه السلام).

و قال المؤلّف- أيضا- ذكر الشيخ حسين بن عبد الوهّاب في «عيون المعجزات»، قال: من طريق الحشويّة عن سليمان بن إسحاق بن عليّ بن عبد اللّه بن العبّاس، قال:

سمعت أبي يوما يحدث أنّه كان يوما عند هارون الرشيد، فجرى ذكر عليّ بن أبي طالب (عليه السلام).

فقال الرشيد: تتوهّم العوام إنّي أبغض عليّا (عليه السلام) و أولاده، و اللّه؛ ما ذلك كما يظنّون، و إنّ اللّه يعلم شدّة حبّي لعليّ و الحسن و الحسين و معرفتي لفضلهم.

و لقد حدّثني أمير المؤمنين!! أبي، عن المنصور، أنّه حدّثه، عن أبيه، عن‏

223

جدّه، عن عبد اللّه بن العبّاس، أنّه قال:

كنّا ذات يوم عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، إذ أتت فاطمة (عليها السلام)، و قالت: إنّ الحسن و الحسين (عليهما السلام) خرجا، فما أدري أين بأتا؟

فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: أنّ الّذي خلقهما ألطف بهما منّي و منك، ثمّ رفع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يده إلى السماء ...، فذكر الحديث قريبا ممّا مرّ في المعنى.

هذا؛ و قد نقل القندوزي من «ينابيع المودّة» هذا المعنى أيضا. (1)

2629/ 4- مدينة المعاجز: تأريخ البلاذري، قال: حدّث محمّد بن بريد المبرّد النحوي بإسناده ذكره، قال: انصرف النبيّ صلّى اللّه عليه و آله إلى منزل فاطمة (عليها السلام)، فرآها قائمة خلف بابها.

فقال: ما بال حبيبتي هاهنا؟

فقالت: ابناك خرجا غدوة، فقد خفي عليّ خبرهما.

فمضى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يقفو أثرهما حتّى صار إلى كهف جبل، فوجدهما نائمين وحيّة مطوّقة عند رأسهما.

فأخذ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله حجرا، فأهوى إليها، فقالت: السلام عليك يا رسول اللّه! و اللّه؛ ما أقمت عند رأسهما إلّا حراسة لهما.

فدعا لها بخير.

ثمّ حمل الحسن (عليه السلام) على كتفه اليمنى، و الحسين (عليه السلام) على كتفه اليسرى، فنزل جبرئيل، فأخذ الحسين (عليه السلام) و حمله.

فكانا بعد ذلك يفتخران، فيقول الحسن (عليه السلام): حملني خير أهل الأرض.

و يقول الحسين (عليه السلام): حملني خير أهل السماء.

و في ذلك قال حسان بن ثابت:

____________

(1) مسند فاطمة الزهراء (عليها السلام): 335- 337، عيون المعجزات: 52 و 53، ينابيع المودّة: 328.

224

فجاء و قد ركبا عاتقيه‏ * * * فنعم المطيّة و الراكبان‏ (1)

2630/ 5- الخرائج و الجرائح: محمّد بن إسماعيل البرمكي، عن الحسين بن الحسن، عن يحيى بن عبد الحميد، عن شريك بن حمّاد، عن أبي ثوبان الأسدي- و كان من أصحاب أبي جعفر (عليه السلام)- عن الصلت بن المنذر، عن المقداد بن الأسود الكندي:

إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله خرج في طلب الحسن و الحسين (عليهما السلام) و قد خرجا من البيت، و أنا معه، فرأيت أفعى على الأرض، فلمّا أحست بوطي‏ء النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قامت و نظرت، و كانت أعلى من النخلة، و أضخم من البكر، يخرج من فيها النار، فهالني ذلك.

فلمّا رأت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله صارت كأنّها خيط، فالتفت إليّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فقال: ألا تدري ما تقول هذه يا أخا كندة؟

قلت: اللّه و رسوله أعلم.

قال: قالت: الحمد للّه الّذي لم يميتني حتّى جعلني حارسا لابني رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.

و جرت في الرمل- رمل الشعاب-.

فنظرت إلى شجرة لا أعرفها بذلك الموضع، لأنّي ما رأيت فيه شجرة قطّ قبل يومي ذلك، و قد أتيت بعد ذلك اليوم أطلب الشجرة، فلم أجدها، و كانت الشجرة أظلّتهما بورق.

و جلس النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بينهما، فبدأ بالحسين (عليه السلام)، فوضع رأسه على فخذه الأيمن، ثمّ وضع رأس الحسن (عليه السلام) على فخذه الأيسر، ثمّ جعل يرخي لسانه في فم الحسين (عليه السلام).

____________

(1) مسند فاطمة الزهراء (عليها السلام): 337.

225

فانتبه الحسين (عليه السلام)، فقال: يا أبه! ثمّ عاد في نومه.

فانتبه الحسن (عليه السلام) و قال: يا أبه! و عاد إلى نومه.

فقلت: كأنّ الحسين (عليه السلام) أكبر؟

فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله: إنّ للحسين (عليه السلام) في بواطن المؤمنين معرفة مكتومة، سل امّه عنه؟

فلمّا انتبها حملهما على منكبه.

ثمّ أتيت فاطمة (عليها السلام)، فوقفت بالباب، فأتت حمامة، و قالت: يا أخا كندة!

قلت: من أعلمك أنّي بالباب؟

قالت: أخبرتني سيّدتي إنّ بالباب رجلا من كندة من أطيبها أخبارا، يسألني عن موضع قرّة عيني.

فكبر ذلك عندي، فولّيتها ظهري كما كنت أفعل حين أدخل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في منزل امّ سلمة، فقلت لفاطمة (عليها السلام): ما منزلة الحسين؟

قالت: إنّه لمّا ولدت الحسن (عليه السلام) أمرني أبي أن لا ألبس ثوبا أجد فيه اللذة حتّى أفطمه، فأتاني أبي زائرا، فنظر إلى الحسن (عليه السلام) و هو يمصّ الثدي.

فقال: فطمتيه؟

قلت: نعم.

قال: إذا أحبّ عليّ الاشتمال، فلا تمنعيه، فإنّي أرى في مقدّم وجهك ضوءا و نورا، و ذلك إنّك ستلدين حجّة لهذا الخلق.

فلمّا تمّ شهر من حملي وجدت فيّ سخنة، فقلت: لأبي ذلك، و دعا بكوز من ماء، فتكلّم عليه، و تفل عليه، و قال: اشربي.

فشربت، فطرد اللّه عنّي ما كنت أجد.

و صرت في الأربعين من الأيّام، فوجدت دبيبا في ظهري كدبيب النمل في بين الجلدة و الثوب، فلم أزل على ذلك حتّى تمّ الشهر الثاني، فوجدت‏

226

الاضطراب و الحركة، فو اللّه؛ لقد تحرّك و أنا بعيد عن المطعم و المشرب، فعصمني اللّه كأنّي شربت لبنا حتّى تمّت الثلاثة أشهر و أنا أجد الزّيادة و الخير في منزلي.

فلمّا صرت في الأربعة آنس اللّه به وحشتي، و لزمت المسجد لا أبرح منه إلّا لحاجة تظهر لي، فكنت في الزّيادة و الخفّة في الظاهر و الباطن حتّى تمّت الخمسة.

فلمّا صارت الستّة كنت لا أحتاج في الليلة الظلماء إلى مصباح، و جعلت أسمع إذا خلوت بنفسي في مصلّاي التسبيح و التقديس في باطني.

فلمّا مضى فوق ذلك تسع ازددت قوّة، فذكرت ذلك لامّ سلمة، فشدّ اللّه بها أزري.

فلمّا زادت العشرة غلبتني عيني، و أتاني آت، فمسح جناحه على ظهري، فقمت و أسبغت الوضوء، و صلّيت ركعتين، ثمّ غلبتني عيني فأتاني آت في منامي، و عليه ثياب بيض، فجلس عند رأسي، و نفخ في وجهي و في قفاي، فقمت و أنا خائفة فأسبغت الوضوء و أدّيت أربعا.

ثمّ غلبتني عيني، فأتاني آت في منامي فأقعدني و رقاني و عوّذني، فأصبحت و كان يوم امّ سلمة، فدخلت في ثوب حمامة.

ثمّ أتيت امّ سلمة، فنظر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله إلى وجهي فرأيت أثر السرور في وجهه، فذهب عنّي ما كنت أجد و حكيت ذلك للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله.

فقال: ابشري! أمّا الأوّل؛ فخليلي عزرائيل الموكّل بأرحام النساء، و أمّا الثاني؛ فخليلي ميكائيل الموكّل بأرحام أهل بيتي، فنفخ فيك؟

قلت: نعم.

فبكى، ثمّ ضمّني إليه، و قال: و أمّا الثالث؛ فذالك حبيبي جبرئيل يخدمه اللّه ولدك.

فرجعت، فنزل تمام السنة.

227

قال المجلسي (رحمه الله): و لا يخفى تنافي الأخبار الواردة في مدّة الحمل، و أخبار الستة أكثر و أقوى.

قال المؤلّف: و رواه النوري في «دار السلام» عن الراوندي في «الخرائج»، و عن محمّد بن إسماعيل البرمكي، عن الحسين بن الحسن، عن يحيى بن عبد الحميد، عن شريك بن حمّاد، عن أبي ثوبان الأسدي- و كان من أصحاب أبي جعفر (عليه السلام)- عن الصلت بن المنذر، عن المقداد بن الأسود الكندي، عن فاطمة (عليها السلام). (1)

2631/ 6- المناقب لابن المغازلي: أخبرنا محمّد بن أحمد بن عثمان، أخبرنا محمّد بن زيد بن مروان- بالكوفة- أخبرنا إسحاق بن محمّد بن مروان، حدّثني أبي، حدّثنا إسحاق بن زيد، عن سهل بن سليمان، عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري، قال:

كنّا نتحدّث عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يميل مرّة عن يمينه و مرّة عن شماله، فلمّا رأينا ذلك قمنا عنه، فلمّا خرجنا إلى الباب إذا نحن بفاطمة (عليها السلام) بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.

فقال لها عليّ (عليه السلام): يا فاطمة! ما أزعجك هذه الساعة من رحلك؟

قالت: إنّ الحسن و الحسين (عليهما السلام) فقدتهما منذ أصبحت، فلم أحسهما، و ما كنت أظنّهما إلّا عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.

قال عليّ (عليه السلام): هما عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فارجعي و لا تؤذي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فإنّها ليست بساعة إذن.

فسمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله كلام عليّ (عليه السلام) و فاطمة (عليها السلام)، فخرج في إزار ليس عليه غيره، فقال: ما أزعجك هذه الساعة من رحلك؟

____________

(1) مسند فاطمة الزهراء (عليها السلام): 337- 341، البحار: 43/ 273، دار السلام: 1/ 70.

228

فقالت: يا رسول اللّه! ابناك الحسن و الحسين (عليهما السلام) خرجا من عندي، فلم أرها حتّى الساعة، و كنت أحسبهما عندك، و قد دخلني و جل شديد.

قال: فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: يا فاطمة! إنّ اللّه عزّ و جلّ وليّهما و حافظهما ليس عليهما ضيعة إن شاء اللّه، ارجعي يا بنيّة! فنحن أحقّ بالطلب.

فرجعت فاطمة (عليها السلام) إلى بيتها، فأخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في وجه، و عليّ (عليه السلام) في وجه، فابتغياهما، فانتهيا إليهما، و إنّهما في أصل حائط قد أحرقتهما الشمس، و أحدهما مستتر بصاحبه.

فلمّا رآهما على تلك الحال خنقته العبرة، و أكبّ عليهما يقبّلهما، ثمّ حمل الحسن (عليه السلام) على منكبه الأيمن، و جعل الحسين (عليه السلام) على منكبه الأيسر، ثمّ أقبل بهما رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يرفع قدما و يضع اخرى ممّا يكابد من حرّ الرمضاء، و كره أن يمشيا، فيصيبهما ما أصابه، فوقاهما بنفسه. (1)

2632/ 7- المناقب لابن شهر اشوب: أبو هريرة و ابن عبّاس و الصادق (عليه السلام):

أنّ فاطمة (عليها السلام) عادت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله عند مرضه الّذي عوفي منه و معها الحسن و الحسين (عليهما السلام)، فأقبلا يغمزان ممّا يليهما من يد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله حتّى اضطجعا على عضديه و ناما.

فلمّا انتبها خرجا في ليلة ظلماء مدلهمّة ذات رعد و برق، و قد أرخت السماء عزاليها، فسطع لهما نور، فلم يزالا يمشيان في ذلك النور و يتحدّثان حتّى أتيا حديقة بني النجّار.

- ثمّ ساق الخبر .. إلى ذكر-: فلمّا أتى المسجد قال: و اللّه؛ يا حبيبي! لأشرفنّكما بما شرّفكما اللّه.

ثمّ أمر مناديا ينادي في المدينة، فاجتمع الناس في المسجد، فقام و قال:

____________

(1) مسند فاطمة الزهراء (عليها السلام): 341- 342.

229

يا معشر الناس! ألا أدلّكم على خير الناس جدّا و جدّة؟

قالوا: بلى يا رسول اللّه!

قال: الحسن و الحسين، فإنّ جدّهما محمّد، و جدّتهما خديجة (عليها السلام).

ثمّ قال: يا معشر الناس! ألا أدّلكم على خير الناس أبا و أمّا، و هكذا عمّا و عمّة و خالا و خالة، الحديث؟

و قد روى الخركوشيّ في «شرف النبيّ صلّى اللّه عليه و آله» عن هارون الرشيد، عن آبائه، عن ابن عبّاس هذا المعنى. (1).

أقول: و إن كان هذا الخبر متّحدا مع خبر زيد الشّحام الّذي نقله «مدينة المعاجز» إلّا أنّ فيه زيادة في آخره، و تعدّد أسناده، و لذلك نقلته مختصرا.

____________

(1) البحار: 37/ 60 و 61 ح 29.

230

23- خروج الحسين (عليه السلام) من الدار؛ و صالح اليهودي و الضبية

2633/ 1- مدينة المعاجز: عن الفخري قال: روي:

أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله خرج من المدينة غازيا، و أخذ عليّا (عليه السلام) معه، و بقي الحسن و الحسين (عليهما السلام) عند امّهما (عليها السلام)، لأنّهما طفلان صغيران.

فخرج الحسين (عليه السلام) ذات يوم من دار امّه يمشي في شوارع المدينة- و كان عمره يومئذ ثلاث سنين- فوقع بين نخيل و بساتين حول المدينة، فجعل يسير في جوانبها و يتفرّج في مضاربها.

فمرّ على يهودي يقال له: صالح بن زمعة اليهودي، فأخذ الحسين (عليه السلام) إلى بيته، و أخفاه عن امّه، حتّى بلغ النهار إلى وقت العصر، و الحسين (عليه السلام) لم يتبيّن له أثر، فطار قلب فاطمة (عليها السلام) بالهمّ و الحزن على ولدها الحسين (عليه السلام).

فصارت تخرج من دارها إلى باب مسجد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله سبعين مرّة، فلم تر أحدا تبعثه في طلب الحسين (عليه السلام).

ثمّ أقبلت إلى ولدها الحسن (عليه السلام)، و قالت له: يا بهجة قلبي و قرّة عيني! قم و اطلب أخاك الحسين (عليه السلام)، فإنّ قلبي يحترق من فراقه.

فقام الحسن (عليه السلام) و خرج من المدينة و أتى إلى دور حولها نخيل، و جعل يصيح: يا حسين بن عليّ! يا قرّة عين النبيّ! أين أنت يا أخي؟

قال: فبينما الحسن (عليه السلام) ينادي، إذ بدت له غزالة في تلك الساعة، فألهم اللّه الحسن (عليه السلام) أن يسأل الغزالة، فقال لها: يا ظبية! هل رأيت أخي حسينا؟

فأنطق اللّه الغزالة ببركات رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و قالت: يا حسن! يا نور عيني‏

231

المصطفى! و سرور قلب المرتضى، و يا بهجة فؤاد الزهراء! إعلم أنّ أخاك أخذه صالح اليهودي، و أخفاه في بيته.

فسار الحسن (عليه السلام)، حتّى أتى دار اليهودي، فناداه.

فخرج صالح.

فقال الحسن (عليه السلام): يا صالح! اخرج إليّ الحسين (عليه السلام) من دارك، و سلّمه إليّ، و إلّا أقول لامّي تدعو عليك في أوقات السحر، و تسأل ربّها حتّى لا يبقى على وجه الأرض يهودي.

ثمّ أقول لأبي يضرب بحسامه جمعكم حتّى يلحقكم بدار البوار، و أقول لجدّي يسأل اللّه سبحانه أن لا يدع يهوديّا إلّا و قد فارق روحه.

فتحيّر صالح اليهودي من كلام الحسن (عليه السلام)، و قال له: يا صبيّ! من امّك؟

فقال: امّي الزهراء بنت محمّد المصطفى، قلادة الصفوة، و درّة صدف العصمة، و غرّة جمال العلم و الحكمة، و هي نقطة دائرة المناقب و المفاخر، و لمعة أنوار المحامد و المآثر، خمرت طينة وجودها من تفّاحة من تفّاح الجنّة، و كتب في صحيفتها عتق عصاة الامّة، و هي امّ السادّة النجباء، و سيّدة النساء، البتول العذراء فاطمة الزهراء (عليها السلام).

فقال اليهودي: أمّا امّك؛ فعرفتها، فمن أبوك؟

فقال الحسن (عليه السلام): أسد اللّه الغالب عليّ بن أبي طالب، الضارب بالسيفين، و الطاعن بالرمحين، و المصلّي مع النبيّ إلى القبلتين، و المفدي نفسه لسيّد الثقلين، و أبو الحسن و الحسين.

فقال: صدقت يا صبيّ! قد عرفت أباك، فمن جدّك؟

قال: جدّي درّة من صدف الجليل، و ثمرة من شجرة إبراهيم، و الكوكب الدرّي، و النور المضي‏ء من مصباح التبجيل، المعلّقة في عرش الجليل، سيّد الكونين، و رسول الثقلين، و نظام الدارين، و فخر العالمين، و مقتدى الحرمين،

232

و إمام المشرقين و المغربين، و جدّ السبطين أنا و أخي الحسين.

قال: فلمّا فرغ الحسن (عليه السلام) من تعداد مناقبه، انجلى صدى الكفر من قلب صالح اليهودي، و أهملت عيناه بالدموع، و جعل ينظر كالمتحيّر متعجّبا من حسن (عليه السلام) منطقه و صغر سنّه وجودة فهمه.

ثمّ قال: يا ثمرة فؤاد المصطفى! و يا نور عين المرتضى! و يا سرور صدر الزهراء! أخبرني من قبل أن أسلم إليك أخاك أحكام دين الإسلام حتّى أذعن إليك و انقاد إلى الإسلام.

ثمّ إنّ الحسن (عليه السلام)، عرض عليه أحكام الإسلام و عرّفه الحلال و الحرام، فأسلم صالح و أحسن الإسلام على يد الإمام ابن الإمام و سلّم إليه أخاه الحسين (عليه السلام).

ثمّ نثر على رأسهما طبقا من الذهب و تصدّق به على الفقراء و المساكين ببركة الحسن و الحسين (عليهما السلام).

و أتيا إلى امّهما، فلمّا رأته اطمأنّ قلبها و زاد سرورها بولديها.

قال: فلمّا كان في اليوم الثاني أقبل صالح و معه سبعون رجلا من رهطه و أقاربه، و قد دخلوا جميعهم في الإسلام على يد الإمام ابن الإمام أخي الإمام (عليهم السلام).

ثمّ تقدم صالح إلى باب الزهراء (عليها السلام) رافعا صوته بالثناء على السادّة الامناء، و جعل يمرغ وجهه و شيبته على عتبة دار فاطمة الزهراء (عليها السلام)، و هو يقول: يا بنت محمّد المصطفى! عملت سوءا بابنك و آذيت ولدك، و أنا على فعلي نادم، فاصفحي عن ذنبي.

فأرسلت إليه فاطمة الزهراء (عليها السلام) تقول: يا صالح! أمّا أنا؛ فقد عفوت من حقّي و نصيبي و صفحت عمّا سؤتني به، لكنّهما ابناي و ابنا علي المرتضى، فاعتذر إليه عمّا آذيت ابنه.

233

ثمّ إنّ صالحا انتظر عليّا (عليه السلام) حتّى أتى من سفره، و أعرض عليه حاله و اعترف عنده بما جرى و بكى بين يديه و اعتذر ممّا أساء إليه.

فقال له: يا صالح! أمّا أنا؛ فقد رضيت عنك و صفحت عن ذنبك، و لكن هؤلاء ابناي و ريحانتا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فامض إليه و اعتذر إليه ممّا أسأت إليه.

فأتى صالح إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله باكيا حزينا، و قال: يا سيّد المرسلين! أنت قد أرسلت رحمة للعالمين، و إنّي قد أسأت و أخطأت، و إنّي قد سرقت ولدكم الحسين (عليه السلام)، و أدخلته إلى داري، و أخفيته عن أخيه و امّه، و قد سؤتهما في ذلك، و أنا قد فارقت الكفر، و دخلت في دين الإسلام.

فقال له النبيّ صلّى اللّه عليه و آله: أمّا أنا؛ فقد رضيت عنك و صفحت عن جرمك، لكن يجب عليك أن تعتذر إلى اللّه تعالى و تستغفره ممّا أسأت به قرّة عين الرسول صلّى اللّه عليه و آله و بهجة فؤاد البتول (عليها السلام) حتّى يعفو اللّه عنك.

قال: فلم يزل صالح يستغفر ربّه، و يتوسّل إليه، و يتضرّع بين يديه في أسحار الليل و أوقات الصلاة، حتّى نزل جبرئيل على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بأحسن التبجيل و هو يقول:

يا محمّد! قد صفح اللّه عن جرم صالح حيث دخل في دين الإسلام على يد الإمام ابن الإمام أخي الإمام (عليهم السلام). (1)

____________

(1) مسند فاطمة الزهراء (عليها السلام): 342- 346.

234

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

235

24- قصّة حديقة بني النجّار برواية منصور الدوانيقي‏

2634/ 1- أمالي الصدوق: حدّثنا أحمد بن الحسن القطّان، و عليّ بن أحمد بن موسى الدقّاق، و محمّد بن أحمد السنانيّ، و عبد اللّه بن محمّد الصائغ رضى اللّه عنهم قالوا: حدّثنا أبو العبّاس أحمد بن يحيى بن زكريّا القطّان، قال: حدّثنا أبو محمّد بكر بن عبد اللّه بن حبيب، قال: حدّثني علي بن محمّد، قال: حدّثنا الفضل بن عبّاس، قال: حدّثنا عبد القدّوس الورّاق، قال: حدّثنا محمّد بن كثير، عن الأعمش؛

و حدّثنا الحسين بن إبراهيم بن أحمد المكتب، قال: حدّثنا أحمد بن يحيى القطّان، قال: حدّثنا بكر بن عبد اللّه بن حبيب، قال: حدّثني عبد اللّه بن يحيى بن محمّد بن باطويه، قال: حدّثنا محمّد بن كثير، عن الأعمش؛

و أخبرنا سليمان بن أحمد بن أيّوب اللخميّ- فيما كتب إلينا من إصبهان- قال: حدّثنا أحمد بن القاسم بن مساور الجوهريّ- سنة ستّ و ثمانين و مأتين- قال: حدّثنا الوليد بن الفضل العنزيّ، قال: حدّثنا مندل بن علي العنزيّ، عن الأعمش؛

و حدّثنا محمّد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقانيّ، قال: حدّثني أبو سعيد الحسن بن علي العدويّ، قال: حدّثنا علي بن عيسى الكوفيّ، قال: حدّثنا جرير بن عبد الحميد، عن الأعمش؛

و زاد بعضهم على بعض في اللفظ، و قال بعضهم ما لم يقل بعض، و سياق الحديث لمندل بن عليّ العنزيّ، عن الأعمش.

236

قال: بعث إليّ أبو جعفر الدوانيقيّ في جوف الليل أن أجب.

قال: فقمت متفكّرا فيما بيني و بين نفسي، و قلت: ما يبعث إليّ أمير المؤمنين!! في هذه الساعة إلّا ليسألني عن فضائل عليّ (عليه السلام)، و لعلّي إن أخبرته قتلني.

قال: فكتبت وصيّتي، و لبست كفني، و دخلت [فيه‏] عليه.

فقال: ادن.

فدنوت، و عنده عمرو بن عبيد، فلمّا رأيته طابت نفسي شيئا.

ثمّ قال: ادن.

فدنوت حتّى كادت تمسّ ركبتي ركبته.

قال: فوجد منّي رائحة الحنوط، فقال: و اللّه؛ لتصدقني أو لأصلّبنّك؟

قلت: ما حاجتك يا أمير المؤمنين!!؟

قال: ما شأنك متحنّطا؟

قلت: أتاني رسولك في جوف الليل أن أجب، فقلت: عسى أن يكون أمير المؤمنين!! بعث إليّ في هذه الساعة ليسألني عن فضائل عليّ (عليه السلام)، فلعلّي إن أخبرته قتلني، فكتبت وصيّتي و لبست كفني.

قال: و كان متّكئا فاستوى قاعدا، فقال: لا حول و لا قوة إلّا باللّه، سألتك باللّه يا سليمان! كم حديثا ترويه في فضائل علي (عليه السلام)؟

قال: فقلت: يسيرا يا أمير المؤمنين!!

قال: كم؟

قلت: عشرة آلاف حديث و ما زاد.

فقال: يا سليمان! و اللّه؛ لاحدّثنّك بحديث في فضائل علي (عليه السلام) تنسى كلّ حديث سمعته.

قال: قلت: حدّثني يا أمير المؤمنين!!

237

قال: نعم، كنت هاربا من بني اميّة و كنت أتردّد في البلدان، فأتقرّب إلى النّاس بفضائل عليّ (عليه السلام)، و كانوا يطعموني و يزوّدوني حتّى وردت بلاد الشام، و إنّي لفي كساء خلق ما عليّ غيره، فسمعت الإقامة و أنا جائع، فدخلت لاصلّي و في نفسي إن اكلّم النّاس في عشاء يعشوني.

فلمّا سلّم الإمام دخل المسجد صبيّان، فالتفت الإمام إليهما و قال: مرحبا بكما، و مرحبا بمن اسمكما على اسمهما.

فكان إلى جنبي شابّ، فقلت: يا شابّ! ما الصبيّان من الشيخ؟

قال: هو جدّهما و ليس بالمدينة أحد يحبّ عليّا (عليه السلام) غير هذا الشيخ، فلذلك سمّى أحدهما الحسن و الآخر الحسين.

فقمت فرحا، فقلت للشيخ: هل لك في حديث أقرّ به عينك؟

فقال: إن أقررت عيني أقررت عينك.

قال: فقلت: حدّثني والدي، عن أبيه، عن جدّه قال: كنّا قعودا عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إذ جائت فاطمة (عليها السلام) تبكي.

فقال لها النبيّ صلّى اللّه عليه و آله: ما يبكيك يا فاطمة؟

قالت: يا أبه! خرج الحسن و الحسين (عليهما السلام) فما أدري أين باتا؟

فقال لها النبيّ صلّى اللّه عليه و آله: يا فاطمة! لا تبكين، فاللّه الّذي خلقهما هو ألطف بهما منك، و رفع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يده إلى السماء، فقال:

اللهمّ إن كانا أخذا برّا أو بحرا فاحفظهما و سلّمهما.

فنزل جبرئيل من السّماء فقال: يا محمّد! إنّ اللّه يقرؤك السّلام و هو يقول:

لا تحزن و لا تغتمّ لهما، فإنّهما فاضلان في الدنيا، فاضلان في الآخرة، و أبوهما خير منهما هما، نائمان في حظيرة بني النجّار، و قد وكّل اللّه بهما ملكا.

قال: فقام النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فرحا، و معه أصحابه حتّى أتوا حظيرة بني النجّار، فإذا هم بالحسن (عليه السلام) معانق للحسين (عليه السلام)، و إذا الملك الموكّل بهما قد افترش أحد

238

جناحيه تحتهما و غطّاهما بالآخر.

قال: فمكث النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يقبّلهما حتّى انتبها، فلمّا استيقظا حمل النبيّ صلّى اللّه عليه و آله الحسن (عليه السلام) و حمل جبرئيل الحسين (عليه السلام)، فخرج من الحظيرة و هو يقول: و اللّه؛ لاشرّفنّكما كما شرّفكم اللّه عزّ و جلّ.

فقال له أبو بكر: ناولني أحد الصبيّين اخفّف عنك!!

فقال: يا أبا بكر! نعم الحاملان، و نعم الراكبان، و أبوهما أفضل منهما.

فخرج حتّى أتى باب المسجد، فقال: يا بلال! هلمّ عليّ بالنّاس.

فنادى منادي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في المدينة، فاجتمع الناس عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في المسجد، فقام على قدميه فقال:

يا معشر الناس! ألا أدلّكم على خير النّاس جدّا وجدّة؟

قالوا: بلى يا رسول اللّه!

قال: الحسن و الحسين، فإنّ جدّهما محمّد، و جدّتهما خديجة بنت خويلد.

يا معشر النّاس! ألا أدّلكم على خير الناس أبا و امّا؟

قالوا: بلى يا رسول اللّه!

قال: الحسن و الحسين، فإنّ أباهما يحبّ اللّه و رسوله، و يحبّه اللّه و رسوله، و امّهما فاطمة بنت رسول اللّه.

يا معشر الناس! ألا أدلّكم على خير الناس عمّا و عمّة؟

قالوا: بلى يا رسول اللّه!

قال: الحسن و الحسين، فإنّ عمّهما جعفر بن أبي طالب الطيّار في الجنّة مع الملائكة، و عمّتهما امّ هاني بنت أبي طالب.

يا معشر الناس! ألا أدّلكم على خير الناس خالا و خالة؟

قالوا: بلى يا رسول اللّه!

قال: الحسن و الحسين، فإنّ خالهما القاسم بن رسول اللّه، و خالتهما زينب بنت رسول اللّه.

239

ثمّ قال بيده: هكذا يحشرنا اللّه.

ثمّ قال: اللهمّ إنّك تعلم أنّ الحسين في الجنّة، و الحسين في الجنّة، و جدّهما في الجنّة، و جدّتهما في الجنّة، و أباهما في الجنّة، و امّهما في الجنّة، و عمّهما في الجنّة، و عمّتهما في الجنّة، و خالهما في الجنّة، و خالتهما في الجنّة.

اللهمّ إنّك تعلم أنّ من يحبّهما في الجنّة، و من يبغضهما في النّار.

قال: فلمّا قلت ذلك للشيخ، قال: من أنت يا فتى؟

قلت: من أهل الكوفة.

قال: أعربيّ أنت أم مولى؟

قال: قلت: بل عربيّ.

قال: فأنت تحدّث بهذا الحديث، و أنت في هذا الكساء؟

فكساني خلعته، و حملني على بغلته، فبعتهما بمائة دينار.

فقال: يا شابّ! أقررت عيني، فو اللّه؛ لأقرّنّ عينك، و لأرشدنّك إلى شابّ يقرّ عينك اليوم.

قال: فقلت: أرشدني.

قال: لي إخوان أحدهما إمام، و الآخر مؤذّن، أمّا الإمام؛ فإنّه يحبّ عليّا (عليه السلام) منذ خرج من بطن امّه، و أمّا المؤذن؛ فإنّه يبغض عليّا (عليه السلام) منذ خرج من بطن امّه.

قال: قلت: أرشدني.

فأخذ بيدي حتّى أتى باب الإمام، فإذا أنا رجل قد خرج إليّ.

فقال: أمّا البغلة و الكسوة فأعرفهما، و اللّه؛ ما كان فلان يحملك و يكسوك إلّا أنّك تحبّ اللّه عزّ و جلّ و رسوله.

فحدّثني بحديث في فضائل علي بن أبي طالب (عليه السلام).

قال: فقلت: أخبرني أبي، عن أبيه، عن جدّه، قال: كنّا قعودا عند النبيّ صلّى اللّه عليه و آله إذ جاءت فاطمة (عليها السلام) تبكي بكاءا شديدا.

240

فقال لها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: ما يبكيك يا فاطمة؟

قالت: يا أبه! عيّرتني نساء قريش، و قلن: إنّ أباك زوّجك من معدوم لا مال له.

فقال لها النبيّ صلّى اللّه عليه و آله: لا تبكينّ، فو اللّه؛ ما زوّجتك حتّى زوّجك اللّه من فوق عرشه، و أشهد بذلك جبرئيل و ميكائيل، و أنّ اللّه عزّ و جلّ اطّلع على أهل الدّنيا فاختار من الخلائق أباك، فبعثه نبيّا، ثمّ اطّلع الثانية فاختار من الخلائق عليّا، فزوّجك إيّاه و اتّخذه وصيّا.

فعليّ أشجع الناس قلبا، و أحلم الناس حلما، و أسمح الناس كفّا، و أقدم الناس سلما، و أعلم الناس علما.

و الحسن و الحسين ابناه، و هما سيّدا شباب أهل الجنّة، و اسمهما في التوراة: شبّر و شبير، لكرامتهما على اللّه عزّ و جلّ.

يا فاطمة! لا تبكينّ، فو اللّه؛ إنّه إذا كان يوم القيامة يكسى أبوك حلّتين، و عليّ حلّتين، و لواء الحمد بيدي فاناوله عليّا لكرامته على اللّه عزّ و جلّ.

يا فاطمة! لا تبكينّ، فإنّي إذا دعيت إلى ربّ العالمين يجي‏ء عليّ معي، و إذا شفّعني اللّه عزّ و جلّ شفّع عليّا معي.

يا فاطمة! لا تبكينّ، إذا كان يوم القيامة ينادي مناد في أهوال ذلك اليوم:

يا محمّد! نعم الجدّ جدّك إبراهيم الخليل الرّحمان، و نعم الأخ أخوك علي بن أبي طالب.

يا فاطمة! عليّ يعينني على مفاتيح الجنّة، و شيعته هم الفائزون يوم القيامة غدا في الجنّة.

فلمّا قلت ذلك، قال: يا بنيّ! ممّن أنت؟

قلت: من أهل الكوفة.

قال: أعربيّ أم مولى؟

241

قلت: بل عربيّ.

قال: فكساني ثلاثين ثوبا، و أعطاني عشرة آلاف درهم.

ثمّ قال: يا شابّ! قد أقررت عيني ولي إليك حاجة.

قلت: قضيت إن شاء اللّه.

قال: فإذا كان غدا فائت مسجد آل فلان كيما ترى أخي المبغض لعليّ (عليه السلام).

قال: فطالت عليّ تلك الليلة، فلمّا أصبحت أتيت المسجد الّذي وصف لي، فقمت في الصفّ، فإذا إلى جانبي شابّ متعمّم، فذهب ليركع فسقطت عمامته، فنظرت في وجهه فإذا رأسه رأس خنزير و وجهه وجه خنزير، فو اللّه؛ ما علمت ما تكلّمت به في صلاتي حتّى سلّم الإمام، فقلت: يا ويحك! ما الّذي أرى بك؟

فبكى و قال لي: انظر إلى هذه الدار، فنظرت.

فقال لي: كنت مؤذّنا لآل فلان، كلّما اصبحت لعنت عليّا (عليه السلام) ألف مرّة بين الأذان و الإقامة!! و كلّما كان يوم الجمعة لعنته أربعة آلاف مرّة!! فخرجت من منزلي، فأتيت داري، فأتّكأت على هذا الدّكان الّذي ترى، فرأيت في منامي كأنّي بالجنّة و فيها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و عليّ (عليه السلام) فرحين، و رأيت كأنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله عن يمينه الحسن و عن يساره الحسين (عليهما السلام)، و معه كأس، فقال: يا حسن! اسقني، فسقاه.

ثمّ قال: اسق الجماعة، فشربوا.

ثمّ رأيته كأنّه قال: إسق المتّكى‏ء على هذا الدّكان.

فقال له الحسن (عليه السلام): يا جدّا! أتامرني أن أسقي هذا، و هو يلعن والدي في كلّ يوم ألف مرّة بين الأذان و الإقامة، و قد لعنه في هذا اليوم أربعة آلاف مرّة؟

فأتاني النبيّ صلّى اللّه عليه و آله، فقال لي: ما لك عليك لعنة اللّه! تلعن عليّا، و عليّ منّي، و تشتم عليّا، و عليّ منّي؟

فرأيته كأنّه تفل في وجهي و ضربني برجله، و قال: قم غيّر اللّه ما بك من نعمة.

242

فانتبهت من نومي فإذا رأسي رأس خنزير، و وجهي وجه خنزير.

ثمّ قال لي أبو جعفر أمير المؤمنين!!: أهذان الحديثان في يدك؟

فقلت: لا.

فقال: يا سليمان! حبّ عليّ إيمان، و بغضه نفاق، و اللّه؛ لا يحبّه إلّا مؤمن، و لا يبغضه إلّا منافق.

قال: قلت: الأمان يا أمير المؤمنين!!

قال: لك الأمان.

قلت: فما تقول في قاتل الحسين (عليه السلام).

قال: إلى النار، و في النّار.

قلت: و كذا من قتل ولد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إلى النّار، و في النّار؟

قال: الملك عقيم يا سليمان! اخرج، فحدّث بما سمعت.

بشارة المصطفى: وجدت بخطّ والدي أبي القاسم، حدّثنا عبد اللّه بن عديّ بجرجان، عن أبي يعقوب الصوفيّ، عن ابن عبد الرحمان الأنصاريّ، عن الأعمش و ذكر (مثله) بأدنى تغيير و تبديل في الألفاظ.

و أقول: و روى هذا الحديث الخوارزميّ في مناقبه أطول و أبسط من ذلك.

و رواه صاحب «المناقب الفاخرة في العترة الطاهرة» و هو أيضا من المخالفين، و ساق الحديث نحو ما مرّ ... إلى قوله:

حتّى سلّم الإمام، فالتفت إليه و قلت له: ما هذا الّذي أرى بك؟

فقال لي: لعلّك صاحب أخي بالأمس؟

قلت: نعم.

فأخذ بيدي و أقامني و هو يبكي حتّى أتينا إلى منزله، فقال لي: ادخل، فدخلت.

فقال: انظر إلى هذا الدكان.

243

فنظرت إلى دكّة، فقال: كنت مؤدّبا و اؤدّب الصبيان على هذه الدكّة، و كنت ألعن عليّا بين كلّ أذان و إقامة ألف مرّة!! و أنّه كان قد لعنته في يوم الجمعة بين الأذان و الإقامة أربعة آلاف مرّة!! فخرجت من المسجد و أتيت الدار، فانطرحت على هذه الدكّة نائما، فرأيت في منامي ... إلى آخر الخبر. (1)

أقول: لم أدر ما قصد المنصور من نقل هذا الخبر و القصّة، لعلّه أراد من النقل أن يخفّف جرمه و عقوبته في قتل أولاد الرسول صلّى اللّه عليه و آله عند وجوه الناس.

و لكن سؤال سليمان الأعمش في آخر الخبر عمّن قتل ولد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و جواب المنصور: إلى النار و في النار، و تداركه قوله بعد بأنّ الملك عقيم، و أمر سليمان بالخروج عن حضوره، قال: أخرج فحدّث؛ خابه عن قصده، و أقرّ بأنّ مصيره و مآله إلى النار.

و هكذا كلّ ظالم و غاصب في حقّ أهل بيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يعلم ذلك و أقرّ به في حين من الأوقات، و لعلّ اللّه تعالى جرى في لسانهم بأن يقرّوا ليتمّ عليهم و على غيرهم الحجّة.

و من تتبّع أقوال الغاصبين و الظالمين لهم في حين ندموا يجد إقرارهم على أنّهم محكومون بعذاب اللّه. رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَ ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ. (2)

____________

(1) البحار: 37/ 88- 94، عن أمالي الصدوق.

(2) آل عمران: 192.

244

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

245

25- قصّة حديقة بني النجّار برواية هارون الرشيد

2635/ 1- الطرائف: ذكر الحاكم النيسابوريّ- و هو من ثقاة الأربعة المذاهب- في تأريخ النيسابوريّ في ترجمة هارون، و بدأ بذكر هارون الرّشيد- رفعه- إلى ميمون الهاشميّ إلى الرّشيد، قال: جرى ذكر آل أبي طالب عند الرّشيد.

فقال: يتوهّم على العوام أنّي أبغض عليّا (عليه السلام) و ولده، و اللّه؛ ما ذلك كما يظنّونه، و أنّ اللّه يعلم شدّة حبّي لعليّ و الحسن و الحسين (عليهم السلام) و معرفتي بفضلهم، و لكنّا طلبنا بثارهم حتّى أقضى اللّه هذا الأمر إلينا!! فقرّبناهم و خلطناهم فحسدونا و طلبوا ما في أيدينا، و سعوا في الأرض فسادا!!

و لقد حدّثني أبي، عن أبيه، عن جدّه عبد اللّه بن عبّاس، قال:

كنّا ذات يوم مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إذ أقبلت فاطمة (عليها السلام) و هي تبكي- و ساق الحديث ... إلى قوله- ثمّ قال:

اللهمّ إنّك تعلم أنّ الحسن و الحسين في الجنّة، و أباهما في الجنّة، و امّهما في الجنّة، و عمّهما في الجنّة، و عمّتهما في الجنّة، و خالهما في الجنّة، و خالتهما في الجنّة، و من أحبّهما في الجنّة، و من أبغضهما في النّار.

و قال سليمان: و كان هارون يحدّثنا و عيناه تدمعان و تخنقه العبرة!! (1)

أقول: فليبك هارون الرشيد بكاء الدهر، بل الأبد من ظلم ارتكبه، أتدمع عيناه و تخنقه العبرة الآن و قد عاند الحسن و الحسين (عليهما السلام) في أولادهما كلّ العناد

____________

(1) البحار: 37/ 94.

246

من القتل و التشريد، و حبسهم و ذبحهم و إلقائهم في البئر؟

و إنّما هو سعى في الأرض بالفساد، و هو حاسدهم و غصب حقّهم بالبغي و الطغيان و العدوان عليهم، و أنّ ظلم آل بني العبّاس و عدوانهم على آل الرسول صلّى اللّه عليه و آله أكثر ظلما من بني اميّة و تعدوا في الظلم و أكثروا عنهم.

اللهمّ انتقم منهم، و احشرهم إلى النار، و عذّبهم عذابا أليما، آمين ربّ العالمين.

247

26- إنّ الحسنين (عليهما السلام) يصطرعان و النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يؤيّد الحسن (عليه السلام) و جبرائيل (عليه السلام) يؤيّد الحسين (عليه السلام)

2636/ 1- أبو هريرة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، قال: كان الحسن و الحسين (عليهما السلام) يصطرعان بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، يقول: هي حسن!؟

قالت فاطمة (عليه السلام): لم تقول: هي حسن؟

قال: إنّ جبرئيل يقول: هي حسين!

أقول: و رواه ابن حجر أيضا في إصابته: (2/ 15)، و ذكر المحبّ الطبري أيضا في ذخائره: 134. (1)

2637/ 2- كنز العمّال: قال: عن عثمان بن عبد اللّه القريشي، حدّثنا يوسف بن أسباط، عن مخلد الضبي، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة، عن ابي ذر قال:

لمّا كان أوّل يوم في البيعة لعثمان اجتمع المهاجرون و الأنصار في المسجد، و جاء علي بن أبي طالب (عليه السلام) فأنشأ يقول:

إنّ أحق ما ابتدأ به المبتدؤون، و نطق به الناطقون، و تفوه به القائلون حمد اللّه و الثناء عليه بما هو أهله ... إلى أن قال:

و هل تعلمون أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله كان آخى بين الحسن و الحسين، فجعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول: هي يا حسن! مرّتين.

فقالت فاطمة (عليها السلام): يا رسول اللّه! إنّ الحسين (عليه السلام) لأصغر منه، و أضعف ركنا منه.

____________

(1) فضائل الخمسة: 3/ 199 و 200، عن اسد الغابة: 2/ 19.

248

فقال لها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: ألا ترضين أن أقول: أنا هي يا حسن! و يقول جبرئيل: هي يا حسين!

فهل لخلق مثل هذه المنزلة؟ نحن صابرون ليقضي اللّه أمرا كان مفعولا.

قال: أخرجه ابن عساكر. (1)

2638/ 3- جعفر بن محمّد، عن أبيه (عليهما السلام):

أنّ الحسن و الحسين (عليهما السلام) كانا يصطرعان، فأطلع عليّ (عليه السلام) على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و هو يقول: ويها الحسن.

فقال علي (عليه السلام): يا رسول اللّه! على الحسين.

فقال صلّى اللّه عليه و آله: إنّ جبرئيل يقول: ويها الحسين.

قال: أخرجه ابن بنت منيع. (2)

2639/ 4- عن علي (عليه السلام): إنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله كان قاعدا في موضع الجنائز، فطلع الحسن و الحسين (عليهما السلام) فاعتركا، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله- و علي (عليه السلام) جالس- ويها حسين خذ حسنا.

فقلت: تؤلب على حسن، و هو أكبرهما يا رسول اللّه؟

فقال صلّى اللّه عليه و آله: هذا جبرئيل قائم و هو يقول: ويها حسنا خذ حسينا.

قال: أخرجه ابن شاهين.

أقول: و اختلاف هذا الحديث مع الأحاديث المتقدّمة محمول على اشتباه الراوي، أو تكرّر القصّة، و اللّه أعلم. (3)

2640/ 5- البحار: و قال الإمام العسكري (عليه السلام): ثمّ تناول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله الحسن (عليه السلام) بيمينه و الحسين (عليه السلام) بشماله، فوضع هذا على كاهله الأيمن، و هذا

____________

(1) فضائل الخمسة: 3/ 199- 200، عن كنز العمّال: 3/ 154.

(2) فضائل الخمسة: 3/ 200، عن ذخائر العقبى: 134.

(3) فضائل الخمسة: 3/ 200.

249

على كاهله الأيسر، ثمّ وضعهما على الأرض، فمشى بعضهما إلى بعض يتجاذبان، ثمّ اصطرعا، فجعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول للحسن: أيها أبا محمّد!

فيقوى الحسن (عليه السلام)، فيكاد يغلب الحسين (عليه السلام)، ثمّ يقوى الحسين (عليه السلام) فيقاومه.

فقالت فاطمة (عليها السلام): يا رسول اللّه! أتشجع الكبير على الصغير؟

فقال لها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: يا فاطمة! إنّ جبرئيل و ميكائيل كلّما قلت للحسن:

أيها أبا محمّد، قالا للحسين (عليه السلام): أيها أبا عبد اللّه! فلذلك قاما و تساويا.

أمّا أنّ الحسن و الحسين (عليهما السلام) لمّا كان يقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: أيها أبا محمّد! و يقول جبرئيل: أيها أبا عبد اللّه! لوارم كلّ واحد منهما حمل الأرض بما عليها من جبالها و بحارها و تلالها و سائر ما على ظهرها لكان أخف عليهما من شعرة على أبدانهما، و إنّما تقاوما، لأنّ كلّ واحد منهما نظير الآخر.

هذان قرّتا عيني، و ثمرتا فؤادي، هذان سندا ظهريّ، هذان سيّدا شباب أهل الجنّة من الأوّلين و الآخرين، و أبوهما خير منهما، وجدّهما رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله خيرهم أجمعين. (1)

أقول: الحديث طويل أخذت قطعة منه، فراجع.

2641/ 6- البحار: بعد أن نقل معنى صدر هذه الرواية السابقة، قال: و في رواية:

فلمّا أتى بهما منزل فاطمة (عليها السلام) أقبلا يصطرعان، فجعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، يقول: إيه يا حسن!

فقالت فاطمة (عليها السلام): يا رسول اللّه! أتقول: إيه يا حسن! و هو أكبر منه؟

____________

(1) مسند فاطمة الزهراء (عليها السلام): 326 و 327، و البحار: 39/ 107، و غاية المرام: 484، عن موفق بن أحمد عن أبي ذر.

250

فقال: هذا جبرئيل (عليه السلام) يقول: إيه يا حسين!

فصرع الحسين الحسن (عليهما السلام). (1)

2642/ 7- ابن المتوكّل، عن السعد آبادي، عن البرقي، عن أبيه، عن فضالة، عن زيد الشحام، عن الصادق، عن آبائه (عليهم السلام)، قال:

دخل النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ذات ليلة بيت فاطمة (عليها السلام) و معه الحسن و الحسين (عليهما السلام)، فقال لهما النبيّ صلّى اللّه عليه و آله: قوما فاصطرعا.

فقاما ليصطرعا، و قد خرجت فاطمة (عليها السلام) في بعض خدمتها، فدخلت فسمعت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و هو يقول: ايه يا حسن! شدّ على الحسين، فأصرعه.

فقالت له: يا أبة! و اعجباه! أتشجّع هذا على هذا؟ تشجّع الكبير على الصغير؟

فقال لها: يا بنيّة! أما ترضين أن أقول أنا: يا حسن! شدّ على الحسين، فأصرعه، و هذا حبيبي جبرئيل (عليه السلام) يقول: يا حسين! شدّ على الحسن، فأصرعه. (2)

____________

(1) مسند فاطمة الزهراء (عليها السلام): 327 و 328.

(2) مسند فاطمة الزهراء (عليها السلام): 328، عن أمالي الصدوق، و البحار: 37/ 7، و غاية المرام: 18، مع اختلاف يسير.

251

27- مسرّة فاطمة (عليها السلام) مع عليّ و ابنيها (عليهم السلام) في خبر الطير و ظهور حسد عائشة

2643/ 1- جعفر بن محمّد الصادق، عن آبائه، عن عليّ (عليهم السلام)، قال:

كنت أنا و رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في المسجد بعد أن صلّى الفجر، ثمّ نهض و نهضت معه، و كان إذا أراد أن يتّجه إلى موضع أعلمني بذلك، فكان إذا أبطأ في الموضع صرت إليه لأعرف خبره، لأنّه لا يتقارّ قلبي على فراقه ساعة.

فقال لي: أنا متّجه إلى بيت عائشة.

فمضى، و مضيت إلى بيت فاطمة (عليها السلام)، فلم أزل مع الحسن و الحسين (عليهما السلام) و هي و أنا مسروران بهما.

ثمّ إنّي نهضت و صرت إلى باب عائشة، فطرقت الباب.

فقالت لي عائشة: من هذا؟

قلت لها: أنا عليّ.

فقالت: إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله راقد.

فانصرفت، ثمّ قلت: النبيّ صلّى اللّه عليه و آله راقد، و عائشة في الدار؟ فرجعت و طرقت الباب.

فقالت لي عائشة: من هذا؟

فقلت: أنا عليّ.

فقالت: إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله على حاجة.

252

فانثنيت مستحييا من دقّي الباب، و وجدت في صدري ما لا أستطيع عليه صبرا، فرجعت مسرعا، فدققت الباب دقّا عنيفا.

فقالت لي عائشة: من هذا؟

فقلت: أنا عليّ.

فسمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول لها: يا عائشة! افتحي [له‏] الباب.

ففتحت فدخلت، فقال لي: اقعد يا أبا الحسن! احدّثك بما أنا فيه أو تحدّثني بإبطائك عنّي؟

فقلت: يا رسول اللّه! [حدّثني‏]، فإنّ حديثك أحسن.

فقال: يا أبا الحسن! كنت في أمر كتمته من ألم الجوع، فلمّا دخلت بيت عائشة و أطلت القعود ليس عندها شي‏ء تأتي به مددت يدي، و سألت اللّه القريب المجيب، فهبط عليّ حبيبي جبرئيل (عليه السلام) و معه هذا الطير.

و وضع إصبعه على طائر بين يديه، فقال: إنّ اللّه عزّ و جلّ أوحى إليّ أن آخذ هذا الطير و هو أطيب طعام في الجنّة، فأتيتك به يا محمّد!

فحمدت اللّه كثيرا و عرج جبرئيل، فرفعت يدي إلى السماء، فقلت: اللهمّ يسّر عبدا يحبّك و يحبّني يأكل معي هذا الطائر.

فمكثت مليّا، فلم أر أحد يطرق الباب، فرفعت يدي، ثمّ قلت: اللهمّ يسّر عبدا يحبّك و يحبّني و تحبّه و أحبّه يأكل معي هذا الطائر.

فسمعت طرقك الباب و ارتفاع صوتك، فقلت لعائشة: ادخلي عليّا.

فدخلت فلم أزل حامدا للّه حتّى بلغت إليّ، إذ كنت تحبّ اللّه و تحبّني و يحبّك اللّه و أحبّك، فكل يا علي!

فلمّا أكلت أنا و النبيّ صلّى اللّه عليه و آله الطائر، قال لي: يا عليّ!

فقلت: يا رسول اللّه! لم أزل، منذ فارقتك أنا و فاطمة و الحسن و الحسين (عليهم السلام) مسرورين جميعا، ثمّ نهضت اريدك، فجئت فطرقت الباب.

253

فقالت لي عائشة: من هذا؟

فقلت لها: أنا عليّ.

فقالت: إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله راقد.

فانصرفت، فلمّا صرت إلى الطريق الّذي سلكته رجعت، فقلت: النبيّ صلّى اللّه عليه و آله راقد و عائشة في الدار؟ لا يكون هذا؟ فجئت فطرقت الباب.

فقالت لي: من هذا؟

فقلت: أنا عليّ.

فقالت: إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله على حاجة.

فانصرفت مستحييا، فلمّا انتهيت إلى الموضع الّذي رجعت منه أوّل مرّة وجدت في قلبي ما لم أستطع عليه صبرا، و قلت: النبيّ صلّى اللّه عليه و آله على حاجة، و عائشة في الدار؟

فرجعت فدققت الباب الدقّ الّذي سمعته يا رسول اللّه! فسمعتك يا رسول اللّه! أنت تقول لها: ادخلي عليّا.

فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله: أبيت إلّا أن يكون الأمر هكذا، يا حميراء! ما حملك على هذا؟

فقالت: يا رسول اللّه! اشتهيت أن يكون أبي يأكل من الطير!!

فقال لها: ما هو بأوّل ضغن بينك و بين عليّ (عليه السلام)، و قد وقفت على ما في قلبك لعليّ (عليه السلام) إنّك لتقاتلينه.

فقالت: يا رسول اللّه! و تكون النساء يقاتلن الرجال؟

فقال لها: يا عائشة! إنّك لتقاتلين عليّا (عليه السلام)، و يصحبك و يدعوك إلى هذا نفر من أصحابي، فيحملونك عليه، و ليكوننّ في قتالك له أمر تتحدّث به الأوّلون و الآخرون.

و علامة ذلك أنّك تركبين الشيطان، ثمّ تبتلين قبل أن تبلغي إلى الموضع‏

254

الّذي يقصد بك إليه، فتنبح عليك كلاب الحوئب، فتسألين الرجوع فيشهد عندك قسامة أربعين رجلا ما هي كلاب الحوئب، فتصيرين إلى بلد أهله أنصارك هو أبعد بلاد على الأرض إلى السماء و أقربها إلى الماء، و لترجعين و أنت صاغرة غير بالغة [إلى‏] ما تريدين.

و يكون هذا الّذي يردّك مع من يثق به من أصحابه، إنّه لك خير منك له، و لينذرنّك ما يكون الفراق بيني و بينك في الآخرة، و كلّ من فرّق عليّ (عليه السلام) بيني و بينه بعد وفاتي، ففراقه جائز.

فقالت: يا رسول اللّه! ليتني متّ قبل أن يكون ما تعدني.

فقال لها: هيهات! هيهات! و الّذي نفسي بيده؛ ليكوننّ ما قلت، حتّى كأنّي أراه.

ثمّ قال لي: قم يا عليّ! فقد وجبت صلاة الظهر حتّى آمر بلالا بالأذان.

فأذّن بلال و أقام الصلاة و صلّى و صلّيت معه و لم نزل في المسجد. (1)

أقول: و خبر الطير كثير متواتر، و قال الشيخ: قد استدلّ به أمير المؤمنين (عليه السلام) على فضله في قصّة الشّورى بمحضر من أهلها، فما كان فيهم إلّا من عرفه و أقرّ به، و العلم بذلك كالعلم بالشورى نفسها، فصار متواترا.

و رواه المخالفين من عدّة طرق، و صنّف أحمد بن سعيد كتاب الطير.

و قال القاضي أحمد: قد صحّ عندي حديث الطير، و قد رواه خمسة و ثلاثون رجلا من الصحابة عن أنس، و عشرة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.

و رواه الشافعي و ابن المغازليّ من ثلاثين طريقا، و ابن بطريق من مسند أحمد، و من مناقب ابن المغازلي بأربعة و عشرين سندا، و راجع تنقيح العلّامة المجلسي (رحمه الله).

____________

(1) البحار: 38/ 348- 350 ح 1، عن الاحتجاج.