المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك‏ - ج17

- أبو الفرج ابن الجوزي المزيد...
320 /
53

الأحد، و جلس على السرير في دار المملكة، و سرّ العوام النساء و الصبيان قدومه، و نفذ الخليفة إليه هدية تشتمل على خيل و سلاح.

[تقرر وزارة العميد أبي المحاسن‏]

و في ربيع الأول: تقررت له وزارة العميد أبي المحاسن عبد الجليل بن علي بن محمد الدهستاني، و لقب بنظام الدين، و جلس للنظر في دار المملكة، و خرج إلى حلوان فانضاف إليه سعد الدولة و غيره، و دخلوا معه إلى بغداد، فخرج الموكب يتلقاه، ثم نفذت له الخلع في يوم آخر مع عميد الدولة فاحتبسه عنده، و استدعى أبا الحسن الدامغانيّ، و أبا القاسم الزينبي، و أبا منصور حاجب الباب، و قال لهم أبو المحاسن: ان السلطان يقول لكم: قد عرفتم ما نحن فيه من الإضاقة و مطالبة العسكر، و هذا الوزير ابن جهير قد تصرف هو و أبوه في ديار بكر و الجزيرة و الموصل في أيام جلال الدولة، و جبوا أموالها و أخذوا ارتفاعها، و ينبغي أن يعاد كل حق إلى حقه. فخرجوا إلى الوزير فأعلموه بالحال فقال: أنا مملوك و لا يمكنني الكلام إلا باذن مولاي. فاستأذنوا في الانصراف فأذن لهم، فعرفوا الخليفة الحال، فكتب الخليفة إلى السلطان كتابا مشحونا بالعتب و التهديد و الغلظة، و قال فيه: فلا يغرك إمساكنا عن مقابلة الفلتات، فو حقّ السالف من الآباء المتقدمين بحكم رب السماء لئن قصّر في أن يعاد شاكرا و بالحباء موفورا لنفعلن! فقرئ الكتاب على السلطان،/ و آل الأمر إلى أن أحضر عميد الدولة بين يدي 22/ ب السلطان، و وعده عنه وزيره بالجميل، و قال: السلطان يقول لك إننا ثقلنا عليك كما يثقل الولد على والده، لضرورات دعت. فانطلق و الأمراء بين يديه، و صحح مائة ألف و ستين ألف دينار.

و التقى السلطان بركيارق و محمد في يوم الأربعاء رابع رجب بمكان قريب من همذان، و كانت الغلبة لأصحاب محمد، فانهزم بركيارق في خمسين فارسا، فنزل على فرسخ من المصاف حتى استراح و التأم إليه عسكره، فلقي أخاه سنجر، فانهزم أصحاب سنجر ثلاثين فرسخا فاشتغل أصحاب بركيارق بالنهب، و أسرت أم أخوي السلطان سنجر و محمد فأكرمها، و قال: إنما ارتبطتك ليطلق أخي من عنده من الأسارى، فأنفذ سنجر من كان عنده من الأسارى و أطلقها.

[قطع خطبة السلطان بركيارق و إعادة خطبة السلطان محمد]

و في يوم الجمعة رابع عشر رجب: قطعت خطبة السلطان بركيارق و أعيدت خطبة السلطان محمد

.

54

[زيادة أمر العيارين‏]

و في شعبان: زاد أمر العيارين بالجانب الغربي حتى أخذوا عيبتين ثيابا لقاضي القضاة أبي عبد اللَّه [ (1)] الدامغانيّ فلم يردوهما إلا بعد تعب.

و تقدم الخليفة إلى الأمير يمن بتهذيب البلد، فعبر الأمير في ثالث عشرين شعبان، فأخذ جماعة منهم فقتلهم.

و من عجيب ما اتفق: أن رجلا من العيارين أعور هرب، و أخذ على رأسه سلّة [ (2)] فيها خزف، و لبس جبّة صوف، و خرج قاصدا للدجيل ليخفي حاله، فاتفق أن خادما للخليفة خرج ليتصيد، فكان يتطير بالعور، فلقيه أعوران فتطير بهما، فرأى غلمانه هذا العيّار، فصاحوا به و نادوا أستأذهم ليقولوا له هذا ثالث، فظن العيّار أنهم قد عرفوه، فدخل مزرعة، فارتابوا بهربته وجدوا في طلبه، فأخذوه و معه سيف تحت ثيابه، فبحثوا عن حاله فعرفوه فقتلوه.

[كثرة الجرف بالعراق‏]

23/ أ و في آخر شعبان: كثر الجرف بالعراق/ و الوباء، و امتنع القطر، و زاد المرض، و عدمت الأدوية و العقاقير، و رئي نعش عليه ستة موتى، ثم حفر لهم زبية فألقوا فيها.

[حريق بخرابة ابن جردة]

و في هذا الشهر: وقع حريق بخرابة ابن جردة، فهلك معظمها، و كانت الريح عاصفة فأطارت شرارة فأحرقت دارا برحبة الجامع، و أخرى فأحرقت ستارة دار الوزير بباب العامة.

[القبض على الوزير عميد الدولة]

و في رمضان: قبض على الوزير عميد الدولة، و على إخوته زعيم الرؤساء أبي القاسم و أبي البركات بن جهير الملقب بالكافي راسله الخليفة بأبي نصر بن رئيس الرؤساء، و يمن، فلما خرج من الديوان معهما قدم عليه المركوب و قد أحسن بما يراد منه، فقال: أنا أساويكما في المشي.

[قتل شحنة أصبهان‏]

و في ليلة السابع و العشرين من رمضان: قتل شحنة أصبهان في دار السلطان محمد، قتله باطني، و قد كان يتحرز منهم و يلبس درعا تحت ثيابه، فأغفل تلك الليلة

____________

[ (1)] كذا في الأصول.

[ (2)] في ص: «على رأسه سكة».

55

لبس الدرع و خرج إلى دار السلطان، فضربه الباطني بسكين في خاصرته، و قتل معه اثنين، و مات في تلك الليلة جماعة من ولد هذا الشحنة، فأخرج من داره خمس جنائز.

[قتل أمير بالري‏]

و في ذي الحجة: قتل أمير بالري، قتله باطني، فحمل الباطني إلى فخر الملك بن نظام الملك فقال له: ويحك، أما تستحي؟ هتكت حرمتي و أذهبت حشمتي، و قتلته في داري. فقال الباطني: العجب منك [أنك‏] [ (1)] تذكر أن لك حرمة مهتوكة، أو دارا مملوكة، أو حشمة تمنع من الدماء المسفوكة، أو ما تعلم أننا قد أنفذنا إلى ستة نفر أحدهم أخوك و فلان و فلان، فقال له: و أنا في جملتهم؟ فقال: أنت أقل من أن تذكر أو أن تدنس نفوسنا بقتلك. فعذّب على أن يقر من أمره بذلك، فلم يقر فقتله.

و في هذه السنة: خرج من/ الأفرنج ثلاثمائة ألف فهزمهم المسلمون و قتلوهم، 23/ ب فلم يسلم منهم سوى ثلاثة آلاف هربوا ليلا، و باقي الفل هربوا مجروحين.

ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

3689- أحمد بن عبد الوهاب بن الشيرازي، أبو منصور الواعظ

[ (2)]:

تفقه على أبي إسحاق، و رزق في الوعظ قبولا.

و توفي في شعبان هذه السنة و دفن بمقبرة باب حرب.

3690- أحمد بن محمد بن عمر بن محمد، أبو القاسم، المعروف بابن الباغبان‏

[3)]:

من أهل أصبهان، سمع الحديث الكثير تحت ضرّ شديد، و كان رجلا صالحا.

و توفي في شعبان هذه السنة.

3691- أحمد بن أحمد بن الحسن، أبو البقاء الوكيل‏

[ (4)]:

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (2)] في ت: «أحمد بن عبد الوهاب ابن الشيرازي».

[ (3)] الباغبان: نسبة إلى حفظ الباغ، و هو البستان.

و انظر ترجمته في: الأنساب للسمعاني 2/ 44).

[ (4)] «الوكيل»: ساقطة من ص، ط.

56

كان وكيلا بين يدي أبي عبد اللَّه الدامغانيّ، و قد سمع من ابن النقور، و الصريفيني و أبي بكر الخطيب، و كان يضرب به المثل في الدهاء و الحذق في صناعته.

و توفي قبل أوان الرواية في هذه السنة.

3692- الحسين بن أحمد [ (1)] بن محمد بن طلحة، أبو عبد اللَّه النعالي‏

[ (2)]:

سمع أبا سعيد الماليني [ (3)]، و أبا الحسين بن بشران في آخرين، و عاش تسعين سنة، فاحتاج الناس إلى إسناده مع خلوة من العلم، حدثنا عنه أشياخنا. و توفي في صفر هذه السنة، و دفن بمقبرة جامع المنصور.

3693- سلمان بن أبي طالب، عبد اللَّه بن محمد الفتي، أبو عبد اللَّه الحلواني، والد الحسن بن سلمان [ (4)] الفقيه الّذي درس في النظامية ببغداد

[ (5)]:

سمع أبا الطيب الطبري، و أبا طالب بن غيلان، و أبا محمد الجوهري، و غيرهم، و حدث و كان له معرفة تامة باللغة و الأدب، قرأ على الثمانيني، و غيره، و قال الشعر، و نزل أصبهان فقرأ عليه أكثر أئمتها و فضلائها الأدب، و كان جميل الطريقة.

و توفي في هذه السنة بأصبهان.

3694- سعد الدولة الكوهرائين‏

[ (6)]:

24/ أ و كان من الخدم الأتراك الذين ملكهم/ أبو كاليجار بن سلطان الدّولة من بهاء الدّولة بن عضد الدّولة، و انتقل إليه من امرأة، و كان الكوهرائين بعد إقبال الدنيا عليه و مسير الجيوش تحت ركابه يقصد مولاته، و يسلم عليها، و يستعرض حوائجها، و بعث به أبو كاليجار مع ابنه أبي نصر إلى بغداد فاعتقل طغرلبك أبا نصر، و لم يبرح معه‏

____________

[ (1)] في ت: «أحمد بن أحمد».

[ (2)] انظر ترجمته في: (شذرات الذهب 3/ 399).

[ (3)] في ت: «أبا سعد الماليني».

[ (4)] في ت: «سليمان».

[ (5)] انظر ترجمته في: «شذرات الذهب 3/ 399، و فيه: «سليمان بن عبد اللَّه بن الفتى، أبو عبد اللَّه النهرواني».

[ (6)] في الأصل: الكوهراي». و انظر ترجمته في: (الكامل 9/ 26).

57

الكوهرائين، و مضى معه إلى القلعة، فلما توفي خدم الكوهرائين [ألب أ] [ (1)] رسلان و وقاه بنفسه لما جرحه يوسف، فلم يغن عنه، فلما ملك جلال الدولة ملك شاه جاء إلى بغداد في رسالة، و جلس له القائم بأمر اللَّه في صفر سنة ست و ستين، و أعطاه عهد جلال الدولة، و أقطعه ملك شاه واسط، و كان قد جعل إليه الشحنكية ببغداد، ثم قبل ذلك نال دنيا واسعة، فرأى ما لم يره خادم يقاربه من نفوذ الأمر، و كمال القدرة و الجاه و طاعة العسكر، و لم ينقل أنه مرض و لا صدع، و نال مراده في كل عدو له، و ذكر أنه لم يجلس إلا على وضوء، و كان يصلي بالليل و لا يستعين على وضوئه بأحد، و لا يعلم أنه صادر أحدا و لا ظلمه، إلا أنه كان يعمل رأيه في قتل من لا يجوز قتله من اللصوص و يمثل بهم، و يزعم أن ذلك سياسة، و لما اختصم محمد و بركيارق كان مع بركيارق فكبا به الفرس فسقط و عليه سلاحه فقتل، ثم حمل إلى بغداد فدفن بها في الجانب الشرقي، و تربته مقابل رباط أبي النجيب.

3695- عبد الرزاق الصوفي الغزنوي‏

[ (2)]:

كان مقيما في رباط عتاب، و كان خيرا يحج سنين على التجريد، و احتضر و قد قارب مائة سنة و لا كفن له، فقالت له زوجته و هو يجود بنفسه: إنك تفتضح إذا لم يوجد لك كفن. فقال لها: لو وجد كفن لافتضحت.

و مات/ في هذه السنة.

3696- أبو الحسن البسطامي شيخ رباط ابن [ (3)] المحلبان:

و كان لا يلبس إلا الصوف شتاء و صيفا، و كان يحترم و يقصد، فخلف مالا مدفونا يزيد على أربعة آلاف دينار، و كان عبد الرزاق على ما ذكرنا فتعجب الناس من تفاوت حاليهما و كلاهما شيخ رباط.

3697- عبد الباقي بن حمزة بن الحسين، أبو الفضل الحداد [ (4)] القرشي‏

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (2)] نسبته هذه إلى غزنة أو غزنين، و هي قصبة زابلستان الواقعة في طرف خراسان، بينها و بين الهند، و هي اليوم احدى مدن أفغانستان.

و انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 158، و الكامل 9/ 30).

[ (3)] البسطامي: نسبة إلى بسطام، و هي بلدة بقومس مشهورة.

[ (4)] انظر ترجمته في: (شذرات الذهب 3/ 399).

58

سمع من الجوهري و غيره، و كان له يد في الفرائض و الحساب، و كان شيخنا أبو الفضل ابن ناصر يثني عليه و يوثقه، و توفي في شعبان هذه السنة.

3698- عبد الصمد بن علي بن الحسين ابن البدن، أبو القاسم‏

[ (1)]:

من أهل نهر القلائين، والد شيخنا عبد الخالق. قال شيخنا عبد الوهاب الأنماطي: كان شيخ المحملة يضرب و يعاقب، و لكنه كان سنيا.

توفي يوم الثلاثاء ثالث عشر جمادى الأولى، و دفن في داره بنهر القلائين.

3699- عبد الملك بن محمد بن الحسن، أبو سعد السّامري‏

[ (2)].

سمع الحديث من ابن النقور، و ابن المهتدي، و الزينبي، و غيرهم، و حدث ببغداد، و شهد عند أبي عبد اللَّه الدامغانيّ في سنة خمس و ستين، و كان حجّاجا و إليه كسوة الكعبة، و عمارة الحرمين، و النظر في المارستانين العضدي، و العتيق، و الجوامع بمدينة السلام، و الجسر، و الترب بالرصافة، و كان كثير الصدقة، ظاهر المعروف، وافر التجمل، مستحسن الصورة، كامل الظرف، روى عنه أشياخنا، و آخر من روى عنه شهدة بنت الإبري.

و توفي في رجب هذه السنة، و دفن بمقبرة الخيزران عند قبر أبي حنيفة.

3700- عبد القاهر بن عبد السلام بن علي أبو الفضل [ (3)] العباسي.

25/ أ من أهل مكة، و كان نقيب الهاشميين/ بها، و كان من خيارهم و من ذوي الهيئات النبلاء، سمع الحديث بمكة، و استوطن بغداد، و أقرأ بها [ (4)]، و كان قيما بالقراءات، فقرأ عليه من مشايخنا أبو محمد [ (5)]، و أبو الكرم ابن الشهرزوريّ [ (6)].

و توفي في جمادى الآخرة من هذه السنة.

____________

[ (1)] في ت: «ابن الحسن بن البدن».

[ (2)] السامري نسبة إلى بلدة على الدجلة فوق بغداد بثلاثين فرسخا يقال لها: سرّ من رأى. (الأنساب 7/ 14).

[ (3)] انظر ترجمته في: شذرات الذهب 3/ 400).

[ (4)] في الأصل: «و استوطن بغداد و أقرانها.

[ (5)] في ص: «فقرأ عليه من أشياخنا».

[ (6)] في الأصل: «أبو الكرم ابن السهرودي».

59

3701- محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن عبدوس بن كامل، أبو الحسين الدلال و يعرف بالزعفراني‏

[ (1)]:

سمع أبا بكر النقاش، و الشافعيّ، روى عنه أبو القاسم التنوخي، و كان ثقة، و أخذ الفقه عن أبي بكر الرازيّ.

3702- محمد بن علي بن السحين بن جداء، أبو بكر العكبريّ:

[ (2)] كان من العلماء الصالحين، نزل يتوضأ في دجلة فغرق في ربيع الأول من هذه السنة.

3703- محمد بن جعفر بن طريف البجلي الكوفي، أبو غالب‏

[ (3)].

سمع أبا الحسين ابن قدوية غيره، و سماعه صحيح، و هو ثقة، روى عنه شيوخنا، و توفي يوم الثلاثاء العشرين من جمادى الآخرة.

3704- محمد بن محمد بن محمد بن جهير الوزير، أبو منصور بن أبي نصر الوزير بن الوزير، الملقب عميد الدولة

[ (4)].

كان حسن التدبير، كافيا في مهمات الخطوب، كثير الحلم، لم يعرف أنه عجل على أحد بمكروه، و قرأ الأحاديث على المشايخ، و كان كثير الصدقات، يجيز العلماء، و يثابر على صلاتهم، و لما احتضر القائم أوصى المقتدي بابن جهير، و خصّه بالذكر

____________

[ (1)] نسبته هذه لقرية بين همذان و أستراباذ. يقال لها الزعفرانية.

و انظر ترجمته في: (الأنساب 6/ 282، و أرخ وفاته في سنة ثلاث أو أربع و تسعين و ثلاثمائة. و تاريخ بغداد 1/ 98، و وفاته أيضا فيه سنة 394).

[ (2)] نسبته هذه إلى بلدة على الدجلة فوق بغداد بعشرة فراسخ من الجانب الشرقي.

[ (3)] البجلي: نسبة إلى قبيلة بجيلة.

[ (4)] في الأصل: «محمد بن محمد بن جهير الوزير أبو نصر ابن أبي منصور الوزير بن الوزير الملقب عميد الدولة».

و في ت: «محمد بن الوزير أبي نصر محمد بن جهير أبو منصور». و ما أوردناه من الشذرات و الوافي.

و انظر ترجمته في: (الوافي بالوفيات 1/ 272، و شذرات الذهب 3/ 440، و البداية و النهاية 12/ 159).

60

الجميل، فقال: يا بني، قد استوزرت ابن المسلمة، و ابن دارست، و غيرهما، فما رأيت مثل ابن جهير. و كان عميد الدولة قد خدم ثلاثة خلفاء، و وزر لاثنين منهم، تقلد وزارة المقتدي في صفر سنة اثنتين و سبعين فبقي فيها خمس سنين، ثم عزل بالوزير أبي 25/ ب شجاع، ثم عاد بعد عزل أبي شجاع/ في سنة أربع و ثمانين، فلم يزل إلى أن مات المقتدي، ثم دبّر المستظهر التدبير الحسن ثماني سنين و أحد عشر شهرا و أربعة أيام، و كان عيبه عند الناس الكبر، و كانت كلمه معدودة، فإذا كلّم شخصا قام ذلك مقام بلوغ الأمل [ (1)]، حتى إنه قال يوما لولد أبي نصر بن الصباغ: اشتغل و ادأب، و إلا كنت صباغا بغير أب: فلما نهض المقول له ذلك من مجلسه هنأه الناس بهذه العناية، ثم آل أمره إلى أن قبض عليه و حبس في باطن دار الخلافة، فأخرج من محبسه ميتا [ (2)] في شوال، فحمل إلى داره فغسل بها، و دفن في التربة التي استجدها في قراح ابن رزين، و كان فيها قبور جماعة من ولده، و منع أصحاب الديوان دفنه، و أخذوا الفتاوى بجواز بيع تربته لأنه لم يثبت البينة بأنه وقفها و لم يتم لهم ذلك.

3705- محمد بن صدقة بن مزيد، أبو المكارم، الملقب بعز الدولة، و أبوه سيف [ (3)] الدولة:

كان ذكيا شجاعا، فتوفي و جلس الوزير عميد الدولة في داره للعزاء به ثلاثة أيام، للصهر الّذي كان بينهما، و خرج إليه في اليوم الثالث توقيع يتضمن التعزية له و الأمر بالعود إلى الديوان، فعزاه قائما، و خرج قاضي القضاة أبو الحسن الدامغانيّ إلى حلة سيف الدولة برسالة من دار الخلافة تتضمن التعزية لأبيه، و اتفق في مرضه أنه أتى أبوه [ (4)] بديوان أبي نصر بن نباتة، فبصر في توقيع قصيدة، قال يعزي سيف الدولة [ (5)] أبا الحسن علي بن حمدان و يرثي ابنه أبا المكارم محمدا، فأخذ من حضره المجلدة من‏

____________

[ (1)] في الأصل: «فإذا كلم شخصا كان ذلك عنده مقام بلوغ الأمل».

[ (2)] في الأصل: «فأخرج من مجلسه ميتا».

[ (3)] في الأصل: «و أبوه بسيف الدولة»

[ (4)] في الأصل: «في مرضه أنهم أقوه».

[ (5)] في ص: «في توقيع سيده، قال: تعزية سيف الدولة».

61

يده و أطبقه، فعاد و أخذه/ و فتحه و خرج ذلك و أراه قصيدة ابن نباتة التي يقول فيها: 26/ أ

فإن بميّافارقين حفيرة * * * تركنا عليها ناظر الجود داميا

و حاشاك سيف الدّولة اليوم أن ترى‏ * * * من الصبر خلوا أو إلى الحزن ظاميا

و لما عدمنا الصبر بعد محمد * * * أتينا أباه نستعيد التعازيا

[ (1)]

3706- يحيى بن عيسى [ (2)] بن جزلة، أبو علي [ (3)] الطبيب:

كان نصرانيا فلازم أبا علي بن الوليد ليقرأ عليه المنطق، فلم يزل أبو علي بن الوليد [ (4)] يدعوه إلى الإسلام، و يذكر له الدلالات الواضحة، و البراهين البيّنة حتى أسلم، و استخدمه أبو عبد اللَّه الدامغانيّ في كتب السجلات، و كان يطيب أهل محلته و سائر معارفه بغير أجرة، بل احتسابا، و ربما حمل إليهم الأدوية بغير عوض، و وقف كتبه قبل وفاته، و جعلها في مسجد أبي حنيفة.

***

____________

[ (1)] في ص: «أباه نستفيد التعازيا».

[ (2)] في ت: «يحيى بن جذلة». بإسقاط «عيسى».

[ (3)] انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 159، و الكامل 9/ 30).

[ (4)] «أبا علي بن الوليد» ساقطة من ص.

62

ثم دخلت سنة اربع و تسعين و اربعمائة

فمن الحوادث فيها:

[ولاية أبي الفرج ابن السيبي قضاء باب الأزج‏]

أنه في المحرم ولي أبو الفرج ابن السيبي قضاء باب الأزج، حين مرض حاكمها أبو المعالي عزيزي، و لما توفي عزيزي وقع إلى أبي الفرج ابن السيبي أن ينوب عنه أبو سعيد المخرمي [ (1)]، و تقررت وزارة الخليفة [ (2)] لأبي المحاسن عبد الجليل بن محمد 26/ ب الدهستاني، و هو الّذي استوزره بركيارق، و لقبه نظام الدين/، و جددت عمارة ديوان الخليفة و نظريته، و عين على حضوره فيه، و إفاضة الخلع عليه يوم السبت سادس صفر، فوصلت من بركيارق كتب تستدعيه، فسارع إلى ذلك، و بطل ما عزم عليه، و شهد في جمادى الآخرة عند أبي الحسن الدامغانيّ أبو العباس أحمد بن سلامة الكرخي المعروف بابن الرطبي، و أبو الفتح محمد بن عبد الجليل الساوي، و أبو بكر محمد بن عبد الباقي شيخنا.

[قتل السلطان بركيارق خلقا من الباطنية]

و في هذه السنة: قتل السلطان بركيارق خلقا من الباطنية ممن تحقق مذهبه، و من اتهم به، فبلغت عدتهم ثمانمائة و نيفا [ (3)]، و وقع التتبع لأموال من قتل منهم، فوجد لأحدهم سبعون بيتا من الزوالي المحفور، و كتب بذلك كتاب إلى الخليفة، فتقدم‏

____________

[ (1)] في ص: «أبو سعد المخرمي».

[ (2)] في ص: «و تفردت وزارة الخليفة».

[ (3)] في ص: «فبلغت عدتهم ثلاثمائة و نيف».

63

بالقبض على قوم يظن فيهم ذلك المذهب، و لم يتجاسر أحد أن يشفع في أحد لئلا يظن ميله إلى ذلك المذهب، و زاد تتبع العوام لكل من أرادوا، و صار كل من في نفسه شي‏ء من إنسان يرميه بهذا المذهب، فيقصد [و ينهب‏] [ (1)] حتى حسم هذا الأمر فانحسم، و أول ما عرف من أحوال الباطنية في أيام [ملك شاه‏] [ (2)] جلال الدولة، فإنّهم اجتمعوا فصلوا صلاة العيد في ساوة، ففطن بهم الشحنة، فأخذهم و حبسهم، ثم أطلقهم، ثم اغتالوا مؤذنا من أهل ساوة، فاجتهدوا أن يدخل معهم فلم يفعل، فخافوا أن ينم عليهم فاغتالوه فقتلوه، فبلغ الخبر إلى نظام الملك، و تقدم بأخذ من يتهم بقتله فقتل المتهم، و كان نجارا، فكانت أول فتكة لهم قتل نظام الملك/ و كانوا يقولون: قتلتم منا نجارا، 27/ أ و قتلنا به نظام الملك، فاستفحل أمرهم بأصبهان لما مات ملك شاه، فآل الأمر إلى أنهم كانوا يسرقون الإنسان فيقتلونه و يلقونه في البئر، فكان الإنسان إذا دنا وقت العصر و لم يعد إلى منزله يئسوا منه، و فتش الناس المواضع، فوجدوا امرأة في دار الأزج فوق حصير، فأزالوها فوجدوا تحت الحصير أربعين قتيلا، فقتلوا المرأة، و أخربوا الدار و المحلة، و كان يجلس رجل ضرير على باب الزقاق الّذي فيه الدار، فإذا مرّ به إنسان سأله أن يقوده خطوات إلى الزقاق، فإذا حصل هناك جذبه من في الدار، [و استولوا عليه‏] [ (3)]، فجد المسلمون [ (4)] في طلبهم بأصبهان، و قتلوا منهم خلقا كثيرا، و أول قلعة تملكتها الباطنية قلعة في ناحية يقال لها: الروذناذ من نواحي الديلم، و كانت هذه القلعة لقماج صاحب ملك شاه، و كان مستحفظها متهما بمذهب القوم، فأخذ ألفا و مائتي دينار و سلّم إليهم القلعة في سنة ثلاث و ثمانين في أيام ملك شاه، فكان متقدمها الحسن بن الصباح- و أصله من مرو- و كان كاتبا للأمير عبد الرزاق بن بهرام، إذ كان صبيا، ثم سار إلى مصر [ (5)]، و تلقى من دعاتهم المذهب، و عاد داعية للقوم، و رأسا فيهم، و حصلت له هذه القلعة، و كانت سيرته في دعائه أنه لا يدعو إلا غبيّا، لا يفرق بين شماله و يمينه،

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (2)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (3)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (4)] في الأصل: «فضح المسلمون».

[ (5)] في ص: «ثم صار إلى مصر».

64

و من لا يعرف أمور الدنيا، و يطعمه الجوز و العسل و الشونيز، حتى يتسبط دماغه، ثم يذكر له حينئذ ما تم على [أهل‏] [ (1)] بيت المصطفى من الظلم و العدوان، حتى يستقر/ 27/ ب ذلك في نفسه، ثم يقول له: إذا كانت الأزارقة و الخوارج سمحوا بنفوسهم في القتال مع بني أميّة، فما سبب تخلفك بنفسك في نصرة إمامك؟ فيتركه بهذه المقالة طعمة للسباع. و كان ملك شاه قد أنفذ إلى هذا ابن الصباح يدعوه إلى الطاعة، و يتهدده إن خالف، و يأمره بالكفّ عن بثّ أصحابه لقتل العلماء و الأمراء [ (2)]، فقال في جواب الرسالة و الرسول حاضر: الجواب ما ترى، ثم قال لجماعة وقوف بين يديه: أريد أن أنفذكم إلى مولاكم في قضاء حاجة، فمن ينهض لها؟ فاشرأبّ كل واحد منهم لذلك، و ظن رسول السلطان أنها رسالة يحملها إياهم، فأومأ إلى شاب منهم، فقال له: اقتل نفسك. فجذب سكينه و ضرب بها غلصمته [فخر ميتا] [ (3)]، و قال لآخر: ارم نفسك من القلعة. فألقى نفسه فتمزّق، ثم التفت إلى رسول السلطان فقال: أخبره أن عندي [من هؤلاء] [ (4)] عشرين ألفا هذا حدّ طاعتهم لي، و هذا هو الجواب. فعاد الرسول إلى السلطان ملك شاه، فأخبره بما رأى، فعجب من ذلك و ترك كلامهم، و صار بأيديهم قلاع كثيرة، فمنها قلعة على خمسة فراسخ من أصبهان، كان حافظها تركيا، فصادقه نجار باطني، و أهدى له جارية و فرسا و مركبا، فوثق به، و استنابه في حفظ المفاتيح، فاستدعى النجار ثلاثين رجلا من أصحاب ابن عطاش، و عمل دعوة، و دعا التركي 28/ أ و أصحابه، و سقاهم الخمر، فلما سكروا دفع الثلاثين بالحبال إليه، و سلّم/ إليهم القلعة، فقتلوا جماعة من أصحاب التركي، و سلّم التركي وحده فهرب، و صارت القلعة بحكم ابن عطاش، و تمكنوا و قطعوا الطرقات ما بين فارس و خوزستان، فوافق الأمير جاولي سقاوو [ (5)] جماعة من أصحابه حتى أظهروا الشغب عليه، و انصرفوا عنه، و أتوا إلى الباطنية و أشاعوا الموافقة لهم، ثم أظهر أن الأمراء بني برسق يقصدونه [ (6)]، و أنه‏

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (2)] في الأصل: «لقتل الأمراء و العلماء».

[ (3)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (4)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (5)] في ص: «الأمير جاولي شقاوة».

[ (6)] في الأصل: «أن الأمراء بني بريق».

65

على ترك البلاد عليهم، و الانصراف عنهم، فحادت طائفة [ (1)] من أصحابه عنه، فلما سار بلغ الباطنية حده، فحسن له أصحابه المنحازون إليهم أتباعه، و الاستيلاء على أمواله، فساروا إليه بثلاثمائة من صناديدهم، فلما توسطوا الشعب عاد عليهم و من معه من أصحابه [ (2)]، فقتلوهم، فلم يفلت إلا ثلاثة نفر تسلقوا في الجبال، فغنم خيلهم و أموالهم، و تهذبت الطرق بهلاكهم، و تبعهم بعض الأمراء، و قتل خلقا منهم ابن كوخ الصوفي، و كان قد أقام ببغداد بدرب زاخي في الرباط مدة، و كان يحج في كل سنة بثلاثمائة من الصوفية، و ينفق عليهم الألوف من الدنانير، و قتل جماعة من القضاة اتهموا بهذا المذهب، و كان قد حصل بعسكر بركيارق جماعة، و استغووا خلقا من الأتراك، فوافقوهم في المذهب، فاستشعر أصحاب السلطان و لازموا لبس السلاح، ثم تتبعوا من يتهم، فقتلوا أكثر من مائة، و ثمّ بلد يعرف بالصمير- هو سواد يقارب المشان- يعتقد أهله في ابن الشيباش [ (2)] و أهل بيته، و كان له نارنجيات انكشفت لبعض أتابعه، ففارقه و بيّن للناس أمره، فكان مما أخبر به عنه أنه قال: أحضرنا يوما جديا مشويا و نحن جماعة من أصحابه، فلما أكلناه أمر بردّ عظامه إلى التنور فردّت، و ترك على التنور طبقا ثم رفعه بعد ساعة، فوجدنا جديا حيا يرعى حشيشا، و لم نر للنار أثرا، و لا للرماد خبرا، فتلطفت حتى عرفت هذه النارنجية، و ذاك أني وجدت ذلك التنور يفضي إلى سرداب، و بينهما طبق حديد يدور بلولب، فإذا أراد إزالة النار عنه فركه، فينزل إليه. و يترك مكانه طبقا آخر مثله. و ستأتي أخبار ابن الشيباش فيما بعد [ (3)] إن شاء اللَّه تعالى.

[قصد بركيارق خوزستان‏]

و في هذه السنة: قصد بركيارق خوزستان، و انضم إليه أولاد برسق، و كان أمير آخر قد مات، و انضم إليه عسكره مع أياز [ (4)]، فتوجه أياز من همذان بعسكره، و اتصل ببركيارق، و سار طالبا لأخيه محمد، فالتقيا و على ميمنة بركيارق أياز، و على الميسرة أولاد برسق، فانهزمت طلائع محمد، و رجعت إلى القلب فانهزم السلطان محمد و رجع‏

____________

[ (1)] في الأصل: «و من معهم من أصحابه».

[ (2)] في ص: «ابن الشبشاش».

[ (3)] في ص: «ابن الشبشاش فيما بعد».

[ (4)] في ص: «و صار عسكره مع أياز».

66

مؤيد الملك، و هرب، فأدركه [ (1)] غلمان بركيارق فأسروه فقتل، و خرج الزعيم ابن جهير متنكرا فقصد حلة سيف الدولة.

[فتح الخليفة جامع القصر]

و في رمضان هذه السنة: تقدم الخليفة بفتح جامع القصر و ان يصلى فيه [صلاة] [ (2)] التراويح، و لم تكن العادة جارية بذلك، و رتب [فيه‏] [ (3)] للإمامة أبو الفضل محمد بن أبي جعفر عبد اللَّه بن أحمد بن المهتدي، و أمر بالجهر بالبسملة و القنوت على مذهب الشافعيّ، و بيّض الجامع، و عمّر و كسى، و حملت إليه الأضواء، و أمر المحتسب أن ينهى النساء عن الخروج ليلا للتفرج.

[أرسل السلطان محمد إلى أخيه سنجر يلتمس مالا]

29/ أ و في هذه السنة: أرسل السلطان محمد إلى أخيه سنجر/ يلتمس منه مالا و كسوة، فوقع التقسيط بذلك على أهل نيسابور الكبار و الصغار و الضعفاء [ (4)]، حتى جبيت الحمامات و الخانات، و ترددت الرسل بينهما، فوقع الصلح، و سارا و قد بلغهما تفرق العساكر عن بركيارق، فلما وصلا إلى دامغان [أخربوها فعفت‏] [ (5)]، و أخربوا ما أتوا عليه من البلاد، و عمّ الغلاء تلك الأصقاع حتى شوهد رجل يأكل كلبا مشويا في الجامع، و إنسان يطاف به في الأسواق و في عنقه [يد] [ (6)] صبي قد ذبحه و أكله.

[مضى بركيارق إلى بغداد]

و مضى بركيارق إلى بغداد و معه الأمير أياز، فوصل إلى بغداد في خمسة آلاف فارس، و خرج الموكب لتلقيه، ثم دخل بعده ولده ملك شاه بن بركيارق، فاستقبله أهل المناصب من النهروان، و حمل إليه من دار الخلافة تعويذ من ذهب، فيه مصحف جامع، فعلّق عليه، و كان عمره سنة و شهورا.

[خطب الشريف أبو تمام ابن المهتدي بجامع القصر]

و في عيد الفطر: خطب الشريف أبو تمام ابن المهتدي بجامع القصر، فأراد أن يدعو لبركيارق فدعا للسلطان محمد غلطا لا عن قصد، فأتى أصحاب بركيارق إلى‏

____________

[ (1)] في ص: «فانهزمت طلائع محمد و هرب مؤيد الملك فأدركه غلمانه».

[ (2)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (3)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (4)] في ص: «أهل نيسابور الكبار و الضعفاء» بإسقاط «الصغار».

[ (5)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (6)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

67

الديوان و قالوا: قد ولف [ (1)] علينا. فعزل ثم أعيد بعد جمعتين.

و في يوم الأضحى: بعث الخليفة للسلطان منبرا فنصب في دار المملكة، و صلى هناك الشريف أبو الكرم، و أنفذ إليه جملا للأضحية، و حربة للنحر، و كان السلطان محموما، فلم يمكنه النحر بيده، و لما وصل السلطان بركيارق لم يرد سيف الدولة إلى خدمته، و كان متجنيا فراسله السلطان بركيارق، فأبى و قال: لا أصحب السلطان، مع كون الوزير الأعز معه، فإن سلمه إليّ فأنا المخلص، و قال الوزير: قد نفذ إليّ سيف الدولة قبل ذلك أنه قد اجتمع عليك للخزانة السلطانية ألف ألف دينار، فإن أديتها و إلا فبلدك مقصود، فلما قرأ الكتاب طرد الرسول/ و كان الرسول العميد، و كانت كيفيّة 29/ ب طرده: أنه نزل في خيمة فأمر سيف الدولة بأن يقطعوا أطنابها، فوقعت الخيمة عليه، فخرج و ركب في الحال، و كتب إلى سيف الدولة من الطريق:

لا ضربت لي بالعراق خيمة * * * و لا علت أناملي على قلم‏

إن لم أقدها من بلاد فارس‏ * * * شعث النواصي فوقها سود اللمم‏

حتى ترى لي في الفرات وقعة * * * يشرب منها الماء [ (2)] ممزوجا بدم‏

و قطع سيف الدولة خطبة السلطان، و خطب لمحمد فراسل السلطان بركيارق الخليفة بأن المطالب قد امتنعت، و لا بد من إعانتنا بشي‏ء و نصرفه إلى العسكر، فتقرر الأمر على خمسة آلاف دينار، و صححت إلى عشر ذي الحجة.

و اتفق أن رئيس جبلة هرب من الإفرنج، و نزل الأنبار، فسمع الأعز بذلك، فقصده و أخذ منه ألف قطعة و مائتي قطعة من المصاغ و ثلاثين ألف دينار غير الثياب و الآلات.

و وصل السلطان محمد و أخوه سنجر إلى النهروان، و كان بركيارق مريضا فعبروه إلى الجانب الغربي، و دخل محمد و سنجر بغداد في الخامس و العشرين من جمادى الآخرة، و قطعت خطبة بركيارق و خطب لمحمد في الديوان، و نصبت مطردان، و قام‏

____________

[ (1)] في ص: «الديوان انه قد تدولف».

[ (2)] في الأصل: «يشرب فيها الماء».

68

الخطيب فخطب له، و نزل محمد بدار المملكة، و سنجر بدار سعد الدولة، و وصل بركيارق إلى واسط، و نهب عسكره، فقصد إليه القاضي أبو علي الفارقيّ فوعظه، و سأله منع العسكر من النهب، ثم سار نحو الجبل.

*** ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

3707- أحمد بن محمد بن عبد الواحد بن الصباغ، أبو منصور

[ (1)]:

30/ أ سمع الحديث/ من الجوهري، و أبي الطيب الطبري، و تفقه عليه و على ابن عمه أبي نصر بن الصباغ، و شهد عند قاضي القضاة أبي عبد اللَّه الدامغانيّ سنة ست و ستين، و كان ينوب في القضاء بربع الكرخ عن القاضي أبي محمد الدامغانيّ، و ولي الحسبة بالجانب الغربي، و كان فاضلا في الفقه، و كان يصوم الدهر، و يكثر الصلاة.

و توفي في محرم هذه السنة.

3708- أسعد بن مسعود بن علي بن محمد بن إبراهيم العتبيّ، من ولد عتبة بن غزوان‏

[ (2)]:

من أهل نيسابور، ولد سنة أربع و أربعمائة، و سمع من أبي بكر الحيريّ، و أبي سعيد الصيرفي، و عبد الغافر الفارسيّ، و غيرهم، و كان في شبابه يتصرف في الأعمال، ثم ترك العمل و تاب، و تزهد و لزم البيت، و أملى الحديث مدة.

و توفي في هذه السنة بنيسابور.

3709- سعد بن علي بن الحسن بن القاسم، أبو منصور العجليّ‏

[ (3)]:

من أهل أسداباذ، انتقل إلى همذان، و كان مفتيها. سمع ببغداد من أبي الطيب الطبري، و أبي طالب العشاري، و أبي إسحاق البرمكي، و القزويني، و الجوهري، و سمع بمكة، و المدينة، و الكوفة، و غيرهما [ (4)].

____________

[ (1)] انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 160، و فيه: «الصباح» بدلا من «الصباغ»، و الكامل 9/ 44).

[ (2)] العتبي: نسبة إلى عتبة بن أبي سفيان، و هم جماعة من أولاده.

[ (3)] العجليّ: «نسبة إلى بني عجل».

[ (4)] في ص: «و غيرها».

69

3710- عبد اللَّه بن الحسن بن أبي منصور، أبو محمد الطبسيّ:

[ (1)] جال الأقطار، و سمع من الشيوخ الكثير، و خرّج لهم التخاريج [ (2)]، و كان أحد الحفاظ، ثقة صدوقا عارفا بالحديث ورعا، حسن الخلق.

و توفي في هذه السنة بمروالروذ.

3711- عبد الرحمن بن أحمد بن محمد النويرى، المعروف بالزاز السرخسي‏

[ (3)]:

نزيل مرو، ولد في سنة إحدى أو اثنتين [ (4)] و ثلاثين و أربعمائة، و سمع الحديث من خلق كثير، و أملى و رحل إليه الأئمة و العلماء، و كان حافظا لمذهب الشافعيّ، و كان متدينا ورعا محتاطا في مطعمه، و رأى رجل في المنام رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم/ فقال له: قل له 30/ ب أبشر، فقد قرب وصولك إليّ و أنا أنتظر قدومك، رأى ذاك ثلاث ليال [ (5)]، ثم جاءه فبشره، فعاش بعد ذلك سنتين، و توفي في هذه السنة.

3712- عزيزي بن عبد الملك بن منصور، أبو المعالي الجيلي القاضي، يلقب: شيذله‏

[ (6)]:

ولي القضاء بباب الأزج، و سمع الحديث من جماعة، و كان شافعيا لكنه كان يتظاهر بمذهب [ (7)] الأشعري، و كانت فيه حدة و بذاءة لسان، توفي في صفر هذه السنة، و دفن في مقبرة باب أبرز مقابل تربة الشيخ أبي إسحاق، و سرّ أهل باب الأزج بوفاته.

____________

[ (1)] نسبته هذه إلى «طبس» و هي بلدة في برية، بين نيسابور و أصبهان و كرمان.

و انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 160).

[ (2)] في ص: «و خرج لهم التاريخ».

[ (3)] في ت: «البزاز».

و انظر ترجمته في: (شذرات الذهب 3/ 400، و البداية و النهاية 12/ 160، و فيه: «الرزاز»).

[ (4)] في الأصل: «ولد في سنة ثلث إحدى أو اثنتين ...

[ (5)] في الأصل: «رأى ذلك ثلاث ليال».

[ (6)] انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 160، و فيه: «عزيز بن عبد الملك»، و شذرات الذهب 3/ 401، و الكامل 9/ 44).

[ (7)] في الأصل: «كان يناظر بمذهب الأشعري».

70

فإنه سمع يوما رجلا يقول: من وجد لنا حمارا؟ فقال: يدخل باب الأزج و يأخذ من شاء. و قال يوما بحضرة نقيب النقباء طراد: لو حلف حالف أنه لا يرى إنسانا فرأى أهل باب الأزج لم يحنث، فقال النقيب: أيها الثالب [ (1)]، من عاشر قوما أربعين صباحا صار منهم [ (2)].

3713- محمد بن أحمد بن عبد الباقي بن الحسن بن محمد بن طوق، أبو الفضائل الربعي [ (3)] الموصلي:

تفقه على أبي إسحاق الشيرازي، و سمع الحديث من أبي الطيب الطبري، و أبي إسحاق البرمكي، و أبي القاسم التنوخي، و ابن غيلان، و الجوهري، و غيرهم، و كتب الكثير، و روى عنه أشياخنا، و قال عبد الوهاب الأنماطي: كان فقيها صالحا فيه خير.

توفي في صفر هذه السنة، و دفن بالشونيزي.

3714- محمد بن أحمد بن محمد، أبو طاهر الرحبيّ:

[ (4)] سمع الحديث الكثير، و كتب و كان صالحا، و توفي في المحرم من هذه السنة، و دفن بمقبرة جامع المنصور.

قال أبو المواهب ابن فرجية المقرئ: رأيته في المنام و كأنه قد صرّ من شفته أو لسانه شي‏ء، فقلت له في ذلك، فقال: لفظة من حديث رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم غيرتها برأيي، ففعل بي هذا.

3715- محمد بن أحمد بن عيسى بن عباد الشروطيّ أبو بكر

[ (5)]:

30/ أ من أهل الدينور، ثم انتقل إلى/ همذان، و دخل بغداد فسمع أبا إسحاق البرمكي، و كان فقيها فاضلا صدوقا زاهدا [و] [ (6)] توفي في نصف صفر.

____________

[ (1)] في الأصل: «أيها المثالب».

[ (2)] في ص: «أربعين صباحا كان منهم».

[ (3)] انظر ترجمته في: (الكامل 9/ 44).

[ (4)] الرّحبي: نسبة إلى بني رحبة.

[ (5)] الشروطي نسبة لمن يكتب الصطاك و السجلات، لأنها مشتملة على الشروط.

[ (6)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

71

3716- محمد بن الحسن، أبو عبد اللَّه الراذاني نزيل أوانا

[ (1)]:

كان فقيها مقرئا من الزهاد المنقطعين و العباد الورعين له كرامات. سمع من القاضي أبي يعلى و غيره و بلغني أن ولدا له صغيرا طلب منه غزالا و ألح عليه فقال له يا بني غدا يأتيك غزال.

[فلما كان الغد] [ (2)] جاء غزال فوقف على باب الشيخ و جعل يضرب بقرنيه الباب الى أن فتح له و دخل فقال الشيخ لابنه أتاك الغزال.

توفي أبو عبد اللَّه في جمادى الأولى من هذه السنة.

3717- محمد بن علي بن المحسن، أبو [الحسن بن أبي‏] القاسم [ (3)] التنوخي‏

[ (4)]:

قبل قاضي القضاة أبو عبد اللَّه شهادته في سنة ثلاث و سبعين و أربعمائة.

و توفي في شوال هذه السنة و انقرض بيته.

3718- محمد بن علي [ (5)] بن عبيد اللَّه بن أحمد بن صالح بن سليمان بن ودعان، أبو نصر الموصلي القاضي‏

[ (6)]:

قدم بغداد في سنة ثلاث و سبعين [ (7)] و معه جزء فيه أربعون حديثا عن عمه أبي الفتح، و هي التي وضعها زيد بن رفاعة الهاشمي و جعل لها خطبة فسرقها أبو الفتح بن ودعان عم أبي نصر هذا و حذف خطبتها و ركب على كل حديث شيخا الى شيخ الّذي روى عنه ابن رفاعة و قد روى أبو نصر هذا أحاديث غيره و الغالب على حديثه المناكير و الموضوع. توفي بالموصل في ربيع الآخر من هذه السنة [ (8)].

____________

[ (1)] انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 161، و فيه: «أبو عبد اللَّه المرادي»).

[ (2)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (3)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (4)] من هذه الترجمة تبدأ نسخة الطوبخانة، و سنرمز لها ب (ط).

[ (5)] في ص، ط، ت: «محمد بن عبيد اللَّه».

[ (6)] انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 161، و الكامل 9/ 44، و لسان الميزان 5/ 305، و الأعلام 6/ 277).

[ (7)] في ط: «سنة ثلاث و ستين».

[ (8)] في ص: «في ربيع الأول من هذه السنة».

72

3719- محمد بن منصور، أبو سعد المستوفي في الملقب بشرف الملك‏

[ (1)]:

31/ ب من أهل خوارزم و كان جليل القدر/ و كان يتعصب لأصحاب أبي حنيفة و هو الّذي بنى المدرسة الكبيرة بباب الطاق و بنى القبة على قبر أبي حنيفة [ (2)]، و بنى مدرسة بمرو و وقف فيها كتبا نفيسة، و بنى أربطة في المفاوز و عمل مصالح كثيرة، ثم ترك الأشغال و كان الملوك يصدرون عن رأيه، و لم يتنعم أحد تنعمه و لا راعى أحد نفسه في مطعمه و مشربه و مركبه، حتى إنه كان يشرب ماء خوارزم بأصبهان و يزعم أنه يمرئه و أنه عليه نشأ، و كان يأكل حنطة مرو ببلاد الشام و هي أجود الحنطة، و بذل لجلال الدولة [ملك شاه‏] مائة ألف دينار حتى عز له عز الأشراف، و كانت خاتون الجلالية قد قسطت على أرباب الأموال مالا فقسطت عليه [ (3)] جملة وافرة نوبتين، فقال لبعض من يدخل إليها: اعلم أن الّذي أخذ مني لا يؤثر عندي، فإن لي ذخائر جمة و جميع [ (4)] ذلك كسبته في أيامهم و أن لم يعلموا بأن ما أخذ مني لم يغير حالي و استوحشوا مني و أسأل أن تعرفها أنني الخادم الّذي لم يغيره حال، و أن مالي بين أيديهم فأخبرت خاتون بذلك، فاسترجحت عقله و أمن بذلك [ (5)] من ضرر.

توفي أبو سعد في جمادى الآخرة من هذه السنة بأصبهان.

3720- محمد بن منصور بن النسوي المعروف بعميد خراسان‏

[ (6)]:

ورد بغداد في زمن طغرلبك و حدث عن أبي حفص عمر بن أحمد بن مسرور و كان كثير الرغبة في الخير بنى بمرو مدرسة و وقفها على أبي بكر بن أبي المظفر/

____________

[ (1)] في الأصل: «الملقب بشرف الملة».

و انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 161).

[ (2)] «هو الّذي بنى ... على قبر أبي حنيفة»: سقطت من ص.

[ (3)] في ص: «قسطت بأصبهان مالا فقسطت عليه».

[ (4)] في ص: «ذخائر جمة و كل ذلك».

[ (5)] «بذلك» سقطت من ص.

[ (6)] في الأصل: «ابن الصوفي المعروف بعميد خراسان».

و انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 161، و فيه: «محمد بن منصور القسري»).

73

السمعاني و أولاده فهم فيها الى الآن و بنى مدرسة بنيسابور و فيها تربته.

توفي في شوال هذه السنة.

3721- محمد بن المبارك بن عمر، أبو حفص ابن الخرقي القاضي المحتسب‏

[ (1)]:

كان حافظا للقرآن صارما في حسبته ولي الحسبة سنة ثلاث و سبعين، و كان المتعيشون يخافونه و منع [ (2)] قوام الحمامات أن يمكنوا أحدا يدخل [ (3)] بغير مئزر، و تهددهم على ذلك بالإشهار.

و توفي في ربيع الآخر من هذه السنة.

3722- مؤيد الملك بن نظام الملك‏

[ (4)]:

كان قد أشار على السلطان محمد بطلب السلطنة، فلما تم له ذلك استوزره فبقي سنة و أحد عشر شهرا، ثم كانت وقعة بين محمد و بركيارق فأسر مؤيّد الملك و قتل في جمادى الآخرة من هذه السنة، و قد قارب عمره خمسين سنة.

3723- نصر بن أحمد بن عبد اللَّه بن النظر، أبو الخطاب البزار [ (5)] القارئ.

ولد سنة ثمان و سبعين و ثلاثمائة سمع ابن رزقويه، و أبا الحسين بن بشران، و أبا محمد عبد اللَّه بن عبيد اللَّه البيع و هو آخر من حدث عنهم، و عمر حتى صار إليه الرحلة من الاطراف [ (6)] و انتشرت عنه الرواية، و كان شيخا صالحا صدوقا صحيح السماع، حدثنا عنه أشياخنا.

توفي في ربيع الأول من هذه السنة [و دفن في مقبرة باب حرب‏] [ (7)].

____________

[ (1)] في ت: «القاضي المحسب».

[ (2)] في الأصل: «يخافونه و نهى».

[ (3)] في ط: «يدخلها»

[ (4)] راجع الكامل، في أحداث هذه السنة.

[ (5)] انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 161، و فيه: «نصر بن أحمد بن عبد اللَّه بن البطران الخطابي»، شذرات الذهب 3/ 402، و الكامل 9/ 45، و فيه: «ابن البطر»).

[ (6)] في الأصل: «حتى صارت إليه الرحلة من الآفاق».

[ (7)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

74

ثم دخلت سنة خمس و تسعين و اربعمائة [ (1)]

[القبض على الكيا أبي الحسن‏]

فمن الحوادث فيها:

انه في يوم الخميس سادس محرم قبض على الكيا أبي الحسن علي بن محمد المدرس بالنظاميّة، فحمل إلى موضع أفرد له، و وكل به جماعة، و ذلك أنه رفع عنه إلى السلطان محمد بأنه باطني، فتقدم بالقبض عليه فتجرد في حقه أبو الفرج بن السيبي القاضي، و أخذ المحاضر، و كتب أبو الوفاء بن عقيل خطه له بصحة الدين، و شهد له بالفضل و خوطب من دار الخلافة في تخليصه فاستنقذ.

[جلوس المستظهر لمحمد و سنجر]

و في يوم الثلاثاء حادي عشر المحرم: جلس المستظهر لمحمد و سنجر و اجتمع أرباب المناصب في التاج و نزل كمال الدولة في الزبزب و أصعد إلى دار المملكة فاستدعاهما فنزلا في الزبزب، و كان الطيار قد شعث و غاب و هو الّذي انحدر فيه والدهما جلال الدولة أبو الفتح ملك شاه إلى دار الخلافة حين جلس له المقتدي بأمر اللَّه، و انحدر فيه طغرلبك حين جلس له القائم بأمر اللَّه، و هذا الطيار كان لجلال الدولة أبي طاهر بن بويه، و أنفق عليه زائدا على عشرة آلاف دينار، و أهداه للقائم و جددت عمارته في سنة سبع و أربعين و اتسعت في أيام المقتدي، فجددت عمارته و حط إلى دجلة، فكان للناس في تلك الأيام من الفرجة بدجلة عجائب ثم هدم.

____________

[ (1)] في الأصل: «قال الناسخ: وجدت على حاشية الأصل بخط أبي الدر ياقوت الحموي: قد سقطت ذكر سنة خمس و تسعين و اربعمائة. هذا ما وجدته و اللَّه أعلم». و هذه السنة ساقطة من نسخة ص، و كتب على حاشيتها: «قد سقط ذكر سنة خمس و تسعين».

و استدركناها من ت، ط.

75

فنزلا في الزبزب فانحدرا إلى دار الخلافة و معهما الحشر، و قد شهروا للسلام و قدم لهما مركوبان من مراكب الخليفة و بين يديهما أمراء الأجناد، و كان على كتف المستظهر البردة المحمدية و في يده القضيب، و دخلا فقبلا الأرض فأمر الخليفة كمال الدولة بافاضة الخلع عليهما، و عقد الخليفة لوائين بيده و كانت الخلع على محمد سيفا و طوقا و سوادا و سيفا و لواء [ (1)]، و قبل بين يدي السلطان خمسة أرؤس خيلا بمراكب، أحدها مركب صيني و بين يدي الآخر ثلاثة، فوعظهما الخليفة و أمرهما بالتطاوع، و قرأ عليهما وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَ لا تَفَرَّقُوا [ (2)] ثم انصرفا.

فلما كان يوم السبت منتصف محرم خرج سنجر متقدما لأخيه قاصدا ممالكه بخراسان، و خرج محمد يوم الأربعاء تاسع عشر المحرم فارجف يوم الجمعة حادي عشرين المحرم بدنو السلطان بركيارق فامر الخليفة كمال الدولة و أمراء بالمضي إلى محدم و سنجر و إعادتهما، فلقي محمدا فرده وفاته سنجر، و عزم الخليفة على النهوض لنصرة السلطان محمد و أمر بالاحتراز و الاستعداد، و جمع السفن فبذل السلطان محمد القيام بهذه الخدمة و أنه يكفيه عناية النهوض، و دخل سيف الدولة صدقة الى الخليفة فتقدم بتطويعه و قال: إن الخليفة يعضد بك بالصارم العضب [ (3)].

[و خرج السلطان محمد] ثامن عشر المحرم [ (4)]، فسار إلى النهروان و بعث الخليفة إليه من أعلمه أنه قد ولاه ما وراء بابه، و أرسل سعادة الخادم و معه منجوق و أخرج معه أبو علي الحسن بن محمد الأسترآباذي الحنفي و أبو سعد بن الحلواني ليكونا مع السلطان محمد في جميع مواقفه، و يعلما الناس أن الإمام قد ولاه ما وراء بابه فلحقوه بالدسكرة ثم التقى هو و بركيارق و آل الأمر إلى الصلح على أن يكون لسلطان بركيارق و محمد الملك، و أن يضرب له ثلاث نوب، و جعل له من البلاد جنزة و اعمالها و آذربيجان و ديار بكر و ديار مضر و ديار ربيعة، و هذه البلاد تؤدي ألف ألف دينار و ثلاثمائة

____________

[ (1)] «و لواء»: ساقطة من ط.

[ (2)] سورة: «آل عمران، الآية: 103.

[ (3)] في ط: «و قال ان الخليفة يعتقد منك الصارم العضب».

[ (4)] في ت: «ثامن عشرين المحرم».

76

ألف دينار و بضعة عشر ألف دينار ثم لم يف محمد فعوود، و جرى عليه المكروه.

و في رجب: قبل قاضي القضاة أبو الحسن الدامغانيّ شهادة أبي الحسين و أبي خازم ابني القاضي أبي يعلى بن الفراء.

و في هذه السنة: قدم إلى بغداد أبو المؤيد عيسى بن عبد اللَّه الغزنوي و وعظ في الجامع و أظهر المذهب الأشعري و مال معه صاحب المخزن ابن الفقيه فوقعت فتنة و جاز يوما من مجلسه ماضيا إلى منزله برباط أبي سعد الصوفي، فرجم من مسجد ابن جردة فارتفع بذلك سوقه و كثر أصحابه، و خرج من بغداد في ربيع الآخر سنة ست و تسعين، كفانت إقامته سنة و بعض اخرى.

و في رابع رمضان: استوزر للمستظهر أبو المعالي الأصفهاني، و عزل في رجب سنة ست و تسعين، و اعتقل في الحبس أحد عشر شهرا ثم أطلق.

[القبض على أبي المعالي هبة اللَّه بن المطلب‏]

و في العشرين من رمضان، قبض على أبي المعالي هبة اللَّه بن المطلب، و رتب مكانه أبو منصور نصر بن عبد اللَّه الرجي، ثم قبض عليه في السنة الآتية و أعيد أبو المعالي بن المطلب.

[وقوع نار بنهر معلى‏]

و في ذي القعدة: وقعت نار بنهر معلى فأحرقت ما بين درب سرور إلى درب المطبخ طولا و عرضا، و كان سببها أن بعض الكناسين وضع سراجه في أصل شريجة قصب فأكلها فاحترقت أموال عظيمة.

و في ذي الحجة بعث كتاب من الخليفة إلى صدقة، و قد لقب بملك العرب.

و في ذي الحجة: قتل رجل امرأة لسيده الّذي يخدمه على هدي منه لها، و ذلك أنها ضررته في سيده فقتلها و أمكنه أن يهرب فلم يفعل، و نادى: يا معشر الناس أما فيكم من يقتلني فإنّي قتلت هذه المرأة و لا عذر لي في مقامي بعدها، قالوا: إنّا نخاف من هذه السكين التي بيدك، فألقى إليهم السكين فحملوه إلى باب النوبي، فأقر بالقتل فأحضر زوج المرأة معه إلى رحبة الجامع، فأعطي سيفا فضرب به رأس القاتل و أبانه أذرعا في ضربة واحدة.

[تعمير صدقة بن منصور الحلة]

و في هذه السنة: عمر صدقة بن منصور الحلة، و إنما كان ينزل هو و أبوه في البيوت القريبة.

77

و فيها جرى لجكرميش- و كان من مماليك جلال الدولة ملك شاه، ثم صارت الجزيرة و الخابور بيده- أن جماعة من السواد أتوه يشكون من عمالهم، فعمل دعوة اشتملت على ألف رأس من الغنم و البقر و غير ذلك من الدجاج و الحلواء، و لم يحضر الخبز ثم دعا وجوه العسكر فعجبوا إذ لم يروا خبزا، و قالوا: ما السبب في هذا؟ فقال:

الخبز إنما يجي‏ء من الزرع، و الزرع إنما يكون بعمارة السواد، و قد أضررتم بأهل اقطاعكم فاستغلوه الآن أنتم بتحصيل الطعام، فعملوا بالتوصية و تابوا.

و في هذه السنة: عم الرخص كثيرا ببغداد في الطعام و في الفواكه.

*** ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

3724- الأعز

[ (1)]:

وزير السلطان بركيارق، قتلته الباطنية بباب أصبهان.

3725- الحسن بن محمد بن أحمد بن عبد اللَّه بن الفضل، أبو علي الكرماني الشرقي الصوفي:

رحل في طلب الحديث، و عني بجمعه و سمع الكثير، و كان فيه دين و عبادة و زهد يصلي بالليل، لكنه روى ما لم يسمع فأفسد ما سمع، و كان المؤتمن أبو نصر يقول: هو كذاب.

توفي هذه السنة و قد جاوز السبعين.

3726- محمد بن أحمد بن عبد الواحد، أبو بكر الشيرازي يعرف بابن الفقير

[ (2)]:

شيخ صالح، سمع أبا القاسم بن بشران، و روى عنه شيخنا عبد الوهاب، و قال:

كان يخرب فبر أبي بكر الخطيب، و يقول: كان كثير التحامل على أصحابنا يعني الحنابلة، إلى أن رأيته يوما و أخذت الفأس من يده، و قلت: هذا كان رجلا حافظا إماما

____________

[ (1)] انظر ترجمته في: (الكامل 9/ 50).

[ (2)] في ت: «المعروف بابن الفقير».

78

كبير الشأن و توّبته فتاب [ (1)] و لم يعد.

و توفي في محرم هذه السنة، و دفن بمقبرة باب حرب.

3727- محمد بن محمد بن عبد العزيز النحاس، أبو الفرج قاضي العراق‏

[ (2)]:

ولد سنة ست عشرة و أربعمائة، و ولي القضاء سنة أربع و ستين.

توفي في هذه السنة.

3728- محمد بن هبة اللَّه، أبو نصر البندنيجي الضرير الشافعيّ‏

[ (3)]:

قرأ على أبي إسحاق الشيرازي، و مضى إلى مكة فأقام مجاورا بها أربعين سنة متشاغلا بالعبادة و التدريس و الفتيا و رواية الحديث.

أنشدنا أبو نصر أحمد بن محمد الطوسي، قال: أنشدني أبو نصر محمد بن هبة اللَّه البندنيجي:

عدمتك نفس ما تملي بطالتي‏ * * * و قد مر إخواني و أهل مودتي‏

أعاهد ربي ثم أنقض عهده‏ * * * و أترك عزمي حين تعرض شهوتي‏

و زادي قليل لا أراه مبلّغي‏ * * * أ للزاد أبكي أم لطول مسافتي‏

3729- أبو القاسم، صاحب مصر، الملقب المستعلي [ (4)]:

توفي في ذي الحجة و رتب مكانه ابنه أبو علي و سنه سبع سنين و لقب الآمر بأحكام اللَّه‏] [ (5)].

____________

[ (1)] في ط: «كبير الشأن و مؤثر ثقة فتاب».

[ (2)] «قاضي العراق»: ساقطة من ص.

[ (3)] انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 162، و الكامل 9/ 60).

[ (4)] انظر ترجمته في: (شذرات الذهب 3/ 402، و البداية و النهاية 12/ 162).

[ (5)] إلى هنا انتهى الساقط من الأصل، و ص، و هو سنة (495) بتراجمها.

79

ثم دخلت سنة ست و تسعين و اربعمائة

32/ ب فمن الحوادث فيها:

أنه لما انهزم السلطان محمد من الوقعة التي كانت بينه و بين بركيارق دخل أصبهان، و كان فيها جماعة قد استحلفهم فقوي جأشه بهم، و رم البلد و جدد [عمارة] [ (1)] سور القلعة، و أقبل بركيارق في خمسة عشر ألفا فحاصره و عدد أصحاب محمد قليل، فضاقت الميرة على محمد، فقسط على أهل البلد على وجه القرض فأخذ مالا عظيما ثم عاود عسكره الشغب، فأعاد التقسيط بالظلم و العذاب، و بلغ الخبز عشرة أمناء بدينار، و رطل لحم بربع دينار، و مائة منا تبنا بأربعة دنانير، و قلعت أخشاب المساجد و أبواب الدكاكين، هذا و القتال على أبواب البلد، و ينال صاحب محمد يحرق الناس بالمصادرة، و عسكر بركيارق في رخص كثير [ (2)]، ثم إن محمدا خرج في أصحابه سرا من بعض أبواب البلد فلم يصبح إلّا على فراسخ، فندب بركيارق من يطلبه، فلحقه أياز و قد نزل لضعف خيله من قلة العلوفة فبعث إلى أياز يقول له: بيننا عهد ولي في عنقك إيمان، فقال: امض في دعة اللَّه، فقال: خيلي ضعيفة فبعث إليه فرسا [ (3)]، و بغلة [و أخذ علمه‏] [ (4)] و ثلاثة أفراس محملة دنانير و أسر من أصحابه [ (5)] أميرين، و عاد أياز فأخبر بركيارق/ فلم يسره سلامة أخيه.

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (2)] في الأصل: «في رخص عظيم».

[ (3)] في ص، ط: «فدفع إليه فرسا».

[ (4)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (5)] في الأصل: «محملة دنانير و أخذ من أصحابه».

80

و في صفر: لقب أبو الحسن الدامغانيّ بتاج الإسلام مضافا إلى قاضي القضاة.

و في يوم الاثنين ثالث عشرين ربيع الأول: أعيدت الخطبة لبركيارق فخطب في الديوان، ثم تقدم إلى الخطباء في السابع و العشرين من هذا الشهر، بان يقتصروا على ذكر الخليفة، و لا يذكروا أحدا من السلاطين المختلفين.

ثم التقى السلطان محمد و بركيارق في يوم الأربعاء في جمادى الآخرة، فوقعت الحرب بينهما فانهزم محمد إلى بعض بلاد أرمينية على أربعين فرسخا من الوقعة، ثم سار منها إلى خلاط ثم عاد إلى تبريز [ (1)]، و مضى بركيارق إلى زنجان، ثم وقع بينهما صلح.

و كان سيف الدولة صدقة يحافظ على الخطب لمحمد، فجاء في ربيع الآخر إلى نهر الملك، ثم نزل بالعلويين [ (2)]، فخرج إليه العلويون يسألونه الأمان لبلدهم، فأجاب و بعث الخليفة إليه يخبره بانزعاج الناس، فلم يلتفت و نقل أهل بغداد من الجانب الغربي إلى الجانب الشرقي بالحريم، و من الحريم إلى دار الخليفة، و بلغ الخبز ثلاثة أرطال بقيراط، و استبيح السواد و افتضت الأبكار، و بعث الخليفة قاضي القضاة أبا الحسن و أبا 33/ ب نصر/ بن الموصلايا إلى سيف الدولة، فلما قربا قدم لهما مركوبين من مراكيبه و قام لهما و احترمهما و أجاب بالطاعة لأمير المؤمنين، و نهض من خيمته و أنفذ لهما [ (3)] دراريج [مشوية] [ (4)] و قال: هذه صدناها، فلم يتناول قاضي القضاة شيئا من الطعام و اعتذر بأنه لا يأكل في سفره ما يحوجه إلى البروز لحاجة، ثم سار و سار معه سيف الدولة إلى صر صر، و عانقه لما ودعه و رجع [ (5)].

[خلع على زعيم الرؤساء أبي القاسم علي بن محمد بن محمد بن جهير]

و في رمضان: خلع على زعيم الرؤساء أبي القاسم علي بن محمد بن محمد بن جهير و استوزره المستظهر، و دخل ينال صاحب السلطان محمد إلى بغداد، و أفسد

____________

[ (1)] في ص: «ثم حضر إلى تبريز».

[ (2)] في ص، ط: «ثم نزل المدائن».

[ (3)] في ط: «و أنفذ إليهم».

[ (4)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (5)] في ص، ط: «و عانقه لما أراد عبوره و رجع».

81

القرى و قسط عليها و أكثر الظلم، فروسل بقاضي القضاة فعرفه قبح الظلم و حرمة الشهر، فزاده ذلك عتوا و جاء العيد، فصلى بالحسبة [ (1)] و أمر بضرب البوقات و الطبول عند دار العميد بقصر ابن المأمون، و احتبس سفنا و صلت للخليفة فقرر عليها شي‏ء يعطاه، ثم أصعد إلى أوانا فنهب الدنيا و عاث أقبح عيث، ثم آل أمر ينال إلى أن هرب من السلطان [ (2)]، ثم آل أمره إلى أن قتل. و تقدم بنقض السوق التي استجدها جلال الدولة ملك شاه بالمدينة المعروفة بطغرلبك، و كانت مرسومة بالصباغين بعد خروجه و السوق التي كان بها البزازون أيام دخوله، و المدرسة التي بنتها تركان خاتون و كانوا قد/ أنفقوا 34/ أ على ذلك الأموال الجمة فنقض ذلك كله.

*** ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

3730- أحمد بن علي بن عبد اللَّه [ (3)] بن سوار، أبو طاهر المقرئ‏

[ (4)]:

ولد سنة اثنتي عشرة و أربعمائة، و كان ثقة ثبتا مأمونا إماما في علم القراءات، و صنف فيها كتبا [و سمع الحديث الكثير] [ (5)].

و توفي في يوم الأربعاء رابع شعبان، و دفن عند قبر معروف.

3731- أحمد بن محمد بن أحمد بن حمزة، أبو الحسين الثّقفيّ‏

[ (6)]:

ذكر أنه من ولد عروة بن مسعود الثقفي ولد قبل سنة ثلاثين و أربعمائة، و دخل بغداد في شبيبته، و سمع أبا القاسم التنوخي، و أبا محمد الجوهري، و تفقه على أبي عبد اللَّه الدامغانيّ. روى عنه شيخنا عبد الوهاب قال: و كان [خيرا] ثقة [ (7)].

____________

[ (1)] في ت: «فصلى بالحلبة».

[ (2)] في الأصل: «إلى أن هرب عن السلطان».

[ (3)] في شذرات الذهب: «أحمد بن علي بن عبيد اللَّه».

[ (4)] انظر ترجمته في: (شذرات الذهب 3/ 403، و البداية و النهاية 12/ 163، و فيه: «عبد اللَّه»).

[ (5)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، ص.

[ (6)] الثقفي نسبة إلى ثقيف، و هو ثقيف بن منبه بن بكر بن هوازن، و قيل إن اسم ثقيف قيس.

[ (7)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

82

3732- محمد بن الحسن، أبو سعد البرداني الحنبلي‏

[ (1)]:

كان من الفقهاء. توفي في محرم هذه السنة، و دفن بمقبرة باب حرب.

3733- محمد بن عبيد اللَّه [ (2)] بن محمد بن أحمد بن كادش، أبو ياسر العكبريّ الحنبلي المفيد

[ (3)]:

سمع قاضي القضاة أبا الحسن الماوردي و غيره، و نسخ [ (4)] و كان مفيد بغداد، و روى عنه شيخنا أبو القاسم السمرقندي و غيره. و توفي في صفر هذه السنة، و دفن بمقبرة باب حرب.

3734- أبو المعالي الصالح‏

[ (5)]:

34/ ب سكن باب الطاق [ (6)]، و كان مقيما بمسجد/ هناك معروف [به إلى اليوم‏] [ (7)] سمع وعظ ابن أبي عمامة فتاب و تزهد.

حدثني أبو القاسم ابن قسامي الفقيه، قال: حدثني أبو الحسن ابن بالان، و كان ثقة قال: حدثني أبو المعالي الصالح، و حدثني مسعود بن شيرازاد [ (8)] [المقرئ‏] [ (8)]، قال: سمعت أبا المعالي الصالح، يقول: ضاق بي الأمر في رمضان حتى أكلت فيه ربعين باقلى، فعزمت على المضي إلى رجل من ذوي قرابتي أطلب منه شيئا، فنزل طائر فجلس على منكبي، و قال: يا أبا المعالي أنا الملك الفلاني لا تمض إليه نحن نأتيك به فبكر الرجل إليّ.

حدثني أبو محمد عبد اللَّه بن علي المقرئ، قال: كان أبو المعالي لا ينام إلّا

____________

[ (1)] هذه النسبة إلى بردان، و هي قرية من قرى بغداد.

[ (2)] في الأصل: «محمد بن عبد اللَّه».

[ (3)] في الأصل: «الحنبلي المعيد».

و انظر ترجمته في (شذرات الذهب 3/ 404).

[ (4)] في الأصل: «و غيره، و أسمع».

[ (5)] انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 163، و الكامل 9/ 69).

[ (6)] في ت: «ساكن باب الطاق».

[ (7)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (8)] في الأصل: «مسعود بن سرار».

83

جالسا، و لا يلبس إلّا ثوبا واحدا شتاء كان أو صيفا، و كان إذا اشتد البرد عليه يشد المئزر بين كتفيه، قال: و كنت يوما عنده فقيل له: قد جاء سعد الدولة شحنة بغداد، فقال:

أغلقوا الباب، فجاء فطرق الباب، و قال: ها أنا قد نزلت عن دابتي، و ما أبرح حتى يفتح لي، ففتح له [فدخل‏] [ (1)] فجعل يوبخه على ما [هو] [ (2)] فيه، و سعد الدولة يبكي بكاء كثيرا، فانفرد بعض أصحابه و تاب على يده.

توفي أبو العالي في هذه السنة، و دفن قريبا من قبر أحمد.

3735- أبو المظفر الخجنديّ‏

[ (3)]:

الفقيه الشافعيّ المدرس بأصفهان، و ينسب إلى المهلب بن أبي صفرة قتله علوي [ (4)] بالري في الفتنة بين السنة و الشيعة، و قتل العلويّ.

3736- السيدة بنت القائم [بأمر اللَّه‏] [ (5)]، أمير المؤمنين:

كانت زوجة/ طغرلبك أول ملوك السلجوقية، و كانت كثيرة الصدقة توفيت في هذه السنة و حملت إلى الرصافة في الزبزب [ (6)]، و جلس للعزاء بها ببيت النوبة.

***

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (2)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (3)] في الأصل: «أبو المظفر الحميدي».

و في ت: «أبو المظفر بن الخجنديّ».

و الخجنديّ نسبة إلى خجند، و هي بلدة كبيرة كثيرة الخير على طرف سيحون من بلاد الشرق، و يقال لها بزيادة التاء «خجندة» أيضا.

و انظر ترجمته في: (الكامل 9/ 69).

[ (4)] في الأصل: «قتلوه علوي».

[ (5)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

و انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 163، و الكامل 9/ 69).

[ (6)] في ص، ط: «التي كانت زوجة طغرلبك، توفيت، و كانت كثيرة الصدقة، و حملت إلى الرصافة في الزبزب».

84

ثم دخلت سنة سبع و تسعين و اربعمائة

فمن الحوادث فيها:

أن الافرنج اجتمعوا بالشام فحاربهم المسلمون فقتلوا منهم اثني عشر ألفا، و رجعوا غانمين.

[وقوع منارة واسط]

و في يوم الحادي و العشرين [ (1)] من المحرم: وقعت منارة واسط، و كان حامد بن العباس قد ابتناها للمقتدر [في‏] [ (2)] سنة أربع و ثلاثمائة، و كان أهل واسط يفتخرون بها و بقبة الحجاج، و لما وقعت المنارة لم يهلك تحتها أحد، و ارتفع في واسط من البكاء و العويل ما لا يكون لفقد آدمي.

[ترك الشرطة من الجانب الغربي‏]

و في هذه السنة: كانت الشرطة قد تركت من الجانب الغربي [ (3)] لاستيلاء العيارين عليه، و كانت الشحن تعجز [ (4)] عن العيارين فلا يقع بأيديهم إلّا الضعفاء فيأخذون منهم و يحرقون بيوتهم فرد إلى النقيبين إلى أبي القاسم باب البصرة، و جميع محال أهل السنة، و إلى الرضا الكرخ و رواضعه فانكف الشر، ثم عاد و تأذى الناس بالشحنة، و كان قد عول على النهب فاجتمع الناس إلى الديوان شاكين، فقرر مع النقيبين تقسيط ألفي دينار و مائتي دينار منها على الكرخ خمسمائة و الباقي على سائر المحال، فأهلك ذلك‏

____________

[ (1)] في ص، ط: «و في يوم الثالث و العشرين».

[ (2)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (3)] في ط: «قد نزلت من الجانب الغربي».

[ (4)] في ط: «و كانت الشحنة تعجز».

85

الضعفاء، و قرر على أهل التوثة/ أربعون دينارا فأسقط عنهم النقيب عشرة، فلم يقدروا 35/ ب على أداء الباقي فقصدوا الأماكن يستجبون الناس، فدخلوا على ابن [ (1)] الشيرازي البيع، فتصدق عليهم بدينار، و كانوا أهل قرآن و تدين و صلاح.

[وقوع الصلح بين محمد و بركيارق‏]

و في هذه السنة: وقع الصلح بين محمد و بركيارق، و كان السبب أن بركيارق بعث القاضي ابا المظفر الجرجاني و حمد بن عبد الغفار سفيرين بينه و بين أخيه في الصلح، فجلس الجرجاني واعظا، و حضر السلطان محمد فذكر ما أمر اللَّه تعالى به من إصلاح ذات البين و النهي عن قطيعة الرحم، فأجاب محمد إلى الصلح و حلف كل واحد من الأخوين يمينا لصاحبه على الوفاء، و ذكر لكل واحد من البلاد ما يخصه، و وصل الخبر إلى بغداد، فخطب لبركيارق في الديوان، ثم خطب له في الجوامع و قطعت خطبة محمد.

و في هذه السنة [ (2)]: أخرج أبو المؤيد عيسى بن عبد اللَّه الغزنوي الواعظ من بغداد لغلبته على قلوب الناس، و توفي بأسفرايين.

*** ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

3737- أحمد بن الحسين بن الحداد المستعمل، أبو المعالي‏

[ (3)]:

سمع الجوهري، و العشاري، و توفي يوم الأربعاء السادس و العشرين من ربيع الآخر، و دفن بمقبرة باب حرب.

3738- أحمد بن علي بن الحسين بن زكريا، أبو بكر الطّريثيثيّ المعروف بابن بهذا المقرئ [الصوفي‏]

[ (4)]:

____________

[ (1)] «ابن»: ساقطة من ص.

[ (2)] في الأصل: «و فيها».

[ (3)] في ط، ت: «أحمد بن علي بن الحسين بن الحداد».

[ (4)] في ت: «المعروف بابن بهذ». و في ط، ص: «المعروف بابن زهراء». و في الشذرات: «و يعرف بابن زهر». ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

86

ولد في شوال [ (1)] سنة اثنتي عشرة و أربعمائة، حدث عن أبي الحسن الحمامي، و أبي علي بن شاذان و غيرهما و تتلمذ في التصوف إلى أبي سعيد بن أبي الخير شيخ 36/ أ الصوفية بنيسابور، و كان صيتا يؤذن كل ليلة على سطح رباط أبي سعيد/ الصوفي [ (2)]، فيسمع صوته في جانبي بغداد، و كان سماعه صحيحا كثيرا، فأفسد سماعه بأن روى ما لم يسمع و ادعى أنه سمع من أبي الحسن ابن رزقويه، و ما يصح ذلك.

قال شجاع بن فارس: حال الطريثيثي في الضعف أشهر من أن يخفى، أجمع الناس على ضعفه، قال شيخنا عبد الوهاب: كان مخلطا، قال شيخنا أبو القاسم السمرقندي: دخلت على الطريثيثي و كان يقرأ عليه جزء من حديث أبي الحسين بن رزقويه، فقلت: متى ولدت؟ فقال في سنة اثنتي عشرة و أربعمائة، قلت: ففي هذه السنة توفي ابن رزقويه، ثم قمت فأخرجت وفيات الشيوخ بخط أبي الفضل ابن خيرون فحملت إليه، و إذا فيه مكتوب: «توفي أبو الحسن ابن رزقويه سنة اثنتي عشرة»، فأخذت الجزء من يده و قد سمعوا فيه، فضربت على السماع [ (3)]، فقام و نفض سجادته و خرج من المسجد. قال شيخنا بن ناصر: كان كذابا.

و توفي في جمادى الآخرة من هذه السنة، و دفن بباب حرب.

3739- أحمد بن بندار بن إبراهيم، أبو ياسر البقّال الدينَوَريّ‏

[ (4)]:

حدث ببغداد، و كان ثقة، و روى عنه أشياخنا.

و توفي في يوم الأربعاء خامس عشر رجب، و دفن بباب أبرز.

و الطريثيثى نسبة إلى «طريثيث»، و هي ناحية كبيرة من نواحي نيسابور بها قرى كثيرة، و يقال لها بالعجمية «ترشيز».

و انظر ترجمته في: (شذرات الذهب 3/ 405، و الكامل 9/ 76، و فيه: «علي بن أحمد بن زكريا، الطريثيثي»).

____________

[ (1)] «في شوال»: ساقطة من ص.

[ (2)] في ص، ط: «رباط أبي سعد الصوفي».

[ (3)] في ص، ط: «فضربت على التسميع».

[ (4)] في الأصل: «الدينَوَريّ البقال». و انظر ترجمته في: (شذرات الذهب 3/ 404، 405).

87

3740- أحمد بن محمد بن علي، أبو بكر القصّار، يعرف بابن الشبلي‏

[ (1)]:

سمع أبا عبد اللَّه الحسين بن محمد بن الحسن الخلال، روى عنه شيخنا أبو القاسم ابن السمرقندي. و توفي في ذي الحجة من هذه السنة.

3741- إسماعيل بن علي بن الحسين بن علي، أبو علي الجاجرميّ الأصم‏

[ (2)]:

من أهل نيسابور، ولد سنة ست و أربعمائة و سمع/ أبا سعيد البصروي [ (3)]، و أبا 36/ ب عثمان الصابوني، و أبا عبد اللَّه بن باكويه و غيرهم، ورد بغداد فسمع منه شيخنا أبو القاسم السمرقندي، و كان واعظا زاهدا حسن الطريقة.

توفي في محرم هذه السنة، و دفن في مشهد محمد بن إسحاق بن خزيمة.

3742- إسماعيل بن محمد بن عثمان بن أحمد، أبو الفرج القومساني‏

[ (4)]:

من أهل همذان، سمع بهمذان من أبيه و جده و جماعة، و ورد بغداد فسمع بها من أبي الحسين بن المهتدي، و أبي محمد الصريفيني، و جابر بن ياسين، و ابن النقور، و ابن البسري و غيرهم. و كان حافظا حسن المعرفة بالرجال و المتون، صدوقا ثقة أمينا دينا تاركا للخوض فيما لا يعنيه.

و توفي في محرم هذه السنة.

3743- أزدشير بن منصور [ (5)]، أبو الحسن العبادي الواعظ

[ (6)].

____________

[ (1)] القصار: بفتح القاف و تشديد الصاد المهملة و في آخرها الراء.

[ (2)] في الأصل: «إسماعيل بن علي بن الحسن بن علي، أبو الحسن علي الجاجري». و في ت:

«إسماعيل بن علي بن الحسن، أبو علي الجابرتي الأصم».

و الجاجرميّ نسبة إلى جاجرم، و هي بلدة بين نيسابور و جرجان مليحة، و هي ناحية كبيرة كثيرة القرى، أول حدودها متصلة بجوين، و آخرها متصلة بجرجان، و بعض قراها في الجبال.

و انظر ترجمته في: (تاريخ نيسابور 334، و شذرات الذهب 3/ 405).

[ (3)] في ص، ت: «سمع أبا سعيد النضروي».

[ (4)] انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 164، و فيه: «إسماعيل بن محمد بن أحمد بن عثمان»).

[ (5)] في ص، ط، و المطبوعة: «أردشير بن منصور».

[ (6)] انظر ترجمته في: (تاريخ نيسابور 407، و فيه: «أزدشير بن أبي منصور»، و البداية و النهاية 12/ 164).

88

سمع بمرو و نيسابور من جماعة، و قدم بغداد فسمع ابن خيرون و قد ذكرنا قدومه إلى بغداد و نفاقه على أهلها في حوادث [ (1)] سنة ست و ثمانين، و خرج من بغداد.

فتوفي بمرو في غرة جمادى الأولى من هذه السنة.

3744- الحسين بن علي بن أحمد بن محمد ابن البسري، أبو عبيد اللَّه‏

[ (2)]:

ولد سنة عشر و أربعمائة، [و روى عن أبي محمد بن عبد الجبار السكري، و هو آخر من حدث عنه، سمع منه في سنة أربع عشرة و أربعمائة] [ (3)].

و توفي ليلة الأربعاء ثالث عشر جمادى الآخرة [ (4)]، و دفن في مقبرة جامع المنصور.

3745- عبد الرحمن بن عمر بن عبد الرحمن، أبو مسلم السّمناني‏

[ (5)]:

سمع أبا علي بن شاذان، و روى عنه أشياخنا، و توفي يوم الثلاثاء تاسع المحرم و دفن بالشونيزية.

3746- علي بن عبد الرحمن بن هارون بن عبد الرحمن، أبو الخطاب ابن الجراح [ (6)]:

37/ أ ولد سنة عشر و أربعمائة،/ و حدث، و أقرأ ببغداد، و كان من أهل الفضل و الأدب، و كان من أهل البيوتات المعروفة في الرئاسة، و صنف قصيدتين في القراءات، و سمى إحداهما بالمكملة، و الأخرى بالمبعدة [ (7)] روى عنه أشياخنا.

توفي سحرة يوم الثلاثاء العشرين من ذي الحجة، و دفن بمقبرة باب أبرز عند أبي إسحاق الشيرازي.

____________

[ (1)] في ص، ط: «و نفاقه على أهلها في».

[ (2)] انظر ترجمته في: (شذرات الذهب 3/ 405، و الكامل 9/ 76).

[ (3)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (4)] في ص، ط: «ثالث عشرين جمادى الآخرة». و الجملة كلها ساقطة من ت.

[ (5)] السّمناني، نسبة لبلدة من بلاد قومس بين الدامغان و خوار الري، يقال لها سمنان. أو إلى قرية من قرى نسا.

و انظر ترجمته في: (شذرات الذهب 3/ 406).

[ (6)] في ص، ط: «بن عبد الرحمن بن هرمز».

و انظر ترجمته في: (شذرات الذهب 3/ 406).

[ (7)] في الأصل: «و الأخرى بالمسجدة».

89

3747- العلاء بن الحسن بن وهب بن موصلايا، أبو سعد الكاتب‏

[ (1)]:

نال من الرفعة في الدنيا ما لم ينله أبناء جنسه، فإنه ابتدأ في خدمة دار الخلافة في أيام القائم سنة اثنتين و ثلاثين و أربعمائة، فخدمها خمسا و ستين [ (2)] سنة، و أسلم في سنة أربع و ثمانين، و ناب عن الوزارة في أيام المقتدي و أيام المستظهر نوبا كثيرة، و كان كثير الصدقة كريم الفعال حسن الفصاحة، و يدل على فصاحته و غزارة علمه ما كان ينشئه من مكاتبات الديوان و العهود.

و حكى بعض أصحابه، قال: شتمت يوما غلاما لي فوبخني، و قال: أنت قادر على تأديب الغلام أو صرفه فأما الخنا و القذف فإياك و المعاودة له فإن الطبع يسرق من الطبع، و الصاحب يستدل به على المصحوب.

توفي في هذه السنة فجأة.

3748- محمد بن أحمد بن عمر، أبو عمر النهاوندي [الحنفي‏]

[ (3)]:

بصرى ولد سنة عشر و أربعمائة، و قيل سنة سبع. و ولي القضاء بالبصرة مدة، و كان فقيها عالما. سمع من جماعة. منهم: أبو الحسن الماوردي.

توفي في صفر هذه السنة بالبصرة [ (4)].

***

____________

[ (1)] انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 164، و الكامل 9/ 75).

[ (2)] في ط: «فخدمها خمسا و خمسين سنة».

[ (3)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

و انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 164).

[ (4)] في ت: «تم المجلد الثاني و العشرون. بسم اللَّه الرحمن الرحيم ثم دخلت سنة ثمان ...».

و كتب على هامشها: «هذه الأوراق الأربعة مكررة».

90

ثم دخلت سنة ثمان و تسعين و اربعمائة

فمن الحوادث فيها:

37/ ب أن بركيارق توجه إلى بغداد، فمرض بيزدجرد فخلع [ (1)] على ولده ملك شاه، و أسند وصيته إلى أياز و مات فقصد إلى بغداد و اجلس الصبي على التخت و له من عمره أربع سنين و عشرة أشهر، و مضى إليه الوزير أبو القاسم ابن جهير و خدمه كما كان يخدم أباه بمحضر من أياز. ثم انفصل أياز إلى مكان من روشن دار المملكة حتى قصده الوزير و خدمه خدمة مفردة، و كان أياز هو المستولي على الأمور، و نزل أياز دار سعد الدولة ببغداد، و حضر من أصحابه الديوان قوم فطالبوا بالخطبة، فخطب له بالديوان بعد العصر، و خوطب بجلال الدولة، و خطب له يوم الجمعة مستهل جمادى الأولى في جوامع بغداد، و نثر عند ذكره الدراهم و الدنانير، و كان سيف الدولة قد ظاهر هذا العسكر بالعداوة و جمع خمسة عشر ألف فارس، فنفذ إليه أياز هدايا، فبعث في جوابها ثلاثة آلاف دينار على ما هو عليه، و علم أياز بقرب السلطان محمد فخيم بالزاهر، و شاور أصحابه فقووا عزمه على الثبات، و كان أشدهم في ذلك ينال، فقال له وزيره المسمى بالصفي: كلهم أشار بغير الصواب و إنما الصواب مصالحة السلطان محمد.

فلما كان يوم الثلاثاء تاسع عشر جمادى الأولى [ (2)] قصد الأتراك نهر معلى و جمعوا السفن من المشارع إلى معسكرهم بالزاهر، فلما كان يوم الجمعة ثاني عشرين جمادى‏

____________

[ (1)] في ص، ط: «ببروجرد).

[ (2)] في ص، ط: «يوم الثلاثاء تاسع جمادى الأولى».

91

الأولى نزل السلطان محمد الرملة. و انزعج أهل بغداد و خافوا امتداد الفساد، فركب أياز حتى أشرف/ على عسكر محمد، فوقع في نفسه الصلح فاستدعى وزيره الصفي و أمره 38/ أ بالعبور إلى السلطان محمد، و أن يصالحه، و قال: إنّي لو ظفرت لم يسكن صدري على نفسي و الصواب أن أغمد سيوف الإسلام المختلفة.

فعبر وزيره و اجتمع بالوزير سعد الملك أبي المحاسن و حضرا بين يدي السلطان محمد فأدى الصفي رسالة صاحبه و اعتذر عما جرى منه بسابق القدر، فوافق من السلطان قبولا، و عبر ابن جهير و الموكب إلى محمد فلقوه و حضر الكيا الهراسي، فتولى أخذ اليمين المغلظة على السلطان محمد، و أمن الناس، و عمل أياز دعوة للسلطان محمد في دار سعد الدولة، فحضر السلطان و خدمه بغلمان أتراك بالخيول و الأسلحة الظاهرة و بجواهر نفيسة منها الجبل البلخشي الّذي كان لمؤيد الملك بن نظام الملك.

و اتفق أن الأتراك مازحوا رجلا فالبسوه سلاحا و خفا و قميصه فوق ذلك و نالوه بأيديهم، فدنا من السلطان فسأل عنه، فأخبر أن تحت قميصه سلاحا فاستشعر و نهض من مكانه.

فلما كان يوم الخميس ثالث عشر جمادى الآخرة استدعى السلطان الأمراء سيف الدولة و أياز و غيرهما، فحضروا فخرج إليهم الحاجب، و قال: السلطان يقول لكم بلغنا نزول الأمير أرسلان بن سليمان بديار بكر و ينبغي أن يجتمع آراؤكم على من يتجهز لقتاله، فقال الجماعة: هذا أمر لا يصلح إلّا للأمير أياز، فقال أياز: ينبغي أن اجتمع مع سيف الدولة و نتعاضد على ذلك، فخرج الحاجب، فقال: السلطان يقول لكما قوما فادخلا لتقع المشورة/ ها هنا، فدخلا إليه و قد رتب أقواما لقتل أياز، فلما دخل أياز بادره 38/ ب أحدهم بضربة أبان بها رأسه، و أما سيف الدولة فغطى وجهه بكمه، و أما الوزير سعد الملك فأظهر أنّه أخذته غشية، و أخرج أياز مقتولا في زلي [ (1)] و رأسه مقطوع على صدره، فألقي بإزاء دار السلطان، و ركب عسكر أياز إلى داره فنهبوها، و جمع بين بدنه و رأسه قوم من المطوعة، و كفنوه في خرقة خام و حملوه إلى مقبرة الخيزران.

____________

[ (1)] «زلي»: كلمة فارسية معناها طنفسة.

92

[إزالة الغيار عن أهل الذمة]

و في ثاني عشر رجب: أزيل الغيار عن أهل الذمة الّذي كانوا ألزموه في سنة أربع و ثمانين، و لا يعرف سبب زواله.

و في هذا الشهر: مضى ابن جهير في الموكب فخلع على السلطان محمد، و قصد دار وزيره سعد الملك، و حمل إليه من دار الخليفة الدست و الدواة و الخلع.

وي هذا الشهر قصد الوزير سعد الملك المدرسة النظامية، و حضر تدريس الكيا الهرّاسي بها ليرغّب الناس في العلم.

و أنفذ السلطان محمد إلى الوزير الزعيم الخلع الكاملة فلبسها في الديوان، و أنفذ إلى كل واحد من الديوان تختا [ (1)] من الثياب، و جاء سعد الملك إلى دار الزعيم مسلما و زائرا.

و في شعبان: خرج السلطان محمد من بغداد و رتب البرسقي شحنة العراق و فوض العمارة إلى محمد بن الحسن البلخي ورد أمر واسط إلى سيف الدولة صدقة.

*** ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

3749- أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد، أبو علي البرداني الحافظ

[ (2)]:

39/ أ ولد في سنة ست و عشرين و أربعمائة، و سمع أبا القاسم/ الأزجي، و أبا الحسن القزويني، و أبا طالب بن غيلان، و البرمكي، و العشاري و الجوهري، و استملى له خلقا كثيرا، و كتب الكثير، و سمع الكثير، و أول سماعه في سنة ثلاث و ثلاثين عن أبي طالب العشاري، و كان ثقة ثبتا صالحا.

و توفي في ليلة الخميس حادي عشرين شوال، و دفن بمقبرة باب حرب.

3750- أياز الأمير

[ (3)]:

قد ذكرنا قتله في الحوادث.

____________

[ (1)] في ص، ط: «كل واحد من الكتاب تختا».

[ (2)] البرداني نسبة إلى بردان، و هي قرية من قرى بغداد.

و انظر ترجمته في: (شذرات الذهب 3/ 408، و تذكرة الحفاظ 1232، و الكامل 9/ 86).

[ (3)] راجع حوادث هذه السنة.

93

3751- بركيارق السلطان ابن ملك شاه، أبو المظفر

[ (1)].

أرادت أم محمود بن ملك شاه من السلطان أن ينص على ابنها محمود، فعرفه نظام الملك ما في ذلك من الخطر، فنص على بركيارق، و كان ذلك سببا لقتل نظام الملك، و ورد بركيارق إلى بغداد ثلاث مرات، و قطعت خطبته بهاست دفعات.

توفي في ربيع الأول من هذه السنة، و هو ابن أربعة و عشرين سنة و شهرين بعلة السل و البواسير.

3752- ثابت بن بندار بن إبراهيم بن الحسن بن بندار البقال، أبو المعالي يعرف بابن [ (2)] الحمامي:

و هو من أهل باب خراسان، ولد سنة ست عشرة و أربعمائة، و سمع أبا الحسن بن رمة، و أبا بكر البرقاني، و أبا علي بن شاذان في خلق كثير. و حدث و أقرأ، و كان ثقة ثبتا صدوقا، حدثنا عنه أشياخنا آخرهم ولده يحيى.

و كان أبو بكر بن الخاضبة يقول: ثابت ثابت، و قال شيخنا عبد الوهاب: كان ثقة مأمونا دينا كيسا خيرا.

توفي في ليلة الأحد ثالث عشرين جمادى الآخرة، و دفن بمقبرة باب حرب قريبا من قبر القاضي أبي يعلى.

3753- عيسى بن عبد اللَّه بن القاسم، أبو المؤيد الغزنوي‏

[ (3)]:

كان واعظا شاعرا كاتبا، ورد بغداد فسمع/ السراج بن الطيوري، و وعظ بها 39/ ب و نفق و نصر مذهب الأشعري، فأخرج من بغداد فخرج في السنة التي قبل هذه، و قيل في هذه السنة [ (4)]، و ربما قيل في السنة التي بعدها، خرج يقصد غزنة فتوفي في الطريق بأسفرايين.

____________

[ (1)] انظر ترجمته في: (شذرات الذهب 3/ 407، 408، و البداية و النهاية 12/ 164، 165، و الكامل 9/ 498).

[ (2)] انظر ترجمته في: (شذرات الذهب 3/ 408، و تذكرة الحفاظ 1232، الكامل 9/ 86).

[ (3)] الغزنوي نسبة إلى غزنة، و هي بلدة أول من بلاد الهند.

و انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 165، و الكامل 9/ 87).

[ (4)] في ص، ط: «فأخرج من بغداد في هذه السنة».

94

3754- محمد بن أحمد بن محمد بن قيداس، أبو طاهر [ (1)] الحطاب:

ولد في رمضان سنة عشر و اربعمائة، و سكن التوثة، و سمع أبا علي بن شاذان، و أبا محمد الخلال، و غيرهما. روى عنه أشياخنا.

و توفي في محرم هذه السنة، و دفن في الشونيزية.

3755- محمد بن أحمد [بن إبراهيم‏] [ (2)] بن سلفة بن أحمد الأصفهاني‏

[ (3)]:

كان شيخا صالحا عفيفا، حدث عن أبي الخطاب نصر بن النظر، و أبي الحسين بن الطيوري، و غيرهما.

و توفي في هذه السنة.

3756- محمد بن علي بن الحسن بن أبي علي الصقر، أبو الحسن الواسطي‏

[ (4)]:

سمع الحديث و رواه و تفقه على أبي إسحاق الشيرازي، و قرأ الأدب، و قال الشعر، و كان ظريفا. روى عنه شيخنا أبو الفضل بن ناصر.

و من أشعاره اللطيفة:

من قال لي جاه و لي حشمة * * * و لي قبول عند مولانا

و لم يعد ذاك بنفع على‏ * * * صديقه لا كان من كانا

توفي في هذه السنة بواسط.

***

____________

[ (1)] في الأصل: «أبو طاهر الخطاب».

و انظر ترجمته في: (شذرات الذهب 3/ 409).

[ (2)] ما بين المعقوفتين: ساقط من ت.

[ (3)] انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 165).

[ (4)] في طبقات الشافعية: «محمد بن علي بن الحسين بن علي بن عمر أبو الحسن بن أبي الصقر».

و انظر ترجمته في: (طبقات الشافعية 3/ 80، و البداية و النهاية 12/ 165، و الكامل 9/ 86).

95

ثم دخلت سنة تسع و تسعين و اربعمائة

فمن الحوادث فيها:

[خروج رجل بنهاوند ادعى النبوة]

أنه ظهر في المحرم رجل بسواد نهاوند ادعى النبوة، و تبعه خلق من الرستاقية، و باعوا املاكهم و دفعوا إليه [ (1)] أثمانها، و كان يهب جميع ما معه لمن يقصده، و سمى أربعة/ من أصحابه أبا بكر و عمر و عثمان و علي، و كان يدعي معرفة النجوم و السحر، 40/ أ و قتل بنهاوند.

[خرج رجل من أولاد ألب أرسلان فطلب السلطنة]

و خرج رجل من أولاد ألب أرسلان فطلب السلطنة، فقبض عليه فكان بين مدة خروجه و اعتقاله شهران، فكان أهل نهاوند يقولون: خرج عندنا في مدة شهرين مدع للنبوة، و طالب للملك و اضمحل أمرهما أسرع من كل سريع.

و في النصف من رجب و هو نصف شباط: توالت الغيوم، و زادت دجلة حتى قيل انها زادت على سنة الغرق.

[هلاك الغلات‏]

و هلكت في هذه السنة [ (2)] الغلات، و خربت دور كثيرة و انزعج الخلق، فلما أهل رمضان نقص الماء، و قدر في هذه الزيادة أمر عجيب، و ذلك أن نقيب النقباء أبو القاسم الزينبي أشرفت داره بباب المراتب على الغرق، فأقام سميريات ليصعد فيها إلى باب البصرة، فتقدمت منهن سفينة فيها تسع جوار لهن أثمان و معهن صبية أراد أهلها زفافها

____________

[ (1)] في ص: «و دفعوا إليهم أثمانها».

[ (2)] «في هذه السنة ...» من هنا حتى ترجمة المؤمن بن أحمد بن علي في وفيات سنة 507 ساقط من نسخة ترخانة (ت).

96

في هذه الليلة على زوجها، فأشفقوا فيها على الغرق فحملوها معهن، فلما وصلت السفينة مشرعة الرباط غرقت بمن فيها، فأمسك النقيب من الإصعاد و تسلى بمن بقي عمن مضى، و أقامت أم الصبية عليها المأتم.

*** ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

3757- سهل بن أحمد بن علي الأرغياني، أبو الفتح [ (1)] الحاكم:

و أرغيان قرية بنواحي نيسابور. سمع الحديث الكثير و تفقه، و كان حافظا للمذهب، و علق أصول الفقه على الجويني، و ناظر ثم ترك المناظرة و بنى رباطا و وقف عليه وقوفا، و تشاغل بقراءة القرآن، و أدام التعبد.

و توفي في محرم هذه السنة.

40/ ب‏

3758- عمر بن المبارك بن عمر،/ أبو الفوارس:

ولد سنة ثلاث و عشرين و أربعمائة، و قرأ القرآن، و سمع الحديث من أبي القاسم بن بشران، و أبي منصور السواق، و أبي الحسن القزويني و غيرهم، و أقرأ السنين الطويلة و ختم القرآن عليه ألوف من الناس. و روى الحديث الكثير، فحدثنا عنه ابن بنته أبو محمد المقري، و كان من كبار الصالحين الزاهدين المتعبدين حتى إنه كان له ورد بين العشائين يقرأ فيه سبعا من القرآن قائما و قاعدا، فلم يقطعه مع علو السن.

و توفي ضحى نهار يوم الأربعاء سادس عشر المحرم عن سبع و سبعين [ (2)] ممتعا بسمعه و بصره و عقله، و أخرج من الغد فصلى عليه سبطه أبو محمد في جامع القصر، و حضر جنازته ما لا يحد من الناس، حتى إن الأشياخ ببغداد كانوا يقولون: ما رأينا جمعا قط هكذا لا جمع ابن القزويني [و لا جمع ابن الفراء] [ (3)] و لا جمع الشريف أبي جعفر،

____________

[ (1)] انظر ترجمته في: (تاريخ نيسابور 787، و البداية و النهاية 12/ 166).

[ (2)] في ص: «عن سبع و تسعين».

[ (3)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

97

و هذه الجموع التي تناهت إليها الكثرة و شغل الناس ذلك اليوم و فيما بعده عن المعاش، فلم يقدر أحد من نقاد الباعة في ذلك الأسبوع على تحصيل نقده.

و قال لي أبو محمد سبطه: دخل إلى رجل بعد رجوعي من قبر جدي، فقال لي:

رأيت مثل هذا الجمع قط [ (1)]؟ فقلت: لا، فقال لي: ذاك من ها هنا خرج، يشير إلى المسجد و يأمرني فيه بالاجتهاد.

و رئي أبو منصور في النوم، فقيل له: ما فعل اللَّه بك؟ فقال: غفر لي بتعليم الصبيان فاتحة الكتاب.

3759- محمد بن عبد اللَّه بن يحيى: أبو البركات، و يعرف بابن الشيرجي، و بابن الوكيل المقرئ‏

[ (2)]:

ولد يوم الجمعة العشرين من رمضان سنة ست و أربعمائة، و قرأ القرآن على أبي العلاء الواسطي و غيره، و سمع الحديث من أبي القاسم بن بشران و غيره، و تفقه/ على 41/ أ أبي الطيب الطبري سنين، و سكن الكرخ، و روى عنه أشياخنا [ (3)]، و كان يتهم بالاعتزال.

و توفي يوم الثلاثاء خامس عشر ربيع الأول من هذه السنة، و دفن في مقبرة الشونيزى.

3760- محمد بن عبيد اللَّه بن الحسن بن الحسين، أبو الفرج البصري‏

[ (4)]:

قاضي البصرة، سمع من علماء البصرة، ثم ورد بغداد فسمع أبا الطيب الطبري، و أبا القاسم التنوخي، و أبا الحسن الماوردي، و أبا محمد الجوهري، و غيرهم. و سمع بالكوفة و الأهواز و بواسط و غيرها، و كان يعرف الآداب [ (5)]. سمع من أبي القاسم الرقي،

____________

[ (1)] في الأصل: «رأيت مثل ذلك الجمع قط».

[ (2)] انظر ترجمته في: (شذرات الذهب 3/ 410، و فيه: «أبو البركات بن الوكيل محمد بن عبد اللَّه بن يحيى الخباز الدباس الكرخي الشافعيّ»).

[ (3)] في ص: «روى عنه مشايخنا».

[ (4)] انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 166).

[ (5)] في ص: «و كان يعرف الأدب».

98

و ابن برهان، و له فصاحة و محفوظ كثير، و كان ممن يخشع قلبه عند الذكر و يبكي، و كانت له مروءة تامة.

توفي بالبصرة في محرم هذه السنة.

3761- محمد بن محمد بن الطيب، أبو الفضل الصّبّاغ‏

[ (1)]:

ولد في ذي الحجة سنة عشرين و أربعمائة، و سمع أبا القاسم بن بشران، و حدثنا عنه أشياخنا.

و توفي يوم السبت غرة ربيع الأول، و دفن بباب حرب.

3762- مهارش بن مجلي، أبو الحارث‏

[ (2)].

صاحب الحديثة، و هو الّذي أكرم القائم بأمر اللَّه، و فعل معه الجميل الّذي قد سبق ذكره حين خرج القائم بأمر اللَّه، من داره يوم فتنة البساسيري و كان كثير [ (3)] الصلاة و الصدقة، محبا للخير، فبلغ ثمانين سنة.

توفي في هذه السنة.

***

____________

[ (1)] الصّبّاغ نسبة إلى من يصبغ الثياب بالألوان.

[ (2)] انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 166).

[ (3)] في ص، ط: «حين خرج القائم من داره، و كان كثير».

99

ثم دخلت سنة خمسمائة

فمن الحوادث فيها:

أنه [في سابع المحرم‏] [ (1)] دخل صبي إلى بيت أخته فوجد عندها رجلا، فقتلها و هرب، و كان ذلك بالنّصرية، فركب الشحنة، و خرب المحلة.

[قتل فخر الملك أبي المظفر]

و في يوم عاشوراء:/ قتل فخر الملك أبو المظفر بن نظام الملك، و هو أكبر 41/ ب أولاده، قتله باطني على وجه الاغتيال، و كان فخر الملك قد رأى في ليلة عاشوراء التي قتل فيها الحسين (عليه السلام)، و هو يقول له: عجل إلينا و الليلة أفطر عندنا [ (2)]. فانتبه مشفقا من ذلك فشجعوه و أمروه أن لا يبرح يومه هذا من داره، و كان صائما فلما صار وقت العصر، خرج من حجرة كان فيها إلى بعض دور النساء، فسمع صوت متظلم بحرقة، و هو يقول: ذهب المسلمون ما بقي من يكشف ظلامة و لا من يأخذ لضعيف حق [ (3)]، و لا من يفرج عن ملهوف، فقال: أدنوه مني فقد عمل كلامه في قلبي، فلما أتوه به، قال: ما حالك؟ فدفع إليه رقعة، فبينما هو يتأملها ضربه بسكين في مقتله فقضى نحبه، و كان ذلك بنيسابور و هو يومئذ وزير سنجر فقرر فأقر على جماعة من أصحاب فخر الملك أنهم ألفوه و كذب عليهم، و إنما كان باطنيا يريد أن يقتل بيده و سعايته فقتل من عين عليه، و كانوا برآء ثم قتل هو بعد ذلك.

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (2)] في ص: «عجل إلينا و أفطر الليلة عندنا».

[ (3)] في ص، ط: «و لا من يأخذ بيد ضعيف».

100

و في رابع عشر صفر: خرج الوزير أبو القاسم علي بن جهير من داره بباب العامة إلى الديوان على عادته، فلما استقر في الديوان وصل إليه أبو الفرج بن رئيس الرؤساء و بهج و شافهاه بعزله [ (1)]، فانصرف إلى داره ماشيا، و مشيا معه، و كان سيف الدولة صدقة قد قرر أمره لما رد إلى الوزارة أنه متى تغير الرأي فيه عزل مصونا، فقصد دار سيف الدولة بعد عزله، و هو يقول في الطريق: أمنك اللَّه يا سيف الدولة يوم الفزع الأكبر كما أمنتني. فأقام بدار سيف الدولة إلى أن نفذ إليه قوما من الحلة، فخرج معهم هو و ولده و أصحابه.

و كانت مدة وزارته ثلاث سنين و خمسة أشهر و أياما، و كان قد استفسد في وزارته 42/ أ هذه قلوب جماعة/ عليه منهم: قاضي القضاة أبو الحسن الدامغانيّ، و صاحب المخزن أبو القاسم ابن الفقيه. و أمر الخليفة بنقض داره التي بباب العامة، و كان في ذلك عبرة من جهة أن أبا نصر بن جهير بناها بأنقاض دور الجانب الغربي و باب محول على يدي صاحب الشرطة أبي الغنائم بن إسماعيل، و كان هذا الشرطي يأخذ أكثر ذلك لنفسه و يحتج بعمارة هذه الدار و لا يقدر الضعفاء على منعه [ (2)]، فكانت عاقبة الظلم الخراب و ذهاب الأموال، فلما عزل استنيب قاضي القضاة أبو الحسن، و جعل معه أبو الحسين بن رضوان مشاركا له و جالسا إلى جانبه، ثم استدعي إلى حضرة الخلافة يوم الثلاثاء سابع عشر ربيع الأول أبو المعالي هبة اللَّه بن محمد بن المطلب، فكلمه بما شد أزره و شافهه بالتعويل عليه و تقدم بإفاضة الخلع عليه، فخرج إلى الديوان، و قرأ أبو الحسين بن رضوان عهده و هو من إنشاء ابن رضوان.

[استدعاء أبي القاسم بن الحصين صاحب المخزن‏]

و في هذا اليوم استدعى أبو القاسم بن الحصين صاحب المخزن إلى باب الحجرة فخلع عليه هناك إبانة لمحله، و رفعا لمنزلته.

[قبض السلطان على وزيره أبي المحاسن‏]

و في ثالث شعبان، قبض السلطان على وزيره أبي المحاسن و صلبه بظاهر أصبهان مع جماعة من أعيان الكتاب، و استوزر نظام الملك أبا نصر أحمد بن نظام الملك [ (3)].

____________

[ (1)] في ص، ط: «رئيس الرؤساء و مهج و شافهاه بعزله».

[ (2)] في ص: «و لا يقدر الضعفاء على الكلام».

[ (3)] في الأصل: «نظام الملك أحمد أبا نصر بن نظام الملك».

101

[و في ذي القعدة عول في ديوان الزمام على أبي الحسن علي بن صدقة، و خلع عليه، و لقب عميد الدولة] [ (1)].

[ترتيب أبي جعفر عبد اللَّه الدامغانيّ حاجب الباب‏]

و في هذه السنة. رتب أبو جعفر عبد اللَّه الدامغانيّ حاجب الباب، و لقب بمهذب الدولة، و خلع عليه فخلع الطيلسان، و قد كان إليه القضاء بربع الطاق و قطعة كبيرة من البلاد نيابة عن أخيه، فشق ذلك على أخيه لكونه قاضي القضاة.

[وصول رأس أحمد بن عبد الملك ابن عطاش و رأس ولده معه‏]

و في آخر ذي الحجة: وصل إلى بغداد رأس أحمد بن عبد الملك/ بن عطاش، 42/ ب و رأس ولده معه، و هو متقدم الباطنية بقلعة أصفهان، و هذه القلعة بناها السلطان جلال الدولة ملك شاه، و سبب بنائه لها أنه ورد عليه بعض متقدمي الروم، و أظهر الإسلام فخرج معه في بعض الأيام للصيد فهرب منه كلب معروف بجودة العدو إلى الجبل، فصعد السلطان وراءه و طاف في الجبل حتى وجده، فقال [له‏] [ (2)] الرومي: لو كان هذا الجبل عندنا لبنينا عليه قلعة ينتفع بها و يبقى ذكرها، فثبت هذا الكلام في قلبه فبناها و أنفق عليها ألف ألف و مائتي ألف دينار، فكان أهل أصفهان يقولون حين ابتلوا بابن عطاش: انظروا إلى هذه القلعة كان الدليل على موضعها كلب، و المشير ببنائها [ (3)] كافر، و خاتمة أمرها هذا الملحد.

و لما رجع هذا الرومي إلى بلده، قال: إني نظرت إلى أصفهان و هو بلد عظيم و الإسلام به ظاهر [ (4)] فلم أجد شيئا اشتت به شملهم [ (5)] غير مشورتي: على السلطان ببناء هذه القلعة.

و لما مات السلطان آل أمرها إلى الباطنية، فاستولى عليها ابن عطاش اثنتي عشرة سنة فلما سيقت الممالك للسلطان محمد [ (6)] اهتم بأمر الباطنية، فنزل بهذه القلعة،

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (2)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (3)] في ط، ص: «موضعها كلب و المشير بها».

[ (4)] في ص: «و الإسلام به قاهر».

[ (5)] في ص، ط: «اشتت به شملهم».

[ (6)] في ص، ط: «فلما سيقت الممالك إلى السلطان».

102

فحاصرها سنة فأرسلوا إليه أن ينفذ إليهم من يناظرهم، فأنفذ فلم يرجعوا، ثم ضاق الأمر بهم فأذعنوا بالطاعة فأخرجهم إلى أماكن التمسوها و نقضها في ذي القعدة من هذه السنة، و قتل رئيسها ابن عطاش و سلخه، و قتل ابنه و ألقت زوجته نفسها من أعلى القلعة و معها جوهر نفيس، فهلكت و ما معها.

و كان هذا ابن عطاش في أول أمره طبيبا، فأخذ أبوه في أيام طغرلبك لأجل مذهبه، فأراد قتله فأظهر التوبة و مضى إلى الري، و صاحب أبا علي النيسابورىّ و هو متقدمهم هناك و صاهره و صنف رسالة في الدعاء إلى هذا المذهب سماها «العقيقة».

43/ أ و مات في سواد الري، فمضى/ ولده إلى هذه القلعة.

*** ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

3763- أحمد بن محمد بن أحمد بن سعيد، أبو الفتح الحداد الأصفهاني ابن أخت أبي القاسم عبد الرحمن بن عبد اللَّه [ (1)] بن مندة:

ولد سنة ثمان و أربعمائة، و سمع من خلق كثير، روى عنه شيخنا عبد الوهاب فاثنى عليه و وصفه بالخيرية و الصلاح، و كان من أهل الثروة.

و توفي في رجب هذه السنة بأصبهان.

3764- جعفر بن أحمد بن الحسين [ (2)] بن أحمد ابن السراج أبو محمد [ (3)] القارئ:

ولد سنة ست عشرة و أربعمائة، قرأ القرآن بالقراءات و أقرأ سنين، و سمع أبا علي بن شاذان، و أبا محمد الخلال، و البرمكي، و القزويني و خلقا كثيرا، و سافر إلى بلاد الشام و مصر، و سمع بدمشق و طرابلس، و خرج له الخطيب فوائد في خمسة أجزاء، و تكلم على الأحاديث، و كان أديبا شاعرا لطيفا صدوقا ثقة، و صنف كتبا حسانا و شعره‏

____________

[ (1)] انظر ترجمته في: (شذرات الذهب 3/ 410، و الكامل 9/ 112).

[ (2)] في الأصل: «جعفر بن أحمد بن الحسن».

[ (3)] انظر ترجمته في: (شذرات الذهب 3/ 411، و البداية و النهاية 12/ 168، و فيه: «جعفر بن أحمد بن الحسين بن أحمد بن جعفر السراج»، و الكامل 9/ 112).