المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك‏ - ج17

- أبو الفرج ابن الجوزي المزيد...
320 /
153

و العشاري، و ابن المسلمة، و القاضي أيا يعلى، و تفقه عليه و قرأ الفرائض [على الوني‏] [ (1)]، و صنف و انتفع بتصنيفه، و حدث و أفتى و درس، و شهد عند قاضي القضاة أبي عبد اللَّه الدامغانيّ، و كان ثقة ثبتا غزير الفضل و العقل، و له شعر مطبوع، حدثنا عنه أشياخنا.

أنشدنا محمد بن ناصر الحافظ، قال أنشدنا أبو الخطاب محفوظ بن أحمد لنفسه:

دع عنك تذكار الخليط المنجد * * * و الشوق نحو الآنسات الخرد

و النوح في أطلال سعدى إنما * * * تذكار سعدى شغل من لم يسعد

و اسمع مقالي إن أردت تخلصا * * * يوم الحساب و خذ بهديي تهتد

و اقصد فإنّي قد قصدت موفقا * * * نهج ابن حنبل الإمام الأوحد

[خير البرية بعد صحب محمد * * * و التابعين إمام كل موحد] [ (2)]

/ ذي العلم و الرأي الأصيل و من حوى‏ * * * شرفا علا فوق السها و الفرقد 60/ ب‏

و اعلم بأني قد نظمت مسائلا * * * لم آل فيها النصح غير مقلد

و أجبت عن تسآل كل مهذب‏ * * * ذي صولة عند الجدال مسوّد

هجر الرّقاد و بات ساهر ليله‏ * * * ذي همة لا يستلذ بمرقد

قوم طعامهم دراسة علمهم‏ * * * يتسابقون إلى العلا و السّؤدد

قالوا بما عرف المكلّف ربّه؟ * * * فأجبت بالنّظر الصحيح المرشد

قالوا فهل رب الخلائق واحد؟ * * * قلت الكمال لربنا المتفرد

قالوا فهل للَّه عندك مشبه؟ * * * قلت المشبه في الجحيم الموصد

قالوا فهل تصف الإله؟ أبن لنا * * * قلت الصفات لذي الجلال السّرمد

قالوا فهل تلك الصفات قديمة * * * كالذات؟ قلت كذاك لم تتجدد

/ قالوا فأنت تراه جسما مثلنا [ (3)]؟ * * * قلت المجسم عندنا كالملحد 61/ أ

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (2)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (3)] في الأصل: «تراه جسما مثلنا».

154

قالوا فهل هو في الأماكن كلها؟ * * * فأجبت بل في العلو مذهب أحمد

قالوا أ تزعم أن على العرش استوى؟ * * * قلت الصواب كذاك أخبر سيدي‏

قالوا فما معنى استواه؟ أبن لنا * * * فأجبتهم هذا سؤال المعتدي‏

قالوا النزول؟ فقلت ناقلة له‏ * * * قوم تمسكهم بشرع محمد

قالوا فكيف نزوله؟ فأجبتهم‏ * * * لم ينقل التكييف لي في مسند

قالوا فينظر بالعيون؟ أبن لنا * * * فأجبت رؤيته لمن هو مهتدي‏

[قالوا فهل للَّه علم؟ قلت ما * * * من عالم إلا بعلم مرتدي‏] [ (1)]

قالوا فيوصف أنه متكلم؟ * * * قلت السكوت نقيصة المتوحد

قالوا فما القرآن؟ قلت كلامه‏ * * * من غير ما حدث و غير تجدد

قالوا الّذي نتلوه؟ قلت كلامه‏ * * * لا ريب فيه عند كل مسدد

قالوا فأفعال العباد؟ فقلت ما * * * من خالق غير الإله الأمجد

قالوا فهل فعل القبيح مراده؟ * * * قلت الارادة كلها للسيد

لو لم يرده لكان ذاك نقيصة * * * سبحانه عن أن يعجز في الردي‏

قالوا فما الايمان؟ قلت مجاوبا * * * عمل و تصديق بغير تبلد

قالوا فمن بعد النبي خليفة؟ * * * قلت الموحد قبل كل موحد

حامية في يوم العريش و من له‏ * * * في الغار مسعد يا له من مسعد

خير الصحابة و القرابة كلهم‏ * * * ذاك المؤيد قبل كل مؤيد

61/ ب/ قالوا فمن صديق أحمد؟ قلت من‏ * * * تصديقه بين الورى لم يجحد

قالوا فمن تالي أبي بكر الرضا؟ * * * قلت الامارة في الإمام الأزهد

فاروق أحمد و المهذب بعده‏ * * * نصر الشريعة باللسان و باليد

قالوا فثالثهم؟ فقلت مسارعا * * * من بايع المختار عنه باليد

صهر النبي على ابنتيه و من حوى‏ * * * فضلين فضل تلاوة و تهجد

أعني ابن عفان الشهيد و من دعي‏ * * * في الناس ذا النورين صهر محمد

قالوا فرابعهم؟ فقلت مبادرا * * * من جاز دونهم أخوة أحمد

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

155

زوج البتول و خير من وطئ الحصى‏ * * * بعد الثلاثة و الكريم المحتد

أعني أبا الحسن الإمام و من له‏ * * * بين الأنام فضائل لم تجحد

و لعم سيدنا النبي مناقب‏ * * * لو عددت لم تنحصر بتعدد

أعني أبا الفضل الّذي استسقى به‏ * * * عمر أوان الجدب بين الشّهد

ذاك الهمام أبو الخلائف كلهم‏ * * * نسقا إلى المستظهر بن المقتدي‏

صلى الإله عليه ما هبت صبا * * * و على بنيه الراكعين السجد

و أدام دولتهم علينا سرمدا * * * ما حن في الأسحار كل مغرد

قالوا أبان الكلوذاني الهدى‏ * * * قلت الّذي فوق السماء مؤيدي‏

و له [أيضا] [ (1)]:

و مذ كنت من أصحاب أحمد لم أزل‏ * * * أناضل عن أعراضهم و أحامي‏

و ما صدني عن نصرة الحق مطمع‏ * * * و لا كنت زنديقا حليف خصام‏

/ و لا خير في دنيا تنال بذلة * * * و لا في حياة أولعت بسقام 62/ أ

و من جانب الأطماع عز و إنما * * * مذلته تطلابه لحطام‏

توفي أبو الخطاب ليلة الخميس الرابع و العشرين من جمادى الآخرة من هذه السنة، و صلي عليه بجامع القصر، و كان المتقدم في الصلاة عليه أبو الحسن بن فاعوس، ثم حمل إلى جامع المنصور فصلي عليه ثم [دفن‏] [ (2)] إلى جانب أبي محمد التميمي في دكة أحمد بن حنبل.

***

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (2)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

156

ثم دخلت سنة احدى عشرة و خمسمائة

فمن الحوادث فيها:

[زلزلة الأرض ببغداد يوم عرفة]

أنه زلزلت الأرض ببغداد يوم عرفة، و كانت الستور و الحيطان تمر و تجي‏ء، و وقعت دور و دكاكين في الجانب الغربي، فلما كان بعد أيام وصل الخبر بموت السلطان محمد بن ملك شاه.

قال شيخنا أبو الفضل [بن ناصر:] [ (1)] كانت هذه الزلزلة وقعت الضحى و كنت في المسجد الّذي على باب درب الدواب قاعدا في السطح مستندا إلى سترة تلي الطريق، فتحركت السترة حتى خرجت من الحائط مرتين، قال: و بلغني أن دكاكين وقعت بالجانب الغربي في القرية، ثم كان عقيبها موت السلطان محمد، موت المستظهر، ثم ما جرى من الحروب و الفتن للمسترشد باللَّه مع دبيس بن مزيد، و غلا السعر حتى بلغ الكر ثلاثمائة دينار و لم يوجد، و مات الناس جوعا و أكلوا الكلاب و السنانير.

*** ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

3850-/ أحمد القزويني‏

[ (2)]:

[كان‏] [ (3)] من الأولياء المحدثين، توفي في رمضان هذه السنة فشهده أمم لا تحصى، و قبره ظاهر يتبرك به في الطريق إلى معروف الكرخي.

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (2)] في الأصل، ت: «العريني» و في الكامل: العربيّ».

[ (3)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

157

3851- الحسن بن أحمد [ (1)] بن جعفر، أبو عبد اللَّه الشقاق الفرضيّ الحاسب، صاحب أبي حكيم الطبري‏

[ (2)]:

سمع أبا الحسين ابن المهتدي [ (3)] و غيره، و توحد في علم الحساب و الفرائض.

و توفي يوم الاثنين حادي عشرين ذي الحجة.

3852- الحسين بن الحسن، أبو القاسم القصار:

سمع الجوهري، و أبا يعلى ابن الفراء، و أبا الحسين بن المهتدي [ (4)]، و كان سماعه صحيحا، و توفي في رجب.

3853- عبد الرحمن بن أحمد بن عبد القادر بن محمد بن يوسف‏

[ (5)]:

سمع ابن المذهب، و البرمكي و غيرهما. و كان ثقة. حدثنا عنه أشياخنا، و توفي ليلة الأحد عاشر شوال فجأة وقت صلاة المغرب، و دفن بمقبرة باب حرب في تربة أبي الحسين السوسنجردي [ (6)].

3854- علي بن أحمد ابن أبي منصور المطوعي الطبري، أبو الحسن:

سمع أبا جعفر، و حدث عنه.

و توفي يوم الثلاثاء ثالث [ (7)] جمادى الآخرة و دفن بباب أبرز.

3855- علي بن أحمد، أبو الحسن الطبري:

سمع من ابن غيلان و غيره، و كان مستورا، و كان سماعه صحيحا.

و توفي في ذي القعدة، و بعضهم يقول: إنما توفي سنة اثنتي عشرة.

____________

[ (1)] في ت: «الحسين بن أحمد».

[ (2)] انظر ترجمته في: (الكامل 9/ 171).

[ (3)] في الأصل: «أبا الحسين ابن المهتدي».

[ (4)] «و غيره، و توحد في علم الحساب ... و أبا الحسين بن المهتدي». ساقطة من ت، و كتب على هامشها.

[ (5)] انظر ترجمته في: (تذكرة الحفاظ 1251، و شذرات الذهب 4/ 31).

[ (6)] في الأصل: «تربة أبي الحسن السوسنجري».

[ (7)] في ص: مكان «ثالث» بياض.

158

3856- لؤلؤ الخادم صاحب حلب‏

[ (1)] فتك به قوم من الأتراك كانوا في جملته، و هو متوجه إلى قلعة جعبر.

3857- محمد بن سعيد بن إبراهيم بن نبهان، أبو علي الكاتب‏

[ (2)]:

سمع أبا علي بن شاذان، و أبا الحسين بن الصابي جده لأمه، و أبا علي بن دوما، و بشرى، و هو آخر من حدث عنهم، و انتهى إليه الإسناد حدثنا عنه أشياخنا [ (3)].

63/ أ قال شيخنا ابن ناصر: إلّا أنه تغير قبل موته بسنتين/ و بقي مطروحا على فراشه لا يعقل، فمن سمع منه في تسع و عشر [ (4)] فسماعه باطل، و كان يتهم بالرفض.

توفي ليلة الأحد سابع شوال، و دفن في داره بالكرخ.

قال شيخنا أبو الفضل: سمعته يقول مولدي سنة إحدى عشرة و اربعمائة، ثم سمعته [مرة أخرى‏] [ (5)] يقول مولدي سنة خمس عشر و أربع مائة فقلت له في ذلك، فقال:

أردت أن أدفع عني العين لأجل علو السن، و إلّا فمولدي سنة احدى عشرة، فبلغ مائة سنة.

أنبأنا شيخنا أبو الفضل بن ناصر، قال: أنشدنا أبو علي بن نبهان لنفسه في قصيدة:

لي أجل قدره خالقي‏ * * * نعم و رزق أتوفاه‏

حتى إذا استوفيت منه الّذي‏ * * * قدر لي لم أتعداه‏

قال حرام كنت ألقاه‏ * * * في مجلس قد كنت أغشاه‏

صار ابن نبهان إلى ربه‏ * * * يرحمنا اللَّه و إياه‏

____________

[ (1)] انظر ترجمته في: (الكامل 9/ 170).

[ (2)] انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 181، و فيه: «محمد بن سعد بن نبهان»، و تذكرة الحفاظ 1252، و الكامل 9/ 171).

[ (3)] في ص، ط: «حدث عنه أشياخنا».

[ (4)] في ص، ط: فمن سمعه في تسع و عشر».

[ (5)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

159

3858- محمد بن عبد الكريم [ (1)] بن عبيد اللَّه بن محمد بن أحمد، أبو بكر الخطيب السجزيّ ثم البلخي:

ولي الخطابة ببلخ، و سمع من أبيه و غيره، و سمع بأصبهان من أحمد و غيره [ (2)]، و بنيسابور من أبي الفتح الطوسي، و بالعراق من عاصم و غيره، و كان فقيها فاضلا.

و توفي في هذه السنة.

3859- محمد بن علي بن أبي طالب [ (3)] بن محمد، أبو الفضل بن أبي الغنائم المعروف بابن زبيبا

[ (4)]:

ولد سنة ست و ثلاثين و أربعمائة، و سمع من القاضي أبي يعلى، و الجوهري، و ابن المذهب و غيرهم. و كان أبوه من أصحاب القاضي.

قال شيخنا ابن ناصر: لم يكن بحجة، لأنه كان على غير السمت المستقيم.

3860- محمد بن ملك شاه، السلطان‏

[ (5)]:

توفي بأصبهان في ذي الحجة من هذه السنة، عن سبع و ثلاثين سنة، و قام بالسلطنة ابنه محمود، و فرق خزانته في العسكر/ و قيل كانت أحد [ (6)] عشر ألف ألف 63/ ب دينار عينا، و ما يناسب ذلك من العروض.

3861- المبارك بن طالب، أبو السعود الحلاوي المقرئ‏

[ (7)]:

قرأ القرآن على أبي علي ابن البناء، و أبي منصور الخياط و غيرهما، و سمع‏

____________

[ (1)] في ت: «محمد بن عبد الرحمن».

[ (2)] في المطبوعة: «و سمع بأصبهان من حمد و غيره».

[ (3)] في ت: «ابن طالب».

[ (4)] في ط: «ابن أبي القاسم».

و انظر ترجمته في: (شذرات الذهب 4/ 31).

[ (5)] انظر ترجمته في: (الكامل 9/ 167).

[ (6)] في ص: «قيل كانت أه عشر ألف».

[ (7)] انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 182).

160

الحديث من الصريفيني و غيره، سمع منه أشياخنا، و كان نقي العرض آمرا بالمعروف، و انتقل من نهر معلى لكثرة المنكر بها، و أقام بالحربية حتى توفي في ربيع الأول من هذه السنة، و دفن بمقبرة باب حرب.

3862- يمن بن عبد اللَّه، الجيوشي أبو الخير:

أحد خدم المستظهر باللَّه، كان مهيبا جوادا، حسن التدبير، ذا رأي و فطنة ثاقبة، و ارتقت به الأمور العالية حتى فوضت إليه إمارة الحاج، و بعث رسولا إلى السلطان من حضرة أمير المؤمنين مرارا، و سمع أبا عبد اللَّه الحسين بن أحمد بن طلحة النعالي بإفادة أبي نصر الأصبهاني، و كان يؤم به في الصلوات، و حدث بأصبهان لما قدمها رسولا.

و توفي بها في ربيع الآخر من هذه السنة، و دفن هناك، و قد ذكرنا في حوادث السنة المتقدمة عن ابن عقيل في حقه كلاما يتعلق بالحج.

***

161

ثم دخلت سنة اثنتي عشرة و خمسمائة

فمن الحوادث فيها:

[خطب للسلطان محمود بن محمد بن ملك شاه‏]

أنه خطب للسلطان محمود بن محمد بن ملك شاه أبي القاسم يوم الجمعة ثالث عشرين محرم.

[احتراق سوق الريحانيين‏]

و في ربيع الآخر: احترقت سوق الريحانيين و سوق عبدون، و كان حريقا مشهودا و كان من عقد الحديد و عقد حمام السمرقندي إلى باب دار الضرب و خان الدقيق و الصيارف.

[وفاة المستظهر باللَّه‏]

و في هذا الشهر: توفي المستظهر باللَّه و ولي ابنه المسترشد.

*** باب ذكر خلافة المسترشد باللَّه‏

/ و اسمه الفضل، و يكنى أبا منصور، و مولده ليلة الأربعاء [ (1)] رابع ربيع الأول سنة 64/ أ أربع و ثمانين و أربعمائة، و قيل: خمس و ثمانين، و قيل: ست و ثمانين، و سمع الحديث من مؤدبه أبي البركات أحمد بن عبد الوهاب السيبي، و من أبي القاسم علي بن بيان و حدث، قرأ عليه أبو الفرج محمد بن عمر ابن الأهوازي و هو سائر في موكبه إلى الحلبة

____________

[ (1)] في ص، ط: «و مولده يوم الأربعاء».

162

فسمع ذلك جماعة و قرئ عنهم [و روى‏] عنه وزيره علي بن طراد و أبو علي بن الملقب، و كان شجاعا بعيد الهمة، و كانت بيعته بكرة الخميس الرابع و العشرين من ربيع الآخر سنة اثنتي عشرة و خمسمائة، فبايعه إخوته و عمومته و الفقهاء و القضاة و أرباب الدولة، و كان قاضي القضاة أبو الحسن علي بن محمد الدامغانيّ هو المتولي لأخذ البيعة، لأنه كان ينوب في الوزارة.

قال المصنف: و نقلته من خط أبي الوفاء بن عقيل، قال: لما ولي المسترشد باللَّه تلقاني ثلاثة من المستخدمين يقول كل واحد منهم، قد طلبك أمير المؤمنين، فلما صرت بالحضرة قال لي قاضي القضاة و هو قائم بين يديه: طلبك [ (1)] مولانا أمير المؤمنين ثلاث مرات، فقلت: ذلك من فضل اللَّه علينا و على الناس، ثم مددت يدي فبسط لي يده الشريفة فصافحت بعد السلام و بايعت، فقلت: أبايع سيدنا و مولانا أمير المؤمنين المسترشد باللَّه على كتاب اللَّه و سنة رسوله و سنة الخلفاء الراشدين ما أطاق و استطاع، و على الطاعة مني، و قبلت يدي و تركتها على عيني زيادة على ما فعلت في بيعة 64/ ب المستظهر تعظيما له/ وحده من بين سائر الخلفاء فيما نشأ عليه من الخير و الخصال المحمودة [ (2)]، و تميزه بطريقة جده القادر، فبعثوا إلى مبرة عشرة دنانير، و كان رسمي في البيعة خمسين دينارا.

و برز تابوت المستظهر يوم بيعة المسترشد بين الصلاتين فصلى عليه المسترشد، و كبر أربع تكبيرات، و جلس قاضي القضاة للعزاء بباب الفردوس ثلاثة أيام، و نزل الأمير أبو الحسن بن المستظهر عند تشاغلهم بالمستظهر من التاج في الليل و أخذ معه رجلا هاشميا من الحماة الذين يبيتون تحت التاج، فمضى إلى الحلة إلى دبيس صدقة فبقي عنده مدة فأكرمه، و أفرد له دار الذهب على أن يدخل عليه [ (3)] كل يوم مرة و يقبل الأرض و يستعرض حوائجه، و بعث المسترشد نقيب النقباء أبا القاسم علي بن طراد ليأخذ البيعة على دبيس، و يستعيد أخاه، فأعطى [دبيس‏] [ (4)] البيعة، و قال: هذا عندي ضيف و لا يمكنني إكراهه على الخروج، فدخل النقيب على الأمير أبي الحسن و أدى رسالة

____________

[ (1)] مكان «طلبك» بياض في ص، و في ت: «قد طلبك».

[ (2)] في ص، ط: «من الخير و دحض أدوات اللهو».

[ (3)] في ص: «و كان يدخل عليه».

[ (4)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

163

الخليفة إليه و معها خط الخليفة بالأمان على ما يجب و خاتمه ليعود فلم يجب فرجع و وزر أبو شجاع [ (1)] محمد بن أبي منصور بن [أبي‏] [ (2)] شجاع، و كان عمره عشرين سنة صانعه لأبيه لأنه كان وزيرا للسلطان محمود، و استنيب له أبو القاسم علي بن طراد، فكتب إلى الوزير أبو محمد الحريري صاحب المقامات:

هنيئا لك الفخر فافخر هنيا * * * كما قد رزقت مكانا عليا

رقيت كآبائك [ (3)] الأكرمين‏ * * * لدست الوزارة كفؤا رضيا

تقلدت أعباءها يافعا * * * كما أوتي الحكم يحيى صبيا

/ و في جمادى الآخرة: قبض على صاحب المخزن أبي طاهر ابن الخرزي، 65/ أ و على ابن كمونة، و ابن غيلان القاضي، و جماعة، و أرجف بأن هؤلاء كتبوا إلى الأمير أبي الحسن [يأمرونه‏] [ (4)] بأن لا يطيع.

و توفي ولد المسترشد الأكبر فدفن في الدار مع المستظهر، ثم توفي ولد له آخر [بالجدري‏] [ (5)] فبكى عليه المسترشد حتى أغمي عليه.

و طولب ابن حمويه بمال فباع في يوم ثلاثة آلاف قطعة ثياب غير الأثاث و القماش، و أخرج ابن بكري من الحبس و قرر عليه ثلاثة آلاف دينار و خمسمائة، و تقدم ببيع أملاكه ليوفي، و أضيفت دار سيف الدولة إلى الجامع، و كتب دبيس ابن مزيد فتوى في رجل اشترى دارا فغصبها منه رجل [ (6)] و جعلها مسجدا، هل يصح له ذلك أم يجب إعادتها إلى مكانها [ (7)]؟ فكتب قاضي القضاة و جماعة من الفقهاء: يجب ردها إلى مالكها و ينقض وقفها، فرفع ذلك إلى المسترشد و طالب بداره التي أضيفت إلى الجامع، فأظهر

____________

[ (1)] في الأصل: «و ولي الوزير أبو شجاع».

[ (2)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (3)] في الأصل: «رتبا كآبائك».

[ (4)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (5)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (6)] في الأصل: «فغصبها منه إنسان».

[ (7)] في الأصل: «أم يجب إعادتها كما مكانها».

164

بها كتابا مثبتا في ديوان الحكم أنه اشتراها أبوه من وكيل المستظهر بخمسة عشر ألف دينار و أنفق عليها ثمانية عشر ألف دينار.

و في رجب: خلع المسترشد على دبيس جبة و فرجية و عمامة و طوقا و فرسا و مركبا و سيفا و منطقة و لواء، و حمل الخلع نقيب النقباء و ابن السيبي و نجاح، و كان يوما مشهودا.

و في رابع ذي القعدة: خلع المسترشد على نظر، و لقبه أمير الحرمين، و أعطي حقيبتين و لوائين و سبعة أحمال كوسات، و سار للحج.

65/ ب و في ذي الحجة/ صرف أبو جعفر ابن الدامغانيّ عن حجبة الباب، و جلس أبو غالب ابن المعوج ثم خرج أبو الفرج بن طلحة [ (1)]، فجلس بباب النوبي و جلس ابن المعوج نائبة.

*** ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

3863- أحمد بن محمد، أبو العباس الهاشمي، يعرف بابن الزوال العدل‏

[ (2)]:

ولد يوم عرفة سنة [اثنتين و] [ (3)] أربعين، و سمع أبا الحسين بن المهتدي، و أبا جعفر ابن المسلمة، و أبا يعلى بن الفراء، و غيرهم روى عنه شيوخنا، و شهد عند أبي عبد اللَّه الدامغانيّ، و كان يسلك طريقة الزهد و التقشف.

و توفي ليلة الخميس وقت العتمة تاسع عشرين محرم، و دفن بمقبرة باب حرب.

3864- أحمد بن محمد بن محمد بن أحمد، أبو منصور الحارثي:

ولد في ذي القعدة سنة سبع و ثلاثين و أربعمائة، و سمع من جماعة، و روى عنه شيخنا عمر بن محمد البسطامي [ (4)]، و كان له فضل، و تقدم و رياسة عريضة و جاه كثير، و توفي في محرم هذه السنة.

____________

[ (1)] في ص: «أبو الفتح بن طلحة». و في ت: «أبو الفتح بن طلحة».

[ (2)] في ت: «المعروف بابن الزوال».

[ (3)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (4)] في الأصل: «عمر بن محمد النظامي».

165

3865- أحمد المستظهر باللَّه، أمير المؤمنين ابن المقتدي‏

[ (1)]:

بدأت به علة التراقي فمرض ثلاثة عشر يوما، و توفي ليلة الخميس سادس عشرين ربيع الآخر من هذه السنة و كانت مدة عمره [ (2)] أحدى و أربعين سنة و ستة أشهر و سبعة أيام، و كانت خلافته أربعا و عشرين سنة و ثلاثة أشهر و أحد عشر يوما.

قال المصنف رحمه اللَّه: و رأيت بخط شيخنا أبي بكر بن عبد الباقي قال: توفي المستظهر نصف الليل، و غسله أبو الوفاء بن عقيل، و ابن السيبي، و صلى عليه الإمام المسترشد باللَّه، و دفن في الدار، ثم أخرج في رمضان.

قال شيخنا أبو الحسن الزاغوني: إنما عجل إخراجه لأنه قيل إن المسترشد رآه في المنام و هو يقول له: أخرجني من/ عندك و إلّا أخذتك إلى عندي. 66/ أ

3866- أرجوان جارية الذخيرة، أم المقتدي بأمر اللَّه، تدعى [ (3)] قرة العين:

كانت جارية أرمنية، و كان لها بر و معروف، و حجت ثلاث حجج أدركت خلافة ابنها المقتدي و خلافة ابنه المستظهر و خلافة ابنه المسترشد، و رأت للمسترشد ولدا و توفيت في هذه السنة.

3867- بكر بن محمد بن علي بن الفضل بن الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن إسحاق بن عثمان بن جعفر بن عبد اللَّه بن جعفر بن جابر بن عبد اللَّه الأنصاري، أبو الفضل الزرنجري‏

[ (4)]:

و زرنجر قرية من قرى بخارى على خمسة فراسخ منها، سمع الحديث الكثير من‏

____________

[ (1)] انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 182، و تذكرة الحفاظ 1249، و شذرات الذهب 4/ 33، و الكامل 9/ 173).

[ (2)] في الأصل: «و كانت عدة عمره».

[ (3)] في ت: «أرجوان جارية الذخيرة ابن القائم بأمر اللَّه، أم المقتدي بأمر اللَّه».

و انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 183).

[ (4)] الزرنجري: نسبة إلى زرنجرى، و يقال لها زرنكرى، و هي قرية من قرى بخارى.

و انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 183، و تذكرة الحفاظ 1249، و شذرات الذهب 4/ 33، و الكامل 9/ 179).

166

جماعة يكثر عددهم، و تفرد بالرواية عن جماعة [ (1)] منهم لم يحدث عنهم، و تفقه على أبي محمد عبد العزيز [ (2)] بن أحمد الحلواني، و برع في الفقه، فكان يضرب به المثل.

و حفظ مذهب أبي حنيفة، و يقولون: هو أبو حنيفة الصغير، و متى طلب المتفقه منه الدرس ألقى عليه من أي موضع أراد من غير مطالعة و لا مراجعة لكتاب، و كان الفقهاء إذا أشكل عليهم شي‏ء رجعوا إليه و حكموا بقوله و نقله، و سئل يوما عن مسألة فقال:

كررت هذه المسألة ليلة في برج من حصن بخارى أربعمائة مرة.

و توفي في شعبان هذه السنة ببخارى.

3868- الحسين بن محمد، بن علي بن الحسن [بن محمد] [ (3)] بن عبد الوهاب، أبو طالب الزّينبي:

[ (4)] ولد في سنة عشرين و أربعمائة، و قرأ القرآن على أبي الحسين ابن البروي [ (5)] و سمع من أبي طالب بن غيلان، و أبي القاسم التنوخي، و أبي الحسين ابن المهتدي و غيرهم. و انفرد في بغداد برواية الصحيح عن كريمة، و تفقه على أبي عبد اللَّه الدامغانيّ، و برع في الفقه و أفتى و درس، و انتهت إليه رياسة أصحاب أبي حنيفة/ 66/ ب ببغداد، و لقب نور الهدى و لم يزل واليا للمدرسة التي بناها شرف الملك أبو سعد تدريسا، و نظرا، و ترسل إلى ملوك الأطراف من البلاد من قبل الخليفة و ولي نقابة الطالبيين و العباسيين، و كان شريف النفس، كثير العلم، غزير الدين، فبقي في النقابة شهورا ثم حمل إليه هاشمي قد جنى جناية تقتضي معاقبته، فقال ما يحتمل قلبي أن‏

____________

[ (1)] «يكثر عددهم، و تفرد بالرواية عن جماعة». ساقطة من ص، ط.

[ (2)] في ص، ط: «على أبي بكر عبد العزيز».

[ (3)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (4)] قال السمعاني في نسبة الزينبي: «هذه النسبة إلى زينب بنت سليمان بن علي، و ظني أنها زوجة إبراهيم الإمام أم أحمد بن محمد بن علي، و المنتسب إليها بيت قديم ببغداد».

و انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 183، و فيه: «الحسين بن محمد بن عبد الوهاب الزينبي»، و تذكرة الحفاظ 1249، و شذرات الذهب 4/ 34، و الكامل 9/ 179).

[ (5)] هكذا في الأصول، و جاءت في المطبوعة: «أبي الحسين ابن التوزي». و في الهامش: هو أحمد بن علي بن الحسين المحتسب، توفي سنة 442».

167

أسمع المعاقبين و ما أراهم، فاستعفى فأعفي و استحضر أخوه طراد من الكوفة، و كان نقيبها فولي النقابة على العباسيين.

و توفي يوم الاثنين حادي عشر صفر هذه السنة، و صلى عليه ابنه أبو القاسم علي، و حضره الأعيان و أرباب الدولة و العلماء، و حمل إلى مقبرة أبي حنيفة، فدفن داخل القبة، و مات عن اثنتين و تسعين سنة، قال ابن عقيل: كان نور الهدى يقول: بلغ أبي العلم إلى ما لا أبلغه من العلم.

3869- رابعة بنت أبي حكيم إبراهيم، ابن عبيد اللَّه الجيزي‏

[ (1)].

والدة شيخنا ابن ناصر، سمعت من الجوهري، و ابن المسلمة، و ابن النقور و غيرهم. و حدثت و روى عنها ولدها و غيره، و كانت خيرة.

توفيت يوم الأحد حادي عشر ذي القعدة و دفنت بمقبرة باب أبرز. [ (2)]

3870- طلحة بن أحمد بن طلحة بن أحمد بن الحسن بن سليمان بن بادي بن الحارث بن قيس بن الأشعث بن قيس الكندي:

[ (3)] ولد بدير العاقول بعد صلاة الجمعة الثالث و العشرين من شعبان سنة اثنتين.

و خمسين، و سمع من أبي محمد الجوهري في سنة ثلاث و خمسين، و من القاضي أبي يعلى ابن الفراء، و أبي الحسين ابن المقتدى [ (4)]/ و أبي الحسين ابن النرسي، و أبي 67/ أ جعفر ابن المسلمة، و ابن المأمون، و ابن النقور [ (5)]، و الصريفيني، و ابن الدجاجيّ، و ابن البسري و قرأ الفقه على يعقوب البرزباني، و كان عارفا بالمذهب، حسن المناظرة، و كانت له حلقة بجامع القصر للمناظرة.

____________

[ (1)] في ص: «رابعة بنت أبي حكيم ابن أبي عبد اللَّه الحيريّ».

و في ت: «رابعة بنت أبي حكيم إبراهيم بن عبد اللَّه الخبرتي».

[ (2)] في الأصل: «و كانت خيرة دفنت بعد وفاتها يوم الأحد حادي عشر ذي القعدة بمقبرة باب أبرز».

[ (3)] في شذرات الذهب: «أبو البركات العاقولي طلحة بن أحمد بن طلحة بن أحمد بن الحسين بن سليمان الفقيه الحنبلي القاضي».

و انظر ترجمته في: (شذرات الذهب 4/ 34).

[ (4)] في ص: «و أبي الحسين بن المهتدي».

[ (5)] في الأصل: «و ابن البقور».

168

و توفي في هذه السنة و دفن بمقبرة البلد [ (1)] قريبا من أبي بكر عبد العزيز.

3871- محمد بن الحسين بن محمد، أبو بكر الأرسابندي [ (2)] القاضي:

من قرية من قرى مرو، سمع الحديث ببخارى، و تفقه هناك على صاحب أبي زيد، و نظر في الأدب، و برع في النظر، و ولي القضاء، و كان حسن الأخلاق متواضعا جوادا، و ورد بغداد فسمع بها أبا محمد التميمي و غيره إلّا أنه يروى عنه التحريف في الرواية، فإنه كان يقول: عندنا أنه من صنف شيئا فقد أجاز لكل من يروي عنه ذلك.

و توفي في ربيع الأول من هذه السنة. و كتب على قبره:

من كان معتبرا ففينا معتبر * * * أو شامتا فالشامتون على الأثر

3872- محمد بن حاتم بن محمد بن عبد الرحمن، أبو الحسن [ (3)] الطائي.

من أهل طوس، ورد نيسابور و تفقه على الجويني، ثم سافر إلى البلاد إلى المشايخ، فسمع بها الحديث الكثير، و رجع إلى نيسابور، فتوفي بها في هذه السنة، و كان فقيها خيرا ذا كياسة.

3873- محمود بن الفضل بن محمود، أبو نصر [ (4)] الأصفهاني:

سمع الكثير و كتب، و كان حافظا ضابطا ثقة مفيدا لطلاب العلم.

و توفي يوم الاثنين سابع عشرين جمادى الأولى، و دفن بباب حرب قريبا من بشر الحافي.

3874- يوسف بن أحمد، أبو طاهر [ (5)] الخرزي.

67/ ب/ كان صاحب المخزن للمستظهر، و كان لا يوفي المسترشد حق التعظيم و هو

____________

[ (1)] في ط: «و دفن بمقبرة الفيل».

[ (2)] الأرسابندي: نسبة إلى أرسابند من قرى مرو على فرسخين منها.

و انظر ترجمته في: (الأنساب للسمعاني 1/ 184).

[ (3)] في ت: «أبو الحسين الطائي».

[ (4)] انظر ترجمته في: تذكرة الحفاظ 1250).

[ (5)] في الأصل: «يوسف بن حامد». و الخرزي نسبة إلى الخرز و بيعها.

و انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 183، و فيه: «و يعرف بابن الجزري»).

169

ولي عهد، فلما ولي أقره مديدة ثم قبض عليه في جمادى الأولى من هذه السنة و هلك.

و حدثني عبد اللَّه بن نصر البيع، عن أبي الفتوح بن طلحة صاحب المخزن، قال:

كنا نخدم مع المسترشد و هو ولي عهد، و كان يقصر في حقه ابن الخرزي و يقف في حوائجه، فكنت ألزمه فأقول: لا تفعل، فيقول: أنا أخدم شابا في أول عمره يشير إلى المستظهر، و ما أبالي، و كان المسترشد حنقا عليه يقول: لئن و ليت لأفعلن به، فلما ولي خلا بي ابن الخرزي و أمسك ذيلي، و قال: الصنيعة، فقلت له: الآن و قد فعلت في حقه ما فعلت، فقال: انظر ما نفعل، فقلت: هذا رجل قد ولى و لا مال عنده فاشتر نفسك منه بمال، فقال: كم؟ فقلت: عشرين ألفا، فقال: و اللَّه ما رأيتها قط، قلت: لا تفعل، فلم يقبل، فانتظرنا البطش به فخلع عليه، ثم بعد أيام خلع عليه فكتبت إلى المسترشد [أقول‏]: [ (1)] أ ليس هو الّذي فعل كذا و كذا؟ فكتب في مكتوبي: خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ‏ [ (2)] ثم عاد و خلع عليه، ثم تقدم بالقبض عليه، فأخذنا من داره ما يزيد على مائة ألف دينار من المال و أواني الذهب و الفضة، ثم أخذنا مملوكا له كان يعرف باطنه، فضربناه فأومأ إلى بيت في داره فاستخرجنا منه دفائن أربعمائة ألف دينار، ثم تقدم إلينا بقتله.

3875- يحيى بن عثمان ابن الشواء، أبو القاسم الفقيه‏

[ (3)]:

سمع أبا يعلى بن الفراء، و أبا الحسين بن النقور، و ابن المهتدي و ابن المسلمة، و الجوهري، و تفقه على القاضي أبي يعلى، ثم على القاضي يعقوب، و كان فقيها حسنا، و سماعه صحيح، و قرأ بالقراءات.

و توفي/ ليلة الثلاثاء تاسع عشر جمادى الآخرة و دفن في باب حرب.

68/ أ

3876- يحيى بن عبد الوهاب بن محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن إبراهيم بن الوليد، و يعرف بابن مندة، و مندة لقب إبراهيم، و يكنى يحيى أبا زكريا:

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (2)] سورة: الأنبياء، الآية: 37.

[ (3)] انظر ترجمته في: (شذرات الذهب 4/ 35، و فيه: «أبو القاسم ابن الشرا يحيى بن عثمان بن عبد اللَّه البيع الأزجي الفقيه الحنبلي»).

170

[ (1)]

ولد سنة أربع و ثمانين و أربعمائة، و كان محدثا و أبوه و جده و أبو جده و جد جده و أبوه، و سمع يحيى الكثير، و كان ثقة حافظا صدوقا، و صنف و جمع، و قدم بغداد فأملى بها، و حدثنا عنه أشياخنا.

و توفي في ذي الحجة من هذه السنة. و لم يخلف في بيت ابن مندة مثله، و قيل في سنة إحدى عشرة [ (2)].

3877- أبو الفضل ابن الخازن‏

[ (3)]:

كان أديبا لطيفا ظريفا.

أنبأنا أبو عبد اللَّه محمد بن علي الحراني، قال: حكى لي أبو الفتح بن زهمونه، قال: سافرت إلى أصبهان سنة ست و خمسمائة، فاتفق معي أبو الفضل ابن الخازن فقصدنا يوما دار شمس الحكماء أبي القاسم الأهوازي الطبيب لزيارته لمودة كانت بيننا، و لم يكن حاضرا. فدخلنا إلى حمام في الدار و خرجنا منه، فجلسنا في بستان فيها، فأنشدني الخازن ارتجالا:

وافيت منزله فلم أر صاحبا * * * إلّا تلقاني بوجه ضاحك‏

و البشر في وجه الغلام نتيجة * * * لمقدمات ضياء وجه المالك‏

و دخلت جنته و زرت جحيمه‏ * * * فشكرت رضوانا و رأفة مالك‏

***

____________

[ (1)] انظر ترجمته في: (تذكرة الحفاظ 1250، و فيه وفاته سنة 511، و الكامل 9/ 180).

[ (2)] «و قيل في سنة احدى عشرة».

[ (3)] انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 183).

171

ثم دخلت سنة ثلاث عشرة و خمسمائة

فمن الحوادث فيها:

[خوطب الأكمل الزينبي بقضاء القضاة]

أنه في المحرم خوطب الأكمل الزينبي بقضاء القضاة/ و حكم في خامس عشرين 68/ ب محرم، و خلع في صفر بالديوان، و مضى إلى جامع المنصور للتثبيت.

[انفصال الأمير أبي الحسن بن المستظهر عن الحلة و دعوته لنفسه‏]

و فيها: أن الأمير أبا الحسن بن المستظهر انفصل عن الحلة في صفر، و مضى إلى واسط، و دعا إلى نفسه و اجتمع معه الرجالة و الفرسان بالعدة و السلاح و ملكها و سوادها، و هرب العمال، و جبى الخراج، فشق ذلك على الخليفة، فبعث ابن الأنباري كاتب الإنشاء إلى دبيس و عرفه ذلك، و قال: أمير المؤمنين معول عليك في مبادرته، فأجاب بالسمع و الطاعة و أنفذ صاحب جيشه عنان في جمع كثير، فلما سمع الأمير أبو الحسن ذلك رحل من واسط منهزما مع عسكره بالليل فضلوا الطريق و ساروا ليلهم أجمع، ثم رجعوا إلى ناحية واسط حتى وصلوا إلى عسكر دبيس، لما لاح لهم العسكر انحرف الأمير أبو الحسن عن الطريق فتاه في البرية في عدد من خواصه، و ذلك في شهر تموز، و لم يكن معهم ماء و كان بينهم و بين الماء فراسخ فأشرف على الهلاك حتى أدركه نصر بن سعد الكردي [ (1)] فسقاه الماء و عادت نفسه إليه، و نهب ما كان معه من المال و التجمل [ (2)]، و حمل إلى دبيس و كان نازلا بالنعمانيّة فأصعد به إلى بغداد و خيم بالرقة، و بعث به إلى المسترشد بعد تسليم عشرين ألف دينار إليه قررت عنه، و كانت مدة

____________

[ (1)] في الأصل: «أدركه نصر بن سعد الكردي».

[ (2)] في الأصل: «كان معه من مال و تجمل».

172

خروجه إلى أن أعيد أحد عشر شهرا، و كان مديره ابن زهمونه فشهر ببغداد على جمل و قد ألبس قميصا أحمر و ترك في رقبته مخانق برم و خرز و وراءه غلام يضربه بالدرة، ثم قتل في الحبس و شفع في سعد اللَّه بن الزجاجي فعفى عنه.

و صرف ولد الربيب عن الوزارة، و وزر أبو علي ابن صدقة، و خطب في يوم الجمعة ثاني عشر ربيع الأول [ (1)] من هذه السنة على منابر بغداد لولد الامام المسترشد 69/ أ باللَّه، فقيل في الخطبة: اللَّهمّ أنله من الأمل/ العدة، و ما ينجز له به موعودة في سلالته الطاهرة في مولانا الأجل عدة الدين المخصوص بولاية العهد في العالمين أبي جعفر منصور ابن أمير المؤمنين.

[ورود سنجر إلى الري و ملكها]

و في هذه السنة: ورد سنجر إلى الري فملكها، و حاربه ابن أخيه محمود فانهزم، و كان مع سنجر خمسة ملوك على خمسة أسرة منهم ملك غزنة، و كان معه من الباطنية ألوف، و من كفار الترك ألوف، و كان معه نحو أربعين فيلا، ثم إن محمودا حضر عند سنجر فخدمه، [ (2)] و عزل القاضي أبو علي الحسن بن إبراهيم الفارقيّ عن قضاء واسط، و ولي أبو المكارم علي بن أحمد البخاري.

و في ربيع الأول: قبلت شهادة الأرموي، و ابن الرزاز، و الهيتي، و أبي الفرج بن أبي خازم بن الفراء، و انفرد الإمام المسترشد أياما لا يخرج من حجرته الخاصة هو و والدته و جارية، حتى أرجف عليه، و كان السبب مرضا [ (3)] و قيل: بل شغل قلبه.

و في جمادى الأولى خلع على أبي علي بن صدقة، و لقب جلال الدين، و ظهر في هذا الشهر غيم عظيم، و جاء مطر شديد، و هبت ريح قوية أظلمت معها السماء، و كثر الضجيج و الاستغاثة حتى ارتج البلد.

و ذكر أن دبيسا راسل المسترشد: أنه كان من شرطي في إعادة الأمير أبي الحسن‏

____________

[ (1)] في الأصل: «ثاني شهر ربيع الأول».

[ (2)] في الأصل: «أن محمودا خدم عند سنجر فخدمه».

[ (3)] «مرض» ساقطة من ص.

173

أني أراه أي وقت أردت، و قد ذكر أنه على حالة صعبة، فقيل له: إن أحببت أن تدخل إليه فافعل أو تنفذ من يختص بك فيراه، أو يكتب إليك بخطه، فأما أن يخرج هو فلا، و كان قد ندم على تسليمه.

و ورد كتب من سنجر فيها إقطاع للخليفة بخمسين ألف دينار، و للوزير/ بعشرة 69/ ب آلاف، ورد إلى الوزير العمارة و الشحنكية و وزارة خاتون.

و في شعبان وصل ابن الطبري بتوقيع من السلطان بتدريس النظامية.

و على استقبال شوال بدئ بالبناء في التاج، و في العشرين من شوال [ (1)] وصل القاضي الهروي و تلقاه الوزير [ (2)] بالمهد و اللواء و معه حاجب الباب و النقيبان و قاضي القضاة و الجماعة، و حمل على فرس من الخاص، و نزل باب النوبي، و قبل الأرض، ثم حضر في اليوم الثالث و العشرين فوصل إلى المسترشد فأوصل له كتبا، و حمل من سنجر ثلاثين تختا من الثياب، و عشرة مماليك و هدايا كثيرة.

و في العشر الأوسط من ذي الحجة: اعتمد أبو الحسين أحمد بن قاضي القضاة أبي الحسن الدامغانيّ إلى امرأة فأشهد عليها بجملة من المال دينا له عليها، و قال: هذه اختي زوجة ابن يعيش، و شهد عليهما شاهدان الأرموي و المنبجي، فلما علمت أخته و زوجها أنكرا ذلك و شكيا إلى المسترشد [فكشفت الحال‏] [ (3)] فقال: إني أخطأت في اسمها، و إنما هي أختي الصغرى فأبدل اسم باسم، فوافقه على ذلك المنبجي، و أما الأرموي فقال: ما شهدت إلّا على الكبرى، و كشط من الكتاب الكبرى، و كتب اسم الصغرى، فصعب هذا عند الخليفة، [ (4)] و تقدم في حقه بالعظائم، و اختفى أبو الحسين فحضر أخوه تاج القضاة عند شيخ الشيوخ إسماعيل، و أحضر كتابا فيه إقرار بنت الزينبي [زوجة] [ (5)] الوزير عميد الدولة [بن صدقة] [ (6)] لأخيها قاضي القضاة الأكمل بجملة كبيرة

____________

[ (1)] «بدئ بالبناء ... من شوال»: ساقطة من ص، ط.

[ (2)] من هنا أعاد الناسخ في ت الأربع ورقات الساقطة أثناء أحداث سنة 498 ه.

[ (3)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (4)] في الأصل: «فصعب هذا عند المسترشد».

[ (5)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (6)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

174

من المال إما ثلاثة آلاف أو نحوها و فيه خطوط اثني عشر شاهدا، و أنه ثبت على قاضي القضاة أبي الحسن الدامغانيّ أنه زور على أخته. و ظهر هذا للشهود حتى رجعوا عن الشهادة، فإن كان أخي قد أخطأ و معه شاهد واحد و خالفه شاهد واحد فهذا قاضي 70/ أ القضاة اليوم يكذبه اثنا عشر شاهدا، فكتب شيخ الشيوخ الى الخليفة بالحال،/ فخرج التوقيع بالسكوت عن القصتين جميعا، ذكر هذا شيخنا أبو الحسن ابن الزاغوني في تاريخه.

و في هذه السنة: شدد التضييق على الأمير أبي الحسن و سد الباب و أبقي منه موضع تصل منه الحوائج ثم أحضره، و قال له: قد وجد في قبة دارك تشعيث و لعله منك و انك قد عزمت على الهرب مرة أخرى، و جرى بينهما خطاب طويل و حلف أنه لم يفعل، و تنصل ثم أعيد إلى موضعه على التضييق.

و ورد الخبر بان دبيس بن مزيد كسر المنبر الّذي في مشهد علي (عليه السلام) و الّذي في مشهد الحسين، و قال: لا تقام ها هنا جمعة و لا يخطب لأحد.

*** ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

3878- إبراهيم بن علي بن إبراهيم بن يوسف، أبو غالب النوبندجاني [ (1)] الصوفي:

و نوبندجان من نواحي فارس، سمع من ابن المهتدي، و ابن النقور و غيرهما، و حدث، و كان صالحا دينا.

و توفي يوم الأحد خامس رجب، و دفن بمقابر الشهداء.

3879- أحمد بن محمد بن شاكر، أبو سعد صاحب ابن القزويني‏

[ (2)].

سمع منه و من العشاري، و الجوهري، و كان صالحا.

و توفي يوم الثلاثاء خامس عشر صفر، و دفن بباب حرب.

3880- أحمد بن الحسن بن طاهر بن الفتح، أبو المعالي:

[ (3)]

____________

[ (1)] في الأصل: «النوبيدخان الصوفي».

[ (2)] في المطبوعة: «ابن شاكر الجزاء». و في ت: «ابن شاكر الحربي، أبو سعد صاحب ابن القزويني».

[ (3)] في ص: «أبو العالي».

175

ولد سنة خمس و أربعين و أربعمائة، و سمع أبا الطيب الطبري، و أبا يعلى، و ابن المهتدي، و ابن المسلمة و غيرهم. و كان سماعه صحيحا.

و توفي يوم الأحد خامس رجب، و دفن بمقابر الشهداء.

3881- علي بن محمد بن علي بن محمد بن الحسن بن عبد الملك بن حمويه [ (1)] الدامغانيّ، أبو الحسن بن أبي عبد اللَّه قاضي القضاة ابن قاضي القضاة

[ (2)]:

ولد في رجب سنة تسع و أربعين و أربعمائة، و شهد عند أبيه/ أبي عبد اللَّه في سنة 70/ ب ست و ستين، و فوض إليه القضاء بباب الطاق، و ما كان إلى جده أبي أمه القاضي أبي الحسن بن أبي جعفر السمناني من القضاء، و كان يوم تقلد القضاء و عدل ابن ست عشرة سنة، و لم يسمع أن قاضيا تولى أصغر من هذا، و ولي القضاء لأربعة خلفاء: القائم و المقتدي إلى أن مات أبوه، ثم ولي الشافعيّ فعزل نفسه، و بعث إليه الشامي يقول له:

أنت على عدالتك و قضائك، فنفذ إليه يقول: أما الشهادة فإنّها استشهدت، و أما القضاء فقضى عليه، و انقطع عن الولاية، و اشتغل بالعلم، فقلده المستظهر قضاء القضاة في سنة ثمان و ثمانين و كان عليه اسم قاضي القضاة و هو معزول في المعنى بالسيبي و الهروي، و لم يكن إليه إلّا سماع البينة في الجانب الغربي، لكنه كان يتطرى جاهه بالأعاجم و مخاطبتهم في معناه، ثم ولي المسترشد فأقره على قضاء القضاة و لا يعرف بأن قاضيا تولى لأربع خلفاء غيره، و غير شريح إلّا أبا طاهر محمد بن أحمد بن الكرخي، قد رأيناه ولي القضاء لخمسة خلفاء، و إن كان مستنابا: المستظهر، و المسترشد، و الراشد، و المقتفي، و المستنجد. [و ناب‏] [ (3)] أبو الحسن الدامغانيّ عن الوزارة في الأيام المستظهرية و المسترشدية بمشاركة غيره معه، و تفرد بأخذ البيعة و للمسترشد، و كان فقيها متدينا ذا مروءة و صدقات و عفاف، و كان له بصر جيد بالشروط و السجلات، و سمع الحديث من القاضي أبي يعلى بن الفراء، و أبي بكر الخطيب، و الصريفيني و ابن النقور، و حدث.

____________

[ (1)] في ت: «ابن الحسن بن عبد الملك بن عبد الوهاب بن حمويه».

[ (2)] انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 185، شذرات الذهب 4/ 40، و الكامل 9/ 189).

[ (3)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

176

و كان قد تقدم إليه المستظهر بسماع قول بعض الناس فلم يره أهلا لذلك، فلم يسمع قوله و حدثني أبو البركات [ (1)] بن الجلاء الأمين، قال: حضر أبو الحسن الدامغانيّ و جماعة أهل الموكب باب الحجرة، فخرج الخادم فقال: انصرفوا إلا قاضي القضاة، 71/ أ فلما انصرفوا قال له الخادم: [ (2)] ان أمير المؤمنين/ يحب يسمع كلامك، يقول لك:

أ نحن نحكمك أم أنت تحكمنا؟ قال: فقال: كيف يقال لي هذا و أنا بحكم أمير المؤمنين؟ فقال: أ ليس يتقدم إليك بقبول قول شخص فلا تفعل؟ قال: فبكى ثم قال [لأمير المؤمنين [ (3)]]: يا أمير المؤمنين إذا كان يوم القيامة جي‏ء بديوان ديوان فسئلت عنه، فإذا جي‏ء بديوان القضاء كفاك أن تقول وليته لذاك المدبر ابن الدامغانيّ فتسلم أنت و أقع أنا، قال: فبكى الخليفة، و قال: افعل ما تريد.

و قد روى رفيقنا أبو سعد السمعاني، قال: سمعت أبا الحسن علي بن أحمد الأزدي يقول: دخل أبو بكر الشاشي على قاضي القضاة الدامغانيّ زائرا له فما قام قاضي القضاة، فرجع الشاشي و ما قعد، و كان ذلك في سنة نيف و ثمانين، فما اجتمعا إلّا بعد سنة خمسمائة في عزاء لابن الفقيه، فسبق الشاشي فجلس، فلما دخل الدامغانيّ قام الكل إلا الشاشي [ (4)] فإنه ما تزحزح، فكتب قاضي القضاة إلى المستظهر يشكو من الشاشي انه ما احترم حرمة نائب الشرع، فكتب المستظهر: ما ذا أقول له، أكبر منك سنا و أفضل منك و أورع منك، لو قمت له كان يقوم لك، و كتب الشاشي إلى المستظهر، يقول: فعل في حقي و صنع و وضع مرتبة العلم و الشيوخة، و كتب في أثناء القصة:

حجاب و إعجاب و فرط تصلف [ (5)] * * * و مدّ يد نحو العلا بتكلف‏

فلو كان هذا من وراء كفاية * * * لهان و لكن من وراء تخلف‏

فكتب المستظهر في قصته: يمشي الشاشي إلى الدامغانيّ و يعتذر، فمضى‏

____________

[ (1)] في ص: «فلم يسمع قوله و سمع أبا البركات».

[ (2)] «فقال: انصرفوا إلا قاضي ... قال له الخادم»: هذه العبارة ساقطة من ص، ط.

[ (3)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (4)] في ص: «قام الكل سوى الشاشي».

[ (5)] في الأصل: «و فرط تكلف».

177

امتثالا للمراسم، و كنا معه، فقام له الدامغانيّ قياما تاما، و عانقه و اعتذر إليه، و جلسا طويلا يتحدثان، و كان القاضي يقول: تكلم والدي في المسألة الفلانية و اعترض عليه فلان، و تكلم فلان في/ مسألة كذا و كذا و اعترض عليه والدي إلى أن ذكر عدة مسائل،/ 71/ ب فقال له الشاشي: ما أجود ما قد حفظت أسماء المسائل.

قال المصنف رحمه اللَّه: و كان أبو الحسن ابن الدامغانيّ قصر أيضا في حق أبي الوفاء ابن عقيل، فكتب ابن عقيل إليه ما قرأته بخطه: «مكاتبة سنح بها الخاطر لتوصل إلى أبي الحسن الدامغانيّ قاضي القضاة يتضمن تنبيها له على خلال قد سوّلت له نفسه استعمالها، فهدت من مجد منصبه ما لا يتلافاه على طول الوقت في مستقبل عمره، لما خمره في نفوس العقلاء من ضعف رأيه و سوء خلقه الّذي لم يوفق لعلاجه [ (1)]، و كان مستعملا نعمة اللَّه تعالى في مداواة نقائصه. و من عذيري ممن نشأ في ظل والد مشفق عليه قد حلب الدهر شطريه و أتلف في طلب العلم أطيبيه، أجمع أهل عصره على كمال عقله كما اجتمع العلماء على غزارة علمه، اتفق تقدمه في نصبه القضاء بالدولة التركمانية و التركية المعظمة لمذهبه، و في عصره من هو أفضل منه بفنون من الفضل.

كأبي الطيب الطبري، و أخلق بالرياسة كالماوردي، و أبي إسحاق الفيروزآبادي، و ابن الصباغ، فقدمه الزمان على أمثاله، و من يربى عليه في الفضل و الأصل فكان أشكر الناس لنعمة اللَّه، فاصطنع من دونه من العلماء، و أكرم من فوقه من الفقهاء حتى أراه اللَّه في نفسه فوق ما تمناه من ربه، و غشاه من السعادة ما لم يخطر بباله، حيث رأى أبا الطيب الطبري نظير أستاده الصيمري بين يديه شاهدا، و له في مواكب الديوان مانعا،/ و تعجرف عليه أبو محمد التميمي فكان يتلافاه بجهده، و يأبى إلّا إكرامه و يغشاه في تهنئة 72/ أ و تعزية، حتى عرض عليه القائم الوزارة فأبى تعديه رتبة القضاء، فلما ولى ولده سلك طريقة عجيبة خرج بها عن سمت أبيه، فقدم أولاد السوقة، و حرم أولاد العلماء حقوقهم، و قبل شهادة أرباب المهن، و انتصب قائما للفساق الذين شهد بفسقهم لباسهم الحرير و الذهب، و منع أن يحكم إلّا برأي أبي حنيفة و أبي يوسف و محمد، و صاح في مجلسه بأعلى صوته انه لم يبق في الأرض مجتهد، و هو لا يعلم ما تحت هذا الكلام من‏

____________

[ (1)] في الأصل: «لم يوفق لفلاحه».

178

الفساد، و هو إخراج عن الإجماع الّذي هو آكد أدلة الشرع، و ليس لنا دليل معصوم سواه، جعله اللَّه في هذه الشريعة خلف النبوة حيث كان نبيها خاتم الأنبياء لا يخلفه نبي، فجعل اجتماع أمته بدلا من نبوة بعد نبوة، و قد علم أن المقدم عليه نقيب النقباء تقدم مميز، و ترك النظر صفحا، و تعاطى أن لا يخاطب أحدا بما يقتضيه حاله من شيوخه أو علم أو نسب الآباء فعاد ممقوتا إلى القلوب، و أهمله من لا حاجة إليه له، أصلحه اللَّه لنفسه فما أغنانا عنه».

و كتب ابن عقيل يوبخه أيضا على تقصير في حقه «من عذيري ممن خص بولاية الأحكام و قضاء القضاة و الحكم في جميع بلاد الإسلام، فكان أحق الناس بالإنصاف، و الإنصاف لا يختص بأحكام الشرع بل حقوق الناس التي توجبها قوانين السياسة و آداب الرئاسة مما يقتضي إعطاء كل ذي حق حقه، و يجب أن يكون هو المعيار لمقادير الناس لا سيما أهل العلم الّذي هو صاحب/ منصبهم، و نراه على استمرار عادته يعظم الأعاجم الواردين من الخراسانية تعظيما باللفظ و بالنهوض لهم، و ينفخ فيهم بالمدح حال حضورهم ثقة بالسماع، و الحكاية عنهم، و بطل الثناء بعد خروجهم فيحشمهم ذلك في نفوس من لا يعرفهم، و يتقاعد عند علماء بلده و مشيخة دار السلام الذين قد انكشفت له علومهم على طول الزمان، و يقصر بأولاد الموتى منهم مع معرفته بمقادير أسلافهم و الناس يتلمحون أفعاله، و أكثر من يخصهم بالتعظيم لا يتعدون هذه المسائل الطبوليات، ليس عندهم من الروايات و الفروعيات خبر، مفلوسون من أصول الفقه و الدين، لا يعتمدون إلا على الألقاب الفارغة، و إذا لم يسلك إعطاء كل ذي حق حقه لم يطعن ذلك في المحروم بل في الحارم، أما من جهة قصور العلم بالموازنة، أو من طريق اعتماد الحرمان لأرباب الحقوق، و ذاك البخس البحت، و الظلم الصرف، و ذلك يعرض بأسباب التهمة في التعديل فيما سوى هذا القبيل، و لا وجه لقول متمكن من منصبه: لا أبالي، فقد بالي من هو أكبر منصبا، فقال (عليه السلام): «لو لا أن يقال أن محمدا نقض الكعبة لأعدتها إلى قواعد إبراهيم» فتوقى أن يقول الذين قتلهم و كسر أصنامهم، و هذا عمر يقول: «لو لا أن يقال إن عمر زاد في كتاب اللَّه لكتبت آية الرجم في حاشية المصحف». و من فقهه قال: في حاشية المصحف، لأن وضع الآي كأصل الآي، لا

179

يجوز لأحد أن يضع آية في سورة من غير قول رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم بالوحي ضعوها على رأس كذا، فأنبأ بقوله في حاشية المصحف على هذا الفقه الدقيق.

فان قال: لا أبالي بمن قال من/ علماء العراق كان العتب متضاعفا، فيقال: قد 73/ أ ظهر من إعظامك [ (1)] الغرباء زيادة على محلهم و مقدارهم طلبا لانتشار اسمك بالمدحة، و علماء العراق هم بالقدح أقوم، كما أنهم بأسباب المدح أعلم، فاطلب السلامة تسلم، و السلام».

توفي أبو الحسن الدامغانيّ ليلة الأحد رابع عشر محرم عن ثلاث و ستين سنة و ستة أشهر، ولي منها قضاء القضاة عشرين سنة [ (2)] و خمسة أشهر و أياما، و صلي عليه وراء مقبرة الشونيزية، تقدم في الصلاة عليه ابنه أبو عبد اللَّه محمد، و حضر النقيبان و الأكابر، و دفن في داره بنهر القلائين في الموضع الّذي دفن فيه أبوه، ثم نقل أبوه إلى مشهد أبي حنيفة.

3882- علي بن عقيل بن محمد بن عقيل، أبو الوفاء الفقيه فريد دهره و إمام عصره:

[ (3)] قال شيخنا أبو الفضل ابن ناصر: سألته عن مولده، فقال: ولدت في جمادى الآخرة سنة إحدى و ثلاثين و أربعمائة، و كذا رأيته أنا بخطه، و كان حسن الصورة، ظاهر المحاسن، حفظ القرآن، و قرأ القراءات على أبي الفتح بن شيطا و غيره، و كان يقول:

شيخي في القراءة ابن شيطا، و في الأدب و النحو أبو القاسم بن برهان، و في الزهد أبو بكر الدينَوَريّ، و أبو منصور بن زيدان، أحلى من رأيت و أعذبهم كلاما في الزهد، و ابن الشيرازي، و من النساء الحرانية، و بنت الجنيد، و بنت الغراد المنقطعة إلى قعر بيتها لم تصعد سطحا قط، و لها كلام في الورع، و سيد زهاد عصره، و عين الوقت أبو الوفاء القزويني و من مشايخي في آداب التصوف أبو منصور ابن صاحب الزيادة العطار شيخ‏

____________

[ (1)] في الأصل: «قد كان ظهر من إعظامك».

[ (2)] في الأصل: «تسعا و عشرين سنة».

[ (3)] انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 184، شذرات الذهب 4/ 35، و الكامل 9/ 190).

180

زاهد مؤثر بما يفتح له فتخلق بأخلاق مقتدي الصوفية، و من مشايخي في الحديث التوزي، و أبو بكر بن بشران، و العشاري، و الجوهري، و غيرهم. و من مشايخي في 73/ ب الشعر و الترسل ابن شبل، و ابن الفضل. و في الفرائض/ أبو الفضل الهمذاني و في الوعظ أبو طاهر ابن العلاف صاحب ابن سمعون، و في الأصول أبو الوليد، و أبو القاسم ابن البيان، و في الفقه أبو يعلى ابن الفراء المملوء عقلا و زهدا و ورعا، قرأت عليه حين عبرت من باب الطاق لنهب الغز لها سنة أربع و أربعين، و لم أخل بمجالسته و خلواته التي تتسع لحضوري و المشي معه ماشيا، و في ركابه إلى أن توفي، و حظيت من قربه لما لم يحظ به أحد من أصحابه مع حداثة سني، و الشيخ أبو إسحاق [الشيرازي‏] [ (1)] إمام الدنيا و زاهدها، و فارس المناظرة و واحدها، و كان يعلمني المناظرة، و انتفعت بمصنفاته، و أبو نصر ابن الصباغ، و أبو عبد اللَّه الدامغانيّ، حضرت مجلس درسه و نظره من سنة خمسين إلى أن توفي، و قاضي القضاة الشامي انتفعت به غاية النفع، و أبو الفضل الهمذاني، 72/ ب و أكبرهم سنا و أكثرهم فضلا أبو الطيب الطبري حظيت برؤيته و مشيت في ركابه، و كانت صحبتي له حين انقطاعه عن التدريس و المناظرة فحظيت بالجمال و البركة.

و من مشايخي أبو محمد التميمي كان حسنة العالم و ماشطة بغداد، و منهم أبو بكر الخطيب كان حافظ وقته، و كان أصحابنا الحنابلة يريدون مني هجران جماعة من العلماء و كان ذلك يحرمني علما نافعا، و أقبل عليّ أبو منصور بن يوسف فحظيت منه بأكثر من حظوة و قدمني في الفتاوى مع حضور من هو أسن مني، و أجلسني البرامكة بجامع المنصور لما مات شيخي سنة ثمان و خمسين، و قام بكل مؤنتي و تجملي فقمت من الحلقة أتتبع حلق 74/ أ العلماء لتلقط الفوائد، فأما أهل بيتي فإن بيت أبي فكلهم أرباب/ أقلام و كتابة و شعر و آداب، و كان جدي محمد ابن عقيل كاتب حضرة بهاء الدولة، و هو المنشئ لرسالة عزل الطائع و تولية القادر، و والدي انظر الناس، و أحسنهم جدلا و علما، و بيت أمي بيت الزهري صاحب الكلام و المدرس على مذهب أبي حنيفة، و عانيت من الفقر و النسخ بالأجرة مع عفة و تقى، و لا أزاحم فقيها في حلقة، و لا تطلب نفسي رتبة من رتب أهل العلم القاطعة لي عن الفائدة، و تقلبت على الدول فما أخذتني دولة السلطان و لا عاقه‏

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

181

عما اعتقد أنه الحق، فأوذيت من أصحابي حتى طل الدم، و أوذيت من دولة النظام بالطلب و الحبس، فيا من خسرت الكل لأجله لا تخيب ظني فيك، و عصمني اللَّه من عنفوان الشبيبة بأنواع من العصمة، و قصر محبتي على العلم و أهله، فما خالطت ملعابا و لا عاشرت إلّا أمثالي من طلبة العلم.

و افتى ابن عقيل و درس، و ناظر الفحول، و استفتي في الديوان في زمن القائم في زمرة الكبار، و جمع علوم الأصول و الفروع، و صنف فيها الكتب الكبار، و كان دائم الاشتغال بالعلم حتى إني رأيت بخطه: أني لا يحل لي أن أضيع ساعة من عمري حتى إذا تعطل لساني عن مذاكرة و مناظرة، و بصري عن مطالعة أعمل فكري في حال [ (1)] راحتي و أنا مستطرح، فلا أنهض إلّا و قد خطر لي ما أسطره، و إني لأجد من حرصي على العلم و أنا في عشر الثمانين أشد مما كنت أجده و أنا ابن عشرين.

و كان له الخاطر العاطر و البحث عن الغوامض و الدقائق، و جعل كتابه المسمى «بالفنون» مناظرا لخواطره و واقعاته، و من تأمل واقعاته فيه عرف غور الرجل، و تكلم على المنبر بلسان الوعظ مدة، فلما كانت سنة خمس و سبعين/ و أربعمائة جرت فيها فتن بين 74/ ب الحنابلة و الأشاعرة فترك الوعظ و اقتصر على التدريس، و متعه اللَّه بسمعه و بصره و جميع جوارحه.

قال المصنف: و قرأت بخطه، قال: «بلغت لاثنتي عشرة سنة و أنا في سنة الثمانين و ما أرى نقصا في الخاطر و الفكر و الحفظ و حدة النظر و قوة البصر لرؤية الأهلة الخفية إلّا أن القوة بالإضافة إلى قوة الشبيبة و الكهولة ضعيفة».

و كان ابن عقيل قوي الدين، حافظا للحدود، و مات ولدان له فظهر منه من الصبر ما يتعجب منه، و كان كريما ينفق ما يجد فلم يخلف سوى كتبه و ثياب بدنه فكانت بمقدار كفنه و قضاء دينه، و كان إذ طال عمره يفقد القرناء و الاخوان. [ (2)]

قال المصنف رحمه اللَّه: فقرأت بخطه: رأينا في أوائل أعمارنا أناسا طاب العيش‏

____________

[ (1)] في الأصل: «أعملت فكري».

[ (2)] في الأصل: «طال عمره لفقدان القرناء و الإخوان».

182

معهم كالدينوري، و القزويني و ذكر من قد سبق اسمه في حياته، و رأيت كبار الفقهاء كأبي الطيب و ابن الصباغ و أبي إسحاق، و رأيت إسماعيل والد المزكي تصدق بسبعة و عشرين ألف دينار، و رأيت من بياض التجار كابن يوسف و ابن جردة و غيرهما، و النظام الّذي سيرته بهرت العقول، و قد دخلت في عشر التسعين و فقدت من رأيت من السادات و لم يبق إلّا أقوام كأنهم المسوخ صورا، فحمدت ربي إذ لم يخرجني من الدار الجامعة لأنوار المسار بل أخرجني و لم يبق مرغوب فيه فكفاني محنة التأسف على ما يفوت [ (1)]، لأن التخلف مع غير الأمثال عذاب، و انما هوّن فقداني للسادات نظري [ (2)] إلى الإعادة بعين اليقين، و ثقتي إلى وعد المبدئ لهم [ (3)]، فلكأني أسمع داعي البعث و قد دعا كما 75/ أ سمعت ناعيهم و قد نعى حاشى المبدئ لهم على تلك الأشكال و العلوم أن يقنع/ لهم في الوجود بتلك الأيام اليسيرة المشوبة بأنواع الغصص [ (4)] و هو المالك، لا و اللَّه لا أقنع لهم إلّا بضيافة تجمعهم على مائدة [تليق‏] [ (5)] بكرمه، نعيم بلا ثبور، و بقاء بلا موت، و اجتماع بلا فرقة، و لذات بغير نغصة.

و حدثني بعض الأشياخ أنه لما احتضر ابن عقيل بكى النساء، فقال: قد وقفت خمسين سنة فدعوني أتهنأ بلقائه.

توفي رضى اللَّه عنه بكرة الجمعة ثاني عشر جمادى الأولى من هذه السنة، و صلي عليه في جامع القصر و المنصور، و كان الجمع يفوق الإحصاء. قال شيخنا ابن ناصر:

حزرتهم بثلاثمائة ألف، و دفن في دكة الامام أحمد و قبره ظاهر [فما كان في مذهبنا أحد مثله.

و قال شيخنا أبو الحسن الزعفرانيّ: دفن في الدكة بعد الخادم مخلص‏] [ (6)].

____________

[ (1)] في ص: «فكفاني عنه التأسف على ما يفوت».

[ (2)] في الأصل: «فقداني السادات نظري».

[ (3)] في الأصل: «و ثقتي إلى وعد المهدي».

[ (4)] في ت: «المشوبة بأنواع البعض»

[ (5)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (6)] «فما كان في مذهبنا ... الخادم المخلص»: الجملة ساقطة من الأصل، ص، ط، و أوردناها من ت.

183

3883- محمد بن أحمد بن الحسين، أبو عبد اللَّه اليزدي‏

[ (1)]:

ولد سنة خمس و خمسين، و سافر في طلب القراءات البلاد البائنة، و عبر ما وراء النهر، و كان إذا قرأ بكى الناس لحسن صوته، و حدث بشي‏ء يسير عن أبي إسحاق الشيرازي، و توفي في هذه السنة.

3884- محمد بن طرخان بن بلتكين، أبو بكر [ (2)] التركي:

سمع الكثير، و كتب، و كان له معرفة بالحديث، و الأدب، و سمع الصريفيني، و ابن النقور، و ابن البسري. روى عنه أشياخنا و وثقوه.

توفي في صفر هذه السنة، و دفن بالشونيزية.

3885- محمد بن عبد الباقي، أبو عبد اللَّه الدوري‏

[ (3)]:

ولد سنة أربع و ثلاثين و أربعمائة، و سمع الجوهري، و العشاري، و أبا بكر بن بشران، و غيرهم. و كان شيخا صالحا ثقة خيرا. و توفي في صفر هذه السنة.

3886- المبارك بن علي بن الحسين، أبو سعد المخرمي‏

[ (4)]:

ولد في رجب سنة ست و أربعين و أربعمائة، و سمع الحديث من أبي الحسين ابن المهتدي، و ابن المسلمة، و جابر بن ياسين، و الصريفيني، و أبي يعلى ابن الفراء، و سمع منه شيئا من الفقه، ثم تفقه على صاحبه أبي جعفر الشريف، ثم على يعقوب/ البرزبيني [ (5)]، و أفتى و درس و جمع كتبا كثيرة و لم يسبق إلى جمع مثلها، 75/ ب‏

____________

[ (1)] في المطبوعة: «أبو عبد اللَّه البردي». و في الأصل: «البردى» بدون نقط. و ما أوردناه من ت.

[ (2)] في ص: «ابن بنتكين أبو بكر».

و انظر ترجمته في: (شذرات الذهب 4/ 41).

[ (3)] انظر ترجمته في: (شذرات الذهب 4/ 41)

[ (4)] في ت: «أبو سعيد المخرمي».

و انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 185، و شذرات الذهب 4/ 40، و فيه: «المبارك بن علي بن الحسن بن بندار»).

[ (5)] في الأصل: «البرينسي».

184

و شهد عند أبي الحسن الدامغانيّ في سنة تسع و ثمانين، و ناب في القضاء عن السيبي و الهروي، و كان حسن السيرة جميل الطريقة شديد الأقضية، و بنى مدرسة بباب الأزج ثم عزل عن القضاء في سنة إحدى عشرة، و وكل به في الديوان على حساب وقوف الترب، فأدى مالا.

ثم توفي في ثاني عشر محرم هذه السنة، و دفن إلى جانب أبي بكر الخلال عند رجلي الإمام أحمد بن حنبل.

***

185

ثم دخلت سنة اربع عشرة و خمسمائة

فمن الحوادث فيها:

[خطب للسلطانين سنجر بن ملك شاه و ابن أخيه محمود بن محمد]

أنه في المحرم خطب للسلطانين [أبي الحارث‏] [ (1)] سنجر بن ملك شاه، و ابن أخيه أبي القاسم محمود بن محمد جميعا في موضع واحد، و سمي كل واحد منهما شاهنشاه.

[ترتيب أبي الفتوح حمزة بن علي وكيلا ناظرا]

و في أول صفر: رتب أبو الفتوح حمزة بن علي بن طلحة وكيلا ناظرا في المخزن، و كان قبل ذلك ينظر في حجبة الباب، فبقي في الحجبة سنة و شهرا و أياما، ثم نقل إلى المخزن.

[تمرد العيارون‏]

و تمرد العيارون في هذا الأوان و أخذوا زواريق منحدرة من الموصل و مصعدة إلى غيرها، و فتكوا بأهل السواد فتكات متواليات، و هجموا على العتابيين فحفظوا أبواب المحلة [ (2)]، و دخلوا إلى دور عيونها فأخذوا ما فيها و ما في موازين المتعيشين، فتقدم الخليفة إلى إخراج أتراك دارية لقتالهم، فخرجوا و حاصروهم في الأجمة خمسة عشر يوما، ثم إن العيارين نزلوا في سفن و انحدروا إلى شارع دار الرقيق [ (3)] دخلوا المحلة، و أقبلوا منها إلى الصحاري و قصد أعيانهم دار الوزير ابن صدقة بباب العامة [ (4)] في ربيع‏

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (2)] في الأصل: «و هجموا على الفاس و دخلوا عليهم فحفظوا أبواب المحلة».

[ (3)] في ص: «إلى شارع دار الدقيق».

[ (4)] في الأصل: «و قصدوا باب الوزير بن صدقة بباب العامة».

186

76/ أ الأول و أظهروا/ التوبة، و خرج فريق منهم لقطع الطريق، فقتلهم أهل السواد بأوانا، و بعثوا رءوسهم إلى بغداد.

و في ربيع الأول: ورد القاضي أبو جعفر عبد الواحد بن أحمد الثقفي قاضي الكوفة و البلاد الميزيدية، و كان دبيس الملقب بسيف الدولة نفذ به إلى الأمير إيلغازي ابن أرتق، فخطب منه ابنته فزوجه بها و نقلها إليه، فوردت صحبة أبي جعفر الحلة.

و وقعت الخصومة بين السلطان محمود و أخيه مسعود ابني محمد، و كان مسعود هو العاصي عليه فتلطفه محمود فلم يصلح، و قامت الحروب في ربيع الأول فانحاز البرسقي إلى محمود، و انهزم مسعود و عسكره، و استولى على أموالهم، و قصد مسعود جبلا بينه و بين موضع الوقعة اثنا عشر فرسخا فأخفى نفسه و أنفذ بركابي إلى المعسكر يطلب الأمان، فحضر بين يدي السلطان فقال له: يا سلطان العالم إن من السعادة أن أخاك لم يجد مهربا عنك، و قد نفذ يطلب الأمان و عاطفتك أجل متوسل به إليك، فقال له: و أيان هو؟ قال: في مكان كذا، فقال السلطان: ما نويت غير هذا، و هل إلّا العفو و الإحسان. و استدعى بالبرسقي، و قال له: تمضي إلى أخي و تؤمنه و تستدعيه.

و اتفق بعد انفصال الركابي أنه ظفر يونس بن داود البلخي بمسعود فاحتال عليه، و قيل له: إن حملته إلى أخيه فربما أعطاك ألف دينار أو أقل، و إن حملته إلى دبيس أو إلى الموصل وصلت إلى ما شئت، فعول على ذلك فجاء البرسقي فلم يره، فسار خلفه فلحقه على ثلاثين فرسخا، فأخذه و عرفه أمان أخيه له و أعاده إلى العسكر، و خرج الأعيان فاستقبلوه [ (1)]، و نزل عند أمه، ثم جلس السلطان محمود فدخل إليه، فقبل الأرض بين يديه، فضمه إليه و قبل بين عينيه و بكى كل واحد منهما، فكان هذا من محاسن أفعال محمود.

76/ ب و لما بلغ عصيان مسعود/ إلى سيف الدولة دبيس أخذ في أذية بغداد، و حبس مال السلطان، و ورد أهل نهر عيسى و نهر الملك مجفلين إلى بغداد بأهاليهم و مواشيهم فزعا من سيف الدولة، لأنه بدأ بالنهب في أطرافهم، و عبر عنان صاحب جيشه فبدأ

____________

[ (1)] في الأصل: «و خرج الأعمام فاستقبلوه».

187

بالمدائن فعسكر بها [ (1)]، و قصد يعقوبا و حاصرها، ثم أخذها عنوة، و سبيت الذراري، و افترشت النساء.

و كان سيف الدولة يعجبه اختلاف السلاطين و يعتقد أنه ما دام الخلاف قائما بينهم فأمره منتظم، كما استقام أمر والده صدقة عند اختلاف السلاطين، فلما بلغه كسر مسعود، و خاف مجي‏ء محمود أمر بإحراق الأتبان و الغلات، و أنفذ الخليفة إليه نقيب الطالبيين أبا الحسن علي بن المعمر فحذره و أنذره، فلم ينفع ذلك فيه، و بعث إليه السلطان بالتسكين، و أنه قد أعفاه من وطء بساطه، فلم يهتز لذلك، و توجه نحو بغداد في جمادى الآخرة فضرب سرادقه بإزاء دار الخلافة من الجانب الغربي، و بات أهل بغداد على و جل شديد و توفيت والدة نقيب [ (2)] الطالبيين فقعد في الكرخ للعزاء بها، فمضى إليه سيف الدولة فنثر عليه أهل الكرخ، و تهدد دار الخلافة، و قال: إنكم استدعيتم السلطان فان أنتم صرفتموه، و إلّا فعلت و فعلت، فنفذ إليه أنه لا يمكن رد السلطان بل نسعى في الصلح فانصرف دبيس، فسمع أصوات أهل باب الأزج يسبونه، فعاد و تقدم بالقبض عليهم فأخذ جماعة منهم و ضربوا بباب النوبي، ثم انحدر، ثم دخل السلطان محمود في رجب و تلقاه الوزير أبو علي بن صدقة، و خرج إليه أهل باب الأزج، فنثروا عليه الدنانير و فوضت شحنكية [ (3)] بغداد إلى برنقش الزكوي.

و في شعبان هذه السنة بعث دبيس زوجته المسماة شرف خاتون بنت عميد الدولة ابن جهير إلى السلطان/ و في صحبتها عشرون ألف دينار و ثلاثة عشر رأسا من الخيل، 77/ أ فما وقع الرضا عنه و طولب بأكثر من هذا، فأصر على اللجاج، و لم يبذل شيئا آخر، فمضى السلطان إلى ناحيته فبعث يطلب الأمان مغالطة لينهزم، فلما بعث إليه خاتم الأمان دخل البرية، فدخل السلطان الحلة فبات بها ليلة.

[تقدم المسترشد بإراقة الخمور]

و في هذه السنة: تقدم المسترشد بإراقة الخمور التي بسوق السلطان و نقض بيوتهم.

____________

[ (1)] في الأصل: «حبيشه فبدأ بالنهب في أطرفهم و بدأ بالمدائن فعسكر بها».

[ (2)] في ص، ط: «شديد و نعيت والدة نقيب».

[ (3)] في ص، ط: «الدنانير و نصت شحنكيته».

188

و فيها: رد وزير السلطان السميرمي المكوس و الضرائب، و كان السلطان محمد قد أسقطها في سنة احدى و خمسمائة.

و دخل السلطان محمود فتلقاه الوزير و الموكب، و طالب بالافراج عن الأمير أبي الحسن، فبذل له ثلاثمائة ألف دينار ليسكت عن هذا.

*** ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

3887- أحمد بن عبد الوهاب بن هبة اللَّه بن عبد اللَّه ابن السيبي، أبو البركات:

[ (1)] سمع أبا الحسين بن النقور، و أبا محمد الصريفيني، و أبا القاسم ابن البسري، و غيرهم. و حدث عنهم و روى عنه الخليفة المقتفي، و كان يعلم أولاد المستظهر، فأنس بالمسترشد، فلما صارت الخلافة إليه و قبض على ابن الخرزي رد إلى هذا الرجل النظر في المخزن، فولي ذلك سنة و ثمانية أشهر، و كان كثير الصدقة متعهدا لأهل العلم، و خلف مالا حزر بمائة ألف دينار، و أوصى بثلثي ماله، و وقف وقوفا على مكة و المدينة.

و مات عن ست و خمسين سنة و ثلاثة أشهر، و صلى عليه بالمقصورة في جامع القصر الوزير أبو علي بن صدقة، و أرباب الدولة، و دفن عند جده أبي الحسن القاضي بباب حرب.

3888- أحمد بن علي بن محمد بن الحسن بن عبدون، أبو سعد المقرئ:

[ (2)] 77/ ب سمع/ أبا محمد التميمي، و أبا الفضل بن خيرون، و أبا الحسين ابن الطيوري [ (3)]، و كان ستيرا صالحا، يصلي في المسجد المعروف بالوراقين، و توفي في ربيع الآخر، و دفن بباب حرب.

3889- أحمد بن محمد بن علي البخاري، أبو المعالي:

ولد سنة ثلاثين، و سمع أبا طالب بن غيلان، و الجوهري و غيرهما، و سماعه صحيح، و كان مستورا.

____________

[ (1)] انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 187، و الكامل 9/ 206، و فيه: «السبي»).

[ (2)] في ت: «أبو سعيد المقرئ».

[ (3)] في الأصل: «و أبا الحسن ابن الطيوري».

189

و توفي في هذه السنة، و دفن بمقبرة باب حرب.

3890- أحمد بن الخطاب، و يعرف بابن صوفان، أبو بكر الحنبلي:

سمع أبا بكر الخياط، و أبا علي ابن البناء، و قرأ عليه القراءات، و كان صالحا مستورا، يقرئ القرآن، و يؤم الناس، و توفي في ذي القعدة، و دفن بمقبرة باب حرب.

3891- أحمد بن محمد بن أحمد، أبو الحسن الضبي المحاملي العطار:

[ (1)] كان يبيع العطر، و كان مستورا، سمع أبا الحسين ابن الآبنوسي، و أبا الحسين الملطي، و أبا محمد الجوهري، روى عنه أبو المعمر الأنصاري، و توفي في ذي القعدة من هذه السنة، و دفن بباب الأزج.

3892- سعد اللَّه بن علي بن الحسين بن أيوب، أبو محمد بن أبي الحسين:

[ (2)] روى عن القاضي أبي يعلى، و أبي الحسين ابن المهتدي، و أبي جعفر ابن المسلمة، و ابن النقور في آخرين، و كان ستيرا صالحا، صحيح السماع، حسن الطريقة.

توفي في رجب و دفن بالشونيزي.

3893- عبيد اللَّه بن نصر بن السري الزاغوني [أبو محمد] [ (3)] المؤدب والد شيخنا أبي الحسن‏

سمع أبا محمد الصريفيني، و ابن المهتدي، و ابن المسلمة، و ابن المأمون، و خلقا كثيرا. و كان من حفاظ القرآن و أهل الثقة و الصيانة و الصلاح، و جاوز الثمانين.

و توفي يوم الإثنين عاشر صفر، و دفن بمقبرة باب حرب.

3894- عبد الرحمن بن محمد بن شاتيل، أبو البركات الدبّاس:

[ (4)] سمع القاضي أبا يعلى، و أبا بكر الخياط، و أبا جعفر ابن المسلمة، و ابن المهتدي، و ابن النقور، و الصريفيني و غيرهم. و كان مستورا من أهل القرآن و الحديث، و سماعه صحيح.

____________

[ (1)] في ت: «أبو الحسين».

[ (2)] في ت: «سعد اللَّه بن علي بن الحسين».

[ (3)] في الأصل: «عبد اللَّه بن نصر». و ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (4)] الدبّاس: نسبة إلى بيع الدبس.

190

78/ أ و توفي في ليلة الإثنين سابع ذي القعدة،/ و دفن بمقبرة باب حرب.

3895- عبد الرحيم بن عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك بن طلحة، أبو نصر ابن القشيري:

[ (1)] قرأ على أبيه، فلما توفي سمع من أبي المعالي الجويني و غيرهما، و سمع الحديث من جماعة، و كان له الخاطر الحسن و الشعر المليح، و ورد إلى بغداد، و نصر مذهب الأشعري، و تعصب له أبو سعد الصوفي عصبية زائدة في الحد إلى أن وقعت الفتنة بينه و بين الحنابلة، و آل الأمر إلى أن اجتمعوا في الديوان فأظهروا الصلح مع الشريف أبي جعفر، و حبس الشريف أبو جعفر في دار الخلافة، و نفذ إلى نظام الملك و سئل أن يتقدم إلى ابن القشيري بالخروج من بغداد لإطفاء الفتنة، فأمره بذلك، فلما وصل إليه أكرمه و أمره بالرجوع إلى وطنه.

قال ابن عقيل: كان النظام قد نفذ ابن القشيري إلى بغداد فتلقاه الحنابلة بالسب، و كان له عرض فأنف من هذا فأخذه النظام إليه، و نفذ لهم البكري، و كان ممن لا خلاق له، و أخذ يسب الحنابلة و يستخف بهم.

توفي أبو نصر ابن القشيري في جمادى الآخرة من هذه السنة بنيسابور، و أقيم له العزاء في رباط شيخ الشيوخ.

3896- عبد العزيز بن علي بن عمر، أبو حامد الدينَوَريّ:

[ (2)] كان أحد أرباب الأموال الكثيرة، و عرف بفعل الخير و الإحسان إلى الفقراء، و كانت له حشمة، و تقدم عند الخليفة و جاه عند التجار، سمع أبا محمد الجوهري، روى عنه أبو المعمر الأنصاري.

و توفي في هذه السنة بهمذان.

3897- محمد بن محمد بن علي بن الفضل، أبو الفتح الخزيمي:

[ (3)]

____________

[ (1)] في ت: «أبو نصر بن أبي القاسم».

و انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 187، و فيه: «عبد الرحيم بن عبد الكبير بن هوازن»، و شذرات الذهب 4/ 45، و الكامل 9/ 206).

[ (2)] انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 188).

[ (3)] في ت: «الحرتمي».

191

دخل بغداد سنة تسع و خمسمائة، فحدث عن أبي القاسم القشيري و جماعة من نظرائه و وعظ، و كان مليح الإيراد، حلو المنطق، و رأيت من مجالسه أشياء قد علقت عنه فيها كلمات، و لكن أكثرها ليس بشي‏ء، فيها أحاديث موضوعة، و هذيانات فارغة يطول ذكرها. فكان مما قال: إنه‏

روى في الحديث المعروف أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم تزوج امرأة فرأى بكشحها بياضا

فقال‏

: «الحقي بأهلك»

فزاد فيه: «فهبط جبريل، و قال: العلي الأعلى يقرئك/ السلام و يقول لك بنقطة واحدة من العيب ترد عقد النكاح و نحن بعيوب 78/ ب كثيرة لا نفسخ عقد الإيمان مع أمتك لك نسوة تمسكهن لأجلك أمسك هذه لأجلي.

قال المصنف: و هذا كذب فاحش على اللَّه تعالى و على جبريل، فإنه لم يوح إليه شي‏ء من هذا، و لا عوتب في فراقها، فالعجب من نفاق مثل هذا الكاذب في بغداد و لكن على السفساف و الجهال.

و كذلك مجالس أبي الفتوح الغزالي، و مجالس ابن العبادي فيها العجائب و المنقولات المتخرصة و المعاني التي لا توافق الشريعة، و هذه المحنة تعم أكثر القصاص، بل كلهم لبعدهم عن معرفة الصحيح، ثم لاختيارهم ما ينفق على العوام كيف ما اتفق.

احتضر الخزيمي بالري فأدركه حين نزعه قلق شديد، قيل له: ما [هذا الانزعاج العظيم؟] [ (1)] فقال: الورود على اللَّه شديد [ (2)]، فلما توفي دفن بالري عند قبر إبراهيم الخواص.

***

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (2)] في الأصل: «فقال: القدوم على اللَّه شديد».

192

ثم دخلت سنة خمس عشرة و خمسمائة

فمن الحوادث فيها:

أن السلطان محمودا خرج من بغداد متصيدا، فورد الخبر إليه بوفاة جدته أم أبيه، فعاد عن متصيده و جلس للعزاء بها في حجرة من دار المملكة هو و خواصه، و جلس وزيره أبو طالب علي بن أحمد و كافة أرباب الدولة و أعيان العسكر في صحن الدار، و حضر عندهم الوزير أبو علي بن صدقة و الموكب في الأيام الثلاثة بثياب العزاء، و نصب كرسي للوعظ، فتكلم عليه أبو سعد إسماعيل بن أحمد، و أبو الفتوح أحمد بن محمد الغزالي إلى الطوسيان، و جاء ابن صدقة في اليوم الرابع و معه الموكب لإقامة السلطان من العزاء و إفاضة الخلع عليه، ففعل ذلك و عزم السلطان محمود على الخروج من بغداد فقيل له: من دار الخلافة ينبغي أن تقيم في هذا الصيف عندنا، و كان ذلك من 79/ أ خوف سيف الدولة، فقال/: ان معي هذه العساكر، فقيل له: إنا لا نترك غاية فيما يعود إلى الإقامة، و استقر أن يزيحوا العلة في نفقة أربعة أشهر، ففرغت خزائن الوكلاء، و استقر أن يؤخذ من دور الحريم و دكاكينه و مساكنه أجرة شهر، فكتبت بذلك الجرائد، و رتب لذلك الكتاب و المشرف و الجهبذ، و جبي من ذلك مبلغ وافر في مدة ثلاثة أيام، فكثرت الشكايات، فنودي برفع ذلك و إعادة ما جبي على أربابه، و التفت إلى الاستقراض من ذوي الأموال.

و في صفر: وجد مقتولا بالمختارة، فجاء أصحاب الشحنة فكبسوا المحلة و طلبوا الحامي، فهرب فجاء نائب الشحنة إلى باب العامة بالعدد الكثيرة و السلاح الظاهر،

193

و توكل بدار ابن صدقة الوزير و وكل به عشرة، و بدار ابن طلحة صاحب المخزن، و بدار حاجب الباب ابن الصاحب، و قال: أنا أطالبكم بجناية المقتول.

و في ربيع الآخر: أعيدت المطالبة بما ينسب إلى حق البيعة، و تزايد الأمر في ذلك و كثر الأذى.

و في يوم الجمعة ثامن ربيع الأول: استدعي علي بن طراد النقيب بحاجب من الديوان، فلما حضر قرأ عليه الوزير ابن صدقة توقيعا مضمونه: قد استغني عن خدمتك، فمضى و أغلق بابه و كانت ابنته متصلة بالأمير أبي عبد اللَّه بن المستظهر و هو المقتفي، فكان الوزير ابن صدقة يتقرب منه و لا يباسطه في دار الخلافة، فلما كان يوم الأربعاء سابع عشر ربيع الأول انحدر الوزير أبو طالب السمري متفرجا، فلما حاذى باب الأزج عبر إليه علي بن طراد و ذكر له الحال فوعده ثم خاطبه في حقه فرضي عنه، و أعيد إلى النقابة في ثاني ربيع الآخر.

و في عشية [يوم‏] [ (1)] الثلاثاء خامس ربيع الأول انقض كوكب، و صارت منه أعمدة عند انقضاضه و سمع عند ذلك صوت هزة عظيمة كالزلزلة [ (2)].

و في ليلة النصف من ربيع الأول [ (3)] خلع في دار السلطان على القاضي/ أبي 79/ ب سعد الهروي، و ركب إلى داره بقراح ابن رزين، و معه كافة الأمراء، و نفذ أمره في القضاء بجميع الممالك سوى العراق مراعاة لقاضي القضاة أبي القاسم الزينبي [ (4)] لما يعلم من ميل المسترشد إليه، و خرج الهروي في هذا الشهر إلى سنجر برسالة من المسترشد و من السلطان محمود و أصحب تشريفات و حملانا، و سار في تجمل كثير.

و في يوم الثلاثاء تاسع جمادى الأولى: صرف كاتب ديوان الزمام عنه، و هو شمس‏

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (2)] في الأصل: «و سمع عند ذلك صوت هذه الزلزلة».

و ما أوردناه من ت.

[ (3)] «انقض كوكب ... النصف من ربيع الأول»: العبارة ساقطة من ص، ط.

[ (4)] في ص، ط: «أبي عبيد اللَّه الزينبي» ..

194

الدولة أبو الحسن علي بن هبة اللَّه ابن الزوال، و وقع بذلك بالنظر في ديوان الزمام مضافا إلى ديوان الإنشاء.

[وقوع حريق في دار المملكة]

و في عتمة يوم الأحد رابع جمادى الآخرة: وقع الحريق في دار المملكة، فاحترقت الدار التي استجدها بهروز الخادم، و كان السبب أن جارية كانت تختضب بالحناء في الليل، و قد أسندت الشمعة إلى خيش، فعلقت به النار، فما تجاسرت أن تنطق فاحترقت الدار، و كان السلطان نائما على السطح فنزل و هرب إلى سفينة، و وقف وسط دجلة، و قيل: إنه مضى إلى دار برنقش الزكوي، و ذهب من الفرش و الآلات و الأواني و اللؤلؤ و الجوهر ما يزيد على قيمة ألف ألف دينار، و غسل غسالون التراب فظفروا بالذهب و الحلي سبائك، و لم يسلم من الدار شي‏ء و لا خشبة واحدة، و عاد السلطان إلى دار المملكة، و تقدم ببناء دار له على المسناة المستجدة، و أن تعمل آزاجا استظهارا، و أعرض عن الدار التي احترقت، و قال: إن أبي لم يتمتع بها و لا امتد بقاؤه بعد انتقاله إليها، و قد ذهبت أموالنا فيها فلا أريد عمارتها، و مضى الوزير ابن صدقة إليه مهنئا بسلامة نفسه.

[وصول الخبر بحريق جامع أصفهان‏]

ثم وصل الخبر من أصفهان بعد يومين بحريق جامع أصفهان، و أن ذلك كان في الليلة السابعة [و العشرين من ربيع الآخر] [ (1)] قبل حريق الدار السلطانية بثمانية أيام، و هذا جامع كبير أنفقت الأموال في العمارة له، و كان فيه من المصاحف الثمينة نحو خمسمائة مصحف، من جملتها مصحف ذكر أنه بخط أبيّ بن كعب، و احترقت فيه 80/ أ أخشاب/ اعترم عليها زائد على ألف ألف دينار، و ورد من أصفهان بعد ذلك القاضي أبو القاسم إسماعيل بن أبي العلاء صاعد بن محمد البخاري، و يعرف بابن الدانشمنده مدرس الحنفيين، و جلس في دار السلطان للوعظ في رمضان، و حضر السلطان و كافة أوليائه ثم اجتمع الشافعيون في دار الخلافة شاكين من هذا الوعظ، و ذكروا أنه تسمح بذكر أصحابهم و غض منهم.

[قتل العيارين مسلحيا بالمختارة]

و قتل العيارون مسلحيا بالمختارة، فشكا الشحنة سعد الدولة إلى الديوان ما يتم‏

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

195

منهم، و استأذن في أخذ المتشبهين فأذن له فأخذ [ (1)] من كان مستورا و غير مستور، فغلقت المساجد مع صلاة المغرب و لم يصل بها أحد العشاء.

و تصيد السلطان في شعبان، ثم قدم فمضى إليه القاضي الزينبي و ابن الأنباري و إقبال و نظر و الأماثل، فحلف السلطان بمحضر منهم للخليفة على الطاعة و المناصحة ثم أنفذ السلطان في عشية ذلك اليوم هدية إلى الخليفة.

فلما كان يوم الاثنين رابع عشرين شعبان جلس المسترشد في الدار الشاطئية المجاورة للمثمنة، و هي من الدور البديعة التي أنشأها المقتدي و تممها المسترشد، فجلس في قبة على سدة و عليه الثوب المصمت الأسود [ (2)]، و العمامة الرصافية، و على كتفه بردة النبي صلى اللَّه عليه و سلم، و بين يديه القضيب، و حضر الدار وزيره أبو علي بن صدقة و رتب الأمور و أقام في كل باب حاجبا بمنطقة و معه عشرون غلاما من الدار، و انفرد حاجب المخزن ابن طلحة في مكان و معه التشريف، و جلس الوزير في كم الحيرتي [ (3)]، و استدعى له أرباب المناصب، و حضر متقدمو العلماء و أتى وزير السلطان أبو [الحسن علي [ (4)] بن‏] أحمد السميرمي [ (5)] و المستوفي و خواص دولتهم، ثم وقف الوزير أبو علي بن صدقة عن يسار السدة و الوزير/ أبو طالب عن يمينه، ثم أقبل السلطان محمود 80/ ب و يده في يد أخيه مسعود و كان قد نفذ إليه الزبزب مع إقبال [و نظر] [ (6)]، فلما صعد منه قدم مركوبة عند المثمنة فركب إلى باب الدركاه ثم مشى من هناك، فلما قرب استقبله الوزيران و من معهما و حجبوه إلى بين يدي الخليفة، فلما قاربوا كشفت الستارة لهما و وقف السلطان في الموضع الّذي كان وزيره قائما فيه و أخوه مما يليه فخدما ثلاث دفعات، و وقفا و الوزير ابن صاعد يذكر له عن الخليفة أنسه به و تقربه و حسن اعتقاده فيه، ثم أمر الخليفة بإفاضة الخلع عليه فحمل إلى مجنب البهو و معه أخوه و بر نقش و ريحان،

____________

[ (1)] في ص، ط: «في أخذ المتشبهين فأخذاه فأخذ من».

[ (2)] في المطبوعة: «الثوب المصمط».

[ (3)] في ص، ط، و الأصل: «في كم الجاري».

[ (4)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (5)] في ص: «أبو علي أحمد السميرمي»، و في ت: «السلطان أبو طالب علي بن السميرمي».

[ (6)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

196

و تولى إفاضة ذلك عليه صاحب المخزن و إقبال و نظر، و في الساعة التي كان مشتغلا فيها بلبس الخلع كان الوزيران قائمين بين يدي الخليفة يحضران الأمراء أميرا أميرا فيخدم و يعرف خدمته فيقبل الأرض و ينصرف، ثم عاد السلطان و أخوه فمثلا بين يدي الخليفة و على محمود الخلع السبعة و الطوق و التاج و السواران فخدما و أمر الخليفة بكرسي فجلس عليه السلطان، و وعظه الخليفة و تلا عليه قوله تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ‏ [ (1)]، و أمره بالإحسان إلى الرعية، ثم أذن للوزير أبي طالب في تفسير ذلك عليه، ففسره و أعاد عنه أنه قال: وفقني اللَّه لقبول أوامر مولانا أمير المؤمنين و ارتسامها، فالسعادات معها متيسرة. و هي بالخيرات مبشرة، و سلم الخليفة إلى الوزيرين سيفين و أمرهما أن يقلدا بهما السلطان، فلما فعلا قال له: اقمع بهما الكفار و الملحدين.

و عقد الخليفة بيده لوائين حملا معه، و خدم، ثم خرج فقدم إليه في صحن الدار 81/ أ فرس من مراكب/ الخليفة بمركب حديد صيني و قيد بين يديه أربعة أفراس بمراكب ذهب، و أذن الخليفة بعد ذلك لأرباب الدولة و أهل العلم و الأشراف و العدول، و عرفه الوزير رجلا رجلا منهم، و الخليفة ملتفت إليه مصغ إلى أدعيتهم، معط لكل واحد ما يصلح من النظر إليه و من خطابه، ثم صعد ابن صدقة في اليوم الّذي يلي هذا اليوم في الزبزب إلى السلطان، فتعرف خبره عن الخليفة، و أفاض عليه الملابس التي كانت على الخليفة وقت جلوسه، و انحدر الوزير إلى دار الوزير أبي طالب فخلع عليه، و أطال مقامه عنده و خلوا في مهمات تجارياها.

[وقوع أمطار عظيمة]

و في هذه السنة: وقعت أمطار عظيمة، و دامت و اتصلت بجميع العراق، و أهلكت ما على رءوس النخل و في الشجر من الأرطاب و الأعناب و الفواكه، و ما كان في الصحاري من الغلات، فلما كان انتصاف الليل من ليلة السبت و هي ليلة الحادي و العشرين من كانون الثاني سقط الثلج ببغداد و دام سقوطه إلى وقت الظهر من الغد فامتلأت به الشوارع [ (2)] و الدروب، و قام نحو ذراع و عمل منه الأحداث صور السباع‏

____________

[ (1)] سورة: الزلزلة، الآية: 7، 8.

[ (2)] في الأصل: «إلى وقت الغد الظهر و امتلأت به الشوارع». و في ص، ط: «إلى وقت سقوطه من الغد الظهر فامتلأت به الشوارع». و ما أوردناه من ت.

197

و الفيلة، و عم سقوطه من بين تكريت الى البطيحة، و نزل على الحاج بالكوفة.

و قد ذكرنا في كتابنا هذا أن الثلج وقع في سنين كثيرة في أيام الرشيد و المقتدر و المعتمد و الطائع و المطيع و القادر و القائم، و ما سمع بمثل هذا الواقع في هذه السنة، فإنه بقي خمسة عشر يوما ما ذاب، و هلك شجر الأترج و النارنج و الليمون، و لم تهلك البقول و الخضر، و لم يعهد سقوط الثلج بالبصرة إلّا في هذه السنة.

أنبأنا أبو عبد اللَّه ابن الحراني، قال: لما نزل الوفر ببغداد في سنة/ خمس عشرة، 81/ ب قال بعض شعراء الوقت:

يا صدور الزمان ليس بوفر * * * ما رأيناه في نواحي العراق‏

إنما عم ظلمكم سائر الخلق‏ * * * فشابت ذوائب الآفاق‏

و نفذ من دار الخلافة بالقاضي أبي منصور إبراهيم بن سالم الهيتي نائب الزينبي برسالة من الخليفة و من السلطان، و كتب من الديوان إلى إيلغازي بسلامته من غزاة غزاها، و يأمرانه بإبعاد دبيس و فسخ النكاح بينه و بين ابنته، و قد كان لها زوج قبل دبيس سلجوقي، و كان قد دخل بها فقبض السلطان عليه و اعتقله فورد بغداد شاكيا من ايلغازي و محتجا عليه بأن نكاحه ثابت، فروسل بالهيتي فقال له: ان النكاح فاسد، فقال ايلغازي: ان النكاح الّذي فسخه عامي لا ينفذ فسخه، فأجاب بجواب أرضاه عاجلا و حلف على طاعة الخليفة و السلطان.

و أما سيف الدولة فإنه كاتب الخليفة كتبا يستميل بها قلبه، و يذكر طاعته، فروسل في جواب كتابه بمكتوب [ (1)] يسلك معه فيه الملاطفة، فدخل الحلة و أخرج أهلها فازدحموا على المعابر، فغرق منهم نحو خمسمائة، و دخل أخوه النيل، و أخرج شحنة السلطان منها، و كان السلطان ببغداد فحثه الخليفة على دبيس، فندب السلطان الأمراء لقصد دبيس فلما قصدوه أحرق من دار أبيه، و خرج من الحلة إلى النيل، فأخذ منها من الميرة، و دخل الأزير و هو نهر سنداد الّذي يقول فيه الأسود بن يعفر.

و القصر ذي الشرفات من سنداد

____________

[ (1)] في الأصل: «في جواب ذلك بمكتوب».

198

فلما وصل العسكر الحلة وجدوها فارغة فقصدوا الأزير، فحاصره فراسله برنقش أن يحذر مخالفة السلطان و ينفذ أخاه منصورا إلى الخدمة، فأجاب و خرج دبيس و عسكره و وقف بإزاء عسكر برنقش فتحالفا و تعاهدا في حق منصور و نفذ به إليه، و عاد 82/ أ العسكر إلى بغداد و معهم منصور، فحمله برنقش إلى/ خدمة السلطان، فأكرمه و بعثه مع برنقش إلى خدمة الخليفة.

و دخلت العرب من نبهان فيد فكسّروا أبوابها و أخذوا ما كان لأهلها، فتوجع الناس لهم و علموا أن خراب حصنهم سبب لانقطاع منفعة الناس من الحجيج، فعمل موفق [الخادم‏] [ (1)] الخاتوني لهم أبوابا من حديد و حملها على اثني عشر جملا و أنفذ الصناع لتنقية العين و المصنع، و كانت العرب طموهما و اغترم على ذلك مالا كثيرا، و تولى ذلك نقيب مشهد أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، و أعيدت المكوس و المواصير. و ألزم الباعة أن يرفعوا إلى السلطان ثلثي ما يأخذونه من الدلالة في كل ما يباع، و فرض على كل نول من السقلاطون ثمانية أقساط و حبة، ثم قيل للباعة: زنوا خمسة آلاف شكرا للسلطان فقد تقدم بإزالة المكس.

و مرض وزير السلطان محمود فعاده السلطان و هنأه بالعافية فعمل له وليمة بلغت خمسين ألف دينار و كان فيها الأغاني و الملاهي.

و في رجب: أخذ القاضي أبو عبد اللَّه ابن الرطبي شواء من الأعاجم فشهره فمضى و شكا إلى العجم، فأقبل العجم في خمسة غلمان أتراك [ (2)] فأخذوه و سحبوه إلى دار السلطان، و جرت فتنة، و غلقت أبواب الحديد، و رجمهم العامة فعادوا على العامة بالدبابيس، فانهزموا و حملوه، فلما شرح الحال لوزير السلطان أعيد مكرما، و طولب أهل الذمة بلبس الغيار، فانتهى الأمر إلى أن سلموا إلى الخليفة أربعة آلاف، و إلى السلطان عشرين ألف دينار، و أحضر الجالوت فضمنها و جمعها.

***

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (2)] في الأصل: «في خمسة غلمان الترك».

199

ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

3898-/ الحسن بن أحمد بن الحسن بن علي، أبو علي الحداد الأصفهاني:

[ (1)] 82/ ب ولد سنة تسع عشرة [ (2)] و أربعمائة و سمع أبا نعيم و غيره، انتهى إليه الإقراء و الحديث بأصبهان.

و توفي في ذي الحجة من هذه السنة، عن ست و تسعين.

3899- خاتون السفرية:

[ (3)] كانت حظية ملك شاه، فولدت له محمدا و سنجر، و كانت تتدين و تبعث حمال السبيل إلى طريق مكة، و لما حصلت في الملك بحثت عن أهلها و أمها و أخواتها حتى عرفت مكانهم، ثم بذلت الأموال لمن يأتيها بهم، فلما وصلوا إليها و دخلت أمها، و كانت قد فارقت أمها منذ أربعين سنة، فجلست البنت بين جوار يقاربنها في الشبه حتى تنظر هل تعرفها أم لا؟ فلما سمعت الأم كلامها نهضت إليها فقبلتها [ (4)] و أسلمت الأم، فلما توفيت خاتون قعد لها السلطان محمود في العزاء على ما سبق ذكره. [ (5)]

و هذه المرأة تذكر في نوادر التاريخ [ (6)]، لأنهم قالوا: لا يعلم امرأة في الإسلام ولدت خليفتين أو ملكين سوى ولادة بنت العباس، لأنها ولدت لعبد الملك الوليد و سليمان و وليا الخلافة، و شاهفرند ولدت للوليد بن عبد الملك يزيد و إبراهيم، و كلاهما ولي الخلافة، و الخيزران ولدت الهادي و الرشيد، و هذه ولدت محمدا و سنجر، و كلاهما ولي السلطنة، و كان عظيما في ملكه.

3900- عبد الرزاق بن عبد اللَّه، بن علي بن إسحاق الطوسي ابن أخي نظام [ (7)] الملك.

كان [قد] [ (8)] تفقه على الجويني، و أفتى و ناظر، ثم وزر لسنجر، فترك طريقة

____________

[ (1)] انظر ترجمته في: (شذرات الذهب 4/ 47).

[ (2)] في ت: «مولده سنة تسع عشرة».

[ (3)] انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 189، و الكامل 9/ 154).

[ (4)] في ت: «نهضت إليها فقتلتها».

[ (5)] في الأصل: «في العزاء كما سبق ذكره».

[ (6)] في الأصل: «تذكر في التواريخ النادرة».

[ (7)] انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 189، و الكامل 9/ 210).

[ (8)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

200

الفقهاء و اشتغل بالجند و تدبير الممالك، و توفي في هذه السنة.

3901- عبد الوهاب بن حمزة، [أبو سعد] الفقيه الحنبلي العدل:

[ (1)] سمع ابن النقور، و الصريفيني و غيرهما، و تفقه على الشيخ أبي الخطاب و أفتى، و شهد عند أبي الحسن الدامغانيّ، و كان مرضي الطريقة حميد السيرة [ (2)] من أهل السنة، توفي في شعبان، و دفن بباب حرب.

3902- [علي بن يلدرك الكاتب، أبو الثناء [ (3)] الزكي:

كان شاعرا ذكيا ظريفا مترسلا و له شعر مطبوع.

و توفي في صفر هذه السنة، و دفن بباب حرب‏] [ (4)].

83/ أ قال المصنف: نقلت من خط أبي الوفاء بن عقيل، قال: حدثني الرئيس/ أبو الثناء بن يلدرك و هو ممن خبرته بالصدق أنه كان بسوق نهر معلى، و بين يديه رجل على رأسه قفص زجاج، و ذاك الرجل مضطرب المشي يظهر منه عدم المعرفة بالحمل، قال:

فما زلت أترقب منه سقطة لما رأيت من اضطراب مشيه، فما لبث أن زلق زلقة طاح منها القفص فتكسر جميع ما كان فيه، فبهت الرجل ثم أخذ عند الإفاقة من البكاء يقول: هذا و اللَّه جميع بضاعتي، و اللَّه لقد أصابني بمكة مصيبة عظيمة توفي على هذه ما دخل قلبي مثل هذه، و اجتمع حوله جماعة يرثون له و يبكون عليه و قالوا: ما الّذي أصابك بمكة؟

فقال: دخلت قبة زمزم و تجردت للاغتسال و كان في يدي دملج فيه ثمانون مثقالا فخلعته و اغتسلت و لبست و خرجت. فقال رجل [من الجماعة] [ (5)] هذا دملجك له معي سنين، فدهش الناس من إسراع جبر مصيبته.

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

و انظر ترجمته في: (شذرات الذهب 4/ 47).

[ (2)] في ط، ص: «مرضي الطريقة جميل السيرة».

[ (3)] في ص: «أبو البناء الزكي» و الترجمة ساقطة من الأصل.

[ (4)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (5)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

201

3903- علي [بن‏] المدير، الزاهد:

[ (1)] كان يسكن دار البطيخ من الجانب الغربي، و له مسجد معروف اليوم به، و له بيت إلى جانبه، و كان يتعبد، فتوفي في ربيع الآخر من هذه السنة، و صلى عليه بجامع القصر، و كان يوما مشهودا، و حمل و دفن في البيت الّذي إلى جانب مسجده.

3904- محمد بن علي بن عبيد اللَّه الدنف، أبو بكر المقرئ:

[ (2)] ولد سنة اثنتين و أربعين و أربعمائة، و سمع ابن المسلمة، و ابن المهتدي، و الصريفيني، و ابن النقور، و نظراءهم. و تفقه على الشريف أبي جعفر، و كان من الزهاد الأخيار، و من أهل السنة، و انتفع به خلق كثير، و حدث بشي‏ء يسير.

و توفي في شوال، و دفن بباب حرب.

3905- محمد بن محمد بن عبد العزيز بن العباس بن محمد بن عبد اللَّه بن أحمد بن محمد بن عبيد اللَّه بن المهتدي [ (3)]، أبو علي العدل الخطيب:

[ (4)] ولد في جمادى الأولى سنة اثنتين و ثلاثين و أربعمائة، و سمع ابن غيلان،/ و القزويني، و الجوهري، و الطبري، و نظراءهم، و حدث عنهم و هو آخر من حدث عن 83/ ب العتيقي و أبي منصور ابن السواق و أبي القاسم بن شاهين، و كان ثقة عدلا دينا صالحا، و شهد عند أبي عبد اللَّه الدامغانيّ، و هو آخر من بقي من شهود القائم بأمر اللَّه، و كان من ظراف البغداديين و محاسن الهاشميين، و مات عن ثلاث و ثمانين سنة.

و توفي يوم الجمعة خامس عشرين شوال، و حضر قاضي القضاة الزينبي و النقيبان و الأعيان، و دفن بباب حرب.

3906- محمد بن محمد بن الجزري، أبو البركات [ (5)] البيع:

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، ت. و في ت: «على المدين الزاهد».

[ (2)] انظر ترجمته في: (شذرات الذهب 4/ 47، و فيه: «محمد بن علي بن عبيد الدنف البغدادي»).

[ (3)] في ت: «ابن عبيد اللَّه بن المهدي».

[ (4)] انظر ترجمته في: (شذرات الذهب 4/ 48).

[ (5)] في ت: «الخرزي».

202

سمع البرمكي و الجوهري، و كان سماعه صحيحا.

و توفي في ليلة الأحد خامس عشرين ذي القعدة، و دفن بباب حرب.

3907- نزهة المعروفة بأم السادة [ (1)]، أم ولد المسترشد:

توفيت و حملت إلى الرصافة، و خرج معها عميد الدولة بن صدقة و الجماعة بالنيل.

3908- هزارسب بن عوض بن الحسن الهروي، أبو الخير:

[ (2)] سمع من ابن النظر، و طراد، و أقرانهما الكثير، و كتب الكثير، و أفاد الطلبة من الغرباء و الحاضرين، و كان ثقة من أهل السنة، خيرا و اخترمته المنية قبل أوان الرواية.

و توفي في ربيع الأول من هذه السنة، و دفن بمقبرة باب حرب.

***

____________

[ (1)] في ص، ط، ت: «نزهة المعروفة بست السادة».

[ (2)] انظر ترجمته في: (شذرات الذهب 4/ 48، و فيه: هزاراست». و الكامل 9/ 212،