المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك‏ - ج17

- أبو الفرج ابن الجوزي المزيد...
320 /
203

ثم دخلت سنة ست عشرة و خمسمائة

فمن الحوادث فيها:

أنه في عشية يوم الأحد خامس عشر المحرم استدعى الوزير أبو طالب علي بن أحمد السميرمي، و خاطبه في معنى دبيس فإن في قربه من مدينة السلام خطرا على أهلها، و إنا نؤثر مقام آقسنقر البرسقي عندنا لأنا لا نشك في نصحه، فوافق السلطان محمود على ذلك، و كوتب البرسقي لينحدر، و أرسل في ذلك سديد الدولة أبو عبد اللَّه ابن الانباري، فأقبل إلى بغداد فخرج وزير السلطان فتلقاه، و نصبت له الخيم بتولي فراشي الخليفة الخواص.

و في يوم الأربعاء/ حادي عشر المحرم: قصد برنقش دار الخلافة و معه منصور 84/ أ أخو دبيس، و أنزل عند باب النوبي فقبل الأرض و جلس عند حاجب الباب ليطالع بحاله، ثم مضى برنقش إلى الديوان، و قال: إن السلطان يخاطب في الرضا عن منصور و يشفع في ذلك، فنزل الجواب عرف حضور منصور بالشفاعة المغيثية معتذرا مما جرى من الوهلات، و تقدم من الإساءات و ما دام مع الرايات المغيثية فهو مخصوص بالعناية مشمول بالرعاية.

[زيادة الماء حتى خيف على بغداد من الغرق‏]

و في هذه السنة: زاد الماء حتى خيف على بغداد من الغرق، و تقدم إلى القاضي أبي العباس ابن الرطبي [ (1)] بالخروج الى القورج و مشاهدة ما يحتاج إليه، و هذا القورج الّذي غرق الناس منه في سنة ست و ستين تولى عمارته نوشتكين خادم أبي نصر بن جهير

____________

[ (1)] في الأصل: «أبي العباس الزيني».

204

و كتب اسمه عليه و ضرب عليه خيمه و لم يفارقه حتى أحكمه، و غرم عليه ألوف دنانير من مال نفسه، و سأله محمد الوكيل أن يأخذ منه ثلاثة آلاف دينار و يشاركه في الثواب فلم يفعل، و قال: إخراج المال عندي أهون، و حاجتي إلى اللَّه تعالى أكثر من حاجتي إلى المال.

و في يوم الأربعاء رابع عشر [ (1)] صفر: مضى الوزير أبو علي بن صدقة و معه موكب الخليفة إلى القورج، و اجتمع بالوزير أبي طالب، و وقفا على ظهور مراكبهما ساعة ثم انصرفا، فما استقر الناس في منازلهم حتى جاء مطر عظيم أجمع الأشياخ أنهم لم يروا مثله في أعمارهم، و وقع برد عظيم معه و لم يبق بالبلد دار إلّا و دخل الماء من حيطانها [ (2)] و أبوابها و خرج من آبار الناس.

و في هذا الوقت: ورد الحاج شاكرين لطريقهم واصفين نعمة اللَّه تعالى بكثرة الماء و العشب و رخص السعر، و كانت الكسوة نفذت على يدي [القاضي‏] [ (3)] أبي الفتح 84/ ب ابن البيضاوي، و أقام بالمدينة لعمارة ما تشعث/ من مسجدها.

و في عشية سلخ صفر: تقدم السلطان بالاستظهار على منصور بن صدقة، و نفذ إلى مكان فوثق عليه.

[خروج السلطان محمود من بغداد]

و في يوم الأربعاء غرة ربيع الأول: خرج السلطان محمود من بغداد و كان مقامه بها سنة و سبعة أشهر و خمسة عشر يوما، ثم نودي في يوم الجمعة ثالث ربيع الأول بإسقاط المكوس و الضرائب و ما وضع على الباعة من قبل السلطان، ثم استدعي البرسقي إلى باب الحجرة، و فووض في أمر دبيس، فقابل ذلك بالسمع و الطاعة، فخلع عليه و توجه إلى صرصر، و اقترح أن يخرج معه ابن صدقة، فاعتذر الخليفة بأن مهام الخدمة منوطة به، و أخرج عوضه أبو عبد اللَّه محمد بن عبد الكريم ابن الأنباري سديد الدولة، و نودي في الحريم أنه متى أقام جندي و لم يخرج للقتال فقد برئت منه الذمة، و عبر دبيس و نفذ إلى البرسقي يقول له: قد أغنيتك عن العبور و صرت معك على أرض واحدة، و ظفر

____________

[ (1)] في الأصل: «في يوم الأحد رابع عشر».

[ (2)] في الأصل: «إلا و دخل النار من حيطانها».

[ (3)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

205

الأتراك بثلاثين رجلا من السواد [ية يريدون أن‏] [ (1)] يفجروا نهرا فقتلهم الأتراك، ثم تصاف العسكران يوم الخميس سلخ ربيع الأول فأجلت الوقعة عن هزيمة البرسقي، فقد كان في خمسة آلاف فارس نصفهم لابس، و كان عسكر دبيس في خمسة آلاف فارس بأسلحة ناقصة، و عدد مقصرة إلا أن رجالته كانت كثيرة، و كان سبب هزيمة البرسقي أنه رأى في الميسرة خللا، فأمر بحط خيمته لتنصب عندهم ليشجعهم بذلك و كان ذلك ضلة من الرأي، لأنهم لما رأوا الخيمة قد حطت أشفقوا فانهزموا، و كان الحر شديدا فهلكت البراذين و الهمالج عطشا و ترقب الناس من دبيس بعد هذا [ (2)] ما يؤذي فلم يفعل، و أحسن السيرة فيما يرجع إلى أعمال الوكلاء، و راسل الخليفة بالتلطف [ (3)]، و تقررت قواعد الصلح و استقر إنفاذ قاضي القضاة الزينبي ليحلف سيف الدولة/ على المستقر 85/ أ فعله بعد الصلاح، فاستعفي فأعفي و نص على أبي العباس ابن الرطبي فخرج مع ناصح الدولة أبي عبد اللَّه الحسين ابن جهير و تبعهما إقبال الخادم، و عادوا إلى الحلة، فقصدوا وقت دخولهم دار الوزير ابن صدقة ليوهموه خلاف ما هم عليه من تقرر الأحوال على عزله، فلم يخف عليه و لا على الناس، و عرف ان التقريرات استقرت بينهم عليه و انزعج و كان كل واحد من دبيس و ابن صدقة معلنا بعداوة الآخر، فبكر ابن صدقة إلى الديوان على عادته، و جلس في الموكب، و كان يوم الخميس، و خرج جواب ما انهى ثم استدعى إلى مكان وكل به فيه، و نهبت داره التي كان يسكنها بباب العامة و دور حواشيه و أتباعه، و قبض على حواشيه و على عز الدولة أبي المكارم ابن المطلب، ثم أفرح عنه ورد إليه ديوان الزمام بعد ذلك.

[استدعاء علي بن طراد إلى باب الحجرة]

و في غداة يوم الجمعة الحادي و العشرين من جمادى الأولى: استدعي بأمر الخليفة [ (4)] علي بن طراد إلى [باب‏] [ (5)] الحجرة، و أخرجت له خلع من ملابس الخاص، و وقع له بنيابة الوزارة، و كان نسخة التوقيع: «محلك يا نقيب النقباء من‏

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (2)] في الأصل: «و ترقب الناس بعد هذا من دبيس ما يؤذي».

[ (3)] في ص: «و راسل الخليفة بالتلفظ».

[ (4)] في ص: «من جمادى الأولى تقدم الخليفة باستدعاء».

[ (5)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

206

شريف الآباء و موضعك الحالي بالاختصاص و الاختيار ما يقتضيه إخلاصك المحمود اختياره، الزاكية آثاره توجب التعويل عليك في تنفيذ المهام، و الرجوع إلى استصوابك في النيابة التي يحسن بها القيام، و جماعة الأولياء و الأتباع مأمورون بمتابعتك و امتثال ما تصرفهم عليه من الخدم في إبدائك و إعادتك، فاحفظ نظام الدين، و تقدم إلى من جرت عادته بملازمة الخدمة و سائر الأعوان، و توفر على مراعاة، الأحوال بانشراح [ (1)] صدر و فراغ 85/ ب بال، فان الإنعام لك شامل، و بنيل آمالك/ كافل إن شاء اللَّه».

ثم تقدم الخليفة بعد مدة من عزل الوزير بإطلاقه إلى دار يمن، و جمع بينه و بين أهله و ولده و فعل معه الجميل.

ثم قدم أقضى القضاة أبو سعد الهروي من العسكر بهدايا من سنجر و مال، و أخبر أن السلطان محمود قد استوزر عثمان بن نظام الملك، و قد [عول‏] [ (2)] عثمان على القاضي الهروي بأن يخاطب الخليفة في أن يستوزر أخاه أبا نصر أحمد بن نظام الملك، و أنه لا يستقيم له وزارة و ابن صدقة بدار الخلافة، و قال: أنا أتقدم إلى من يحاسبه على ما نظر للسلطان فيه من الأعمال و يحاققه. و إن أراد المسالمة فالدنيا بين يديه، فليتخير أي موضع أحب فليقم فيه، فتخير ابن صدقة حديثة الفرات ليكون عند سليمان بن مهارش، فأجيب و أخرج و حقر فوقع عليه يونس الحرمي، و جرت له معه قصص و ضمانات حتى وصل الحديثة، و رأى في البرية رجلا فاستراب به، ففتش فإذا معه كتاب من دبيس إلى يونس يحثه على خدمة الوزير أبي علي و كتاب باطن يضمن له إن سلمه إليه ستة آلاف دينار عينا و قرية يستغلها كل سنة ألفي دينار.

و استدعي أبو نصر أحمد بن نظام الملك في نصف رمضان من داره بنقيب النقباء علي بن طراد و ابن طلحة صاحب المخزن، و دخل إلى الخليفة وحده، و خرج مسرورا، و أفردت له دار ابن جهير بباب العامة، و خلع عليه في شوال، و خرج الى الديوان و قرئ عهده و كان علي بن طراد بين يديه يأمر و ينهى، و أمر بملازمة مجلسه.

فأما حديث دبيس فقد ذكرنا ما تجدد بينه و بين الخليفة من الطمأنينة و أسباب‏

____________

[ (1)] في الأصل: «مراعاة الأخوان بانشراح صدر».

[ (2)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

207

الصلح، فلما كان ثاني رمضان بعث طائفة من أصحابه فاستاقوا مواشي نهر الملك، و كانت فيما قيل تزيد على مائة ألف رأس، فبعث الخليفة إليه عفيفا الخادم يقبح له ما فعل، فلما وصل إليه أخرج دبيس ما في نفسه و ما عومل به من الأمور/ الممضة منها 86/ أ أنهم ضمنوا له هلاك ابن صدقة عدوه، فأخرجوه من الضيق إلى السعة، و أجلسوا ابن النظام في الوزارة شيئا فشيئا و رياء [ (1)]، و منها أنه خاطبهم في إخراج البرسقي من بغداد فلم يفعلوا، و منها أنهم و عدوه في حق أخيه منصور أنهم يخاطبوا في إصلاح حاله و خلاصه من اعتقاله، و أنه كتب إليه من العسكر أن انحراف دار الخلافة هو الموجب لأخذه، و لو أرادوا إخراجه لشفعوا فيه فهم عفيف بمجادلته، فلم يصغ دبيس إليه، و قال له: قد أجلتكم خمسة أيام فإن بلغتم ما أريده و إلّا جئت محاربا، و تهدد و توعد فبادر عفيف بالرحيل و أتت رجالة الحلة [ (2)]، فنهبوا نهر الملك، و افترشوا النساء في رمضان، و أكلوا و شربوا، فجاء عفيف فحكى للخليفة ما جرى.

و في ذي الحجة: أخرج المسترشد السرادق، و نودي النفير فأمير المؤمنين خارج إلى القتال عنكم يا مسلمين [ (3)].

و غلا السعر، فبلغ ثلاثة أرطال بقيراط، و أمر المسترشد أن يتعامل الناس بالدراهم عشرة بدينار و القراضة اثني عشر بدينار.

و خرج الخليفة يوم الجمعة الرابع و العشرين من ذي الحجة من داره و عبر إلى السرادق و معه الخلق.

قال المصنف: و لنذكر مبتدأ أمر هذا دبيس كما نفعل في ابتداء أمور الدول، و ذلك أن أول من نبغ من بيته مزيد، فجعل إليه أبو محمد المهلبي وزير معز الدولة أبي الحسين بن بويه حماية سورا و سادها، فوقع الاختلاف بين بني بويه، و كان يحمي تارة و يغير أخرى، و بعث به فخر الملك أبو غالب إلى بني خفاجة سنة القرعاء، فأخذ الثار

____________

[ (1)] في ت: «في الوزارة سبا شأ و رياء».

[ (2)] في الأصل: «و أتت رجالته».

[ (3)] في الأصل: «خارج عن القتال عنكم يا مسلمين».

208

منهم و مات، فقام مقامه ابنه أبو الأعز دبيس، و كان عائنا قل أن يعجب بشي‏ء إلّا هلك، 86/ ب حتى إنه نظر إلى ابنه بدران، فاستحسنه/ فمات، و كان يبغض ابن ابنه صدقة، و هو أبو دبيس هذا، فعوتب في هذا، فقال: رأيت في المنام كأنه قد بلغ أعنان السماء و في يده فأس و هو يقلع الكواكب و يرمي بها إلى الأرض و وقع بعدها و لا شك أنه يبلغ المنزلة الزائدة و ينفق في الفتن و يهلك أهل بيته، و توفي أبو الأعز و خلف ثمانين ألف دينار، فولي مكانه ابنه منصور، ثم مات، فولي ابنه صدقة، فأقام بخدمة السلطان ملك شاه، و يؤدي إليه المال و يقصد بابه كل قليل، فلما قتل النظام استفحل أمره و أظهر الخلاف، و علم أن حلته لا تدفع عنه فبنى [ (1)] على تل بالبطيحة، و عول على قصده، إن دهمه عدو أو أمر و أن يفتح البثوق و يعتصم بالمياه و أخذ على ابن أبي الخير موثقا على معاضدته، ثم ابتاع من عربه مكانا هو على أيام من الكوفة، فأنفق عليه أربعين ألف دينار، و هو منزل يتعذر السلوك إليه و عمر الحلة، و جعل عليها سورا و خندقا، و أنشأ بساتين و جعل الناس [ (2)] يستجيرون به، فأعطاه المستظهر دار عفيف بدرب فيروز، فغرم عليها بضعة عشر ألف دينار و تقدم الخليفة بمخاطبته بملك العرب، و كان قد عصى السلطان بركيارق، و خطب لمحمد، فلما ولي محمد صار له بذلك جاه عند محمد و قرر مع أخيه بركيارق أن لا يعرض لصدقة، و أقطعه الخليفة الأنبار، و دمما، و الفلوجة، و خلع عليه خلعا لم تخلع على أمير قبله، فأعطاه السلطان واسطا، و أذن له في أخذ البصرة و صار يدل على السلطان الإدلال الّذي لا يحتمله، و إذا وقع إليه رد التوقيع أو أطال مقام الرسول على مواعيد لا ينجزها، و أوحش أصحاب السلطان أيضا و عادى البرسقي، و كان يظهر بالحلة من سب الصحابة 87/ أ ما لا يقف عند حد، فأخذ العميد ثقة الملوك أبو جعفر فتاوى/ فيما يجب على من سب الصحابة، و كتب المحاضر فيما يجري في بلد ابن مزيد من ترك الصلوات، و أنهم لا يعرفون الجمعة و الجماعات و يتظاهرون بالمحرمات، فأجاب الفقهاء بأنه لا يجوز الإغضاء عنهم، و إن من قاتلهم فله أجر عظيم، و قصد العميد باب السلطان‏

____________

[ (1)] في الأصل: «حلته لا تغني عنه فبنى».

[ (2)] في ص: «و أنشأ بساتين و صار الناس».

209

و قال: إن حال ابن مزيد قد عظمت، و قد قلت فكرته في أصحابك، و قد استبد بالأموال، و أهمل الحقوق و لو نفذت بعض أصحابك ملكته، و وصلت إلى أموال كثيرة عظيمة، و طهرت الأرض من أدناسه فإنه لا يسمع ببلده آذان و لا قرآن و هذه المحاضر باعتقاده و الفتاوى بما يجب عليه و هذا سرخاب قد لجأ إليه و هو على رأيه في بدعته التي هي مذهب الباطنية، و كان قد اتفقا على قلب الدولة و إظهار مذهب الباطنية، [ (1)] و كان السلطان قد تغير على سرخاب، فهرب منه إلى الحلة فتلقاه بالإكرام فراسله السلطان و طالبه بتسليمه [ (2)]، فقال: لا أفعل و لا أسلم من لجأ إلي، ثم قال لأولاده و أصحابه بهذا الرجل الّذي قد لجأ إلينا تخرب بيوتنا و تبلغ الأعداء منا المراد، و كان كما قال، فإن السلطان قصده فاستشار أولاده، فقال دبيس: هذا الصواب أن تسلم إلى مائة ألف دينار و تأذن لي في الدخول إلى الاصطبلات، فأختار منها ثلاثمائة فرس و تجرد معي ثلاثمائة فارس فإنّي أقصد باب السلطان و أعتذر عنك و أزيل ما قد ثبت في نفسه منك، و أخدمه بالمال و الخيل، و أقرر معه أن لا يتعرض بأرضك، فقال بعض الخواص: الصواب أن لا تصانع من تغيرت فيك نيته، و إنما ترد بهذه الأموال من يقصدنا، فقال صدقة: هذا هو الرأي، فجمع عشرين ألفا من الفرسان، و ثلاثين ألفا من الرجالة، و جرت الوقعة على ما سبق في كتابنا في/ حوادث تلك السنة، و ذكرنا أن الخليفة بعث إلى صدقة ليصلح ما 87/ ب بينه و بين السلطان فأذعن ثم بدا له، و قد ذكرنا مقتله.

ثم نشأ له دبيس هذا ففعل القبائح، و لقي الناس منه فنون الأذى، و بشؤمه بطل الحج في هذه السنة لأنه كان قد وقعت وقعة بينه و بين أصحابه و أهل واسط، فأسر فيها مهلهل الكردي، و قتل فيها جماعة، و نفد المسترشد إليه يحذره من إراقة الدماء، [ (3)] و يأمره بالاقتصار على ما كان لجده من البلاد، و يشعره بخروجه إليه إن لم يكف، فزاد في طغيانه و تواعد و أرعد، و أقبلت طلائعه فانزعج أهل بغداد، فلما كانت بكرة الثلاثاء ثالث شوال صلب البرسقي تسعة أنفس، ذكر أنهم من أهل حلب و الشام، و أن دبيس بن‏

____________

[ (1)] «و كان ... و إظهار مذهب الباطنية»: العبارة ساقطة من ص.

[ (2)] في الأصل: «و طالبه التسلم له».

[ (3)] في ط: «و نفذ المسترشد إليه ينذره من اراقة الدماء».

210

صدقة أرسلهم لقتل البرسقي في تاسع ذي القعدة و ضرب الخليفة سرادقه عند رقة ابن دحروج، و نصب هناك الجسر، ثم بعث القاضي أبو بكر الشهرزوريّ إلى دبيس، ينذره، و كان من جملة الكلام: وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [ (1)] فاحتد و غضب، و كانت فرسانه تزيد على ثمانية آلاف، و رجالته عشرة آلاف، فأمر القاضي أبا بكر بمشاهدة العسكر فصلى المسترشد يوم الجمعة رابع عشرين ذي الحجة و نزل راكبا من باب الغربة مما يلي المثمنة، و عبر في الزبزب و عليه القباء و العمامة و بردة النبي صلى اللَّه عليه و سلم على كتفيه، و الطرحة على رأسه، و بيده القضيب، و معه وزيره أحمد بن نظام الملك و النقيبان و قاضي القضاة الزينبي، و جماعة الهاشميين و الشهود و القضاة و الناس، فنزل بالمخيم و أقام به إلى أن انقضى الشهر، أعني ذا الحجة.

[وصول أبي الحسن علي بن الحسين الغزنوي و وعظ ببغداد]

88/ أ و في هذه السنة:/ وصل أبو الحسن علي بن الحسين الغزنوي و وعظ ببغداد و صار له قبول، و ورد بعده أبو الفتوح الأسفراييني و نزل برباط أبي سعد الصوفي، و تكلم بمذهب الأشعري، ثم سلم إليه رباط الأرجوانية والدة المقتدي، و ورد الشريف أبو القاسم علي بن يعلى العلويّ، و نزل برباط أبي سعد أيضا، و تكلم على الناس، و أظهر السنة فحصل له نفاق عند أهل السنة، و كان يورد الأحاديث بالأسانيد.

*** ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

3909- الحسن بن محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن مخلد، أبو علي الباقرحي‏

[ (2)]:

ولد سنة سبع و ثلاثين و أربعمائة، و سمع أبا القاسم التنوخي، و أبا بكر بن بشران، و القزويني، و ابن شيطا، و البرمكي، و الجوهري و غيرهم، و كان رجلا مستورا من أولاد المحدثين، فهو محدث و أبوه و جده و أبو جده وجد جده.

و توفي في هذه السنة، و دفن بمقبرة باب حرب.

____________

[ (1)] سورة: الإسراء، الآية: 15.

[ (2)] الباقرحي: نسبة إلى باقرح، و هي قرية من نواحي بغداد.

و انظر ترجمته في: (تذكرة الحفاظ 1256، و فيه: «الباخرحي»، و شذرات الذهب 4/ 48).

211

3910- عبد اللَّه بن أحمد بن عمر بن أبي الأشعث، أبو محمد السمرقندي:

[ (1)] أخو شيخنا أبي القاسم، ولد بدمشق سنة أربع و أربعين و أربعمائة، و نشأ ببغداد فسمع الكثير من الصريفيني، و ابن النقور و غيرهما، و سمع ببيت المقدس، و بنيسابور، و ببلخ، و بسرخس، و بمرو، و بأسفرايين، و بالكوفة، و بالبصرة، و غير ذلك من البلاد، و صحب أباه و الخطيب و جمع و ألف، و كان/ صحيح النقل كثير الضبط، ذا فهم 88/ ب و معرفة.

أنبأنا أبو زرعة بن محمد بن طاهر، عن أبيه، قال: سمعت أبا إسحاق المقدسي يقول: لما دخل أبو محمد السمرقندي بيت المقدس قصد أبا عثمان بن الورقاء، فطلب منه جزءا فوعده به و نسي أن يخرجه فتقاضاه فوعده مرارا، فقال له: أيها الشيخ لا تنظر إليّ بعين [ (2)] الصبوة فإن اللَّه [قد] [ (3)] رزقني من هذا الشأن ما لم يرزق أبا زرعة الرازيّ، فقال الشيخ: الحمد للَّه، ثم رجع إليه يطلب الجزء، فقال الشيخ: أيها الشاب إني طلبت البارحة الأجزاء فلم أجد فيها جزءا يصلح لأبي زرعة الرازيّ، فخجل و قام.

توفي أبو محمد يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الآخر من هذه السنة.

3911- عبد القادر بن محمد بن عبد القادر بن محمد بن يوسف، أبو طالب بن أبي بكر بن أبي القاسم الأصفهاني، الأصل:

[ (4)] ولد سنة ست و ثلاثين و اربعمائة، و سمع البرمكي، و الجوهري، و العشاري، و ابن المذهب و غيرهم، و سمع الكثير و حدث بالكثير سنين، و كان الغاية في التحري و اتباع الصدق و الثقة، و كان صالحا كثير التلاوة للقرآن [كثير الصلاة] [ (5)] و هو آخر من حدث عن أبي القاسم الأزجي، و توفي يوم السبت ثامن عشر ذي الحجة، و دفن بباب حرب.

____________

[ (1)] انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 191، و تذكرة الحفاظ 1263، و شذرات الذهب 4/ 49، و الكامل 9/ 218).

[ (2)] في الأصل: «أيها الشيخ لا تنظرني بعين».

[ (3)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (4)] انظر ترجمته في: (تذكرة الحفاظ 1256، شذرات الذهب 4/ 49، و الكامل 9/ 218).

[ (5)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

212

3912- علي بن أحمد [ (1)]، أبو طالب السميرمي:

[ (2)] و سميرم قرية بأصبهان. كان وزير السلطان محمود، و كان مجاهرا بالظلم و الفسق، و بنى ببغداد دارا على دجلة فأخرب المحلة المعروفة بالتوثة، و نقل آلاتها إلى [عمارة] [ (3)] داره فاستغاث إليه أهل التوثة فحبسهم و لم يخرجهم إلّا بغرم، و هو الّذي 89/ أ أعاد المكوس بعد عشر سنين من زمان إزالتها،/ و كان يقول: لقد سننت على أهل بغداد السنن الجائرة [ (4)]، فكل ظالم يتبع أفعالي، و ما أسلم في الدنيا، و قد فرشت حصيرا في جهنم، و قد استحييت من كثرة التعدي على الناس و ظلمي من لا ناصر له، و قال هذا في الليلة التي قتل في صباحها، و كان سرادقه قد ضرب بظاهر البلد، و ركب في بكرة ذلك اليوم، و قال: قد عزمت على الركوب و الإلمام بالحمام، و العود عاجلا المسير في الوقت الّذي اختاره المنجمون، فعاد و دخل الحمام ثم خرج و بين يديه من العدد ما لا يحصى من حملة السلاح و الصمصامات و السيوف و لم يمكنه سلوك الجادة التي تلي دجلة لزيادة الماء هناك فقصد سوق المدرسة التي وقفها خمارتكين التتشي [ (5)] و اجتاز في المنفذ العتيق [ (6)] الّذي فيه حظائر الشوك، فلما خرج أصحابه بأجمعهم منه و برز عنق بغلته و يداها وثب رجل من دكة في السوق فضربه بسكين فوقعت في البغلة، ثم هرب إلى [دار على‏] [ (7)] دجلة فأمر بطلبه فتبعه الغلمان و أصحاب السلاح فخلا منهم المكان، فظهر رجل آخر كان متواريا فضربه بسكين في خاصرته ثم جذبه عن البغلة إلى الأرض و جرحه عدة جراحات، فعاد أصحاب الوزير فبرز لهم اثنان لم يريا قبل ذلك فحملا عليهم مع الّذي تولى جراحته فانهزم ذلك الجمع من بين يدي هؤلاء الثلاثة و لم يبق من له قدرة على تخليصه، و لحلاوة الروح قام الوزير و قد اشتغلوا عنه بالحملات 89/ ب على أصحابه/ فأراد الارتقاء إلى بعض درج الغرف التي هناك فعاوده الّذي جرحه فجره‏

____________

[ (1)] في ص، و الأصل: «علي بن حرب».

[ (2)] انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 191، و شذرات الذهب 4/ 50).

[ (3)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (4)] في الأصل: «أهل بغداد سنة الجائزة».

[ (5)] في ص، ط: «و اجتاز في المنفذ الضيق».

[ (6)] في الأصل النفس. و التصحيح في الكامل 9/ 215.

[ (7)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

213

برجله و جعل يكرر الضرب في مقاتله و الوزير يستعطفه، و يقول له: أنا شيخ، فلم يقلع عنه و برك على صدره و جعل يكبر، و يقول بأعلى صوته: اللَّه أكبر أنا مسلم أنا موحد، هذا و أصحاب الوزير يضربونه على رأسه و ظهره بسيوفهم و يرشقونه بسهامهم، و ذلك كله لا يؤلمه، و سقط حين استرخت قوته فوجدوه لم يسقط حتى ذبحه كما يذبح الغنم، و قتل مع الوزير رجلان من أصحابه، و حملت جثة الوزير على بارية أخذت من الطريق إلى دار أخيه النصير، و حز رأس الّذي تولى قتله، و قتل الأربعة الذين تولوا قتله و حز رأس القاتل خاصة. فحمل إلى المعسكر و جي‏ء بالضارب الأول فقتل في المكان و ألقيت رممهم بدجلة، و كانت زوجة هذا الوزير قد خرجت في بكرة اليوم الّذي قتل فيه راكبة بغلة تساوي ثلاثمائة دينار بمركب لا يعرف قيمته و بين يديها خمس عشرة جنيبة بالمراكب الثقال المذهبة، و معها نحو مائة جارية مزينات بالجواهر و الذهب و تحتهن الهماليج بمراكب الذهب و الفضة و بين أيديهم الخدم و الغلمان و النفاطون بالشموع و المشاعل، فلما استقرت بالخيم المملوءة بالفرش و الأموال و الحمال جاءها خبر قتل زوجها، فرجعت مع جواريها و هن حواسر حواف، فأشبه الأمر قول أبي العتاهية.

رحن في الوشي و أصبحت‏ * * * عليهنّ المسوح‏

/ و لقول أبي العتاهية هذا قصة، و هو أن الخيزران قدمت على المهدي و هو بماسبذان في مائة قبة ملبسة وشيا و ديباجا فمات فعادت إلى بغداد و على القباب المسوح السود مغشاة بها، فقال أبو العتاهية:

رحن في الوشي و أصبحن‏ * * * عليهنّ المسوح‏

كل نطاح من الدهر * * * له يوم نطوح‏

لتموتن و لو عمرت‏ * * * ما عمر نوح‏

فعلى نفسك نح لا * * * بد إن كنت تنوح‏

[ (1)] و كان قتل السميرمي يوم الثلاثاء سلخ صفر، و كانت مدة وزارته ثلاث سنين و عشرة أشهر و عشرين يوما. [ (2)]

____________

[ (1)] في الأصل: «فعلى نفسك نح إن كنت لا بد تنوح».

[ (2)] «و كانت مدة وزارته ... و عشرين يوما»: ساقطة من ت.

214

3913- علي بن محمد بن فنين، أبو الحسن البزاز

[ (1)]:

سمع أبا بكر الخياط، و أبا الحسين بن المهتدي، و أبا الحسين، ابن المسلمة، و غيرهم [ (2)]. و حدث عنهم و قرأ بالقراءات، و كان سماعه صحيحا.

و توفي ليلة الأحد خامس ذي الحجة، و دفن بباب حرب. [ (3)]

3914- [علي بن محمد المداري أبو الحسن‏

[ (4)]:

سمع القاضي أبا يعلى و ابن المهتدي و ابن المسلمة و غيرهم. و حدّث عنهم، و قرأ بالقراءات، و كان سماعه صحيحا، و توفي ليلة الأحد خامس ذي الحجة، و دفن بباب حرب‏].

3915- القاسم بن علي بن محمد بن عثمان، [ (5)] أبو محمد البصري الحريري صاحب المقامات:

[ (6)] كان يسكن محلة بني حرام بالبصرة، ولد في حدود سنة ست و أربعين و أربعمائة، و سمع الحديث، و قرأ الأدب و اللغة، و فاق أهل زمانه بالذكاء و الفطنة و الفصاحة و حسن العبارة، و أنشأ المقامات التي من تأملها عرف قدر منشئها.

و توفي في هذه السنة بالبصرة.

____________

[ (1)] في ص: «أبو الحسن البزار».

[ (2)] في الأصل: «و أبا الحسين بن النقور، و ابن المسلمة و غيرهم».

[ (3)] في ت زيادة: «علي بن محمد المذاري، أبو الحسن: سمع القاضي أبا يعلى و ابن المهتدي، و ابن المسلمة و غيرهم، و حدّث عنهم، و قرأ بالقراءات، و كان سماعه صحيحا، و توفي ليلة الأحد خامس ذي الحجة، و دفن بباب حرب».

[ (4)] هذه الترجمة ساقطة من جميع النسخ، و أوردناها من ت.

[ (5)] في ت: «القاسم بن محمد بن علي بن عثمان».

[ (6)] انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 191، و فيه: «القاسم بن علي بن محمد بن محمد بن عثمان»، و وفيات الأعيان 1/ 419، و مفتاح السعادة 1/ 179، و طبقات السبكي 4/ 295، و خزانة البغدادي 3/ 117، و معاهد التنصيص 3/ 272، و آداب اللغة 3/ 38، و مرآة الزمان 8/ 109، و نزهة الجليس 2/ 2، و ابن الوردي 2/ 28، و دائرة المعارف الإسلامية 7/ 365، و مطالع البدور 1/ 9، و شذرات الذهب 4/ 50).

215

3916- محمد بن علي بن منصور بن عبد الملك، أبو منصور القزويني:

[ (1)] قرأ القرآن على أبي بكر الخياط و غيره، و كان يقرئ الناس، و سمع أباه، و أبا طالب بن غيلان،/ و أبا إسحاق البرمكي، و أبا الطيب الطبري، و أبا الحسن الماوردي، 90/ ب و الجوهري و غيرهم، و كان صالحا خيرا له معرفة باللغة و العربية.

و توفي في شوال هذه السنة، و دفن بمقبرة باب حرب.

***

____________

[ (1)] في ت: «ابن منصور القزويني».

216

ثم دخلت سنة سبع عشرة و خمسمائة

فمن الحوادث فيها:

أنه رحل المسترشد في المحرم، و كان إقبال الأمير الحاجب، و نظر صاحب العسكر فنزل بقرية تعرف بالحديثة من نهر ملك، فاستقبله البرسقي و جماعة من الأمراء الذين معه، و دخلوا عليه و حلفوا على المناصحة و المبالغة في الحرب، و قرأ أبو الفرج محمد بن عمر الأهوازي على المسترشد جزء الحسن بن عرفة و هو سائر، و كان قد ذكر أن جماعة من الباطنية وصلوا بغداد في زي الأتراك يقصدون الفتك، فتقدم أن يبعد كل مستعرب من الأتراك عن السرادق، و أمر بأن تحمل الأعلام الخاصة- و هي أربعة- أربعة من الخدم، و كذلك الشمسة و لا يدنو من المسترشد غير الخدم و المماليك، و سار المسترشد و عسكره يوم الأحد رابع المحرم إلى النيل، فلما تقاربوا رتب سنقر البرسقي بنفسه العسكر صفوفا، و كانوا نحو الفرسخ عرضا، و جعل بين كل صفين محالا للخيل، و وقف موكب الخليفة من ورائهم حيث يراهم و يرونه، و رتب دبيس عسكره صفا واحدا و جعل له ميمنة و ميسرة و قلبا، و جعل الرجالة بين يدي/ 91/ أ الفرسان بالتراس الكبار، و وقف في القلب من وراء الرجالة و قد منى عسكره و وعدهم نهب بغداد، فلما تراءى الجمعان بادرت رجالة دبيس فحملت و صاحوا: يا اكلة الخبز الحواري و الكعك الأبيض، اليوم نعلمكم الطعان و الضرب بالسيف، و كان دبيس قد استصحب معه البغايا و المخانيث بالملاهي و الزمور و الدفوف يحرضون العسكر و لم يسمع في عسكر الخليفة إلّا القرآن و التسبيح و التكبير و الدعاء و البكاء.

217

و في هذه الليلة اجتمع أهل بغداد على الدعاء في المساجد و ختام الختمات و الابتهال في النصر فحمل عنتر بن أبي العسكر الكردي على صف الخليفة [فتراجعوا و تأخروا، و كان الخليفة] [ (1)] و وزيره من وراء الصف خلف نهر عتيق، فلما رأى هزيمة الرجالة قال الخليفة لوزيره أحمد: يا نظام الدين ما ترى؟ قال: نصعد العتيق يا أمير المؤمنين، فصعد الخليفة و المهد و الأعلام و جرد الخليفة سيفه و سأل اللَّه تعالى النصر، و قال جماعة من عسكر دبيس: ان عنترا غدر فلم يصدق، قالوا: فلما رأوا المهد و العلم و الموكب قد صعد على العتيق تيقن غدر عنتر فحمل [زنكي مع‏] [ (2)] جماعة كانوا قد كمنوا في عسكر دبيس فكسروهم و أسروا عنتر بن أبي العسكر، و وقعت الهزيمة، و هرب دبيس و من معه من خواصه إلى الفرات، فعبر بفرسه و سلاحه و قد أدركته الخيل ففاتهم، و ذكر أن امرأة عجوزا كانت على الفرات قالت لدبيس دبير جئت فقال دبير من لم يجئ، و قتل الرجالة و أسر خلق كثير من عسكر دبيس، و كان الواحد منهم إذا قدم ليقتل قال:

فداك يا دبيس ثم يمد عنقه، و لم يقتل من عسكر الخليفة سوى عشرين فارسا، و عاد الخليفة منصورا فدخل بغداد يوم عاشوراء، و كانت غيبته من خروجه/ ستة عشر يوما، 91/ ب و لما عاد الخليفة من حرب دبيس ثار العوام ببغداد فقصدوا مشهد مقابر قريش و نهبوا ما فيه و قلعوا شبائكه و أخذوا ما فيه من الودائع و الذخائر، و جاء العلويون يشكون هذا الحال إلى الديوان فأنهى ذلك، فخرج توقيع الخليفة بعد أن أطلق في النهب بإنكار ما جرى و تقدم إلى نظر الخادم بالركوب إلى المشهد و تأديب الجناة، ففعل ذلك ورد [بعض‏] [ (3)] ما أخذ فظهر في النهب كتب فيها سب الصحابة و أشياء قبيحة.

[نقض دار علي بن أفلح‏]

و في محرم هذه السنة: نقضت دار علي بن أفلح و كان المسترشد قد أكرمه و لقبه جمال الملك [ (4)]، فظهر أنه عين لدبيس فتقدم بنقض داره فهرب، و سنذكر حاله عند وفاته في زمان المقتفي إن شاء اللَّه تعالى.

و في صفر: عزم الخليفة على عمل السور فأشير عليه بالجباية من العقار، و تقدم‏

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (2)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (3)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (4)] في ص: «و لقبه جمال الملوك».

218

من الديوان إلى ابن الرطبي فأحضر أبو الفرج قاضي باب الأزج، و أمر أن يجبي العقار لبناء السور، و ابتدئ بأصحاب الدكاكين فقلق الناس لذلك فجمع من ذلك مال كثير ثم أعيد على الناس، فكثر الدعاء للخليفة و أنفق عليه من ماله، و كان قد كتب القاضي أبو العباس ابن الرطبي إلى المسترشد قصة يقول فيها: «الخادم أدام اللَّه ظل المواقف المقدسة طالع بما يعتقد إن أداه أدى حق النعمة عليه، و إن كتمه كان مقصرا في تأدية ما يجب عليه و عالما أن اللَّه يسأله عنه، فلو فرض في وقته قضاء شخص يقول له يا أحمد بن سلامة قد خدمت العلم منذ الصبى حتى انتهيت الى سن الشيوخ، و طول العمر في خدمة العلم نعمة مقرونة بنعمة و خدمت إمام العصر خدمة زال عنها الارتياب عنده فيما تنهيه، و عرفت بحكم مخالطتك لأبناء الزمان أن الناصح قليل و المشفق نادر، [ (1)] و هو أدام اللَّه أيامه بنجوة عما تتحدث به الرعية لا تصل إليه حقائق الأحوال إلّا من جانب/ 92/ أ مخصوص، فما عذرك عند اللَّه في كتمانك و لست ممن يراد و أمثالك إلّا لقول حق و إيراد صدق لا لعمارة و لا لجمع مال، فلم يجد لنفسه جوابا يقوم عذره عنده فكيف عند اللَّه تعالى، و هذا الوقت الّذي قد تجدد فيه من يتوهم أنه على شي‏ء في خدمة و اثارة مال من جباية يغرر بنفسه مع اللَّه تعالى و بمجد مولانا و أولى الأوقات باستمالة القلوب و اذاعة الصدقات و اعمال الصالحات هذا الوقت و حق اللَّه يا مولانا ان الّذي تتحدث به الناس فيما بينهم [ (2)] من ان أحدهم كان يعود من معيشته و يأوي الى منزلة فيدعو بالنصر و الحفظ للدولة قد صاروا يجتمعون في المساجد و الأماكن شاكين مما قد التمس منهم، و يقولون كنا نسمع ان في البلد الفلاني مصادرة فنعجب و نحن الآن في كنف الإمامة المعظمة نشاهد و نرى، و الناس بين محسن الظن و مسي‏ء، و المحسن يقول: ما يجوز أن يطلع أمير المؤمنين على ما يجري فيقر عليه، و المسي‏ء الظن يقول: الفاعل لهذا أقل ان يقدم عليه إلا عن علم و رضا، و قد كاد كل ذي ولاء و شفقة يضل و يتبلد، و في يومنا هذا حضر عند الخادم شيخ فقيه يعرف بإسماعيل الأرموي و الخادم يذكر الدرس، فقال:

ليبك على الإسلام من كان باكيا

____________

[ (1)] في ص، ط: «الناصح قليل و الشفق فأكثر».

[ (2)] في ص، ط: «الّذي تتحدث به العوام».

219

و حكى أن له دويرات بالجعفرية أجرتها دينار قد طولب بسبعة دنانير، فيا مولانا اللَّه اللَّه في الدين و الدولة اللذين بهما الاعتصام، فما هذا الأمر مما يهمل، و كيف يجوز أن يشاع عنا هذا الفعل الّذي لا مساغ له في الشرع و يجعل الخلق شهودا و ما يخلو في أعداء الدولة من يكون له مكاتب و مخبر يرفع هذا اليهم، فما يبلع الأعداء في القدح/ إلى مثل هذا و ما المال و لما ذا يراد إلا لانجاد الأنصار و الأولياء، و هل تنصرف الحقوق 92/ ب المشروعة إلّا في مثل هذا، و ليس إلا عزمة من العزمات الشريفة يصلح بها ضمائر الناس و يؤمر بإعادة ما أخذ من الضعفاء، و إن كان ما أخذ من الأغنياء باقيا أعيد، و إن مست حاجة إليه عوملوا فيه، و كتب قرضا على الخزائن المعمورة و جعل ذلك مضاهيا لما جرت به العوائد الشريفة عند النهضات التي سبقت و اقترن بها النظر في تقديم الصدقات، و ختام الختمات و الخادم و ان أطال فإنه يعد ما ذكره ذمرا بالعرض لكثرة ما على قلبه منه و الأمر أعلى».

و كان الابتداء بعمارة السور يوم السبت النصف من صفر، و كان كل أسبوع تعمل أهل محلة و يخرجون بالطبول و الجنكات [ (1)]، و عزم الخليفة على ختان أولاده و أولاد إخوته، و كانوا اثني عشر، فأذن للناس أن يعلقوا ببغداد فعلقت، و عمل الناس القباب، و عملت خاتون قبة بباب النوبي، و علقت عليها من الثياب الديباج و الجواهر ما ادهش الناس، و عملت قبة في درب الدواب على باب السيد العلويّ، و عليها غرائب الحلي و الحلل [ (2)] و نصب عليها ستران من الديباج الرومي، و مقدار كل واحد منهما عشرين ذراعا في عشرين، و على أحدهما اسم المتقي للَّه، و على الآخر المعتز باللَّه، و أظهر الناس مخبئاتهم من الثياب و الجوهر سبعة أيام بلياليهن.

ثم وصل الخبر بأن دبيسا حين هرب مضى إلى غزية، فأضافوه و سألهم أن يحالفوه، فقالوا: ما يمكننا معاداة الملوك و نحن بطريق مكة و أنت بعيد النسب منا و بنو المنتفق أقرب إليك نسبا، فمضى إليهم و حالفوه و قصد البصرة في ربيع الأول و كبس‏

____________

[ (1)] في الأصل: «و يخرجون بالطبول و الحكايات».

[ (2)] في ص، ط: «و عليها غرائب منحوتة و الحلل».

220

مشهد طلحة و الزبير فنهب ما هناك، [ (1)] و قتل خلقا كثيرا، و عزم على قطع النخل فصانعه 93/ أ أصحابها/ عن كل رأس شيئا معلوما.

و وصل الخبر أن السلطان محمود قبض على وزيره شمس الدين عثمان بن نظام الملك، و تركه في القلعة لأن سنجر كان أمره بابعاده فحبسه، فقال أبو نصر المستوفي للسلطان: متى مضى هذا إلى سنجر لم نأمنه و الصواب قتله هاهنا و إنفاذ رأسه، فبعث السلطان من ذبحه، و أرسل السلطان [ (2)] محمود إلى الخليفة ليعزل أخا عثمان، و هو أحمد بن نظام الملك، فبلغ ذلك أحمد فانقطع في داره و بعث إلى الخليفة يسأله أن يعفى من الحضور بالديوان لئلا يعزل من هناك، فأجابه و لم يؤذ بشي‏ء.

و ناب أبو القاسم ابن طراد في الوزارة ثم بعث إلى عميد الدولة ابن صدقة و هو بالحديثة فاستحضر فأقام بالحريم الطاهري أياما، ثم نفذ له الزبزب و جميع أرباب الدولة و مع سديد الدولة خط الخليفة، فقرأه عليه و هو: «أجب يا جلال الدين داعي التوفيق مع من حضر من الأصحاب لتعود في هذه الساعة إلى مستقر عزك مكرما»، فأقبل معهم من الحريم الطاهري، و جلس في الوزارة يوم الاثنين سادس ربيع الآخر.

و في جمادى الآخرة: وصل ابن الباقرحي [ (3)] و معه كتب من سنجر و محمود بتسليم النظامية إليه ليدرس فيها، فمنعه الفقهاء فألزمهم الديوان متابعته.

و في آخر شعبان: وصل أسعد الميهني بأخذ المدرسة و النظر فيها، و في نواحيها، و إزالة ابن الباقرحي عنها، ففعل و اتفق الميهني و الوزير أحمد بن النظام على أن دخل المدرسة قليل لا يمكن إجراء الأمر على النظام المتقدم، و أنهم يقنعون ببعض المتفقهة 93/ ب و يقطعون/ من بقي، فاختل بذلك أمر المدرس فدرس يوما واحدا، و امتنع الفقهاء من الحضور، و ترك التدريس ثم مضى الى المعسكر ليصلح حاله فأقام خواجا أحمد أبا الفتح بن برهان ليدرس نائبا إلى أن يأتي أسعد الميهني، فألقى الدرس يوما، فأحضره الوزير ابن صدقة، و أسمعه المكروه، و قال: كيف أقدمت على مكان قد رتب فيه‏

____________

[ (1)] في الأصل: «في ربيع الأول و قصد مشهد طلحة فكبسه فنهب ما هناك».

[ (2)] «من ذبحه و أرسل السلطان»: ساقطة من ص، ط.

[ (3)] في الأصل: «وصل ابن الباخرزي».

221

مدرس؟ ثم ألزمه بيته و تقدم إلى قاضي القضاة فصرفه عن الشهادة، و أمر أبا منصور ابن الرزاز بالنيابة في المدرسة.

و اشتد الغلاء فبلغت كارة الدقيق الخشكار ستة دنانير و نصف.

*** ذكر من توفي هذه السنة من الأكابر

3917- أحمد بن عبد الجبار بن أحمد، أبو سعد الصيرفي أخو أبي [ (1)] الحسين:

سمع من جماعة و لا نعرف فيه إلّا الخير، توفي في هذه السنة.

3918- عبيد اللَّه بن أحمد بن الحسن بن أحمد بن الحسن بن أحمد بن محمد بن مهرة، أبو نعيم بن مهرة، أبو نعيم بن أبي علي [ (2)] الحداد.

ولد سنة ثلاث و ستين و أربعمائة، و سمع بنيسابور و بهراة و بأصبهان و بغداد و غيرها الكثير، و رحل في الطلب، و عني بالجمع للحديث، و قرأ الأدب، و حصل من الكتب ما لم يحصله غيره، و كان أديبا حميد الطريقة غزير الدمعة.

3919- عيسى بن إسماعيل بن عيسى بن إسماعيل، أبو زيد العلويّ:

[ (3)] من أولاد الحسن بن علي بن أبي طالب من أهل أبهر، بلد عند زنجان، رحل إلى البلاد و سمع الحديث من جماعة، و كان يميل إلى طريقة التصوف و يغلب في السماع و الوجد على زعمه، توفي في شوال هذه السنة، و صلي عليه بباب الطاق، و دفن في قبر قد حفره لنفسه/ في حياته.

94/ أ

3920- عثمان بن نظام الملك‏

[ (4)]:

وزير السلطان محمود، كان قد طلبه سنجر فقبض عليه السلطان و حبسه، فقال أبو

____________

[ (1)] انظر ترجمته في: (تذكرة الحفاظ 1265، و شذرات الذهب 4/ 53).

[ (2)] في ت: «عبد اللَّه بن الحسن»، و في ص، ط: «عبيد اللَّه بن الحسن».

و انظر ترجمته في: (شذرات الذهب 4/ 56، و الكامل 9/ 225).

[ (3)] انظر ترجمته في: (تذكرة الحفاظ 1265، و فيه: «أبو نعيم عبيد اللَّه بن الشيخ أبى علي الحسن بن أحمد بن الحسن الأصبهاني»).

[ (4)] انظر ترجمته في: (الكامل 9/ 223).

222

نصر المستوفي: متى مضى هذا إلى سنجر لم تأمنه و الصواب قتله و إنفاذ رأسه، فبعث السلطان إليه عنتر الخادم، فلما أتاه و عرفه ما جاء فيه قال: أمهلني حتى أصلي ركعتين، فقام و اغتسل و صلى ركعتين و صبر لقضاء اللَّه، و أخذ السيف من السياف فنظر فيه ثم قال: سيفي أمضى من هذا فاضرب به و لا تعذبني، فقتله بسيفه و بعث برأسه، فلما كان بعد قليل فعل بأبي نصر المستوفي مثل ذلك.

3921- عثمان بن علي بن المعمر بن أبي عمامة البقال، أبو المعالي أخو أبي سعد [ (1)] الواعظ.

سمع من ابن غيلان و غيره، و قال شيخنا عبد الوهاب: جهدنا به أن نقرأ عليه فأبى، و قال: اشهدوا أني كذاب، و كان شاعرا خبيث اللسان، و يقال: إنه كان قليل الدين يخل بالصلوات. مات في ربيع الآخر من هذه السنة.

3922- محمد بن أحمد بن محمد بن المهتدي، أبو الغنائم الخطيب العدل:

[ (2)] سمع القزويني، و البرمكي، و الجوهري، و التنوخي، و العشاري، و الطبري، و غيرهم، و كان شيخا ذا هيئة جميلة و صلاح ظاهر، و سماعه صحيح، و كان شيخنا عبد الوهاب يثني عليه و يصفه بالصدق و الصلاح، و عاش مائة و ثلاثين سنة و كسرا، ممتعا بجميع جوارحه [ (3)]، و كتب المستظهر في حقه هو شيخ الأسرة.

94/ ب توفي يوم الأحد ثاني عشر ربيع الأول، و دفن بباب/ حرب قريبا من بشر الحافي.

3923- محمد بن أحمد بن عمر القزاز، أبو غالب الحريري يعرف بابن الطيوري:

[ (4)] أخو أبي القاسم شيخنا، و خال شيخنا عبد الوهاب الأنماطي سمع أبا الحسن زوج الحرة، و العشاري، و أبا الطيب الطبري، حدث و كان سماعه صحيحا، و كان خيرا صالحا، روى عنه شيخنا عبد الوهاب.

توفي ليلة الجمعة سابع عشر صفر، و دفن بباب حرب عند أبيه.

____________

[ (1)] في ص: «أخو أبي سعيد».

[ (2)] انظر ترجمته في: (شذرات الذهب 4/ 57، و فيه: «محمد بن محمد بن أحمد»).

[ (3)] في ت: «و عاش بضعا و ثمانين سنة ممتعا بجميع جوارحه».

[ (4)] في ت: «بعرف بابن الطبري».

223

3924- محمد بن علي بن محمد، أبو جعفر:

من أهل همذان، يلقب بمقدم الحاج، حج كثيرا، و كان يقرأ القرآن بصوت طيب و يختم في مسجد سيدنا رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم [ختمة] [ (1)] في كل سنة في ليلة واحدة قائما في الروضة، و سمع الحديث.

و توفي في محرم هذه السنة بهمذان و هو ابن ست و ستين سنة.

3925- محمد بن مرزوق بن عبد الرزاق بن محمد، أبو الحسن الزعفرانيّ الجلّاب.

[ (2)].

ولد سنة اثنتين و أربعين و أربعمائة، و سمع القاضي أبا يعلى، و أبا الحسين ابن المهتدي، و ابن المسلمة، و الصريفيني و غيرهم، و تفقه على أبي إسحاق، و رحل في طلب العلم و الحديث، و سمع بالبصرة و خوزستان و أصبهان و الشام و مصر، و كان سماعه صحيحا، و كان ثقة له فهم جيد، و كتب تصانيف الخطيب و سمعها منه.

و توفي يوم الأربعاء تاسع عشرين صفر، و دفن بالوردية.

3926- المبارك بن محمد بن الحسن، أبو العز الواسطي:

سمع و حدث و وعظ، إلّا أنه كان يحكى عنه تخليط في وعظه و تفسيره للقرآن، توفي في رجب هذه السنة، رحمه اللَّه و إيانا و سائر المسلمين [ (3)].

***

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (2)] الجلاب: نسبة لمن يجلب الرقيق و الدواب من موضع إلى موضع.

و انظر ترجمته في: (تذكرة الحفاظ 1265، و شذرات الذهب 4/ 57).

[ (3)] «رحمه اللَّه و إيانا و سائر المسلمين»: ساقطة من ص، ت، ط.

224

95/ أ/

ثم دخلت سنة ثماني عشرة و خمسمائة

فمن الحوادث فيها:

[ورود الأخبار بظهور الباطنية بآمد]

أنه وردت الأخبار [ (1)] بأن الباطنية ظهروا بآمد و كثروا فنفر عليهم أهل البلد، فقتلوا منهم سبعمائة رجل.

وردت شحنكية بغداد إلى سعد الدولة برنقش الزكوي، و تقدم إلى البرسقي بالعود إلى الموصل، و سلم منصور بن صدقة إلى سعد الدولة ليوصله إلى دار الخلافة [ (2)]، [فوصل سعد الدولة و سلم منصور إلى دار الخلافة] [ (3)]، و وصل الخبر بوصول دبيس ملتجئا إلى الملك طغرل بن محمد بن ملك شاه، و أنهما على قصد بغداد، فتقدم الخليفة إلى ابن صدقة بالتأهب لمحاربتهما و جمع الجيوش، و تقدم إلى برنقش الزكوي بالتأهب أيضا، و استجاش الأجناد من كل جانب، فلم يزالوا يتأهبون إلى أن خرجت هذه السنة.

و في ربيع الأول: وقع جرف و أمراض و عمت من بغداد إلى البصرة.

[تكامل عمارة المثمنة]

و في جمادى الأولى: تكاملت عمارة المثمنة، و شرع المسترشد في أخذ الدور المشرفة على دجلة إلى مقابل مشرعة الرباط ليبني ذلك كله مسناة واحدة، و نقض الدار التي بنى في المشرعة، و ذكر أن المسترشد تزوج ببنت سنجر، و أنه يريد أن يبني هذا المكان.

____________

[ (1)] في ص، ط: «سعد الدولة ليسلمه إلى دار الخلافة».

[ (2)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (3)] في الأصل: «أن المسترشد يتزوج ببنت سنجر».

225

و في رجب: تقدم إلى نظر و ابن الأنباري، فمضيا إلى سنجر لاستحضار ابنته زوجة المسترشد، و كان المتولي للعقد و الخطاب/ في ذلك القاضي الهروي. 95/ ب و في شعبان: وصلت كتب إلى الديوان، بأن قافلة واردة من دمشق فيها باطنية قد انتدبوا لقتل أعيان الدولة مثل الوزير، و نظر فقبض على جماعة منهم و صلب بعضهم في البلد، اثنان عند عقد المأمونية و اثنان بسوق الثلاثاء و واحد بعقد الجديد، و غرق جماعة، و نودي أي متشبه من الشاميين وجد ببغداد أخذ و قتل و أخذ في الجملة ابن أيوب قاضي عكبرا، و نهبت داره، و قيل انه وجد عنده مدارج من كتب الباطنية، و أخذ آخر كان يعينهم بالمال، و أخذ رجل من الكرخ.

و في شوال: قبض على ناصح الدولة أبي عبد اللَّه بن جهير أستاذ الدار، و قبض ماله و وكل به داره، و ذكر أنه قرر عليه أربعون ألف دينار.

*** ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

3927- أحمد بن محمد بن أحمد بن سلم، أبو العباس بن أبي الفتوح الخراساني.

من أهل أصبهان، سمع بها من أبي عثمان سعيد بن أبي سعيد العيار الصوفي [ (1)]، و أبي عمر عبد الوهاب بن أبي عبد اللَّه بن مندة، و بمكة من سعد الزنجاني و غيره، و حج خمس حجات و جاور بمكة سنين، و كان واعظا متصوفا، و وعظ ببغداد فنفق عليهم.

و توفي بأصبهان في ربيع الآخر من هذه السنة، و كانت ولادته سنة ست و أربعين.

3928- أحمد بن علي بن تركان، أبو الفتح، و يعرف بابن [ (2)] الحمامي:

لأن أباه كان حماميا، و كان على مذهب أحمد بن حنبل، و صحب أبا الوفاء ابن 96/ أ عقيل، و كان بارعا في الفقه و أصوله، شديد الذكاء و الفطنة، فنقم عليه أصحابنا أشياء لم‏

____________

[ (1)] في ص: «ابن سعيد القزاز الصوفي».

[ (2)] في ت: «و يعرف بالحمامي».

و انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 194، و الكامل 9/ 231، و فيه: «أحمد بن علي بن برهان ...»).

226

تحتملها أخلاقهم الخشنة فانتقل و تفقه على الشاشي و الغزالي، و وجد أصحاب الشافعيّ على أوفى ما يريده من الإكرام، ثم ترقى و جعلوه مدرسا للنظامية فوليها نحو شهر، و شهد عند الزينبي.

و توفي يوم الأربعاء سابع عشر جمادى الأولى، و دفن بباب أبرز.

3929- إبراهيم بن سمقايا، أبو إسحاق الزاهد:

كان من أعيان الصالحين، توفي في ربيع الأول من هذه السنة [ (1)].

3930- عبد اللَّه بن محمد [ (2)] بن علي بن محمد، أبو جعفر الدّامغانيّ:

[ (3)] سمع الصريفيني، و ابن المسلمة، و ابن النقور، و شهد عند أبيه قاضي القضاة أبي عبد اللَّه و [جعل قاضيا على ربع الكرخ من قبل أخيه قاضي القضاة] [ (4)] أبي الحسن، ثم ترك ذلك و خلع الطيلسان و ولي حجابة باب النوبي ثم عزل، و كان دمث الأخلاق عتيدا بالرياسة [ (5)].

و توفي ليلة الثلاثاء ثاني جمادى الأولى، و دفن بالشونيزية عند قبر ابن أخيه أبي الفتح السامري.

3931- عبيد اللَّه بن عبد الملك بن أحمد الشهرزوريّ، أبو غالب البقال المقرئ:

[ (6)] سمع من ابن المذهب، و الجوهري و غيرهما، و حدث، و سماعه صحيح، و كان شيخا فيه سلامة.

3932- قاسم بن أبى هاشم:

أمير مكة، توفي في العشر الأوسط من صفر، و خلفه ابنه أبو فليتة فأحسن السياسة، [ (7)] و أسقط المكس.

____________

[ (1)] في ص: «توفي في هذه السنة».

[ (2)] في الأصل: «عبيد اللَّه بن محمد».

[ (3)] في الدامغانيّ: بلدة من بلاد قومس.

[ (4)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (5)] في الأصل: «و كان دمث الأخلاق عبقا بالرياسة».

[ (6)] في ت: «ابن أحمد السهرودي».

[ (7)] في الأصل: «فأحسن النيابة».

227

3933- محمد بن علي بن سعدون، أبو ياسر:

[ (1)] سمع ابن المسلمة، و أبا القاسم الدجاجيّ، [ (2)] و حدث، و توفي بالمارستان.

3934- محمد بن الحسن بن كردي، أبو السعادات المعدل، ثم/ القاضي ببعقوبا.

96/ ب سمع ابن المسلمة، و الصريفيني، و حدث، و شهد عند القاضي أبي عبد اللَّه الدامغانيّ، و كان كثير الصدقة مشهودا له بالخير، و بلغ ثمانين سنة.

و توفي ليلة السبت غرة رمضان، و دفن بباب حرب.

3935- المبارك بن جعفر بن مسلم، أبو الكرم الهاشمي:

سمع الحديث الكثير من أبي محمد التميمي، و طراد و غيرهما، و كتب الكثير، و تفقه على أبي القاسم يوسف بن محمد الزنجاني، و على شيخنا أبي الحسن الزاغوني، و كان صالحا خيرا، و هو أول من لقنني القرآن و أنا طفل.

و توفي في ذي الحجة من هذه السنة عن أربعين سنة، و دفن بباب حرب.

***

____________

[ (1)] في ص: «محمد بن علي بن سعد».

[ (2)] في الأصل، ص: «و أبا الغنائم الدجاجيّ».

228

ثم دخلت سنة تسع عشرة و خمسمائة

فمن الحوادث فيها:

أنه لما التجأ دبيس بن صدقة إلى الملك طغرل بن محمد بن ملك شاه و حسن له أن يطلب السلطنة و الخطبة، و قصد بغداد، و تقدم الخليفة بالاستعداد لمحاربتهما، و أمر بفتح باب من ميدان خالص في سور الدار مقابل الحلبة، و سماه باب النصر، و جعل عليه بابا من حديد، و برز في يوم الجمعة خامس صفر و خرج سحرة يوم الاثنين ثامن صفر من باب النصر بالسواد و عليه البردة و بيده القضيب و عليه الطرحة و الشمسة على رأسه، و بين يديه أبو علي بن صدقة وزيره و نقيب النقباء أبو القاسم، و قاضي القضاة و إقبال الخادم، و أرباب الدولة يمشون في ركابه إلى أن وصلوا باب الحلبة، ثم ركب 97/ أ الجماعة إلى أن وصلوا إلى صحن الشماسية،/ فلما قربوا من السرادق ترجلوا كلهم و مشوا بين يديه إلى السرادق، و رحل يوم التاسع من صفر فنزل بالخالص و نزل طغرل و دبيس براذان، فلما عرفا خروج الخليفة عدلا عن طريق خراسان و نزلا برباط جلولاء، فخرج الوزير أبو علي بن صدقة في عسكر كثير إلى الدسكرة، و توجه الملك طغرل إلى الهارونية و رحل الخليفة فنزل الدسكرة فدبر الملك و دبيس أن يعبرا ديالى و تامرا و يكبسوا بغداد ليلا و يقطعوا الجسر بالنهروان و يحفظ دبيس المعابر و يشتغل طغرل بنهب بغداد، فعبرا تامرا فنزل طغرل بين ديالى و تامرا و عبر دبيس ديالى على أن يتبعه الملك، فمرض الملك تلك الليلة و توالى مجي‏ء المطر و زاد الماء في ديالى و الخليفة نازل بالدسكرة لا يعلم بمكر دبيس فقصد دبيس مشرعة النهروان في مائتي فارس جريدة، فنزل هناك و قد

229

تعب، و جاء المطر عليهم طول ليلتهم و ليس معهم خيمة و لا زاد و لا عليف، فوصلت جمال قد نفذت من بغداد إلى الخليفة عليها الزاد و الثياب فأخذها دبيس ففرقها على عسكره، فاكتسوا و شبعوا و غنموا.

و بلغ الخبر إلى بغداد بمجي‏ء دبيس فانزعج الناس و دخلوا تحت السلاح، و التجأ النساء و المشايخ إلى المساجد و أعلنوا بالدعاء و الاستغاثة إلى اللَّه تعالى، و تأدى الخبر إلى الخليفة و أرجف في عسكره بأن دبيسا قد دخل بغداد و ملكها، فرحل مجدا إلى النهروان، فلم يشعر دبيس إلّا برايات الخليفة قد طلعت، فلما رآها قبل الأرض في مكانه، و قال: أنا العبد المطرود ما إن يعفى عن العبد المذنب فلم يجبه أحد، فعاود القول و التضرع، فرق له الخليفة، و هم بالعفو عنه أو مصالحته [ (1)] فصرفه الوزير ابن صدقة [ (2)] عن هذا الرأي، و بعث الخليفة نظر الخادم إلى بغداد/ بتطييب قلوب الناس 97/ ب و نادى في البلد بخروج العسكر بطلب دبيس و الإسراع مع الوزير أبي علي بن صدقة، و دخل الخليفة داره، و كانت غيبته خمسة و عشرين يوما، و مضى دبيس و الملك إلى سنجر فاستجارا به هذا من أخيه، و هذا من أخيه، و هذا من أمير المؤمنين فأجارهما و لبسا عليه، فقالا:

قد طردنا الخليفة، و قال: هذه البلاد لي، فقبض سنجر على دبيس و اعتقله في قلعة يتقرب بذلك الى المسترشد، و خرج سعد الدولة برنقش الزكوي في تاسع رجب إلى السلطان، و اجتمع به خاليا، و أكثر الشكوى من الخليفة، و حقق في نفسه أن الخليفة يطلب الملك، و أنه خرج من داره مرتين [ (3)]، و كسر من قصده و إن لم يدبر الأمر في حسم ذلك اتسع الخرق و صعب الأمر، و سيتضح لك حقيقة ذلك إذا أردت دخول بغداد و الّذي يحمله على ذلك وزيره أبو علي بن صدقة، و قد كاتب أمراء الأطراف و جميع العرب و الأكراد فحصل في نفس السلطان من ذلك ما دعاه إلى دخول بغداد.

و في هذه الأيام دخل أبو العباس ابن الرطبي يعلم الأمراء بدار الخليفة.

***

____________

[ (1)] في الأصل: «و هم بالعفو عنه و مصالحته».

[ (2)] في الأصل: «فصرفه الوزير أبو علي».

[ (3)] في ص، ط: «و أنه خرج من داره نوبتين».

230

ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

3936- آقسنقر البرسقي:

[ (1)] صاحب الموصل، قتله الباطنية في مقصورة الجامع.

3937- هلال بن عبد الرحمن بن سريج بن عمر بن أحمد بن محمد بن إبراهيم بن سليمان بن بلال بن رباح مؤذن النبي صلى اللَّه عليه و سلم، كنيته أبو سعيد

[ (2)]:

جال في بلاد الجبل و خراسان، و وصل إلى سمرقند، و جال في ما وراء النهر، و دخل بغداد، و كان شيخا جهوريّ الصوت [ (3)] بالقرآن، حسن النغمة.

و توفي في هذه السنة بسمرقند.

3938- هبة اللَّه بن محمد بن علي، أبو البركات ابن البخاري:

[ (4)] 98/ أ ولد سنة أربع و ثلاثين،/ و سمع من ابن غيلان، و ابن المذهب، و الجوهري، و العشاري، و التنوخي، و حدث عنهم، و كان سماعه صحيحا، و شهد عند أبي الحسن الدامغانيّ.

و توفي في يوم الإثنين ثاني عشرين رجب، و دفن بمقبرة باب حرب.

***

____________

[ (1)] انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 195، و فيه: «آقسنقر البرشقي»، و الكامل 9/ 36، و ذكر وفاته سنة 520).

[ (2)] انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 195، و فيه: «بلال بن عبد الرحمن»، و الكامل 9/ 234).

[ (3)] في الأصل: «و كان شيخا جوهري الصوت».

[ (4)] انظر ترجمته في: (شذرات الذهب 4/ 60).

231

ثم دخلت سنة عشرين و خمسمائة

فمن الحوادث فيها:

انه لما قاتل المسترشد طغرل بن محمد فرح بذلك محمود و كاتب الخليفة، فقال: قد علمت ما فعلت لأجلي و انا خادمك و صائر إليك و تراسلا بالأيمان و العهود على انهما يتفقان على سنجر، و يمضيان إلى قتاله، و يكون محمود في السلطنة وحده فلما علم سنجر، بذلك بعث الى محمود، يقول له: أنت يميني و الخليفة قد عزم على أن يمكر بي و بك، فإذا اتفقتما علي فرغ مني و عاد إليك فلا تلتفت إليه و أنت تعلم أنه ليس لي ولد و ذكر، و إنك ضربت معي مصافا، و ظفرت بك، فلم أسئ إليك، و قتلت من كان سببا لقتالنا، و أعدتك إلى السلطنة، و جعلتك ولي عهدي، و زوجتك ابنتي، فلما مضت إلى اللَّه تعالى زوّجتك الأخرى، و رأيي فيك رأي الوالد فاللَّه اللَّه أن تعول على ما قال لك، و يجب بعد هذا أن تمضي إلى بغداد و معك العساكر فتقبض على وزير الخليفة ابن صدقة و تقتل الأكراد الذين قد دونهم و تأخذ النزل الّذي قد عمله و جميع آلة السفر، و تقول: أنا سيفك و خادمك و أنت تعود إلى دارك على ما جرت به عادة آبائك، و أنا لا أحوجك إلى تعسف فإن فعل و إلّا أخذته بالشدة و إلّا لم يبق لك و لا لي معه حكم، و نفذ إليه رجلا، و قال: هذا يكون وزيرك، فلما وصل الرجل و الرسالة انثنى عزمه عما كان عول عليه و التفت إلى قول عمه، و كتب صاحب الخبر إلى الخليفة/ بذلك فنفذ الخليفة 98/ ب إليه سديد الدولة ابن الأنباري يقول له: تقنع أن تتأخر في هذه السنة عن بغداد لقلة الميرة و الناس في عقب الغلاء، فقال: لا بد لي من المجي‏ء، و اتفق أنه خرج شحنة بغداد

232

برنقش الخادم إلى السلطان محمود يشكو من استيلاء الخليفة على ما ذكرنا في السنة قبلها فأوغر صدره على دخول بغداد و حقق في نفسه أن الخليفة مع خروجه و مباشرته الحرب بنفسه لا يقعد و لا يمكن أحدا من دخول بغداد من أصحاب السلطان من شحنة و عميد، فتوجه السلطان إلى بغداد، فلما سمع الخليفة نفذ إليه رسولا و كتابا إلى وزيره يأمر برد السلطان عن التوجه، فأبى و أجاب بجواب ثقل سماعه على الخليفة، فشرع الخليفة في عمل المضارب و اعتداد السلاح و جمع العساكر، و نودي ببغداد يوم السبت عاشر ذي القعدة بعبور الناس إلى الجانب الغربي، و تقدم بإخراج سرادقه إلى ظاهر الحلبة [ (1)]، و انزعج الناس و عبروا إلى الجانب الغربي فكثر الزحام على المعابر و السفن، و بلغ أجرة الدار بالجانب الغربي ستة دنانير و خمسة، و تأذوا غاية التأذي [ (2)]، فلما اطمأن الناس و سكنوا بدار الخليفة من القتال، و قال: أخلي البلد عليه [ (3)]، و أخرج و أحقن دماء المسلمين، فنودي بالعبور إلى الجانب الشرقي فعبروا و حمل سرادق الخليفة إلى الجانب الغربي، فضرب تحت الرقة.

و تواتر مجي‏ء الأمطار و دام الرعد و البرق ثلاثة أيام، و كادت الدور تغرق، و انهدم بعضها و عبرت الرايات و الأعلام.

ثم خرج المسترشد من داره رابع عشرين ذي القعدة من باب الغربة و عبر في 99/ أ الزبزب، و صعد إلى مضاربه، فلما عرف السلطان ذلك بعث برنقش الزكوي،/ و أسعد الطغرائي فدخلا بغداد و مضيا إلى السرادق فجلسا على بابه زمانا إلى أن أذن لهما، و قد جلس لهما الخليفة على سريره فقبلا الأرض، و أديا رسالة السلطان و امتعاضه من انزعاج أمير المؤمنين، ثم خشنا في آخر الرسالة، و قال الخليفة: أنا أقول له يجب أن تتأخر في هذه السنة عن العراق فلا تقبل ما بيني و بينك إلّا السيف، ثم قال لبرنقش: أنت كنت السبب في مجيئه، و أنت فسدت قلبه، ثم هم بقتله فمنعه الوزير و قال: هو رسول، و كتب الجواب و بعثه معهما فخرجا إلى السلطان و هو بقر ميسين، و قد توجه إلى المرج‏

____________

[ (1)] في الأصل: «بإخراج سرادقه إلى دار الحلبة».

[ (2)] في الأصل: «و تأذوا غاية الأذية».

[ (3)] في الأصل: «و قال: أخلى الدار عليه».

233

فأوصلا الكتاب إليه و عرفا الجواب، و أخبراه بما شاهداه من خروج الخليفة عن داره و كونه في مضاربه بالجانب الغربي، فامتلأ غيظا و استشاط، و أمر بالرحيل إلى بغداد.

و في عاشر ذي الحجة: و هو يوم النحر أمر أمير المؤمنين بنصب خيمة كبيرة و بين يديها خيمة أخرى و مد شقتين من شقاق السرادق من غير دهليز، [ (1)] و نصبوا في صدر الخيمة منبرا عاليا، و حضر خواص الخليفة و وزيره و النقباء و أرباب المناصب و الأشراف و الهاشميون و الطالبيون، و خلق من الوجوه، و أقبل الخليفة و معه ولده الراشد و هو ولي عهده، فوقف إلى جانب المنبر، و صلى بالناس صلاة العيد، و كان المكبرون خطباء الجوامع ابن الغريق و ابن المهتدي و ابن التريكي و غيرهم، فلما فرغ من الصلاة صعد المنبر، و وقف ولي العهد دونه بيده سيف مشهور فابتدأ فقال: «اللَّه أكبر ما سحت الأنواء، و أشرق الضياء، و طلعت ذكاء، و علت على الأرض السماء، اللَّه أكبر ما همع سحاب، و لمع سراب، و أنجح طلاب و سر قادم باياب، اللَّه أكبر/ ما نبت نجم و أزهر، 99/ ب و أينع غصن، و أثمر، و طلع فجر و أسفر و أضاء هلال و أقمر، سبحان الّذي جل عن الأشباه و النظير، و عجز عن تكييف ذاته الفكر و الضمير لا تدركه الأبصار و هو يدرك الأبصار، و هو اللطيف الخبير، الحمد للَّه ناصر أوليائه و خاذل أعدائه الّذي لا يخلو من علمه مكان و لا يشغله شأن عن شأن، أحمده على تزايد نعمه، و أسأله الزيادة من بره و كرمه، و أشهد أن لا إله إلّا اللَّه وحده لا شريك له، شهادة أجعلها لنفسي الوقاء، و أعدها ذخرا ليوم اللقاء، و أشهد أن محمدا عبده و رسوله بعثه و الكفر ممتد الرواق و قد ضرب بجرانه في الآفاق، فشمر فيه عن ساق و قوم أهل الزيغ و النفاق، صلى اللَّه عليه و على آله الأخيار و أهل بيته الأطهار، و على عمه و صنو أبيه العباس ذي الشرف الشامخ و المجد الباذخ جد أمير المؤمنين أبي الخلفاء الراشدين، و على أزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين و سلم، صلاة يزكيهم بها يوم الدين، و تجعلهم في جواره أعلى عليين.

عباد اللَّه قد وضح السبيل لطالبيه و نطق الدليل للراغب فيه و استظهر الحق لظهور معانيه، فما للنفوس راغبة عن رشادها مشمرة عن فسادها مفرطة في إصدارها و إيرادها،

____________

[ (1)] في الأصل: «شقاق السرادق من غير دهليز».

234

جاهلة بمعادها أو هي عصية [ (1)] عن استعدادها، هيهات هيهات كم اخترمت المنية قبلكم، و ساقت إلى الأرماس من كان أشد منكم و مثلكم، سلبتهم أرواحهم و قطعتهم افراحهم و لم تخف جيوشهم و لا سلاحهم طالما أفنت أمما و استزلت قدما، و أمطرت 100/ أ عليهم من الفناء ديما، و رمتهم من البلاء أسهما/ و حرمتهم من الآمال مغنما، و حملتهم من الأثقال مغرما، [ (2)] و لم تراع فيهم محرما ذلوا بعد أن عزوا في دنياهم، و سادوا و جروا الجيوش إلى الأعداء و قادوا فعاد مطلقهم مأسورا و قائدهم بالشقاوة مقهورا، [ (3)] قد عدموا نورا و سرورا فيا أسفا لهم ضيعوا زمنا و ما اكتسبوا حسنا، كيف بهم إذا نشرت الأمم و أعيدت إلى الحياة الرمم، و نزل بذي الذنوب الألم، و ظهر من أهل التقصير الأسف و الندم، ذلك يوم لا يرحم فيه من شكا، و لا يعذر من بكى، و لا يجد الظالم لنفسه مسلكا، يوم يشتد فيه الفراق و يتزايد فيه القلق، و تثقل على أهلها الأوزار، و تلفح وجوه العصاة النار، و تذهل المرضعات، و تعظم التبعات، و تظهر الآيات، و تكاشف البليات، و لا يقال فيه من ندم، و لا ينجو من عذاب اللَّه إلّا من رحم، و اعلموا عباد اللَّه أن يومكم هذا يوم شرفه اللَّه بتشريفه القديم، و ابتلى فيه خليله إبراهيم بذبح ولده إسماعيل، [و فداه بذبح عظيم‏] [ (4)]، و سن فيه النحر و جعله شعارا للسنة إلى آخر الدهر: «لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَ لا دِماؤُها وَ لكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى‏ مِنْكُمْ كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى‏ ما هَداكُمْ وَ بَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ» [ (5)] البدنة عن سبعة، و البقرة عن سبعة، و الجذع من الضأن، و الثني من المعز عن واحد «فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنْها وَ أَطْعِمُوا الْقانِعَ وَ الْمُعْتَرَّ كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» [ (6)].

ثم جلس بين الخطبتين، ثم قام إلى الثانية فحمد اللَّه و كبر، و صلى [ (7)] على النبي صلى اللَّه عليه و آله‏

____________

[ (1)] في ص، ط: «بمعادها أو هي عفية».

[ (2)] في ص، ط: «و حملتهم من الأنفال مغرما».

[ (3)] في ط: «و قائدهم بالشقاوة مشهورا».

[ (4)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (5)] سورة: الحج، الآية: 37.

[ (6)] سورة: الحج، الآية: 36.

[ (7)] في الأصل: فحمد اللَّه و كبر بين الخطبتين».

235

يمينا و شمالا ثم قال: اللَّهمّ أصلحني و أصلح لي ذريتي و أعني على ما وليتني و أوزعني شكر نعمتك، و وفقني لما أهلتني له، و انصرني على ما استخلفتني/ فيه، و احفظني 100/ ب فيما استرعيتني و لا تخلني من خفايا لطفك التي عودتني‏ «رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَ عَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَ أَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ‏ [ (1)] «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ وَ إِيتاءِ ذِي الْقُرْبى‏ وَ يَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ الْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ» [ (2)] قال المصنف رحمه اللَّه: نقلت هذه الخطبة من خط أبي عبد اللَّه محمد بن عبد اللَّه بن العباس الحراني الشاهد، و قد أجاز لي رواية ما يروى عنه، قال: حضرت هذه الخطبة مع قاضي القضاة أبي القاسم الزينبي، و جماعة العدول، و كان خطباء الجوامع قياما تحت المنبر و هم المكبرون في أثناء الخطبة.

قال: فلما أنهى الخطبة و تخفز للنزول بادره الشريف أبو المظفر أحمد بن علي بن عبد العزيز الهاشمي فأنشده:

عليك سلام اللَّه يا خير من علا * * * على منبر قد حف أعلامه النصر

و أفضل من أم الأنام و عمهم‏ * * * بسيرته الحسنى و كان له الأمر

و أشرف أهل الأرض شرقا و مغربا * * * و من جده من أجله نزل القطر

لقد شرفت أسماعنا منك خطبة * * * و موعظة فضل يلين لها الصخر

ملأت بها كل القلوب مهابة * * * فقد رجفت من خوف تخويفها مصر

سما لفظها فضلا على كل قائل‏ * * * و جل [ (3)] علاها أن يلم بها حصر

/ أشدت بها سامي المنابر رفعة * * * تقاصر عن إدراكها الأنجم الزهر 101/ أ

و زدت بها عدنان مجدا مؤثلا * * * فأضحى لها بين الأنام بك الفخر

و سدت بني العباس حتى لقد غدا * * * يباهي بك السجاد و العالم الحبر

فلله عصر أنت فيه إمامه‏ * * * و للَّه دين أنت فيه لنا الصدر

____________

[ (1)] سورة: يوسف، الآية: 101.

[ (2)] سورة: النحل، الآية: 90.

[ (3)] في الأصل: «كل قائل و جلت».

236

بقيت على الإسلام و الملك كلما * * * تقادم عصر أنت فيه أتى عصر

و أصبحت بالعيد السعيد مهنأ * * * يشرفنا فيه صلاتك و النحر

و نزل فنحر بدنه بيده، ثم دخل السرادق و وقع البكاء على الناس و دعوا له بالتوفيق و النصر، و أمر بجمع السفن كلها فعبر بها إلى الجانب الغربي، و انقطع عبور الناس بالكلية.

و أما السلطان فإنه بلغ إلى حلوان، فبعث من هنالك الأمير زنكي إلى واسط، فأزاح عنها عفيف الخادم فهرب حتى لحق بالخليفة، و أمر الخليفة بسد أبواب داره جميعها سوى باب النوبي، و رسم لحاجب الباب القعود عليه لحفظ الدار، و لم يبق من أصحاب الخليفة و حواشيه في الجانب الشرقي سواه.

و أقبل السلطان في يوم الثلاثاء ثامن عشر ذي الحجة إلى بغداد، فنزل بالشماسية و دخل بعض عسكره إلى بغداد فنزلوا في دور الناس و انبثوا في الحريم و غيره، و أمر/ 101/ ب الخليفة بنقل الحرم و الجواري إلى الحريم الطاهري من الجانب الغربي و نقل بعض رحله إلى دار العميد التي بقصر المأمون، و لم يزل السلطان يبعث الرسل إلى الخليفة و يتلطف به و يدعوه إلى الصلح و العود إلى داره، و هو لا يجيب، ثم وقف عسكر السلطان بالجانب الشرقي و العامة بالجانب الغربي [ (1)] يسبون الأتراك، و يقولون: يا باطنية يا ملاحدة عصيتم أمير المؤمنين فعقودكم باطلة، و أنكحتكم فاسدة ثم تراموا بالنشاب.

قال المصنف رحمه اللَّه: و في هذه السنة حملت [ (2)] إلى أبي القاسم علي بن يعلى العلويّ و أنا صغير السن فلقنني كلمات من الوعظ، و ألبسني قميصا من الفوط، ثم جلس لوداع أهل بغداد عند السور مستندا إلى الرباط الّذي في آخر الحلبة، و رقاني إلى المنبر فأوردت الكلمات و حزر الجمع يومئذ فكانوا [نحو] [ (3)] خمسين ألفا، و كان يورد الأحاديث بأسانيدها، و ينصر أهل السنة، و يقول: أنا علوي بلخي ما أنا علوي كرخي،

____________

[ (1)] في ص، ط: «بالجانب الشرقي و العامي بالجانب الغربي».

[ (2)] في ص، ط: «و في هذه السنة يقول المصنف حملت».

[ (3)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

237

و سمعت منه الحديث و أجاز لي جميع مسموعاته و مجموعاته، و أنشدنا يوم وداعه، و ذكر أنها لأبي القاسم الجميل النيسابورىّ، و أنه سمعها منه:

سروري من الدهر لقياكم‏ * * * و دار سلامي مغناكم‏

و أنتم مدى أملي ما أعيش‏ * * * و ما طاب عيشي لولاكم‏

جنابكم الرحب مرعى الكرام‏ * * * فلا صوّح الدهر مرعاكم‏

كأن بأيديكم جنة * * * و نارا فأرجو و أخشاكم‏

فحياكم اللَّه كم حسرة * * * أراني فراق محياكم‏

حشا البين يوم ارتحلتم حشاي‏ * * * بنار الهموم و حاشاكم‏

فيا ليت شعري و من لي بأن‏ * * * أعيش إلى يوم ألقاكم‏

إذا ازدحمت في فؤادي الهموم‏ * * * أعلل قلبي بذكراكم‏

تود جفوني لو أنها * * * مناخ لبعض مطاياكم‏

/ و أستنشق الريح من أرضكم‏ * * * لعلي أحظى برياكم‏

فلا تنسوا العهد ما بيننا * * * فلسنا مدى الدهر ننساكم‏

فها أنتم أولياء النعيم‏ * * * و ها أنا بالرق مولاكم‏

و خرج العلويّ من بغداد في ربيع الآخر من هذه السنة.

*** ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

3939- أحمد بن محمد بن محمد، أبو الفتوح الغزالي الطوسي‏

[ (1)]:

أخو أبي حامد، كان متصوفا متزهدا في أول أمره، ثم وعظ فكان متفوها و قبله العوام. و جلس في بغداد في التاجية و رباط بهروز، و جلس في دار السلطان محمود فأعطاه ألف دينار، فلما خرج رأى فرس الوزير في دهليز الدار بمركب ذهب و قلائد و طوق فركبه و مضى فأخبر الوزير، فقال: لا يتبعه أحد و لا يعاد إلي الفرس، و خرج يوما

____________

[ (1)] انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 196، و فيه: «أبو الفتح الطوسي»، و شذرات الذهب 4/ 60، و الكامل 9/ 240).

238

إلى ناعورة فسمعها تئن، فرمى طيلسانه عليها، و كان له نكت لطيفة إلّا أن الغالب على كلامه التخليط و رواية الأحاديث الموضوعة و الحكايات الفارغة و المعاني الفاسدة، و قد علق عنه كثير من ذلك، و قد رأينا من كلامه الّذي علق عنه و عليه خطه إقرار بأنه كلامه.

فمن ذلك أنه قال: قال موسى‏ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ، قيل له: لَنْ تَرانِي‏، فقال [ (1)]:

هذا شأنك تصطفي آدم ثم تسود وجهه و تخرجه من الجنة، و تدعوني إلى الطور ثم تشمت بي الأعداء، هذا عملك بالأخيار، كيف تصنع بالأعداء.

و قال: نزل إسرافيل بمفاتيح الكنوز على رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم [ (2)] و جبريل جالس عنده فاصفر وجه جبريل،

فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم‏

: [يا إسرافيل [ (3)]] هل نقص مما عنده شيئا، 102/ ب قال: لا، قال: ما لا ينقص الواهب/ ما أريده.

و قال: دخل يهودي إلى الشيخ أبي سعيد، فقال أريد أن أسلم، فقال له: لا ترد، فقال الناس: يا شيخ تمنعه من الإسلام، فقال له: تريد و لا بد، قال: نعم، قال:

برئت من نفسك و مالك، قال: نعم، قال: هذا الإسلام عندي احملوه الآن إلى الشيخ أبي حامد حتى يعلمه لا- لا المنافقين يعني لا إله الا اللَّه- قال أحمد الغزالي: الّذي يقول لا إله إلّا اللَّه غير مقبول ظنوا أن قول لا إله إلّا اللَّه منشور ولايته أفنسوا عزله [ (4)].

و حكى عنه القاضي أبو يعلى أنه صعد المنبر يوما، فقال: معاشر المسلمين كنت دائما أدعوكم إلى اللَّه فأنا اليوم أحذركم منه، و اللَّه ما شدت الزنانير إلا من حبه، و لا أديت الجزية إلا في عشقه.

[و أنبأنا محمد بن ناصر الحافظ، عن محمد بن طاهر المقدسي قال: كان أحمد الغزالي آية من آيات اللَّه تعالى في الكذب، توصل إلى الدنيا بالوعظ، سمعته يوما بهمذان يقول: رأيت إبليس في وسط هذا الرباط يسجد لي فقال له: ويحك، إنه اللَّه‏

____________

[ (1)] في ص، ط: «قال موسى أرني قيل له لن، فقال».

[ (2)] في الأصل: «بمفاتيح الكنوز إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم».

[ (3)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (4)] في ص: «ولايته أمنشوا عزله». و في ت: «ولايته ذا منشور عزله».

239

عز و جل أمره بالسجود لآدم فأبى. فقال: و اللَّه لقد سجد لي أكثر من سبعين مرة. فعلمت أنه لا يرجع إلى دين و معتقد. قال: و كان يزعم أنه يرى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم عيانا في يقظته لا في نومه، و كان يذكر على المنبر أنه كلما أشكل عليه أمر رأى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم فسأله على ذلك المشكل فدلّه على الصواب.

قال: و سمعته يوما يحكي عن بعض المشايخ، فلما نزل سألته عنها فقال: أنا وضعتها في الوقت.

قال: و له من هذه الجهالات و الحماقات ما لا يحصى.

قال مؤلف الكتاب:] [ (1)] و كان أحمد الغزالي يتعصب لإبليس و يعذره، حتى قال يوما: لم يدر ذاك المسكين أن أظافر القضاء إذا حكت أدمت و قسي القدر إذا رمت أصمت ثم انشد.

و كنا و ليلى في صعود من الهوى‏ * * * فلما توافينا ثبت و زلت‏

و قال: التقى موسى و إبليس عند عقبة الطور، فقال: يا إبليس لم لم تسجد لآدم؟ فقال كلاما كنت لأسجد لبشر يا موسى ادعيت التوحيد و أنا موحد، ثم التفت إلى غيره و أنت قلت أرني فنظرت إلى الجبل فانا أصدق منك في التوحيد، قال: أسجد للغير ما سجدت من لم يتعلم التوحيد من إبليس فهو زنديق، يا موسى كلما ازداد محبة لغيري ازددت له عشقا.

قال المصنف [ (2)]: لقد عجبت من هذا الهذيان الّذي قد صار عن جاهل بالحال، فإنه لو كان إبليس [غار [ (3)]] للَّه محبة ما حرض الناس على المعاصي، و لقد أدهشني نفاق هذا الهذيان في بغداد و هي دار العلم، و لقد حضر مجلسه يوسف الهمذاني، فقال: مدد كلام هذا شيطاني لا رباني ذهب دينه و الدنيا لا تبقى له.

و شاع عن أحمد الغزالي [ (4)] أنه كان يقول بالشاهد، و ينظر إلى/ المردان 103/ أ

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: ساقط من ص، ط، و الأصل. و أوردناها من ت.

[ (2)] في ت: «قال مؤلف الكتاب».

[ (3)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (4)] في ص، ط: «و شاع عند أحمد الغزالي».

240

و يجالسهم، حتى حدثني أبو الحسين بن يوسف أنه كتب إليه في حق مملوك له تركي، فقرأ الرقعة ثم صاح باسمه، فقام إليه و صعد المنبر فقبل بين عينيه، و قال: هذا جواب الرقعة.

توفي أبو الفتوح في هذه السنة.

3940- بهرام بن بهرام، أبو شجاع البيّع‏

[ (1)].

سمع الجوهري، و التنوخي، و كان سماعه صحيحا، و كان كريما، بنى مدرسة لأصحاب أحمد بباب الأزج عند باب كلواذى، و دفن فيها، و وقف قطعة من أملاكه على الفقهاء و سبل الخبر.

و كانت وفاته يوم الجمعة سادس عشر محرم.

3941- صاعد بن سيار بن محمد بن عبد اللَّه بن إبراهيم، أبو العلاء الإسحاقي‏

[ (2)]:

من أهل هراة، سمع الحديث الكثير، و كان حافظا متقنا. روى عنه أشياخنا.

و توفي بغورج، و غورج قرية على باب هراة [ (3)].

***

____________

[ (1)] البيّع: نسبة لمن يتولى البياعة و التوسط في الخانات بين البائع و المشتري من التجار للأمتعة».

و انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 197)

[ (2)] انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 197، و تذكرة الحفاظ 1270، و شذرات الذهب 4/ 61).

[ (3)] في ص: «نجز الجزء الرابع من كتاب المنتظم في تاريخ الملوك و الأمم بحمد اللَّه و عونه و حسن توفيقه، و حسبنا اللَّه و نعم الوكيل، و صلى على سيدنا محمد خاتم النبيين و آله الطيبين الطاهرين و سلم تسليما كثيرا دائما و أبدأ. و يتلوه في الّذي يليه إن شاء اللَّه تعالى ثم دخلت سنة إحدى و عشرين و خمسمائة».

241

ثم دخلت سنة احدى و عشرين و خمسمائة

فمن الحوادث فيها:

أن جماعة من عسكر السلطان محمود جاءوا ليدخلوا إلى دار الخلافة من باب النوبي فمنعتهم خاتون، فجاءوا إلى باب الغربة يوم الأربعاء رابع المحرم، و معهم جماعة من الساسة و الرعاع، و أخذوا مطارق الحدادين و كسروا باب الغربة، و دخلوا إلى التاج و نهبوا دار الخلافة مما يلي الشط، فخرج الجواري حاسرات يلطمن، فدخلن دار خاتون.

قال المصنف: فرأيتهن و أنا صبي يستشفعن و قد جئن صارخات، و جزن على باب المخزن فدخلن دار خاتون، و ضج الناس كأن الدنيا تزلزلت، فأخبر الخليفة بالحال فخرج من السرادق، و أبو علي بن/ صدقة بين يديه و قدموا السفن في دفعة واحدة، 103/ ب و دخل العسكر في السلاح و ترسوا في وجوههم و ألبسوا الملاحين السلاح، و رماة النشاب من ورائهم، و رمى العيارون أنفسهم في الماء، فعبروا و عسكر السلطان مشغولون بالنهب، قد دخل منهم دار الخلافة نحو ألف في السلاح، فلما رأوا عسكر الخليفة قد عبر وقع عليهم الذلة فانهزموا، و وقع فيهم السيف، و اختفوا في السراديب، فدخل عسكر الخليفة فأسروا جماعة و قتلوا جماعة من الأمراء، و نهب العوام دور أصحاب السلطان [و دخلوا [ (1)]] دار وزيره، و دار العزيز بن نصر المستوفي، و دار أبي البركات الطبيب، و كانت عنده ودائع، فأخذ من داره ما قيمته ثلاثمائة ألف دينار، و دخلوا

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

242

رباط بهروز و تعرضوا للمتصوفة، و هرب أصحاب السلطان و قتل منهم عدة وافرة في الدروب و المضايق، و بقي الخليفة و الوزير بالجانب الغربي حتى نقلت الحرم و الرحل الّذي كانوا أودعوه في الحريم الطاهري و دار العميد، ثم عبر الخليفة إلى داره يوم السبت سابع المحرم و معه العساكر، و حفروا الخنادق ليلا عند أبواب الدروب و المسالك، و رتب على أبواب المحال من يحرسها من ورود أصحاب السلطان، فبقي القتال على هذا أياما، و جاء من عسكر السلطان خلق كثير فخرج إليهم الوزير و النقيب و العسكر، فغدر أبو الفتح ابن ورام في جماعة معه و انتقلوا إلى العسكر السلطاني، فلما كان يوم عاشوراء انقطع القتال و ترددت الرسل و لان الأمر، و قال السلطان: أريد أن 104/ أ تبعث لي من يحلفني، و أنفذ بعد ذلك وزيري ليستوثق لي،/ فمال الخليفة الى الصلح، فبعث قاضي القضاة الزينبي، و إسماعيل الصوفي و نيفا و ثلاثين شاهدا من المعدلين، فاحتبسهم ستة أيام، فقال الناس: قد قبض عليهم، و يئس الناس من الصلاح، و حفرت الخنادق، و سدت العقود، و سلم كل قطر من بغداد إلى شحنة، و أجفل أهل الجانب الغربي خوفا لكونهم سبوا السلطان و شتموه، و كانوا يقولون: يا باطني لما لم تقدر على غزو الروم جئت تغزو الخليفة و المسلمين، و دخل برنقش الزكوي على السلطان فأغراه بالناس فنفر السلطان، و قال: أنت تريد أن أنهب المسلمين و أغير القبلة، ثم تقدم من وقته إلى الوزير، و قال: أحضر الجماعة، فأحضروا وقت المغرب فصلى قاضي القضاة بالسلطان المغرب و سلم عليه، فأذن له في الجلوس، و قرأ عليه مكتوب الخليفة فقام قائما و قبل الأرض و قال: سمعا و طاعة لأمير المؤمنين، و لم يخالف في شي‏ء مما اقترح عليه و حلف، فعادوا بطيبة القلب و أصبح الناس مطمئنين، و فتحت العقود، و طمت الخنادق، و دخل أصحاب السلطان إلى البلد و هم [ (1)] يقولون:

نحن منذ ثلاثة أيام ما أكلنا الخبز، و لو لم يقع الصلح متنا جوعا، و كان الخبز في معسكرهم كل منا بدانق و لم يوجد، و كانوا يسلقون الطعام في الماء ثم يأكلونه، و كان السعر في الحريم رخيصا، فما رئي سلطان قط حاصر بلدا فكان هو المحاصر إلّا هذا، و ظهر من السلطان حلم وافر عن العوام.

____________

[ (1)] «و هم»: ساقطة من ص، ط، و المطبوعة.

243

و حكى أبو المكارم بن رميضاء السقلاطوني، قال: رأيت أبا سعد بن أبي عمامة في المنام حين اختصم المسترشد باللَّه و محمود و عليه ثياب بياض، فسلمت عليه و قلت له: من أين أقبلت؟ قال: من عند الإمام/ أحمد بن حنبل و ها هو ورائي، فالتفت فرأيت 104/ ب أحمد بن حنبل و معه جماعة من أصحابه، فقلت: إلى أين تقصدون؟ قالوا: إلى أمير المؤمنين المسترشد باللَّه لندعو له بالنصر، فصحبتهم و انتهينا إلى الحربية إلى مسجد ابن القزويني، فقال الامام أحمد بن حنبل: ندخل نأخذ الشيخ معنا، فدخل باب المسجد، و قال: السلام عليكم و رحمة اللَّه و بركاته [ (1)]، فإذا الصوت من صدر المسجد: و عليك السلام يا أبا عبد اللَّه، الإمام قد نصر، قال: فانتبهت مرعوبا و كان كما قال الشيخ.

ثم إن أصحاب السلطان طلبوا ما نهب من دورهم، فتقدم الخليفة إلى حاجب الباب و كان ابن الصاحب أن يأخذ العوام الذين نهبوا دور الأتراك، فقبض على عالم كثير لا يحصى، و استرد ما أمكن، و أشهد عليهم أنه متى ظهر مع أحد شي‏ء من النهب أبيح دمه، ثم نفذ الخليفة إقبالا، و ابن الأنباري، و ابن الصاحب و في صحبتهم خيل و بغال و جواشن و تخوت ثياب، ثم أسرج الزبزب للوزير و جلس فيه و حجاب الديوان معه، و ركب أرباب الدولة في السفن حول الزبزب، و نزل العوام في السفن و على الشط، و كان يوما عظيما، فدخل إلى السلطان و أدى الرسالة، فقام السلطان و قبل الأرض، ثم أذن للوزير في الانكفاء، فنهض فركب في الزبزب إلى أن وصل إلى دار وزير السلطان فصعد، فقعد عنده زمانا يتحادثان، ثم خرج فرحا، و تمكن أصحاب السلطان من بغداد و نودي من قبل السلطان أنه قد فتح دار ضرب، فمن لم يقبل ديناره أبيح دمه، فسمع الوزير بذلك فضمن للسلطان كل شهر ألف دينار، و أزال دار الضرب، ثم أعيد حق البيع، و كثر الانبساط، و جاء وزير السلطان إلى الخليفة في/ رابع صفر، فدخل إليه 105/ أ فأكرمه كرامة لم يكرم بها وزير قط، ثم خلع عليه و خلا هو وزير الخليفة فتحادثا طويلا [ (2)].

و مرض السلطان في المدائن و غشي عليه، و وقع من على الفرس، و كان مريضا

____________

[ (1)] «و رحمة اللَّه و بركاته»: ساقطة من ص، ط، و المطبوعة.

[ (2)] في الأصل: «خلع عليه و جاء هو و وزير السلطان فتحادثا طويلا.

244

مرضا شديدا، فبعث له الخليفة أدوية و هدايا، و بعث عشرة آلاف رطل خبز و عشرة أرؤس من البقر و تمرا كثيرا تصدق عنه، ثم ركب في حادي عشر صفر، ثم انتكس و أرجف عليه، و كان الخليفة قد هيأ له الخلع ليجي‏ء إليه فيخلع عليه، فمنعه المرض، و أشار عليه الطبيب بالخروج من بغداد، فبعث الخليفة الخلع مع الوزير ابن صدقة فخلعها عليه و هو مطروح على جانبه، و انصرف ثم رحل السلطان في ثاني عشر ربيع الآخر، و أقام في المرج أياما، و رحل يطلب همذان، و فوض شحنكية بغداد إلى زنكي.

و جلس ابن سلمان يدرس في النظامية، و رخصت الأسعار ببغداد، ثم وصل الخبر من همذان في جمادى الآخرة بأن السلطان قبض على العزيز و صادره و اعتقله، و على الوزير فصادره و اعتقله، و كان السبب أن الوزير تكلم على العزيز، و أن يرنقش تكلم على الوزير، و قال للسلطان: هذا أخذ الأموال من الخليفة و اتفق هو و وزيره [و تحالفا [ (1)]] على أن يرحلا بك من بغداد [ (2)] و لا تبلغ غرضا، فكل ما جرى عليك منه.

ثم بعث السلطان إلى أنوشروان و هو مقيم بالحريم الطاهري فاستوزر، فلم يكن 105/ ب له ما يتجهز به حتى بعث له/ الوزير جلال الدين من عند الخليفة الخيم و الخيل و ما يحتاج إليه، فرحل في مستهل رمضان إلى أصبهان، فأقام في الوزارة عشرة أشهر، ثم استعفى و عاد إلى بغداد.

[وصول بهروز الخادم إلى بغداد]

و في اليوم الثالث من رمضان: وصل بهروز الخادم الملقب مجاهد الدين إلى بغداد و قد فوض السلطان إليه بغداد و الحلة، و فوضت ولاية الموصل و ما يجري مجراها إلى زنكي، فخرج إليها، و أرسل الخليفة علي بن طراد إلى سنجر لإبعاد دبيس من حضرته و معه خلع فلبسها و أكرمه و أعطاه كوسات و أعلاما و بوقات، و أذن له في ضرب الطبل على بابه ثلاث صلوات، و أعطاه طوقا و فرسين و سيفين محلاة و لوائين، و بعث معه ابن صاعد خطيب نيسابور.

و جاء الخبر بأن سنجر قتل من الباطنية اثني عشر ألفا.

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (2)] في ص، ط: «على أن يرحل بك من بغداد».

245

و من الحوادث في هذه السنة: أن أبا الفتوح الأسفراييني، و كان لا يعرف الحديث إنما هو في ذلك على عادة القصاص، سئل عن‏

قول النبي صلى اللَّه عليه و سلم‏

: «ما كذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات»

فقال: هذا ليس بصحيح. و الحديث في الصحيح. و قال: يوما على المنبر: قيل لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم كيف أصبحت؟

قال‏

: أعمى بين عميان، ضالا بين ضلال.

فنقل ذلك إلى الوزير ابن صدقة فاستحضره فأقر و أخذ يتأول بتأويلات باردة فاسدة، فقال الوزير للفقهاء: ما تقولون؟ فقال ابن سلمان مدرس النظامية [ (1)]:/ لو قال هذا الشافعيّ 106/ أ ما قبلنا منه و يجب على هذا أن يجدد إسلامه و توبته. فمنع من الجلوس بعد أن استقر أن يجلس و يشد الزنار و يتوب، ثم يرحل من بغداد، فنصره قوم من الأكابر يميلون إلى اعتقاده، فأعادوه إلى الجلوس، و كان يتكلم بما يسقط حرمة المصحف من قلوب الناس فافتتن به [ (2)] خلق كثير.

[زيادة الفتن في بغداد]

و زادت الفتن في بغداد، و تعرض أصحاب أبي الفتوح بمسجد ابن جردة فرجموا و رجم معهم أبو الفتوح، و كان إذا ركب يلبس الحديد و معه السيوف المجذبة تحفظه، ثم اجتاز بسوق الثلاثاء فرجم و رميت عليه الميتات. و مع هذا يقول: ليس هذا الّذي نتلوه كلام اللَّه إنما هو عبارة و مجاز، و الكلام الحقيقي قائم بالنفس. فينفر أهل السنة كلما سمعوا هذا، فلما كان اليوم الّذي دفن فيه أبو الحسن ابن الفاعوس انقلبت بغداد لموته، و غلقت الأسواق، و كان الحنابلة يصيحون على عادتهم هذا يوم سني حنبلي لا قشيري و لا أشعري، و يصرخون بسبب أبي الفتوح، فمنعه المسترشد من الجلوس، و أمر أن لا يقيم ببغداد، و كان ابن صدقة يميل إلى مذهب أهل السنة فنصرهم.

فلما أن كان يوم الأحد العشرين من شوال: ظهر عند إنسان وراق كراسة قد اشتراها في جملة كاغذ بذل من عنده فيها مكتوب القرآن، و قد كتب بين كل سطرين من القرآن سطر من الشعر على وزن أواخر لآيات، ففتش على كاتبها، فإذا به رجل/ معلم 106/ ب يقال له: ابن الأديب، فكبس بيته، فوجدوا فيه كراريس على هذا المعنى، فحمل إلى الديوان فسئل عن ذلك فأقر، و كان من أصحاب أبي الفتوح، فحمل على حمار، و شهر

____________

[ (1)] في الأصل: «فقال ابن سليمان مدرس النظامية».

[ (2)] في ص: «من قلوب العوام فافتتن به».

246

في البلد و نودي عليه، و همت العامة بإحراقه فانتعش أهل السنة، ثم أذن لأبي الفتوح فجلس، و ظهر عبد القادر فجلس في الحلبة فتشبث به أهل السنة و انتصروا بحسن اعتقاد الناس به.

*** ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

3942- أحمد بن أحمد بن عبد الواحد بن أحمد بن أحمد بن عبد اللَّه [ (1)] بن محمود أبي عيسى بن المتوكل بن المعتصم بن الرشيد بن المهدي بن المنصور [ (2)]، أبو السعادات المتوكلي‏

[ (3)]:

سمع أبا الغنائم ابن المأمون، و أبا جعفر ابن المسلمة، و الخطيب و غيرهم، و كان سماعه صحيحا، و سمعت منه الحديث، و كتب لي إجازة بخطه، فذكر فيها نسبة الّذي ذكرته.

و توفي ليلة الخميس سابع عشرين رمضان مترديا من سطح داره بالتوثة، و دفن بمقبرة باب الدير، و بلغ ثمانين سنة.

3943- [عبد الجبار بن إبراهيم بن عبد الوهاب بن محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن مندة، أبو نصر، الأصبهاني.

سمعت منه الحديث في سنة عشرين، و روى عن جماعة.

و توفي في هذه السنة]. [ (4)]

3944- علي بن عبد الواحد بن احمد بن العباس، أبو الحسن الدينَوَريّ‏

[ (5)]:

سمع أبا الحسن القزويني، و أبا محمد الخلال، و الجوهري و غيرهم، و سمعت عليه الحديث.

و توفي في جمادى الآخرة من هذه السنة.

____________

[ (1)] في ت: «أحمد بن أحمد بن عبد الواحد بن أحمد بن محمد بن عبيد اللَّه».

[ (2)] في ت: «ابن الرشيد بن المنصور».

[ (3)] انظر ترجمته في: (شذرات الذهب 4/ 64).

[ (4)] هذه الترجمة ساقطة من جميع النسخ، و أوردناها من ت.

[ (5)] انظر ترجمته في: (شذرات الذهب 4/ 64).

247

3945- علي بن المبارك أبو الحسن المقرئ الزاهد و يعرف بابن الفاعوس‏

[ (1)]:

كان من أصحاب الشريف أبي جعفر، و كان زاهدا يقرأ يوم الجمعة على الناس أحاديث قد جمعها بغير أسانيد.

حدثني أبو الحكم الفقيه، قال: كان يجي‏ء ساقي الماء إلى حلقته فيأخذ منه الكوز و يشرب لئلا يظن أنه صائم.

و توفي ليلة السبت تاسع عشر شوال، و انقلبت بغداد بموته، و غلقت الأسواق، و كان الجمع يفوق الإحصاء، و استغاث العوام بذكر السنة و لعن أهل البدعة [و دفن بقبر أحمد] [ (2)]

3946- فاطمة بنت الحسين بن الحسن بن فضلويه الرازيّ‏

[ (3)]:

كانت واعظة متعبدة لها رباط/ تجتمع فيه الزاهدات، سمعت أبا جعفر ابن 107/ أ المسلمة، و أبا بكر الخطيب و غيرهما، و سمعت منها بقراءة شيخنا أبي الفضل بن ناصر، «كتاب ذم الغيبة» لإبراهيم الحربي، و من مجالس ابن سمعون روايتها عن ابن النقور عنه، «و مسند الشافعيّ» و غير ذلك.

و توفيت في ربيع الأول من هذه السنة.

3947- محمد بن الحسين بن بندار، أبو العز القلانسي المصري‏

[ (4)]:

ولد سنة خمس و ثلاثين و اربعمائة، و قرأ بالقراءات، و سمع الحديث من ابن المهتدي، و ابن المأمون، و ابن المسلمة، و غيرهم. و عمر فرحل الناس إليه من الأقطار للقراءات، نسبه شيخنا عبد الوهاب الأنماطي إلى الرفض، و أساء الثناء عليه.

و قال شيخنا أبو الفضل بن ناصر: ألحق سماعه في جزء.

و توفي في شوال هذه السنة، و دفن بواسط.

____________

[ (1)] انظر ترجمته في: (شذرات الذهب 4/ 64، و الكامل 9/ 245).

[ (2)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، ص، ط.

[ (3)] انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 198).

[ (4)] في ت: «أبو العز القلانسي المقرئ».

و انظر ترجمته في: (شذرات الذهب 4/ 64).

248

3948- محمد بن عبد الملك بن إبراهيم بن أحمد، أبو الحسن بن أبي الفضل الهمذاني الفرضيّ‏

[ (1)]:

من أصحاب التاريخ من أولاد المحدثين و الائمة، و ذكر شيخنا عبد الوهاب ما يوجب الطعن فيه.

و توفي فجاءة ليلة السبت سادس شوال [هذه السنة] [ (2)]، و دفن إلى جنب أبيه عند قبر أبي العباس بن سريج.

***

____________

[ (1)] في ت: «محمد بن عبد الملك بن إبراهيم بن أحمد الهمذاني الفرضيّ».

و الفرضيّ: نسبة إلى الفريضة و الفرض و الفرائض، و هو علم المقدرات، و يقال في هذه النسبة: فرضي، و فارضي، و فرائضي.

و انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 198، و الكامل 9/ 245):

[ (2)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

249

ثم دخلت سنة اثنتين و عشرين و خمسمائة

فمن الحوادث فيها:

أنه وصل علي بن طراد من عند سنجر و معه رسول من عند سنجر و سأل أمير المؤمنين أن يؤذن له فيخطب على المنبر يوم الجمعة في جوامع بغداد فأذن له و خلع عليه [ (1)]، و خطب على المنابر كل جمعة في جامع.

و في هذه- أعني السنة: توفي ابن صدقة الوزير و ناب نقيب النقباء.

[مضى محمود إلى سنجر فاصطلحا]

و فيها مضى محمود إلى سنجر فاصطلحا بعد خشونة كانت بينهما، فسلم سنجر إليه دبيسا، و قال له: تعزل زنكي عن الموصل و الشام و تسلم البلاد إلى دبيس،/ و تسأل 107/ ب الخليفة أن يرضى عنه فأخذه و رحل.

و في صفر: ظهرت ريح شديدة مع غيم كثير و مطر، و احمر الجو ما بين الظهر إلى العصر، و انزعج الناس، و احتملت الريح رملا أحمر ملأت به البراري و السطوح.

قال شيخنا ابن الزاغوني: و تقدم إلى نقيب النقباء ليخرج إلى سنجر فرفع إلى الخزانة ثلاثين ألف دينار ليعفى. و تقدم إلى شيخ الشيوخ فرفع خمسة عشر ألف دينار ليعفى.

و في ربيع الأول: رتب أبو طاهر ابن الكرخي في قضاء واسط.

و في جمادى الآخرة: رتب المنبجي في مدرسة خاتون المستظهرية رتبه موفق‏

____________

[ (1)] في الأصل زيادة: «و خلع عليه فلبس السواد».

250

الخادم، و خرج بهروز لعمارة بثق النهروان و رتب الآلات.

و في هذا الشهر: ظهر الخبر بتوجه دبيس إلى بغداد في عسكر عظيم، فانزعج أهل بغداد، و كوتب محمود فقيل له: إنك إن لم تمنعه من المجي‏ء و إلّا احتجنا أن نخرج إليه و ينتقض العهد الّذي بيننا و بينك، [فذكر أنه سيصل إلى بغداد] [ (1)]، و تطاولت للوزارة جماعة منهم عز الدولة بن المطلب، و ابن الأنباري، و ناصح الدولة ابن المسلمة، و أحمد بن النظام، فمنعوا من الخطاب في ذلك و أجلس للنيابة في الديوان نقيب النقباء.

و في رمضان: خلع على عز الدولة دراعة و عمامة بغير ذؤابة، و فرس و مركب، و جلس للهناء.

و في شوال: وصل الخبر بأن السلطان محمود عزل أنوشروان من الوزارة، و كان هو قد سأل ذلك، و أخذ منه الدواة التي أعطاه و البغلة و صادر أهل همذان فأخذ منهم سبعين ألف دينار.

*** ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

3949- الحسن بن علي بن صدقة الوزير

[ (2)]:

وزر للمسترشد، و كان ذا رأي، و مدح المسترشد فقال:

وجدت الورى كالماء طعما ورقة * * * و إن أمير المؤمنين زلاله‏

و لو لا طريق الدين و الشرع و التقى‏ * * * لقلت من الإعظام جل جلاله‏

توفي في ليلة الأحد من هذه السنة.

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (2)] في ت: «الحسين بن صدقة أبو علي الوزير».

و انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 199، و الكامل 9/ 248).

251

3950- الحسين بن علي [ (1)] بن أبى القاسم، أبو علي اللامشي‏

[ (2)].

من أهل سمرقند، روى الحديث و تفقه، و كان يضرب به المثل في النظر، و كان خيرا دينا على طريق السلف، مطرحا للتكلف أمارا بالمعروف، بعث رسولا من خاقان ملك ما وراء النهر إلى دار الخلافة، فقيل له: لو حججت فقد وصلت بغداد، فقال: لا أجعل الحج تبعا لرسالتهم، فرجع إلى سمرقند.

و توفي في رمضان هذه السنة، و هو ابن احدى و ثمانين سنة.

3951- محمد بن أسعد بن الفرج بن أحمد بن علي، أبو نصر الشيبانيّ الحلواني‏

[ (3)]:

سمع أبا الحسين ابن الغريق، و أبا الغنائم ابن المأمون، و أبا جعفر ابن المسلمة، و غيرهم. و كان ثقة يسكن نهر القلائين.

و توفي في رمضان من هذه السنة.

3952- موسى بن أحمد بن محمد، أبو القاسم السامري‏

[ (4)]:

كان يذكر أنه من أولاد أبي ذر الغفاريّ، و كان قد سمع [الحديث [ (5)]] الكثير و قرأ بالروايات، و تفقه على شيخنا أبي الحسن ابن الزاغوني، و ناظر و رأيته يتكلم كلاما حسنا.

و توفي في رابع رجب، و دفن بمقبرة أحمد بن حنبل.

***

____________

[ (1)] في الأصل: «الحسن بن علي».

[ (2)] في ص: «أبو علي الأمشي».

و اللامشي: نسبة إلى لامش من قرى فرغانة.

و انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 199، و تذكرة الحفاظ 1272).

[ (3)] في ت: «محمد بن سعد بن الفرج».

[ (4)] في ت: «البشاوري».

[ (5)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

252

ثم دخلت سنة ثلاث و عشرين و خمسمائة

فمن الحوادث فيها.

[دخول السلطان محمود إلى بغداد]

أنه دخل السلطان محمود إلى بغداد يوم تاسع عشر محرم، و أقام دبيس في بعض 108/ ب الطريق و اجتهد في أن يمكن دبيس/ من الدخول أو أن يرضى عنه، و نفذ إلى زنكي ليسلم البلاد إلى دبيس فامتنع.

[ختم السلطان على أموال مدرسة الإمام أبي حنيفة]

و في صفر: تقدم السلطان بالختم على [أموال‏] [ (1)] مدرسة الإمام أبي حنيفة، و مطالبة وكلائه بالحساب [ (2)]، و وكل بقاضي القضاة الزينبي لأجل ذلك، و كان قد قيل له أن دخل المكان نحو ثمانين ألف دينار و ما ينفق عليه عشرة.

و في هذا الشهر: درس أسعد الميهني [ (3)] بجامع القصر، لأن الوزير أحمد منعه من النظامية.

و في الأحد سلخ ربيع الآخر: خلع المسترشد على نقيب النقباء أبي القاسم بن طراد و استوزره و ضمن زنكي أن ينفذ للسلطان مائة ألف دينار و خيلا و ثيابا على أن لا يغير عليه ساكنا، و استقر على الخليفة مثل ذلك على أن لا يولى دبيس، فباع الخليفة عقارا بالحريم و قرى و ما زال يصحح. ثم أن دبيسا دخل بغداد بعد [ (4)] جلوس الوزير في الوزارة

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (2)] في الأصل: «و مطالبة الوكلاء بالحساب».

[ (3)] في ص: «أسعد المهيني».

[ (4)] في الأصل: «دخل إلى بغداد بعد».