المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك‏ - ج17

- أبو الفرج ابن الجوزي المزيد...
320 /
253

بثلاثة أيام، و دخل دار السلطان و ركب في الميدان و قعد في دجلة في سفينة السلطان وراءه الناس، و جاء زنكي فالقى نفسه بين يدي السلطان و حمل معه هدايا فائقة فأكرمه و خلع عليه بعد ثلاثة أيام و إعادة إلى الموصل، و نفذ الخليفة إلى السلطان خلعا كان قد أعدها [له‏] [ (1)] مع الوزير أبي القاسم الزينبي يوم الجمعة ثالث جمادى الآخرة، و كان الوزير في الزبزب و الموكب في سفن و الناس على دجلة، و في السفن يدعون للخليفة و السلطان و يلعنون دبيسا.

و كان سنجر قد سلم دبيسا إلى ابنته امرأة محمود، فكانت هي التي تمانع عنه.

و رحل السلطان من العراق يطلب همذان يوم السبت رابع جمادى الآخرة و سلمت الحلة إلى بهروز و الشحنكية/ أيضا. 109/ أ و اتفق أنه ماتت بنت سنجر التي كانت تدافع عن دبيس و مرض محمود فأخذ دبيس ولدا صغيرا لمحمود فلم يعلم به حتى قرب من بغداد فدون الخليفة العساكر و خرج بهروز من الحلة هاربا فقصدها دبيس فدخلها في رمضان، و بعث بهروز كاتبه يعلم السلطان بمجي‏ء دبيس فوصلوا و هناك نظر الخادم قد بعث الى السلطان ليقيمه من العزاء و يخلع عليه، فلما سمع نظر بذلك دخل على السلطان و عظم الأمر و قال [له‏] [ (2)]: منعت أمير المؤمنين ان يدون و سلطت عليه عدوه و كيف يكون الحال؟ فبعث السلطان فاحضر قزل و الأحمد يكي [ (3)]، و قال: أنتما ضمنتما دبيسا فلا أعرفه إلّا منكما، فضمن الأحمد يكي ذلك [ (4)] على نفسه، و رحل يطلب العراق، فبعث دبيس إلى الخليفة: إنك إن رضيت عني رددت أضعاف ما نفذ من الأموال، و أكون المملوك، فقال الناس: هذا لا يؤمن، و باتوا تحت السلاح طول رمضان. هذا و دبيس يجمع الأموال و يبيع الغلة و قسط على القرى حتى إنه حصل على ما قيل خمسمائة ألف دينار [ (5)]، و أنه قد دون عشرة آلاف‏

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (2)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (3)] في ص، ط: «الأحمد بيكي». و في الأصل: «الأحمد بلي».

[ (4)] في ص، ط، و الأصل: «خمسمائة دينار» و ما أوردناه من ت.

[ (5)] و في ت: «و يقسط على القرى حتى قيل إنه قد حصل خمسمائة ألف دينار».

254

فارس بعد أن وصل في ثلاثمائة، ثم إن الأحمد يكي [ (1)] وصل إلى بغداد يوم الخميس تاسع عشر شوال، و دخل إلى الخليفة و أعطاه يده فقبلها، ثم خرج فعبر قاصدا [الى‏] [ (2)] الحلة.

و وصل الخبر بأن السلطان قد وصل إلى حلوان، و جاءت العساكر و ضاق الوقت على الحاج فأمر عليهم أمير سار بهم في ثمانية عشر يوما فلقوا شدة، فلما سمع دبيس 109/ ب هذه الأخبار بعث إلى السلطان برسالة و خمسة و خمسين مهرا عربية/ قد انتقاها، و نفذ ثلاثة بغال عليها صناديق مال، و ذكر بعض أصحاب دبيس أنه قد أعد للسلطان أن أصلح نوبته مع الخليفة ثلاثمائة حصان له و للخليفة مثقلة [بالذهب [ (3)]]، و مائتي ألف دينار، و إن لم يرض عنه دخل البرية، و أنه قد أعد الجمال و الروايا و الدقيق، فبلغه أن السلطان غير راض عنه في هذه النوبة فأخذ الصبي و خرج من الحلة لا يدري أين مقصده.

[و في شعبان خلع على نور الدولة أبي الحسن علي بن طراد، و عقدت له النقابة على النقباء]، [ (4)] ثم خرج الوزير لاستقبال السلطان يوم الجمعة رابع ذي القعدة فلقيه بما يسره، و أعطاه فرسه و مركبه و كانت قيمتها ثلاثين ألف دينار [ (5)]، ثم مرض السلطان.

و وصل الخبر أن دبيسا دخل البصرة و أخذ منها أموالا كثيرة و جميع دخل السلطان و الخليفة فبعث السلطان إليه عشرة آلاف فارس و متقدمهم قزل، فلما علم دبيس جاء إلى نواحي الكوفة ثم قصد البرية و انقطع خبره.

و في هذه السنة: خنق رجل يقال له ابن ناصر نفسه بحبل شده في السقف.

[قتل من كان يرمى بمذهب الباطنية في دمشق‏]

و فيها: قتل من كان يرمى بمذهب الباطنية في دمشق، و كان عددهم ستة آلاف.

و فيها: وصل الإفرنج إلى باب دمشق فنفذ بعبد الوهاب الواعظ من دمشق و معه جماعة من التجار و هموا بكسر المنبر فوعدوا بأن ينفذ إلى السلطان ذلك.

***

____________

[ (1)] في ص، ط: «الأحمد بيكي». و في الأصل: «الأحمد بكي».

[ (2)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (3)] في ص، ط: «منعلة بالذهب». و ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (4)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، ط.

[ (5)] في ص، ط: «و كانت قيمته ثلاثين ألف دينار».

255

ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

3953- أسعد بن أبي نصر الميهني، أبو الفتح‏

[ (1)]:

تفقه على أبي المظفر السمعاني و غيره، و برع في الفقه، و فاق في النظر، و تقدم عند العوام و السلاطين، و حصل له مال كثير، و دخل بغداد، و فوض إليه التدريس في النظامية، و علق بها جماعة/ تعليقة الخلاف، و أدركه الموت بهمذان في هذه السنة، فحكى بعض من كان يخدمه من الفقهاء قال: كنا معه في بيت و قد دنت وفاته، فقال لنا:

اخرجوا، فخرجنا فوقفنا على الباب و تسمعت فسمعته يلطم وجهه و يردد هذه الكلمات، و يقول: وا حسرتى على ما فرطت في جنب اللَّه و جعل يبكي و يلطم وجهه و يردد هذه الكلمات حتى مات.

3954- حمزة بن هبة اللَّه بن محمد بن الحسن بن داود بن علي بن عيسى بن محمد بن القاسم بن الحسن [ (2)] بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو الغنائم بن أبي البركات بن أبي الحسن‏

[ (3)].

من أهل نيسابور، ولد سنة تسع و عشرين و أربعمائة، و سمع الكثير، و حدث بالكثير، و ضم إلى شرف النسب شرف التقوى، زيدي المذهب.

توفي في محرم هذه السنة.

3955- منصور بن هبة اللَّه بن محمد، أبو الفوارس الموصلي الفقيه الحنفي:

كان من العدول، ثم ولي القضاء بنواح من سواد بغداد و كان من المجودين في النظر و معرفة المذهب، وردت إليه الحسبة بالجانب الغربي.

و توفي في صفر هذه السنة، و دفن بالخيزرانية.

3956- أبو المكارم بن المطلب، الملقب عز الدولة.

كان أستاذ دار الخليفة. فتوفي يوم الجمعة تاسع رجب هذه السنة.

***

____________

[ (1)] في ص، ط: «الميهني أبو الفتح». و انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 700، و فيه: «المهيني»، و تذكرة الحفاظ 1288، و الكامل 9/ 523).

[ (2)] في الأصل: «القاسم بن الحسين».

[ (3)] انظر ترجمته في: (الكامل 9/ 252).

256

ثم دخلت سنة اربع و عشرين و خمسمائة

فمن الحوادث فيها:

[ولاية ابن النرسي الحسبة]

أنه في خامس المحرم ولي ابن النرسي الحسبة، و عزل أبو عبد اللَّه ابن الرطبي، و ظهرت منه زلات كثيرة، و طولب بخمسمائة دينار.

قال شيخنا أبو الفضل بن ناصر: و كانت زلزلة عظيمة هائلة في [ليلة الجمعة] [ (1)] السادس عشر من ربيع الأول سنة أربع و عشرين، و كان ذلك في آخر شباط، و كنت في 110/ ب المسجد بين العشائين فماجت الأرض مرارا كثيرة/ من اليمين عن القبلة إلى الشمال، فلو دامت هلك الناس، و وقعت دور كثيرة و مساكن في الجانب الشرقي و الغربي، ثم حدث موت محمود و فتن و حروب.

و وردت الأخبار في العشر الأخير من جمادى الاولى أنه ارتفع سحاب عظيم ببلد الموصل فأمطر مطرا كثيرا.

[هدم تاج الخليفة على دجلة]

و في هذه السنة: أمر بهدم تاج الخليفة على دجلة لانه أشرف على الوقوع، فلما نقض وجد في أعلاه في الركن الشمالي مصحف جامع قد جعل في غلاف من ساج و لبس بصحائف الرصاص في رق بخط كوفي، فلم يعلم لذلك معنى إلّا أن يكون للتبرك به، ثم أعيد بناء التاج في تمام السنة.

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

257

و وصل الخبر بكسر الإفرنج من دمشق، و أنه قتل في تلك الوقعة عشرة آلاف نفس و لم يفلت منهم سوى [ (1)] أربعين نفرا.

و وصل الخبر بأن خليفة مصر الآمر بأمر اللَّه قتل فوثب عليه غلام له أرمني، فملك القاهرة و فرق على من تبعه من العسكر مالا عظيما، و أراد أن يتأمر على العسكر فخالفوه و مضوا إلى ابن الأفضل الّذي كان خليفة قبل المقتول فعاهدوه [ (2)]، و خرج فقصد القاهرة فقتلوا الغلام الّذي في القاهرة، و نهبت ثلاثة أيام و ملك ابن الأفضل.

*** ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

3957- أحمد بن أبي القاسم بن رضوان صهر ابن يوسف:

سمع القاضي أبا يعلى، و الجوهري، و كان سماعه صحيحا، و كان رجلا صالحا كثير الصدقة، و توفي سحرة يوم الأحد غرة جمادى الآخرة، و صلى عليه بجامع القصر فحضر القضاة و الفقهاء و الشهود و أرباب المناصب و الخلق الكثير، و دفن بباب حرب.

3958- إبراهيم بن عثمان بن محمد بن محمد، أبو إسحاق الغزي‏

[ (3)]:

من أهل غزة بلدة بفلسطين، و بها ولد الشافعيّ، ولد في سنة إحدى و أربعين و أربعمائة، و كان أحد فضلاء الدهر و من يضرب به المثل في صناعة الشعر، و كان له خاطر/ مستحسن و شعر مليح، و من أشعاره قوله في قصيدة يصف فيها الأتراك: 111/ أ

في فتنة من جيوش الترك ما تركت‏ * * * للرعد كراتهم [ (4)] صوتا و لا صيتا

قوم إذا قوبلوا كانوا ملائكة * * * حسنا و إن قوتلوا كانوا عفاريتا

____________

[ (1)] في ص، ط: «و لم يسلم منهم سوى».

[ (2)] على هامش المطبوعة: «و هنا تخليط، و ابن الأفضل و أبو لا شأن لهما بالخلافة، و إنما كان الأفضل وزيرا للآمر و لأبيه من قبله حتى قتله الآمر و سجن أولاده، و منهم أحمد، فلما قتل الآمر أنابوا في الخلافة الحافظ، و هو عبد المجيد بن محمد بن المستنصر، و الآمر هو أبو علي بن المستعلي بن المستنصر، و استوزر الحافظ أحمد بن الأفضل».

[ (3)] انظر ترجمته في: (شذرات الذهب 4/ 67، و الكامل 9/ 256).

[ (4)] في الأصل: «للرعل كراتهم».

258

و له:

إنما هذه الدنيا متاع [ (1)] * * * و السفيه الغويّ من يصطفيها

ما مضى فات و المؤمل غيب‏ * * * و لك الساعة التي أنت فيها

و له من قصيدة:

ليت الّذي بالعشق دونك خصّني‏ * * * يا ظالمي قسم المحبة بيننا

ألقى الهزبر فلا أخاف و ثوبه [ (2)] * * * و يروعني نظر الغزال إذا رنا

و له:

و قالوا بع فؤادك حين تهوى‏ * * * لعلك تشتري قلبا جديدا

إذا كان القديم هو المصافي‏ * * * و خان فكيف ائتمن الجديدا

و ترك قول الشعر و غسل كثيرا منه، و قال:

قالوا هجرت الشعر قلت ضرورة * * * باب البواعث و الدواعي مغلق‏

خلت البلاد فلا كريم يرتجى‏ * * * منه النوال و لا مليح يعشق‏

و من العجائبانه لا يشترى‏ * * * و يخان فيه مع الكساد و يسرق‏

خرج الغزي من مرو إلى بلخ، فتوفي في الطريق فحمل إلى بلخ فدفن بها، و كان يقول: اني لأرجو أن يعفو اللَّه عني و يرحمني لأني شيخ مسن قد جاوزت السبعين، و لأني من بلد الامام الشافعيّ.

و كان موته في هذه السنة حقق اللَّه رجاءه.

3959- الآمر باللَّه خليفة مصر

[ (3)]:

111/ ب هجم عليه عشرة [غلمان‏] [ (4)] من غلمان/ الأفضل الّذي كان من قبله فقتلوه في ثاني ذي القعدة من هذه السنة.

____________

[ (1)] في ص، ط: «إنما هذه الحياة متاع».

[ (2)] في الأصل: «فلا أخاف نيويه».

[ (3)] في الأصل: «قال الناسخ: هكذا وجدته ها هنا، و إنما وجدته في غير هذا التاريخ الآمر بأحكام اللَّه، و هو الأليق، و اللَّه أعلم». و انظر ترجمته في: (الكامل 9/ 255).

[ (4)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

259

3960- الحسين بن محمد بن عبد الوهاب بن أحمد بن محمد بن الحسين عبيد اللَّه [ (1)] بن القاسم بن سليمان بن وهب أبو عبد اللَّه النحويّ الشاعر المعروف بالبارع أخو أبي الكرم المبارك بن فاخر النحويّ لأمه‏

[ (2)]:

ولد سنة ثلاث و أربعين و أربعمائة، و قرأ القرآن بالقراءات على أبي بكر الخياط، و أبي علي ابن البناء، و غيرهما و أقرأ، و صنف له شيخنا أبو محمد المقرئ كتابا يتضمن الخلاف بما قرأه، و سمع الحديث من القاضي أبي يعلى ابن الفراء، و ابن المسلمة، و أبي بكر الخياط، و غيرهم. و حدث عنهم.

قال المصنف: و سمعت منه الحديث، و كتب لي اجازة، و كان فاضلا عارفا باللغة و الأدب، و له شعر مليح:

أنبأنا أبو عبد اللَّه الحسين بن محمد بن عبد الوهاب البارع أنه قال:

ردي عليّ الكرى ثم اهجري سكني‏ * * * فقد قنعت بطيف منك في الوسن‏

لا تحسبي النوم مذ أوحشت أطلبه [ (3)] * * * الا رجاء خيال منك يؤنسني‏

علمت بالهجر جنبي هجر مضجعه‏ * * * و بالفراق فؤادي صحبة الحزن‏

تركتني و الهوى فردا أغالبه‏ * * * و نام ليلك عن هم يؤرقني‏

/ سلمت مما عناني فاستهنت به [ (4)] * * * لا يعرف الشجو إلّا كل ذي شجن 12/ أ

شتان بين خلي مطلق و شج‏ * * * في ربقة الحب كالمصفود في قرن‏

اللَّه في كبدي الحرى عليك و في‏ * * * قلبي المعنى بما كلفته الضمن‏

أمسيت يشهد باد من ضنا جسدي‏ * * * بداخل من جوى في القلب مكتمن‏

إن كان يوجب ضري رحمتي فرضا * * * بسوء حالي و خلي للضنا بدني‏

____________

[ (1)] في ص: «ابن محمد بن الحسن بن عبيد اللَّه».

[ (2)] في ص، ط: «بن وهب الدباس، أبو عبد اللَّه النحويّ».

و انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 201، تذكرة الحفاظ 1274، و شذرات الذهب 4/ 69، و الكامل 9/ 256).

[ (3)] في الأصل: «النوم قد أوحشت أطلبه».

[ (4)] في ص: «مما عناني فاستبهت»، و في ط: «فاشتبهت». و ما أوردناه من الأصل.

260

يا هم نفسي في قرب و في بعد * * * و ضن قلبي في حل و في ظعن‏

لو قيل لي نل من الدنيا مناك لما [ (1)] * * * جعلت غيرك لي حظا من الزمن‏

منحتك القلب لا أبغي به ثمنا * * * إلّا رضاك و وا فقري إلى الثمن‏

و له:

ذكر الأحباب و الوطنا * * * و الصبا و الإلف و السكنا

فبكى شجوا [ (2)] و حق له‏ * * * مدنف بالشوق حلف ضنا

أبعدت مرمى به طرحت [ (3)] * * * من خراسان به اليمنا

خلست من بين أضلعه‏ * * * بالنوى قلبا به ضمنا

من لمشتاق يميله‏ * * * ذات سجع [ (4)] ميلت فننا

لم تعرض بالحنين بمن‏ * * * مسعد؟ إلا و قلت أنا

لك يا ورقاء أسوة من‏ * * * لم تذيقي طرفه الوسنا

11/ ب/ بك أنسى قبل أنسك بي‏ * * * فتعالي نبد ما كمنا

نتشاكى ما نجن إذا * * * نحت شجوا صحت و احزنا

أنا لا أنت البعيد هوى‏ * * * أنا لا أنت الغريب هنا

أنا فرد يا حمام و ها * * * أنت و الإلف القرين ثنا

اسرحا رأد النهار معا * * * و اسكنا جنح الدجى غصنا

و ابكيا يا جارتيّ لما * * * لعبت أيدي الفراق بنا

كم ترى أشكو البعاد و كم‏ * * * أندب الأطلال و الزمنا

أين قلبي ما صنعت به؟ * * * ما أرى صدري له سكنا

حان يوم النفر و هو معي‏ * * * فأبى أن يصحب البدنا

أبه حادي الرفاق حدا * * * أم له داعي الفراق عنا

____________

[ (1)] في ص: «الدنيا مناك فما».

[ (2)] في ص، ط: «فبكى شجوا.

[ (3)] في الأصل، ص: «أبعدت مرمى به فرحت».

[ (4)] في ص: «ذات شجع».

261

لست يا اللَّه أتهم في‏ * * * شأنه الا ثلاث منا

خلسته لا أبرئها [ (1)] * * * عين ريم الخيف حين رنا

رفعت سجف القباب فلا * * * الفرض أدينا و لا السننا

رشقتنا عن حواجبها [ (2)] * * * بسهام تنفذ الجننا

كم أخي نسك و ذي ورع [ (3)] * * * جاء يبغي الحج فافتتنا

أنصفوا يا موحشين لنا * * * ليس هذا منكم حسنا

نحن وفد اللَّه عندكم‏ * * * ما لكم جيرانه [ (4)] و لنا

توفي البارع الثلاثاء سابع عشر جمادى الأولى من هذه السنة، و دفن بباب حرب، و كان قد ضر في آخر عمره، و كان شيخنا ابن ناصر يقول: فيه تساهل و ضعف.

3961-/ سهل بن محمود بن محمد بن إسماعيل أبو المعالي البرّاني‏

[ (5)]: 113/ أ و البرّانية من قرى بخارى، سمع الحديث الكثير [و حدث [ (6)]] و تفقه، خرج إلى مكة فأغارت العرب على الحاج فبقي هو و رفقاؤه حفاة عراة، ثم تنقلوا إلى مكة، و قد فاتت الرفقة فجاور مكة، ثم خرج إلى اليمن فركب البحر ثم مضى إلى كرمان ثم خراسان. و كان إماما فاضلا مناظرا واعظا متشاغلا بالتعبد.

و توفي ببخارى في هذه السنة.

3962- [عباد بن حميد بن طاهر بن عبد اللَّه الحسنابادي الأصفهاني:

سمع من جماعة، و روى لنا الحديث، و توفي بعد العشرين و الخمسمائة] [ (7)].

3963- محمد بن سعدون بن مرجا العبدري القرشي، أبو عامر الحافظ

[ (8)]:

أصله من برقة من بلاد المغرب، و دخل إلى بغداد في سنة أربع و ثمانين‏

____________

[ (1)] في ص: «خلسة لا أثر بها»، و كذا الأصل.

[ (2)] في ص، و الأصل: «رشقنا عن خواضبها».

[ (3)] في ص: «كم أخا سنك و ذي ورع».

[ (4)] في الأصل، ص: «ما له جيرانه».

[ (5)] في الأصل: «سهل بن محمد بن محمود بن إسماعيل، أبو المعالي».

[ (6)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (7)] هذه الترجمة ساقطة من جميع النسخ، و أوردناها من ت.

[ (8)] انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 102، و تذكرة الحفاظ 1272، و شذرات الذهب 4/ 70).

262

و أربعمائة، فسمع من طراد، و ابن النظر، و مالك البانياسي، و الحميدي، و نظرائهم، حتى سمع من مشايخنا أبا بكر بن عبد الباقي، و ابن السمرقندي، و كان يذهب مذهب داود. و كانت له معرفة بالحديث حسنة و فهم جيد، و كان متعففا في فقره، و مرض يومين.

و توفي في ربيع الآخر من هذه السنة، و دفن في مقبرة غلام الخلال.

3964- هبة اللَّه بن القاسم بن عطاء بن محمد أبو سعد المهرواني‏

[ (1)] [كان [ (2)]] حافظا لكتاب اللَّه عز و جل، نبيلا من بيت العلم و الورع و الزهد و الحديث، و كانت سيرته مرضية، انزوى في آخر عمره و ترك مخالطة الناس [و أقبل على العبادة [ (3)]].

و توفي في جمادى الاولى من هذه السنة.

***

____________

[ (1)] في الأصل، ص، ط: «ابن عطاء بن محمد بن سعد».

و انظر ترجمته في: (تذكرة الحفاظ 1275، و فيه: «المهراني»، شذرات الذهب 4/ 73، و الكامل 9/ 257).

[ (2)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (3)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

263

ثم دخلت سنة خمس و عشرين و خمسمائة

فمن الحوادث فيها.

أن دبيس بن صدقة ضل في طريقه فقبض عليه بحلة حسان بن مكتوم الكلبي من أعمال دمشق و انقطع أصحابه فلم يكن له منجى من العرب. فحمل إلى دمشق فحمله أميرها ابن طغتكين و باعه من زنكي [ (1)] بن آقسنقر [صاحب الموصل و الشام [ (2)]] بخمسين ألف دينار، و كان زنكي عدوه فظن أنه سيهلكه، فلما حصل في قبضته أكرمه و خوله المال و السلاح و قدمه على نفسه.

فلما ورد الخبر بذلك خلع على الرسول و اخرج ابن الانباري إلى جانب دمشق ليتوصل في أخذه و حمله إلى دار الخلافة، فلما وصل إلى الرحبة قبض عليه أمير الرحبة بتقدم زنكي إليه، و حمل إلى قلعة الموصل.

[وصول الخبر أن مسعودا أخا محمود قد انفصل عن سنجر]

و وصل الخبر في ربيع الأول أن مسعودا أخا محمود قد انفصل عن سنجر و جاء يطلب السلطنة، و قد اجتمع اليه جماعة من الأمراء و العساكر فاختلط أمر محمود و عزم أن يرحل إليه، فبعث الى المسترشد يستأذنه، فأجابه: إنك تعلم ما بيني و بينك من العهد و اليمين و إني لا أخرج و لا أدون عسكرا، و إذا خرجت عاد العدو و ملك [ (3)] الحلة و ربما تجدد منه ما تعلم. فقال له: متى رحلت عن العراق وجدت له حركة و خفت على‏

____________

[ (1)] في ص: «إلى دمشق فباعه أميرها ابن طغتكين من زنكي».

[ (2)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (3)] في الأصل: «و إذا خرجت عاد العهد و ملك».

264

نفسك و على المسلمين و تجدد لي أمر مع أخي فلم أقدر على المجي‏ء فقد نزلت عن اليمين التي بيننا، فمهما رأيت من المصلحة فافعله.

فخلع عليه الخلع السنية، و خرج ثم أرسل مسعود بما يطيب القلب فالتقيا و تحالفا [ (1)] و اعتنقا، و حمل مسعود الغاشية بين يديه، و بعث وزير محمود من الآلات ما 114/ أ قوم مائة و خمسين ألف دينار، و أعطاه السلطان/ العساكر و الأجناد و رحل‏

. و توفي ولد المسترشد بالجدري، و كان ابن احدى و عشرين سنة فقعدوا للعزاء به يومين، و قطع ضرب الطبل لأجله.

و في رجب: أعيد الغيار على أهل الذمة.

و توفي السلطان محمود، فأقاموا مكانه ابنه داود، و أقيمت له الخطبة ببلاد الجبل و آذربيجان، و كان أحمد بكى أتابكه، و الوزير أبو القاسم الملقب قوام الدين وزيره، و قصد حرب عمه مسعود [و تقدم [ (2)]] بقطع الجسر من رأس نهر عيسى و نصبه بباب الغربة يوم الأحد ثالث عشرين ذي القعدة فكثرت الأراجيف [لنقله‏] [ (3)] و صار مستنزها مليحا يجتمع الناس بعد العصر تحت الرقة كما كانوا يجتمعون في الرحبة.

و في يوم الاثنين الثاني عشر من شوال: أحضر كثير بن شماليق، و أبو المعالي بن شافع، و أبو المظفر ابن الصباغ و قد شهدوا شهادة زور [ (4)] اعتمدوها، و أخذوا عليها رشوة كبيرة في دار مرهونة بكتاب دين و رهن، و اعتمد الراهن و هي امرأة [ (5)] أقرت بها بعد ذلك لابنتها تقصد بذلك إخراجها عن الرهن فأقروا على ذلك، فلما ثبت أنهم [ (6)] شهدوا بالزور في القضية، أخرجوا إلى باب النوبي مع حاجب الباب و ابن النرسي المحتسب [و أقيموا على الدكة [ (7)]] و درروا ثلاثتهم و حضر ذلك الخاص و العام، و أعيدوا إلى حجرة حاجب الباب.

***

____________

[ (1)] في الأصل: «ثم أرسل معه بما يطيب قبله فالتقيا و تحالفا».

[ (2)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (3)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (4)] في الأصل: «ابن الصباغ و قرروا في شهادة الزور».

[ (5)] في الأصل: «و اعتمد الراهن و هو امرأة».

[ (6)] تقصد بذلك ... فلما ثبت أنهم»: ساقطة من ص، ط.

[ (7)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

265

ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

3965- أحمد بن علي بن محمد، أبو السعود ابن المحلي [ (1)] البزاز:

ولد/ سنة ثلاث و خمسين و أربعمائة، و سمع أبا الحسين بن المهتدي، و أبا جعفر 114/ ب ابن المسلمة، و ابن النقور، و الخطيب، و غيرهم. و حدث عنهم، و كان سماعه صحيحا، و كان شيخا صالحا ذا هيبة و ستر، سمعت منه الحديث، و رأيته يذكر بجامع المنصور في يوم عرفة.

و توفي الاثنين ثامن ربيع الأول، و دفن بمقبرة جامع المنصور.

3966- أحمد بن محمد بن عبد القاهر، أبو نصر الطوسي‏

[ (2)]:

سمع المهتدي، و ابن المسلمة، و ابن النقور، و كان سماعه صحيحا، و تفقه على أبي إسحاق، و كان شيخا لطيفا عليه نور.

قال المصنف: و سمعت منه الحديث، و أجاز لي جميع رواياته. و أنشدني أشعارا حسنة، فمنها أنه أنشدني:

على كل حال فاجعل الحزم عدة * * * تقدمه بين النوائب و الدهر

فان نلت خيرا نلته بعزيمة * * * و إن قصرت عنك الخطوب فعن عذر

و أنشدني:

لبست ثوب الرجا و الناس قد رقدوا * * * و قمت أشكو إلى مولاي ما أجد

و قلت يا عدتي في كل نائبة * * * و من عليه لكشف الضر أعتمد

و قد [مددت‏] [ (3)] يدي بالذل صاغرة * * * إليك يا خير من مدت اليه يد

فلا تردنها يا رب خائبة * * * فبحر جودك يروي كل من يرد

/ و كان أبو نصر الطوسي يصلي بمسجد في درب الشاكرية من نهر معلى، 115/ أ

____________

[ (1)] انظر ترجمته في: (شذرات الذهب 4/ 73).

[ (2)] انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 202، و فيه: «الصوفي» بدلا من «الطوسي»، شذرات الذهب 4/ 73).

[ (3)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

266

و يروي الحديث، ثم سافر إلى الموصل.

فتوفي بها يوم السبت لحادي عشرين ربيع الأول من هذه السنة.

3967- الحسن بن سلمان بن عبد اللَّه ابن الفتى، أبو علي الفقيه‏

[ (1)]:

ورد بغداد و درس بالنظاميّة و وعظ في جامع القصر، و كان له علم بالأدب و لم يكن قائما بشروط الوعظ، فكان يقول: أنا في الوعظ مبتدى، و أنا في الفقه منتهى. غير أنه أنشأ خطبا كان يذكرها في مجالس الوعظ [ (2)] ينظم فيها مذهب الأشعري، فنفقت على أهل بغداد، و مال على أصحاب الحديث و الحنابلة فاستلب عاجلا.

فتوفي في شوال هذه السنة، و غسله القاضي أبو العباس ابن الرطبي و صلي عليه في جامع القصر، و دفن في تربة الشيخ أبي إسحاق.

3968- حماد بن مسلم، الرحبيّ الدباس‏

[ (3)]:

سمع الحديث من أبي الفضل و غيره إلّا أنه كان على طريقة التصوف، يدعي المعرفة و المكاشفة و علوم الباطن، و كان عاريا من علوم الشريعة [ (4)]، و لم ينفق إلّا على الجهال، و كان ابن عقيل ينفر الناس عنه حتى إنه بلغه أنه يعطي كل من يشكو إليه الحصى [ (5)] لوزة و زبيبة ليأكلها فيبرأ، فبعث إليه ابن عقيل إن عدت إلى مثل هذا ضربت عنقك، و كان يقول: ابن عقيل عدوّي و كان الناس ينذرون [ (6)] له النذور فيقبل الأموال، 115/ ب و يفرقها على أصحابه، ثم كره قبول النذر

لقول رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم/

«إن النذر يستخرج من البخيل»،

فصار يأكل بالمنامات، كان يجي‏ء الرجل فيقول قد رأيت في المنام أعط حمادا كذا، فاجتمع له أصحاب ينفق عليهم ما يفتح له.

و مات في رمضان من هذه السنة، و دفن بالشونيزية.

____________

[ (1)] انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 202، و فيه: «الحسن بن سليمان»، و الكامل 9/ 259).

[ (2)] في الأصل: «كان يذكرها في مجلس الوعظ».

[ (3)] انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 202، شذرات الذهب 4/ 73، و الكامل 9/ 259).

[ (4)] في ص: «و كان عارية من علوم الشريعة».

[ (5)] في ص، ط: «يشكو إليه الحمى».

[ (6)] في المطبوعة: «فبعث إليه ابن عقيل عدوى، و صار الناس ينذرون».

267

3969- علي بن المستظهر، الأمير، أبو الحسن‏

[ (1)]:

توفي في رجب هذه السنة، و حمل في الزبزب، و قعدوا للعزاء به.

3970- محمد بن أحمد بن الفضل [ (2)] الماهياني:

و ماهيان قرية من قرى مرو، تفقه بمرو على أبي الفضل التميمي، ثم مضى إلى نيسابور فأقام مدة عند أبي المعالي الجويني، و تفقه عليه، و سمع بها الحديث منه، و من أبي صالح المؤذن، و من أبي بكر الشيرازي، و أبي الحسن الواحدي، ثم سافر إلى بغداد، فأقام عند أبي سعد المتولي [ (3)] يتفقه عليه، و سمع بها أبا نصر الزينبي و غيره، و توفي في رجب هذه السنة، و قد قارب التسعين، و دفن بقريته ماهيان.

3971- محمد بن الحسن بن علي بن الحسن، أبو غالب الماوردي‏

[ (4)]:

ولد سنة خمسين و اربعمائة بالبصرة، و سمع الحديث الكثير [بالبصرة و بغداد و أصبهان و كتب بخطه الكثير [ (5)]]، و كان يورق للناس، و كان شيخا صالحا و سمعت عليه الحديث، و توفي في رمضان هذه السنة، و دفن على باب مسجد الجنائز بقرب قبر معروف على الطريق، و رئي في المنام فقال: غفر اللَّه لي ببركات حديث رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم و أعطاني جميع ما أملته.

3972- محمد بن الحسين بن محمد بن علي، أبو تمام بن أبي طالب الزينبي‏

[ (6)]:

بيته معروف، [ (7)] ولد سنة ست و أربعين، و سمع من القاضيين ابن المهتدي، و ابن الفراء و توفي في ذي القعدة من هذه السنة، و صلى عليه في جامع الخليفة ابن عمه علي بن طراد، و دفن في تربة أبي الحسن القزويني بالحربية.

____________

[ (1)] انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 203).

[ (2)] في ت: «ابن أبي الفضل المباهياني».

و انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 203، و فيه: «الماهاني»).

[ (3)] في الأصل: «عند أبي سعيد».

[ (4)] انظر ترجمته في: (الكامل 9/ 260).

[ (5)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (6)] في الأصل: «محمد بن الحسن بن محمد».

[ (7)] في ت: «بكنيته معروف».

268

3973- محمد بن عمر بن عبد العزيز بن طاهر، أبو بكر الحنفي المقرئ يعرف بكاك‏

[ (1)]:

من أهل بخارى سافر البلاد فسمع بنيسابور و بخارى و سمرقند [و همذان‏] [ (2)] و بغداد، و أقام بها مدة، ثم عاد إلى ما وراء النهر، و سكن سمرقند ثم عاد إلى الحجاز و حدث بالحرمين و غيرهما، و كان أديبا فاضلا صالحا مكثرا من الحديث.

و توفي [بالأجفر] [ (3)] في محرم هذه السنة.

3974- محمود [بن محمد]، بن ملك شاه‏

[ (4)]:

توفي يوم الخميس خامس عشر شوال من هذه السنة، و جلس الناس للعزاء به ثلاثة أيام.

3975- هبة اللَّه بن محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن العباس بن الحصين، أبو القاسم الشيبانيّ الكاتب‏

[ (5)]:

ولد سنة اثنتين و ثلاثين و أربعمائة و بكر به أبوه و بأخيه أبي غالب عبد الواحد، فأسمعهما من أبي علي ابن المذهب، و أبي طالب بن غيلان، و التنوخي و غيرهم، و عمر حتى صار سيد أهل عصره، فرحل إليه الطلبة و ازدحموا عليه، و كان ثقة صحيح السماع، و سمعت منه مسند الإمام أحمد جميعه، و الغيلانيات جميعها، و أجزاء المزكي، و هو آخر من حدث بذاك، و سمعت منه غير ذلك بقراءة شيخنا ابن ناصر، و كنت/ ممن كتبها عنه، و توفي بين الظهر و العصر في يوم الأربعاء رابع عشر شوال، و ترك إلى يوم الجمعة، و أشرف على غسله شيخنا أبو الفضل بن ناصر و صلى عليه أيضا بوصية منه في جامع القصر، ثم حمل إلى جامع المنصور فصلى عليه شيخنا عبد الوهاب ابن المبارك الانماطي، و دفن يومئذ بباب حرب عند بشر الحافي.

***

____________

[ (1)] في ت: «المعروف بكاك».

[ (2)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (3)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (4)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

و انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 203، و شذرات الذهب 4/ 76، و الكامل 9/ 259).

[ (5)] انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 203، و شذرات الذهب 4/ 77).

269

ثم دخلت سنة ست و عشرين و خمسمائة

فمن الحوادث فيها:

أنه كان قد جرى في أواخر السنة الماضية كلام يتعلق بدار الضرب و شكا العمال [ (1)] أنهم يخسرون، فنهض ابن حريقا و كذبهم، و قال: بل يربحون كثيرا، و عرض هذا الكلام على صاحب المخزن ابن طلحة فأراه عن ذلك [ (2)] و منعه من الكلام فيه، فبلغ الخبر إلى المسترشد فأمر بحسابهم، فإذا ربحهم كثير، فظهر أن صاحب المخزن يعاونهم، و ذكر أنه كان يأخذ منهم كل شهر سبعين دينارا فثبت ذلك عليه، فأمر المسترشد بنقل النظر في ذلك إلى الديوان فانكسر صاحب المخزن بذلك كسرة عظيمة، و كان تمام ذلك في أول المحرم هذه السنة فصار صاحب المخزن يجلس ساعة في المخزن بعد أن كان يكون فيه معظم النهار، و لا يحضر باب الحجرة لما ظهر من ذلك عليه.

و خرج التوقيع إلى شرف الدين الوزير بأنك المعتمد عليه، و الأمر ما تأمر به و أنت المختص بالثقة، فقوي جأشه بذلك.

و في المحرم: تقدم الخليفة بحراسة الغلات و أوجب ذلك الغلاء، فصار كر الشعير باثني عشر دينارا.

____________

[ (1)] في ت: و شكا للعمال».

[ (2)] في المطبوعة فلولاه عن ذلك.

270

و وصل مسعود بن محمود إلى بغداد في عشرة آلاف، و ورد قراجا الساقي و معه سلجوق شاه بن محمد، و كلاهما يطلب السلطنة، و انحدر زنكي بن آقسنقر الموصلي لينضم إلى مسعود، فلما بلغ تكريت خلف قراجا الملك سلجوق شاه في عدد يسير و أمرهم بمدافعة مسعود إلى أن يعود، و أسرى في يوم و ليلة إلى تكريت فواقع زنكي فهزمه و أسر جماعة من أصحابه و عاد بهم، ثم دخل السفراء بينهم فوقع الاتفاق و اجتمع مسعود و سلجوق و قراجا، و أحلفهم المسترشد على التوافق و الطاعة و الاجتماع، و كان قراجا يتحكم على مسعود [ (1)] و سلجوق جميعا.

[أرجف الناس بمجي‏ء سنجر]

و أرجف الناس بمجي‏ء سنجر، فعمل السور [ (2)]، و جبي العقار، و ظهر على كتاب كتبه الغزنوي إلى وزير سنجر فأهين، و خرجوا متوجهين لحرب السلطان سنجر بعد أن أفرد العراق جميعه للوكلاء و وقع الاتفاق و استظهر بالأيمان و ألزم المسترشد قراجا بالخروج فكرهه و لم يجد بدا من الموافقة، فإنه تهدد و توعد حتى قيل له: إن الّذي تخاف من سنجر في الآجل نحن نعجله لك الآن.

و بعث سنجر يقول: أنا العبد، فما أردت مني فعلت، فلم يقبل منه و سار الجماعة و خرج المسترشد بعدهم بأيام من باب النصر في سادس جمادى الآخرة و الكل مشاة بين 117/ ب يديه إلى أن خرج [من [ (3)]] عقد السور، ثم تقدم [ (4)]/ بأن يركب الوزير وحده إلى أن خرجوا [من [ (5)]] عقد السور، فركبوا و ضج الناس بالدعاء، و باتوا يختمون الختمات و يدعون. 116/ ب ثم رحل في ثاني رجب، و قطعت خطبة سنجر في ثالث رجب و سار على تثبط إلى خانقين، فأقام بها، و ورد سنجر إلى همذان فكانت الواقعة قريبا من الدينور، و كان مع سنجر مائة ألف و ستون ألفا، و كان مع قراجا و مسعود ثلاثون ألفا فأحصي القتلى، فكانوا

____________

[ (1)] في ص: «و كان قراجا متحكم على مسعود».

[ (2)] في ص: «فعمل السوء».

[ (3)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (4)] في الأصل: «أن خرج عقد الحلبة».

[ (5)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

271

أربعين ألفا، فقتل قراجا و أجلس طغرل بن محمد على سرير الملك، و عاد سنجر إلى بلاده و كاتب دبيسا و زنكي بقصد بغداد و فتحها، فتوجها إليها من الموصل بالعدة التامة في سبعة آلاف فارس، فبلغ المسترشد اختلاط بغداد و كسرة العسكر، فخرج من السرادق بيده سيف مجذوب، و سكن العسكر و خاف على نفسه و على الخزانة و عاد من خانقين و زنكي و دبيس قد شارفا بغداد من غربيها، فعبر الخليفة إلى الجانب الغربي في ألفي فارس و ضعف عنهما فطلب المقاربة فاشتطا و كرست ميسرته فكشف الطرحة و لبس البردة و جذب السيف و حمل العسكر فانهزما و قتلت من القوم مقتلة عظيمة، و طلب زنكي تكريت و دبيس الفرات.

[الوقعة بين طغرل بن محمد و داود بن محمود]

و في هذه السنة: كانت الوقعة بين طغرل [ (1)] بن محمد و بين داود بن محمود و آقسنقر الأحمد يكي، و كان الظفر فيها لطغرل بهمذان.

/ و فيها: وزر أنوشروان بن خالد للمسترشد، بعث إليه صاحب المخزن ابن 118/ أ طلحة يقول له: إن أمير المؤمنين قد عول عليك في الوزارة، فينبغي أن تسارع إلى ذلك، فأخذ يعتذر و يقول قد عرف حالي، و أني لما وزرت للسلطان محمود طلبت الاقالة و قد رضيت من الدنيا بمكاني هذا، فقبل عني الأرض، و سل لي الإعفاء، فلم يعف، فأجاب فعرضت عليه دار ابن صدقة فامتنع، و قال: كان له علي حق، و ذلك أنه كان يصله كل سنة بمال كثير فاقتصر على دار ابن ودعة فعمرت، و عاد دبيس بعد الهزيمة يلوذ ببلاده، و جمع جميعا و كانت الحلة و اعمالها في يد إقبال المسترشدي، و أمد بعسكر بغداد فهزم دبيس و حصل في اجمة فيها ماء و قصب ثلاثة أيام لا يطعم حتى أخرجه جماس على ظهره و خلصه، و وصل الملك داود و الأحمد يكي إلى بغداد [ (2)]، و وصل ولد منصور بن سيف الدولة يوم السبت ثالث عشرين شعبان في خمسين فارسا، فلم يعلم به أحد حتى نزل، و قبل عتبة باب النوبي و تمور علي الصخرة [ (3)]، و قال: أنا فلان بن فلان جئت إلى أمير المؤمنين فإما أن يلحقني بأبي فأستريح، و إما أن يعفو عني،

____________

[ (1)] في الأصل: «كانت وقعة بين طغرل».

[ (2)] في الأصل: «و الأحمد بلي».

[ (3)] في الأصل، ص، ط: «و تحرر على الصخرة» و ما أوردناه من ت.

272

فأنهى ذلك فعفى عنه [ (1)]، و أعطي دارا و إصطبلا و دنانير.

و في يوم الجمعة تاسع عشرين شعبان: قبض الخليفة على الوزير شرف الدين، و قبض معه على الحسين بن محمد ابن الوزان كاتب الزمام، و وكل بالوزير بباب الغربة 118/ ب و أخذ من بيته خمسا/ و سبعين قطعة فضة سوى المراكب، و نيفا و ثلاثين قطعة ذهب سوى المراكب، و وجد في داره البدنة [ (2)] الحب التي أخذها دبيس من الأمير أبي الحسن لما أسره و معضدة قيمتها مائة ألف دينار، و نقل من الرحل و الأثاث ثلاثة أيام، و نحو خمسمائة رأس من خيل و إبل و بغال سوى ما ظهر من المال.

و في آخر ذي القعدة: أخرج الوزير من الحبس و أخذ خطه بثلاثين ألفا.

قال شيخنا أبو الحسن: و أحضر نازح خادم خاتون المستظهرية فقيل له: أنت حافظ خاتون، و قد قذفت بابن المهير [ (3)]، فصفع و أخذت خيله و قريته، و قتل ابن المهير، و أظهر أنه هرب و أظهر أمرهما خدم، فكوتب سنجر بذلك و حل المسترشد إقطاعها و أقام معها في دارها من يحفظها إلى أن يأتي جواب سنجر، و أخذ إصطبل خيلها فبيع و عمر آدر و تألمت من ذلك و كتبت إلى سنجر، فقيل إنه كتب إليها يعلمها بما يريد أن يفتك بالدولة، فبعث المسترشد فأخذ الكتاب منها و هيجه ذلك على الخروج إلى القتال.

*** ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

3976- أحمد بن حامد بن محمد أبو نصر المستوفي المعروف بالعزيز:

قبض عليه الأنسابازي وزير طغرل [ (4)]، و سلم إلى بهروز الخادم فحمله إلى قلعة تكريت فقتل فيها هذه السنة، و كان من رؤساء الأعاجم.

____________

[ (1)] في الأصل: «فأنهى ذلك فاعفى عنه».

[ (2)] في الأصل: «و قد قذفت بابن المهر».

[ (3)] في ت: «أحمد بن حامد بن محمود». و انظر ترجمته في: (الكامل 9/ 267).

[ (4)] في الأصل، ت: «قبض عليه النسابادي».

273

3977- أحمد بن عبيد اللَّه بن محمد بن أحمد بن حمدان بن عمر بن عيسى بن إبراهيم/ بن سعد بن عتبة بن فرقد السلمي صاحب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم و يعرف بابن كادش العكبريّ 119/ أ و يكنى أبا العز

[ (1)]:

قال المصنف نقلت هذا النسب من خطه، سمع أقضى القضاة أبا الحسن الماوردي، و كان آخر من روى عنه، و أبا الطيب الطبري، و العشاري و الجوهري و غيرهم، و كان مكثرا و يفهم الحديث، و أجاز لي جميع مسموعاته، قد أثنى عليه جماعة منهم أبو محمد ابن الخشاب.

و قد أنبأنا محمد بن ناصر الحافظ، قال: سمعت إبراهيم بن سليمان الورديسي، يقول: سمعت أبا العز ابن كادش يقول: وضعت أنا حديثا على رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم. و أقر عندي بذلك.

و كان شيخنا أبو الفضل بن ناصر سيّئ الرأي فيه. و قال شيخنا عبد الوهاب: ما كان إلّا مخلصا.

توفي في جمادى الأولى من هذه السنة.

3978- الحسين بن إبراهيم الدينَوَريّ، أبو عبد اللَّه‏

[ (2)]:

سمع طرادا و التميمي و غيرهما، و حدث و كان سماعه صحيحا.

و توفي في يوم الأحد تاسع رمضان، و دفن بباب حرب.

3979- عبيد اللَّه بن المظفر

[ (3)]:

ابن رئيس الرؤساء توفي في هذه السنة، و كان أديبا فاضلا.

____________

[ (1)] في ت: «و يعرف بابن الكادش العكبريّ و يكنا أبا العز».

و انظر ترجمته في: (شذرات الذهب 4/ 78، و الكامل 9/ 267،.

[ (2)] انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 204).

[ (3)] في ص، ط: «عبد اللَّه بن المظفر».

و انظر ترجمته في: (الكامل 9/ 267).

274

3980- محمد بن محمد بن الحسين بن محمد ابن الفراء، أبو الحسين بن أبي يعلى‏

[ (1)]:

ولد في شعبان سنة إحدى و خمسين و أربعمائة، و سمع أباه، و الخطيب، و أبا الغنائم ابن المأمون، و أبا الحسين ابن المهتدي، و ابن النقور و غيرهم، و تفقه و ناظر، و كان متشددا في السنة، و كان يبيت في داره بباب المراتب وحده فعلم بعض من كان 119/ ب يخدمه/ و يتردد إليه بأن له مالا، فدخلوا عليه ليلا فأخذوا المال و قتلوه في ليلة الجمعة عاشر محرم هذه السنة، و قدر اللَّه أنهم وقعوا كلهم و قتلوا.

***

____________

[ (1)] في الأصل: «أبو الحسن بن أبي يعلى».

و انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 204، و شذرات الذهب 4/ 79، و الكامل 9/ 267).

275

ثم دخلت سنة سبع و عشرين و خمسمائة

فمن الحوادث فيها:

أنه دخل مسعود بن محمود في صفر، فمضى الوزير في الموكب إلى داره ليهنئه ثم خطب له بالسلطنة، و من بعده لداود ابن أخيه، و نثرت الدنانير بجامع القصر حين الخطبة و خلع عليهما و على الأمير آقسنقر الأحمد يكي بباب الحجرة، و عادوا في السفن و ذلك في خامس ربيع الأول.

و في آخر ذلك اليوم، خرج رحل المسترشد إلى الرملة، و خرج في صبيحة الاثنين سادس الشهر في شبارة مصعدا إلى مشرعة التستريين [ (1)]، و كان على صدر السفينة يرنقش البازدار قائما بيده سيف مشهور و آقسنقر الأحمد يكي قائما بين يديه، و في الشبارة صاحب المخزن و نظر و مرتجى الخادم و ركب من هناك إلى المضارب، و مشى الملكان بين يديه مسافة يسيرة، ثم أمرهما بالركوب فسيرهما إلى آذربيجان بعد أن خلع عليهما، و عاد هو و ضم إليهما نظر الخادم و معه خيمة سوداء و مهد و لواء لحرب طغرل فلقوه و هزموه و استقر مسعود بهمذان، و قتل آقسنقر الأحمد يكي، و ظهر أنه قتله بإطنية، و اتهم مسعود بقتله، و ضربت [ (2)] الطبول ببغداد للبشارة.

/ و في صفر: خلع على القاضيين ابن الكرجي، و ابن يعيش، و ولي ابن الكرجي 120/ أ

____________

[ (1)] في ص، ط: «مشرعة البستريين».

[ (2)] في ص، ط: «و اتهم مسعود بأنه وضع عليه و ضربت».

276

القضاء و الحسبة بنهر معلى، و ولي ابن يعيش القضاء بباب الأزج، و سلم إليه النظر في الوقوف و التركات و الترب.

و جمع دبيس جمعا بواسط، و انضم إليه الواسطيون، و ابن أبي الخير، و بختيار، و شاق، فنفذ إليه البازدار و إقبال الخادم فهزموه و أسر بختيار.

و عزم المسترشد على المسير إلى الموصل، فعبرت الكوسات و الأعلام من الجانب الشرقي إلى الغربي يوم السبت ثاني عشر شعبان، و نودي بالجانب الشرقي من تخلف من الجند بعد يومنا هذا و لم يعبر أبيح دمه.

و نزل أمير المؤمنين في الدار الزكوية التي على الصراة، ثم رحل عنها إلى الرملة، ثم إلى المزرفة و معه نيف و ثلاثون أميرا و اثنا عشر ألف فارس، و نفذ إلى بهروز يقول له:

تنزل عن القلعة و تسلمها و تسلم الأموال و تدخل تحت الطاعة حتى نسلم إليك البلاد، فأجاب بالطاعة و قال: أنا رجل كبير عاجز عن الخدمة بل أنا أنفذ الإقامة و أنفذ مالا برسم الخدمة ففعل [ (1)] و أعفي، ثم وصل المسترشد إلى الموصل في العشرين من رمضان فحاصرها ثمانين يوما و كان القتال كل يوم، و وصل إليه أبو الهيج الكردي المقيم بالجبل و معه عساكر كثيرة، ثم إن زنكي كاتب الخليفة بأني أعطيك الأموال [ (2)] و أرحل عنا، فلم يجبه ثم رحل، و قيل: كان السبب في رحيله أنه بلغه ان مسعودا غدر و قتل الأحمد يكي و خلع 120/ ب على دبيس. و تقدم الخليفة بنقض بستان العميد/ بقصر عيسى و أخذ آجره إلى السور [ (3)].

و توفي شيخنا أبو الحسن ابن الزاغوني، و كانت له حلقة في جامع المنصور يناظر فيها قبل الصلاة ثم يعظ بعدها، و كان يجلس يوم السبت عند قبر معروف و في باب البصرة و بمسجد ابن الفاعوس، فأخذ أماكنه أبو علي بن الراذاني، و لم أعطها أنا لصغر سني، فحضرت بين يدي الوزير أنوشروان، و أوردت فصلا من المواعظ فأذن لي في الجلوس في جامع المنصور، فتكلمت فيه فحضر مجلسي أول يوم جماعة أصحابنا

____________

[ (1)] في الأصل: «مالا بحكم الخدمة ففعل».

[ (2)] في ص: «بأنى نعطيك». و في الأصل: «بالي عليك». و ما أردناه من ت.

[ (3)] في الأصل: «و أخذ آجره إلى السرير».

277

الكبار من الفقهاء، منهم عبد الواحد بن شنيف، و أبو علي ابن القاضي، و أبو بكر بن عيسى، و ابن قسامي و غيرهم، ثم تكلمت في مسجد عند قبر معروف و في باب البصرة و بنهر معلى، و اتصلت المجالس و كثر الزحام، و قوي اشتغالي بفنون العلوم، و سمعت من أبي بكر الدينَوَريّ الفقه، و على أبي منصور الجواليقيّ اللغة، و تتبعت مشايخ الحديث، و انقطعت مجالس أبي علي ابن الراذاني، و اتصلت مجالسي لكثرة اشتغالي بالعلم.

*** ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

3981- أحمد بن سلامة، بن عبيد اللَّه بن مخلد بن إبراهيم، أبو العباس ابن الرطبي الكرخي‏

[ (1)]:

من كرخ جدان، تفقه على أبي إسحاق الشيرازي، و أبي نصر ابن الصباغ، ثم خرج إلى أصبهان فتفقه علي محمد بن ثابت الخجنديّ، و سمع الحديث من أبي القاسم ابن البسري، و أبي نصر الزينبي، و غيرهما و ولى القضاء بالحريم و الحسبة أيضا/ و كان له قرب إلى خدمة الخليفة، و كان يؤدب أولاده، و توفي ليلة [الاثنين مستهل‏] [ (2)] 121/ أ رجب من هذه السنة، و صلى عليه بجامع القصر، و دفن عند قبر الشيخ أبي إسحاق بباب ابرز، و قال رفيقنا موسى بن غريب بن شبابة التبريزي، و كان صاحب القاضي أبي العباس: دخلت عليه و هو في الموت و هو يأمر بتجهيزه و تكفينه و موضع دفنه و ما على قلبه من مزعج كأنه ينتقل من دار إلى دار.

3982- أحمد بن الحسن بن أحمد بن عبد اللَّه ابن البناء، أبو غالب‏

[ (3)].

ولد سنة خمس و أربعين و أربعمائة، و سمع أبا محمد الجوهري [ (4)]، و أبا

____________

[ (1)] انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 205، و تذكرة الحفاظ 1288، و شذرات الذهب 4/ 80، و الكامل 9/ 272).

[ (2)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (3)] انظر ترجمته في: (تذكرة الحفاظ 1288، و فيه: «أحمد بن أبي علي الحسن بن أحمد ...»).

[ (4)] في الأصل: «و جمع أبا محمد الجوهري».

278

الحسين بن حسنون، و أبا يعلى القاضي، و أبا الحسين ابن المهتدي، و أبا الغنائم ابن المأمون، و غيرهم، و سمعت منه الحديث، و كان ثقة.

و توفي في ربيع الأول من هذه السنة، و قيل في صفر.

3983- أسعد بن صاعد بن إسماعيل أبو المعالي الحنفي‏

[ (1)]:

خطيب جامع نيسابور، سمع أباه، و جده، و أبا بكر الشيرازي و غيرهم، و كان من بيت العلم و القضاء و الخطابة و التدريس و التذاكير، و اشتغل بالعلم حتى أربى على أقرانه، و كانت إليه الخطابة و التذاكير و التدريس ببلده، و كان مقبولا عند السلاطين، ورد بغداد فسمع من شيخنا أبي القاسم بن الحصين.

و توفي في ذي القعدة من هذه السنة بنيسابور.

3984- الحسن بن محمد بن إبراهيم [بن أحمد] بن علي [أبو نصر] اليونارتي:

[ (2)] و يونارت قرية من قرى أصبهان، ولد سنة ست و ستين و أربعمائة، و رحل و سمع/ 121/ ب و جمع و كتب و خرج التاريخ، و كان مليح الخط حسن القراءة، و توفي في شوال هذه السنة بأصبهان.

3985- علي بن عبيد اللَّه [ (3)] بن نصر بن السري الزاغوني، أبو الحسن‏

[ (4)]:

قرأ القرآن بالقراءات، و سمع الحديث الكثير من الصريفيني، و ابن النقور، و ابن المأمون، و غيرهم. و قرأ من كتب اللغة و النحو، و تفقه على يعقوب البرزباني، و كان‏

____________

[ (1)] في ت: «أسعد بن صاعد بن منصور بن إسماعيل».

[ (2)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، ط، و أردناه من ت، و في الأصل: «التورتاني، و تورتان قرية من قرى أصبهان، و هو خطأ، و التصحيح من تذكرة الحفاظ.

و انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 205، و فيه: «البوباري»، و تذكرة الحفاظ 1286، و شذرات الذهب 4/ 80).

[ (3)] في الأصل: «الحسن بن عبيد اللَّه».

[ (4)] الزاغوني: «نسبة إلى قرية زاغونى من أعمال بغداد».

و انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 205، و تذكرة الحفاظ 1288، و شذرات الذهب 4/ 80، و الكامل 9/ 272).

279

متفننا في علوم، مصنفا في الأصول و الفروع، و أنشأ الخطب و الوعظ، و وعظ، و صحبته زمانا فسمعت منه الحديث و علقت عنه من الفقه و الوعظ، و توفي في يوم الأحد سابع عشر محرم هذه السنة و صلي عليه بجامع المنصور و جامع القصر، [ (1)] و دفن بباب حرب، و كان جمع جنازته يفوق الإحصاء.

3986- علي بن يعلى بن عوض أبو القاسم العلويّ الهروي‏

[ (2)]:

سمع من أبي عامر الأزدي جامع الترمذي [ (3)]، و سمع كثيرا من الحديث و وعظ، و كان له القبول بنيسابور [و غيرها [ (4)]]، و ورد بغداد فوعظ، و سمع فيها مسند الامام أحمد على شيخنا أبي القاسم بن الحصين، و كان يورد الأحاديث بأسانيدها و يظهر السنة، فحصل له ببغداد مال، و حملت إليه و أنا صغير السن و حفظني مجلسا من الوعظ، فتكلمت بين يديه يوم ودع الناس عند سور بغداد، ثم خرج و ورد مرو.

فتوفي بمروالروذ في هذه السنة، و دفن بها.

3987- محمد بن أحمد بن يحيى، أبو عبد اللَّه العثماني الدّيباجي‏

[ (5)]:

من أولاد محمد بن عبد اللَّه بن عمرو [ (6)] بن عثمان بن عفان، أصل أبي عبد اللَّه العثماني من مكة، و هو من أهل نابلس، و يقال له: القدسي، و سمع الحديث و تفقه، و كان غاليا/ في مذهب الأشعري، و كان يعظ بجامع القصر، و أنشد يوما في 122/ أ مجلسه:

دع جفوني يحق لي أن أنوحا * * * لم تدع لي الذنوب قلبا صحيحا

أخلقت بهجتي أكف المعاصي [ (7)] * * * و نعاني المشيب نعيا فصيحا

____________

[ (1)] «و جامع القصر»: ساقط من ص، ط.

[ (2)] انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 205، و الكامل 9/ 272).

[ (3)] في الأصل: «أبي علي الأزدي جامع التوجدي».

[ (4)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (5)] انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 205، و الكامل 9/ 272، و فيه: «محمد بن أحمد بن علي، أبو عبد اللَّه العثماني»).

[ (6)] في ت: «من أولاد محمد بن بن الديباجي بن عبد اللَّه بن عمر».

[ (7)] في ص ط: «أخلقت مهجتي أكف المعاصي».

280

كلما قلت قد برا جرح قلبي‏ * * * عاد قلبي من الذنوب جريحا

إنما الفوز و النعيم لعبد * * * جاء في الحشر آمنا مستريحا

توفي العثماني يوم الأحد سابع عشرين صفر من هذه السنة [ (1)]، و دفن في الوردية.

3988- محمد بن أحمد بن عبيد اللَّه بن الحسين بن دحروج أبو بكر

[ (2)]:

سمع أبا الحسين ابن النقور و الصريفيني، و حدث و روى عنه أشياخنا.

و توفي في رجب هذه السنة، و دفن بمقبرة باب حرب.

3989- محمد بن أحمد بن محمد بن صاعد، أبو سعيد النيسابورىّ الصاعدي‏

[ (3)]:

ولد سنة أربع و أربعين و أربعمائة، و سمع عبد الغافر بن محمد، و أبا القاسم القشيري، و أبا حفص عمر بن أحمد بن مسرور، و غيرهم. و قدم بغداد في سنة ثلاث و خمسمائة، حدث فسمع منه شيخنا عبد الوهاب، و شيخنا ابن ناصر، و خلق كثير، و كان رئيس بلدته و قاضيها، و كانت له دنيا واسعة و منزلة عظيمة عند الخواص و العوام.

و توفي بنيسابور يوم السبت ثاني عشر ذي الحجة من هذه السنة.

3990- محمد بن الحسين [ (4)] بن علي بن إبراهيم بن عبد اللَّه، أبو بكر و يعرف بالمزرفي‏

[ (5)]:

و لم يكن من المزرفة و إنما كان انتقل إلى المزرفة أيام [ (6)] الفتنة، فأقام بها مدة، فلما رجع قيل له المزرفي، ولد أبو بكر في سلخ سنة تسع و ثمانين و أربعمائة، قرأ القرآن بالقراءات، و سمع الحديث الكثير من ابن المهتدي، و ابن الصريفيني، و أقرأ

____________

[ (1)] في الأصل: «الأحد سابع عشر صفر من هذه السنة».

[ (2)] في الأصل: «بن عبد اللَّه بن الحسين».

[ (3)] انظر ترجمته في: (تذكرة الحفاظ 1288، و شذرات الذهب 4/ 82، و الكامل 9/ 272).

[ (4)] في الأصل: «محمد بن الحسن».

[ (5)] انظر ترجمته في: (تذكرة الحفاظ 1288، و شذرات الذهب 4/ 81، و فيه: «المزرقي»).

[ (6)] في الأصل: «انتقل أبوه إلى المزرفة أيام».

281

و روى و تفرد بعلم الفرائض، و سمعت منه الحديث، و كان ثقة ثبتا عالما حسن العقيدة.

و توفي يوم السبت من محرم هذه السنة، و دفن بمقبرة باب حرب، و قيل إنه مات في سجوده.

3991- محمد بن محمد بن الحسين بن محمد بن أحمد بن خلف، أبو خازم بن أبي يعلى ابن الفراء

[ (1)]:

ولد سنة تسع و خمسين و أربعمائة، و سمع من ابن المسلمة [ (2)]، و ابن المأمون، و جابر بن ياسين، و غيرهم، و كان من الفقهاء الزاهدين و من الأخيار الصالحين.

توفي يوم الاثنين تاسع عشر صفر و دفن بداره بباب الأزج، ثم نقل في سنة أربع و ثلاثين إلى مقبرة باب حرب، فدفن عند أبيه.

***

____________

[ (1)] انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 206، تذكرة الحفاظ 1288، و شذرات الذهب 4/ 82).

[ (2)] في الأصل: «و سمع من ابن المنذر».

282

ثم دخلت سنة ثمان و عشرين و خمسمائة

فمن الحوادث فيها:

أنه في المحرم قتل رجل يقال (له) علي الحمامي زوجته لأمر اتهمها به و هرب.

و خلع على إقبال الخادم خلع الملوك، و لقب ملك العرب سيف الدولة، فركب بالخلع فحضر الديوان فقرئ عليه منشور و نثر عليه دنانير.

و وقع الاتفاق مع زنكي بن آقسنقر، و وصلت رسله بالحمل و الهدايا.

123/ أ و عزل أنوشروان/ بن خالد عن الوزارة من غير أن يؤذى بسبب بل نزل في سفينة بعد العتمة و صعد إلى داره بالحريم، و أعيد إليها أبو القاسم بن طراد.

و قبض على نظر الخادم و حبس في سرداب و استصفيت أمواله [ (1)].

و في ربيع الأول من هذه السنة: [ (2)] خلع على الوزير ابن طراد خلع الوزارة و زيد في مركب الفرس طوقا و أعطى ثلاثة عشر عملا كوسات و أعماما و مهدا و ركب إلى الديوان.

و في جمادى الأولى: بعث القاضي الهيتي رسولا [ (3)] إلى زنكي إلى الموصل، و عاد في جمادى الآخرة و بين يديه فرس و مركب ذهب خلعه عليه زنكي.

____________

[ (1)] في الأصل: «و عزل أبو غزوان بن خالد».

[ (2)] في الأصل: «و استوقنت أمواله».

[ (3)] في الأصل: «بعث القاضي الهاتي رسولا».

283

و قدم رسول سنجر فخلع عليه و هيئت خلع لسنجر بمائة ألف و نيف و عشرين ألف دينار، فرحل بها ابن الأنباري مع رسول سنجر في جمادى الآخرة، ثم بعث المسترشد إلى بهروز الخادم إلى القلعة يقول له: أنت مقيم و معك الأموال، فينبغي أن تعطينا منها شيئا نفرقه على العسكر [ (1)]، فأبى، فبعث إليه عسكرا فحاصره [ (2)] و وقع القتال في أول شعبان، ثم صانع بإنفاذ مال.

و في هذه الأيام حبس محمود المولد في ممطورة [ (3)]، و اتهم بأنه يكتب ملطفات [ (4)].

و قدم البقش السلاحي طالبا للخدمة [ (5)] مع المسترشد، و هو من أكابر الأتراك، و خلع الخليفة على جميع الأمراء ثم عرض العسكر يوم عيد الفطر و نودي: لا يختلط بالعساكر أحد من العوام، و من ركب بغلا أو حمارا في هذا اليوم أبيح دمه فما تجاسر/ أحد أن يفعل ذلك، و خرج الوزير شرف الدين و صاحب المخزن و قاضي القضاة 123/ ب و نقيب النقباء و أرباب الدولة في زي لم ير مثله من الخيل المجفجفة [ (6)]، و العسكر اللابس و العدة الحسنة، و كل أمير يقبل في أصحابه بخلعة الخليفة فكان العسكر خمسة عشر ألف فارس سوى من كان غائبا عن البلد، و لم ير عيد خرج فيه [ (7)] أرباب المناصب إلّا هذا.

و في حادي عشر شوال: وقع حريق في خان السلسلة الّذي عند باب دار الخليفة، فتلف مال لا يحصى، و سببه أن الخاني طبخ فعلقت النار بشي‏ء و هو لا يعلم، فلما علم ظن أنه لا يقدر على إطفائه فلم يفتح الباب لأحد فاستوعب النار الكل.

____________

[ (1)] في الأصل: «تفرقه على العسكر».

[ (2)] في الأصل: «فبعث اليه عسكر الخاصة».

[ (3)] في الأصل: «في مطمورة».

[ (4)] في الأصل: «يكبت مطالعات».

[ (5)] في الأصل: «الصلاحي طالبا للخدمة».

[ (6)] في الأصل: «من الخيل المخففة».

[ (7)] في الأصل: «و لم يركب خرج فيه».

284

و في هذه السنة: عاد طغرل إلى همذان، و مالت العساكر إليه، و توطد له الملك و انحل أمر أخيه مسعود، و كان السبب أن الخليفة بعث بخلع إلى خوارزم شاه فأشار دبيس على طغرل فقال: الصواب أن تأخذ هذه الخلع و تظهر أن الخليفة قد نفذها لنا فلا يبقى مع مسعود أحد، و بعث الخليفة: إلى مسعود يستحثه على المجي‏ء ليرفع منه، فدخل أصبهان في زي التركمان، و خاطر إلى أن دخل بغداد في نحو ثلاثين فارسا، فبعث إليه التحف الكثيرة، و وجدت ملطفات مع قوم إلى طغرل فاستكشف الوزير الحال، فإذا هي جواب مكتوب قد كتبه طغرل إلى الأمراء الذين مع الخليفة، و قد نفذ لهم خاتمه، فلما وقف على ذلك الخليفة قبض على أحد الأمراء فهرب البقية 124/ أ إلى السلطان مسعود و رموا أنفسهم بين يديه [ (1)]، و قالوا: نحن عبيدك،/ فإذا خذلتنا قتلنا الخليفة، فبعث الخليفة يطلبهم فقال: قد اجتمعوا بى فلا أسلمهم، فقال أمير المؤمنين: إنّما أفعل هذا لأجلك و أنصبك نوبة بعد نوبة [ (2)]. و وقع الاختلاف بينهما و اختلط العسكر و مدوا أيديهم إلى أذى المسلمين، و تعذر المشي في الحال، فبعث إليه الخليفة يقول له: تنصرف إلى بعض الجهات و تأخذ العسكر الذين صاروا إليك، فرحل يوم الاثنين رابع عشرين ذي الحجة و القلوب غير طيبة، فأقام بدار الغربة.

و تواترت الاخبار بتوجه طغرل الى العراق، فلما كان يوم السبت سلخ ذي الحجة نفذ الخليفة إلى مسعود الخلع و الطوق و التاج و تخوت ثياب و تحف بثلاثين ألف دينار، و صحبها النقيبان و مرتجى الخادم، فلما وصلت الخلع إليه أقام و لم يرحل.

و في هذا الشهر: نقضت دار خواجا بزرك على شاطئ دجلة في مشرعة درب زاخل، و نقلت آلتها إلى دار الخليفة.

*** ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

3992- أحمد بن إبراهيم، أبو الوفاء الفيروزآبادي‏

[ (3)]:

____________

[ (1)] في الأصل: «و رموا أنفسهم بين يديه».

[ (2)] في الأصل: «لأجلك و أنصرك نوبة بعد نوبة».

[ (3)] في ت: «أحمد بن علي بن إبراهيم».

285

و فيروزآباد أحد بلاد فارس، سمع الحديث من أبي طاهر الباقلاوي، و أبي الحسن الهكاري، و خدم المشايخ المتصوفين، و سكن رباط الزوزني المقابل لجامع المنصور، و كانت أخلاقه لطيفة، و كلامه مستحلى، كان يحفظ من سير الصالحين و أخبارهم [ (1)] و أشعارهم الكثير، و كان على طرائقهم في سماع الغناء و الرقص و غير ذلك، و كان يقول لشيخنا عبد الوهاب: إني لأدعو لك وقت السماع، و كان شيخنا يتعجب، و يقول: أ ليس هذا يعتقد أن ذلك وقت إجابة.

توفي أبو الوفاء ليلة الاثنين حادي عشر صفر هذه السنة، و صلى عليه من الغد بجامع المنصور خلق كثير، منهم أرباب الدولة، و قاضي القضاة. و دفن على باب الرباط، و عمل له يوم السبت ثالث عشر صفر دعوة عظيمة أنفق فيها مال بين جامع المنصور و الرباط على عادة الصوفية إذا مات لهم ميت، فاجتمع من المتصوفة و الجند و العوام خلق كثير.

3993- الحسن بن إبراهيم بن علي بن برهون، أبو علي الفارقيّ‏

[ (2)]:

من أهل ميافارقين، ولد بها في سنة ثلاث و ثلاثين و أربعمائة، و تفقه بها على أبي عبد اللَّه محمد بن بيان الكازروني، و كان صاحب المحاملي، فلما توفي الكازروني قصد أبا إسحاق الشيرازي في سنة ست و خمسين، فتفقه عليه، قال:

فنزلت في خان حذاء مسجد أبي إسحاق بباب المراتب، و كان يسكنه أصحاب الشيخ و من يتفقه عليه، فإذا كثرنا كنا حوالي العشرين، و إذا قل عددنا كنا حوالي العشرة، و كان الشيخ أبو إسحاق يذكر التعليقة في أربع سنين فيصير المتفقه في هذه الأربع سنين فيها مستغنيا عن الجلوس بين يدي أحد، و كان يذكر درسا بالغداء و درسا بالعشي، فلما كانت سنة ستين عبرت إلى الجانب الغربي إلى الشيخ أبي نصر بن و انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 206، و فيه: «أحمد بن علي بن إبراهيم»، و شذرات الذهب 4/ 82، و فيه: «أحمد بن علي الشيرازي»).

____________

[ (1)] في الأصل، و ت: «من سير الصوفية و أخبارهم».

[ (2)] انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 206، و فيه: «الحسن بن إبراهيم بن مرهون»، و شذرات الذهب 4/ 85، و الكامل 9/ 277).

286

الصباغ/ قرأت عليه الشامل، ثم عدت إلى الشيخ أبي إسحاق فلازمته إلى حين وفاته.

سمع أبو علي الحديث من أبي الغنائم ابن المأمون، و أبي جعفر ابن المسلمة، و أبي إسحاق، و ولي القضاء بواسط و أعمالها و سكنها إلى حين وفاته، و كان زاهدا ورعا مهيبا، لا يحابي أحدا في الحكومات، و كان يتشاغل بإعادة العلم مع كبره، و كان 125/ أ في آخره عمره يقول لأصحابه إذا حضروا الدرس: كررت البارحة/ الربع الفلاني من المهذب، و كررت بارحة الأولى الربع الفلاني من الشامل، و كانت حواسه صحاحا و عقله كاملا.

و توفي بواسط في محرم هذه السنة، و هو ابن ست و تسعين.

3994- عبد اللَّه بن محمد [بن أحمد بن الحسين، أبو محمد] بن أبي بكر الشاشي‏

[ (1)]:

ولد سنة إحدى و ثمانين و أربعمائة، و سمع أبا عبد اللَّه بن طلحة النعالي و غيره، و تفقه على أبيه و ناظر و أفتى، و كان فاضلا ظريف [الشمائل‏] [ (2)] مليح المحاورة حسن العبارة، و حضرت مجلس وعظه، و كان ينشئ الكلام المطابق المجانس و يقوله في المجلس، سمعته يقول في مجلس وعظه: أين القدود العالية و الخدود الوردية، امتلأت بها العالية و الوردية. و هذا اسم مقبرتين في نهر معلى. و حضر يوما آخر النهار في التاجية للوعظ، و كان في السماء غير فارتجل في الطريق أبياتا و أنشدها في آخر المجلس، و هي:

قضية أعجب بها قضية * * * جلوسنا الليلة في التاجيه‏

و الجو في حلته الفضية * * * صقالها قعقعة رعديه‏

____________

[ (1)] في ت: «عبيد اللَّه بن محمد بن أحمد بن الحسين، أبو محمد». و ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، ص، ط.

و انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 207، و الكامل 9/ 277).

[ (2)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

287

أعلامها شعشعة برقيه‏ * * * تنثر من أردانها العطريه‏

ذائب در ينشر البرية * * * و الشمس تبدو تارة جليه‏

ثم تراها مرة خفيه‏ * * * كأنها جارية حيية

حتى إذا كانت لنا العشية * * * نضت لباس الغيم بالكلية

و أسفرت في الجهة الغربية * * * صفراء في ملحفة ورسيه‏

كرامة أعرفها شاشيه‏

و من أشعاره:

الدمع دما يسيل من أجفاني‏ * * * إن عشت مع البكاء ما أجفاني‏

سجني شجني و همتي سجاني‏ * * * و العاذل بالملام قد شجاني‏

و الذكر لهم يزيد في أشجاني‏ * * * و النوح مع الحمام قد أشجاني‏

ضاقت ببعاد مهجتي أعطاني‏ * * * و البين يد الهموم قد أعطاني‏

توفي أبو محمد ثاني المحرم و صلي عليه بجامع مع القصر، و دفن عند قبر أبيه في تربة الشيخ أبي إسحاق.

3995- عبد اللَّه بن المبارك [ (1)] بن الحسن العكبريّ، أبو محمد المقرئ، و يعرف بابن نبال‏

[ (2)]:

سمع أبا نصر الزينبي، و أبا الغنائم بن أبي عثمان، و عاصما و غيرهم، و حدث و تفقه على أبي الوفاء بن عقيل، و أبي سعد البرداني، و كان صحيح السماع من أهل السنة، و باع ملكا له و اشترى كتاب الفنون و كتاب الفصول لابن عقيل، و وقفهما على المسلمين.

و توفي ليلة الثلاثاء الثاني و العشرين من جمادى الأولى، و دفن بباب حرب.

3996- عبد الخالق بن عبد الواسع [ (3)]، بن عبد الهادي بن عبد اللَّه، أبو الفتوح ابن أبي رفاعة الأنصاري:

[ (4)]

____________

[ (1)] في ت: «عبيد اللَّه بن المبارك».

[ (2)] انظر ترجمته في: (شذرات الذهب 4/ 85).

[ (3)] في ت: «عبد الخلاق بن عبد الواسع».

[ (4)] «الأنصاري»: ساقطة من ص.

288

جمع و حدث و كان جوادا، حسن الأخلاق، لطيف الشمائل، روى عنه أشياخنا.

و توفي في شعبان هذه السنة.

3997- عبد الواحد بن شنيف، أبو الفرج‏

[ (1)]:

126/ أ تفقه على أبي علي البرداني، و كان مناظرا مجودا/ و أمينا من قبل القضاة و مشرفا على خزانة السلطان [ (2)]، و كانت له فطنة عظيمة و شجاعة و قوة قلب.

حدثني أبو الحسن بن عربية قال: كان تحت يده مال لصبي، و كان قد قبض المال و للصبي فهم و فطنة فكتب الصبي جملة التركة عنده و أثبت ما يأخذه من الشيخ، فلما مرض الشيخ أحضر الصبي، و قال له: أي شي‏ء لك عندي؟ فقال: و اللَّه ما لي عندك شي‏ء لأن تركتي وصلت إلي بحساب محسوب، و أخرج سبعين دينارا، و قال: خذ هذه لك فإنّي كنت أشتري لك بشي‏ء من مالك، و أعود فأبيعه فحصل لك هذا المال.

و حدثني أبو الحسن قال: توفي رجل حشوي بدار القز، و كان أبو العباس الرطبي يتولى التركات، فكتب إليه الشيخ عبد الواحد: تتولى تركة فلان، فحضر و اعطى زوجته حقها و أعطى الباقي ذوي أرحامه، و كتب بذلك، فكتب ابن الرطبي مع مكتوبة إليه إلى المسترشد يخبره بما صنع، و أنه ورث ذوي الأرحام، فكتب المسترشد: نعم ما فعل إذ عمل بمذهبه، و إنما الذنب [ (3)] لمن استعمل في هذا حنبليا، و قد علم مذهبه في ذلك.

و توفي عبد الواحد في شعبان هذه السنة، و خلف مالا كثيرا.

3998- محمد بن أحمد بن علي القطان، و يعرف بابن الحلاج‏

[ (4)]:

قرأ القراءات، و حدث عن أبي الغنائم ابن أبي عثمان، و كان خيرا زاهدا، كثير العبادة، دائم التلاوة، حسن الخلق، يسكن التوثة من الجانب الغربي، و كان الناس يزورونه و يتبركون به، كنت أزوره كل سبت و أنا صبي، فيدعو لي و يقرأ على صدري.

و توفي ليلة الاثنين العشرين من جمادى الآخرة [ (5)]، و صلى عليه شيخنا عبد الوهاب الحافظ، و دفن بالشونيزية، و كان جمعه متوفرا.

____________

[ (1)] انظر ترجمته في: (شذرات الذهب 4/ 85).

[ (2)] في ص، ط: «و مشرفا على خزانة السقلاطون».

[ (3)] تكررت هنا العبارة: «و إنما الذنب لمن استعمل في هذا حنبليا». في الأصل.

[ (4)] انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 207).

[ (5)] في ص، ط: «الاثنين العشرين من جمادى الأولى».

289

3999- محمد بن عبد اللَّه بن أحمد، أبو نصر الأرغياني‏

[ (1)]:

ولد سنة أربع و خمسين و أربعمائة، و سمع أبا الحسن الواحدي، و أبا بكر بن خلف، و أبا علي بن نبهان [ (2)]،/ و أبا المعالي الجويني، و عليه تفقه، و كان متنسكا 126/ ب ورعا، كثير العبادة، و توفي بنيسابور في هذه السنة.

4000- محمد بن علي بن عبد الواحد الشافعيّ، أبو رشيد

[ (3)]:

من أهل طبرستان، ولد سنة سبع و ثلاثين و أربعمائة، و حج و أقام بمكة مدة، و جمع الحديث، و حدث بشي‏ء يسير، و كان زاهدا منقطعا مشتغلا بنفسه و كان قد ركب البحر، فلما وصل إلى بعض الجزائر خرج من السفينة و ودع أصحابه، و قال: أريد أن أقيم ها هنا، فسألوه أن لا يقيم فلم يفعل، فتركوه و ذهبوا في البحر فهاجت ريح فردتهم إليه، فسألوه أن يمضي معهم فما أجاب، فمضوا فهبت الريح مرة أخرى فردتهم إليه كذلك عدة نوب، و يسألونه فيأبي. فاجتمع التجار إليه و قالوا: تسعى في إتلاف نفوسنا و أموالنا فانا كلما دفعنا و مضينا ردتنا الريح إليك فاصحبنا في دربند فإذا رجعنا فأقم هاهنا، فأجابهم و أقام معهم في دربند أياما و رجع إلى الجزيرة، و أقام بها سنتين، و كان في الجزيرة عين ماء [فكان‏] [ (4)] يشرب منها و يتوضأ، ثم رجع إلى آمل فسكنها إلى أن توفي بها في جمادى الأولى من هذه السنة، و قبره بآمل معروف يتبرك به.

قال بعض أصحابه: ذهبت إلى الجزيرة التي كان انقطع فيها فرأيت ثعبانا يبتلع ابن آدم كما هو، فزرت موضع سجوده و رجعت [ (5)].

____________

[ (1)] الأرغياني: نسبة إلى أرغيان، اسم لناحية من نواحي نيسابور بها عدة قرى مثل نسع و بان و راونير و غيرها.

و انظر ترجمته في: (شذرات الذهب 4/ 89).

[ (2)] في الأصل: «و أبا علي بن شهاب».

[ (3)] انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 207، و فيه: «محمد بن عبد الواحد الشافعيّ»، و الكامل 9/ 277).

[ (4)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (5)] في ص، ط: «فزرت مع سجوده و رجعت».

290

4001- هبة اللَّه بن عبد اللَّه بن أحمد عبد اللَّه، أبو القاسم الواسطي الشروطي‏

[ (1)]:

من أهل الكرخ، ولد سنة ثلاث و أربعين و أربعمائة، سمع أبا الغنائم بن المأمون، و أبا الحسين بن المهتدي، و أبا جعفر ابن المسلمة، و أبا بكر الخطيب، و كان ثقة صالحا فاضلا عالما مكثرا مقبلا على ما يعنيه.

توفي في ذي الحجة من هذه السنة.

4002- أم المسترشد باللَّه‏

[ (2)]:

توفيت وقت العتمة ليلة الاثنين تاسع عشر شوال هذه السنة، و أخرجت ليلا فدفنت في الرصافة [ (3)].

127/ أ و من العجائب أنه نفذ تلك الليلة/ إلى أبي القاسم بن السياف في معنى حاجة لأجل الميتة فنفذ معهم ابنا له صغيرا ليعطيهم حاجتهم، فدخلوا و معهم نقاط فوقع من النفط في أعدال قطن فاحترقت، و حصل الصبي في الخزانة وحده، و أحاطت به النار فلم يجد محيصا فاحترق.

***

____________

[ (1)] انظر ترجمته في: (شذرات الذهب 4/ 86، و فيه: «هبة اللَّه بن أحمد الواسطي الشروطي»).

[ (2)] في ت: «و من العجائب باللَّه» و كتب فوق كلمة العجائب (ح).

و انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 207، و الكامل 9/ 279).

[ (3)] في ت: «في الرصافة. أم المسترشد أنه نفذ». و كتب فوق «المسترشد» (م).

291

ثم دخلت سنة تسع و عشرين و خمسمائة

فمن الحوادث فيها:

قد ذكرنا أن أمير المؤمنين قال للسلطان مسعود أرحل عنا بأصحابك، و أنه أقام على دار الغربة متلوما فنفذ إليه الجاولي شحنة بغداد مصانعا له على الخروج، و أمر إن هو دافع أن يحط خيمه، ثم بعث إليه الخلع في سلخ ذي الحجة [ (1)]، ثم أحسن منه أنه قد باطن الأتراك و اطلع منه سوء نية، فأخرج أمير المؤمنين سرادقه [ (2)]، و ضربه عند رءوس الحيطان، و أخرج أرباب الدولة خيمهم، فوصل الخبر بأن طغرل مات يوم الأربعاء ثالث المحرم، فرحل مسعود جريدة فتلاحقه العسكر، و أعاد الخليفة سرادقه فوصل مسعود إلى همذان و اختلف عليه العسكر و انفرد عنه قزل و سنقر و غيرهما، و أسرى إليهم ففرق شملهم، فورد منهم إلى بغداد جماعة، و أخبروا بسوء ضميره منهم البازدار و قزل و سنقر، و خرج أنوشروان في أصحابه و أهله إلى خراسان لوزارة السلطان مسعود فالتقى به الأمراء الداوديّة فأخذوا جميع ما معه.

و في خامس عشر المحرم: لقي القاضي الهيتي في طريق مشهد أبي حنيفة، فأخذت ثيابه و نعليه [ (3)] و طيلسانه [ (4)]، و وقع من البلغة فوهنت يده، و قيل: إنه ضرب بالسيف مرات فلم يعمل فيه، بل تقطع كتاب كان في كمه، و قيل: إن الّذي فعل ذلك 127/ ب‏

____________

[ (1)] في ص، ط: «في سلخ ذي القعدة».

[ (2)] «و اطلع منه ... أمير المؤمنين سرادقه»: ساقطة من ص، ط.

[ (3)] كذا بالأصل و لعله «و بغلته».

[ (4)] في ت: «ثيابه و طيلسانه».

292

جماعة من العسكر الخارجين، و قيل: بل حكم على زنكي فحقد عليه/ ففعل به ذلك.

و في آخر المحرم: وصل ابن زنكي، و خرج الموكب فاستقبله و معهم قاضي القضاة و النقيبان، و دخل من باب الحلبة في موكب عظيم، و نزل فقبل العتبة، و قال: أنا و أبي عبيد هذه الدولة، و ما زالت العبيد تجني و الموالي تصفح و نحن بحكم الخدمة في أي شي‏ء صرفنا تصرفنا، و بذل أن يسلم مفاتيح الموصل و غيرها إلى الخليفة و أن يأتي أي وقت أمر، و بذل الأموال، و قيل: إنه قال: هذه والدتي و جماعة من النساء رهائن على ذلك، فبعث إليه الاقامة، و أنزل في الجانب الغربي في دار ابن الحاذوري الملاح.

و في غرة صفر: وصل رسول دبيس يقول: أنا الخاطئ المقر بذنبه، فمهما تقدم إلي امتثلته، فمات رسوله فمضى إلى مسعود.

و وصل سديد الدولة ابن الانباري من عند سنجر، و كان قد تلقى لما مضى من أربعة فراسخ، فلما أراد ابن الانباري أن يخلع على سنجر و على أولاد أخيه، قال: ما أريد أن يكون الخلع إلّا في يوم واحد و تبدأ بالأصحاب، و أكون أنا في الأخير و ضرب نوبتية عظيمة خارج البلد، و ضرب فيها تخت المملكة، و جلس و خلع على الأمراء و الملوك، ثم صعد ابن الانباري على التخت فأدى إليه رسالة الخليفة و سلم إليه المكتوب و هو في خريطة، فقام قائما و نزل و قبل الأرض و أعاد فصعد و ترك الخريطة على ركبته، و ألبس الخلع و التاج و الطوق، ثم نزل سديد الدولة فقدم الفرس بالمركب و هو منعل بالذهب، و قدم مركب أمير المؤمنين بالسيور الفرس الّذي يركبه، فنزل سنجر و قبل حافر الفرس، و عاد فصعد و جرى ذكر [ (1)] طغرل فقال: أنا أعلم أنه أعقل من مسعود و أصلح لأمير المؤمنين، و لكني قد وليته و لا أرضى لنفسي أن أتغير، ثم كتب جواب الكتاب، و قال: أنا العبد المملوك.

و في ربيع الأول: وصلت هدايا من بكبه من البصرة [ (2)] فيها القنا، و ناب الفيل، 128/ أ/ و آبنوس، و ميس و في قفصين، طاووسان ذكران و انثيان [ (3)].

____________

[ (1)] في الأصل: «و عاد فركب و جرى ذكر».

[ (2)] في ص: «وصلت هدايا من نكية من البصرة».

[ (3)] في الأصل: «طاووس ذكران و انثيان».

293

[خلع على اثنين و عشرين أميرا من السلاحية]

و في ربيع الآخر: خلع على اثنين و عشرين أميرا من السلاحية، ثم تواترت الأخبار بتغير مسعود التغير الكلي، و جمع العساكر و أن قصده بغداد فبعث الخليفة إلى بكبه فوعد بالمجي‏ء، وصل دبيس إلى حلوان و معه عسكر قد تقدمهم مسعود في المقدمة، و جمع مسعود العساكر و أقطعهم البلاد و العراق و عزم على المجي‏ء إلى بغداد و تجهز، فلما سمع الخليفة ذلك بعث مقدمته إلى المرج، و هم الجاولي شحنة بغداد و كجبه و أرغش [ (1)]، و جماعة من السلاحية في ألفين و خمسمائة فارس، و قال: تقيمون هناك و تحفظون الطريق إلى أن أصل إليكم، و بعث إلى زنكي و كان على باب دمشق قد حاصرها لما قتل تاج الملوك و ولي أخوه و كان صغيرا فطمع فيهم زنكي، فبعثوا إلى الخليفة حملا كثيرا، و خطا بخمسين ألف دينار، و قالوا: ادفع عنا زنكي و نحن نحمل هذا في كل عام، فبعث إليه تنح عنهم و اخطب للصبي و تعال معه إلى العراق حتى أخطب له و نتساعد على مسعود، فقال: السمع و الطاعة، و خطب للصبي.

و أما حديث مسعود: فإن عمه سنجر بعث بخادم يقول له: هؤلاء الأمراء الذين معك، و هم: البازدار، و ابن برسق، و قزل، و يرنقش ما يتركونك تبلغ غرضا لأنهم عليك لا معك، و هم الذين أفسدوا أمر أخيك طغرل، فإذا وقفت على المكتوب فابعث إلى رءوسهم، فأطلعهم على المكاتبة، و قال: لو أردت بكم سوءا لفعلت، فقبلوا الأرض، و قالوا الآن علمنا أنك صافي القلب لنا، فابعث دبيسا في المقدمة فلما انفصلوا عنه قالوا ما وراء هذا خير فيجب أن نمضي إلى أمير المؤمنين فإن له في رقابنا عهدا، و هذا عقد به الغدر، فكتبوا إلى أمير المؤمنين إنا قد انفصلنا عن مسعود، و نحن في بلاد ابن برسق، فان كان لك نية في الخروج فاخرج فنحن في يديك، و إلّا فاخطب لبعض أولاد/ السلاطين، و نفذ به حتى نكون معه فأجابهم: كونوا على ما أنتم عليه فأنا صائر إليكم [ (2)] 128/ ب و تجهز للخروج و بعث سديد الدولة إليهم يطيب قلوبهم و يعدهم بالإقطاع و يخبرهم أنه في أثره، فلما سمع مسعود بذلك رحل في جريدة ليكبسهم فانهزموا من بين يديه يطلبون العراق، فأخذ أموالهم و نهب البلاد و سبقهم سديد الدولة إلى بغداد مخبرا بالحال، فاعتد بالإقامة و التحف و الأموال ليتلقاهم.

____________

[ (1)] في ص: «و كجية و أرغش».

[ (2)] في ص: «ما أنتم عليه فاصابر إليكم».

294

و وقعت زلزلة شديدة ثلاث مرات ببغداد في جمادى الآخرة وقت الضحى حتى تحركت الجدران.

فلما كان يوم السبت حادي عشر رجب تقدم أمير المؤمنين إلى أصحابه بالخروج، و أخرج نوبتيته فضربها عند الثريا و أخرج أصحاب المراتب خيمهم و انزعج أهل بغداد.

و عاد دبيس إلى مسعود فأخبره بخروج المقدمة و بما الناس عليه، فبعث معه خمسة آلاف فارس لينكبسوا على المقدمة فأتوا على غفلة فأخذوا خيلهم و أموالهم فأقبلوا عراة و دخلوا بغداد يوم الخميس سادس عشر رجب [ (1)]، فعرج بهم إلى دار السلطان و حملت لهم الفروش و الأواني و الإقامة، و بكر الأمراء الكبار فجاءوا في دجلة إلى بيت النوبة فأكرموا و خلع عليهم الخلع السنية، و أطلق لهم ثمانون ألف دينار و البرك التام، و وعد بإعادة ما مضى منهم.

و في هذا اليوم: قطعت خطبة مسعود، و خطب لسنجر، و داود، و استفتي الفقهاء فيما يقابل به مسعود على أفعاله فأفتوا بعزله و قتاله [فلما كان يوم الأحد أخرج الكوس و العلم و الرحل‏] [ (2)]، فلما كان يوم الاثنين خرج أمير المؤمنين من باب البشرى [ (3)]، و ركب في الماء و نزل الناس بالسفن و أحاط بالسفينة التي فيها أمير المؤمنين الأمراء و الخدم بالسيوف المجذبة، و كان في سفينة البازدار على صدر السفينة بيده سيف مجذوب و قزل بين يديه بسيف مجذوب و الجاولي و إقبال و الخواص، و صعد عند الدكة 129/ أ فركب/ و مشى الناس كلهم بين يديه إلى أن دخل السرادق، و كان قريبا من فرسخ لأنه كان عند رءوس الحيطان، و كان العوام يضجون بالدعاء و يقربون منه، فإذا همّ الغلمان بمنعهم نهاهم أمير المؤمنين عن المنع، ثم رحل يوم الخميس ثامن شعبان في سبعة آلاف فارس، و كان مسعود بهمذان في نحو ألف و خمسمائة فارس، و كان أصحاب الأطراف يكاتبون أمير المؤمنين و يبذلون له طاعتهم فتريث في طريقه فاستصلح مسعود أكثرهم حتى صار في نحو خمسة عشر ألفا، و تسلل جماعة من أصحاب المسترشد فبقي في نحو من خمسة آلاف، و نفذ إليه زنكي نجدة فلم تلحق، و أرسل داود بن محمود [ (4)]

____________

[ (1)] في ص، ط: «يوم الجمعة سادس عشر رجب».

[ (2)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (3)] في الأصل: «من باب السري».

[ (4)] في ص: «داود بن محمد».

295

و هو بأذربيجان رسلا يشير بالميل إلى دينور ليوافي داود و ابن محمد الخدمة، فلم يفعل المسترشد.

و ضرب المصاف يوم الاثنين عاشر رمضان، فلما التقى الجمعان هرب جميع العسكر الذين كانوا مع المسترشد، و كان ميمنته البازدار، و قزل، و نور الدولة شحنة همذان، فحملوا على عسكر مسعود فهزمهم ثلاث فراسخ [ (1)]، ثم عادوا فرأوا الميسرة قد غدرت، فأخذ كل واحد منهم طريقا و أسر المسترشد و أصحابه، و أخذ ما كان معه من الأموال، و كانت صناديق المال على سبعين بغلا أربعة آلاف ألف دينار، و كان الرحل على خمسة آلاف جمل و أربعمائة بغل، و كان معه عشرة آلاف عمامة و بركان و عشرة آلاف قباء و جبة و دراعة، و عشرة آلاف قلنسوة مذهبة، و ثلاثة آلاف ثوب رومي و ممزوج و معنبر [ (2)] و دبيقيّ و مضى من الناس ما قدروه بعشرة آلاف دينار سوى الخيل و الأثاث، و نادى مسعود في عسكره المال لكم و الدم لي فمن قتل أقدته، و لم يقتل بين الصفين سوى خمسة أنفس غلطا، و نادى من أقام بعد/ الوقعة من أصحاب الخليفة ضربت 129/ ب عنقه، فهرب الناس فأخذوا بين الجبال أخذتهم التركمان و الأكراد، و منهم من أفلت عريانا، فوصلوا إلى بغداد و قد تشققت أرجلهم من الجبال و الصخور، و بقي الخليفة في الأسر، فأما وزيره ابن طراد و صاحب مخزنة ابن طلحة، و قاضي القضاة الزينبي و نقيب الطالبيين و ابن الأنباري فإنه بعث بهم إلى القلعة و بعث ببكبه شحنة إلى بغداد و معه كتاب الخليفة إلى أستاذ الدار، يقول فيه:

بسم اللَّه الرحمن الرحيم و به نستعين و الحمد للَّه رب العالمين ليعتمد الحسن [ (3)] بن جهير مراعاة الرعية و الاشتمال عليهم و حمايتهم و كف الأذى عنهم، فقد ظهر من الولد غياث الدنيا و الدين متع اللَّه به في الخدمة ما صدق به الخدمة فليجتمع، و كاتب الزمام و كاتب المخزن على إخراج العمال الى نواحي الخاص لحراستها فقد ندب من الجناب الغياثي هذا شحنة لذلك و ليهتم بكسوة الكعبة فنحن في أثر هذا المكتوب إن شاء اللَّه.

____________

[ (1)] في ص: «عسكر محمود فهزمهم ثلاث فراسخ».

[ (2)] في ص: «و ممزوج و تغيير».

[ (3)] في الأصل: «ليعتمد الحسين».

296

فلما كان يوم عيد الفطر نفر أهل بغداد و وثبوا على الخطيب و كسروا المنبر و الشباك و منعوا من الخطبة، و خرجوا إلى الأسواق يحثون على رءوسهم التراب و يبكون و يصرخون، فاقتتل أصحاب الشحنة و العوام، و خرج النساء حاسرات يندبن في الأسواق و تحت التاج، و كان الشحنة قد عزم أن يجوز في الأسواق، فاجتمع العوام على رجمه و هاشوا فاقتتل أصحاب الشحنة و العوام، فقتل من العوام مائة و ثلاثة و خمسون، و هرب أبو الكرم الوالي، و حاجب الباب إلى دار خاتون، و رمى أصحاب الشحنة الأبواب الحديد التي على السور، و فتحوا فيه فتحات، و أشرفت بغداد على النهب، فنادى 130/ أ الشحنة: لا ينزل أحد في دار أحد و لا يؤخذ من أحد شي‏ء،/ و إنما جئنا لنصلح، و ان السلطان سائر إلى العراق بين يدي أمير المؤمنين و على كتفه الغاشية، فسكن الناس و طلب السلطان من أمير المؤمنين نظر الخادم فأنفذ فأطلقه و بعثه إليه، و اختلف الأراجيف، فقوم يقولون: إن السلطان ينتظر جواب عمه سنجر، و قوم يقولون: يصل عن قليل، و قوم يقولون: ان داود قد عزم على قتال مسعود و استنقاذ الخليفة منه فسار مسعود إلى داود إلى باب مراغة و أخذ الخليفة معه.

و زلزلت بغداد مرارا لا أحصيها، و كان مبتدأ الزلازل يوم الخميس حادي عشر شوال، فزلزلت يومئذ ست مرات و دامت كل يوم خمس مرات أو ست مرات إلى ليلة الجمعة سابع عشرين شوال، ثم ارتجت يوم الثلاثاء النصف من الليل حتى تفرقعت السقوف، و انتثرت الحيطان، و كنت في ذلك الزمان صبيا، و كان نومي ثقيلا لا انتبه إلا بعد الانتباه الكثير فارتج السقف تحتي و كنت نائما في السطح رجة شديدة حتى انتبهت منزعجا، و لم تزل الأرض تميد من نصف الليل إلى الفجر و الناس يستغيثون.

ثم أن الشحنة و العميد عطلا دار الضرب و عملا دار ضرب عندهم بسوق العميد و دار الشحنة، و قبضوا على ابن طوق عامل الجاولي و نفذوا إلى ابن الحاجب ضامن [ (1)] العقار، فقالوا: تجبي العقار و تسلمه إلينا، و قبضوا على ابن الصائغ متولي التركات الحشرية، و قالوا: نريد ما حصل عندك من التركات، و عوقوا قرى ولي العهد و ختموا على غلاتها. فأفتك ذلك منهم بستمائة دينار حتى أطلقوها، و جاء تمر كثير للخليفة فبيع‏

____________

[ (1)] في الأصل: «إلى ابن الحاسب ضامن».

297

فأخذ العميد و الشحنة الثمن، و تفاقم الأمر و استسلم الناس و انقطع خبر العسكر.

فلما كان يوم الثلاثاء مستهل/ ذي القعدة وصل خمسمائة و عشرون ركابيا 130/ ب معهم [ (1)] خط أمير المؤمنين إلى ولي العهد بوصول رسول سنجر إلى مسعود يقول فيه:

«ساعة وقوف الولد العزيز غياث الدنيا و الدين مسعود على هذا المكتوب يدخل على أمير المؤمنين أعز اللَّه أنصاره و يقبل الأرض بين يديه و يقف و يسأله العفو عنه و الصفح عن جرمه و إقدامه و يتنصل غاية التنصل، فإنه قد ظهرت عندنا من الآثار السمائية و الأرضية ما لا طاقة لنا بسماع مثلها دون المشاهد من الرياح العواصف و البروق الخواطف و تزلزل الأرض و دوام ذلك عشرين يوما، و تشويش العساكر و انقلاب البلدان، و لقد خفت على نفسي من جانب اللَّه تعالى و ظهور آياته و جانب المخلوقين و العساكر و تغيرهم علي، و امتناع الناس من الصلاة في الجوامع، و كسر المنابر، و منع الخطباء ما لا طاقة لي بحملها، فاللَّه اللَّه تتلافى أمرك و تحقن دم المسلمين، و تعيد أمير المؤمنين إلى مستقر عزه، و تسلم إليه دبيسا ليرى فيه رأيه، فإنه هو الّذي أحوج أمير المؤمنين إلى هذا و أحوجنا أيضا نحن إلى مثل هذا، و عجل و لا تتأخر و تعمل له البرك و تنصب له السرادق و تضرب له التخت و تحمل له الغاشية بين يديه أنت و جميع الأمراء كما جرت عادتنا و عادة آبائنا في خدمة هذا البيت».

فلما وقف على هذا المكتوب نفذ بالوزير شرف الدين أنوشروان و معه نظر، فاستأذنا له فأذن له فدخل و قبل الأرض بين يديه [و وقف [ (2)]] معتذرا متنصلا يسأل العفو و الصفح عن جرمه، و أمير المؤمنين مطرق ساعة، ثم رفع رأسه فقال: قد عفي عن ذنبك فأسكن إلى ذلك و طب نفسا، و كان قد ضرب له السرادق فضرب له فيه سدة عالية/ ليجلس عليها، فقدم له فرسا لم يكن عند مسعود من خيل أمير المؤمنين اللاتي أخذت 131/ أ سواه، و أقسم إنني لم يصل عندي [ (3)] من خيل أمير المؤمنين سواه، و سأله الركوب إلى السرادق الّذي قد ضرب له، فنهض و ركب و سار و بين الموضعين نصف فرسخ و مسعود

____________

[ (1)] في الأصل: «و عشرون ركابي معهم».

[ (2)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل».

[ (3)] في الأصل: «و أقسم إنني لم يحصل عندي».

298

بين يديه على كتفه الغاشية يحملها و يده في يازكة اللجام [ (1)]، و جميع الأمراء يمشون بين يديه إلى أن دخل السرداق و جلس على التخت الّذي ضرب له، و وقف السلطان بين يديه و الأمراء زمنا طويلا، ثم إنه تقدم بالجلوس فأبى، ثم سأل أمير المؤمنين أن يشفعه في دبيس فأجابه إلى ذلك، فجاءوا به مكتوفا بين أربعة أمراء اثنان من جانب و اثنان من جانب و اثنان من جانب و يداه مكتوفتان، و مع أحد الموكلين سيف مجذوب، و بيد الآخر شقة بيضاء فرموا به بين يدي السرير، و ألقى السيف و الشقة البيضاء عليه، و قالوا: كذا أمرنا أن نفعل به.

فقال مسعود: يا أمير المؤمنين هذا هو السبب الموجب لما جرى بيننا، فإذا زال السبب زال الخلاف، و هو الآن بين يديك فمهما تأمر يفعل به. و هو يتضرع و يبكي بين يدي السرير، و يقول: العفو عند المقدرة، و أنا أقل من هذه الحال، فعفا عنه، و قال: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ‏ و تقدم بحل يديه و سأل دبيس السلطان [أن [ (2)]] ينعم عليه أمير المؤمنين بتقبيل يده فأخذها و قبلها و أمرها على صدره و وجهه و نحره، و قال: يا أمير المؤمنين بقرابتك من رسول اللَّه الا ما عفوت عني و تركتني أعيش في الدنيا عيشا هنيئا فإن الذل و الخوف منك قد أخذ مني بالحظ الأوفر، فأجابه إلى ذلك.

و أما بكبه الشحنة فإنه أقام رجالا لنقض سور بغداد، و قال: قد ورد منشور بذلك [ (3)] فنقضت مواضع كثيرة، و كلف أهل الجانب الغربي الاجتماع على نقضه، و قال: أنتم عمرتموه بفرح فانقضوه كذلك، و ضربت لهم الدبادب و جعلوه طريقا لهم، 131/ ب و أعادوا الباب الحديد/ الّذي أخذ من جامع المنصور إلى مكانه.

فلما أهل هلال ذي القعدة وصل رسول من سنجر يستحث مسعودا على إعادة الخليفة إلى بغداد و وصل معه عسكر عظيم و وصل معه سبعة عشر من الباطنية، فذكر بعض الناس أنه ما علم أنهم معه، و الظاهر خلاف ذلك و أنهم دبروا في قتله و أفردوا خيمة من خيمهم، فخرج السلطان و معه العسكر ليلقى الرسول [ (4)] فهجمت الباطنية على أمير

____________

[ (1)] في الأصل: «في يازكة الجمام».

[ (2)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل».

[ (3)] في الأصل: «لنقض صور بغداد، و قال: قد ورد مرسوم بذلك».

[ (4)] في الأصل: «و معه العسكر ليلقى العسكر».

299

المؤمنين فضربوه بالسكاكين إلى أن قتلوه و قتلوا معه جماعة من أصحابه، منهم أبو عبد اللَّه بن سكينة، و ذلك في يوم الخميس سابع عشر ذي القعدة فركب العسكر و أحاط بالسرادق [ (1)]، و خرج القوم و قد فرغوا فقتلوا، و قيل إنهم أحرقوا، و جلس السلطان [ (2)]، للعزاء و وقع النحيب و البكاء، و كان ذلك على باب مراغة، و غطي بسندسه إلى أن دفن بمراغة.

و وصل الخبر إلى بغداد ليلة السبت سادس عشرين من الشهر فاحترس الراشد و قبض على جماعة من أهله و إخوته، فوقع البكاء و النحيب و أغلق البلد، و كشطت البواري التي على باب النوبي، و نقض بعض دكة حاجب الباب، و أحضر الناس طول الليلة للمبايعة، و بات أستاذ الدار ابن جهير و صاحب الديوان أبو الرضا و حاجب الباب ابن الحاجب في صحن السلام، و كان الانزعاج في الدار طول الليل، فلما أصبحوا وقع البكاء و النحيب في البلد، و خرج الرجال حفاة مخرقين الثياب و النساء منشرات الشعور يلطمن، و ينظمن الأشعار [ (3)] التي من عادتهن قول مثلها في أحيان اللطم، و أشعار النساء البغداديات اللاتي ينظمنها في وقت اللطم طريفة المعنى [ (4)]، و إن كانت على غير صواب اللفظ، و كان مما لطمن به أن قلن:

يا صاحب القضيب و نور الخاتم‏ * * * صار الحريم بعد قتلك مأتم‏

اهتزت الدنيا و من عليها * * * بعد النبي و من ولي عليها

قد صاحت البومة على السرادق‏ * * * يا سيدي ذا كان في السوابق‏

ترى تراك العين في حريمك‏ * * * و الطرحة السودا على كريمك‏

و قعد الناس للعزاء في الديوان ثلاثة أيام، و تولى ذلك ناصح الدولة/ ابن جهير/ 132/ أ و أبو الرضا صاحب الديوان، و حاجب الباب ابن الصاحب.

فلما كان في اليوم الثالث تقدم إلى الناس أن يعبروا بباب المسنية و يلبسوا ثياب الهناء و يحضروا البيعة بباب الحجرة، فحضروا يوم الاثنين سابع عشرين ذي القعدة [ (5)].

***

____________

[ (1)] في ص، ط: «و احتاط بالسرادق».

[ (2)] في الأصل: «و قعد السلطان للعزاء».

[ (3)] في الأصل: «و يتلفظن الأشعار».

[ (4)] في ص، ط: «في وقت اللطم طريقة الغناء».

[ (5)] في ص: «يوم الاثنين ثامن عشرين ذي القعدة».

300

باب ذكر خلافة الراشد باللَّه‏

و اسمه منصور، و يكنى أبا جعفر بن المسترشد، عهد إليه أبوه، و قيل انه هم بخلعه فلم يقدر ذلك، و كان ببغداد حين قتل المسترشد بباب مراغة فكتب السلطان مسعود إلى الشحنة الّذي من قبله ببغداد و اسمه بكبه أن يبايع الراشد، فجاء أصحابه كالعميد و الضامن، و جرت مراسلات ليدخل إلى الدار فاستقر أن يقوم من وراء الشباك مما يلي الشط، و جلس الراشد في المثمنة التي بناها المقتدي في الشباك الّذي يلي الشط، و بايعه الشحنة من خارج الشباك، و ذلك يوم الاثنين سابع عشرين [ (1)] [من هذا الشهر بعد الظهر، و حضر الخلق من العلماء و القضاة و الشهود و الجند و غيرهم و ظهر للناس‏] [ (2)]، و كان أبيض جسيما يشوبه حمرة مستحسنا، و كان يومئذ بين يديه أولاده و إخوته، و سكن الناس و نودي في الناس أن لا يظلم أحد أحدا، و أن يؤمر بالمعروف و ينهى عن المنكر، و من كانت له مظلمة فليشكها إلى الديوان النبوي، و فتح باب المخزن الّذي سد، و سكن الناس إلّا أن النقض في السور و استيفاء الارتفاع من البلدان و التصرف القبيح من غير معترض.

فلما كان يوم الأربعاء تاسع عشرين من ذي القعدة نادى أصحاب الشحنة أن يدعى الناس من المظالم إليهم فارتابت قلوب الناس لذلك، و انزعجوا في ثاني ذي الحجة، و أقيمت الدعوة و الخطبة بالجوامع، و مضى إلى كل جامع حاجب و خادم 132/ ب و أتراك، و أقاموا الخطبة للراشد، و نثرت الدنانير و جلس ابن المطلب و ابن الهاروني في المخزن ينظران نيابة، و جلس أبو الرضا بن صدقة في الديوان نيابة،/ و كان حاجب الباب ابن الصاحب في الباب لم يتغير.

____________

[ (1)] في الأصل: «سابع عشرين من هذه السنة».

[ (2)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

301

فلما كان يوم الاثنين خامس ذي الحجة حضر الناس ببيت النوبة، و جلس الراشد و سلم إلى حاجب الباب إنهاء فأخذه و نهض قائما فقرأه، و كان فيه: «بسم الرحمن الرحيم لما أجل اللَّه محل أنبيائه و جعله نائبا عنه في أرضه آمرا في سمائه و ارتضاه خليفة على عباده و عاملا بالحق في بلاده تقدم بتصفح ما كان يجري على أيدي النواب في الأيام المسترشدية سقاها اللَّه رحمة مستهلة السحاب و ما عساه كان يتم من أفعالهم الذميمة فوقف من ذلك على سهم المطالبة بغير حق فاقتضى رأيه الشريف التقدم برفع المطالبة عنهم، و أبرز كل ما وجد و أوعز برده على أربابه [ (1)] ليحظى الامام الشهيد بزلفى ثوابه [ (2)]، و ليعلم الخاصة و العامة من رأى أمير المؤمنين إيثاره رضا اللَّه سبحانه».

و أخرج من باب الحجرة أكياس فيها حجج الناس و وثائقهم و ما كتب عليهم و ما أخذ منهم فأعيد على أربابه، و شهد الشهود على كل منهم أنه قد أبرأ أمير المؤمنين مما يستحقه في ذمته، و تقدموا إلى خازن المخزن بإخراج ما عنده من الوثائق، فانصرف الناس يدعون لأمير المؤمنين و يترحمون على الماضي، و كان المتولي لقراءة الكتب و تسليمها إلى أربابها كثير بن شماليق.

ثم حضر الناس يوم الخميس و جرت الحال كذلك، و حضر يومئذ القاضي ابن كردي قاضي بعقوبا فتظلم، و كانت له هناك وثائق و قال: ما ظلمني إلا ابن الهاروني، و أن أمير المؤمنين لم يأخذ مني شيئا، فكتب صاحب الخبر بذلك، فخرج الإنهاء بعزله، و قال الراشد: هذا القاضي قد كذب و فسق فإن المسترشد كان يأمر ابن الهاروني.

فلما كان يوم الجمعة تاسع ذي الحجة صلي على المسترشد في بيت النوبة، و نودي في بغداد بالصلاة عليه، فحضر الناس فلم يسعهم المكان، و أم الناس الراشد، و خرج الناس في العيد على العادة و تكاثر البكاء على المسترشد عند رؤية [ (3)] الأعلام/ و الموكب. 133/ أ

____________

[ (1)] فب ص: «كاما و جودوا و أعوز برده على أربابه».

[ (2)] في الأصل: «الإمام الشهيد بلقيا توابه».

[ (3)] في المطبوعة: «و تكاثر الناس على المسترشد» و ما أوردناه. من ت.

302

و في يوم الاثنين حادي عشر ذي الحجة [ (1)]: قلد ابن جهير الوكالة و صاحب المخزن، و جعل ابنه أستاذ الدار.

و وصل يوم الاثنين ابن أخت دبيس في جمع، و دخل على الخليفة مبايعا و معزيا، و قعد ابن النرسي في المخزن يفرق على الناس الذهب عوضا عن مشاهراتهم من الطعام، لأنه لم يكن في الخزائن طعام، و في هذه الأيام مضى إلى زيارة علي و مشهد الحسين (عليهما السلام) خلق لا يحصون و ظهر التشيع.

*** ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

4003- أحمد بن محمد بن أحمد بن الحسين بن عمر، أبو المظفر بن أبي بكر الفقيه الشاشي‏

[ (2)]:

تفقه على أبيه، و سمع و اخترمته المنية قبل زمان الرواية.

و توفي في رجب هذه السنة، و دفن في داره برحبة الجامع.

4004- إسماعيل بن عبد الملك بن علي، أبو القاسم الحاكمي‏

[ (3)]:

سمع بنيسابور من أبي حامد الأزهري، و أبي صالح المؤذن و غيرهما. و تفقه على أبي المعالي الجويني، و برع في الفقه، و كان ورعا، و كان رفيق أبي حامد الغزالي، و كان أكبر سنا من الغزالي، و كان الغزالي يكرمه و يخدمه.

و توفي بطرسوس في هذه السنة، فدفن إلى جانب الغزالي.

4005- ثابت بن منصور بن المبارك، أبو العز الكيلي‏

[ (4)]:

سمع الكثير و كتب الكثير، و روى عن أبي محمد التميمي، و أبي الغنائم بن أبي‏

____________

[ (1)] في ص، ط: «في يوم الأحد حادي عشر ذي الحجة».

[ (2)] «الفقيه»: ساقطة من ص، ط.

و انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 209).

[ (3)] انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 209).

[ (4)] انظر ترجمته في: (شذرات الذهب 4/ 93).