الحيوان - ج1

- عمرو بن بحر الجاحظ المزيد...
259 /
53

لا حميريّ و فى و لا عدس # و لا است عير يحكها الثّفر

لكن عوير و فى بذمّته # لا قصر عابه و لا عور

فانظر، كم كان عمر زرارة!و كم كان بين موت زرارة و مولد النبي عليه الصلاة و السلام؟!فإذا استظهرنا الشعر، وجدنا له-إلى أن جاء اللّه بالإسلام-خمسين و مائة عام، و إذا استظهرنا بغاية الاستظهار فمائتي عام.

قال: و فضيلة الشعر مقصورة على العرب، و على من تكلّم بلسان العرب.

44-[صعوبة ترجمة الشعر]

و الشعر لا يستطاع أن يترجم، و لا يجوز عليه النقل، و متى حوّل تقطّع نظمه و بطل وزنه، و ذهب حسنه و سقط موضع التعجب، لا كالكلام المنثور. و الكلام المنثور المبتدأ على ذلك أحسن و أوقع من المنثور الذي تحوّل من موزون الشعر.

قال: و جميع الأمم يحتاجون إلى الحكم في الدين، و الحكم في الصناعات، و إلى كلّ ما أقام لهم المعاش و بوّب لهم أبواب الفطن، و عرّفهم وجوه المرافق؛ حديثهم كقديمهم، و أسودهم كأحمرهم، و بعيدهم كقريبهم؛ و الحاجة إلى ذلك شاملة لهم.

و قد نقلت كتب الهند، و ترجمت حكم اليونانيّة، و حوّلت آداب الفرس، فبعضها ازداد حسنا، و بعضها ما انتقص شيئا، و لو حوّلت حكمة العرب، لبطل ذلك المعجز الذي هو الوزن، مع أنّهم لو حوّلوها لم يجدوا في معانيها شيئا لم تذكره العجم في كتبهم، التي وضعت لمعاشهم و فطنهم و حكمهم، و قد نقلت هذه الكتب من أمّة إلى أمّة، و من قرن إلى قرن، و من لسان إلى لسان، حتى انتهت إلينا، و كنّا آخر من ورثها و نظر فيها. فقد صحّ أنّ الكتب أبلغ في تقييد المآثر، من البنيان و الشعر.

ثم قال بعض من ينصر الشعر و يحوطه و يحتجّ له: إنّ التّرجمان لا يؤدّي أبدا ما قال الحكيم، على خصائص معانيه، و حقائق مذاهبه و دقائق اختصاراته، و خفيّات حدوده، و لا يقدر أن يوفيها حقوقها، و يؤدّي الأمانة فيها، و يقوم بما يلزم الوكيل و يجب على الجريّ، و كيف يقدر على أدائها و تسليم معانيها، و الإخبار عنها على حقّها و صدقها، إلاّ أن يكون في العلم بمعانيها، و استعمال تصاريف ألفاظها، و تأويلات مخارجها، و مثل مؤلّف الكتاب و واضعه، فمتى كان رحمه اللّه تعالى ابن‏

54

البطريق، و ابن ناعمة، و ابن قرّة، و ابن فهريز، و ثيفيل، و ابن وهيلي، و ابن المقفّع، مثل أرسطاطاليس؟!و متى كان خالد مثل أفلاطون؟!

45-[شرائط الترجمان‏]

و لا بدّ للتّرجمان من أن يكون بيانه في نفس الترجمة، في وزن علمه في نفس المعرفة، و ينبغي أن يكون أعلم الناس باللغة المنقولة و المنقول إليها، حتّى يكون فيهما سواء و غاية. و متى وجدناه أيضا قد تكلّم بلسانين، علمنا أنّه قد أدخل الضيم عليهما، لأنّ كل واحدة من اللغتين تجذب الأخرى و تأخذ منها، و تعترض عليها. و كيف يكون تمكّن اللسان منهما مجتمعين فيه، كتمكّنه إذا انفرد بالواحدة، و إنّما له قوّة واحدة، فإن تكلّم بلغة واحدة استفرغت تلك القوّة عليهما، و كذلك إن تكلّم بأكثر من لغتين، و على حساب ذلك تكون الترجمة لجميع اللغات. و كلّما كان الباب من العلم أعسر و أضيق، و العلماء به أقلّ، كان أشدّ على المترجم، و أجدر أن يخطئ فيه. و لن تجد البتّة مترجما يفي بواحد من هؤلاء العلماء.

هذا قولنا في كتب الهندسة. و التنجيم، و الحساب، و اللحون، فكيف لو كانت هذه الكتب كتب دين و إخبار عن اللّه-عزّ و جلّ-بما يجوز عليه ممّا لا يجوز عليه، حتّى يريد أن يتكلّم على تصحيح المعاني في الطبائع، و يكون ذلك معقودا بالتوحيد، و يتكلّم في وجوه الإخبار و احتمالاته للوجوه، و يكون ذلك متضمّنا بما يجوز على اللّه تعالى، ممّا لا يجوز، و بما يجوز على الناس مما لا يجوز، و حتّى يعلم مستقرّ العامّ و الخاصّ، و المقابلات التي تلقى الأخبار العامّية المخرج فيجعلها خاصيّة. و حتى يعرف من الخبر ما يخصّه الخبر الذي هو أثر، ممّا يخصّه الخبر الذي هو قرآن، و ما يخصّه العقل مما تخصّه العادة أو الحال الرادّة له عن العموم، و حتّى يعرف ما يكون من الخبر صدقا أو كذبا، و ما لا يجوز أن يسمّى بصدق و لا كذب؛ و حتّى يعرف اسم الصدق و الكذب، و على كم معنى يشتمل و يجتمع، و عند فقد أيّ معنى ينقلب ذلك الاسم، و كذلك معرفة المحال من الصحيح، و أيّ شي‏ء تأويل المحال؛ و هل يسمّى المحال كذبا أم لا يجوز ذلك، و أيّ القولين أفحش: المحال أم الكذب، و في أيّ موضع يكون المحال أفظع، و الكذب أشنع؛ و حتّى يعرف المثل و البديع، و الوحي و الكناية، و فصل ما بين الخطل و الهذر، و المقصور و المبسوط و الاختصار، و حتّى يعرف أبنية الكلام، و عادات القوم، و أسباب تفاهمهم، و الذي‏

55

ذكرنا قليل من كثير. و متى لم يعرف ذلك المترجم أخطأ في تأويل كلام الدين.

و الخطأ في الدين أضرّ من الخطأ في الرياضة و الصناعة، و الفلسفة و الكيمياء، و في بعض المعيشة التي يعيش بها بنو آدم.

و إذا كان المترجم الذي قد ترجم لا يكمل لذلك، أخطأ على قدر نقصانه من الكمال. و ما علم المترجم بالدليل عن شبه الدليل؟و ما علمه بالأخبار النجوميّة؟و ما علمه بالحدود الخفيّة؟و ما علمه بإصلاح سقطات الكلام، و أسقاط الناسخين للكتب؟و ما علمه ببعض الخطرفة لبعض المقدّمات؟و قد علمنا أنّ المقدّمات لا بدّ أن تكون اضطراريّة، و لا بدّ أن تكون مرتّبة، و كالخيط الممدود. و ابن البطريق و ابن قرّة لا يفهمان هذا موصوفا منزّلا، و مرتّبا مفصّلا، من معلّم رفيق، و من حاذق طبّ فكيف بكتاب قد تداولته اللغات و اختلاف الأقلام، و أجناس خطوط الملل و الأمم؟! و لو كان الحاذق بلسان اليونانيّين يرمي إلى الحاذق بلسان العربيّة، ثم كان العربيّ مقصّرا عن مقدار بلاغة اليونانيّ، لم يجد المعنى و الناقل التقصير، و لم يجد اليونانيّ الذي لم يرض بمقدار بلاغته في لسان العربيّة بدّا من الاغتفار و التجاوز، ثمّ يصير إلى ما يعرض من الآفات لأصناف الناسخين، و ذلك أن نسخته لا يعدمها الخطأ، ثمّ ينسخ له من تلك النسخة من يزيده من الخطأ الذي يجده في النسخة.

ثمّ لا ينقص منه؛ ثم يعارض بذلك من يترك ذلك المقدار من الخطأ على حاله، إذا كان ليس من طاقته إصلاح السّقط الذي لا يجده في نسخته.

46-[تحريف الكتب‏]

و لربّما أراد مؤلّف الكتاب أن يصلح تصحيفا، أو كلمة ساقطة، فيكون إنشاء عشر ورقات من حرّ اللفظ و شريف المعاني، أيسر عليه من إتمام ذلك النقص، حتى يردّه إلى موضعه من اتّصال الكلام، فكيف يطيق ذلك المعرض المستأجر. و الحكيم نفسه قد أعجزه هذا الباب!و أعجب من ذلك أنّه يأخذ بأمرين: قد أصلح الفاسد و زاد الصالح صلاحا. ثم يصير هذا الكتاب بعد ذلك نسخة لإنسان آخر، فيسير فيه الورّاق الثاني سيرة الورّاق الأوّل؛ و لا يزال الكتاب تتداوله الأيدي الجانية، و الأعراض المفسدة، حتّى يصير غلطا صرفا، و كذبا مصمتا، فما ظنّكم بكتاب تتعاقبه المترجمون بالإفساد، و تتعاوره الخطّاط بشرّ من ذلك أو بمثله، كتاب متقادم الميلاد، دهريّ الصنعة! (1) .

____________

(1) رجل دهري: مسنّ نسب إلى الدهر. اللسان: دهر 4/293.

56

47-[بين أنصار الكتب و أنصار الشعر]

قالوا: فكيف تكون هذه الكتب أنفع لأهلها من الشعر المقفّى؟ قال الآخر: إذا كان الأمر على ما قلتم، و الشأن على ما نزّلتم، أ ليس معلوما أنّ شيئا هذه بقيّته و فضلته و سؤره و صبابته، و هذا مظهر حاله على شدّة الضيم، و ثبات قوته على ذلك الفساد و تداول النقص، حريّ بالتعظيم، و حقيق بالتفضيل على البنيان، و التقديم على شعر إن هو حوّل تهافت، و نفعه مقصور على أهله، و هو يعدّ من الأدب المقصور، و ليس بالمبسوط، و من المنافع الاصطلاحيّة و ليست بحقيقة بيّنة، و كلّ شي‏ء في العالم من الصناعات و الأرفاق و الآلات، فهي موجودات في هذه الكتب دون الأشعار، و هاهنا كتب هي بيننا و بينكم، مثل كتاب أقليدس، و مثل كتاب جالينوس، و مثل المجسطي، ممّا تولاّه الحجّاج، و كتب كثيرة لا تحصى فيها بلاغ للناس، و إن كانت مختلفة و منقوصة مظلومة و مغيّرة، فالباقي كاف شاف، و الغائب منها كان تكميلا لتسلّط الطبائع الكاملة.

فأما فضيلة الشعر فعلى ما حكينا، و منتهى نفعه إلى حيث انتهى بنا القول.

و حسبك ما في أيدي الناس من كتب الحساب، و الطبّ، و المنطق، و الهندسة، و معرفة اللّحون، و الفلاحة، و التّجارة، و أبواب الأصباغ، و العطر، و الأطعمة، و الآلات.

و هم أتوكم بالحكمة، و بالمنفعة التي في الحمّامات و في الأصطرلابات‏ (1)

و القرسطونات‏ (2) و آلات معرفة الساعات، و صنعة الزجاج و الفسيفساء، و الأسرنج‏ (3)

و الزنجفور (4) و اللازورد (5) و الأشربة، و الأنبجات‏ (6) ، و الأيارجات‏ (7) و لكم المينا،

____________

(1) الأصطرلاب: مقياس للنجوم؛ و هو باليونانية أصطرلابون. و أصطر: النجم، لابون: المرآة. انظر مفاتيح العلوم للخوارزمي 134، مادة (لوب) .

(2) القرسطون: القبّان. انظر النزهة المبهجة للأنطاكي 1/15.

(3) الأسرنج: أسرب يحرق، و يشب عليه النار حتى يحمر. مفاتيح العلوم 149.

(4) الزنجفور: صبغ معروف، و هو أحمر يكتب به و يصبغ، قوته كقوة الإسفيداج، و هو معدني و مصنوع، أما المعدني: فهو استحالة شي‏ء من الكبريت إلى معدن الزئبق، و أما المصنوع فأنواع.

انظر التاج 11/458 (ز ن ج ف ر) .

(5) اللازورد: حجر فيه عيون براقة؛ يتخذ منها خزر. مفاتيح العلوم 148.

(6) الأنبجات: جمع أنبج. و هو حمل شجر بالهند يربّب بالعسل على خلقة الخوج؛ محرّف الرأس، و هو لونان: أحدهما ثمرته في مثل هيئة اللوز، و آخر في هيئة الإجاص، و طعمه كالموز. اللسان:

نبج 2/372.

(7) الإيارجة: دواء معروف، و هو معجون مسهل للأخلاط. معرب إياره، و تفسيره: الدواء الإلهي. التاج 6/291 (ي ر ج) .

57

و النشادر و الشّبه‏ (1) و تعليق الحيطان و الأساطين، و ردّ ما مال منها إلى التقويم. و لهم صبّ الزردج‏ (2) ، و استخراج النّشاستج‏ (3) ، و تعليق الخيش، و اتّخاذ الجمّازات، و عمل الحرّاقات‏ (4) ، و استخراج شراب الداذيّ‏ (5) و عمل الدّبابات‏ (6) .

48-[فضل الحجاج فيما ابتدعه‏]

و كان الحجّاج أوّل من أجرى في البحر السفن المقيّرة المسمّرة غير المخرّزة، و المدهونة و المسطّحة، و غير ذوات الجؤجؤ، و كان أوّل من عمل المحامل‏ (7) ، و لذا قال بعض رجّاز الأكرياء: [من الرجز]

أوّل خلق عمل المحاملا # أخزاه ربّي عاجلا و آجلا (8)

و قال آخر: [من الرجز]

شيّب أصداغي فهنّ بيّض # محامل لقدّها نقيض‏ (9)

و قال آخر: [من الرجز]

شيّب أصداغي فهنّ بيض # محامل فيها رجال قبّض

لو يتكون سنة لم يغرضوا (10)

____________

(1) الشبه: ضرب من النحاس، يلقى عليه دواء فيصفر. اللسان: شبه 13/505.

(2) الزردج: اسم للعصفر، معرب عن زرده. التاج 6/12 (زردج) .

(3) في اللسان 15/325 (نشا) : شي‏ء يعمل به الفالوذج، فارسي معرب، يقال له النشاستج، حذف شطره تخفيفا، كما قالوا للمنازل: منا.

(4) الحراقات: سفن فيها مرامي نيران يرمى بها العدو. و التاج: حرق.

(5) الداذي: شراب للفساق، و هو الخمر. التاج 9/408 (دوذ) . و في اللسان «دوذ» ، و التاج «ذوذ» :

الداذي «الذاذي» نبت، و قيل هو شي‏ء له عنقود مستطيل، و حبه على شكل حب الشعير، يوضع منه مقدار رطل في الفرق فتعبق رائحته؛ و يجود إسكاره.

(6) الدبابات: جمع دبابة، و هي نوع من البرج يجلس ضمنه الجنود المكلفون بمهاجمة أسوار موقع ما. معجم دوزي 1/421. و انظر رسائل الجاحظ 1/68، 3/215.

(7) ورد هذا القول منسوبا لأبي الحسن في البيان و التبيين 2/303.

(8) الرجز بلا نسبة في البيان 2/304؛ و التاج (حمل) ؛ و الجمهرة 567؛ و البيت الأول في اللسان (حمل) .

(9) الرجز بلا نسبة في البيان 2/304؛ و اللسان و التاج (نقض) ؛ و الجمهرة 910.

(10) الرجز لرجل من فقيم في اللسان (فرض) ؛ و لضب العدوي في التاج (فرض) ، و بلا نسبة في الأساس (فرض) .

58

و قال القوم: لو لا ما عرّفوكم من أبواب الحملانات‏ (1) لم تعرفوا صنعة الشبه، و لو لا غضار الصين على وجه الأرض لم تعرفوا الغضار، على أنّ الذي عملتم ظاهر فيه التوليد، منقوص المنفعة عن تمام الصّينيّ. و على أن الشّبه لم تستخرجوه، و إنّما ذلك من الأمور التي وقعت اتّفاقا، لسقوط الناطف‏ (2) من يد الأجير في الصّفر الذائب، فخفتم إفساده، فلمّا رأيتم ما أعطاه من اللون عملتم في الزيادة و النقصان، و كذلك جميع ما تهيّأ لكم، و لستم تخرجون في ذلك من أحد أمرين: إمّا أن تكونوا استعملتم الاشتقاق من علم ما أورثوكم، و إمّا أن يكون ذلك تهيّأ لكم من طريق الاتّفاق!!

49-[الجمازات‏]

و قد علمتم أنّ أوّل شأن الجمّازات، أنّ أمّ جعفر أمرت الرحّالين أن يزيدوا في سير النجيبة التي كانت عليها، و خافت فوت الرشيد، فلما حرّكت مشت ضروبا من المشي، و صنوفا من السير، فجمزت في خلال ذلك، و وافقت امرأة تحسن الاختيار، و تفهم الأمور، فوجدت لذلك الجمز راحة، و مع الراحة لذّة، فأمرتهم أن يسيروا بها في تلك السّيرة، فما زالوا يقرّبون و يبعّدون، و يخطئون و يصيبون، و هي في كلّ ذلك تصوّبهم و تخطئهم على قدر ما عرفت، حتى شدوا من معرفة ذلك ما شدوا، ثمّ إنّها فرّغتهم لإتمام ذلك حتى تمّ و استوى. و كذلك لا يخلو جميع أمركم، من أن يكون اتّفاقا، أو اتّباع أثر.

50-[الترغيب في اصطناع الكتاب‏]

ثم رجع بنا القول إلى الترغيب في اصطناع الكتاب، و الاحتجاج على من زرى على واضع الكتب، فأقول‏ (3) : إنّ من شكر النعمة في معرفة مغاوي الناس و مراشدهم، و مضارّهم و منافعهم، أن يحتمل ثقل مئونتهم في تقويمهم، و أن يتوخّى إرشادهم و إن جهلوا فضل ما يسدى إليهم، فلن يصان العلم بمثل بذله، و لن تستبقى النعمة فيه بمثل نشره، على أنّ قراءة الكتب أبلغ في إرشادهم من تلاقيهم؛ إذ كان مع التّلاقي يشتدّ التصنّع، و يكثر التظالم، و تفرط العصبيّة، و تقوى الحميّة، و عند المواجهة و المقابلة، يشتدّ حبّ الغلبة، و شهوة المباهاة و الرئاسة، مع الاستحياء من

____________

(1) الحملان في اصطلاح الصاغة: ما يحمل على الدراهم من الغش. التاج (حمل) .

(2) الناطف: نوع من الحلواء، و هو القبّيط، سمي بذلك لأنه يقطر قبل خثورته. التاج (نطف) .

(3) ورد قوله في كتاب الفتيا؛ ضمن رسائله 1/315.

59

الرجوع، و الأنفة من الخضوع؛ و عن جميع ذلك تحدث الضغائن، و يظهر التباين. و إذا كانت القلوب على هذه الصّفة و على هذه الهيئة، امتنعت من التعرّف، و عميت عن مواضع الدلالة، و ليست في الكتب علّة تمنع من درك البغية، و إصابة الحجّة، لأنّ المتوحّد بدرسها، و المنفرد بفهم معانيها، لا يباهي نفسه و لا يغالب عقله، و قد عدم من له يباهي و من أجله يغالب‏ (1) .

51-[الكتاب قد يفضل الكاتب‏] (2)

و الكتاب قد يفضل صاحبه، و يتقدّم مؤلّفه، و يرجّح قلمه على لسانه بأمور:

منها أنّ الكتاب يقرأ بكلّ مكان، و يظهر ما فيه على كلّ لسان، و يوجد مع كلّ زمان، على تفاوت ما بين الأعصار، و تباعد ما بين الأمصار، و ذلك أمر يستحيل في واضع الكتاب، و المنازع في المسألة و الجواب. و مناقلة اللسان و هدايته لا تجوزان مجلس صاحبه، و مبلغ صوته. و قد يذهب الحكيم و تبقى كتبه، و يذهب العقل و يبقى أثره.

و لو لا ما أودعت لنا الأوائل في كتبها، و خلّدت من عجيب حكمتها، و دوّنت من أنواع سيرها، حتّى شاهدنا بها ما غاب عنّا، و فتحنا بها كلّ مستغلق كان علينا، فجمعنا إلى قليلنا كثيرهم، و أدركنا ما لم نكن ندركه إلاّ بهم، لما حسن حظّنا من الحكمة، و لضعف سببنا إلى المعرفة. و لو لجأنا إلى قدر قوّتنا، و مبلغ خواطرنا، و منتهى تجاربنا لما تدركه حواسّنا، و تشاهده نفوسنا، لقلّت المعرفة، و سقطت الهمّة، و ارتفعت العزيمة، و عاد الرأي عقيما، و الخاطر فاسدا، و لكلّ الحدّ و تبلّد العقل.

52-[أشرف الكتب‏]

و أكثر من كتبهم نفعا، و أشرف منها خطرا، و أحسن موقعا، كتب اللّه تعالى، فيها الهدى و الرحمة، و الإخبار عن كلّ حكمة، و تعريف كلّ سيّئة و حسنة. و ما زالت كتب اللّه تعالى في الألواح و الصّحف، و المهارق‏ (3) و المصاحف. و قال اللّه عزّ و جلّ الم `ذََلِكَ اَلْكِتََابُ لاََ رَيْبَ فِيهِ (4) . و قال‏ مََا فَرَّطْنََا فِي اَلْكِتََابِ مِنْ شَيْ‏ءٍ (5) .

و يقال لأهل التّوراة و الإنجيل: أهل الكتاب.

____________

(1) ورد هذا القول في رسائله 4/296، مع خلاف يسير.

(2) انظر رسائل الجاحظ 4/296-297.

(3) المهارق: جمع مهرق، و هي الصحيفة البيضاء يكتب فيها، فارسي معرب. اللسان (هرق) .

(4) . 1: البقرة/2.

(5) الأنعام/6: 38.

60

53-[مواصلة خدمة العلم‏]

و ينبغي أن يكون سبيلنا لمن بعدنا، كسبيل من كان قبلنا فينا. على أنّا و قد وجدنا من العبرة أكثر ممّا وجدوا، كما أنّ من بعدنا يجد من العبرة أكثر ممّا وجدنا.

فما ينتظر العالم بإظهار ما عنده، و ما يمنع الناصر للحقّ من القيام بما يلزمه، و قد أمكن القول و صلح الدهر و خوى نجم التّقيّة (1) ، و هبّت ريح العلماء، و كسد العيّ و الجهل، و قامت سوق البيان و العلم؟! و ليس يجد الإنسان في كل حين إنسانا يدرّبه، و مقوّما يثقّفه. و الصبر على إفهام الريّض شديد، و صرف النفس عن مغالبة العالم أشدّ منه، و المتعلّم يجد في كلّ مكان الكتاب عتيدا، و بما يحتاج إليه قائما و ما أكثر من فرّط في التعليم أيّام خمول ذكره، و أيّام حداثة سنّه!!و لو لا جياد الكتب و حسنها، و مبيّنها و مختصرها، لما تحرّكت همم هؤلاء لطلب العلم، و نزعت إلى حبّ الأدب، و أنفت من حال الجهل، و أن تكون في غمار الحشو، و لدخل على هؤلاء من الخلل و المضرّة، و من الجهل و سوء الحال، و ما عسى ألا يمكن الإخبار عن مقداره، إلاّ بالكلام الكثير، و لذلك قال عمر رضي اللّه تعالى عنه: «تفقّهوا قبل أن تسودوا» (2) .

54-[فائدة كتب أبي حنيفة]

و قد تجد الرجل يطلب الآثار و تأويل القرآن، و يجالس الفقهاء خمسين عاما، و هو لا يعدّ فقيها، و لا يجعل قاضيا، فما هو إلاّ أن ينظر في كتب أبي حنيفة، و أشباه أبي حنيفة، و يحفظ كتب الشروط في مقدار سنة أو سنتين، حتى تمرّ ببابه فتظن أنه من باب بعض العمّال، و بالحرا (3) ألاّ يمرّ عليه من الأيّام إلاّ اليسير، حتّى يصير حاكما على مصر من الأمصار، أو بلد من البلدان.

55-[ضرورة تنقيح المؤلفات‏]

و ينبغي لمن كتب كتابا ألا يكتبه إلاّ على أنّ النّاس كلّهم له أعداء، و كلّهم عالم بالأمور، و كلّهم متفرّغ له، ثم لا يرضى بذلك حتى يدع كتابه غفلا، و لا يرضى بالرأي الفطير، فإنّ لابتداء الكتاب فتنة و عجبا، فإذا سكنت الطبيعة و هدأت الحركة،

____________

(1) خوى النجم: اختفى. التقية: الحذر و الخوف.

(2) ورد حديث عمر في النهاية 2/418، أي تعلموا العلم ما دمتم صغارا.

(3) الحرا: الخليق.

61

و تراجعت الأخلاط، و عادت النفس وافرة، أعاد النّظر فيه، فيتوقّف عند فصوله توقّف من يكون وزن طمعه في السلامة أنقص من وزن خوفه من العيب، و يتفهّم معنى قول الشاعر: [من البسيط]

إنّ الحديث تغرّ القوم خلوته # حتّى يلجّ بهم عيّ و إكثار (1)

و يقف عند قولهم في المثل: «كلّ مجر في الخلاء يسرّ» (2) فيخاف أن يعتريه ما اعترى من أحرى فرسه وحده، أو خلا بعلمه عند فقد خصومه، و أهل المنزلة من أهل صناعته.

56-[الاستطراد في التأليف‏]

و ليعلم أنّ صاحب القلم يعتريه ما يعتري المؤدّب عند ضربه و عقابه، فما أكثر من يعزم على خمسة أسواط فيضرب مائة؟!لأنّه ابتدأ الضرب و هو ساكن الطباع، فأراه السكون أنّ الصواب في الإقلال، فلما ضرب تحرّك دمه، فأشاع فيه الحرارة فزاد في غضبه، فأراه الغضب أنّ الرأي في الإكثار، و كذلك صاحب القلم؛ فما أكثر من يبتدئ الكتاب و هو يريد مقدار سطرين، فيكتب عشرة!و الحفظ مع الإقلال أمكن، و هو مع الإكثار أبعد.

57-[مفاضلة بين الولد و الكتاب‏]

و اعلم أنّ العاقل إن لم يكن بالمتتبّع، فكثيرا ما يعتريه من ولده، أن يحسن في عينه منه المقبّح في عين غيره، فليعلم أنّ لفظه أقرب نسبا منه من ابنه، و حركته أمسّ به رحما من ولده، لأنّ حركته شي‏ء أحدثه من نفسه و بذاته، و من عين جوهره فصلت، و من نفسه كانت؛ و إنّما الوالد كالمخطة يتمخّطها، و النّخامة يقذفها، و لا سواء إخراجك من جزئك شيئا لم يكن منك، و إظهارك حركة لم تكن حتّى كانت منك. و لذلك تجد فتنة الرجل بشعره، و فتنته بكلامه و كتبه، فوق فتنته بجميع نعمته.

58-[لغة الكتب‏]

و ليس الكتاب إلى شي‏ء أحوج منه إلى إفهام معانيه، حتّى لا يحتاج السامع لما

____________

(1) البيت لابن هرمة في ديوانه 124، و البيان 1/203، و رسائل الجاحظ 4/98.

(2) مجمع الأمثال 2/135، و المستقصى 2/229، و فصل المقال 203، و الأمثال لابن سلام 136، و البيان 1/203، و رسائل الجاحظ 1/342.

62

فيه من الرويّة، و يحتاج من اللفظ إلى مقدار يرتفع به عن ألفاظ السّفلة و الحشو، و يحطّه من غريب الأعراب و وحشيّ الكلام، و ليس له أن يهذّبه جدّا، و ينقّحه و يصفّيه و يروّقه، حتى لا ينطق إلاّ بلبّ اللّبّ، و باللفظ الذي قد حذف فضوله، و أسقط زوائده، حتّى عاد خالصا لا شوب فيه؛ فإنّه إن فعل ذلك، لم يفهم عنه إلا بأن يجدّد لهم إفهاما مرارا و تكرارا، لأنّ النّاس كلّهم قد تعوّدوا المبسوط من الكلام، و صارت أفهامهم لا تزيد على عاداتهم إلا بأن يعكس عليها و يؤخذ بها. أ لا ترى أنّ كتاب المنطق الذي قد وسم بهذا الاسم، لو قرأته على جميع خطباء الأمصار و بلغاء الأعراب، لما فهموا أكثره، و في كتاب إقليدس كلام يدور، و هو عربيّ و قد صفّي، و لو سمعه بعض الخطباء لما فهمه، و لا يمكن أن يفهّمه من يريد تعليمه، لأنّه يحتاج إلى أن يكون قد عرف جهة الأمر، و تعوّد اللفظ المنطقيّ الذي استخرج من جميع الكلام.

59-[قول صحار العبدي في الإيجاز]

قال معاوية بن أبي سفيان، رضي اللّه عنهما، لصحار العبدي: ما الإيجاز؟قال:

أن تجيب فلا تبطئ، و تقول فلا تخطئ. قال معاوية: أ و كذلك تقول!!قال صحار:

أقلني يا أمير المؤمنين!لا تخطئ و لا تبطئ‏ (1) .

فلو أنّ سائلا سألك عن الإيجاز، فقلت: لا تخطئ و لا تبطئ، و بحضرتك خالد بن صفوان، لما عرف بالبديهة و عند أوّل وهلة، أنّ قولك «لا تخطئ» متضمّن بالقول، و قولك «لا تبطئ» متضمّن بالجواب. و هذا حديث كما ترى آثروه و رضوه، و لو أن قائلا قال لبعضنا: ما الإيجاز؟لظننت أنّه يقول: الاختصار.

و الإيجاز ليس يعنى به قلّة عدد الحروف و اللفظ، و قد يكون الباب من الكلام من أتى عليه فيما يسع بطن طومار فقد أوجز، و كذلك الإطالة، و إنّما ينبغي له أن يحذف بقدر ما لا يكون سببا لإغلاقه، و لا يردّد و هو يكتفي في الإفهام بشطره، فما فضل عن المقدار فهو الخطل.

60-[صعوبة كتب الأخفش‏]

و قلت لأبي الحسن الأخفش: أنت أعلم الناس بالنّحو، فلم لا تجعل كتبك

____________

(1) ورد حديث صحار و معاوية في البيان 1/96. مع خلاف.

63

مفهومة كلّها، و ما بالنا نفهم بعضها و لا نفهم أكثرها، و ما بالك تقدّم بعض العويص و تؤخّر بعض المفهوم؟!قال: أنا رجل لم أضع كتبي هذه للّه، و ليست هي من كتب الدين، و لو وضعتها هذا الوضع الذي تدعوني إليه، قلّت حاجاتهم إليّ فيها، و إنّما كانت غايتي المنالة، فأنا أضع بعضها هذا الوضع المفهوم، لتدعوهم حلاوة ما فهموا إلى التماس فهم ما لم يفهموا، و إنّما قد كسبت في هذا التدبير، إذ كنت إلى التكسّب ذهبت، و لكن ما بال إبراهيم النظّام، و فلان و فلان، يكتبون الكتب للّه بزعمهم، ثم يأخذها مثلي في مواقفته‏ (1) ، و حسن نظره، و شدّة عنايته، و لا يفهم أكثرها؟! و أقول: لو أنّ يوسف السّمتيّ، كتب هذه الشروط، أيّام جلس سلمان بن ربيعة شهرين للقضاء، فلم يتقدّم إليه رجلان، و القلوب سليمة و الحقوق على أهلها موفّرة، لكان ذلك خطلا و لغوا؛ و لو كتب في دهره شروط سلمان، لكان ذلك غرارة و نقصا، و جهلا بالسياسة، و بما يصلح في كلّ دهر.

61-[مواضع الاستطراد]

و وجدنا الناس إذا خطبوا في صلح بين العشائر أطالوا، و إذا أنشدوا الشعر بين السّماطين في مديح الملوك أطالوا. و للإطالة موضع و ليس ذلك بخطل، و للإقلال موضع و ليس ذلك من عجز.

و لو لا أنّي أتّكل على أنّك لا تملّ باب القول في البعير حتّى تخرج إلى الفيل، و في الذّرّة حتّى تخرج إلى البعوضة، و في العقرب حتّى تخرج إلى الحيّة، و في الرجل حتّى تخرج إلى المرأة، و في الذّبان و النحل حتى تخرج إلى الغربان و العقبان، و في الكلب حتّى تخرج إلى الديك، و في الذئب حتّى تخرج إلى السبع، و في الظّلف حتّى تخرج إلى الحافر، و في الحافر حتّى تخرج إلى الخفّ، و في الخفّ حتّى تخرج إلى البرثن، و في البرثن حتّى تخرج إلى المخلب، و كذلك القول في الطير و عامّة الأصناف، لرأيت أنّ جملة الكتاب، و إن كثر عدد ورقه، أنّ ذلك ليس مما يملّ، و يعتدّ عليّ فيه بالإطالة، لأنّه و إن كان كتابا واحدا فإنّه كتب كثيرة، و كلّ مصحف منها فهو أمّ على حدة، فإن أراد قراءة الجميع لم يطل عليه الباب الأوّل حتّى يهجم على الثاني، و لا الثاني حتّى يهجم على الثالث، فهو أبدا مستفيد و مستطرف، و بعضه

____________

(1) المواقفة: الجدال و الخصومة.

64

يكون جماما لبعض، و لا يزال نشاطه زائدا. و متى خرج من آي القرآن صار إلى الأثر، و متى خرج من أثر صار إلى خبر، ثم يخرج من الخبر إلى شعر، و من الشعر إلى نوادر، و من النوادر إلى حكم عقليّة، و مقاييس سداد، ثم لا يترك هذا الباب؛ و لعلّه أن يكون أثقل، و الملال إليه أسرع، حتّى يفضي به إلى مزح و فكاهة، و إلى سخف و خرافة، و لست أراه سخفا، إذ كنت إنما استعملت سيرة الحكماء، و آداب العلماء.

62-[مخاطبة القرآن للعرب و بني إسرائيل‏]

و رأينا اللّه تبارك و تعالى، إذا خاطب العرب و الأعراب، أخرج الكلام مخرج الإشارة و الوحي و الحذف، و إذا خاطب بني إسرائيل أو حكى عنهم، جعله مبسوطا، و زاد في الكلام. فأصوب العمل اتّباع آثار العلماء، و الاحتذاء على مثال القدماء، و الأخذ بما عليه الجماعة.

63-[شعر في صفة الكتب‏]

قال ابن يسير في صفة الكتب، في كلمة له‏ (1) : [من البسيط]

1-أقبلت أهرب لا آلو مباعدة # في الأرض منهم فلم يحصنّي الهرب

2-بقصر أوس فما والت خنادقه # و لا النواويس فالماخور فالخرب

3-فأيّما موئل منها اعتصمت به # فمن ورائي حثيثا منهم الطلب

4-لمّا رأيت بأني لست معجزهم # فوتا و لا هربا، قرّبت أحتجب

5-فصرت في البيت مسرورا بهم جذلا # جار البراءة لا شكوى و لا شغب

6-فردا يحدّثني الموتى و تنطق لي # عن علم ما غاب عنّي منهم الكتب

7-هم مؤنسون و ألاّف غنيت بهم # فليس لي في أنيس غيرهم أرب

8-للّه من جلساء لا جليسهم # و لا عشيرهم للسّوء مرتقب

9-لا بادرات الأذى يخشى رفيقهم # و لا يلاقيه منهم منطق ذرب

10-أبقوا لنا حكما تبقى منافعها # أخرى الليالي على الأيّام و انشعبوا

11-فأيّما آدب منهم مددت يدي # إليه فهو قريب من يدي كثب‏

____________

(1) الأبيات في ديوان محمد بن يسير ص 44-46، و الأبيات (5، 6، 8، 10، 12، 15، 18) في بهجة المجالس للقرطبي 1/52، و الأبيات (5، 13، 15) في ربيع الأبرار 4/185، و الأبيات (4-8) في مروج الذهب 2/188.

65

12-إن شئت من محكم الآثار يرفعها # إلى النبيّ ثقات خيرة نجب

13-أو شئت من عرب علما بأوّلهم # في الجاهليّة أنبتني به العرب

14-أو شئت من سير الأملاك من عجم # تنبي و تخبر كيف الرأي و الأدب

15-حتّى كأنّي قد شاهدت عصرهم # و قد مضت دونهم من دهرهم حقب

16-يا قائلا قصرت في العلم نهيته # أمسى إلى الجهل فيما قال ينتسب

17-إنّ الأوائل قد بانوا بعلمهم # خلاف قولك قد بانوا و قد ذهبوا

18-ما مات منا امرؤ أبقى لنا أدبا # نكون منه إذا ما مات نكتسب‏

و قال أبو و جزة و هو يصف صحيفة كتب له فيها بستّين وسقا: [من البسيط]

راحت بستّين وسقا في حقيبتها # ما حمّلت حملها الأدنى و لا السّددا (1)

ما إن رأيت قلوصا قبلها حملت # ستّين وسقا و ما جابت به بلدا

و قال الراجز: [من الرجز]

تعلّمن أنّ الدواة و القلم # تبقى و يفني حادث الدّهر الغنم‏ (2)

يقول: كتابك الذي تكتبه عليّ يبقى فتأخذني به، و تذهب غنمي فيما يذهب.

64-[فضل الكتاب في نشر الأخبار]

و ممّا يدلّ على نفع الكتاب، أنّه لو لا الكتاب لم يجز أن يعلم أهل الرّقّة و الموصل و بغداد و واسط، ما كان بالبصرة، و ما يحدث بالكوفة في بياض يوم، حتّى تكون الحادثة بالكوفة غدوة، فتعلم بها أهل البصرة قبل المساء.

و ذلك مشهور في الحمام الهدى، إذا جعلت بردا، قال اللّه جلّ و عزّ-و ذكر سليمان و ملكه الذي لم يؤت أحدا مثله-فقال‏ وَ تَفَقَّدَ اَلطَّيْرَ فَقََالَ مََا لِيَ لاََ أَرَى اَلْهُدْهُدَ (3) إلى قوله: أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطََانٍ مُبِينٍ (4) فلم يلبث أن قال الهدهد جِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ. `إِنِّي وَجَدْتُ اِمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ، وَ أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ، وَ لَهََا عَرْشٌ عَظِيمٌ (5) قال سليمان‏ اِذْهَبْ بِكِتََابِي هََذََا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ (6) و قد

____________

(1) الأغاني 12/143.

(2) الرجز بلا نسبة في الجمهرة 844. و رواية البيت الثاني في الجمهرة: (تبقى و يودي ما كتبت بالغنم) .

(3) سورة النمل، الآيات 20.

(4) سورة النمل، الآيات 21.

(5) سورة النمل، الآيات 22-23.

(6) . 28: النمل/27.

66

كان عنده من يبلّغ الرسالة على تمامها، من عفريت، و من بعض من عنده علم من الكتاب، فرأى أنّ الكتاب أبهى و أنبل، و أكرم و أفخم من الرسالة عن ظهر لسان، و إن أحاط بجميع ما في الكتاب. و قالت ملكة سبأ يََا أَيُّهَا اَلْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتََابٌ كَرِيمٌ (1) . فهذا مما يدل على قدر اختيار الكتب.

65-[تسخير الكتابة الأمور الدين و الدنيا]

و قد يريد بعض الجلّة الكبار، و بعض الأدباء و الحكماء، أن يدعو بعض من يجري مجراه في سلطان أو أدب، إلى مأدبة أو ندام‏ (2) ، أو خروج إلى متنزّه، أو بعض ما يشبه ذلك، فلو شاء أن يبلّغه الرسول إرادته و معناه، لأصاب من يحسن الأداء، و يصدق في الإبلاغ، فيرى أنّ الكتاب في ذلك أسرى و أنبه و أبلغ.

و لو شاء النبيّ صلى اللّه عليه و سلم، ألاّ يكتب‏ (3) الكتب إلى كسرى، و قيصر، و النّجاشيّ، و المقوقس، و إلى ابني الجلندى، و إلى العباهلة من حمير، و إلى هوذة بن علي، و إلى الملوك و العظماء، و السادة النجباء، لفعل، و لوجد المبلّغ المعصوم من الخطأ و التبديل، و لكنّه عليه الصلاة و السلام، علم أنّ الكتاب أشبه بتلك الحال، و أليق بتلك المراتب، و أبلغ في تعظيم ما حواه الكتاب.

و لو شاء اللّه أن يجعل البشارات على الألسنة بالمرسلين، و لم يودعها الكتب لفعل، و لكنه تعالى و عزّ، علم أن ذلك أتمّ و أكمل، و أجمع و أنبل.

و قد يكتب بعض من له مرتبة في سلطان أو ديانة، إلى بعض من يشاكله، أو يجري مجراه، فلا يرضى بالكتاب حتّى يخزمه و يختمه، و ربّما لم يرض بذلك حتى يعنونه و يعظمه، قال اللّه جلّ و عز: أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمََا فِي صُحُفِ مُوسى‏ََ `وَ إِبْرََاهِيمَ اَلَّذِي وَفََّى (4) فذكر صحف موسى الموجودة، و صحف إبراهيم البائدة المعدومة. ليعرف الناس مقدار النفع، و المصلحة في الكتب.

66-[نظام التوريث عند فلاسفة اليونانية]

قالوا: و كانت فلاسفة اليونانية، تورث البنات العين، و تورث البنين الدين:

____________

(1) . 29: النمل/27.

(2) الندام: مصدر نادمة، أي جالسة على الشراب.

(3) رسائل الجاحظ 1/185، في رسالة «فخر السودان على البيضان» .

(4) . 37: النجم/53.

67

و كانت تصل العجز بالكفاية، و المئونة بالكلفة. و كانت تقول: لا تورثوا الابن من المال، إلاّ ما يكون عونا له على طلب المال، و اغذوه بحلاوة العلم، و اطبعوه على تعظيم الحكمة، ليصير جمع العلم أغلب عليه من جمع المال، و ليرى أنّه العدّة و العتاد، و أنّه أكرم مستفاد.

و كانوا يقولون: لا تورّثوا الابن من المال إلاّ ما يسد الخلة، و يكون له عونا على درك الفضول، إن كان لا بدّ من الفضول؛ فإنّه إن كان فاسدا زادت تلك الفضول في فساده، و إن كان صالحا كان فيما أورثتموه من العلم و بقّيتم له من الكفاية، ما يكسبه الحال، فإن الحال أفضل من المال، و لأنّ المال لم يزل تابعا للحال. و قد لا يتبع الحال المال. و صاحب الفضول بعرض فساد، و على شفا إضاعة، مع تمام الحنكة، و اجتماع القوّة، فما ظنّكم بها مع غرارة الحداثة، و سوء الاعتبار، و قلة التجربة.

و كانوا يقولون: خير ميراث ما أكسبك الأركان الأربعة، و أحاط بأصول المنفعة، و عجّل لك حلاوة المحبة، و بقّى لك الأحدوثة الحسنة، و أعطاك عاجل الخير و آجله، و ظاهره و باطنه.

و ليس يجمع ذلك إلاّ كرام الكتب النفيسة، المشتملة على ينابيع العلم، و الجامعة لكنوز الأدب، و معرفة الصناعات، و فوائد الأرفاق، و حجج الدين الذي بصحته، و عند وضوح برهانه، تسكن النفوس، و تثلج الصدور. و يعود القلب معمورا، و العزّ راسخا، و الأصل فسيحا.

و هذه الكتب هي التي تزيد في العقل و تشحذه، و تداويه و تصلحه، و تهذبه.

و تنفي الخبث عنه. و تفيدك العلم. و تصادق بينك و بين الحجّة، و تعوّدك الأخذ بالثقة. و تجلب الحال. و تكسب المال.

67-[وراثة الكتب‏]

و وراثة الكتب الشريفة، و الأبواب الرفيعة، منبهة للمورّث، و كنز عند الوارث، إلا أنه كنز لا تجب فيه الزكاة، و لا حقّ السلطان. و إذا كانت الكنوز جامدة، ينقصها ما أخذ منها، كان ذلك الكنز مائعا يزيده ما أخذ منه، و لا يزال بها المورّث مذكورا في الحكماء و منوّها باسمه في الأسماء، و إماما متبوعا و علما منصوبا، فلا يزال الوارث محفوظا، و من أجله محبوبا ممنوعا، و لا تزال تلك المحبّة نامية، ما كانت تلك‏

68

الفوائد قائمة، و لن تزال فوائدها موجودة ما كانت الدار دار حاجة، و لن يزال من تعظيمها في القلوب أثر، ما كان من فوائدها على الناس أثر.

و قالوا: من ورّثته كتابا، و أودعته علما، فقد ورثته ما يغل و لا يستغلّ، و قد ورثته الضيعة التي لا تحتاج إلى إثارة، و لا إلى سقي، و لا إلى إسجال بإيغار (1) ، و لا إلى شرط، و لا تحتاج إلى أكّار (2) ، و لا إلى أن تثار، و ليس عليها عشر، و لا للسلطان عليها خرج. و سواء أفدته علما أو ورثته آلة علم، و سواء دفعك إليه الكفاية، أو ما يجلب الكفاية. و إنما تجري الأمور و تتصرف الأفعال على قدر الإمكان، فمن لم يقدر إلاّ على دفع السبب، و لم يجب عليه إحضار المسبّب، فكتب الآباء، تحبيب للأحياء، و محي لذكر الموتى.

و قالوا: و متى كان الأديب جامعا بارعا. و كانت مواريثه كتبا بارعة، و آدابا جامعة، كان الولد أجدر أن يرى التعلّم حظا، و أجدر أن يسرع التعليم إليه، و يرى تركه خطأ. و أجدر أن يجري من الأدب على طريق قد أنهج له، و منهاج قد وطئ له.

و أجدر أن يسري إليه عرق من نجله، و سقي من غرسه، و أجدر أن يجعل بدل الطلب للكسب، النظر في الكتب، فلا يأتي عليه من الأيّام مقدار الشغل بجمع الكتب، و الاختلاف في سماع العلم، إلا و قد بلغ بالكفاية و غاية الحاجة. و إنّما تفسد الكفاية من له تمت آلاته. و توافت إليه أسبابه، فأما الحدث الغرير، و المنقوص الفقير، فخير مواريثه الكفاية إلى أن يبلغ التمام، و يكمل للطلب. فخير ميراث ورّث كتب و علم، و خير المورّثين من أورث ما يجمع و لا يفرّق، . و يبصّر و لا يعمي. و يعطي و لا يأخذ.

و يجود بالكلّ دون البعض. و يدع لك الكنز الذي ليس للسلطان فيه حقّ. و الرّكاز (3)

الذي ليس للفقراء فيه نصيب، و النّعمة التي ليس للحاسد فيها حيلة. و لا للّصوص فيها رغبة، و ليس للخصم عليك فيه حجّة، و لا على الجار فيه مئونة.

68-[أوجه تأليف كتب العلم‏]

و أما ديمقراط فإنه قال: ينبغي أن يعرف أنه لا بدّ من أن يكون لكلّ كتاب علم وضعه أحد من الحكماء، ثمانية أوجه: منها الهمّة، و المنفعة، و النسبة، و الصحّة، و الصّنف، و التأليف، و الإسناد، و التدبير، فأوّلها أن تكون لصاحبه همّة، و أن

____________

(1) أسجل الأمر: أطلقه. الإيغار: الأرض التي ليس عليها خراج.

(2) الأكار: الحرّاث أو الزرّاع.

(3) الركاز: كنوز الجاهلية المدفونة تحت الأرض. النهاية 2/258.

69

يكون فيما وضع منفعة، و أن يكون له نسبة ينسب إليها، و أن يكون صحيحا، و أن يكون على صنف من أصناف الكتب معروفا به، و أن يكون مؤتلفا من أجزاء خمسة، و أن يكون مسندا إلى وجه من وجوه الحكمة، و أن يكون له تدبير موصوف.

فذكر أن أبقراط قد جمع هذه الثمانية الأوجه في هذا الكتاب، و هو كتابه الذي يسمى (أفوريسموا) ، تفسيره كتاب الفصول.

69-[تشبيه الكلب بالخلق المركب‏]

و قولك: و ما بلغ من قدر الكلب مع لؤم أصله، و خبث طبعه، و سقوط قدره، و مهانة نفسه، و مع قلّة خيره و كثرة شره، و اجتماع الأمم كلّها على استسقاطه، و استسفاله، و مع ضربهم المثل في ذلك كلّه به، و مع حاله التي يعرف بها، و من العجز عن صولة السّباع و اقتدارها، و عن تمنّعها و تشرّفها، و توحّشها و قلة إسماحها، و عن مسالمة البهائم و موادعتها، و التمكين من إقامة مصلحتها و الانتفاع بها، إذ لم يكن في طبعها دفع السباع عن أنفسها، و لا الاحتيال لمعاشها، و لا المعرفة بالمواضع الحريزة من المواضع المخوفة، و لأنّ الكلب ليس بسبع تام، و لا بهيمة تامة، حتى كأنه من الخلق المركّب و الطبائع الملفّقة، و الأخلاط المجتلبة، كالبغل المتلوّن في أخلاقه، الكثير العيوب المتولّدة عن مزاجه.

70-[الطبائع الملفقة] (1)

و شرّ الطبائع ما تجاذبته الأعراق المتضادّة. و الأخلاق المتفاوتة، و العناصر المتباعدة، كالراعبيّ من الحمام، الذي ذهبت عنه هداية الحمام‏ (2) ، و شكل هديره و سرعة طيرانه، و بطل عنه عمر الورشان، و قوّة جناحه و شدة عصبه، و حسن صوته، و شحو (3) حلقه، و شكل لحونه، و شدّة إطرابه، و احتماله لوقع البنادق و جرح المخالب، و في الراعبي أنّه مسرول مثقل، و حدث له عظم بدن، و ثقل وزن لم يكن لأبيه و لا لأمّه.

و كذلك البغل، خرج من بين حيوانين يلدان حيوانا مثلهما، و يعيش نتاجهما و يبقى بقاءهما، و هو لا يعيش له ولد و ليس بعقيم، و لا يبقى للبغلة ولد و ليست

____________

(1) انظر ما سيأتي في الفقرة 99.

(2) الراعبي: هو من نتاج ما بين الورشان و الحمام. انظر رسائل الجاحظ 2/297.

(3) الشحو: الواسع. اللسان (شحو) .

70

بعاقر، فلو كان البغل عقيما، و البغلة عاقرا، لكان ذلك أزيد في قوتهما، و أتمّ لشدتهما، فمع البغل من الشّبق و النّعظ ما ليس مع أبيه، و مع البغلة من السّوس‏ (1) ، و طلب السفاد، ما ليس مع أمّها. و ذلك كلّه قدح في القوّة، و نقص في البنية. و خرج غرموله أعظم من غراميل أعمامه و أخواله، فترك شبههما، و نزع إلى شي‏ء ليس له في الأرض أصل، و خرج أطول عمرا من أبويه، و أصبر على الأثقال من أبويه.

أو كابن المذكّرة من النساء، و المؤنث من الرجال، فإنه يكون أخبث نتاجا من البغل، و أفسد أعراقا من السّمع، و أكثر عيوبا من العسبار (2) ، و من كلّ خلق خلق إذا تركب من ضدّ، و من كل شجرة مطعّمة بخلاف‏ (3) .

و ليس يعتري مثل ذلك الخلاسيّ من الدجاج، و لا الورداني‏ (4) من الحمام.

و كلّ ضعف دخل على الخلقة، و كل رقّة عرضت للحيوان، فعلى قدر جنسه.

و على وزن مقداره و تمكنه، يظهر العجز و العيب.

و زعم الأصمعيّ، أنّه لم يسبق الحلبة فرس أهضم قط.

و قال محمد بن سلام: لم يسبق الحلبة أبلق قط و لا بلقاء.

و الهداية في الحمام، و القوّة على بعد الغاية (5) . إنما هي للمصمتة (6) من الخضر.

و زعموا أنّ الشّيات كلّها ضعف و نقص-و الشّية: كلّ لون دخل على لون- و قال اللّه جلّ و عزّ: إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهََا بَقَرَةٌ لاََ ذَلُولٌ تُثِيرُ اَلْأَرْضَ وَ لاََ تَسْقِي اَلْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لاََ شِيَةَ فِيهََا (7) .

و زعم عثمان بن الحكم أنّ ابن المذكرة من المؤنث، يأخذ أسوأ خصال أبيه، و أردأ خصال أمه، فتجتمع فيه عظام الدواهي، و أعيان المساوي‏ (8) ، و أنّه إذا خرج

____________

(1) سوست البغلة: اغتلمت. انظر رسائل الجاحظ 2/320.

(2) السمع: ولد الذئب من الضبع، و العسبار: ولد الضبع من الذئب. انظر رسائل الجاحظ 2/297.

و سيذكر الجاحظ ذلك هنا ص 119.

(3) انظر رسائل الجاحظ 2/256.

(4) الورداني: طائر متولد بين الورشان و الحمام، و له غرابة لون. حياة الحيوان 2/414.

(5) الغاية: المسافة التي يقطعها حمام الزاجل.

(6) المصمتة: التي لا يخالط لونها لون آخر.

(7) . 71: البقرة/2.

(8) ورد قول عثمان بن الحكم في رسائل الجاحظ 2/256.

71

كذلك، لم ينجع فيه أدب، و لا يطمع في علاجه طبيب، و أنّه رأى في دور ثقيف، فتى اجتمعت فيه هذه الخصال، فما كان في الأرض يوم، إلاّ و هم يتحدثون عنه بشي‏ء، يصغر في جنبه أكبر ذنب كان ينسب إليه! و زعمت أنّ الكلب في ذلك كالخنثى، و الذي هو لا ذكر و لا أنثى، أو كالخصي الذي لمّا قطع منه ما صار به الذّكر فحلا، خرج من حدّ كمال الذكر بفقدان الذكر، و لم يكمل لأن يصير أنثى، للغريزة الأصلية، و بقيّة الجوهريّة.

و زعمت أنّه يصير كالنبيذ الذي يفسده إفراط الحرّ، فيخرجه من حدّ الخل، و لا يدخله في حدّ النبيذ.

و قال مرداس بن خذام: [من الطويل‏]

سقينا عقالا بالثّويّة شربة # فمالت بلبّ الكاهليّ عقال‏ (1)

فقلت اصطبحها يا عقال فإنّما # هي الخمر خيّلنا لها بخيال

رميت بأمّ الخلّ حبّة قلبه # فلم ينتعش منها ثلاث ليال‏

فجعل الخمر أمّ الخلّ قد يتولد عنها. و قد يتولّد عن الخل-إذ كان خمرا مرة -الخمر.

و قال سعيد بن وهب: [من الكامل‏]

هلاّ و أنت بماء وجهك تشتهى # رود الشّباب قليل شعر العارض!

فالآن حين بدت بخدّك لحية # ذهبت بملحك مثل كفّ القابض

مثل السلافة عاد خمر عصيرها # بعد اللّذاذة خلّ خمر حامض‏

و يصير أيضا كالشعر الوسط، و الغناء الوسط، و النادرة الفاترة، التي لم تخرج من الحرّ إلى البرد فتضحك السّن، و لم تخرج من البرد إلى الحر فتضحك السّن.

____________

(1) الثوية: موضع بالكوفة. معجم البلدان 2/87.

72

باب ذكر ما يعتري الإنسان بعد الخصاء و كيف ما كان قبل الخصاء

قالوا: كلّ ذي ريح منتنة، و كلّ ذي دفر و صنان كريه المشمّة، كالنّسر و ما أشبهه، فإنّه متى خصي نقص نتنه و ذهب صنانه، غير الإنسان، فإنّ الخصيّ يكون أنتن، و صنانه أحدّ، و يعمّ أيضا خبث العرق سائر جسده، حتى لتوجد لأجسادهم رائحة لا تكون لغيرهم. فهذا هذا.

و كلّ شي‏ء من الحيوان يخصى فإنّ عظمه يدقّ، فإذا دقّ عظمه استرخى لحمه، و تبرّأ من عظمه، و عاد رخصا رطبا، بعد أن كان عضلا صلبا، و الإنسان إذا خصي طال عظمه و عرض، فخالف أيضا جميع الحيوان من هذا الوجه.

و تعرض للخصيان أيضا طول أقدام، و اعوجاج في أصابع اليد، و التواء في أصابع الرّجل، و ذلك من أوّل طعنهم في السنّ. و تعرض لهم سرعة التغيّر و التبدّل، و انقلاب من حدّ الرطوبة و البضاضة و ملاسة الجلد، و صفاء اللون و رقّته، و كثرة الماء و بريقه، إلى التكرّش و الكمود، و إلى التقبّض و التخدّد، و إلى الهزال، و سوء الحال. فهذا الباب يعرض للخصيان، و يعرض أيضا لمعالجي النبات من الأكرة من أهل الزرع و النخل، لأنّك ترى الخصيّ و كأنّ السيوف تلمع في لونه، و كأنّه مرآة صينيّة، و كأنه وذيلة مجلوّة، و كأنه جمّارة رطبة، و كأنه قضيب فضّة قد مسّه ذهب، و كأن في وجناته الورد، ثم لا يلبث كذلك إلا نسيئات‏ (1) يسيرة، حتى يذهب ذلك ذهابا لا يعود، و إن كان ذا خصب، و في عيش رغد، و في فراغ بال، و قلّة نصب.

71-[طرائف عبد الأعلى القاصّ‏]

و كان من طرائف ما يأتي به عبد الأعلى القاصّ، قوله في الخصي، و كان لغلبة

____________

(1) النسيئات: المراد بها الوقت القليل.

73

السلامة عليه يتوهّم عليه الغفلة، و هو الذي ذكر الفقير مرة في قصصه فقال‏ (1) :

الفقير مرقته سلقة، و رداؤه علقة، و جردقته فلقة، و سمكته شلقة، و إزاره خرقة (2) .

قالوا: ثمّ ذكر الخصيّ فقال: إذا قطعت خصيته، قويت شهوته و سخنت معدته، و لانت جلدته، و انجردت شعرته، و اتّسعت فقحته، و كثرت دمعته!! و قالوا: الخصيّ لا يصلع كما لا تصلع المرأة، و إذا قطع العضو الذي كان به فحلا تامّا، أخرجه ذلك من أكثر معاني الفحول و صفاتهم، و إذا أخرجه من ذلك الكمال، صيّره كالبغل الذي ليس هو حمارا و لا فرسا، و تصير طباعه مقسومة على طباع الذكر و الأنثى، و ربما لم يخلص له الخلق و لم يصف، حتّى يصير كالخلق من أخلاق الرجال، أو يلحق بمثله من أخلاق النساء، و لكنّه يقع ممزوجا مركبا، فيخرج إلى أن يكون مذبذبا، لا إلى هؤلاء و لا إلى هؤلاء. و ربما خرجت النتيجة و ما يولّده التركيب، عن مقدار معاني الأبوين، كما يجوز عمر البغل عمر أبويه، و كذلك ما عددنا في صدر هذا الكلام.

72-[طلب النسل‏]

و قالوا: و للإنسان قوى معروفة المقدار، و شهوات مصروفة في وجوه حاجات النفوس، مقسومة عليها. لا يجوز تعطيلها و ترك استعمالها ما كانت النفوس قائمة بطبائعها و مزاجاتها و حاجاتها. و باب المنكح من أكبرها، و أقواها، و أعمّها.

و يدخل في باب المنكح ما في طبائعهم من طلب الولد، و هو باب من أبوابهم عظيم؛ فمنهم من يطلبه للكثرة و النّصرة، و للحاجة إلى العدد و القوّة، و لذلك استلاطت العرب الرجال، و أغضت‏ (3) على نسب المولود على فراش أبيه، و قد أحاط علمه بأنّه من الزوج الأوّل. قال الأشهب بن رميلة: [من البسيط]

قال الأقارب لا تغررك كثرتنا # و أغن نفسك عنّا أيها الرجل‏ (4)

____________

(1) ورد قول عبد الأعلى في البخلاء 106، عيون الأخبار 2/46.

(2) (السلقة) : الجرادة، لعله يريد أنه يجتزئ من المرق بالقليل منه؛ حتى إنه ليكفيه مرق جرادة واحدة. و (العلقة) : شجر يبقى في الشتاء تتبلغ به الإبل حتى تدرك الربيع. (الفلقة) : الكسرة.

(الجردقة) : الرغيف. (الشلقة) : شي‏ء على خلقة السمكة، صغير له رجلان عند ذنبه كرجل الضفدع، لا يدين له، يكون في أنهار البصرة.

(3) أغضت: سكتت.

(4) البيتان للأشهب بن رميلة في ديوانه 237، و البيان 3/66، و هما لنهشل بن حري في ديوانه 118-119، و الوحشيات 118.

74

علّ بنيّ يشدّ اللّه كثرتهم # و النّبع ينبت قضبانا فيكتهل‏

و قال الآخر: [من الرجز]

إنّ بنيّ صبية صيفيّون # أفلح من كان له ربعيّون‏ (1)

يشكو كما ترى صغر البنين، و ضعف الأسر.

و ما أكثر ما يطلب الرجل الولد نفاسة بماله على بني عمّه، و لإشفاقه من أن تليه القضاة و ترتع فيه الأمناء، فيصير ملكا للأولياء، و يقضي به القاضي الذّمام و يصطنع به الرجال.

و ربما همّ الرجل بطلب الولد لبقاء الذكر، و للرغبة في العقب، أو على جهة طلب الثواب في مباهاة المشركين، و الزيادة في عدد المسلمين، أو للكسب و الكفاية، و للمدافعة و النّصرة، و للامتناع، و بقاء نوع الإنسان، و لما طبع اللّه تعالى تعالى بني آدم عليه، من حبّ الذّرّيّة و كثرة النسل، كما طبع اللّه تعالى الحمام و السنانير على ذلك، و إن كان إذا جاءه الولد زاد في همّه و نصبه، و في جبنه و بخله، و قد قال النبي صلى اللّه عليه و سلم: «الولد مجبنة مبخلة مجهلة» (2) فيحتمل في الولد المؤن المعروفة، و الهموم الموجودة لغير شي‏ء قصد له، و ليس في ذلك أكثر من طلب الطباع، و نزوع النفس إلى ذلك.

و ذكر أبو الأخزر الحمّاني عير العانة بخلاف ما عليه أصحاب الزّواج من الحيوان، فقال عند ذكر سفاده: [من الرجز]

لا مبتغي الذرء و لا بالعازل‏

لأنّ الإنسان من بين الحيوان المزاوج، إذا كره الولد عزل، و المزاوج من أصناف الحيوانات إنّما غايتها طلب الذرء و الولد. لذلك سخّرت، و له هيّئت، لما أراد اللّه تعالى من إتمام حوائج الإنسان. و الحمار لا يطلب الولد، فيكون إفراغه في الأتان لذلك، و لا إذا كان لا يريد الولد عزل كما يعزل الإنسان، غير أنّ غايته قضاء الشهوة فقط، ليس يخطر على باله أنّ ذلك الماء يخلق منه شي‏ء.

و روى ابن عون عن محمد بن سيرين عن عبيدة قال: «ليس في البهائم شي‏ء يعمل عمل قوم لوط إلا الحمار» .

____________

(1) الرجز لسعد بن مالك بن ضبيعة في اللسان و التاج (ربع) ، و للأكثم الصيفي في التاج (صيف) ، و بلا نسبة في تهذيب اللغة 2/371، و الجمهرة 317، و المقاييس 3/326 و المخصص 1/30.

(2) الحديث في النهاية 1/103، و غريب ابن الجوزي 1/182-183.

75

و عامّة اكتساب الرجال و إنفاقهم، و همّهم و تصنّعهم، و تحسينهم لما يملكون، إنّما هو مصروف إلى النساء و الأسباب المتعلقة بالنساء، و لو لم يكن إلاّ التنمّص و التطيّب و التطوّس و التّعرّس‏ (1) و التخضّب، و الذي يعدّ لها من الطيب و الصّبغ، و الحلي، و الكساء، و الفرش، و الآنية، لكان في ذلك ما كفى. و لو لم يكن له إلاّ الاهتمام بحفظها و حراستها، و خوف العار من جنايتها و الجناية عليها، لكان في ذلك المئونة العظيمة، و المشقة الشديدة.

73-[سبب شره الخصي‏]

فإذا بطل العضو الذي من أجله يكون اشتغال النفس بالأصناف الكثيرة، من اللذّة و الألم، فباضطرار أن تعلم أنّ تلك القوى لم تبطل من التركيب، و لم تعدمها الخلقة، و إنّما سدّ دونها بسدّ، و أدخل عليها حجاب، فلا بدّ لها إذا كانت موجودة من عمل، لأنّ عمل كلّ جوهر لا يعدم إلاّ بعدم ذاته، فإذا صرفت من وجه فاضت من وجه. و لا سيما إذا جمّت و نازعت، و لا بدّ إذا زخرت و غزرت، و طغت و طمت، من أن تفيض أو تفتح لنفسها بابا، و ليس بعد المنكح باب له موقع كموقع المطعم، فاجتمعت تلك القوى التي كانت للمنكح و ما يشتمل عليه باب المنكح، إلى القوّة التي عنده للمطعم، فإذا اجتمعت القوّتان في باب واحد كان أبلغ في حكمه، و أبعد غاية في سبيله، و لذلك صار الخصيّ آكل من أخيه لأمّه و أبيه، و على قدر الاستمراء يكون هضمه، و على قدر حاجة طبعه و حركة نفسه و الحرارة المتولّدة عن الحركة يكون الاستمراء، لأن الشهوة من أمتن أبواب الاستمراء، و الحركة من أعظم أبواب الحرارة.

74-[شدة نهم الإناث‏]

و دوام الأكل في الإناث أعمّ منه في الذكور، و كذلك الحجر دون الفرس، و كذلك الرّمكة دون البرذون، و كذلك النعجة دون الكبش، و كذلك النساء في البيوت دون الرجال. و ما أشكّ أنّ الرجل يأكل في المجلس الواحد ما لا تأكل المرأة، و لكنّها تستوفي ذلك المقدار و تربي عليه مقطّعا غير منظوم، و هي بدوام ذلك منها، يكون حاصل طعامها أكثر. و هنّ يناسبن الصبيان في هذا الوجه، لأنّ طبع الصبيّ سريع الهضم، سريع الكلب، قصير مدّة الأكل، قليل مقدار الطّعم، فللمرأة كثرة معاودتها، ثمّ تبين بكثرة مقدار المأكول. فيصير للخصيّ نصيبان: نصيبه من شبه

____________

(1) التنمص: نتف الشعر. التطوس: التزين. التعرس: التودد.

76

النساء، ثم اجتماع قوى شهوتية في باب واحد، أعني شهوة المنكح التي تحولت، و شهوة المطعم.

قال، و قيل لبعض الأعراب: أيّ شي‏ء آكل؟قال: برذونة رغوث‏ (1) .

و لشدّة نهم الإناث، صارت اللبؤة أشدّ عراما و أنزق، إذا طلبت الإنسان لتأكله، و كذلك صارت إناث الأجناس الصائدة أصيد، كالإناث من الكلاب و البزاة و ما أشبه ذلك، و أحرص ما تكون عند ارتضاع جرائها من أطبائها، حتّى صار ذلك منها سببا للحرص و النّهم في ذلك.

75-[صوت الخصي‏]

و يعرض له عند قطع ذلك العضو تغيّر الصوت، حتى لا يخفى على من سمعه من غير أن يرى صاحبه أنّه خصيّ، و إن كان الذي يخاطبه و يناقله الكلام أخاه أو ابن عمّه، أو بعض أترابه من فحولة جنسه، و هذا المعنى يعرض لخصيان الصقالبة أكثر ممّا يعرض للخراسانية، و للسودان من السّند و الحبشان. و ما أقلّ من تجده ناقصا عن هذا المقدار، إلاّ و له بيضة أو عرق، فليس يحتاج في صحّة تمييز ذلك، و لا في دقة الحسّ فيه، إلى حذق بقيافة، بل تجد ذلك شائعا في طباع السّفلة و الغثراء (2) ، و في أجناس الصّبيان و النساء.

76-[شعر الخصي‏]

و متى خصي قبل الإنبات لم ينبت، و إذا خصي بعد استحكام نبات الشعر في مواضعه، تساقط كله إلاّ شعر العانة، فإنه و إن نقص من غلظه و مقدار عدده فإنّ الباقي كثير. و لا يعرض ذلك لشعر الرأس، فإنّ شعر الرأس و الحاجبين و أشفار العينين يكون مع الولادة، و إنما يعرض لما يتولد من فضول البدن.

و قد زعم ناس أنّ حكم شعر الرأس خلاف حكم أشفار العينين، و قد ذكرنا ذلك في موضعه من باب القول في الشعر، و هذه الخصال من أماكن شعر النساء، و الخصيان و الفحولة فيه سواء، و إنما يعرض لسوى ذلك من الشعر الحادث الأصول، الزائد في النبات. أ لا ترى أن المرأة لا تصلع، فناسبها الخصيّ من هذا الوجه، فإن

____________

(1) رغوث: مرضعة. و الخبر في رسائل الجاحظ 2/340 «كتاب البغال» و البيان 3/212.

(2) الغثراء: سفلة الناس.

77

عرض له عارض فإنما هو من القرع، لا من جهة النّزع و الجلح، و الجله و الصّلع‏ (1)

و كذلك النساء في جميع ذلك.

و المرأة ربّما كان في قصاص مقاديم شعر رأسها ارتفاع، و ليس ذلك بنزع و لا جلح، إذا لم يكن ذلك حادثا يحدثه الطعن في السنّ.

و تكون مقاطع شعر رأسه و منتهى حدود قصاصه، كمقاطع شعر المرأة و منتهى قصاصها، و ليس شعرها كلما دنا من موضع الملاسة و الانجراد يكون أرقّ حتى يقلّ و يضمحلّ، و لكنه ينبت في مقدار ذلك الجلد على نبات واحد، ثم ينقطع عند منتهاه انقطاعا واحدا. و المرأة ربّما كانت سبلاء، و تكون لها شعرات رقيقة زغبيّة كالعذار موصولا بأصداغها، و لا يعرض ذلك للخصي إلا من علة في الخصاء، و لا يرى أبدا بعد مقطع من صدغيه شي‏ء من الشّعر، لا من رقيقه و لا من كثيفه.

77-[ذوات اللحى و الشوارب‏]

و قد توجد المرأة ذات لحية. و قد رأيت ذلك، و أكثر ما رأيته في عجائز الدّهاقين، و كذلك الغبب‏ (2) و الشارب، و قد رأيت ذلك أيضا. و هي ليست في رأي العين بخنثى، بل نجدها أنثى تامّة. إلا أن تكون لم تضرب في ذلك بالسبب الذي يقوى، حتى يظهر في غير ذلك المكان. و لا تعرض اللحى للنساء، إلا عند ارتفاع الحيض، و ليس يعرض ذلك للخصي.

و قد ذكر أهل بغداد، أنّه كان لابنة من بنات محمّد بن راشد الخنّاق، لحية وافرة، و أنّها دخلت مع نساء متنقّبات إلى بعض الأعراس لترى العرس و جلوة العروس، ففطنت لها امرأة فصاحت: رجل و اللّه!و أحال الخدم و النساء عليها بالضرب، فلم تكن لها حيلة إلا الكشف عن فرجها. فنزعن عنها و قد كادت تموت.

و يفضل أيضا الخصيّ المرأة في الانجراد و الزّعر، بأن تجد المرأة زبّاء (3)

الذراعين و الساقين، و تجد ركب‏ (4) المرأة في الشعر كأنّه عانة الرجل، و يعرض لها الشعر في إبطيها و غير ذلك.

____________

(1) في فقه اللغة للثعالبي 61: «إذا انحسر الشعر عن جانبي جبهته فهو أنزع. فإذا زاد قليلا فهو أجلح، فإذا بلغ الانحسار نصف رأسه فهو أجلى و أجله. فإذا زاد فهو أصلع، و الفرق بين القرع و الصلع أن القرع ذهاب البشرة، و الصلع ذهاب الشعر منها» .

(2) الغبب: الجلد الذي تحت الحنك. اللسان: غبب 1/637.

(3) الزباء: الكثير الشعر. اللسان: زبب.

(4) الركب: العانة، و قيل منبتها. و قيل: الركب: ظاهر الفرج؛ أو الفرج نفسه. اللسان: ركب 1/433-434.

78

و لا يعرض للخصيّ ما يعرض للديك إذا خصي: أن يذبل غضروف عرفه و لحيته.

و الخصاء ينقص من شدّة الأسر، و ينقض مبرم القوى، و يرخي معاقد العصب، و يقرّب من الهرم و البلى.

78-[مشي الخصي‏]

و يعرض للخصيّ أن يشتدّ وقع رجله على أرض السّطح، حتى لو تفقّدت وقع قدمه و قدم أخيه الفحل الذي هو أعبل‏ (1) منه لوجدت لوقعه و وطئه شيئا لا تجده لصاحبه. و كأنّ العضو الذي كان يشدّ توتير النّسا، و معاقد الوركين و معاليق العصب، لمّا بطل و ذهب الذي كان يمسكه و يرفعه، فيخفّ لذلك وقع رجله، صار كالذي لا يتماسك و لا يحمل بعضه بعضا.

79-[أثر الخصاء في الذكاء]

و يعرض له أنّ أخوين صقلبيّين من أمّ و أب، لو كان أحدهما توأم أخيه، أنّه متى خصي أحدهما خرج الخصيّ منهما أجود خدمة، و أفطن لأبواب المعاطاة و المناولة، و هو لها أتقن و بها أليق، و تجده أيضا أذكى عقلا عند المخاطبة، فيخصّ بذلك كلّه، و يبقى أخوه على غثارة (2) فطرته، و على غباوة غريزته، و على بلاهة الصّقلبيّة، و على سوء فهم العجميّة.

و يد الإنسان لا تكون أبدا إلا خرقاء، و لا تصير صناعا ما لم تكن المعرفة ثقافا لها. و اللسان لا يكون أبرأ، ذاهبا في طريق البيان، متصرفا في الألفاظ، إلاّ بعد أن تكون المعرفة متخلّلة به، منقّلة له، واضعة له في مواضع حقوقه، و على أماكن حظوظه، و هو علّة له في الأماكن العميقة، و مصرّفة له في المواضع المختلفة.

فأوّل ما صنع الخصاء بالصّقلبيّ تزكية عقله، و إرهاف حدّه، و شحذ طبعه، و تحريك نفسه. فلما عرف كانت حركته تابعة لمعرفته، و قوّته على قدر ما هيّجه.

فأمّا نساء الصقالبة و صبيانهم، فليس إلى تحويل طبائعهم، و نقل خلقهم إلى الفطنة الثاقبة، و إلى الحركة الموزونة، و إلى الخدمة الثابتة الواقعة بالموافقة، سبيل.

____________

(1) أعبل: أضخم.

(2) الأغثر: الأحمق.

79

و على حسب الجهل يكون الخرق، و على حسب المعرفة يكون الحذق. و هذا جملة القول في نسائهم، و على أنّهنّ لا حظوظ لهنّ عند الخلوة، و لا نفاذ لهنّ في صناعة؛ إذ كنّ قد منعن فهم المعاطاة و معرفة المناولة.

و الخصيان مع جودة آلاتهم و وفارة طبائعهم في معرفة أبواب الخدمة. و في استواء حالهم في باب المعاطاة، لم تر أحدا منهم قطّ نفذ في صناعة تنسب إلى بعض المشقّة، و تضاف إلى شي‏ء من الحكمة، ممّا يعرف ببعد الرّويّة، و الغوص بإدامة الفكرة، إلا ما ذكروا من نفاذ ثقف في التحريك للأوتار، فإنّه كان في ذلك مقدّما، و به مذكورا. إلاّ أنّ الخصيّ من صباه، يحسن صنعة الدّابوق‏ (1) . و يجيد دعاء الحمام الطّوريّ‏ (2) . و ما شئت من صغار الصناعات.

و قد زعم البصريّون أن حديجا الخصيّ، خادم المثنّى بن زهير، كان يجاري المثنّى في البصر بالحمام. و في صحّة الفراسة، و إتقان المعرفة، و جودة الرياضة.

و سنذكر حاله في باب القول في الحمام إن شاء اللّه تعالى.

هذا قولهم فيمن خصي من الصقالبة. و ملوكنا لعقول خصيان خراسان أحمد، و هم قليل، و لذلك لم نأت من أمرهم بشي‏ء مشهور، و أمر مذكور.

80-[خصيان السند]

و أما السّند، فلم يكن فيهم أيضا من الخصيان إلاّ النّفر الذين كان خصاهم موسى بن كعب، و قد رأيت أنا بعضهم، و زعم لي أنّه خصى أربعة هو أحدهم، و رأيت الخصاء، قد جذبه إلى حبّ الحمام، و عمل التكك‏ (3) ، و الهراش بالديوك، و هذا شي‏ء لم يجر منه على عرق، و إنما قاده إليه قطع ذلك العضو.

81-[خصيان الحبشة و النوبة و السودان‏]

فأمّا الخصيان من الحبشان و النّوبة و أصناف السودان، فإنّ الخصاء يأخذ منهم و لا يعطيهم، و ينقصهم و لا يزيدهم، و يحطّهم عن مقادير إخوانهم، كما يزيد الصقالبة عن مقادير إخوتهم، لأن الحبشيّ متى خصي سقطت نفسه، و ثقلت حركته، و ذهب نشاطه، و لا بدّ أن يعرض له فساد، لأنه متى استقصي جبابه لم

____________

(1) الدابوق: غراء يصاد به الطير. التاج (دبق) .

(2) الحمام الطوري: الحمام الوحشي.

(3) التكك: جمع تكة، و هي رباط السراويل.

80

يتماسك بوله، و سلس مخرجه، و استرخى الممسك له، فإن هم لم يستقصوا جبابه، فإنما يدخل الرجل منزله من له نصف ذلك العضو. و على أنك لا تجد منهم خصيا أبدا، إلاّ و بسرّته بجرة (1) ، و نفخة شنيعة، و ذلك عيب شديد، و هو ضرب من الفتق، مع قبحه في العين، و شنعته في الذّكر. و كلّ ما قبح في العين فهو مؤلم، و كل ما شنع في النفس فهو مؤذ. و ما أكثر ما تجد فيهم الألطع‏ (2) ، و ذلك فاش في باطن شفاههم.

و متى كانت الشفاه هدلا، و كانت المشافر منقلبة، كانت أظهر للّطع، و هو ضرب من البرص. و البياض الذي يعرض لغراميل الخيل و خصاها، ضرب أيضا من البرص، و ربما عرض مثل ذلك لحشفة قضيب المختون، إمّا لطبع الحديد (3) ، و إمّا لقرب عهده بالإحداد و سقي الماء، إلاّ أنّ ذلك لا يعدو مكانه.

و كلما عظمت الحشفة انبسط ذلك البياض على قدر الزيادة فيها، و إنّما ذلك كالبياض الذي يعرض من حرق النار و تشييطها، و كالذي يعرض للصقالبة من التّعالج بالكيّ‏ (4) . و ربّما اشتدّ بياضه حتى يفحش و يرديه، إلا أنّه لا يفشو و لا ينتشر، إلاّ بقدر ما ينبسط مكانه، و يتحوّل صاحبه رجلا، بعد أن كان صبيّا. و ليس كالذي يعرض من البلغم و من المرّة. و بعض البرص يذهب حتى كأنه لم يكن، و بعضه لا يذهب و لا يقف، بل لا يزال يتفشّى و يتّسع حتى ربّما سلخه، و لا يذهب إلاّ بأن يذهب به نبي، فيكون ذلك علامة له. و من البهق الأبيض ما يكاد يلحق بالبرص، و لكن الذي هوّن أمره الذي ترون من كثرة برء الناس منه.

ثمّ الخصاء يكون على ضروب، و يكون في ضروب، فمن ذلك ما يعرض بعد الكبر للأحرار، كما يعرض للعبيد، و للعرب كما يعرض للعجم، كما خصى بعض عباهلة اليمن علقمة بن سهل الخصيّ.

82-[علقمة الفحل و علقمة الخصي‏]

و إنما قيل لعلقمة بن عبدة الفحل، حين وقع على هذا اسم الخصي. و كان عبدا صالحا، و هو كان جنب الجديل و داعرا (5) ، الفحلين الكريمين، إلى عمان،

____________

(1) البجرة: خروج السرة و غلظ أصلها. اللسان (بجر) .

(2) اللطع: ضرب من البرص، و هو يصيب بواطن شفاه الخصيان من الحبشان. انظر البرصان و العرجان ص 40.

(3) البرصان و العرجان ص 40.

(4) البرصان و العرجان ص 39. و انظر في المصدر نفسه أسماء من اكتووا فبرصوا ص 54-55.

(5) الجديل: فحل للنعمان بن المنذر، و الداعر: فحل منجب، جنبه: قاده.

81

و كان من نازليها. و هو كان أحد الشهود على قدامة بن مظعون في شرب الخمر، و هو الذي قال لعمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه: أتقبل شهادة الخصيّ؟قال: «أما شهادتك فأقبل» . و هو علقمة بن سهل بن عمارة، فلمّا سمّوه الخصيّ، قالوا لعلقمة ابن عبدة: الفحل. و علقمة الخصيّ، الذي يقول: [من الطويل‏]

فلن يعدم الباقون قبرا لجثّتي # و لن يعدم الميراث منّي المواليا (1)

حراص على ما كنت أجمع قبلهم # هنيئا لهم جمعي و ما كنت واليا

و دلّيت في زوراء ثمّت أعنقوا # لشأنهم قد أفردوني و شانيا

فأصبح مالي من طريف و تالد # لغيري، و كان المال بالأمس ماليا

و كما عرض للدّلال و نومة الضّحى، من خصاء عثمان بن حيّان المرّيّ والي المدينة لهما. بكتاب هشام بن عبد الملك‏ (2) .

83-[أثر تحريف كتاب هشام بن عبد الملك‏]

فمن بني مروان من يدّعي أنّ عامل المدينة صحّف، لأنه رأى في الكتاب:

«أحص من قبلك من المخنّثين» فقرأها: «اخص من قبلك من المخنّثين» . و ذكر الهيثم عن الكاتب الذي تولّى قراءة ذلك الكتاب، أنّه قال: و كيف يقولون ذلك و لقد كانت الخاء معجمة بنقطة، كأنها سهيل أو تمرة صيحانية (3) ؟!فقال اليقطري: ما وجه كتاب هشام في إحصاء عدد المخنّثين؟و هذا لا معنى له، و ما كان الكتاب إلاّ بالخاء المعجمة دون الحاء المهملة.

و ذكر عن مشايخ من أهل المدينة أنهم حكوا عنهما أنهما قالا: الآن صرنا نساء بالحقّ!!كأنّ الأمر لو كان إليهما لاختارا أن يكونا امرأتين!قال: و ذكر أنهما

____________

(1) الأبيات من قصيدة لمالك بن الريب في ذيل أمالي القالي 135، و الخزانة 2/176-180 (بولاق) .

(2) الخبر في الأغاني 4/273-274، في فصل: «ذكر الدلال و قصته حين خصي» . و اسم الدلال:

«ناقد» ، و كنيته: أبو زيد، و هو مدني مولى بني فهم، و قيل: مولى عائشة بنت سعيد بن العاص.

و في الأغاني أن الخليفة الذي أرسل الكتاب هو سليمان بن عبد الملك.

(3) الصيحاني: ضرب من تمر المدينة، أسود صلب الممضغة. و سمي صيحانيا لأن صيحان اسم كبش كان ربط إلى نخلة بالمدينة، فأثمرت تمرا صيحانيا، فنسب إلى صيحان. اللسان: صيح 2/522. و في الأغاني 4/274 «فرأيت على الخاء نقطة كتمرة العجوة» .

82

خرجا بالخصلتين من الخصاء و التخنيث، من فتور الكلام و لين المفاصل و العظام، و من التفكّك و التثنّي، إلى مقدار لم يروا أحدا بلغه، لا من مخنّثات النساء، و لا من مؤنّثي الرجال.

84-[أبو همام السنوط]

و كما عرض لأبي همام السّنوط من امتلاخ اللّخم‏ (1) مذاكيره و خصييه، أصابه ذلك في البحر في بعض المغازي، فسقطت لحيته، و لقّب بالسّنوط، و خرج لذلك نهما و شرها.

و قال ذات يوم: لو كان النخل بعضه لا يحمل إلاّ الرّطب، و بعضه لا يحمل إلاّ التمر، و بعضه لا يحمل إلاّ المجزّع، و بعضه لا يحمل إلاّ البسر، و بعضه لا يحمل إلا الخلال، و كنّا متى تناولنا من الشّمراخ بسرة، خلق اللّه مكانها بسرتين، لما كان بذلك بأس!ثم قال: أستغفر اللّه!لو كنت تمنيت أن يكون بدل نواة التمر زبدة كان أصوب!! و منه ما يعرض من جهة الأوجاع التي تعرض للمذاكير و الخصيتين، حتى ربما امتلخهما طبيب، و ربّما قطع إحداهما، و ربما سقطتا جميعا من تلقاء أنفسهما.

85-[نسل منزوع البيضة اليسرى‏]

و العوامّ يزعمون أنّ الولد إنّما يكون من البيضة اليسرى‏ (2) . و قد زعم ناس من أهل سليمان بن عليّ و مواليهم، أنّ ولد داود بن جعفر الخطيب المعتزليّ، إنّما ولد له بعد أن نزعت بيضته اليسرى، لأمر كان عرض له.

و الخصيّ الطيّان. الذي كان في مسجد ابن رغبان، ولد له غلام، و كان ليس له إلاّ البيضة اليمنى، فجاء أشبه به من الذّباب بالذّباب و الغراب بالغراب، و لو أبصره أجهل خلق اللّه تعالى بفراسة، و أبعدهم من قيافة، و من مخالطة النخّاسين، أو من مجالسة الأعراب، لعلم أنّه سلالته و خلاصته، لا يحتاج فيه إلى مجزّز المدلجيّ، و لا إلى ابن كريز الخزاعي.

____________

(1) اللخم: ضرب من سمك البحر. (اللسان: لخم) . و في حياة الحيوان 2/305 «ضرب من السمك ضخم، يقال له الكوسج؛ و هو القرش» .

(2) البيان 1/330.

83

86-[خصاء الروم‏]

و من أهل الملل من يخصي ابنه و يقفه على بيت العبادة، و يجعله سادنا، كصنيع الرّوم، إلا أنهم لا يحدثون في القضيب حدثا، و لا يتعرضون إلا للأنثيين، كأنهم إنما كرهوا لأولادهم إحبال نسائهم و رواهبهم فقط!!فأما قضاء الوطر و بلوغ اللذة، فقد زعموا أنهم يبلغون من ذلك مبلغا لا يبلغه الفحل، كأنهم يزعمون أنه يستقصي جميع ما عندها و يستجلبه، لفرط قوّته على المطاولة.

و كلّ خصاء في الدنيا فإنما أصله من قبل الروم، و من العجب أنهم نصارى، و هم يدّعون من الرأفة و الرحمة، و رقّة القلب و الكبد، ما لا يدّعيه أحد من جميع الأصناف، و حسبك بالخصاء مثلة!و حسبك بصنيع الخاصي قسوة!و لا جرم أنهم بعثوا على أنفسهم من الخصيان، من طلب الطوائل و تذكّر الأحقاد، ما لم يظنّوه عندهم، و لا خافوه من قبلهم، فلا هم ينزعون، و لا الخصيان ينكلون، لأنّ الرّماية فيهم فاشية، و إن كان الخصيّ أسوارا (1) بلغ منهم، و إن كان جمع مع الرماية الثّروة، و اتخذ بطرسوس، و أذنة الضّياع و اصطنع الرجال، و اتخذ العقد (2) المغلّة فمضرّة كلّ واحد منهم عليهم، تفي بمضرّة قائد ضخم. و لم تر عداوة قطّ تجوز مقدار عداوتهم لهم، و هذا يدلّ على مقدار فرط الرّغبة في النساء، و على شهوة شديدة للمباضعة، و على أنهم قد عرفوا مقدار ما فقدوا، و هذه خصلة كريمة مع طلب المثوبة، و حسن الأحدوثة.

87-[خصاء الصابئة]

فأما الصابئون، فإنّ العابد منهم ربّما خصى نفسه. فهو في هذا الموضع قد تقدم الروميّ، فيما أظهر من حسن النيّة، و انتحل من الديانة و العبادة، بخصاء الولد التامّ، و بإدخاله النقص على النّسل، كما فعل ذلك أبو المبارك الصابي. و ما زال خلفاؤنا و ملوكنا يبعثون إليه، و يسمعون منه، و يسمر عندهم، للّذي يجدونه عنده من الفهم و الإفهام، و طرف الأخبار، و نوادر الكتب، و كان قد أربى على المائة، و لم أسمع قطّ بأغزل منه، و إن كان يصدق عن نفسه فما في الأرض أزنى منه.

____________

(1) الأسوار: بالضم و بالكسر: قائد الفرس، و قيل: الجيد الرمي بالسهام، و قيل: هو الجيد الثبات على ظهر الفرس، أو هو: الفارس من فرسان الفرس المقاتل. اللسان (سور 4/388) .

(2) العقد: جمع عقدة، و هي الضيعة.

84

88-[حديث أبي المبارك الصابي‏]

حدّثني محمد بن عباد قال: سمعته يقول-و جرى ذكر النساء و محلّهن من قلوب الرجال، حتّى زعموا أنّ الرجل كلما كان عليهن أحرص كان ذلك أدلّ على تمام الفحولة فيه، و كان أذهب له في الناحية التي هي في خلقته و معناه و طبعه، إذ كان قد جعل رجلا و لم يجعل امرأة-قال ابن عبّاد، فقال لنا: أ لستم تعلمون أنّي قد أربيت على المائة، فينبغي لمن كان كذلك أن يكون وهن الكبر، و نفاذ الذّكر، و موت الشهوة، و انقطاع ينبوع النطفة، قد أمات حنينه إلى النساء و تفكيره في الغزل؟!قال: قلنا: صدقت. قال: و ينبغي أن يكون من عوّد نفسه تركهنّ مددا، و تخلى عنهن سنين و دهرا، أن تكون العادة و تمرين الطبيعة، و توطين النفس، قد حطّ من ثقل منازعة الشهوة، و دواعي الباءة، و قد علمتم أنّ العادة التي هي الطبيعة الثانية، قد تستحكم ببعض عمد هجر لملامسة النساء. قال: قلنا: صدقت. قال: و ينبغي أن يكون من لم يذق طعم الخلوة بهنّ و لم يجالسهنّ متبذلات، و لم يسمع حديثهنّ و خلابتهنّ للقلوب، و استمالتهن للأهواء، و لم يرهنّ منكشفات عاريات، إذا تقدم له ذلك مع طول التّرك، أ لا يكون بقي معه من دواعيهن شي‏ء؟!قال: قلنا: صدقت.

قال: و ينبغي أن يكون لمن قد علم أنه محبوب. و أنّ سببه إلى خلاطهنّ محسوم، أن يكون اليأس من أمتن أسبابه إلى الزهد و السلوة. و إلى موت الخواطر. قال: قلنا:

صدقت. قال: و ينبغي أن يكون من دعاه الزّهد في الدنيا، و فيما يحتويه النساء مع جمالهنّ و فتنة النّسّاك بهنّ، و اتخاذ الأنبياء لهنّ، إلى أن خصى نفسه. و لم يكرهه عليه أب و لا عدوّ، و لا سباه ساب، أن يكون مقدار ذلك الزهد هو المقدار الذي يميت الذّكر لهنّ، و يسرّي عنه ألم فقد وجودهنّ، و ينبغي لمن كان في إمكانه أن ينشئ العزم و يختار الإرادة التي يصير بها إلى قطع ذلك العضو الجامع لكبار اللذّات، و إلى ما فيه من الألم، و مع ما فيه من الخطر، و إلى ما فيه من المثلة و النّقص الداخل على الخلقة، أن تكون الوساوس في هذا الباب لا تعروه، و الدواعي لا تقروه. قال:

قلنا: صدقت. قال: و ينبغي لمن سخت نفسه عن السّكن و عن الولد، و عن أن يكون مذكورا بالعقب الصالح، أن يكون قد نسي هذا الباب، إن كان قد مرّ منه على ذكر.

هذا و أنتم تعلمون أنّي سملت عيني يوم خصيت نفسي، فقد نسيت كيفية الصّور و كيف تروع، و جهلت المراد منها، و كيف تراد، أ فما كان من كان كذلك حريّا أن تكون نفسه ساهية لاهية مشغولة بالباب الذي أحتمل له هذه المكاره؟! قال: قلنا: صدقت. قال: أ و لو لم أكن هرما، و لم يكن هاهنا طول اجتناب.

85

و كانت الآلة قائمة أ ليس في أنّي لم أذق حيوانا منذ ثمانين سنة و لم تمتل عروقي من الشراب مخافة الزيادة في الشهوة. و النقصان من العزم-أ ليس في ذلك ما يقطع الدواعي، و يسكن الحركة إن هاجت؟!قال: قلنا: صدقت. قال: فإنّي بعد جميع ما وصفت لكم، لأسمع نغمة المرأة فأظنّ مرّة أنّ كبدي قد ذابت، و أظنّ مرّة أنها قد انصدعت، و أظنّ مرّة أنّ عقلي قد اختلس، و ربّما اضطرب فؤادي عند ضحك إحداهنّ، حتّى أظنّ أنّه قد خرج من فمي، فكيف ألوم عليهنّ غيري؟! فإن كان-حفظك اللّه تعالى-قد صدق على نفسه في تلك الحال، بعد أن اجتمعت فيه هذه الخصال، فما ظنّك بهذا قبل هذا الوقت بنحو ستّين سنة أو سبعين سنة؟!و ما ظنّك به قبل الخصاء بساعة؟!و ليس في الاستطاعة و لا في صفة الإمكان، أن يحتجز عن إرادة النساء، و معه من الحاجة إليهنّ و الشهوة لهنّ هذا المقدار!اللّه تعالى أرحم بخلقه، و أعدل على عباده، من أن يكلّفهم هجران شي‏ء، قد وصله بقلوبهم هذا الوصل، و أكّده هذا التأكيد.

و قد خصى نفسه من الصابئين رجال، قد عرفناهم بأسمائهم و أنسابهم، و صفاتهم و أحاديثهم. و في الذي ذكرنا كفاية إن شاء اللّه تعالى.

89-[استئذان عثمان بن مظعون في الخصاء]

و قد ذكر أنّ عثمان بن مظعون، استأذن النبي صلى اللّه عليه و سلم في السياحة فقال: «سياحة أمّتي الجماعة» (1) . و استأذنه في الخصاء فقال: «خصاء أمّتي الصوم، و الصوم وجاء» (2) . فهذا خصاء الديانة.

90-[خصاء الجلب‏]

فأمّا من خصى الجلب‏ (3) على جهة التجارة، فإنه يجبّ القضيب، و يمتلخ الأنثيين، إلا أن تقلّصت إحداهما من فرط الفزع، فتصير إلى موضع لا يمكن ردّها إلا بعلاج طويل، فللخاصي عند ذلك ظلم لا يفي به ظلم، و ظلم يربي على كلّ ظلم، لأنّه عند ذلك لا يحفل بفوت المتقلّص، و يقطع ما ظهر له، فإن برئ مجبوب القضيب أو ذا بيضة واحدة، فقد تركه لا امرأة و لا رجلا و لا خصيّا، و هو حينئذ ممّن تخرج لحيته، و ممّن لا يدعه الناس في دورهم و مواضع الخصوص من بيوتهم، فلا

____________

(1) في النهاية 2/433 «سياحة هذه الأمة الصيام» . و لم أجد الحديث كما ذكره الجاحظ.

(2) أخرج البخاري في كتاب الصوم، الحديث 1806: «من استطاع الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر و أحصن للفرج. و من لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له و جاء» .

(3) الجلب: ما يجلب من خيل و سواها.

86

يكون مع الخصيان مقرّبا و مكرّما، و خصيب العيش منعّما، و لا هو إذا رمي به في الفحول، كان له ما للفحول من لذّة غشيان النساء، و من لذّة النسل و التمتّع بشم الأولاد؛ فلم يزل عند الفحول مستضعفا محتقرا، و عند الخصيان مجرّحا مطرحا، فهو أسوأ حالا من السّدم المعنّى‏ (1) فلا أعلم قتله-إذا كان القتل قتلة صريحة مريحة-إلا أصغر عند اللّه تعالى، و أسهل على هذا المظلوم من طول التعذيب. و اللّه تعالى بالمرصاد.

91-[أنواع خصاء البهائم‏]

و أمّا خصاء البهائم، فمنه الوجاء، و هو أن يشدّ عصب مجامع الخصية من أصل القضيب، حتّى إذا ندرت البيضة، و جحظت الخصية، وجأها حتى يرضّها، فهي عند ذلك تذبل و تنخسف، و تذوي و تستدقّ، حتى تذهب قواها، و تنسدّ المجاري إليها، و يسري ذلك الفساد إلى موضع تربية النّطفة، فيمنعها من أن تكثر أو تعذب أو تخثر.

و منها ما يكون بالشدّ و العصب، و شدّة التحزيق، و العقد بالخيط الشديد الوتير الشديد الفتل، فإذا تركه على ذلك عمل فيه و حزّ، أو أكلّ و منعه من أن يجزي إليه الغذاء، فلا يلبث أن ينقطع و يسقط.

و منه الامتلاخ، و هو امتلاخ البيضتين.

92-[خصاء الناس‏]

فأمّا خصاء الناس، فإنّ للخاصي حديدة مرهفة محماة، و هي الحاسمة، و هي القاطعة. قال أبو زيد: يقال خصيت الدابة أخصيها خصاء، و وجأتها أجؤها وجاء.

و يقال: برئت إليك من الخصاء أو الوجاء، و لا يقال ذلك إلاّ لما كان قريب العهد لم يبرأ منه، فإذا برئ لم يقل له.

و أما الخصاء فهو أن يسلّ الخصيتين، و الوجاء أن توجأ العرق و الخصيتان على حالهما. و المعصوب من التيوس الذي تعصب خصيتاه حتى تسقطا. و الواحد من الخصيان خصيّ و مخصيّ. و يقال ملست الخصيتين أملسهما ملسا، و متنتهما أمتنهما متنا، و ذلك أن تشقّ عنهما الصّفن فتسلّهما بعروقهما. و الصّفن: جلدة الخصيتين.

____________

(1) السدم: الذي يرغب عن فحلته، فيحال بينه و بين ألافه، و يقيد إذا هاج، فيرعى حوالي الدار، و إن صال جعل له حجام يمنعه عن فتح فمه. اللسان: سدم.

87

93-[خصاء البهائم‏]

و الخصاء في أحداث البهائم، و في الغنم خاصة، يدع اللّحم رخصا و نديّا عذبا، فإن خصاه بعد الكبر، لم يقو خصاؤه-بعد استحكام القوّة-على قلب طباعه. و أجود الخصاء ما كان في الصّغر، و هو يسمّى بالفارسية ثربخت يعنى بذلك أنّه خصي رطبا. و الخصيّ من فحولها أحمل للشحم، لعدم الهيج و النّعظ، و خروج قواه مع ماء الفحلة. و كثرة السّفاد تورث الضّعف و الهزال في جميع الحيوان. و قد ذكر لمعاوية كثرة الجماع فقال: ما استهتر به أحد إلاّ رأيت ذلك في منّته‏ (1) .

و الديك يخصى ليرطب لحمه و يطيب و يحمل الشحم.

94-[خصاء العرب لفحولة الإبل‏]

و كانت العرب تخصي فحولة الإبل لئلاّ يأكل بعضها بعضا، و تستبقي ما كان أجود ضرابا، و أكثر نسلا، و كلّ ما كان مئناثا و كان شابّا و لم يكن مذكارا، و هم يسمّون الإذكار المحق الخفيّ. و ما كان منها عياياء طباقاء، فمنها ما يجعل السّدم المعنّى. و إذا كان الفحل لا يتّخذ للضّراب، شدّوا ثيله شدّا شديدا، و تركوه يهدر و يقبقب في الهجمة. و لا يصل إليهنّ و إن أردنه، فإذا طلبن الفحل جي‏ء لهنّ بفحل قعسريّ‏ (2) و يقولون: «لقوة لاقت قبيسا!» (3) . و القبيس من الجمال: السريع الإلقاح، و اللّقوة: السريعة القبول لماء الفحل.

و شكت امرأة زوجها. و أخبرت عن جهله بإتيان النساء. و عيّه و عجزه. و أنّه إذا سقط عليها أطبق صدره-و النساء يكرهن وقوع صدور الرجال على صدورهنّ- فقالت: زوجي عياياء طباقاء، و كلّ داء له داء (4) !!و قال الشاعر: [من الطويل‏]

طباقاء لم يشهد خصوما و لم يقد # ركابا إلى أكوارها حين تعكف‏ (5)

____________

(1) الخبر في رسائل الجاحظ 2/304 «كتاب البغال» ، و البيان 2/81، و عيون الأخبار 4/96.

(2) القعسري: الجمل الضخم الشديد. اللسان: قعسر 5/109.

(3) من الأمثال في مجمع الأمثال 2/131، و جمهرة الأمثال 2/184، و المستقصى 2/212، و فصل المقال 261، و الأمثال لابن سلام 176.

(4) هذا القول من حديث طويل روته عائشة عن إحدى عشرة امرأة، و أخرجه البخاري في كتاب النكاح، باب حسن المعاشرة، الحديث 4893. و ورد القول في البيان 1/109، و هو لأم زرع في النهاية 3/114.

(5) البيت لجميل بن معمر في ديوانه 138، و اللسان (طبق) ، و المقاييس 3/440، و المخصص 16/73، و تهذيب اللغة 9/10، و بلا نسبة في البيان 1/110 و جمهرة اللغة 1229.

88

95-[خصاء العرب للخيل‏]

و كانوا يخصون الخيل لشبيه بذلك، و لعلّة صهيلها ليلة البيات، و إذا أكمنوا الكمناء أو كانوا هرّابا.

96-[الخنذيذ]

و يزعم من لا علم له، أنّ الخنذيذ في الخيل هو الخصيّ‏ (1) . و كيف يكون ذلك كما قال، مع قول خفاف بن ندبة: [من الخفيف‏]

و خناذيذ خصية و فحولا (2)

و قال بشر بن أبي خازم: [من الوافر]

و خنذيذ ترى الغرمول منه # كطيّ البرد يطويه التّجار (3)

و ليس هذا أراد بشر، و إنّما أراد زمان الغزو، و الحال التي يعتري الخيل فيها هذا المعنى، كما قال جد الأحيمر: [من مجزوء الكامل‏]

لا لا أعقّ و لا أحو # ب و لا أغير على مضر (4)

لكنّما غزوي إذا # ضجّ المطيّ من الدّبر

و إنّما فخر بالغزو في ذلك الزمان.

و أما الخنذيذ فهو الكريم التامّ، و ربّما وصفوا به الرجل. و قال كثير: [من الطويل‏]

على كل خنذيذ الضّحى متمطّر # و خيفانة قد هذّب الجري آلها (5)

و قال القطامي: [من الطويل‏]

على كلّ خنذيذ السّراة مقلّص # تخنّث منه لحمه المتكاوس‏ (6)

____________

(1) ورد القول في البيان 2/11.

(2) صدر بيت و عجزه: «و براذين كابيات و أتنا» . و البيت في ديوان خفاف 537، و للبرجمي في البيان 2/11، و للنابغة الذبياني في ديوانه 170، و كتاب العين، و لخفاف بن عبد القيس في اللسان و التاج (خنذ) ، و بلا نسبة في المخصص 6/165، 13/264، و تهذيب اللغة 7/325.

(3) البيت في ديوان بشر 76، و اللسان و التاج (خنذ، غرمل) ، و البيان 2/11، و الأضداد 49. و عجزه في الديوان: «كطي الزق علقه التجار» ، و التجار: جمع تاجر.

(4) البيتان في البيان 3/200.

(5) البيت في ديوانه 82.

(6) البيت في ديوان القطامي 151. و روايته:

(على كل محبوك السراة مقلص # تخبّب عنه لحمه المتكاوس)

المتكاوس: المتراكب.

89

و من الدليل على أنّهم ربما جعلوا الرجل إذا ما مدحوه خنذيذا، قول بعض القيسيين، من قيس بن ثعلبة: [من الطويل‏]

دعوت بني سعد إليّ فشمّرت # خناذيذ من سعد طوال السواعد (1)

97-[عبد اللّه بن الحارث و عبد الملك بن مروان‏]

و قال عبد اللّه بن الحارث، و كتب بها إلى عبد الملك بن مروان حين فارق مصعبا: [من الطويل‏]

بأيّ بلاء أم بأيّة علّة # يقدّم قبلي مسلم و المهلّب‏ (2)

و يدعى ابن منجوف أمامي كأنّه # خصيّ دنا للماء من غير مشرب‏

فقلت ليونس: أقوى!فقال: الإقواء أحسن من هذا!قال: فلمّا أخذته قيس نصبوه، فجعلوا يرمونه بالنبل و يقولون: أ ذات مغازل ترى؟!يريدون بيت ابن الحرّ:

[من الطويل‏]

أ لم تر قيسا-قيس عيلان-برقعت # لحاها و باعت نبلها بالمغازل‏ (3)

فلما أتي مصعب برأسه، قال لسويد: يا أبا المنهال!كيف ترى؟قال: أيّها الأمير!هو و اللّه الذي أتى الماء من غير مشرب.

و قال أعشى همدان: [من الكامل‏]

و أبو بريذعة الذي حدّثته # فينا أذلّ من الخصيّ الدّيزج‏ (4)

و تعرض للخصيّ سرعة الدّمعة، و ذلك من عادة طبائع الصبيان ثم النّساء، فإنّه ليس بعد الصبيان أغزر دمعة من النساء، و كفاك بالشيوخ الهرمين.

98-[أخلاق الخصي‏]

و يعرض للخصيّ العبث و اللّعب بالطير، و ما أشبه ذلك من أخلاق النساء، و هو من أخلاق الصبيان أيضا.

____________

(1) البيت للقيسي في البيان 2/12.

(2) البيتان لعبيد اللّه بن الحر الجعفي في البرصان و العرجان 327، و أشعار اللصوص 183. و رواية عجز البيت الثاني في أشعار اللصوص: (خصي أتى للماء و العير يشرب) .

(3) البيت في أشعار اللصوص 233، عن مخطوطة منتهى الطلب.

(4) الديزج: في اللسان «الديزج: معرب ديزه، و هي لون بين لون» . و في مبادئ اللغة 120 «الأخضر:

الأطخم؛ المسمى بالفارسية الديزج» و في أدب الكاتب 143 «الأخضر: هو في كلام العجم الديزج» .

90

و يعرض له الشّره عند الطعام، و البخل عليه، و الشحّ العامّ في كلّ شي‏ء، و ذلك من أخلاق الصّبيان ثم النّساء.

و قال الشاعر: [من الطويل‏]

كأنّ أبا رومان قيسا إذا غدا # خصيّ براذين يقاد رهيص

له معدة لا يشتكي الدهر ضعفها # و حنجرة بالدورقين قموص‏

و يعرض للخصيّ سرعة الغضب، و الرضا، و ذلك من أخلاق الصّبيان و النّساء.

و يعرض له حبّ النميمة، و ضيق الصدر بما أودع من السرّ، و ذلك من أخلاق الصبيان و النساء، و يعرض له دون أخيه لأمّه و أبيه، و دون ابن عمّه و جميع رهطه، البصر بالرّفع و الوضع، و الكنس و الرشّ، و الطّرح و البسط، و الصبر على الخدمة، و ذلك يعرض للنساء، و يعرض له الصبر على الرّكوب، و القوّة على كثرة الركض حتّى يجاوز في ذلك رجال الأتراك و فرسان الخوارج. و متى دفع إليه مولاه دابّته و دخل إلى الصلاة، أو ليغتسل في الحمام، أو ليعود مريضا، لم يترك أن يجري تلك الدابّة ذاهبا و جائيا، إلى رجوع مولاه إليه.

و يعرض له حبّ الرمي بالنّشّاب، للّذي يدور في نفسه من حبّ غزو الرّوم.

و يعرض له حبّ أن تملكه الملوك، على ألاّ تقيم له إلاّ القوت، و يكون ذلك أحبّ إليه من أن تملكه السّوقة، و إن ألحقته بعيش الملوك!!.

و من العجب أنّهم مع خروجهم من شطر طبائع الرجال، إلى طبائع النساء، لا يعرض لهم التخنيث. و قد رأيت غير واحد من الأعراب مخنّثا متفكّكا، و مؤنثا يسيل سيلا، و رأيت عدّة مجانين مخنّثين، و رأيت ذلك في الزّنج الأقحاح. و قد خبّرني من رأى كرديّا مخنثا، و لم أر خصيّا قط مخنّثا، و لا سمعت به؛ و لا أدري كيف ذلك و لا أعرف المانع منه. و لو كان الأمر في ذلك إلى ظاهر الرأي، لقد كان ينبغي لهم أن يكون ذلك فيهم عامّا! و مما يزيدني في التعجّب من هذا الباب، كثرة ما يعرض لهم من الحلاق‏ (1) ، مع قلّة ما يعرض لهم من التخنيث، مع مفارقتهم لشطر معاني الرجال إلى شبه النساء.

و يزعم كثير من الشيوخ المعمّرين؛ و أهل التجربة المميّزين، أنّهم اختبروا

____________

(1) الحلاق: فساد متاع الإنسان، فتعود حرارته إلى دبره. انظر اللسان: حلق 10/65، 66.

91

أعمار ضروب الناس، فوجدوا طول‏ (1) الأعمار في الخصيان أعمار في الخصيان أعمّ منه في مثل أعدادهم من جميع أجناس الرجال، و أنّهم تفقدوا أعمارهم و أعمار إخوتهم و بني أعمامهم الذين لم يخصوا، فوجدوا طول العمر في الخصيان أعمّ، و لم يجدوا في عموم طوال العمر فيهم واحدا نادرا، كفلان و فلان من الفحول.

و زعموا أنّهم لم يجدوا لطول أعمارهم علّة إلاّ عدم النّكاح، و قلّة استفراغ النّطف لقوى أصلابهم.

قالوا: و كذلك لم نجد فيما يعايش الناس في دورهم، من الخيل و الإبل، و الحمير، و البقر، و الغنم، و الكلاب، و الدّجاج، و الحمام، و الدّيكة، و العصافير، أطول أعمارا من البغال.

و كذلك قالوا: وجدنا أقلّها أعمارا العصافير. و ليس ذلك إلاّ لكثرة سفاد العصافير و قلّة سفاد البغال.

و جعل هؤلاء القوم زيادة عمر البغل على عمر أبويه دليلا على أنّ قول الناس: لا يعيش أحد فوق عمر أبويه خطأ. و أولئك إنما عنوا الناس دون جميع الحيوان‏ (2) .

99-[النتاج المركب‏] (3)

و قالوا: قد وجدنا غرمول البغل أطول من غرمول الحمار و الفرس و البرذون، و هؤلاء أعمامه و أخواله، فقد وجدنا بعض النّتاج المركّب، و بعض الفروع المستخرجة، أعظم من الأصل؛ و وجدنا الحمام الرّاعبي أعظم من الورشان الذي هو أبوه، و من الحمامة التي هي أمّه، و لم نجده أخذ من عمر الورشان شيئا، و خرج صوته من تقدير أصواتهما، كما خرج شحيح البغل من نهيق الحمار و صهيل الفرس.

و خرج الرّاعبي مسرولا، و لم يكن ذلك في أبويه؛ و خرج مثقلا سيّئ الهداية.

و للورشان هداية، و إن كان دون الحمام؛ و جاء أعظم جثّة من أبويه، و مقدار النّفس من ابتداء هديله إلى منقطعه، أضعاف مقدار هديل أبويه.

و فوالج البخت إذا ضربت في إناث البخت، و لم يخرج الحوار إلاّ أدنّ‏ (4) قصير العنق، لا ينال كلأ و لا ماء إلاّ بأن يرفعا إليه، فيصير-لمكان نقصان خلقه-جزور لحم،

____________

(1) انظر رسائل الجاحظ 2/124، مفاخرة الجواري و الغلمان.

(2) انظر كتاب البغال للجاحظ؛ ضمن رسائل الجاحظ 2/304، 305.

(3) انظر ما تقدم في الفقرة (70) .

(4) الأدن من الدواب: الذي يداه قصيرتان؛ و عنقه قريب من الأرض. اللسان: دنن 13/159.

92

و لا يكون من اليعملات و لا من السابقة، و لو عالوه و كفوه مئونة تكلف المأكول و المشروب، ثم بلغ إلى أن يصير جملا يمكنه الضّراب. و كذلك الأنثى التي هي الحائل إلى أن تصير ناقة؛ فلو ألقحها الفحل لجاء ولدها أقصر عنقا من الفيل، الذي لو لم يجعل اللّه تعالى له خرطوما يتناول به طعامه و شرابه، لمات جوعا و هزالا؛ و ليس كذلك العراب. و إذا ضربت الفوالج في العراب جاءت هذه الجوامز و البخت الكريمة التي تجمع عامّة خصال العراب و خصال البخت، فيكون ما يخرج التركيب من هذين الجنسين أكرم و أفخم و أنفس و أثمن. و متى ضربت فحول العراب في إناث البخت جاءت هذه الإبل البهونيّة (1) و الصّرصرانية (2) فتخرج أقبح منظرا من أبويها، و أشدّ أسرا من أبويها. و قال الراجز: [من الرجز]

و لا بهونيّ من الأباعر

و بعد؛ فإنّ هذه الشّهريّة الخراسانية، يخرج لها أبدان فوق أبدان أمّهاتها و آبائها من الخيل و البراذين، و تأخذ من عتق الخيل، و من وثاجة (3) البراذين، و ليس نتاجها كنتاج البرذون خالصا و الفرس خالصا.

و ما أشبه قرابة الحمار بالرّمكة و الحجر، من قرابة الجمل الفالج البختيّ بقرابة القلوص الأعرابيّة.

100-[أطول الحمير أعمارا]

و يقال إن الحمر الوحشيّة، و بخاصّة الأخدريّة، أطول الحمير أعمارا و إنما هي من نتاج الأخدر، فرس كان لأردشير بن بابك صار وحشيّا فحمى عدّة عانات فضرب فيها، فجاء أولاده منها أعظم من سائر الحمر و أحسن. و خرجت أعمارها عن أعمار الخيل و سائر الحمر-أعني حمر الوحش-فإنّ أعمارها تزيد على الأهليّة مرارا عدّة.

101-[عير أبي سيارة]

و لا يعرفون حمارا وحشيّا عاش أكثر و عمّر أطول من عير أبي سيّارة عميلة بن أعزل؛ فإنهم لا يشكّون أنّه دفع عليه بأهل الموسم أربعين عاما (4) !!

____________

(1) البهونية من الإبل: ما بين الكرمانية و العربية، و هو دخيل في العربية. اللسان و التاج (بهن) .

(2) الصرصرانيات: بين البخاتي و العراب؛ أو الفوالج. اللسان (صرر) .

(3) الوثاجة: كثرة اللحم. اللسان: وثج 2/396.

(4) الخبر في البيان 1/307-308، و ربيع الأبرار 5/401، و مروج الذهب 1/174. و في كتب الأمثال: «أصح من عير أبي سيارة» و المثل في مجمع الأمثال 1/410، و المستقصى 1/205، و فصل المقال 501، و الأمثال لابن سلام 373. و انظر ثمار القلوب 295 (553) .

93

قال الأصمعيّ: لم يكن عيرا و إنما كان أتانا.

102-[لهج ملوك فارس بالصيد]

و زعموا-و كذلك هو في كتبهم-أنّ ملوك فارس، كانت لهجة بالصيد؛ إلا أنّ بهرام جور هو المشهور بذلك في العوامّ.

و هم يزعمون أنّ فيروز بن قباذ الملك الفارسيّ، ألحّ في طلب حمار أخدري‏ (1) ؛ و قد ذكر له و وصف؛ فطاوله عند طلبه و التماسه، و جدّ في ذلك فلجّ به عند طلبه الاغترام، و أخرجته الحفيظة إلى أن آلى ألاّ يأخذه إلا أسرا، و لا يطارده إلا فردا، فحمل فرسه عليه، فحطّه في خبار (2) فجمع جراميزه‏ (3) و هو على فرسه و وثب؛ فإذا هو على ظهره؛ فقمص به، فضم فخذيه فحطّم بعض أضلاعه، ثم أقبل به إلى معظم الناس، و هم وقوف ينظرون إليه و هو راكبه.

قالوا: و كان الملك منهم إذا أخذ عيرا أخدريّا و غير ذلك؛ فإذا وجده فتيا وسمه باسمه و أرّخ في وسمه يوم صيده و خلّى سبيله، و كان كثيرا إذا ما صاده الملك الذي يقوم به بعده. سار فيه مثله تلك السّيرة و خلّى سبيله، فعرف آخرهم صنيع أوّلهم؛ و عرفوا مقدار مقادير أعمارها.

103-[الحكمة في تخالف الميول‏]

و لو لا أنّ ناسا من كلّ جيل، و خصائص من كلّ أمّة، يلهجون و يكلفون بتعرّف معاني آخرين لدرست. و لعلّ كثيرا من هؤلاء يزري على أولئك، و يعجّب الناس من تفرّغهم لما لا يجدي، و تركهم التشاغل بما يجدي، فالذي حبّب لهذا أن يرصد عمر حمار أو ورشان أو حيّة أو ضبّ، هو الذي حبّب إلى الآخر أن يكون صيّادا للأفاعي و الحيّات، يتتبّعها و يطلبها في كلّ واد و موضع و جبل للترياقات. و سخّر هذا ليكون سائس الأسد و الفهود و النّمور و الببور (4) ، و ترك من تلقاء نفسه أن يكون راعي غنم!!

____________

(1) الأخدري: الحمار الوحشي. اللسان: خدر.

(2) الخبار: الأرض الرخوة اللينة. اللسان: خبر.

(3) يقال: ضم فلان إليه جراميزه: إذا رفع ما انتشر من ثيابه. اللسان: جرمز 5/318.

(4) الببور: جمع ببر، و هو ضرب من السباع، يقال إنه متولد من الزبرقان و اللبوة. حياة الحيوان 1/159.

94

و الذي فرّق هذه الأقسام، و سخّر هذه النفوس، و صرف هذه العقول لاستخراج هذه العلوم من مدافنها، و هذه المعاني من مخابيها، هو الذي سخّر بطليموس مع ملكه، و فلانا و فلانا للتفرّغ للأمور السماويّة، و لرعاية النجوم و اختلاف مسير الكواكب. و كلّ ميسّر لما خلق له، لتتمّ النعمة و لتكمل المعرفة، و إنما تأبّى التيسير للمعاصي.

فأمّا الصناعات فقد تقصر الأسباب بعض الناس على أن يصير حائكا، و تقصر بعضهم على أن يكون صيرفيّا، فهي و إن قصرته على الحياكة، فلم تقصره على خلف المواعيد و على إبدال الغزول، و على تشقيق العمل دون الإحكام و الصدق و أداء الأمانة، و لم تقصر الصيرفيّ على التطفيف في الوزن و التغليط في الحساب، و على دسّ المموّه؛ تعالى اللّه عزّ و جلّ عن ذلك علوا كبيرا.

104-[خضوع النتاج المركب للطبيعة]

و لو كان أمر النّتاج و ما يحدث بالتراكيب و يخرج من التزاويج، إلى تقدير الرأي و ما هو أقرب إلى الظنّ، لكانت الأظلاف تجري مجرى الحوافر و الأخفاف. أ لا ترى أنّ قرابة الضأن من الماعز، كقرابة البخت من العراب، و الخيل من الحمير!! و سبيل نتائج الظّلف على خلاف ذلك؛ لأنّ التيس-على شدّة غلمته-لا يعرض للنعجة إلاّ بالقليل الذي لا يذكر. و كذلك ما يحدث بينهما من الولد كذلك: إمّا ألاّ يتمّ خلقه، و إما ألاّ يعيش؛ و كذلك الكبش و العنز فضلا عن أن يكون بينهما نتاج؛ لأنه قد يضرب الجنس في الجنس الذي لا يلقحه، و لا يكون اللّقاح إلا بعد ضراب.

و طلب التيس للنعجة قليل و أقلّ من القليل، و كذلك الكبش للعنز، و أقلّ من ذلك أن تتلاقح و لا يبقى ذلك الولد البتة.

و قد تجاسر ناس على توليد أبواب من هذا الشكل، فادّعوا أمورا، و لم يحفلوا بالتقريع و التكذيب عند مسألة البرهان!!

105-[الزرافة خلق مركّب‏] (1)

زعموا أنّ الزرافة خلق مركب من بين الناقة الوحشية و بين البقرة الوحشية، و بين الذّيخ و هو ذكر الضباع؛ و ذلك أنّهم لما رأوا أنّ اسمها بالفارسية (أشتركاو

____________

(1) انظر الفقرة (117) .

95

بلنك) ؛ و تأويل «أشتر» بعير، و تأويل «كاو» بقرة، و تأويل «بلنك» الضبع؛ لأن الضباع عرج؛ كذلك الذكر و الأنثى يكون بهما خماع‏ (1) ؛ كما عرض للذئب القزل‏ (2)

-و كلّ ذئب أقزل-و كما أنّ كلّ غراب يحجل كما يحجل المقيّد من الناس؛ و كما أنّ العصفور لا يمشي؛ و مشيه أن يجمع رجليه أبدا معا في كلّ حركة و سكون.

و قولهم للزرافة أشتركاوبلنك اسم فارسيّ، و الفرس تسمّي الأشياء بالاشتقاقات؛ كما تقول للنعامة: اشتر مرغ، و كأنّهم في التقدير قالوا: هو طائر و جمل؛ فلم نجد هذا الاسم أوجب أن تكون النعامة نتاج ما بين الإبل و الطير، و لكن القوم لما شبهوها بشيئين متقاربين؛ سمّوها بذينك الشيئين. و هم يسمون الشي‏ء المرّ الحلو «ترش شيرين» و هو في التفسير حلو حامض. فجسر القوم فوضعوا لتفسير اسم الزرافة حديثا؛ و جعلوا الخلقة ضربا من التراكيب؛ فقالوا: قد يعرض الذيخ في تلك البلاد للناقة الوحشية فيسفدها، فتلقح بولد يجي‏ء خلقه ما بين خلق الناقة و الضبع؛ فإن كان أنثى فقد يعرض لها الثور الوحشي فيضربها؛ فيصير الولد زرافة، و إن كان ولد الناقة ذكرا عرض للمهاة فألقحها فتلد زرافة. فمنهم من حجر البتّة أن تكون الزرافة الأنثى تلقح من الزرافة الذكر، و زعموا أنّ كلّ زرافة في الأرض، فإنّما هي من النّتاج الذي ركّبوا؛ و زعموا أنّ ذلك مشهور في بلاد الحبشة، و أقاصي اليمن. و قال آخرون:

ليس كلّ خلق مركّب لا ينسل و لا يبقى نجله و لا يتلاقح نسله، على ما حكينا من شأن الورشان و الرّاعبي‏ (3) . و هؤلاء و ما أشبههم يفسدون العلم، و يتّهمون الكتب، و تغرّهم كثرة أتباعهم ممن تجده مستهترا بسماع الغريب، و مغرما بالطرائف و البدائع. و لو أعطوا مع هذا الاستهتار نصيبا من التثبّت، و حظّا من التوقي، لسلمت الكتب من كثير من الفساد.

106-[النتاج المركب في الطيور]

و أنا رأيت طائرا له صوت غير حسن، فقال لي صاحب الطيور: إنّه من نتاج ما بين القمريّ‏ (4) و الفاختة (5) .

____________

(1) الخماع: العرج. اللسان: خمع.

(2) القزل: العرج. اللسان: قزل.

(3) انظر الفقرة (99) .

(4) القمري: طائر صغير من الحمام، حسن الصوت. و سمي «القمري» نسبة إلى بلدة القمرة بمصر.

حياة الحيوان 2/222.

(5) الفاختة: واحدة الفواخت؛ من ذوات الأطواق. (حياة الحيوان 2/135) . و من العجب أن بيض القمارى يجعل تحت الفواخت، و بيض الفواخت تحت القمارى. حياة الحيوان 2/222.

96

و قنّاص الطير، و من يأتي كلّ أوقة (1) و غيضة في التماس الصيد، يزعمون أنّ أجناسا من الطير الأوابد و القواطع، تلتقي على المياه فتتسافد؛ و أنّهم لا يزالون يرون أشكالا لم يروها قطّ، فيقدّرون أنّها من تلاقح تلك المختلفة.

107-[زعم بعض الأعراب في الحرباء]

و قال أبو زيد النحويّ، و ذكر عمّن لقي من الأعراب أنّهم زعموا أنّ ذكر أمّ حبين هو الحرباء. قال: و سمعت أعرابيّا من قيس يقول لأمّ حبين حبينة، و الحبينة هو اسمها. قال: و قيس تسمّي ذكر العظاءة العضرفوط.

و قال يحيى الأغرّ: سمعت أعرابيا يقول: لا خير في العظاءة، و إن كان ضبّا مكونا. قال: فإذا سامّ أبرص، و الورل، و الوحر، و الضّبّ و الحلكاء. كلّها عنده عظاءة.

108-[تسافد الثعلب و الهرّة الوحشية]

و زعم يحيى بن نجيم أنّ الثعلب يسفد الهرة الوحشية، فيخرج بينهما ولد.

و أنشد قول حسان بن ثابت رضي اللّه تعالى عنه: [من المتقارب‏]

أبوك أبوك و أنت ابنه # فبئس البنيّ و بئس الأب‏ (2)

و أمّك سوداء نوبيّة # كأنّ أناملها العنظب‏ (3)

يبيت أبوك بها معرسا # كما ساور الهرّة الثعلب‏

و أنشد أبو عبيدة قول عبد الرحمن بن الحكم: [من الوافر]

ألا أبلغ معاوية بن حرب # مغلغلة عن الرجل اليماني‏ (4)

أ تغضب أن يقال أبوك عفّ # و ترضى أن يقال أبوك زاني‏

____________

(1) الأوقة: هوة في الأرض؛ خليقة في بطون الأودية، و تكون في الرياض أحيانا. اللسان: أوق 10/12.

(2) الأبيات في ديوان حسان ص 117.

(3) العنظب: ذكر الجراد. و الأنثى: عنظوبة. حياة الحيوان 2/86. و رواية الديوان «الحنظب» .

و الحنظب: ذكر الجراد، أو الخنفساء. و قال حمزة الأصفهاني: من المركبات بين الثعلب و الهرة الوحشية. حياة الحيوان 1/380.

(4) الأبيات لعبد الرحمن بن الحكم في الأغاني 13/265 (دار الكتب) ، الأغاني 12/71 (طبعة ساسي) ، و الخزانة 2/518 (طبعة بولاق) ، و الأبيات في ديوان يزيد بن المفرغ ص 230، 231.

و الأغاني 18/265، 271 (دار الكتب) ، 17/57، 71 (ساسي) ، و اللسان (عدس) .

97

فأشهد أنّ رحمك من قريش # كرحم الفيل من ولد الأتان‏

قال كيسان: و لأي شي‏ء قال:

كرحم الفيل من ولد الأتان‏

إنما كان ينبغي أن يقول: كرحم الفيل من الخنزير. قال أبو عبيدة: أرادها هو التبعيد بعينه؛ و أنت تريد ما هو أقرب.

109-[زعم بعضهم في حيوان سفينة نوح‏]

و زعم بعض المفسّرين و أصحاب الأخبار (1) : أنّ أهل سفينة نوح كانوا تأذّوا بالفأر، فعطس الأسد عطسة فرمى من منخريه بزوج سنانير، فلذلك السّنّور أشبه شي‏ء بالأسد. و سلح الفيل زوج خنازير؛ فلذلك الخنزير أشبه شي‏ء بالفيل. قال كيسان: فينبغي أن يكون ذلك السّنّور آدم السنانير، و تلك السّنّورة حوّاءها. قال أبو عبيدة لكيسان: أولم تعلم أنت أنّ لكل جنس من الحيوان آدم و حواء؟!و ضحك فضحك القوم.

110-[نهم سعد القرقرة]

و لمّا رأى أبو قردودة سعد القرقرة، أكل عند النّعمان مسلوخا بعظامه قال: [من البسيط]

بين النعام و بين الكلب منبته # و في الذئاب له ظئر و أخوال‏

يقول: إنّ سعدا ضرب في أعراقه نجر النعام الذي يلتهم الجمر، و يلتقم الحجارة، فيطفئ الجمر و يميع الصخر، و ضرب في أعراقه نجر الكلب الذي يرضّ كلّ عظم. و لا يقبض عليه بكفّه إلاّ هو واثق بفتّه، و لا يسيغه إلاّ و هو على ثقة من استمرائه. فأمّا الذئب فإنّه لا يروم بفكّيه شيئا إلاّ ابتلعه بغير معاناة، عظما كان أو غيره، مصمتا كان أو أجوف.

و لذلك قال الراجز: [من الرجز]

أطلس يخفي شخصه غباره # في فمه شفرته و ناره‏ (2)

____________

(1) ربيع الأبرار 5/427.

(2) الرجز بلا نسبة في البيان 1/150، و ديوان المعاني 2/134، و الأمالي 3/129.

98

فأبو قردودة لم يرد أنّ الذئب و الكلب خالاه، و أنّ النعام نجله، و إنما قال ذلك على المثل و التشبيه، و لم يرد أنّ له ظئرا من الكلاب، و خالا من الذئاب.

و شبيه ذلك قول أمير المؤمنين المأمون لبعض الناس: يا نطف الخمّارين، و نزائع الظّئورة، و أشباه الخؤولة.

و على شبيه بذلك قال سلم بن قتيبة لبعض من ذكره، و هو عند سليمان بن عليّ: أيّها الأمير، إنّ آل فلان أعلاج خلق اللّه و أوباشه، لئام غدر، شرّابون بأنقع‏ (1) ، ثمّ هذا بعد في نفسه، نطفة خمّار في رحم صنّاجة (2) .

111-[زواج الأجناس المتباينة من الناس‏]

و قال لي أبو إسحاق: قال لي أبو العباس-و أبو العباس هذا كان ختن إبراهيم على أخته، و كان رجلا يدين بالنجوم، و لا يقرّ بشي‏ء من الحوادث إلاّ بما يجري على الطباع. قال أبو إسحاق: و قال أبو إسحاق: و قال لي مرّة: أ تعرف موضع الحظوة من خلوة النساء؟.

قلت: لا و اللّه لا أعرفه. قال: بل اعلم أن لا يكون الحظّ إلاّ في نتاج شكلين متباينين، فالتقاؤهما هو الإكسير المؤدّي إلى الخلاص: و هو أن تزاوج بين هنديّة و خراسانيّ، فإنها لا تلد إلاّ الذهب الإبريز. و لكن احرس ولدها، إن كان الولد أنثى فاحذر عليها من شدّة لواط رجال خراسان و زناء نساء الهند، و اعلم أن شهوتها للرجال على قدر حظوتها عندهم، و اعلم أنّها ستساحق النساء على أعراق الخراسانيّة، و تزني بالرجال على أعراق الهند، و اعلم أنّه ممّا يزيد في زناها و مساحقتها معرفتها بالحظوة عند الزّناة، و بالحظّ عند السحاقات.

112-[زعمهم في الخلق المركب‏]

و قالوا في الخلق المركّب ضروبا من الحقّ و الباطل، و من الصدق و الكذب. فمن الباطل زعمهم أنّ الشّبّوط ولد الزّجر (3) من البنّيّ، و أنّ الشّبّوط لا يخلق من الشّبّوط، و أنّه كالبغل في تركيبه و إنساله. و رووا ذلك عن أبي واثلة إياس بن معاوية بن قرّة.

____________

(1) في كتب الأمثال: «شرّاب بأنقع، و المثل في جمهرة الأمثال 1/540، و المستقصى 2/131، و فصل المقال 152، و الأمثال لابن سلام 105. و النقع: الماء المستنقع. و المثل يضرب لمن جرب الأمور؛ أو للداهي المنكر.

(2) في مجمع الأمثال 2/358: «نطف السكارى في أرحام القيان» .

(3) الزجر: ضرب من السمك عظام، صغار الحرشف، يتكلم به أهل العراق. اللسان: زجر 4/319.

99

و زعموا أنّ أمّ جعفر بنت جعفر بن المنصور، حصرت في حوض لها ضخم أو بركة كبيرة عددا كثيرا من الزجر و البنّيّ، و أنّها لم تخلط بهما غيرهما، فمات أكثره و بقيت بقية كانت الصميم في القوّة، و في احتمال تغيّر المكان فلم تحمل البيض حينا، ثمّ إنّها حملت بالشبابيط.

113-[مطر الضفادع و الشبابيط]

و زعم حريث أنّه كان بإيذج‏ (1) ، فإذا سحابة دهماء طخياء تكاد تمسّ الأرض، و تكاد تمسّ قمم رءوسهم، و أنّهم سمعوا فيها كأصوات المجانيق، و كهدير الفحول في الأشوال، ثم إنّها دفعت بأشدّ مطر رئي أو سمع به، حتى استسلموا للغرق، ثمّ اندفعت بالضفادع العظام‏ (2) ، ثم اندفعت بالشبابيط السّمان الخدال‏ (3) فطبخوا و اشتووا، و ملّحوا و ادّخروا (4) .

114-[غرور أبي واثلة و الخليل بن أحمد]

و رووا عن أبي واثلة أنّه زعم أنّ من الدليل على أنّ الشّبّوط كالبغل، أنّ الناس لم يجدوا في طول ما أكلوا الشبابيط في جوفها بيضا قطّ. فإن كان هذا الخبر عن هذا الرجل المذكور بشدّة العقل، المنعوت بثقوب الفراسة و دقّة الفطنة صحيحا، فما أعظم المصيبة علينا فيه، و ما أخلق الخبر أن يكون صحيحا، و ذلك أنّي سمعت له كلاما كثيرا من تصنيف الحيوان و أقسام الأجناس، يدلّ على أنّ الرجل حين أحسن في أشياء و همّه العجب بنفسه أنّه لا يروم شيئا فيمتنع عليه.

و غرّه من نفسه الذي غرّ الخليل بن أحمد، حين أحسن في النحو و العروض، فظنّ أنّه يحسن الكلام و تأليف اللّحون، فكتب فيهما كتابين لا يشير بهما و لا يدلّ عليهما إلاّ المرّة المحترقة، و لا يؤدّي إلى مثل ذلك إلاّ خذلان من اللّه تعالى، فإنّ اللّه عزّ و جلّ لا يعجزه شي‏ء.

115-[بيض الشبوط و تناسله‏]

و الشّبّوط-حفظك اللّه تعالى-جنس كثير الذكور قليل الإناث، فلا يكون إناثه

____________

(1) إيذج: بلدة و كورة بين خوزستان و أصفهان. و قيل: هي بلدة من كور الأهواز و بلاد الخوز، و قيل:

من قرى سمرقند عند الجبل. معجم البلدان 1/288.

(2) انظر الفقرة (123) .

(3) الخدال: جمع خدلة، و هي العظيمة الممتلئة. اللسان: خدل.

(4) ربيع الأبرار 5/440.

100

أيضا يجمعن البيض، و إذا جمعن فلو جمعت بيض عشر منهنّ لما كان كشطر بيض بنيّة واحدة. و قد رأيت بيض الشّبّوط و ذقته للتعرّف فوجدته غير طائل، و لا معجب.

و كلّ صيّاد تسأله فهو ينبيك أنّ له بيضا، و لكنّه إذا كان يكون ضئيلا قليلا، لأنّ الشبابيط في أصل العدد من أقلّ السمك. و كذلك الجنس منه إذا كانت الأنثى منه مذكارا.

116-[مواطن الشبوط]

على أنّه ربّ نهر يكون أكثر سمكه الشّبّوط، و ذلك قليل، كنهر رامهرمز.

و الشّبّوط لا يتربّى في البحار، و لا يسكن إلاّ في الأودية و الأنهار، و يكره الماء الملح و يطلب الأعذب فالأعذب، و يكون في الماء الجاري، و لا يكون في الساكن.

و سنذكر شأنه في موضعه من هذا الكتاب إن شاء اللّه تعالى.

117-[رد على ما زعموا في الزرافة]

و لم يصب أبو واثلة، و كذبوا على أمّ جعفر (1) . فإذا قالوا في الزّرافة ما قالوا (2)

فلا تأمنهم على ما هو دونه. و إن كان من كذب على الموتى و استشهد الغيّب أحذق، فصاحب الزرافة قد استعمل بعض هذه الحيلة، و صاحب الشّبّوط يكذب على الأحياء، و يستشهد الحضور. و إن كان الذي دعا إلى القول في الزرافة أنهم جعلوا تركيب اسمه دليلا على تركيب الخلق. فالجاموس بالفارسية كاوماش. و تأويله ضأنيّ بقريّ، لأنهم وجدوا فيه مشابهة الكبش و كثيرا من مشابهة الثور، و ليس أنّ الكباش ضربت في البقر فجاءت بالجواميس.

118-[زعم الفرس في تقسيم الحيوان‏]

و زعم الفرس أنّ الحيوان كلّه الذي يلد حيوانا مثله ممّا يمشي على أربع قوائم، لا تخلو أجناسها من المعز و الضأن. و الجواميس عندهم ضأن البقر، و البخت عندهم ضأن الإبل، و البراذين عندهم ضأن الخيل.

119-[زعم في الإبل‏]

و الناس يقولون في الإبل أقاويل عجيبة: فمنهم من يزعم أن فيها عرقا من سفاد

____________

(1) انظر الفقرة (112) .

(2) انظر الفقرة (105) .

101

الجنّ، و ذهبوا إلى الحديث: أنهم إنما كرهوا الصلاة في أعطان الإبل لأنها خلقت من أعناق الشياطين‏ (1) فجعلوا المثل و المجاز على غير جهته. و قال ابن ميّادة: [من الطويل‏]

فلما أتاني ما تقول محارب # تغنّت شياطين و جنّ جنونها (2)

قال الأصمعي المأثور من السيوف الذي يقال: إنّ الجنّ عملته‏ (3) .

120-[القول في الشيطان‏]

و هم يسمّون الكبر و الخنزوانة و النّعرة التي تضاف إلى أنف المتكبّر شيطانا، قال عمر: حتّى أنزع شيطانه، كما قال: «حتى أنزع النّعرة التي في أنفه» (4) . و يسمّون الحيّة إذا كانت داهية منها شيطانا، و هو قولهم: شيطان الحماطة (5) . قال الشاعر:

[من الطويل‏]

تعالج مثنى حضرميّ كأنه # تعمّج شيطان بذي خروع قفر (6)

شبّه الزّمام بالحيّة. و على مثل ذلك قال الشاعر: [من الطويل‏]

شناحية فيها شناح كأنها # حباب بكف الشأو من أسطع حشر (7)

و الحباب: الحية الذكر، و كذلك الأيم‏ (8) . و قد نهي عن الصلاة عند غيبوبة الشمس، و عند طلوع القرص إلى أن يتتام ذلك. و في الحديث: «إنّها تطلع بين قرني شيطان» (9) .

____________

(1) في النهاية 3/313: «لا تصلوا في أعطان الإبل؛ لأنها خلقت من أعنان الشياطين» . أي كأنها من نواحي الشياطين في أخلاقها و طبائعها. و في حديث آخر في النهاية 3/258: «صلوا في مرابض الغنم، و لا تصلوا في أعطان الإبل» .

(2) البيت في ديوان ابن ميادة 231، و أساس البلاغة (شطن) .

(3) ورد هذا القول في اللسان: 4/9 (ثفر) دون ذكر الأصمعي.

(4) الحديث في النهاية 5/80، و فيه: «النعرة: ذباب كبير أزرق، يتولع بالبعير، و يدخل أنفه فيركب رأسه، سميت بذلك لنعيرها؛ و هو صوتها، ثم استعيرت للنخوة و الأنفة: أي حتى أزيل نخوته.

(5) في اللسان: حمط 7/277 «الحماط: يبيس الأفانى تألفه الحيات. يقال: شيطان حماط...

الواحدة حماطة، و قيل: «الحماطة بلغة هذيل شجر عظام تنبت في بلادهم تألفها الحيات» .

(6) البيت بلا نسبة في اللسان (حبب، عمج، خرع، شطن، ثنى) و التاج (حبب، خرع، ثنى) ، و المقاييس 2/28، 3/148، 4/137، و المجمل 2/30، و المخصص 7/110، 8/109.

(7) الشناحية من الإبل: الطويل الجسم. اللسان: شنح 2/500.

(8) الأيم و الأيم: الحية الأبيض اللطيف: اللسان: أيم 12/40.

(9) النهاية2/475.

102

121-[ضرورة حذق اللغة]

فللعرب أمثال و اشتقاقات و أبنية، و موضع كلام يدلّ عندهم على معانيهم و إرادتهم، و لتلك الألفاظ مواضع أخر، و لها حينئذ دلالات أخر، فمن لم يعرفها جهل تأويل الكتاب و السّنّة، و الشاهد و المثل، فإذا نظر في الكلام و في ضروب من العلم، و ليس هو من أهل هذا الشأن، هلك و أهلك.

122-[الإبل الوحشية]

و زعم ناس أنّ من الإبل وحشيّا و كذلك الخيل، و قاسوا ذلك على الحمير و السّنانير و الحمام و غير ذلك، فزعموا أنّ تلك الإبل تسكن أرض و بار، لأنّها غير مسكونة، و لأنّ الحيوان كلّما اشتدّت وحشيّته كان للخلاء أطلب. قالوا: و ربّما خرج الجمل منها لبعض ما يعرض، فيضرب في أدنى هجمة من الإبل الأهلية. قالوا:

فالمهريّة من ذلك النّتاج.

و قال آخرون: هذه الإبل الوحشيّة هي الحوش، و هي التي من بقايا إبل و بار، فلمّا أهلكهم اللّه تعالى كما أهلك الأمم مثل عاد و ثمود و العمالقة و طسم و جديس و جاسم، بقيت إبلهم في أماكنهم التي لا يطورها إنسيّ فإن سقط إلى تلك الجيزة بعض الخلعاء، أو بعض من أضلّ الطريق حثت الجنّ في وجهه، فإن ألحّ خبلته، فضربت هذه الحوش في العمانيّة، فجاءت هذه المهريّة، و هذه العسجديّة التي تسمى الذهبيّة.

و أنشدني سعدان المكفوف عن أبي العميثل قول الراجز: [من الرجز]

ما ذمّ إبلي عجم و لا عرب # جلودها مثل طواويس الذّهب‏

و قال الآخر: [من الوافر]

إذا اصطكّت بضيق حجرتاها # تلاقى العسجديّة و اللّطيم‏ (1)

و العسجد من أسماء الذهب.

____________

(1) البيت لعامان (أو غامان) بن كعب بن عمرو بن سعد في اللسان (لطم) ، و التاج (عسجد) ، و لعاهان في التاج (لطم) ، و بلا نسبة في اللسان (عسجد) ، و المخصص 7/132. و في اللسان:

«و قال ابن بري: العسجدية التي تحمل الذهب، و قال: اللطيم: جمع لطيمة؛ و هي العير التي تحمل المسك» .