الحيوان - ج1

- عمرو بن بحر الجاحظ المزيد...
259 /
103

قالوا: و إنّما سمّيت صاحبة يزيد بن الطّثريّة حوشيّة على هذا المعنى‏ (1) .

و قال رؤبة: [من الرجز]

جرت رحانا من بلاد الحوش‏ (2)

123-[رد على ما زعموا من مطر الضفادع و الشبابيط]

و أما الذي زعم أنّهم مطروا الشّبوط (3) ، فإنه لما ظنّ أنّ الضفادع التي تصاب بعقب المطر (4) ، بحيث لا ماء و لا وحل و لا عين و لا شريعة-فإنهم ربّما رأوها وسط الدّوّ و الدّهناء و الصّمّان‏ (5) -و لم يشكّ أنّها كانت في السحاب و علم أنّها تكون في الأنهار و منابع المياه، و ليس ذلك من الذكر و الأنثى، قاس على ذلك الظنّ السمك، ثم جسر فجعل السمك شبّوطا. و تلك الضفادع إنما هي شي‏ء يخلق تلك الساعة، من طباع الماء و الهواء و الزمان و تلك التّربة، على مقادير و مقابلات، و على ما أجرى اللّه تعالى عليه نشأة الخلق.

124-[امتناع التلاقح بين بعض الأجناس المتقاربة]

و قد تعرف القرابة التي تكون في رأي العين بين الشكلين من الحيوان فلا يكون بينهما تسافد و لا تلاقح، كالضأن و المعز، و كالفأر و الجرذان، فليس بالعجب في البقر و الجواميس أن تكون كذلك. و قد رأينا الخلاسيّ‏ (6) من الدجاج و الدّيكة، و هو الذي تخلّق من بين المولّدات و الهنديّات، و هي تحمل اللحم و الشحم.

و زعم لي مسعود بن عثمان، أنه أهدى إلى عمرو بن مسعدة، دجاجة و وزن فيها سبعة عشر رطلا بعد طرح الأسقاط و إخراج الحشوة.

____________

(1) سماها «حوشية» أيضا المبرد في الكامل 2/523. و هي وحشية الجرمية. انظر ديوان يزيد بن الطثرية 17-19، و أعلام النساء 5/275-276.

(2) البيت في ديوان رؤبة 78، و اللسان و التاج (حوش) ، و المقاييس 2/119، و تهذيب اللغة 5/142، و مجمل اللغة 2/122.

(3) انظر الفقرة (113) .

(4) ربيع الأبرار 5/440.

(5) الدوّ: الفلاة الواسعة، و قيل: الأرض المستوية. (اللسان: دوا) . الدهناء: سبعة أجبل من الرمل، من ديار بني تميم، بين مكة و البصرة (معجم البلدان 2/493) . الصمان: أرض غليظة دون الجبل، كانت لبني حنظلة، و الصمان متاخم للدهناء. و الصمان جبل؛ أو بلد لبني تميم.

و الصمان: من نواحي الشام بظاهر البلقاء. (معجم البلدان 3/423) .

(6) الخلاسي من الديكة: بين الدجاج الهندية و الفارسية. اللسان: خلس 6/66.

104

125-[أثر زواج الأجناس المتباينة من الناس‏] (1)

و رأينا الخلاسيّ من الناس، و هو الذي يتخلّق بين الحبشيّ و البيضاء، و العادة من هذا التركيب أنه يخرج أعظم من أبويه و أقوى من أصليه و مثمريه. و رأينا البيسريّ‏ (2) من الناس، و هو الذي يخلق من بين البيض و الهند، لا يخرج ذلك النّتاج على مقدار ضخم الأبوين و قوّتهما، و لكنه يجي‏ء أحسن و أملح. و هم يسمّون الماء إذا خالطته الملوحة بيسرا قياسا على هذا التركيب الذي حكينا عن البيض و الهنديات، و رأينا الخلاسيّ من الكلاب، و هو الذي يخلق بين السّلوقيّ و كلب الراعي، و لا يكون ذلك من الزّئني و القلطي‏ (3) ، و من كلاب الدّور و الحرّاس. و سنقول في السّمع و العسبار، و في غيرهما من الخلق المركّب إن شاء اللّه تعالى.

126-[أطول الناس أعمارا]

و ذكروا أنّهم وجدوا أطول أعمار الناس في ثلاثة مواضع: أوّلها سرو حمير، ثم فرغانة، ثم اليمامة، و إنّ في الأعراب لأعمارا أطول، على أنّ لهم في ذلك كذبا كثيرا، و الهند تربي عليهم في هذا المعنى. هكذا يقول علماء العرب.

127-[أثر النبيذ في عمر الإنسان‏]

و كان عثمان ماش و يزال و جذعان، يذكرون أنّهم عدّوا أربعين فتى من فتيان قريش و ثقيف أعذار عام واحد فأحصوا عشرين من قريش، و عشرين من ثقيف، و توخّوا المتجاورين في المحلّة و المتقاربين في الدّور من الموفّرين على النبيذ، و المقصورين على التنادم، و أنّهم أحصوا مثل ذلك العدد و أشباه أولئك في السّن ممّن لا يذوق النبيذ و لا يعرف شرابا إلا الماء، فذكروا أنّهم وجدوا بعد مرور دهر عامّة من كاب يشرب النبيذ حيّا، و من لا يشربه قد مات عامّتهم، و كانوا قد بلغوا في السنّ.

أما عثمان و يزال فكانا من المعمّرين، و قد رأيتهما جميعا و لم أسمع هذا منهما، و سنأتي على هذا الباب في موضعه من ذكر المعمّرين، و نميّز الصدق فيه من الكذب، و ما يجوز و ما لا يجوز إن شاء اللّه تعالى.

____________

(1) انظر الفقرة (111) .

(2) البياسرة: جيل من السند يؤاجرون أنفسهم من أهل السفن لحرب عدوهم، و رجل بيسري.

اللسان: بسر 4/59.

(3) الزئني: القصير القوائم. و القلطي: القصير جدا.

105

128-[ما يعرض للخصيان‏]

و ما أكثر ما يعرض للخصيان البول في الفراش و غير ذلك، و لا سيّما إذا بات أحدهم ممتلئا من النبيذ.

و يعرض لهم أيضا حبّ الشراب و الإفراط في شهوته و شدّة النّهم.

و يعرض لهم أيضا إيثار المخفس‏ (1) و حبّ الصّرف، و ذلك أيضا ممّا يعرض للنساء، و الإفراط في شهوتهنّ و شدّة الهمّة لهنّ و الغيرة عليهنّ. و يحتلمون، و يجنبون و يغتسلون، و يرون الماء غير الرائق و لا الغليظ، الذي له ريح طلع الفحّال.

و يعرض للخصيّ شدّة الاستخفاف بمن لم يكن ذا سلطان عظيم أو مال كثير أو جاه عريض، حتّى ربّما كان عند مولاه بعض من عسى أن يتقدّم هؤلاء المذكورين الذين يكون الخصيّ كلفا بهم و بتعظيمهم، و مغرما بخدمتهم، في الأدب و الحسب، و في بعد الهمّة و كرم الشّيمة، فيعمد عند دخول ذلك الرجل الذي له السلطان و الجاه و المال إلى متّكأ هذا الأديب الكريم، و الحسيب الشريف، فينزعه من تحت مرفقه، غير محتفل بذلك و لا مكترث لما فيه، و يضعه له من غير أن يكون موضع المرافق بعيدا، أو كان ذلك ممّا يفوت بعض الفوت، و يفعل ذلك و إن كان يعاشر هذا الأديب الكريم مولاه و هو على يقين أنه لا يرى ذلك الموسر و صاحب الجاه أبدا.

129-[أقوال في خصاء الخيل‏]

و قد حرّم بعضهم خصاء الخيل خاصّة، و بعضهم زاد على ذلك حتّى حرّم خصاء البهائم. و قال بعضهم: إذا كان الخصاء إنّما اجتلبه فاعله أو تكلّفه صاحبه على جهة التماس المنفعة، أو على طريق التجارة، فذلك جائز، و سبيله سبيل الميسم، فإنّ الميسم نار، و ألمه يجوز كلّ ألم و قد رأينا إبل الصدقة موسومة، و وسمت العرب الخيل و جميع أصناف النّعم في الإسلام، على مثل صنيعها في الجاهليّة. و قد كانت القصواء ناقة النبي صلى اللّه عليه و سلم موسومة، و كذلك العضباء (2) .

____________

(1) المخفس: شراب سريع الإسكار. أو هو الشراب الكثير النبيذ و القليل الماء. اللسان: خفس.

6/65.

(2) في أنساب الأشراف 511-512 أن اسم ناقته صلى اللّه عليه و سلم القصواء، و تسمى الجدعاء و العضباء.

و القصواء التي في أذنها قطع يسير؛ و العضباء مثلها.

106

130-[وسم الحيوان‏]

و قال آخرون: الخصاء غير شبيه بالميسم‏ (1) ، لأنّ في الخصاء من شدّة الألم، و من المثلة (2) ، و من قطع النّسل، و من إدخال النقص على الأعضاء، و النقص لموادّ القوى، ما ليس في الميسم و غيره، و هو بقطع الألية أشبه، و السّمة إنّما هي لذعة، و الخصاء مجاوز لكلّ شديدة.

قال القوم: و لا بأس بقطع الألية إذا منعت بثقلها أو عظمها الشاة من اللّحاق بالقطيع و خيف عليها من الذئب. و قطع الألية في جواز العقول أشبه من الميسم، لأنّ الميسم ليس للبعير فيه حظّ، و إنّما الحظّ فيه لربّ المال، و قطع الألية من شكل الختان، و من شكل البطّ (3) و الفصد (4) ، و من جنس الوجور و البيطرة، و من جنس اللّدود (5) و الحجامة، و من جنس الكيّ عند الحاجة، و قطع الجارحة إذا خيف عليها الأكلة.

131-[وسم الإبل‏]

قال الأوّلون: بل لعمري إنّ للإبل في السّمات لأعظم المنافع، لأنّها قد تشرب بسماتها و لا تذاد عن الحوض إكراما لأربابها، و قد تضلّ فتئوى، و تصاب في الهواشات‏ (6) فتردّ.

قالوا: فإنا لا نسألكم إلاّ عن سمات الخيل و البغال و الحمير و الغنم. و بعد فكيف نستجيز أن نعمّها بالإحراق بالنار، لأمر عسى ألاّ يحتاج إليه من ألف بعير واحد، ثم عسى ألاّ يحتاج من جميع ذلك في جميع عمره إلاّ إلى شربة واحدة.

و قال القوم: إنّما المياسم في النّعم السائمة كالرّقوم في ثياب البزّاز، و متى ارتفعت الرقوم و منعت المياسم، اختلطت الأموال، و إذا اختلطت أمكن فيها الظلم، و المظلوم باذل نفسه دون المعيشة و الهضيمة.

____________

(1) الميسم: المكواة أو الآلة التي يوسم بها الدواب. اللسان: وسم 12/636.

(2) المثلة: هو أن تنصب الدابة فترمى أو تقطع أطرافها و هي حية. اللسان: مثل 11/615.

(3) البط: شق الدمل. و المبطة: المبضع. اللسان: بطط 7/261.

(4) الفصد: شق العرق. و فصد الناقة: شق عرقها ليستخرج دمه فيشربه. اللسان: فصد.

(5) الوجور: ما يصب بالمسعط من الدواء في أي الفم كان، و اللدود: ما يصب في أحد شقي الفم.

اللسان: وجر 5/279.

(6) الهواشات: الجماعات من الناس و الإبل إذا جمعوها فاختلط بعضها ببعض. اللسان: هوش.

107

و قالوا: ليس قطع الألية كالمجثّمة و كالشي‏ء المصبور، و قد نهينا عن إحراق الهوامّ، و قيل لنا: لا تعذّبوا بعذاب اللّه تعالى، و الميسم نار، و قطع الألية من شكل قطع العروق، و صاحب المجثّمة يقدر أن يرمي-إن كان به تعلّم الرماية-شيئا لا يألم و لم ينه عن تعذيبه، فما يردّ الشي‏ء المصبور من العذاب مردّا بوجه من الوجوه.

132-[القول في نقص بعض أجزاء الحيوان أو نقضها أو إيلامها]

و قال آخرون: ليس لك أن تحدث في جميع الحيوان حدثا من نقض أو نقص أو إيلام، لأنك لا تملك النشأة، و لا يمكنك التعويض له، فإذا أذن لك مالك العين، بل مخترعه و منشئ ذاته و القادر على تعويضه، و هو اللّه عزّ و جلّ، حلّ لك من ذلك ما كان لا يحلّ. و ليس لك في حجّة العقل أن تصنع بها إلاّ ما كان به مصلحة، كعلاج الدّبر و كالبيطرة.

و قال آخرون: لنا أن نصنع كلّ ما كان يصنع على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و بعده، ممّا لم يكن مدفوعا عند بعضهم، إلاّ أن يكون نهي ذلك البعض من جماعتهم، في طريق الخلاف و الردّ و المفارقة و لا يكون عندهم قولا من الأقاويل، فإنّ ذلك في سبيل العلاج بعد أن كان المتكلّف يعرف وجه الملام. و المذهب في ذلك معروف و إن كان خارجا من ذلك الحدّ، فقد علمنا أنّه أبيح من طريق التعبّد و المحنة، كما جعل اللّه تعالى لنا ما أحلّ ذبحه من البهائم، و كما جعل لنا أن نقتل القمل و البراغيث و البعوض، و إن لم يكن منها إلاّ مقدار الأذى فقط. و القتل لا يكون قصاصا من الأذى، و لكن لمّا أباح لنا خالق الشي‏ء و القادر على تعويضه قتله، كان قتله أسوغ في العقل مع الأذى، من ذبح البهيمة مع السلامة من الأذى.

قال: و ليس كل مؤذ و لا كل ذي أذى حكم اللّه تعالى فيه بإباحة القتل، و اللّه عزّ و جلّ، بمقادير الأمور و بحكم المختلف و المتّفق، و القليل من ذلك و الكثير، أحكم و أعلم.

و قد أمر اللّه تعالى إبراهيم عليه الصلاة و السلام، بذبح إسحاق أو إسماعيل عليهما الصلاة و السلام، فأطاع الوالد و طاوع الولد (1) .

____________

(1) إشارة إلى قوله تعالى في سورة الصافات: 102: يََا بُنَيَّ إِنِّي أَرى‏ََ فِي اَلْمَنََامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مََا ذََا تَرى‏ََ. قََالَ يََا أَبَتِ اِفْعَلْ مََا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شََاءَ اَللََّهُ مِنَ اَلصََّابِرِينَ . و الذي أمر اللّه بذبحه هو إسماعيل، و ليس إسحاق. انظر تفسير ابن كثير 4/16.

108

و الجواب الماضي إنما هو قول من قال بالتعويض، و هو قول النظّام. و أكثر المتكلّمين يعترضون عليه فيه.

133-[خصاء الإنسان‏]

و لا يزال-يرحمك اللّه تعالى-بعض الملحدين من المعاندين، أو بعض الموحّدين من الأغبياء المنقوصين، قد طعن في ملك الخصيّ و بيعه و ابتياعه، و يذكرون الخصيّ الذي كان المقوقس عظيم القبط أهداه إلى النبي صلى اللّه عليه و سلم و على آله.

مع مارية القبطيّة أمّ إبراهيم عليه السلام. قالوا: فقد ملك عليه الصلاة و السلام خصيّا بعد أن عرفه و أحاط علمه بأنّه خصيّ، و أنتم تزعمون أنّ الخصاء حرام، و أنّ من اشترى من الخاصي خصيّا ثم زاد على قيمته و هو فحل، فقد أعان على الخصاء و حثّ عليه، و رغّب فيه، و أنّه من أفحش الظلم و أشدّ القسوة، و زعمتم أنّ من فعل ذلك فهو شريك الخاصي في الإثم، و أنّ حاله كحال المعروفين بالابتياع من اللصوص. و قلتم: و كذلك من شهد القمار و هراش الكلاب، و نطاح الكباش و قتال الديوك، و أصحاب المجارحات و حرب الفئتين الضالّتين. و قلتم: لأنّ هذه المواضع لو لم تحضرها النّظّارة لما عملوا تلك الأعمال، و لو فعلوها ما بلغوا مقدار الشّطر، لغلبة الرياء و السّمعة على قلوب الناس، فكذلك الخاصي، و المشتري، و المبتاع من المشتري، شركاء متعاونون، و خلطاء مترادفون. و إذا كان المبتاع يزيد في السّلعة لهذه العلّة، و البائع يزيد في السّوم لهذا السبب، و قد أقررتم بأنّ النبي صلى اللّه عليه و سلم قد قبل له من المقوقس، كما قبل مارية، و استخدمه، و جرى عليه ملكه و أمره، فافهم-فهّمك اللّه تعالى-ما أنا مجيب به في هذه المسألة. و اللّه الموفّق، و على اللّه قصد السبيل.

أقول: قبل كلّ شي‏ء لا يخلو هذا الحديث الذي رويتموه من أن يكون مرضيّ الإسناد. صحيح المخرج، أو يكون مسخوط الإسناد، فاسد المخرج. فإن كان مسخوطا. فقد بطلت المسألة، و إن كان مرضيّا، فقد علمنا أنّه ليس في الحديث أنّه قبله منه بعد أن علم أنّه خصيّ، و على أنّ قبول الهديّة خلاف الابتياع، لأنّ بائع الخصيّ إنّما يحرم عليه التماس الزيادة، و كذلك المبتاع إنّما يحرم عليه دفع الزيادة إذا كان لو سلم إليه بذلك الثمن فحلا أجمل منه و أشبّ و أخدم منه لم يزده، و البائع أيضا لا يستام بالفحل سومه بالخصي. و قبول الهديّة، و قبول الهبة، و سبيل البيع و الابتياع لا بأس به إذا كان على ما وصفنا، و إنّما هديّة الخصيّ كهديّة الثوب و العطر، و الدابّة و الفاكهة. و لأنّ الخصيّ لا يحرم ملكه و لا استخدامه، بل لا يحلّ طرده و نفيه،

109

و عتقه جائز، و جواز العتق يوجب الملك. و لو باعه المالك على غير طلب الزيادة، أو لو تاب من الخصاء أو استحلّه مما أتى إليه، لما حرم على الخاصي نفسه استخدامه، و الخصيّ مال و ملك، و استخدامه حسن جميل، و لأنّ خصاءه إيّاه لا يعتقه عليه، و لا يزيل عن ملكه إلا بمثل ما وجب به ملكه.

و أخرى: أنّ في قبول هديّة ذلك الملك، و تلقي كرامته بالإكرام تدبيرا و حكمة. فقد بطلت المسألة، و الحمد للّه كما هو أهله.

و قد رووا مع ذلك أيضا: أنّ زنباعا الجذّاميّ، خصى عبدا له‏ (1) ، و أنّ النبي صلى اللّه عليه و سلم أعتقه عليه فيما بلغنا. و اللّه أعلم.

و ربّما سألوا عن الشي‏ء و ليس القول فيه يقع في نسق القول في الخصيّ، و في الخلق المركّب، و لكن إذ قد أجبنا في مسألة كلاميّة من مسائل الطعن في النبوّة، فلا بأس أن نضيف إليها أخرى، و لا سيّما إذا لم تطل فتزيد في طول الكتاب.

و قد لا يزال الطاعن يقول: قد علمنا أنّ العرب لم يسموا حروب أيّام الفجار بالفجور و قريش خاصّة، إلاّ أنّ القتال في البلد الحرام، في الشهر الحرام كان عندهم فجورا، و تلك حروب قد شهدها النبيّ صلى اللّه عليه و سلم و على آله، و هو ابن أربع عشر سنة، و ابن أربع عشرة سنة يكون بالغا (2) ، و قال: «شهدت الفجار فكنت أنبل على عمومتي» (3) .

و جوابنا في ذلك: أنّ بني عامر بن صعصعة، طالبوا أهل الحرم من قريش و كنانة، بجريرة البرّاض بن قيس، في قتله عروة الرحّال، و قد علموا أنّهم يطالبون من لم يجن و من لم يعاون، و أنّ البرّاض بن قيس كان قبل ذلك خليعا مطرودا، فأتوهم إلى حرمهم يلزمونهم ذنب غيرهم، فدافعوا عن أنفسهم، و عن أموالهم، و عن ذراريهم، و الفاجر لا يكون المسعيّ عليه، و لذلك أشهد اللّه تبارك و تعالى نبيّه عليه الصلاة و السلام ذلك الموقف، و به نصروا كما نصرت العرب على فارس يوم ذي قار، به عليه الصلاة و السلام و بمخرجه. و هذان جوابان واضحان قريبان، و اللّه الموفّق للصواب، و إليه المرجع و المآب.

____________

(1) النهاية 1/233.

(2) في أنساب الأشراف 103 أن النبي صلى اللّه عليه و سلم كان عمره عشرين سنة؛ أو أشفّ منها. و من قال إنه كان ابن أربع عشرة سنة فقد غلط.

(3) النهاية 1/414.

110

134-[ذكر محاسن الخصي و مساويه‏]

ثم رجع بنا القول إلى ذكر محاسن الخصيّ و مساويه.

الخصيّ ينكح و يتّخذ الجواري و يشتدّ شغفه بالنساء، و شغفهنّ به، و هو و إن كان مجبوب العضو فإنّه قد بقي له ما عسى أن يكون فيه من ذلك ما هو أعجب إليهنّ. و قد يحتلم و يخرج منه عند الوطء ماء، و لكنّه قليل متغيّر الريح، رقيق ضعيف. و هو يباشر بمشقّة، ثم لا يمنعه من المعاودة الماء الذي يخرج منه إذ كان قليل المقدار لا يخرجه من القوّة إلى الضعف، مثل الذي يعتري من يخرج منه شي‏ء يكون من إنسان، و هو أخثر، و أكثر، و أحدّ ريحا، و أصحّ جوهرا.

و الخصيّ يجتمع فيه أمنيّة المرأة، و ذلك أنّها تبغض كلّ سريع الإراقة، بطي‏ء الإفاقة، كما تكره كلّ ثقيل الصدر (1) ، و خفيف العجز، و الخصيّ هو السريع الإفاقة، البطي‏ء الإراقة، المأمون الإلقاح، فتقيم المرأة معه، و هي آمنة العار الأكبر، فهذا أشدّ لتوفير لذّتها و شهوتها، و إذا ابتذلن الخيصان، و حقرن العبيد، و ذهبت الهيبة من قلوبهنّ، و تعظيم البعول، و التصنّع لذوي الأقدار باجتلاب الحياء و تكلّف الخجل، ظهر كلّ شي‏ء في قوى طبائعهنّ و شهواتهنّ، فأمكنها النّخير و الصياح، و أن تكون مرّة من فوق، و مرّة من أسفل، و سمحت النفس بمكنونها، و أظهرت أقصى ما عندها.

و قد تجد في النساء من تؤثر النساء، و تجد فيهنّ من تؤثر الرجال، و تجد فيهنّ من تؤثر الخصيان، و تجد فيهنّ من تجمع و لا تفرّق، و تعمّ و لا تخصّ، و كذلك شأن الرجال في الرجال، و في النساء و الخصيان فالمرأة تنازع إلى الخصيّ لأنّ أمره أستر و عاقبته أسلم، و تحرص عليه لأنّه ممنوع منها، و لأنّ ذلك حرام عليها، فلها جاذبان:

جاذب حرص كما يحرص على الممنوع، و جاذب أمن كما يرغب في السلامة.

و قال الأصمعيّ: قال يونس بن عبيد: لو أخذنا بالجزع لصبرنا (2) . قال الشاعر: [من البسيط]

و زادها كلفا بالحبّ أن منعت # و حبّ شي‏ء إلى الإنسان ما منعا (3)

و الحرص على الممنوع باب لا يقدر على الاحتجاز منه، و الاحتراس من خدعه،

____________

(1) مثل امرئ القيس.

(2) البيان 3/131، و عيون الأخبار 2/2.

(3) البيت للأحوص في ديوانه 153، و الحماسة الشجرية 1/521، و زهر الآداب 406، و لمجنون ليلى في ديوانه 201، و بلا نسبة في عيون الأخبار 2/5، و اللسان (حبب) ، و البخلاء 161.

111

إلاّ كلّ مبرّز في الفطنة و متمهّل في العزيمة، طويل التجارب، فاضل العقل على قوى الشهوات. و بئس الشي‏ء القرين السوء. و قالوا: صاحب السّوء قطعة من النار.

و باب من هذا الشكل، فبكم أعظم حاجة إلى أن تعرفوه و تقفوا عنده، و هو ما يصنع الخبر السابق إلى السمع، و لا سيّما إذا صادف من السامع قلّة تجربة، فإن قرن بين قلّة التجربة و قلّة التحفّظ، دخل ذلك الخبر السابق إلى مستقرّه دخولا سهلا، و صادف موضعا و طيئا، و طبيعة قابلة، و نفسا ساكنة؛ و متى صادف القلب كذلك، رسخ رسوخا لا حيلة في إزالته. و متى ألقي إلى الفتيان شي‏ء من أمور الفتيات، في وقت الغرارة، و عند غلبة الطبيعة، و شباب الشهوة، و قلّة التشاغل؛ و كذلك متى ألقي إلى الفتيان شي‏ء من أمورهن و أمور الغلمان، و هناك سكر الشباب، فكذلك تكون حالهم. و إنّ الشّطّار ليخلو أحدهم بالغلام الغرير فيقول له: لا يكون الغلام فتى أبدا حتّى يصادق فتى و إلاّ فهو تكش، و التكش عندهم الذي لم يؤدّبه فتى و لم يخرّجه، فما الماء العذب البارد، بأسرع في طباع العطشان، من كلمته، إذا كان للغلام أدنى هوى في الفتوّة، و أدنى داعية إلى المنالة. و كذلك إذا خلت العجوز المدربة بالجارية الحدثة كيف تخلبها. و أنشدنا: [من الخفيف‏]

فأتتها طبّة عالمة # تخلط الجدّ بأصناف اللعب

ترفع الصوت إذا لانت لها # و تناهى عند سورات الغضب‏

و قال الشاعر فيما يشبه وقوع الخبر السابق إلى القلب: [من الكامل‏]

نقّل فؤادك حيث شئت من الهوى # ما الحبّ إلاّ للحبيب الأوّل‏ (1)

كم منزل في الأرض يألفه الفتى # و حنينه أبدا لأوّل منزل‏

و قال مجنون بني عامر: [من الطويل‏]

أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى # فصادف قلبا خاليا فتمكّنا (2)

135-[ما يدعو إلى الفساد]

و باب آخر ممّا يدعو إلى الفساد، و هو طول وقوع البصر على الإنسان الذي في طبعه أدنى قابل، و أدنى حركة عند مثله. و طول التداني، و كثرة الرؤية هما أصل

____________

(1) البيتان لأبي تمام في ديوان الصبابة 15.

(2) البيت لمجنون ليلى في ديوانه 282، و البيان 2/42، و ليزيد بن الطثرية في ديوانه 109، و الحماسة الشجرية 145، و لعمر بن أبي ربيعة في عيون الأخبار 3/9. و تقدم في الفقرة (18) .

112

البلاء، كما قيل لابنة الخسّ: لم زنيت بعبدك و لم تزني بحرّ، و ما أغراك به؟قالت:

طول السّواد، و قرب الوساد (1) .

و لو أنّ أقبح الناس وجها، و أنتنهم ريحا، و أظهرهم فقرا، و أسقطهم نفسا، و أوضعهم حسبا، قال لإمرأة قد تمكّن من كلامها، و مكّنته من سمعها: و اللّه يا مولاتي و سيّدتي، لقد أسهرت ليلى، و أرّقت عيني، و شغلتني عن مهمّ أمري، فما أعقل أهلا، و لا مالا، و لا ولدا؛ لنقض طباعها، و لفسخ عقدها، و لو كانت أبرع الخلق جمالا، و أكملهم كمالا، و أملحهم ملحا. فإن تهيّأ مع ذلك من هذا المتعشّق، أن تدمع عينه، احتاجت هذه المرأة أن يكون معها ورع أمّ الدرداء، و معاذة العدويّة، و رابعة القيسيّة، و الشجّاء الخارجيّة.

136-[زهد الناس فيما يملكونه و رغبتهم فيما ليس يملكونه‏]

و إنّما قال عمر بن الخطّاب رضي اللّه تعالى عنه: «اضربوهنّ بالعري» (2) لأنّ الثياب هي المدعاة إلى الخروج في الأعراس، و القيام في المناحات، و الظهور في الأعياد، و متى كثر خروجها لم يعدمها أن ترى من هو من شكل طبعها. و لو كان بعلها أتمّ حسنا، و الذي رأت أنقص حسنا، لكان ما لا تملكه، أطرف ممّا تملكه، و لكان ما لم تنله، و لم تستكثر منه، أشدّ لها اشتغالا و أشد لها اجتذابا. و لذلك قال الشاعر: [من الطويل‏]

و للعين ملهى بالتّلاد و لم يقد # هوى النفس شي‏ء كاقتياد الطرائف‏

و قال سعيد بن مسلم: لأن يرى حرمتي ألف رجل على حال تكشف منها و هي لا تراهم، أحبّ إليّ من أن ترى حرمتي رجلا واحدا غير منكشف.

و قال الأوّل: لا يضرّك حسن من لم تعرف؛ لأنّك إذا أتبعتها بصرك، و قد نقضت طبعك، فعلمت أنّك لا تصل إليها بنفسك و لا بكتابك و لا برسولك، كان الذي رأيت منها كالحلم، و كما يتصور للمتمنّي، فإذا انقضى ما هو فيه من المنى، و رجعت نفسه إلى مكانها الأوّل، لم يكن عليه من فقدها إلاّ مثل فقد ما رآه في النوم، أو مثّلته له الأمانيّ.

____________

(1) ورد قولها في البيان 1/324، و مجالس ثعلب 304، و ربيع الأبرار 3/158، و هو من الأمثال في مجمع الأمثال 2/93، و المستقصى 2/195، و جمهرة الأمثال 2/114، 126.

(2) عيون الأخبار 4/78. و انظر في مثل قوله ربيع الأبرار 5/282-283.

113

137-[عقيل بن علفة و بناته‏]

و قيل لعقيل بن علّفة: لو زوّجت بناتك!فإنّ النساء لحم على و ضم إذا لم يكن غانيات!!قال: كلا، إنّي أجيعهنّ فلا يأشرن، و أعريهنّ فلا يظهرن‏ (1) !!فوافقت إحدى كلمتيه قول النبي صلى اللّه عليه و سلم و وافقت الأخرى قول عمر بن الخطاب؛ لأن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «الصّوم وجاء» (2) . و قال عمر: استعينوا عليهنّ بالعري. و قد جاء في الحديث:

«و فروا أشعارهن فإن ترك الشعر مجفرة» (3) . و قد أتينا على هذا الباب في الموضع الذي ذكرنا فيه شأن الغيرة، و أوّل الفساد، و كيف ينبت، و كيف يحصد.

138-[ميول الخصيان‏]

و قد رأيت غير خصيّ يتلوّط، و يطلب الغلمان في المواضع، و يخلو بهم و يأخذهم على جهة الصداقة، و يحمل في ذلك الحديد، و يقاتل دون السخول، و يتمشى مع الشطّار.

و قد كان في قطيعة الربيع خصيّ أثير عند مولاه، عظيم المنزلة عنده؛ و كان يثق به في ملك يمينه، و في حرمه من بنت و زوجة و أخت، لا يخصّ شيئا دون شي‏ء، فأشرف ذات يوم على مربد له، و في المربد غنم صفايا، و قد شدّ يدي شاة و ركبها من مؤخّرها يكومها، فلمّا أبصره برق و بعل‏ (4) و سقط في يديه، و هجم عليه أمر لو يكون رآه من خصيّ لعدوّ له لما فارق ذلك الهول أبدا قلبه، فكيف و إنّما عاين الذي عاين فيمن كان يخلفه في نسائه من حرمه و ملك يمينه. فبينما الرجل و هو واجم حزين، و هو ينظر إليه و قد تحرّق عليه غيظا إذ رفع الخصيّ رأسه، فلمّا أثبت مولاه مرّ مسرعا نحو باب الدار ليركب رأسه، و كان المولى أقرب إلى الباب منه، فسبقه إليه، و كان الموضع الذي رآه منه موضعا لا يصعد إليه، فحدث لشقائه أمر لم يجد مولاه معه بدّا من صعوده، فلبث الخصيّ ساعة ينتفض من حمى ركبته ثم فاظ، و لم يمس إلاّ و هو في القبر.

و لفرط إرادتهم النساء، و بالحسرة التي نالتهم، و بالأسف الذي دخلهم، أبغضوا

____________

(1) عيون الأخبار 4/78، و الأغاني 12/259، و ربيع الأبرار 5/283، و ذيل الأمالي 106.

(2) النهاية 5/152.

(3) النهاية 1/278 «صوموا و وفروا أشعاركم فإنها مجفرة» أي مقطعة للنكاح، و نقص للماء.

(4) بعل: دهش فلم يدر كيف يصنع. اللسان: بعل 11/59.

114

الفحول بأشدّ من تباغض الأعداء فيما بينهم، حتّى ليس بين الحاسد الباغي و بين أصحاب النّعم المتظاهرة، و لا بين الماشي المعنّى و بين راكب الهملاج الفاره‏ (1) ، و لا بين ملوك صاروا سوقة، صاروا ملوكا، و لا بين بني الأعمام مع وقوع التنافس، أو وقوع الحرب، و لا بين الجيران و المتشاكلين في الصناعات، من الشنف و البغضاء، بقدر ما يلتحف عليه الخصيان للفحول.

و بغض الخصيّ للفحل من شكل بغض الحاسد لذي النعمة، و ليس من شكل ما يولّده التنافس و تلحقه الجنايات.

139-[نسك طوائف من الناس‏] (2)

و لرجال كلّ فنّ و ضرب من الناس، ضرب من النسك، إذ لا بدّ لأحدهم من النزوع، و من ترك طريقته الأولى: فنسك الخصيّ غزو الروم، لما أن كانوا هم الذين خصوهم، و لزوم أذنة و الرّباط بطرسوس و أشباهها. فظنّ عند ذلك أهل الفراسة أنّ سبب ذلك إنّما كان لأنّ الرّوم لما كانوا هم الذين خصوهم، كانوا مغتاظين عليهم، و كانت متطلّبة إلى التشفّي منهم، فأخرج لهم حبّ التشفّي شدّة الاعتزام على قتلهم، و على الإنفاق في كلّ شي‏ء يبلغ منهم. و نسك الخراسانيّ أن يحجّ: و نسك البنوي‏ (3)

أن يدع الديوان. و نسك المغنّي: أن يكثر التسبيح و هو يشرب النبيذ، و الصلاة على النبي صلى اللّه عليه و سلم، و الصلاة في جماعة. و نسك الرافضيّ: إظهار ترك النبيذ. و نسك السّواديّ ترك شرب المطبوخ فقط. و نسك اليهوديّ: إقامة السبت. و نسك المتكلّم: التسرّع إلى إكفار أهل المعاصي، و أن يرمى الناس بالجبر، أو بالتعطيل، أو بالزندقة، يريد أن يوهم أمورا:

منها أنّ ذلك ليس إلاّ من تعظيمه للدّين، و الإغراق فيه، و منها أن يقال: لو كان نطفا، أو مرتابا، أو مجتنحا على بليّة، لما رمى الناس، و لرضي منهم بالسلامة، و ما كان ليرميهم إلاّ للعزّ الذي في قلبه، و لو كان هناك من ذلّ الرّيبة شي‏ء لقطعه ذلك عن التعرّض لهم، أو التنبيه على ما عسى إن حرّكهم له أن يتحرّكوا. و لم نجد في المتكلّمين أنطف و لا أكثر عيوبا، ممّن يرمي خصومه بالكفر.

____________

(1) الهملاج: البرذون، و الهملاج: حسن سير الدابة في سرعة. (اللسان: هملج) .

(2) انظر الفقرة 173.

(3) الأبناء: قوم من أبناء فارس، ارتهنوا باليمن، و غلب عليهم اسم الأبناء، و النسب إليهم أبناوي في لغة بني سعد. أو بنوي. اللسان: بني 14/91.

115

140-[الجماز و جارية آل جعفر]

و كان أبو عبد اللّه الجمّاز، و هو محمد بن عمرو، يتعشّق جارية لآل جعفر يقال لها طغيان، و كان لهم خصيّ يحفظها إذا أرادت بيوت المغنّين، و كان الخصيّ أشدّ عشقا لها من الجمّاز، و كان قد حال بينه و بين كلامها، و الدنوّ منها، فقال الجماز و كان اسم الخادم سنانا: [من المجتث‏]

ما للمقيت سنان # و للظّباء الملاح

لبئس زان خصيّ # غاز بغير سلاح‏

و قال أيضا فيه و فيها: [من المجتث‏]

نفسي الفداء لظبي # يحبّني و أحبّه

من أجل ذاك سنان # إذا رآني يسبّه

هبه أجاب سنانا # ينيكه أين زبّه‏

و قال أيضا فيهما: [من المجتث‏]

ظبي سنان شريكي # فيه فبئس الشريك

فلا ينيك سنان # و لا يدعنا ننيك‏

141-[شعر في الخصاء]

و قال الباخرزيّ يذكر محاسن خصال الخصيان: [من الخفيف‏]

و نساء لمطمئنّ مقيم # و رجال إن كانت الأسفار

و قال حميد بن ثور يهجو امرأته: [من الطويل‏]

جلبّانة ورهاء تخصي حمارها # بفي من بغى خيرا إليها الجلامد (1)

و قال مزرّد بن ضرار: [من الطويل‏]

فجاءت كخاصي العير لم تحل عاجة # و لا جاجة منها تلوح على وشم‏ (2)

____________

(1) البيت في ديوان حميد بن ثور 65، و أمالي القالي 2/146، و اللسان و التاج (جلب، جرب) ، و المخصص 13/278، و تهذيب اللغة 11/94. الجلبانة: الصخابة السيئة الخلق. الورهاء:

الحمقاء.

(2) البيت لأبي خراش الهذلي في شرح أشعار الهذليين 1201، و اللسان (جوج، عوج) ، و التاج (جوج، خضل) ، و للهذلي في اللسان (خضل) ، و التاج (عوج) .

116

و قال عمرو الخاركي: [من الهزج‏]

إذا لام على المرد # نصيح زادني حرصا (1)

و لا و اللّه ما أقـ # لع ما عمّرت أو أخصى‏

و قال آخر: [من الوافر]

رماك اللّه من أير بأفعى # و لا عافاك من جهد البلاء

جزاك اللّه شرّا من رفيق # إذا بلغت بي ركب النساء

أجبنا في الكريهة حين نلقى # و ما تنفكّ تنعظ في الخلاء

فلا و اللّه ما أمسى رفيقي # و لو لا البول عوجل بالخصاء

و قال بعض عبد القيس: [من الكامل‏]

ما كان قحذم ابن واهصة الخصى # يرجو المناكح في بني الجارود

و من انتكاس الدهر أن زوّجتها # و لكلّ دهر عثرة بجدود

لو كان منذر إذ خطبت إليهم # حيّا لكان خصاك بالمغمود

و قال أبو عبيدة: حدّثني أبو الخطاب قال‏ (2) : كان عندنا رجل أحدب فسقط في بئر فذهبت حدبته و صار آدر فقيل له: كيف تجدك؟فقال: الذي جاء شرّ من الّذي ذهب! و أبو الحسن عن بعض رجاله قال: خرج معاوية ذات يوم يمشي و معه خصيّ له، إذ دخل على ميسون ابنة بحدل و هي أمّ يزيد، فاستترت منه فقال: أ تستترين منه، و إنّما هو مثل المرأة؟قالت: أ ترى أنّ المثلة به تحلّ ما حرّم اللّه تعالى؟!

____________

(1) البيتان في معجم الشعراء 32.

(2) الخبر في عيون الأخبار 3/48، 4/68، و هو في البرصان و العرجان 261 و قد رواه أبو الحسن.

117

ذكر ما جاء في خصاء الدوابّ‏

142-[خصاء الدواب‏]

ذكر آدم بن سليمان عن الشعبيّ قال: قرأت كتاب عمر رضي اللّه تعالى عنه إلى سعد، ينهى عن حذف أذناب الخيل و أعرافها، و عن خصائها، و يأمره أن يجري من رأس المائتين. و هو أربعة فراسخ.

و سفيان الثّوري عن عاصم بن عبد اللّه بن عمر رضي اللّه تعالى عنه كان ينهى عن خصاء البهائم و يقول: هل الإنماء إلاّ في الذكور.

و شريك بن عبد اللّه، قال: أخبرني إبراهيم بن المهاجر، عن إبراهيم النّخعي أنّ عمر رضي اللّه تعالى عنه نهى عن خصاء الخيل.

و سفيان الثوري عن إبراهيم بن المهاجر قال: كتب عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه لبعض عماله: لا تجرينّ فرسا إلاّ من المائتين، و لا تخصينّ فرسا.

و قال: و سمعت نافعا يقول: كان عبد اللّه بن عمر يكره خصاء الذكور من الإبل، و البقر، و الغنم.

و عبيد اللّه بن عمر عن نافع: أنّ ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما كان يكره الخصاء و يقول: لا تقطعوا نامية خلق اللّه تعالى.

و عبد اللّه و أبو بكر ابنا نافع عن نافع قال: نهى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم عن أن تخصى ذكور الخيل، و الإبل، و البقر، و الغنم، يقول: فيها نشأة الخلق، و لا تصلح الإناث إلاّ بالذكور.

و محمد بن أبي ذئب قال: سألت الزّهريّ: هل بخصاء البهائم بأس؟قال:

أخبرني عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة بن مسعود، أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و على آله الطاهرين، نهى عن صبر الروح. قال الزّهريّ: و الخصاء صبر شديد.

و أبو جعفر الرّازيّ قال: حدّثنا الرّبيع بن أنس، عن أنس بن مالك في قوله تعالى: وَ لَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اَللََّهِ (1) قال: هو الخصاء.

و أبو جرير عن قتادة عن عكرمة عن ابن عبّاس نحوه.

____________

(1) . 119: النساء/4. و الأقوال التالية في تفسير هذه الآية وردت في تفسير ابن كثير 1/569.

118

أبو بكر الهذليّ قال: سألت الحسن عن خصاء الدواب فقال: تسألني عن هذا؟ لعن اللّه من خصى الرجال.

أبو بكر الهذليّ عن عكرمة في قوله تعالى: وَ لَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اَللََّهِ قال: خصاء الدواب. قال: و قال سعيد بن جبير: أخطأ عكرمة، هو دين اللّه.

نصر بن طريف قال: حدّثنا قتادة عن عكرمة في قوله تعالى: فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اَللََّهِ قال: خصاء البهائم. فبلغ مجاهدا فقال: كذب هو دين اللّه.

فمن العجب أن الذي قال عكرمة هو الصواب، و لو كان هو الخطأ لما جاز لأحد أن يقول له: كذبت. و الناس لا يضعون هذه الكلمة في موضع خطأ الرأي ممّن يظنّ به الاجتهاد، و كان ممّن له أن يقول. و لو أنّ إنسانا سمع قول اللّه تبارك و تعالى:

فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اَللََّهِ قال: إنّما يعني الخصاء، لم يقبل ذلك منه؛ لأنّ اللفظ ليست فيه دلالة على شي‏ء دون شي‏ء، و إذا كان اللفظ عامّا لم يكن لأحد أن يقصد به إلى شي‏ء بعينه إلاّ أن يكون النبي صلى اللّه عليه و سلم قال ذلك مع تلاوة الآية، أو يكون جبريل عليه السلام قال ذلك للنبي صلى اللّه عليه و سلم؛ لأنّ اللّه تبارك و تعالى لا يضمر و لا ينوي، و لا يخصّ و لا يعمّ بالقصد؛ و إنّما الدلالة في بنية الكلام نفسه، فصورة الكلام هو الإرادة و هو القصد، و ليس بينه و بين اللّه تعالى عمل آخر كالذي يكون من الناس، تعالى اللّه عن قول المشبّهة علوّا كبيرا.

أبو جرير عن عمار بن أبي عمار أنّ ابن عباس قال في قوله تعالى: وَ لَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اَللََّهِ قال: هو الخصاء.

و أبو جرير عن قتادة عن عكرمة عن ابن عبّاس مثله.

أبو داود النّخعيّ، عن محمّد بن سعيد عن عبادة بن نسيّ، عن إبراهيم بن محيريز قال: كان أحبّ الخيل إلى سلف المسلمين، في عهد عمر، و عثمان، و معاوية، رضي اللّه تعالى عنهم، الخصيان؛ فإنّها أخفى للكمين و الطلائع، و أبقى على الجهد.

أبو جرير قال: أخبرني ابن جريج عن عطاء أنّه لم ير بأسا بخصاء الدواب.

و أبو جرير عن أيّوب عن ابن سيرين، أنّه لم يكن يرى بأسا بالخصاء، و يقول: لو تركت الفحولة لأكل بعضها بعضا.

و عمر و يونس عن الحسن: أنّه لم يكن يرى بأسا بخصاء الدواب.

سفيان بن عيينة عن ابن طاوس عن أبيه: أنّه خصى بعيرا.

119

و سفيان بن عيينة عن مالك بن مغول عن عطاء، أنه سئل عن خصاء البغل فقال: إذا خفت عضاضه.

143-[أقوال في النتاج المركب‏]

و لنصل هذا الكلام بالكلام الذي قبل هذا في الخلق المركب و في تلاقح الأجناس المختلفة. زعموا أن العسبار ولد الضبع من الذئب، و جمعه عسابر. و قال الكميت: [من مجزوء الكامل‏]

و تجمّع المتفرّقو # ن من الفراعل العسابر (1)

يرميهم بأنّهم أخلاط و معلهجون.

و زعموا أنّ السّمع ولد الذئب من الضبع، و يزعمون أنّ السّمع كالحيّة لا تعرف العلل، و لا تموت حتف أنفها، و لا تموت إلاّ بعرض يعرض لها. و يزعمون أنّه لا يعدو شي‏ء كعدو السّمع، و أنّه أسرع من الريح و الطّير.

و قال سهم بن حنظلة يصف فرسه: [من البسيط]

فاعص العواذل وارم اللّيل في عرض # بذي شبيب يقاسي ليله خببا (2)

كالسّمع لم ينقب البيطار سرّته # و لم يدجه و لم يغمز له عصبا

و قال ابن كناسة يصف فرسا: [من الخفيف‏]

كالعقاب الطلوب يضربها الطّ # لّ و قد صوّبت على عسبار

و قال سؤر الذئب: [من الخفيف‏]

هو سمع إذا تمطّر شيئا # و عقاب يحثّها عسبار

يقول: إذا اشتدّ هرب المطلوب الهارب من الطالب الجادّ، فهو أحث للطالب، و إذا صار كذلك صار المطلوب حينئذ في معنى من يحثّ الطلب، إذ صار إفراط سرعته سببا لإفراط طلب العقاب.

و قال تأبط شرّا، أو أبو محرز خلف بن حيّان الأحمر: [من المديد]

مسبل بالحيّ أحوى رفلّ # و إذا يعدو فسمع أزلّ‏ (3)

____________

(1) ديوان الكميت 1/228، و اللسان و التاج (عسبر) ، و المخصص 8/72. الفرعل: ولد الضبع من الضبعان.

(2) البيتان لسهم بن حنظلة في الوحشيات 32 و الأصمعيات ص 54، و لكعب بن سعد في معجم الشعراء 229، و لأحدهما في الحماسة البصرية 1/83 و بلا نسبة في اللسان و أساس البلاغة و التاج (نقب) ، و لمرة بن محكان في اللسان و التاج (نقب) ، برواية مختلفة.

(3) البيت لتأبط شرا في ديوانه 64، و هو من قصيدة في شرح الحماسة للتبريزي 1/341-347.

120

و إنّما قال أزلّ و جعله عاديا و وصفه بذلك، لأنّه ابن الذئب.

و قال الأصمعي: [من الرجز]

يدير عيني لمظة عسباره‏

و قال في موضع آخر: [من الرجز]

كأن منها طرفه استعاره‏

و قال آخر: [من الرجز]

تلقى بها السّمع الأزلّ الأطلسا

و زعموا أنّ ولد الذئب من الكلبة الدّيسم، و رووا لبشّار بن برد في ديسم العنزيّ أنّه قال: [من الطويل‏]

أ ديسم يا ابن الذئب من نسل زارع # أ تروي هجائي سادرا غير مقصر

و زارع: اسم الكلب، يقال للكلاب أولاد زارع.

144-[زعم لأرسطو في النتاج المركب‏]

و زعم صاحب المنطق أنّ أصنافا أخر من السباع المتزاوجات المتلاقحات مع اختلاف الجنس و الصورة، معروفة النتاج مثل الذئاب التي تسفد الكلاب في أرض روميّة: قال: و تتولّد أيضا كلاب سلوقية من ثعالب و كلاب. قال: و بين الحيوان الذي يسمّى باليونانيّة طاغريس‏ (1) و بين الكلب، تحدث هذه الكلاب الهندية. قال: و ليس يكون ذلك من الولادة الأولى.

قال أبو عثمان: عن بعض البصريين عن أصحابه قال: و زعموا أنّ نتاج الأولى يخرج صعبا وحشيّا لا يلقّن و لا يؤلّف.

145-[تلاقح السبع و الكلبة]

و زعم لي بعضهم عن رجل من أهل الكوفة من بني تميم أنّ الكلبة تعرض لهذا السبع حتّى تلقح، ثم تعرض لمثله مرارا حتى يكون جرو البطن الثالث قليل الصعوبة يقبل التلقين، و أنّهم يأخذون إناث الكلاب، و يربطونها في تلك البراريّ، فتجي‏ء هذه السباع و تسفدها، و ليس في الأرض أنثى يجتمع على حبّ سفادها، و لا ذكر يجتمع له من النزوع إلى سفاد الأجناس المختلفة، أكثر في ذلك من الكلب و الكلبة.

____________

(1) نهاية الأرب 9/256.

121

قال: و إذا ربطوا هذه الكلاب الإناث في تلك البراري، فإن كانت هذه السباع هائجة سفدتها، و إن لم يكن السبع هائجا فالكلبة مأكولة. و قال أبو عدنان‏ (1) : [من الطويل‏]

أيا باكي الأطلال في رسم دمنة # ترود بها عين المها و الجآذر

و عانات جوّال و هيق سفنّج # و سنداوة فضفاضة و حضاجر (2)

و سمع خفيّ الرّزّ ثلب و دوبل # و ثرملة تعتادها و عسابر (3)

و قد سمعنا ما قال صاحب المنطق من قبل، و ما نظنّ بمثله أن يخلّد على نفسه في الكتب شهادات لا يحقّقها الامتحان، و لا يعرف صدقها أشباهه من العلماء، و ما عندنا في معرفة ما ادّعى إلاّ هذا القول.

و أمّا الذين ذكروا في أشعارهم السّمع و العسبار، فليس في ظاهر كلامهم دليل على ما ادّعى عليهم النّاس من هذا التركيب المختلف، فأدّينا الذي قالوا و أمسكنا عن الشهادة، إذ لم نجد عليها برهانا.

146-[أولاد السعلاة]

و للنّاس في هذا الضّرب ضروب من الدعوى، و علماء السوء يظهرون تجويزها و تحقيقها، كالذي يدّعون من أولاد السّعالي من الناس، كما ذكروا عن عمرو بن يربوع‏ (4) ، و كما يروي أبو زيد النحويّ عن السّعلاة التي أقامت في بني تميم حتى ولدت فيهم، فلمّا رأت برقا يلمع من شقّ بلاد السّعالي، حنّت و طارت إليهم، فقال شاعرهم: [من الوافر]

رأى برقا فأوضع فوق بكر # فلا بك ما أسال و ما أغاما (5)

____________

(1) في البيان 1/252 «و ما كان بالبصرة رجلان أدرى بصنوف العلم، و لا أحسن بيانا من أبي الوزير، و أبي عدنان المعلمين» . و له خبر في الأغاني 14/227.

(2) الهيق: الظليم لطوله، و ذكر النعام. السفنج: الظليم الذكر السريع الخفيف. السندأوة: الذئبة.

الفضفاضة: المكتنزة لحما. حضاجر: اسم للضبع أو ولدها.

(3) الرز: الصوت الخفي الذي تسمعه و لا تراه، يكون شديدا أو ضعيفا. ثلب: معيب. دوبل: ذكر الخنازير، أو الذئب العرم. الثرملة: من أسماء الثعالب.

(4) حياة الحيوان 1/555-556.

(5) البيت لعمرو بن يربوع في جمهرة اللغة 963، و نوادر أبي زيد 146، و بلا نسبة في الخزانة 2/18 (هارون) ، و سر صناعة الإعراب 1/104، 144، و شرح المفصل 8/34، 9/101.

122

و أنشدني أن الجنّ طرقوا بعضهم فقال: [من الوافر]

أتوا ناري فقلت منون أنتم # فقالوا الجنّ قلت عموا ظلاما (1)

فقلت إلى الطّعام فقال منهم # زعيم نحسد الإنس الطّعاما

و لم أعب الرواية، و إنّما عبت الإيمان بها، و التوكيد لمعانيها. فما أكثر من يروي هذا الضرب على التعجّب منه، و على أن يجعل الرواية له سببا لتعريف النّاس حقّ ذلك من باطله، و أبو زيد و أشباهه مأمونون على النّاس؛ إلاّ أنّ كلّ من لم يكن متكلّما حاذقا، و كان عند العلماء قدوة و إماما، فما أقرب إفساده لهم من إفساد المتعمّد لإفسادهم! و أنشدوا في تثبيت أولاد السعلاة: [من الرجز]

تقول جمع من بوان و وتد # و حسن أن كلّفتني ما أجد

و لم تقل جي‏ء بأبان أو أحد # أو ولد السّعلاة أو جرو الأسد

أو ملك الأعجام مأسورا بقدّ

و قال آخر: [من الرجز]

يا قاتل اللّه بني السّعلاة # عمرا و قابوسا شرار النات‏ (2)

147-[ما زعموا في جرهم‏]

و ذكروا أنّ جرهما كان من نتاج ما بين الملائكة و بنات آدم، و كان الملك من الملائكة إذا عصى ربّه في السماء أهبطه إلى الأرض في صورة رجل، و في طبيعته، كما صنع بهاروت و ماروت حين كان من شأنهما و شأن الزّهرة (3) ، و هي أناهيد (4) ما

____________

(1) البيتان لشمر بن الحارث في الخزانة 6/167، و اللسان و التاج (حسد) ، و نوادر أبي زيد 123، و الحماسة البصرية 2/246. و بلا نسبة في اللسان و التاج (أنس) .

(2) الرجز لعلباء بن أرقم في النوادر 104، و الجمهرة 842، و اللسان (نوت، سين، تا) ، و التاج (كيت، نوت، عسل) ، و بلا نسبة في الاشتقاق 227، و فصل المقال 194، و الإنصاف 119، و اللسان (أنس، مرس) ، و الخصائص 2/53، و الأمالي 2/68، و المخصص 3/26، 13/283، و اللسان (أنس، مرس) ، و التاج (سين) ، و رسائل الجاحظ 2/374، و محاضرات الراغب 2/281.

(3) انظر تفصيل الخبر في تفسير ابن كثير 1/142-146، و كتب التفسير الأخرى في تفسير الآية 102 من سورة البقرة.

(4) أناهيد: كلمة فارسية تعني الزهرة. مفاتيح العلوم 122. و سماها الإغريق فينوس، و تسمى عشتار، و تعني جميعها آلهة الحب.

123

كان، فلمّا عصى اللّه تعالى بعض الملائكة و أهبطه إلى الأرض في صورة رجل، تزوّج أمّ جرهم فولدت له جرهما، و لذلك قال شاعرهم: [من الرجز]

لا همّ إنّ جرهما عبادكا # الناس طرف و هم تلادكا (1)

148-[ما زعموا في بلقيس و ذي القرنين‏]

و من هذا النسل و من هذا التركيب و النجل كانت بلقيس ملكة سبأ (2) ، و كذلك كان ذو القرنين كانت أمّه فيرى آدميّة و أبوه عبرى من الملائكة. و لذلك لما سمع عمر بن الخطّاب رضي اللّه تعالى عنه رجلا ينادي: يا ذا القرنين، فقال: أ فرغتم من أسماء الأنبياء فارتفعتم إلى أسماء الملائكة؟.

و روى المختار بن أبي عبيد أنّ عليّا كان إذا ذكر ذا القرنين قال: ذلك الملك الأمرط.

149-[زواج الإنس بالجن‏]

و زعموا أنّ التناكح و التلاقح قد يقع بين الجنّ و الإنس‏ (3) ، لقوله تعالى:

وَ شََارِكْهُمْ فِي اَلْأَمْوََالِ وَ اَلْأَوْلاََدِ (4) . و ذلك أن الجنّيّات إنّما تعرض لصرع رجال الإنس على جهة التعشّق و طلب السّفاد، و كذلك رجال الجنّ لنساء بني آدم، و لو لا ذلك لعرض الرّجال للرّجال، و النّساء للنساء، و نساؤهم للرجال و النساء.

و من زعم أن الصّرع من المرّة، ردّ قوله تعالى: اَلَّذِينَ يَأْكُلُونَ اَلرِّبََا لاََ يَقُومُونَ إِلاََّ كَمََا يَقُومُ اَلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ اَلشَّيْطََانُ مِنَ اَلْمَسِّ (5) و قال تعالى: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَ لاََ جَانٌّ* (6) . فلو كان الجانّ لا يفتضّ الآدميّات، و لم يكن ذلك قطّ، و ليس ذلك في تركيبه، لما قال اللّه تعالى هذا القول.

150-[تركيب النسناس‏]

و زعموا أنّ النّسناس تركيب ما بين الشقّ و الإنسان. و يزعمون أنّ خلقا من وراء

____________

(1) البيت لعمرو بن الحارث بن مضاض الجرهمي في شرح القصائد السبع للأنباري ص 255. و بلا نسبة في حياة الحيوان 1/556.

(2) رسائل الجاحظ 2/371 «كتاب البغال» .

(3) رسائل الجاحظ 2/371 «كتاب البغال» .

(4) . 64: الإسراء/17.

(5) . 275: البقرة/2.

(6) . 56، 74: الرحمن/55.

124

السدّ تركيب من النّسناس، و الناس، و الشقّ، و يأجوج و مأجوج. و ذكروا عن الواق واق و الدوال باي‏ (1) أنهم نتاج ما بين بعض النّبات و الحيوان. و ذكروا أنّ أمّة كانت في الأرض، فأمر اللّه تعالى الملائكة فأجلوهم؛ و إيّاهم عنوا بقولهم: أَ تَجْعَلُ فِيهََا مَنْ يُفْسِدُ فِيهََا وَ يَسْفِكُ اَلدِّمََاءَ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ (2) . و لذلك قال اللّه عزّ و جلّ لآدم و حواء: وَ لاََ تَقْرَبََا هََذِهِ اَلشَّجَرَةَ فَتَكُونََا مِنَ اَلظََّالِمِينَ* (3) . فهذا يدلّ على أن ظالما و ظلما قد كان في الأرض.

قال الأصمعيّ-أو خلف-في أرجوزة مشهورة، ذكر فيها طول عمر الحيّة:

[من الرجز]

أرقش إن أسبط أو تثنّى # حسبت ورسا خالط اليرنّا (4)

خالطه من هاهنا و هنّا # إذا تراءاه الحواة استنّا (5)

قال: و كان يقال لتلك الأمّة مهنا.

151-[زعم المجوس في بدء الخلق‏]

و زعم المجوس أنّ الناس من ولد مهنة و مهنينة، و أنّهما تولدا فيما بين أرحام الأرضين، و نطفتين ابتدرتا من عيني ابن هرمز حين قتله هرمز. و حماقات أصحاب الاثنين كثيرة في هذا الباب. و لو لا أنّي أحببت أن تسمع نوعا من الكلام، و مبلغ الرأي، لتحدث للّه تعالى شكرا على السلامة، لما ذكرت كثيرا من هذا الجنس.

152-[صديق إبليس و ختنه‏]

و زعم ابن هيثم أنّه رأى بالكوفة فتى من ولد عبد اللّه بن هلال الحميري، صديق إبليس و ختنه، و أنّهم كانوا لا يشكّون أنّ إبليس جدّه من قبل أمّهاته. و سنقول في ذلك بالذي يجب إن شاء اللّه تعالى. و صلة هذا الكلام تجي‏ء بعد هذا إن شاء اللّه تعالى.

____________

(1) الدوال باي: يطلق على جنس هندي يزعمون أن له أرجلا دقيقة مرنة شبيهة بالسيور، فهو كسيح يتحين فرصة العثور على المسافرين؛ و يلح عليهم ليحملوه. معجم استينجاس 539.

(2) . 30: البقرة/2.

(3) . 35: البقرة/2، 19: الأعراف/7.

(4) البيت الثاني و الثالث في الدرر 1/242، و همع الهوامع 1/78 بلا نسبة.

الورس: نبت أصفر يكون باليمن، و هو صبغ. (اللسان: ورس) . اليرنأ: الحناء. (اللسان: رنأ) .

(5) استن: أسرع.

125

153-[حوار في الكلب‏]

و قلت: و لو تمّ للكلب معنى السبع و طباعه، لما ألف الإنسان، و استوحش من السبع، و كره الغياض، و ألف الدّور، و استوحش من البراري و جانب القفار، و ألف المجالس و الدّيار. و لو تمّ له معنى البهيمة في الطبع و الخلق و الغذاء، لما أكل الحيوان، و كلب على النّاس. نعم حتّى ربّما كلب و وثب على صاحبه و كلب على أهله. و قد ذكر ذلك طرفة فقال: [من المنسرح‏]

كنت لنا و الدّهور آونة # تقتل حال النّعيم بالبؤس‏ (1)

ككلب طسم و قد تربّبه # يعلّه بالحليب في الغلس

ظلّ عليه يوما يفرفره # إلاّ يلغ في الدماء ينتهس‏

و قال حاجب بن دينار المازنيّ في مثل ذلك: [من الطويل‏]

و كم من عدوّ قد أعنتم عليكم # بمال و سلطان إذا سلم الحبل‏ (2)

كذي الكلب لمّا أسمن الكلب رابه # بإحدى الدّواهي حين فارقه الجهل‏

و قال عوف بن الأحوص: [من الطويل‏]

فإنّي و قيسا كالمسمّن كلبه # تخدّشه أنيابه و أظافره‏

و أنشد ابن الأعرابي لبعضهم: [من الطويل‏]

و هم سمّنوا كلبا ليأكل بعضهم # و لو ظفروا بالحزم ما سمّن الكلب‏ (3)

و في المثل: «سمّن كلبك يأكلك» (4) .

و كان رجل من أهل الشام مع الحجّاج بن يوسف، و كان يحضر طعامه، فكتب إلى أهله يخبرهم بما هو فيه من الخصب، و أنه قد سمن فكتبت إليه امرأته: [من الطويل‏]

أ تهدي لي القرطاس و الخبز حاجتي # و أنت على باب الأمير بطين‏ (5)

____________

(1) الأبيات ليست في ديوان طرفة، و ليس في ديوانه قافية السين، و البيتان الثاني و الثالث في ثمار القلوب 314.

(2) انظر البيان 2/183.

(3) البيت لمالك بن أسماء في ثمار القلوب 315، (586) ، و بلا نسبة في الفاخر 70، و جمهرة الأمثال 1/525.

(4) المثل في مجمع الأمثال 1/333، و فصل المقال 419 و الفاخر 70، و فصل المقال 419، 489، و المستقصى 2/121، و جمهرة الأمثال 1/525.

(5) الأبيات مع الخبر في أمالي القالي 2/136، و الحماسة المغربية 1395، و بهجة المجالس 2/48.

126

إذا غبت لم تذكر صديقا و إن تقم # فأنت على ما في يديك ضنين

فأنت ككلب السّوء في جوع أهله # فيهزل أهل الكلب و هو سمين‏

و في المثل: «سمن كلب في جوع أهله» ، و ذلك أنه عند السّواف‏ (1) يصيب المال، و الإخداج‏ (2) يعرض للنّوق، يأكل الجيف فيسمن. و على أنه حارس محترس منه، و مؤنس شديد الإيحاش من نفسه، و أليف كثير الخيانة على إلفه. و إنما اقتنوه على أن ينذرهم بموضع السارق، و تركوا طرده لينبههم على مكان المبيّت. و هو أسرق من كل سارق، و أدوم جناية من ذلك المبيّت. و يدلّ على أنّه سروق عندهم، قول الشاعر: [من الطويل‏]

أفي أن سرى كلب فبيّت جلّة # و جبجبة للوطب ليلى تطلق‏ (3)

فهو سرّاق، و صاحب بيات، و هو نبّاش، و آكل لحوم النّاس. ألا إنّه يجمع سرقة الليل مع سرقة النّهار، ثم لا تجده أبدا يمشي في خزانة، أو مطبخ، أو عرصة دار، أو في طريق، أو في براريّ، أو في ظهر جبل، أو في بطن واد، إلاّ و خطمه في الأرض يتشمّم و يستروح، و إن كانت الأرض بيضاء حصّاء و دويّة ملساء، أو صخرة خلقاء؛ حرصا و جشعا، و شرها و طمعا (4) . نعم حتّى لا تجده أيضا يرى كلبا إلاّ اشتمّ استه، و لا يتشمّم غيرها منه، و لا تراه يرمى بحجر أيضا أبدا إلاّ رجع إليه فعضّ عليه؛ لأنّه لمّا كان لا يكاد يأكل إلاّ شيئا رموا به إليه صار ينسى لفرط شرهه و غلبة الجشع على طبعه، أنّ الرامي إنّما أراد عقره أو قتله، فيظنّ لذلك أنّه إنّما أراد إطعامه و الإحسان إليه. كذلك يخيّل إليه فرط النّهم و توهمه غلبة الشّره، و لكنّه رمى بنفسه على الناس عجزا و لؤما، و فسولة و نقصا (5) ، و خاف السباع و استوحش من الصّحارى.

و لمّا سمعوا بعض المفسّرين يقول في قوله تعالى: وَ اَلَّذِينَ فِي أَمْوََالِهِمْ حَقٌّ

____________

(1) السواف: الموتان في الإبل.

(2) أخدجت الناقة: أتت بولد ناقص.

(3) البيت بلا نسبة في اللسان (جبب) ، و الأساس (وطب) ، و الجمهرة 173، 1213، و تهذيب اللغة 10/513.

(4) نهاية الأرب 9/257.

(5) الفسولة: الفتور في الأمر.

127

مَعْلُومٌ. `لِلسََّائِلِ وَ اَلْمَحْرُومِ (1) إنّ المحروم هو الكلب‏ (2) ؛ و سمعوا في المثل:

«اصنعوا المعروف و لو إلى الكلب» (3) عطفوا عليه و اتّخذوه في الدّور. و على أنّ ذلك لا يكون إلاّ من سفلتهم و أغبيائهم، و من قلّ تقزّزه و كثر جهله، و ردّ الآثار إمّا جهلا و إمّا معاندة.

154-[حوار في الديك‏]

و أما الديك فمن بهائم الطير و بغاثها، و من كلولها و العيال على أربابها، و ليس من أحرارها و لا من عتاقها و جوارحها، و لا ممّا يطرب بصوته و يشجي بلحنه، كالقماريّ و الدّباسيّ‏ (4) و الشّفانين‏ (5) و الوراشين و البلابل و الفواخت، و لا ممّا يونق بمنظره و يمتع الأبصار حسنه، كالطواويس و التّدارج‏ (6) ، و لا مما يعجب بهدايته و يعقد الذمام بإلفه و نزاعه، و شدة أنسه و حنينه، و تريده بإرادته لك، و تعطف عليه لحبّه إياك، كالحمام، و لا هو أيضا من ذوات الطيران منها، فهو طائر لا يطير، و بهيمة لا يصيد، و لا هو أيضا مما يكون صيدا فيمتع من هذه الجهة و يراد لهذه اللّذة.

و الخفّاش أمرط، و هو جيّد الطيران، و الدّيك كاس و هو لا يطير. و أيّ شي‏ء أعجب من ذي ريش أرضيّ، و من ذي جلدة هوائيّ.

و أجمع الخلق لخصال الخير الإنسان، و ليس الزّواج إلاّ في الإنسان و في الطير، فلو كان الديك من غير الطير ثمّ كان ممن لا يزاوج، لقد كان قد منع هذه الفضيلة و عدم هذه المشاكلة الغريبة، و حرم هذا السّبب الكريم و الشّبه المحمود. فكيف و هو لا يزاوج، و هو من الطير الذي ليس الزواج و الإلف و ثبات العهد، و طلب الذرء و حبّ النّسل، و الرجوع إلى السكن و الحنين إلى الوطن-إلاّ له و للإنسان. و كلّ شي‏ء لا يزاوج فإنّما دخله النقص و خسر هذه الفضيلة من جهة واحدة، و قد دخل الديك النقص من جهتين. و وصف أبو الأخزر الحمّانيّ الحمار و عير العانة خاصّة، فإنّه أمثل في باب المعرفة من الأهليّ، فذكر كيف يضرب في الأتن، و وصف استبهامه عن طلب

____________

(1) . 19: الذاريات/51.

(2) ورد في تفسير ابن كثير 4/251 أن المقصود بالمحروم من لا مال له في المال؛ و لا كسب له و لا حرفة. أو الذي لا يسأل الناس شيئا. أو الذي ذهب ماله.

(3) المستقصى 1/212.

(4) الدباسي: طائر صغير من أنواع الحمام البري، قيل هو ذكر اليمام. حياة الحيوان 1/466.

(5) الشفنين: هو اليمام. حياة الحيوان 1/601.

(6) التدرج: طائر كالدراج يكون بأرض خراسان. حياة الحيوان 1/230.

128

الولد، و جهله بموضع الذّرء، و أنّ الولد لم يجئ منه عن طلب له، و لكن النّطفة البريئة من الأسقام، إذا لاقت الأرحام البريئة من الأسقام حدث النّتاج على الخلقة، و على ما سوّيت عليه البنية. و ذكر أنّ نزوه على الأتان، من شكل نزوه على العير، و إنّما ذلك على قدر ما يحضره من الشّبق، ثمّ لا يلتفت إلى دبر من قبل، و إلى ما يلقح من مثله ممّا لا يلقح فقال: [من الرجز]

لا مبتغي الضّن‏ء و لا بالعازل‏

يقول: هو لا يريد الولد و لا يعزل.

و الأشياء التي تألف الناس و لا تريد سواهم، و لا تحنّ إلى غيرهم، كالعصفور و الخطّاف و الكلب و السّنّور. و الدّيك لا يألف منزله و لا ربعه و لا ينازع إلى دجاجته و لا طروقته، و لا يحنّ إلى ولده، بل لم يدر قطّ أنّ له ولدا؛ و لو درى لكان على درايته دليل، فإذ قد وجدناه لبيضه و فراريجه الكائنة منه، كما نجده لما لم يلده و لما ليس من شكله و لا يرجع إلى نسبه، فكيف تعرف الأمور إلاّ بهذا و شبهه. و هو مع ذلك أبله لا يعرف أهل داره، و مبهوت لا يثبت وجه صاحبه، و هو لم يخلق إلاّ عنده و في ظلّه، و في طعامه و شرابه، و تحت جناحه.

و الكلب على ما فيه يعرف صاحبه، و هو و السّنّور يعرفان أسماءهما، و يألفان موضعهما، و إن طردا رجعا، و إن أجيعا صبرا، و إن أهينا احتملا.

و الديك يكون في الدار من لدن كان فرّوجا صغيرا إلى أن صار ديكا كبيرا، و هو إن خرج من باب الدار، أو سقط على حائط من حيطان الجيران. أو على موضع من المواضع، لم يعرف كيف الرّجوع، و إن كان يرى منزله قريبا، و سهل المطلب يسيرا، و لا يذكر و لا يتذكّر، و لا يهتدي و لا يتصوّر له كيف يكون الاهتداء، و لو حنّ لطلب، و لو احتاج لالتمس. و لو كان هذا الخبر في طباعه لظهر، و لكنّها طبيعة بلهاء مستبهمة، طامحة و ذاهلة، ثمّ يسفد الدّجاجة و لا يعرفها، هذا مع شدّة حاجته إليهنّ و حرصه على السّفاد، و الحاجة تفتق الحيلة، و تدلّ على المعرفة، إلاّ ما عليه الديك؛ فإنّه مع حرصه على السّفاد، لا يعرف التي يسفد، و لا يقصد إلى ولد، و لا يحضن بيضا و لا يعطفه رحم، فهو من هاهنا أحمق من الحبارى‏ (1) و أعقّ من الضبّ‏ (2) .

و قال عثمان بن عفّان رضي اللّه تعالى عنه: «كلّ شي‏ء يحبّ ولده حتى

____________

(1) من الأمثال في المستقصى 1/74، و الدرة الفاخرة 1/133.

(2) من الأمثال في المستقصى 1/250، و مجمع الأمثال 2/47، و جمهرة الأمثال 2/69.

129

الحبارى» (1) . فضرب بها المثل كما ترى في الموق و الغفلة، و في الجهل و البله.

و تقول العرب: «أعقّ من الضّبّ» ؛ لأنّه يأكل حسوله.

155-[أكل الهرة أولادها]

و كرم عند العرب حظّ الهرّة، لقولهم: أبرّ من هرّة (2) ، و أعقّ من ضبّ. فوجّهوا أكل الهرّة أولادها على شدّة الحبّ لها، و وجّهوا أكل الضبّ لها على شدّة البغض لها، و ليس ينجو منه شي‏ء منها إلاّ بشغله بأكل إخوته عنه، و ليس يحرسها ممّا يأكلها إلاّ ليأكلها. و لذلك قال العملّس بن عقيل، لأبيه عقيل بن علّفة: [من الوافر]

أكلت بنيك أكل الضّبّ حتّى # وجدت مرارة الكلأ الوبيل‏ (3)

فلو أنّ الألى كانوا شهودا # منعت فناء بيتك من بجيل‏

و قال أيضا: [من الوافر]

أكلت بنيك أكل الضّبّ حتّى # تركت بنيك ليس لهم عديد (4)

و شبّه السّيّد بن محمّد الحميريّ، عائشة رضي اللّه تعالى عنها في نصبها الحرب يوم الجمل لقتال بنيها، بالهرّة حين تأكل أولادها، فقال: [من السريع‏]

جاءت مع الأشقين في هودج # تزجي إلى البصرة أجنادها (5)

كأنّها في فعلها هرّة # تريد أن تأكل أولادها

156-[رعاية الذئبة لولد الضبع‏]

و تقول العرب أيضا: «أحمق من جهيزة» (6) ، و هي عرس الذئب؛ لأنّها تدع ولدها و ترضع ولد الضبع.

____________

(1) من الأمثال في مجمع الأمثال 2/146، و المستقصى 2/227.

(2) مجمع الأمثال 1/116، و الدرة الفاخرة 1/75، 82، و المستقصى 1/17، و جمهرة الأمثال 1/204، 243.

(3) البيتان لعملس بن عقيل أو لأرطأة بن سهية في نوادر المخطوطات 1/359، (العققة) ، و لأرطأة ابن سهية في الأغاني 12/269.

(4) العقد الفريد 6/49.

(5) البيتان في ديوانه 173.

(6) مجمع الأمثال 1/218، و جمهرة الأمثال 1/393، و الدرة الفاخرة 1/133، 151، و المستقصى 1/77.

130

قال: و هذا معنى قول ابن جذل الطّعان. [من الطويل‏]

كمرضعة أولاد أخرى و ضيّعت # بنيها فلم ترقع بذلك مرقعا (1)

157-[رعاية الذئب لولد الضبع‏]

و يقولون: إنّ الضبع إذا صيدت أو قتلت، فإنّ الذئب يأتي أولادها باللحم.

و أنشد الكميت: [من الطويل‏]

كما خامرت في حضنها أمّ عامر # لذي الحبل حتى عال أوس عيالها (2)

و أوس هو الذئب. و قال في ذلك: [من مجزوء الكامل‏]

في كلّ يوم من ذؤاله # ضغث يزيد على إباله‏ (3)

فلأحشأنّك مشقصا # أوسا أويس من الهباله‏

الأوس: الإعطاء، و أويس هو الذئب. و قال في ذلك الهذليّ: [من الرجز]

يا ليت شعري عنك و الأمر أمم # ما فعل اليوم أويس في الغنم‏ (4)

و قال أميّة بن أبي الصّلت: [من الكامل‏]

و أبو اليتامى كان يحسن أوسهم # و يحوطهم في كلّ عام جامد (5)

158-[حمق بعض الطيور]

و يقولون: «أحمق من نعامة» (6) كما يقولون: «أشرد من نعامة» (7) قالوا ذلك

____________

(1) البيت لابن جذل الطعان في اللسان و التاج (جهز) ، و ثمار القلوب 313، و الحماسة البصرية 1/65، و المعاني الكبير 212.

(2) ديوان الكميت 2/80، و اللسان و التاج (جهز، عول، حضن) ، و المستقصى 1/77، و تهذيب اللغة 3/196، 6/35، 13/137، و عيون الأخبار 2/79، و بلا نسبة في اللسان و التاج (أوس) .

(3) البيتان لأسماء بن خارجة في اللسان و التاج (حشأ، أوس، إبل، ذأل، هبل) ، و بلا نسبة في المخصص 8/66، و تهذيب اللغة 5/138. و في البيت الأول مثل، هو «ضغث على إبالة» ، و هو في جمهرة الأمثال 2/6، و المستقصى 2/148، و مجمع الأمثال 1/419، و الأمثال لابن سلام 264.

(4) الرجز لعمرو ذي الكلب الهذلي في شرح أشعار الهذليين 575، و اللسان و التاج (لجب، مرخ، رخم، عمم) ، و للهذلي في اللسان و التاج (أوس) ، و بلا نسبة في المخصص 8/66، و الجمهرة 238، و المقاييس 1/157.

(5) ديوان أمية بن أبي الصلت 384.

(6) الدرة الفاخرة 1/152، و المستقصى 1/85، و مجمع الأمثال 1/225، و فصل المقال 1/417، و جمهرة الأمثال 1/312، 343، 394.

(7) لم أجده في كتب الأمثال، بل وجدت «أشرد من ظليم» و هذا المثل في المستقصى 1/195، و الدرة الفاخرة 1/236، و جمهرة الأمثال 1/538.

131

لأنّها تدع الحضن على بيضها ساعة الحاجة إلى الطّعم، فإن هي في خروجها ذلك رأت بيض أخرى قد خرجت للطّعم، حضنت بيضها و نسيت بيض نفسها، و لعلّ تلك أن تصاد فلا ترجع إلى بيضها بالعراء حتّى تهلك. قالوا: و لذلك قال ابن هرمة:

[من المتقارب‏]

فإنّي و تركي ندى الأكرمين # و قدحي بكفّي زندا شحاحا (1)

كتاركة بيضها بالعراء # و ملبسة بيض أخرى جناحا

و قد تحضن الحمام على بيض الدّجاج، و تحضن الدّجاجة بيض الطاوس، فأمّا أن يدع بيضه و يحضن بيض الدّجاجة، أو تدع الدجاجة بيضها و تحضن بيض الطاوس فلا. فأمّا فرّوج الدّجاجة إذا خرج من تحت الحمامة؛ فإنّه يكون أكيس‏ (2) . و أمّا الطاوس الذي يخرج من تحت الدّجاجة فيكون أقلّ حسنا و أبغض صوتا.

159-[الفرخ و الفروج‏]

و كلّ بيضة في الأرض فإنّ اسم الذي فيها و الذي يخرج منها فرخ، إلاّ بيض الدّجاج فإنّه يسمى فرّوجا. و لا يسمّى فرخا، إلاّ أن الشعراء يجعلون الفرّوج فرخا على التوسّع في الكلام. و يجوّزون في الشعر أشياء لا يجوّزونها في غير الشعر، قال الشاعر: [من الطويل‏]

لعمري لأصوات المكاكيّ بالضّحى # و سود تداعى بالعشيّ نواعبه‏ (3)

أحبّ إلينا من فراخ دجاجة # و من ديك أنباط تنوس غباغبه‏

و قال الشمّاخ بن ضرار: [من الوافر]

ألا من مبلغ خاقان عنّي # تأمّل حين يضربك الشّتاء (4)

فتجعل في جنابك من صغير # و من شيخ أضرّ به الفناء

فراخ دجاجة يتبعن ديكا # يلذن به إذا حمس الوغاء

____________

(1) البيتان في ديوان إبراهيم بن هرمة 87، و الحماسة الشجرية 269، و حماسة البحتري 70، و الحماسة البصرية 2/277، و شرح الحماسة للمرزوقي 737، و عيون الأخبار 2/102، و اللسان (شحح، جهز، هنبق) .

(2) ربيع الأبرار 5/444.

(3) ورد البيت الثاني بلا نسبة في المخصص 8/167.

(4) ديوان الشماخ بن ضرار 427.

132

160-[حوار في الكلب و الديك‏]

فإن قلت: و أيّ شي‏ء بلغ من قدر الكلب و فضيلة الديك، حتّى يتفرّغ لذكر محاسنهما و مساويهما، و الموازنة بينهما و التنوية بذكرهما، شيخان من علية المتكلّمين، و من الجلة المتقدّمين. و على أنّهما متى أبرما هذا الحكم و أفصحا بهذه القضيّة، صار بهذا التدبير بهما حظّ و حكمة و فضيلة و ديانة، و قلدهما كلّ من هو دونهما، و سيعود ذلك عذرا لهما إذا رأيتهما يوازيان بين الذّبّان و بنات وردان، و بين الخنافس و الجعلان، و بين جميع أجناس الهمج و أصناف الحشرات، و الخشاش، حتّى البعوض و الفراش و الديدان و القردان‏ (1) فإن جاز هذا في الرأي و تمّ عليه العمل، صار هذا الضّرب من النظر عوضا من النّظر في التوحيد، و صار هذا الشكل من التمييز خلفا من التعديل و التجوير، و سقط القول في الوعد و الوعيد، و نسي القياس و الحكم في الاسم، و بطل الردّ على أهل الملل، و الموازنة بين جميع النّحل، و النظر في مراشد الناس و مصالحهم، و في منافعهم و مرافقهم؛ لأنّ قلوبهم لا تتّسع للجميع، و ألسنتهم لا تنطلق بالكلّ. و إنّما الرأي أن تبدأ من الفتق بالأعظم، و الأخوف فالأخوف.

و قلت: و هذا باب من أبواب الفراغ و شكل من أشكال التطرّف و طريق من طرق المزاح، و سبيل من سبل المضاحك. و رجال الجدّ غير رجال الهزل، و قد يحسن بالشّباب و يقبح مثله من الشيوخ، و لو لا التحصيل و الموازنة، و الإبقاء على الأدب، و الدّيانة بشدّة المحاسبة، لما قالوا: لكلّ مقام مقال‏ (2) ، و لكلّ زمان رجال‏ (3) ، و لكلّ ساقطة لاقطة (4) ، و لكلّ طعام أكلة (5) .

161-[تنوع الملكات و قوتها و ضرورة ظهورها]

قد زعم أناس أنّ كلّ إنسان فيه آلة لمرفق من المرافق، و أداة لمنفعة من المنافع، و لا بدّ لتلك الطبيعة من حركة و إن أبطأت، و لا بدّ لذلك الكامن من ظهور، فإن أمكنه ذلك بعثه، و إلاّ سرى إليه كما يسري السمّ في البدن، و نمى كما ينمي العرق، كما أنّ البزور البرّيّة، و الحبّة الوحشيّة الكامنة في أرحام الأرضين، لا بدّ لها من حركة

____________

(1) القردان: جمع قراد، و هو دويبة تنتشر في أعطان الإبل. اللسان: قرد.

(2) مجمع الأمثال 2/198، و المستقصى 2/293، و الفاخر 314.

(3) في مجمع الأمثال 2/202 «لكل دهر رجال» .

(4) مجمع الأمثال 2/193، و فصل المقال 23، و المستقصى 2/292، و الفاخر 109.

(5) لم أجده في كتب الأمثال، بل وجدت: «لكل غد طعام» في مجمع الأمثال 2/202.

133

عند زمان الحركة، و من التفتّق و الانتشار في إبّان الانتشار. و إذا صارت الأمطار لتلك الأرحام كالنّطفة، و كان بعض الأرض كالأم الغاذية فلا بدّ لكلّ ثدي قويّ أن يظهر قوّته، كما قال الأوّل: [من الطويل‏]

و لا بدّ للمصدور يوما من النّفث‏ (1)

و قال: [من الطويل‏]

و لا بدّ من شكوى إذا لم يكن صبر (2)

و لذلك صار طلب الحساب أخفّ على بعضهم، و طلب الطّبّ أحبّ إلى بعضهم. و كذلك النّزاع إلى الهندسة، و شغف أهل النّجوم بالنّجوم. و كذلك أيضا ربّما تحرّك له بعد الكبرة، و صرف رغبته إليه بعد الكهولة، على قدر قوّة العرق في بدنه، و على قدر الشّواغل له و ما يعترض عليه، فتجد واحدا يلهج بطلب الغناء و اللحون، و آخر يلهج بشهوة القتال، حتى يكتتب مع الجند، و آخر يختار أن يكون ورّاقا، و آخر يختار طلب الملك، و تجد حرصهم على قدر العلل الباطنة المحرّكة لهم، ثمّ لا تدري كيف عرض لهذا هذا السّبب دون الآخر إلاّ بجملة من القول، و لا تجد المختار لبعض هذه الصناعات على بعض يعلم لم اختار ذلك في جملة و لا تفسير، إذ كان لم يجر منه على عرق، و لا اختاره على إرث.

162-[من سار على غير طبعه‏]

و ليس العجب من رجل في طباعه سبب يصل بينه و بين بعض الأمور و يحرّكه في بعض الجهات، و لكنّ العجب ممّن يموت مغنّيا و هو لا طبع له في معرفة الوزن، و ليس له جرم حسن‏ (3) ، فيكون إن فاته أن يكون معلّما و مغنّي خاصّة أن يكون مطربا و مغنّي عامّة، و آخر قد مات أن يذكر بالجود، و أن يسخّى على الطعام، و هو أبخل الخلق طبعا. فتراه كلفا باتّخاذ الطيّبات و مستهترا بالتكثير منها. ثمّ هو أبدا مفتضح و أبدا منتقض الطباع، ظاهر الخطأ، سيّئ الجزع عند مؤاكلة من كان هو الداعي له، و المرسل إليه، و العارف مقدار لقمه و نهاية أكله.

فإن زعمتم أنّ كلّ واحد من هؤلاء إنّما هو رهن بأسبابه. و أسير في أيدي علله،

____________

(1) مجمع الأمثال 2/241.

(2) عجز بيت لمالك بن حذيفة في حماسة البحتري 197، و صدره: (و ما كثرة الشكوى بأمر حزامة) ، و البيت بلا نسبة في البيان 3/220، 4/63، و عجزه في رسائل الجاحظ 1/144.

(3) الجرم: الصوت أو الحلق.

134

عذرتم جميع اللئام و جميع المقصّرين، و جميع الفاسقين و الضالّين. و إن كان الأمر إلى التمكين دون التسخير. أ فليس من أعجب العجب و من أسوأ التقدير التمثيل بين الدّيكة و الكلاب.

قد عرفنا قولك، و فهمنا مذهبك.

فأما قولك: «و ما بلغ من خطر الديك و قدر الكلب» فإنّ هذا و نحوه كلام عبد لم يفهم عن ربّه، و لم يعقل عن سيّده، إلاّ بقدر فهم العامّة أو الطبقة التي تلي العامّة.

كأنّك، فهّمك اللّه تعالى، تظن أنّ خلق الحيّة و العقرب، و التدبير في خلق الفراش و الذباب، و الحكمة في خلق الذئاب و الأسد و كلّ مبغّض إليك أو محقّر عندك، أو مسخّر لك أو واثب عليك، أنّ التدبير فيه مختلف أو ناقص، و أنّ الحكمة فيه صغيرة أو ممزوجة.

163-[امتزاج الخير بالشر من مصلحة الكون‏]

اعلم أنّ المصلحة في أمر ابتداء الدنيا إلى انقضاء مدّتها امتزاج الخير بالشرّ، و الضارّ بالنافع، و المكروه بالسارّ، و الضّعة بالرّفعة، و الكثرة بالقلّة. و لو كان الشرّ صرفا هلك الخلق، أو كان الخير محضا سقطت المحنة و تقطّعت أسباب الفكرة، و مع عدم الفكرة يكون عدم الحكمة، و متى ذهب التخيير ذهب التمييز، و لم يكن للعالم تثبّت و توقّف و تعلّم، و لم يكن علم، و لا يعرف باب التبيّن، و لا دفع مضرة، و لا اجتلاب منفعة، و لا صبر على مكروه و لا شكر على محبوب، و لا تفاضل في بيان، و لا تنافس في درجة، و بطلت فرحة الظّفر و عزّ الغلبة، و لم يكن على ظهرها محقّ يجد عزّ الحق، و مبطل يجد ذلّة الباطل، و موقن يجد برد اليقين، و شاكّ يجد نقص الحيرة و كرب الوجوم؛ و لم تكن للنفوس آمال و لم تتشعّبها الأطماع. و من لم يعرف كيف الطّمع لم يعرف اليأس، و من جهل اليأس جهل الأمن، و عادت الحال من الملائكة الذين هم صفوة الخلق، و من الإنس الذين فيهم الأنبياء و الأولياء، إلى حال السبع و البهيمة، و إلى حال الغباوة و البلادة، و إلى حال النجوم في السّخرة؛ فإنها أنقص من حال البهائم في الرّتعة. و من هذا الذي يسرّه أن يكون الشمس و القمر و النّار و الثلج، أو برجا من البروج أو قطعة من الغيم؛ أو يكون المجرّة بأسرها، أو مكيالا من الماء أو مقدارا من الهواء؟!و كلّ شي‏ء في العالم فإنما هو للإنسان و لكلّ مختبر و مختار، و لأهل العقول و الاستطاعة، و لأهل التبيّن و الرويّة.

135

و أين تقع لذّة البهيمة بالعلوفة، و لذّة السبع بلطع الدّم و أكل اللحم-من سرور الظّفر بالأعداء؛ و من انفتاح باب العلم بعد إدمان القرع؟و أين ذلك من سرور السّودد و من عزّ الرئاسة؟و أين ذلك من حال النّبوّة و الخلافة، و من عزّهما و ساطع نورهما.

و أين تقع لذّة درك الحواسّ الذي هو ملاقاة المطعم و المشرب، و ملاقاة الصوت المطرب و اللّون المونق، و الملمسة الليّنة-من السرور بنفاذ الأمر و النّهي، و بجواز التوقيع، و بما يوجب الخاتم من الطاعة و يلزم من الحجّة؟!.

و لو استوت الأمور بطل التمييز، و إذا لم تكن كلفة لم تكن مثوبة، و لو كان ذلك لبطلت ثمرة التوكّل على اللّه تعالى، و اليقين بأنّه الوزر و الحافظ، و الكالئ و الدافع، و أنّ الذي يحاسبك أجود الأجودين، و أرحم الراحمين، و أنه الذي يقبل اليسير و يهب الكثير، و لا يهلك عليه إلاّ هالك. و لو كان الأمر على ما يشتهيه الغرير و الجاهل بعواقب الأمور، لبطل النّظر و ما يشحذ عليه‏ (1) ، و ما يدعو إليه، و لتعطّلت الأرواح من معانيها، و العقول من ثمارها، و لعدمت الأشياء حظوظها و حقوقها.

فسبحان من جعل منافعها نعمة، و مضارّها ترجع إلى أعظم المنافع، و قسّمها بين ملذّ و مؤلم، و بين مؤنس و موحش، و بين صغير حقير و جليل كبير، و بين عدوّ يرصدك و بين عقيل يحرسك، و بين مسالم يمنعك، و بين معين يعضدك، و جعل في الجميع تمام المصلحة، و باجتماعها تتمّ النعمة، و في بطلان واحد منها بطلان الجميع، قياسا قائما و برهانا واضحا. فإنّ الجميع إنّما هو واحد ضمّ إلى واحد و واحد ضمّ إليهما، و لأن الكلّ أبعاض، و لأنّ كلّ جثّة فمن أجزاء، فإذا جوّزت رفع واحد و الآخر مثله في الوزن و له مثل علّته و حظّه و نصيبه، فقد جوّزت رفع الجميع؛ لأنّه ليس الأول بأحقّ من الثاني في الوقت الذي رجوت فيه إبطال الأوّل، و الثاني كذلك و الثالث و الرابع، حتّى تأتي على الكلّ و تستفرغ الجميع. كذلك الأمور المضمّنة و الأسباب المقيّدة؛ أ لا ترى أنّ الجبل ليس بأدلّ على اللّه تعالى من الحصاة، و ليس الطاوس المستحسن بأدلّ على اللّه تعالى من الخنزير المستقبح. و النار و الثلج و إن اختلفا في جهة البرودة و السّخونة، فإنّهما لم يختلفا في جهة البرهان و الدّلالة.

و أظنّك ممّن يرى أنّ الطاوس أكرم على اللّه تعالى من الغراب، و أن التّدرج‏ (2)

____________

(1) شحذته: سقته سوقا شديدا. اللسان: شحذ.

(2) التدرج: طائر كالدراج يغرد في البساتين بأصوات طيبة، يكون بأرض خراسان، حياة الحيوان 1/230.

136

أعزّ على اللّه تعالى من الحدأة، و أنّ الغزال أحبّ إلى اللّه تعالى من الذئب. فإنّما هذه أمور فرّقها اللّه تعالى في عيون الناس، و ميّزها في طبائع العباد، فجعل بعضها بهم أقرب شبها، و جعل بعضها إنسيّا، و جعل بعضها وحشيّا، و بعضها غاذيا، و بعضها قاتلا. و كذلك الدّرّة و الخرزة و التمرة و الجمرة.

فلا تذهب إلى ما تريك العين و اذهب إلى ما يريك العقل.

164-[الحكم الظاهر و الحكم الباطن‏]

و للأمور حكمان: حكم ظاهر للحواس، و حكم باطن للعقول. و العقل هو الحجّة. و قد علمنا أنّ خزنة النار من الملائكة، ليسوا بدون خزنة الجنّة؛ و أنّ ملك الموت ليس بدون ملك السّحاب، و إن أتانا بالغيث و جلب الحياء (1) ؛ و جبريل الذي ينزل بالعذاب، ليس بدون ميكائيل الذي ينزل بالرحمة؛ و إنّما الاختلاف في المطيع و العاصي، و في طبقات ذلك و مواضعه. و الاختلاف بين أصحابنا أنّهم إذا استووا في المعاصي استووا في العقاب، و إذا استووا في الطاعة استووا في الثواب، و إذا استووا في عدم الطاعة و المعصية استووا في التفضل. هذا هو أصل المقالة، و القطب الذي تدور عليه الرحى.

165-[التين و الزيتون‏]

و قد قال اللّه عزّ و جلّ: وَ اَلتِّينِ وَ اَلزَّيْتُونِ (2) فزعم زيد بن أسلم أنّ التّين دمشق، و الزيتون فلسطين‏ (3) . و للغالية في هذا تأويل أرغب بالعترة عنه و ذكره. و قد أخرج اللّه تبارك و تعالى الكلام مخرج القسم. و ما تعرف دمشق إلاّ بدمشق، و لا فلسطين إلاّ بفلسطين. فإن كنت إنّما تقف من ذكر التين على مقدار طعم يابسه و رطبه، و على الاكتنان بورقه و أغصانه، و الوقود بعيدانه، و أنّه نافع لصاحب السّلّ، و هو غذاء قويّ و يصلح في مواضع من الدواء، و في الأضمدة، و أنّه ليس شي‏ء حلو إلاّ و هو ضارّ بالأسنان غيره، و أنّه عند أهل الكتاب الشّجرة التي أكل منها آدم عليه السلام، و بورقها ستر السّوءة عند نزول العقوبة، و أنّ صاحب البواسير يأكله ليزلق عنه الثفل، و يسهل عليه مخرج الزّبل؛ و تقف من الزيتون على زيته و الاصطباح به، و على

____________

(1) الحياء: الخصب و المطر.

(2) . 1: التين/95.

(3) تفسير ابن كثير 4/563.

137

التأدّم بهما و الوقود بشجرهما، و ما أشبه ذلك من أمرهما-فقد أسأت ظنّا بالقرآن، و جهلت فضل التأويل. و ليس لهذا المقدار عظّمهما اللّه عزّ و جلّ، و أقسم بهما و نوّه بذكرهما.

166-[التأمل في جناح البعوضة]

و لو وقفت على جناح بعوضة وقوف معتبر، و تأمّلته تأمّل متفكّر بعد أن تكون ثاقب النّظر سليم الآلة، غوّاصا على المعاني، لا يعتريك من الخواطر إلاّ على حسب صحّة عقلك، و لا من الشواغل إلاّ ما زاد في نشاطك، لملأت ممّا توجدك العبرة من غرائب الطوامير الطّوال، و الجلود الواسعة الكبار، و لرأيت أنّ له من كثرة التصرّف في الأعاجيب، و من تقلّبه في طبقات الحكمة، و لرأيت له من الغزر و الرّيع، و من الحلب و الدّرّ و لتبجّس عليك من كوامن المعاني و دفائنها، و من خفيّات الحكم و ينابيع العلم، ما لا يشتدّ معه تعجّبك ممّن وقف على ما في الدّيك من الخصال العجيبة، و في الكلب من الأمور الغريبة، و من أصناف المنافع، و فنون المرافق؛ و ما فيهما من المحن الشّداد، و مع ما أودعا من المعرفة، التي متى تجلّت لك تصاغر عندك كبير ما تستعظم، و قلّ في عينك كثير ما تستكثر. كأنّك تظنّ أنّ شيئا و إن حسن عندك في ثمنه و منظره، أنّ الحكمة التي هي في خلقه إنّما هي على مقدار ثمنه و منظره.

167-[كلمات اللّه‏]

و قد قال اللّه تعالى: وَ لَوْ أَنَّ مََا فِي اَلْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلاََمٌ وَ اَلْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مََا نَفِدَتْ كَلِمََاتُ اَللََّهِ (1) و الكلمات في هذا الموضع، ليس يريد بها القول و الكلام المؤلّف من الحروف، و إنّما يريد النّعم و الأعاجيب، و الصفات و ما أشبه ذلك، فإنّ كلاّ من هذه الفنون لو وقف عليه رجل رقيق اللسان صافي الذهن، صحيح الفكر تامّ الأداة، لما برح أن تحسره المعاني و تغمره الحكم.

168-[الموازنة و المقابلة بين نوعين‏]

و قد قال المتكلمون و الرؤساء و الجلّة العظماء في التمثيل بين الملائكة و المؤمنين، و في فرق ما بين الجنّ و الإنس. و طباع الجنّ أبعد من طباع الإنس، و من طباع الديك، و من طباع الكلب. و إنّما ذهبوا إلى الطاعة و المعصية. و يخيّل إليّ أنك لو كنت سمعتهما يمثّلان ما بين التّدرج و الطاوس، لما اشتدّ تعجّبك. و نحن نرى أنّ

____________

(1) . 27: لقمان/31.

138

تمثيل ما بين خصال الدّرّة و الحمامة، و الفيل و البعير، و الثّعلب و الذيب أعجب، و لسنا نعني أنّ للدّرّة ما للطاوس من حسن ذلك الريش و تلاوينه و تعاريجه، و لا أنّ لها غناء الفرس في الحرب و الدّفع عن الحريم؛ لكنّا إذا أردنا مواضع التدبير العجيب من الخلق الخسيس، و الحسّ اللطيف من الشي‏ء السخيف، و النّظر في العواقب من الخلق الخارج من حدود الإنس و الجنّ و الملائكة، لم نذهب إلى ضخم البدن و عظم الحجم، و لا إلى المنظر الحسن و لا إلى كثرة الثمن. و في القرد أعاجيب و في الدّبّ أعاجيب، و ليس فيهما كبير مرفق إلاّ بقدر ما تتكسّب به أصحاب القردة، و إنما قصدنا إلى شيئين يشيع القول فيهما، و يكثر الاعتبار ممّا يستخرج العلماء من خفيّ أمرهما. و لو جمعنا بين الدّيك و بين بعض ما ذكرت، و بين الكلب و بين بعض ما وصفت، لانقطع القول قبل أن يبلغ حدّ الموازنة و المقابلة.

و قد ذكرت أنّ بعض ما دعاك إلى الإنكار عليهما و التعجّب من أمرهما، سقوط قدر الكلب و نذالته، و بله الدّيك و غباوته، و أنّ الكلب لا بهيمة تامّة و لا سبع تامّ، و ما كان ليخرجه من شي‏ء من حدود الكلاب إلى حدود الناس، مقدار ما هو عليه من الأنس بهم، فقد يكون في الشي‏ء بعض الشبه من شي‏ء و لا يكون ذلك مخرجا لهما من أحكامهما و حدودهما.

169-[تشبيه الإنسان بالقمر و الشمس و نحوهما]

و قد يشبّه الشعراء و العلماء و البلغاء الإنسان بالقمر و الشمس، و الغيث و البحر، و بالأسد و السيف، و بالحيّة و بالنّجم، و لا يخرجونه بهذه المعاني إلى حدّ الإنسان.

و إذا ذمّوا قالوا: هو الكلب و الخنزير، و هو القرد و الحمار، و هو الثور، و هو التّيس، و هو الذيب، و هو العقرب، و هو الجعل، و هو القرنبى؛ ثم لا يدخلون هذه الأشياء في حدود الناس و لا أسمائهم، و لا يخرجون بذلك الإنسان إلى هذه الحدود و هذه الأسماء. و سمّوا الجارية غزالا، و سمّوها أيضا خشفا، و مهرة، و فاختة، و حمامة، و زهرة، و قضيبا، و خيزرانا، على ذلك المعنى. و صنعوا مثل ذلك بالبروج و الكواكب، فذكروا الأسد و الثور، و الحمل و الجدي، و العقرب و الحوت، و سمّوها بالقوس و السّنبلة و الميزان، و غيرها. و قال في ذلك ابن عسلة الشيبانيّ: [من الكامل‏]

فصحوت و النّمريّ يحسبها # عمّ السّماك و خالة النّجم‏

و يروى عن النبيّ صلى اللّه عليه و سلم أنه قال: «نعمت العمة لكم النّخلة خلقت من فضلة

139

طينة آدم» (1) و هذا الكلام صحيح المعنى، لا يعيبه إلاّ من لا يعرف مجاز الكلام.

و ليس هذا ممّا يطّرد لنا أن نقيسه، و إنّما نقدم على ما أقدموا، و نحجم عمّا أحجموا، و ننتهي إلى حيث انتهوا.

و نراهم يسمّون الرجل جملا و لا يسمّونه بعيرا، و لا يسمّون المرأة ناقة؛ و يسمّون الرجل ثورا و لا يسمّون المرأة بقرة، و يسمّون الرجل حمارا و لا يسمون المرأة أتانا؛ و يسمّون المرأة نعجة و لا يسمّونها شاة. و هم لا يضعون نعجة اسما مقطوعا، و لا يجعلون ذلك علامة مثل زيد و عمرو، و يسمّون المرأة عنزا.

170-[تسمية الإنسان بالعالم الأصغر]

أ و ما علمت أنّ الإنسان الذي خلقت السموات و الأرض و ما بينهما من أجله كما قال عزّ و جلّ: سَخَّرَ لَكُمْ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ (2) إنّما سمّوه العالم الصغير سليل العالم الكبير، لما وجدوا فيه من جمع أشكال ما في العالم الكبير، و وجدنا له الحواسّ الخمس و وجدوا فيه المحسوسات الخمس، و وجدوه يأكل اللّحم و الحبّ، و يجمع بين ما تقتاته البهيمة و السبع، و وجدوا فيه صولة الجمل و وثوب الأسد، و غدر الذئب، و روغان الثعلب، و جبن الصّفرد (3) ، و جمع الذّرّة، و صنعة السّرفة (4) وجود الدّيك، و إلف الكلب، و اهتداء الحمام. و ربّما وجدوا فيه ممّا في البهائم و السباع خلقين أو ثلاثة، و لا يبلغ أن يكون جملا بأن يكون فيه اهتداؤه و غيرته، و صولته و حقده، و صبره على حمل الثّقل، و لا يلزم شبه الذئب بقدر ما يتهيّأ فيه من مثل غدره و مكره، و استرواحه و توحّشه، و شدّة نكره. كما أن الرجل يصيب الرأي الغامض المرّة و المرّتين و الثّلاث، و لا يبلغ ذلك المقدار أن يقال له داهية و ذو نكراء أو صاحب بزلاء، و كما يخطئ الرجل فيفحش خطاؤه في المرّة و المرّتين و الثلاث، فلا يبلغ الأمر به أن يقال له غبيّ و أبله و منقوص.

و سمّوه العالم الصغير لأنّهم وجدوه يصوّر كلّ شي‏ء بيده، و يحكي كلّ صوت بفمه‏ (5) . و قالوا: و لأنّ أعضاءه مقسومة على البروج الاثني عشر و النجوم السبعة، و فيه

____________

(1) الحديث في النهاية 3/303.

(2) . 13: الجاثية/45.

(3) الصفرد: طائر من خساس الطير تسميه العامة أبا مليح، حياة الحيوان 1/618.

(4) السرفة: دويبة سوداء الرأس و سائرها أحمر، تتخذ لنفسها بيتا مربعا من دقائق العيدان، تضم بعضها إلى بعض بلعابها على مثال الناوس ثم تدخل فيه و تموت. حياة الحيوان 1/555.

(5) البيان و التبيين 1/70.

140

الصفراء و هي من نتاج النار، و فيه السوداء و هي من نتاج الأرض، و فيه الدّم و هو من نتاج الهواء، و فيه البلغم و هو من نتاج الماء. و على طبائعه الأربع وضعت الأوتاد الأربعة. فجعلوه العالم الصغير، إذ كان فيه جميع أجزائه و أخلاطه و طبائعه. أ لا ترى أنّ فيه طبائع الغضب و الرضا، و آلة اليقين و الشكّ، و الاعتقاد و الوقف و فيه طبائع الفطنة و الغباوة، و السلامة و المكر، و النصيحة و الغشّ، و الوفاء و الغدر، و الرياء و الإخلاص، و الحبّ و البغض، و الجدّ و الهزل، و البخل و الجود، و الاقتصاد و السّرف، و التواضع و الكبر، و الأنس و الوحشة، و الفكرة و الإمهال، و التمييز و الخبط، و الجبن و الشجاعة، و الحزم و الإضاعة، و التبذير و التقتير، و التبذل و التعزز، و الادّخار و التوكّل، و القناعة و الحرص، و الرغبة و الزّهد، و السّخط و الرّضا، و الصبر و الجزع، و الذّكر و النسيان، و الخوف و الرجاء، و الطّمع و اليأس، و التنزّه و الطبع، و الشكّ و اليقين، و الحياء و القحة، و الكتمان و الإشاعة، و الإقرار و الإنكار، و العلم و الجهل، و الظلم و الإنصاف، و الطلب و الهرب، و الحقد و سرعة الرضا، و الحدّة و بعد الغضب، و السّرور و الهمّ، و اللّذّة و الألم، و التأميل و التمنّي، و الإصرار و النّدم، و الجماح و البدوات، و العيّ و البلاغة، و النّطق و الخرس، و التصميم و التوقف، و التغافل و التفاطن، و العفو و المكافأة، و الاستطاعة و الطبيعة، و ما لا يحصى عدده، و لا يعرف حدّه.

فالكلب سبع و إن كان بالناس أنيسا، و لا تخرجه الخصلة و الخصلتان ممّا قارب بعض طبائع الناس، إلى أن يخرجه من الكلبيّة. قال: و كذلك الجميع. و قد عرفت شبه باطن الكلب بباطن الإنسان، و شبه ظاهر القرد بظاهر الإنسان: ترى ذلك في طرفه و تغميض عينه، و في ضحكه و في حكايته، و في كفّه و أصابعه، و في رفعها و وضعها، و كيف يتناول بها، و كيف يجهز اللّقمة إلى فيه و كيف يكسر الجوز و يستخرج لبّه و كيف يلقن كل ما أخذ به و أعيد عليه، و أنّه من بين جميع الحيوان إذا سقط في الماء غرق مثل الإنسان، و مع اجتماع أسباب المعرفة فيه يغرق، إلاّ أن يكتسب معرفة السباحة، و إن كان طبعه أوفى و أكمل فهو من هاهنا أنقص و أكلّ. و كلّ شي‏ء فهو يسبح من جميع الحيوانات، ممّا يوصف بالمعرفة و الفطنة، و ممّا يوصف بالغباوة و البلادة؛ و ليس يصير القرد بذلك المقدار من المقاربة إلى أن يخرج من بعض حدود القرود إلى حدود الإنسان.

171-[عود إلى الحوار في شأن الكلب و الديك‏]

و زعمت أنّ ممّا يمنع من التمثيل بين الديك و الكلب أنّه حارس محترس منه.

و كلّ حارس من الناس فهو حارس غير مأمون تبدّله. ـ

141

و لقد سأل زياد ليلة من الليالي: من على شرطتكم؟قالوا: بلج بن نشبة الجشميّ. فقال: [من الطويل‏]

و ساع مع السلطان يسعى عليهم # و محترس من مثله و هو حارس‏

و يقال: إن الشاعر قال هذا الشعر في الفلافس النّهشليّ، حين ولي شرطة الحارث بن عبد اللّه فقال: [من الطويل‏]

أقلّي عليّ اللوم يا ابنة مالك # و ذمّي زمانا ساد فيه الفلافس‏ (1)

و ساع مع السلطان يسعى عليهم # و محترس من مثله و هو حارس‏

و ليس يحكم لصغار المضارّ على كبارها بل الحكم للغامر على المغمور و القاهر على المقهور. و لو قد حكينا ما ذكر هذا الشّيخ من خصال الكلب و ذكر صاحبه من خصال الديك، أيقنت أنّ العجلة من عمل الشيطان، و أنّ العجب بئس الصاحب.

و قلت: و ما يبلغ من قدر الكلب و من مقدار الديك، أن يتفرّغ لهما شيخان من جلّة المعتزلة، و هم أشراف أهل الحكمة؛ فأيّ شي‏ء بلغ، غفر اللّه تعالى لك، من قدر جزء لا يتجزّأ من رمل عالج، و الجزء الأقلّ من أوّل قطع الذّرّة للمكان السحيق، و الصحيفة التي لا عمق لها، و لأيّ شي‏ء يعنون بذلك، و ما يبلغ من ثمنه و قدر حجمه، حتّى يتفرّغ للجدال فيه الشّيوخ الجلّة، و الكهول العلية، و حتّى يختاروا النّظر فيه على التسبيح و التهليل، و قراءة القرآن و طول الانتصاب في الصلاة؛ و حتّى يزعم أهله أنّه فوق الحجّ و الجهاد، و فوق كل برّ و اجتهاد. فإن زعمت أنّ ذلك كلّه سواء، طالت الخصومة معك، و شغلتنا بهما عمّا هو أولى بنا فيك. على أنّك إذا عممت ذلك كلّه بالذمّ، و جلّلته بالعيب، صارت المصيبة فيك أجلّ، و العزاء عنها أعسر. و إن زعمت أنّ ذلك إنّما جاز لأنّهم لم يذهبوا إلى أثمان الأعيان في الأسواق، و إلى عظم الحجم، و إلى ما يروق العين و يلائم النفس، و أنّهم إنّما ذهبوا إلى عاقبة الأمر فيه، و إلى نتيجته، و ما يتولّد عنه من علم النّهايات، و من باب الكلّ و البعض، و كان و يكون، و من باب ما يحيط به العلم أو ما يفضل عنه، و من فرق ما بين مذاهب الدّهريّة و مذاهب الموحّدين. فإن كان هذا العذر مقبولا، و هذا الحكم صحيحا، فكذلك نقول في الكلب، لأنّ الكلب ليس له خطر ثمين و لا قدر في الصدر جليل؛ لأنّه إن

____________

(1) البيتان في عيون الأخبار 1/57، و الشعر و الشعراء 412. و انظر مجمع الأمثال 2/321، و المستقصى 2/342، و فصل المقال 94.

142

كان كلب صيد فديته أربعون درهما، و إن كان كلب ضرع فديته شاة، و إن كان كلب دار فديته زنبيل من تراب، حقّ على القاتل أن يؤدّيه، و حقّ على صاحب الدار أن يقبله، فهذا مقدار ظاهر حاله و مفتّشه، و كوامن خصاله، و دفائن الحكمة فيه.

و البرهانات على عجيب تدبير الربّ تعالى ذكره فيه، على خلاف ذلك؛ فلذلك استجازوا النّظر في شأنه، و التمثيل بينه و بين نظيره.

و تعلم أيضا مع ذلك أن الكلب إذا كان فيه، مع خموله و سقوطه، من عجيب التدبير و النعمة السابغة و الحكمة البالغة، مثل هذا الإنسان الذي له خلق اللّه السموات و الأرض و ما بينهما، أحق بأن يفكر فيه، و يحمد اللّه تعالى على ما أودعه من الحكمة العجيبة، و النّعمة السابغة.

و قلت: و لو كان بدل النظر فيهما النظر في التوحيد، و في نفي التشبيه، و في الوعد و الوعيد، و في التعديل و التجوير، و في تصحيح الأخبار، و التفضيل بين علم الطبائع و الاختيار، لكان أصوب.

172-[دفاع عن المتكلمين‏]

و العجب أنّك عمدت إلى رجال لا صناعة لهم و لا تجارة إلاّ الدعاء إلى ما ذكرت، و الاحتجاج لما وصفت، و إلاّ وضع الكتب فيه و الولاية و العداوة فيه، و لا لهم لذة و لا همّ و لا مذهب و لا مجاز إلا عليه و إليه؛ فحين أرادوا أن يقسّطوا بين الجميع بالحصص، و يعدلوا بين الكلّ بإعطاء كلّ شي‏ء نصيبه، حتّى يقع التعديل شاملا، و التقسيط جامعا، و يظهر بذلك الخفيّ من الحكم، و المستور من التدبير، اعترضت بالتعنّت و التعجّب، و سطّرت الكلام، و أطلت الخطب، من غير أن يكون صوّب رأيك أديب، و شايعك حكيم.

173-[نسك طوائف من الناس‏]

و سأضرب لك مثلا قد استوجبت أغلظ منه، و تعرّضت لأشدّ منه و لكنّا نستأني بك و ننتظر أوبتك. وجدنا لجميع أهل النّقص، و لأهل كلّ صنف منهم نسكا يعتمدون عليه في الجمال، و يحتسبون به في الطاعة و طلب المثوبة، و يفزعون إليه، على قدر فساد الطّباع، و ضعف الأصل، و اضطراب الفرع، مع خبث المنشأ، و قلّة التثبّت و التوقّف، و مع كثرة التقلّب و الإقدام مع أوّل خاطر (1) : فنسك المريب

____________

(1) تقدم القول على نسك طوائف من الناس في الفقرة (139) .

143

المرتاب من المتكلّمين أن يتحلّى برمي الناس بالرّيبة، و يتزيّن بإضافة ما يجد في نفسه إلى خصمه، خوفا من أن يكون قد فطن له، فهو يستر ذلك الداء برمي الناس به.

و نسك الخارجيّ الذي يتحلّى به و يتزيّا بجماله، إظهار استعظام المعاصي، ثم لا يلتفت إلى مجاوزة المقدار و إلى ظلم العباد، و لا يقف على أنّ اللّه تعالى لا يحبّ أن يظلم أظلم الظّالمين، و أنّ في الحقّ ما وسع الجميع.

و نسك الخراسانيّ أن يحجّ و ينام على قفاه، و يعقد الرّئاسة، و يتهيّأ للشّهادة، و يبسط لسانه بالحسبة. و قد قالوا: إذا نسك الشّريف تواضع، و إذا نسك الوضيع تكبّر. و تفسيره قريب واضح.

و نسك البنوي و الجنديّ طرح الديوان، و الزّراية على السّلطان. و نسك دهاقين السّواد ترك شرب المطبوخ. و نسك الخصيّ لزوم طرسوس و إظهار مجاهدة الروم.

و نسك الرافضيّ ترك النبيذ. و نسك البستانيّ ترك سرقة الثّمر. و نسك المغنّي الصّلاة في الجماعة و كثرة التسبيح، و الصلاة على النبيّ صلى اللّه عليه و سلم.

و نسك اليهوديّ التشدّد في السّبت و إقامته.

و الصوفيّ المظهر النّسك من المسلمين، إذا كان فسلا يبغض العمل تطرف و أظهر تحريم المكاسب، و عاد سائلا، و جعل مسألته وسيلة إلى تعظيم الناس له.

و إذا كان النّصرانيّ فسلا نذلا مبغضا للعمل، و ترهّب و لبس الصّوف؛ لأنّه واثق أنّه متى لبس و تزيّا بذلك الزّيّ و تحلّى بذلك اللّباس، و أظهر تلك السّيما، أنّه قد وجب على أهل اليسر و الثّروة منهم أن يعولوه و يكفوه، ثمّ لا يرضى بأن ربح الكفاية باطلا حتى استطال بالمرتبة.

فإذا رمى المتكلّم المريب أهل البراءة، ظنّ أنّه قد حوّل ريبته إلى خصمه، و حوّل براءة خصمه إليه. و إذا صار كلّ واحد من هذه الأصناف إلى ما ذكرنا، فقد بلغ الأمنيّة، و وقف على النّهاية. فاحذر أن تكون منهم و اعلم أنّك قد أشبهتهم في هذا الوجه، و ضارعتهم في هذا المذهب.

144

باب مما قدّمنا ذكره، و بينه و بين ما ذكرنا بعض الفرق‏

174-[طائفة من الأمثال‏]

يقال: أجرأ من الليث‏ (1) ، و أجبن من الصّفرد (2) ، و أسخى من لافظة (3) . و أصبر على الهون من كلب، و أحذر من عقعق‏ (4) ، و أزهى من غراب‏ (5) ، و أصنع من سرفة (6)

و أظلم من حيّة (7) ، و أغدر من الذئب‏ (8) ، و أخبث من ذئب الحمز (9) و أشدّ عداوة من عقرب‏ (10) ، و أروغ من ثعلب‏ (11) ، و أحمق من حبارى‏ (12) ، و أهدى من قطاة (13) ، و أكذب من فاختة (14) ، و ألأم من كلب على جيفة (15) ، و أجمع من ذرّة (16) ، و أضلّ

____________

(1) المثل برواية: «أجرأ من ليث بخفان» في مجمع الأمثال 1/189، و المستقصى 1/48، و جمهرة الأمثال 1/329.

(2) مجمع الأمثال 1/185، و المستقصى 1/45، و جمهرة الأمثال 1/325، و الدرة الفاخرة 1/113.

(3) الدرة الفاخرة 1/218.

(4) المستقصى 1/62، و جمهرة الأمثال 1/343، 396، و الدرة الفاخرة 1/133.

(5) مجمع الأمثال 1/327، و المستقصى 1/151، و الأمثال لابن سلام 360، و جمهرة الأمثال 1/507.

(6) مجمع الأمثال 1/411، و جمهرة الأمثال 1/583.

(7) مجمع الأمثال 1/445، و المستقصى 1/232، و فصل المقال 492، و جمهرة الأمثال 2/29.

(8) مجمع الأمثال 2/67، و جمهرة الأمثال 1/167، و المستقصى 1/258، و الدرة الفاخرة 1/321.

(9) مجمع الأمثال 1/259، و المستقصى 1/92، و جمهرة الأمثال 1/412، 438، 462.

(10) الدرة الفاخرة 2/438.

(11) جمهرة الأمثال 1/473، 500، و الدرة الفاخرة 2/441.

(12) المستقصى 1/74، و الدرة الفاخرة 1/133.

(13) مجمع الأمثال 2/409، جمهرة الأمثال 1/167، 2/353، و المستقصى 2/429، 441.

(14) مجمع الأمثال 2/167، و جمهرة الأمثال 2/137، 173، و المستقصى 1/292.

(15) لم يرد المثل بهذه الرواية، بل برواية: «ألأم من كلب على عرق» و المثل في مجمع الأمثال 2/256، و المستقصى 1/301، و جمهرة الأمثال 2/180.

(16) مجمع الأمثال 1/188، و المستقصى 1/51، و الدرة الفاخرة 1/107، 121.

145

من حمار أهلي، و أعقّ من ضبّ‏ (1) ، و أبرّ من هرّة (2) ، و أنفر من الظليم‏ (3) ، و أضلّ من ورل‏ (4) و أضلّ من ضبّ‏ (5) ، و أظلم من الحيّة (6) .

فيعبّرون عن هذه الأشياء بعبارة كالعبارة عن الناس، في مواضع الإحسان و الإساءة، حتّى كأنّهم من الملومين و المشكورين، ثم يعبّرون في هذا الباب الآخر بدون هذا التعبير، و يجعلون خبرهم مقصورا على ما في الخلقة من الغريزة و القوى فيقولون: أبصر من عقاب‏ (7) ، و أسمع من فرس‏ (8) ، و أطول ذماء من ضبّ‏ (9) ، و أصحّ من الظليم‏ (10) .

و الثاني يشبه العبارة عن الحمد و الذمّ، و الأوّل يشبه العبارة عن اللائمة و الشكر. و إنّما قلنا ذلك، لأنّ كلّ مشكور محمود، و ليس كلّ محمود مشكورا؛ و كلّ ملوم مذموم و ليس كلّ مذموم ملوما. و قد يحمدون البلدة و يذمّون الأخرى، و كذلك الطعام و الشراب، و ليس ذلك على جهة اللّوم و لا على جهة الشكر؛ لأنّ الأجر لا يقع إلاّ على جهة التخيّر و التكلّف، و إلاّ على ما لا ينال إلاّ بالاستطاعة و الأوّل إنّما ينال بالخلقة و بمقدار من المعرفة، و لا يبلغ أن يسمّى عقلا، كما أنّه ليس كلّ قوّة تسمّى استطاعة. و اللّه سبحانه و تعالى أعلم.

____________

(1) مجمع الأمثال 2/47، و المستقصى 1/250، و جمهرة الأمثال 2/69، و الدرة الفاخرة 1/297.

(2) مجمع الأمثال 1/116، و جمهرة الأمثال 1/204، 243، و المستقصى 1/17.

(3) لم يرد المثل بهذه الرواية، بل برواية: «أنفر من ظبي» ، «أنفر من نعامة» في المستقصى 1/397، و جمهرة الأمثال 2/398، و الدرة الفاخرة 2/391.

(4) مجمع الأمثال 1/426، و جمهرة الأمثال 2/11، و المستقصى 1/218، و فصل المقال 163.

(5) المستقصى 1/217، و مجمع الأمثال 1/426، و فصل المقال 163.

(6) الأمثال لابن سلام 36، و مجمع الأمثال 1/445، و المستقصى 1/232، و فصل المقال 492.

(7) جمهرة الأمثال 1/204، 239، و الدرة الفاخرة 1/75، 77.

(8) الدرة الفاخرة 1/218، و مجمع الأمثال 2/349، و الأمثال لابن سلام 360.

(9) مجمع الأمثال 1/437، و المستقصى 1/227، و جمهرة الأمثال 2/20.

(10) مجمع الأمثال 1/417، و جمهرة الأمثال 1/568، و المستقصى 1/205.

146

باب ما ذكر صاحب الديك من ذمّ الكلاب‏

و تعداد أصناف معايبها و مثالبها، من لؤمها و جبنها و ضعفها و شرهها، و غدرها و بذائها، و جهلها و تسرّعها، و نتنها و قذرها، و ما جاء في الآثار من النّهي عن اتخاذها و إمساكها، و من الأمر بقتلها و طردها، و من كثرة جناياتها و قلّة ردّها و من ضرب المثل بلؤمها و نذالتها، و قبحها و قبح معاظلتها و من سماجة نباحها و كثرة أذاها، و تقذّر المسلمين من دنوّها، و أنّها تأكل لحوم الناس، و أنّها كالخلق المركّب و الحيوان الملفّق: كالبغل في الدوابّ و كالراعبيّ في الحمام، و أنّها لا سبع و لا بهيمة، و لا إنسيّة و لا جنّيّة، و أنّها من الحنّ دون الجنّ، و أنّها مطايا الجنّ و نوع من المسخ، و أنّها تنبش القبور و تأكل الموتى، و أنّها يعتريها الكلب من أكل لحوم الناس.

فإذا حكينا ذلك حكينا قول من عدّد محاسنها، و صنّف مناقبها، و أخذنا من ذكر أسمائها و أنسابها و أعراقها، و تفدية الرجال إيّاها و استهتارهم بها، و ذكر كسبها و حراستها، و وفائها و إلفها و جميع منافعها، و المرافق التي فيها، و ما أودعت من المعرفة الصحيحة و الفطن العجيبة و الحسّ اللطيف و الأدب المحمود. و ذلك سوى صدق الاسترواح و جودة الشمّ، و ذكر حفظها و نفاذها و اهتدائها، و إثباتها لصور أربابها و جيرانها، و صبرها، و معرفتها بحقوق الكرام، و إهانتها اللئام، و ذكر صبرها على الجفا، و احتمالها للجوع، و ذكر ذمامها و شدّة منعها معاقد الذّمار (1) منها، و ذكر يقظتها و قلّة غفلتها و بعد أصواتها، و كثرة نسلها و سرعة قبولها و إلقاحها و تصرّف أرحامها في ذلك، مع اختلاف طبائع ذكورها و الذكور من غير جنسها، و كثرة أعمامها و أخوالها، و تردّدها في أصناف السّباع، و سلامتها من أعراق البهائم، و ذكر لقنها و حكايتها، و جودة ثقافتها و مهنها و خدمتها، و جدّها و لعبها و جميع أمورها؛ بالأشعار المشهورة و الأحاديث المأثورة، و بالكتب المنزّلة و الأمثال السائرة، و عن تجربة النّاس لها و فراستهم فيها، و ما عاينوا منها؛ و كيف قال أصحاب الفأل فيها، و بإخبار المتطيّرين

____________

(1) الذمار: هو كل ما يلزمك حفظه و الدفع عنه. اللسان: ذمر.

147

عنها، و عن أسنانها و منتهى أعمارها و عدد جرائها، و مدّة حملها، و عن أسمائها و ألقابها، و سماتها و شياتها، و عن دوائها و أدوائها و سياستها، و عن اللاتي لا تلقن منها و عن أعراقها و الخارجيّ منها و عن أصول مواليدها و مخارج بلدانها.

175-[أكل الكلاب للحوم الناس‏]

و ذكر صاحب الديك ما يحفظ من أكل الكلاب للحوم النّاس فقال: قال الجارود بن أبي سبرة في ذلك: [من الطويل‏]

أ لم تر أنّ اللّه ربّي بحوله # و قوّته أخزى ابن عمرة مالكا

فمن كان عنه بالمغيّب سائلا # فقد صار في أرض الرّصافة هالكا

تظلّ الكلاب العاديات ينشنه # إذا اجتبن مسودّا من الليل حالكا

و قال نفيع بن صفّار المحاربي من ولد محارب بن خصفة في حرب قيس و تغلب: [من الكامل‏]

أفنت بني جشم بن بكر حربنا # حتى تعادل ميل تغلب فاستوى

أكل الكلاب أنوفهم و خصاهم # فلتبك تغلب للأنوف و للخصى‏

و قال أبو يعقوب الخريمي، و هو إسحاق بن حسّان بن قوهي في قتلى حرب ببغداد: [من المنسرح‏]

و هل رأيت الفتيان في باحة المعـ # رك معفورة مناخرها (1)

كلّ فتى مانع حقيقته # يشقى به في الوغى مساعرها

باتت عليه الكلاب تنهشه # مخضوبة من دم أظافرها

و قال أبو الشمقمق (و هو مروان بن محمد، مولى مروان بن محمّد، و يكنى أبا محمّد) : [من مجزوء الرمل‏]

يوسف الشاعر فرخ # وجدوه بالأبلّه‏ (2)

حلقيّ قد تلقّي # كامنا في جوف جلّه

خيّطوها خشية الكلـ # ب عليه بمسلّة

و ذكر لي عن أبي بكر الهذليّ، قال: كنّا عند الحسن إذ أقبل وكيع بن أبي سود

____________

(1) الأبيات في ديوان الخريمي 34-35.

(2) الأبيات في ديوانه 149.

148

فجلس، فقال يا أبا سعيد: ما تقول في دم البراغيث يصيب الثوب: أ يصلّى فيه؟ فقال: يا عجبا ممّن يلغ في دماء المسلمين كأنّه كلب، ثم يسأل عن دم البراغيث!! فقام وكيع يتخلّج في مشيته كتخلّج المجنون، فقال الحسن: إنّ للّه في كلّ عضو منه نعمة فيستعين بها على المعصية، اللّهمّ لا تجعلنا ممّن يتقوّى بنعمتك على معصيتك!!

176-[ما أضيف من الحيوان إلى خبث الرائحة]

و قال صاحب الديك: أشياء من الحيوان تضاف إلى نتن الجلود و خبث الرائحة، كريح أبدان الحيّات، و كنتن التّيوس و صنان عرقها، و كنتن جلد الكلاب إذا أصابه مطر. و ضروب من النّتن في سوى ذلك، نحن ذاكروها إن شاء اللّه تعالى.

و قال روح بن زنباع الجذاميّ في امرأته، و ضرب بالكلب المثل: [من البسيط]

ريح الكرائم معروف له أرج # و ريحها ريح كلب مسّه مطر

قال: و كانت امرأة روح بن زنباع أمّ جعفر بنت النّعمان بن بشير، و كان عبد الملك زوّجه إيّاها، و قال: إنّها جارية حسناء، فاصبر على بذاء لسانها.

و قال الآخر: [من الرجز]

و ريح مجروب و ريح جلّه # و ريح كلب في غداة طلّه‏

و أنشد أبو زيد في ذلك: [من البسيط]

كأنّ ريحهم من خبث طعمتهم # ريح الكلاب إذا ما بلّها المطر (1) .

و مما ذكر به الكلب في أكله العذرة، قول الراجز: [من الرجز]

أحرص من كلب على عقي صبي‏ (2)

و قال مثل ذلك حنظلة بن عرادة في ذكره لابنه السّرندى: [من البسيط]

ما للسّرندى أطال اللّه أيمته # خلّى أباه بقفر البيد و ادّلجا (3)

مجع خبيث يعاطي الكلب طعمته # و إن رأى غفلة من جاره ولجا (4)

____________

(1) البيت لحسان بن ثابت في ديوانه 282.

(2) الرجز في المستقصى 1/64.

(3) الأبيات في العققة و البررة 355-356 «نوادر المخطوطات» . و البيت الأول بلا نسبة في أساس البلاغة (أيم) ، و الثاني لحنظلة في التاج (مجع) .

(4) المجع الأحمق و الجاهل.

149

ربّيته و هو مثل الفرخ أصربه # و الكلب يلحس من تحت استه الرّدجا (1)

يقال للذي يخرج من بطن الصبيّ حين يخرج من بطن أمه عقي بكسر العين، و يقال عقى الصبي يعقي عقيا، فإذا شدّ بطنه للسّمن قيل قد صرب ليسمن. و العقي و هو العقية الغيبة، و إيّاه عنى ابن عمر حين قيل له: هلاّ بايعت أخاك ابن الزّبير؟ فقال: إنّ أخي وضع يده في عقية و دعا إلى البيعة. إنّي لا أنزع يدي من جماعة و أضعها في فرقة.

و في الحديث المرفوع: «الراجع في هبته كالرّاجع في قيئه» (2) . و هذا المثل في الكلب.

و يقال: «أبخل من كلب على جيفة» (3) . و قال بعضهم في الكلب: الجيفة أحبّ إليه من اللّحم الغريض، و يأكل العذرة و يرجع في قيئه، و يشغر ببوله فيصير في جوف فيه و أنفه، و يحذفه تلقاء خيشومه.

و قال صاحب الكلب: إن كنتم إنّما تستسقطون الكلب و تستسفلونه بهذا و أشباهه، فالجيفة أنتن من العذرة، و العذرة شر من القي‏ء، و الجيفة أحبّ إلى أشراف السباع و رؤسائها من اللحم العبيط الغريض الغضّ.

177-[مأكل السبع‏]

و الأسد سيّد السباع، و هو يأكل الجيفة، و لا يعرض لشرائع الوحش و افتراس البهائم، و لا للسابلة من الناس، ما وجد في فريسته فضلة. و يبدأ بعد شرب الدّم فيبقر بطنه و يأكل ما فيه من الغثيثة و الثفل و الحشوة و الزّبل، و هو يرجع في قيئه، و عنه ورث السّنّور ذلك.

____________

(1) الردج: أول ما يخرج من بطن الصبي.

(2) أخرجه البخاري في الزكاة، باب 58، حديث 1418، 1419، و مسلم في الهبات برقم 1620.

(3) ورد المثل برواية «أبخل من كلب» في مجمع الأمثال 1/114، و جمهرة الأمثال 1/247، و الدرة الفاخرة 1/75، 90. و برواية «ألأم من كلب على عرق» في مجمع الأمثال 2/256، و جمهرة الأمثال 2/180، و المستقصى 1/301. و برواية «ألأم من كلب على جيفة» في البخلاء 160.

و برواية «أحرص من كلب على جيفة» في مجمع الأمثال 1/228، و المستقصى 1/64، و الدرة الفاخرة 1/161.

150

178-[ما قيل في السبع من الأمثال‏]

و هو المضروب به المثل في النّجدة و البسالة، و في شدّة الإقدام و الصّولة، فيقال: «ما هو إلاّ الأسد على براثنه» (1) و «هو أشدّ من الأسد» (2) و «هو أجرا من الليث العادي» (3) و «فلان أسد البلاد» (4) و «هو الأسد الأسود» (5) . و قيل لحمزة بن عبد المطّلب أسد اللّه. فكفاك من نبل الأسد أنّه اشتقّ لحمزة بن عبد المطّلب من اسمه. و يقال للملك أصيد إذا أرادوا أن يصفوه بالكبر و بقلّة الالتفات‏ (6) ، و بأنّ أنفه فيه أسلوب‏ (7) و لأنّ الأسد يلتفت معا لأنّ عنقه من عظم واحد. و قال حاتم: [من البسيط]

هلاّ إذا مطر السماء عليكم # و رفعت رأسك مثل رأس الأصيد (8)

و قال الآخر: [من الطويل‏]

يذودون كلبا بالرّماح و طيّئا # و تغلب و الصّيد النواظر من بكر

و قال الآخر: [من المتقارب‏]

و كم لي بها من أب أصيد # نماه أب ما جد أصيد

و بعد فإنّ الذي يأكل الجيفة لم يبعد من طبع كثير من الناس؛ لأنّ من الناس من يشتهي اللحم الغابّ، و منهم من يشتهي النّمكسود. و ليس بين النّمكسود و بين المصلوب اليابس كبير فرق، و إنّما يذبحون الدّيكة و البطّ و الدّجاج و الدّرّاج من أوّل الليل، ليسترخي لحمها، و ذلك أول التّجييف.

فالأسد أجمع لهذه الخصال من الكلب، فهلاّ ذكرتم بذلك الأسد و هو أنبه ذكرا و أبعد صيتا.

____________

(1) لم أجده في كتب الأمثال.

(2) مجمع الأمثال 1/391، و جمهرة الأمثال 1/538، و المستقصى 1/193، و الدرة الفاخرة 1/236، 2/446.

(3) ورد المثل برواية «أجرأ من ليث بخفان» في مجمع الأمثال 1/189، و المستقصى 1/48، و جمهرة الأمثال 1/329. و الدرة الفاخرة 1/107، 116.

(4) لم يردا في كتب الأمثال.

(5) لم يردا في كتب الأمثال.

(6) في الأمثال «أصيد من ليث عفرين» و هذا المثل في مجمع الأمثال 1/417، و جمهرة الأمثال 1/568، و المستقصى 1/213.

(7) في الأمثال «أنفه في أسلوب» و المثل في جمهرة الأمثال 2/99.

(8) البيت في ديوان حاتم الطائي 244، و الأغاني 17/373.

151

179-[عيوب التيس و العنز]

و أمّا ما ذكرتم من نتن الجلد و من استنشاق البول، فإنّ للتيس في ذلك ما ليس للكلب، و قد شاركه في الحذف ببوله تلقاء أنفه، و باينه بشدّة الصّنان؛ فإنّ الأمثال له أكثر ذكرا. و في العنز أيضا عيوب.

و في توجيه التيس ببوله إلى حاقّ خيشومه قال الشاعر لبعض من يهجوه: [من الطويل‏]

دعيت يزيد كي تزيد فلم تزد # فعاد لك المسمي فأسماك بالقحر

و ما القحر إلاّ التيس يعتك بوله # عليه فيمذي في لبان و في نحر

و قال آخر في مثل ذلك: [من الوافر]

أ عثمان بن حيّان بن لؤم # عتود في مفارقه يبول

و لو أنّي أشافهه لشالت # نعامته و يفهم ما يقول‏

و بعد: فما يعلم من صنيع العنز في لبنها و في الارتضاع من خلفها إلاّ أقبح.

و قال ابن أحمر الباهليّ في ذلك: [من البسيط]

إنّا وجدنا بني سهم و جاملهم # كالعنز تعطف روقيها و ترتضع‏ (1)

و قلتم: هجا ابن غادية السلمي بعض الكرام، حين عزل عن ينبع، فقال لمن ظنّ أنّه إنّما عزل لمكانه: [من الكامل‏]

ركبوك مرتحلا فظهرك منهم # دبر الحراقف و الفقار موقع

كالكلب يتبع خانقيه و ينتحي # نحو الذين بهم يعزّ و يمنع‏

و قال ابن هرمة الفهريّ: [من الوافر]

فما عادت لذي يمن رءوسا # و لا ضرّت بفرقتها نزارا (2)

كعنز السّوء تنطح من خلاها # و ترأم من يحدّ لها الشّفارا

و ما نعلم الرّجوع في الجرّة، و إعادة الفرث إلى الفم ليستقصى مضغه إلاّ أسمج و أقذر من الرّجوع في القي‏ء. و قد اختار اللّه عزّ و جلّ تلك الطبيعة للأنعام، و جعل

____________

(1) البيت في ديوان ابن أحمر 120، و عيون الأخبار 2/75، و اللسان و التاج و أساس البلاغة (رضع) .

(2) ديوان ابن هرمة 118.

152

الناس ليسوا لشي‏ء من اللّحمان أشدّ أكلا و لا أشدّ عجبا به منكم، و لا أصلح لأبدانهم و لا أغذى لهم من لحوم هذه الأنعام أفتائها و مسانّها.

180-[عود إلى القول في الديك و الكلاب‏]

و قال صاحب الديك: ما يشبه عود الماشية في الجرّة، و رجوعها في الفرث تطحنه و تسيغه، الرجوع في القي‏ء. و قد زعمتم أنّ جرّة البعير أنتن من قي‏ء الكلاب لطول غبوبها في الجوف، و انقلابها إلى طباع الزّبل، و أنّها أنتن من الثلط. و إنّما مثل الجرّة مثل الرّيق الذي ذكره ابن أحمر فقال: [من البسيط]

هذا الثناء و أجدر أن أصاحبه # و قد يدوّم ريق الطّامع الأمل‏ (1)

فإنّما مثل القي‏ء مثل العذرة؛ لأنّ الرّيق الذي زعمتم، ما دام في فم صاحبه، ألذّ من السلوى، و أمتع من النسيم، و أحسن موقعا من الماء البارد من العطاش المسهوم.

و الريق كذلك ما لم يزايل موضعه، و متى زايل فم صاحبه إلى بعض جلده اشتدّ نتنه و عاد في سبيل القي‏ء.

فالرّيق و الجرّة في سبيل واحد، كما أنّ القي‏ء و العذرة في سبيل واحد. و لو أن الكلب قلس حتّى يمتلئ منه فمه، ثم رجع فيه من غير مباينة له، لكان في ذلك أحقّ بالنظافة من الأنعام في جرّتها، وحشيّها و أهليّها، و إنّ الأرانب لتحيض حيضا نتنا، فما عاف لحمها أصحاب التّقذّر لمشاركتها الأنعام في الجرّة.

فقال صاحب الكلب: أمّا ما عبتموه من أكل العذرة، فإنّ ذلك عامّ في الماشية المتخيّر لحمها على اللّحمان، لأنّ الإبل و الشياه كلّها جلاّلة و هنّ على يابس ما يخرج من الناس أحرص؛ و على أنها إذا تعوّدت أكل ما قد جفّ ظاهره و داخله رطب، رجع أمرها إلى ما عليه الكلب. ثم الدّجاج لا ترضى بالعذرة، و بما يبقى من الحبوب التي لم يأت عليها الاستمراء و الهضم، حتّى تلتمس الديدان التي فيها، فتجمع نوعين من العذرة لأنها إذا أكلت ديدان العذرة فقد أتت على النّوعين جميعا. و لذلك قال عبد الرحمن بن الحكم في هجائه الأنصار بخبيث الطعام، فضرب المثل بالدّجاج من بين جميع الحيوان، و ترك ذكر الكلاب و هي له معرضة فقال: [من الوافر]

و للأنصار آكل في قراها # لخبث الأطعمات من الدّجاج‏

____________

(1) ديوان ابن أحمر 136، و البيان 1/180، و سمط اللآلي 127، و البرصان و العرجان 195، و المعاني الكبير 1258.