الحيوان - ج1

- عمرو بن بحر الجاحظ المزيد...
259 /
153

و لو قال: [من الوافر]

و للأنصار آكل في قراها # لخبث الأطعمات من الكلاب‏

لكان الشّعر صحيحا مرضيا.

و على أنّ الكلاب متى شبعت، لم تعرض للعذرة. و الأنعام الجلاّلة و كذلك الحافر، قد جعلت ذلك كالحمض إذا كانت لها خلّة؛ فهي مرّة تتغذّى به و مرة تتحمّض. و قد جاء في لحوم الجلاّلة ما جاء.

181-[رغبة الملوك و الأشراف في الدجاج‏]

و ملوكنا و أهل العيش منّا، لا يرغبون في شي‏ء من اللّحمان رغبتهم في الدّجاج، و هم يقدّمونها على البطّ و النواهض، و القبج و الدّرّاج. نعم و على الجداء و الأعنق الحمر من بنات الصّفايا. و هم يعرفون طبعها و سوء قوتها، و هم مع ذلك يأكلون الرّواعي كما يأكلون المسمّنات.

182-[الشبوط أجود السمك‏]

و أطيب ما في الأنهار من السمك، و أحسنها قدودا و خرطا، و أسبطها سبوطا، و أرفعها ثمنا و أكثرها تصرّفا في المالح و الطريّ، و في القريس‏ (1) و النّشوط (2)

الشّبّوط، و ليس في الماء سمكة رفيعة الذكر و لا ذات خمول، إلاّ و هي أحرص على أكل العذرة منها، و إنّها في ذلك لأشدّ طلبا لها من الخنزير في البرّ، و الجرّيّ في البحر.

183-[لحم الخنزير]

و قد علم الناس كيف استطابة أكل لحوم الخنازير، و أكل الخنازير لها، و كيف كانت الأكاسرة و القياصرة يقدّمونها و يفضّلونها. و لو لا التعبّد لجرى عندنا مجراه عند غيرنا.

و قد علم النّاس كيف استطابة أكل الجرّيّ لأذنابها.

184-[فائدة الجري‏]

و في الجرّيّ قال أبو كلدة: هو أدم العميان، و جيّد في الكوشان‏ (3) و دواء

____________

(1) يقال: أصبح الماء قريسا؛ أي جامدا، و منه سمي قريس السمك. اللسان: قرس 6/171.

(2) النشوط: ضرب من السمك؛ و ليس بالشبوط. اللسان: نشط 7/415.

(3) كوشان: طعام لأهل عمان من الأرز و السمك. القاموس المحيط: كوش.

154

للكليتين، و صالح لوجع الظهر و عجب الذّنب، و خلاف على اليهود، و غيظ على الروافض؛ و في أكله إحياء لبعض السّنن، و إماتة بعض البدع، و لم يفلج عليه مكثر منه قطّ، و هو محنة بين المبتدع و السّنّي، هلك فيه فئتان مذ كانت الدنيا: محلّل و محرّم.

و قال أبو إسحاق: هو قبيح المنظر، عاري الجلد، ناقص الدّماغ، يلتهم العذرة و يأكل الجرذان صحاحا و الفأر، و زهم لا يستطاع أكله إلاّ محسيّا و لا يتصرّف تصرّف السمك، و قد وقع عليه اسم المسخ، لا يطيب مملوحا و لا ممقورا، و لا يؤكل كبابا، و لا يختار مطبوخا، و يرمى كلّه إلاّ ذنبه.

و الأصناف التي تعرض للعذرة كثيرة، و قد ذكرنا الجلاّلات من الأنعام و الجرّيّ و الشّبّوط من السمك. و يعرض لها من الطير الدّجاج و الرّخم و الهداهد.

185-[الأنوق و ما سمي بهذا الاسم‏]

و قد بلغ من شهوة الرّخمة لذلك، أن سمّوها الأنوق، حتى سمّوا كلّ شي‏ء من الحيوان يعرض للعذرة بأنوق، و هو قول الشاعر: [من الرجز]

حتّى إذا أضحى تدرّى و اكتحل # لجارتيه ثم ولّى فنثل

رزق الأنوقين القرنبى و الجعل‏

186-[ما قيل من الشعر في الجعل‏]

و لشدّة طلب الجعل لذلك قال الشاعر: [من البسيط]

يبيت في مجلس الأقوام يربؤهم # كأنّه شرطيّ بات في حرس‏

و كذلك قال الآخر: [من الرجز]

إذا أتوه بطعام و أكل # بات يعشّي وحده ألفي جعل‏

هذا البيت يدلّ على عظم مقدار النّجو، فهجاه بذلك، و على أنّ الجعل يقتات البراز.

و في مثل ذلك يقول ابن عبدل-إن كان قاله-و إنما قلت هذا لأنّ الشعر يرتفع عنه. و الشعر قوله: [من الخفيف‏]

نعم جار الخنزيرة المرضع الغر # ثى إذا ما غدا أبو كلثوم‏ (1)

____________

(1) الأبيات في البيان 3/311، باستثناء البيت الرابع. الغرثى: الجائعة.

155

ثاويا قد أصاب عند صديق # من ثريد ملبّق مأدوم

ثم أنحى بجعره حاجب الشمـ # س فألقى كالمعلف المهدوم‏ (1)

بضريط ترى الخنازير منه # عامدات لتلّه المركوم‏

و قال الراجز في مثل ذلك: [من الرجز]

قد دقّه ثارده و صومعا (2) # ثمّت ألبان البخاتي جعجعا

جعجعة العود ابتغى أن ينجعا # ثمّت خوّى باركا و استرجعا

عن جاثم يحسب كلبا أبقعا

و في طلب الجعل للزّبل قال الراجز (و هو أبو الغصن الأسدي) : [من الرجز]

ما ذا تلاقي طلحات الحرجه # من كل ذات بخنق غملّجه

ظلّ لها بين الحلال أرجه # من الضّراط و الفساء السمجه

فجئتها قاعدة منشجه # تعطيه عنها جعلا مدحرجه‏

و قال يحيى الأغرّ: تقول العرب «سدك به جعله» (3) . و قال الشاعر: [من البسيط]

إذا أتيت سليمى شبّ لي جعل # إنّ الشقيّ الذي يغرى به الجعل‏ (4)

يضرب هذا المثل للرّجل إذا لصق به من يكره، و إذا كان لا يزال يراه و هو يهرب منه.

قال يحيى: و كان أصله ملازمة الجعل لمن بات في الصحراء، فكلّما قام لحاجة تبعه؛ لأنّه عنده أنّه يريد الغائط.

187-[القرنبى‏]

و في القرنبى يقول ابن مقبل: [من الطويل‏]

و لا أطرق الجارات باللّيل قابعا # قبوع القرنبى أخلفته مجاعره‏ (5)

____________

(1) الجعر: ما يبس من النجو.

(2) ثريدة مصومعة: مدققة الرأس.

(3) مجمع الأمثال 1/342، و الدرة الفاخرة 2/371.

(4) البيت في مجمع الأمثال 1/342.

(5) البيت في ديوان ابن مقبل 154، و اللسان و التاج (قبع) ، و تهذيب اللغة 1/283.

156

و القبوع: الاجتماع و التقبض. و القرنبى: دويبّة فوق الخنفساء و دون الجعل، و هو و الجعل يتبعان الرّجل إلى الغائط.

188-[خبث ريح الهدهد]

و من الطّير الذي يضارع الرّخمة في ذلك الهدهد، منتن البدن و إن لم تجده ملطخا بشي‏ء من العذرة؛ لأنّه يبني بيته و يصنع أفحوصه من الزّبل، و ليس اقتياته منه إلاّ على قدر رغبته و حاجته في ألاّ يتّخذ بيتا و لا أفحوصا إلاّ منه، فخامره ذلك النّتن فعلق ببدنه و جرى في أعراق أبويه؛ إذ كان هذا الصنيع عامّا في جنسه.

و تعتري هذه الشّهوة الذّبان، حتّى إنّها لو رأت عسلا و قذرا، لكانت إلى القذر أسرع. و قال الشاعر: [من الطويل‏]

قفا خلف وجه قد أطيل كأنّه # قفا مالك يقصي الهموم على بثق‏ (1)

و أعظم زهوا من ذباب على خرا # و أبخل من كلب عقور على عرق‏ (2)

و يزعمون أنّ الزّنبور لهج بصيد الذّبان، و لا يكاد يصيده إلاّ و هو ساقط على عذرة لفرط شهوته لها و لاستفراغها، فيعرف الزّنبور ذلك، فيجعل غفلته فرصة و نهزة.

قالوا: و إنّما قلنا ذلك لأنّا لم نجده يروم صيده و هو ساقط على ثمرة، فما دونها في الحلاوة.

189-[شعر في الهجاء]

و قال أبو الشّمقمق في ذلك: [من الخفيف‏]

الطّريق الطّريق جاءكم الأحـ # مق رأس الأنتان و القذره‏ (3)

و ابن عمّ الحمار في صورة الفيـ # ل و خال الجاموس و البقرة

يمشي رويدا يريد حلقتكم # كمشي خنزيرة إلى عذره‏

و قال حمّاد عجرد في بشّار بن برد العقيليّ: [من السريع‏]

ما صوّر اللّه شبها له # من كلّ من من خلقه صوّرا (4)

____________

(1) البيتان لأبي نواس في ديوانه 519، و البيان 3/354، و العرجان 218، و عيون الأخبار 1/273.

البثق: منبعث الماء.

(2) العرق: العظم بلحمه.

(3) الأبيات في ديوان أبي الشمقمق 139، ضمن (شعراء عباسيون) .

(4) الأغاني 14/331.

157

أشبه بالخنزير وجها و لا # بالكلب أعراقا و لا مكسرا (1)

و لا رأينا أحدا مثله # أنجس أو أطفس أو أقذرا (2)

لو طليت جلدته عنبرا # لنتّنت جلدته العنبرا

أو طليت مسكا ذكيّا إذن # تحوّل المسك عليه خرا

و قال أبو نواس في هجاء جعفر بن يحيى بن خالد البرمكيّ: [من المتقارب‏]

إذا ما مدحت فتى من خرا # أ ليس جزائي أن اعطى الخرا

و قال أعرابيّ يهجو رجلا يقال له جلمود بن أوس، كان منتن العرق: [من الرجز]

إنّي إذا ما عارضي تألّقا # و رعدت حافته و برقا

أهلكت جلمود بن أوس غرقا # كان لحمقاء فصار أحمقا

أخبث شي‏ء عرقا و خرقا

و قال حمّاد عجرد في بشّار: [من الخفيف‏]

يا ابن برد اخسأ إليك فمثل الـ # كلب في الخلق أنت لا الإنسان‏ (3)

بل لعمري لأنت شرّ من الكلـ # ب و أولى منه بكلّ هوان

و لريح الخنزير أطيب من ريـ # حك يا ابن الطّيان ذي التّبّان‏

و قال بعض الشعراء في عبد اللّه بن عمير: [من الطويل‏]

غزا ابن عمير غزوة تركت له # ثناء كريح الجورب المتخرق‏ (4)

و قال حمّاد عجرد في بشّار: [من السريع‏]

قل لشقيّ الجدّ في رمسه # و من يفرّ الناس من رجسه‏ (5)

للقرد بشّار بن برد و لا # تحفل برغم القرد أو تعسه

للقرد باللّيث اغترار به # فما الّذي أدناك من مسّه

يا ابن استها فاصبر على ضغمة # بنابه يا قرد أو ضرسه‏

____________

(1) المكسر: الأصل.

(2) الطّفس: قذر الإنسان.

(3) الأغاني 14/361.

(4) البيت بلا نسبة في الوساطة 400، و ثمار القلوب 486 (867) و المستقصى 1/382، و سيأتي في الجزء الرابع فقرة (1226) .

(5) الأغاني 14/330، و ربيع الأبرار 2/441، و أمالي المرتضى 1/93.

158

نهاره أخبث من ليله # و يومه أخبث من أمسه

و ليس بالمقلع عن غيّه # حتى يدلّى القرد في رمسه

ما خلق اللّه شبيها له # من جنّه طرّا و من إنسه

و اللّه ما الخنزير في نتنه # من ربعه بالعشر أو خمسه

بل ريحه أطيب من ريحه # و مسّه ألين من مسّه

و وجهه أحسن من وجهه # و نفسه أنبل من نفسه

و عوده أكرم من عوده # و جنسه أكرم من جنسه‏

و أنا حفظك اللّه تعالى أستظرف وضعه الخنزير بهذا المكان و في هذا الموضع، حين يقول: و عوده أكرم من عوده.

و أيّ عود للخنزير؟!قبحه اللّه تعالى، و قبح من يشتهي أكله. و قال حمّاد عجرد في بشّار بن برد: [من البسيط]

إنّ ابن برد رأى رؤيا فأوّلها # بلا مشورة إنسان و لا أثر

رأى العمى نعمة للّه سابغة # عليه، إذ كان مكفوفا عن النّظر

و قال: لو لم أكن أعمى لكنت كما # قد كان برد أبي في الضّيق و العسر

أكدّ نفسي بالتطيين مجتهدا # إمّا أجيرا و إمّا غير مؤتجر

أو كنت إن أنا لم أقنع بفعل أبي # قصّاب شاء شقيّ الجدّ أو بقر

كإخوتي دائبا أشقى شقاءهم # في الحرّ و البرد و الإدلاج و البكر

فقد كفاني العمى من كلّ مكسبة # و الرّزق يأتي بأسباب من القدر

فصرت ذا نشب من غير ما طلب # إلاّ بمسألتي إذ كنت في صغري

أضمّ شيئا إلى شي‏ء فأذخره # ممّا أجمع من تمر و من كسر

من كان يعرفني لو لم أكن زمنا # أو كان يبذل لي شيئا سوى الحجر؟!

فقل له لا هداه اللّه من رجل # فإنّها عرّة تربي على العرر

لقد فطنت إلى شي‏ء تعيش به # يا ابن الخبيثة قد أدققت في النظر

يا ابن التي نشزت عن شيخ صبيتها # لأير ثوبان ذي الهامات و العجر

أ ما يكفّك عن شتمي و منقصتي # ما في حر امّك من نتن و من دفر

نفتك عنها عقيل و هي صادقة # فسل أسيدا و سل عنها أبا زفر

يا عبد أمّ الظباء المستطبّ بها # من اللّوى، لست مولى الغرّ من مضر

159

بل أنت كالكلب ذلاّ أو أذلّ و في # نذالة النفس كالخنزير و اليعر (1)

و أنت كالقرد في تشويه منظره # بل صورة القرد أبهى منك في الصّور

و وصف ابن أبي كريمة حشّا له، كان هو و أصحابه يتأذّون بريحه فقال: [من البسيط]

و لي كنيف بحمد اللّه يطرقني # أرواح وادي خبال غير فتّار

له بدائع نتن ليس يعرفها # من البريّة إلاّ خازن النّار

إذا أتانى دخيل زادني بدعا # كأنّه لهج عمدا بإضراري

قد اجتواني له الخلاّن كلّهم # و باع مسكنه من قربه جاري

فمن أراد من البرسام أقتله # أو الصّداع فمره يدخلن داري

استكثف النّتن في أنفي لكثرته # فليس يوجدنيه غير إضماري‏ (2)

و قيل للمحلول: ويلك، ما حفظت بيت شعر قط؟فقال: بيتا واحدا اشتهيته فحفظته. فقيل له: فهاته. قال: أما إنّي لا أحفظ إلاّ بيتا واحدا. قيل: فكيف رزق منك هذا البيت؟فأنشده، فأنشدهم: [من السريع‏]

كأنّما نكهتها مدّة # تسيل من مخطة مجذوم‏

190-[نتن إبط الإنسان‏]

و زعم أصحابنا أنّ رجلا من بني سعد-و كان أنتن الناس إبطا-بلغه أن ناسا من عبد القيس يتحدّونه برجل منهم، فمضى إليهم شدّا، فوافاهم و قد أزبد إبطاه، و هو يقول: [من الرجز]

أقلت من جلهة ناعتينا # بذي حطاط يعطس المخنونا (3)

يزوي له من نتنه الجبينا # حتّى ترى لوجهه غضونا

نبّئت عبد القيس يأبطونا

قال: و متح أعرابيّ على بئر و هو يقول: [من الرجز]

يا ريّها إذا بدا صناني # كأنّني جاني عبيثران‏ (4)

____________

(1) اليعر: الشاة تشد عند زبية الأسد.

(2) يوجدنيه: يجعلني أشعر بوجوده.

(3) الحطاط: الرائحة الخبيثة، المخنون: الإبل الذي أصابه زكام.

(4) العبيثران: نبات كالقيصوم طيب للأكل؛ له قضبان دقاق. اللسان: عبثر 3/533.

160

و قال آخر: [من الرجز]

كأنّ إبطيّ و قد طال المدى # نفحة خرء من كواميخ القرى‏ (1)

و يقال إنّه ليس في الأرض رائحة أنتن، و لا أشدّ على النفس، من بخر فم أو نتن حر، و لا في الأرض رائحة أعصم لروح من رائحة التفاح.

191-[فوائد العذرة]

و قال صاحب الكلب: فما نرى النّاس يعافون تسميد بقولهم قبل نجومها و تفتّق بزورها و لا بعد انتشار ورقها و ظهور موضع اللّبّ منها حتّى ربّما ذرّوا عليها السّماد ذرّا، ثمّ يرسل عليها الماء حتى يشرب اللّبّ قوى العذرة، بل من لهم بالعذرة؟!و على أنّهم ما يصيبونها إلاّ مغشوشة مفسدة. و كذلك صنيعهم في الريحان. فأمّا النّخل فلو استطاعوا أن يطلوا بها الأجذاع طليا لفعلوا. و إنّهم ليوقدون بها الحمّامات و أتاتين الملال‏ (2) ، و تنانير الخبز. و من أكرم سمادهم الأبعار كلّها و الأخثاء (3) إذا جفّت. و ما بين الثّلط (4) جافا و الخثاء يابسا، و بين العذرة جافّة و يابسة فرق. و على أنّهم يعالجون بالعذرة و بخرء الكلب، من الذّبحة و الخانوق‏ (5) في أقصى مواضع التقزّز و هو أقصى الحلق، و مواضع اللهاة، و يضعونها على مواضع الشّوكة، و يعالجون بها عيون الدّوابّ.

192-[أقوال لمسبّح الكناس‏]

و قال مسبّح الكناس: إنّما اشتقّ الخير من الخرء. و الخرء في النوم خير. و سلحة مدركة ألذّ من كوم العروس ليلة العرس. و لقد دخلت على بعض الملوك لبعض الأسباب، و إذا به قعاص‏ (6) و زكام و ثقل رأس، و إذا ذلك قد طاوله، و قد كان بلغني أنّه كان هجر الجلوس على المقعدة و إتيان الخلاء، فأمرته بالعود إلى عادته، فما مرّت به أيام حتى ذهب ذلك عنه.

و زعم أنّ الدنيا منتنة الحيطان و التّربة، و الأنهار و الأودية، إلاّ أنّ النّاس قد

____________

(1) الكامخ: نوع من الأدم معرب.

(2) الأتاتين: جمع أتون، و هو الموقد. الملال: جمع مليل، و هو اللحم و الخبز.

(3) الأخثاء: روث الإبل.

(4) الثلط: الرقيق من الرجيع؛ و أكثر ما يقال للإبل و البقر و الفيلة.

(5) الخانوق: الذبحة.

(6) القعاص: داء يأخذ في الصدر، كأنه يكسر العنق.

161

غمرهم ذلك النتن المحيط بهم، و قد محق حسّهم له طول مكثه في خياشيمهم.

قال: فمن ارتاب بخبري، فليقف في الرّدّ إلى أن يمتحن ذلك في أوّل ما يخرج إلى الدنيا، عن بيت مطيّب؛ و ليتشمّم تشمّم المتشبّث. على أنّ البقاع تتفاوت في النتن. فهذا قول مسبّح الكنّاس.

193-[أنتن الجيف‏]

و زعم لي سلمويه و ابن ماسويه متطبّبا الخلفاء، أنّه ليس على الأرض جيفة أنتن نتنا و لا أثقب ثقوبا من جيفة بعير، فظننت أنّ الذي وهّمهما ذلك عصبيّتهما عليه، و بغضهما لأربابه، و لأنّ النبيّ صلى اللّه عليه و سلم و على آله، هو المذكور في الكتب براكب البعير.

و يقال إن الحجّاج قال لهم: أيّ الجيف أنتن؟فقيل: جيف الكلاب. فامتحنت فقيل له: أنتن منها جيف السنانير، و أنتن جيفها الذكور منها. فصلب ابن الزّبير بين جيفتي سنّورين ذكرين‏ (1) .

194-[أطيب الأشياء رائحة و أنتنها]

و أنا أقول في النتن و الطّيب شيئا، لعلّك إن تفقّدته أن توافقني عليه و ترضى قولي. أمّا النتن فإنّي لم أشمّ شيئا أنتن من ريح حشّ مقيّر، يبول فيه الخصيان و لا يصبّ عليه الماء؛ فإنّ لأبوالهم المترادفة المتراكبة و لريح القار و ريح هواء الحشّ و ما ينفصل إليه من ريح البالوعة-جهة من النّتن و مذهبا في المكروه، ليس بينه و بين الأبدان عمل، و إنّما يقصد إلى عين الرّوح و صميم القلب، و لا سيّما إذا كان الخلاء غير مكشوف، و كان مغموما غير مفتوح. فأمّا الطّيب فإني لم أشمم رائحة قطّ أحيا للنفس و لا أعصم للرّوح، و لا أفتق و لا أغنج، و لا أطيب خمرة من ريح عروس، إذا أحكمت تلك الأخلاط، و كان عرف بدنها و رأسها و شعرها سليما. و إن كانت بمدينة الرسول صلى اللّه عليه و سلم، فإنّك ستجد ريحا تعلم أنّه ليس فوقها إلاّ ريح الجنة.

195-[ما قيل في الظربان‏]

و مما قالوا في النّتن، و في ريح جحر الظّربان خاصّة، قول الحكم بن عبدل:

[من الكامل‏]

ألقيت نفسك في عروض مشقّة # و لحصد أنفك بالمناجل أهون‏ (2)

____________

(1) في المعارف لابن قتيبة 225 «صلب حيث أصيب» .

(2) الأغاني 2/424؛ و البيتان الأخيران في عيون الأخبار 4/62. العروض: الطريق في عرض الجبل في مضيق.

162

أنت امرؤ في أرض أمّك فلفل # جمّ و فلفلنا هناك الدّندن‏ (1)

فبحقّ أمّك و هي منك حقيقة # بالبرّ و اللّطف الذي لا يخزن

لا تدن فاك من الأمير و نحّه # حتّى يداوي ما بأنفك أهرن

إن كان للظّربان جحر منتن # فلجحر أنفك يا محمّد أنتن‏

و قال الربيع بن أبي الحقيق-و ذكر الظّربان-حين رمى قوما بأنّهم يفسون في مجالسهم، لأنّ الظّربان أنتن خلق اللّه تعالى فسوة (2) . و قد عرف الظّربان ذلك فجعله من أشدّ سلاحه، كما عرفت الحبارى ما في سلاحها من الآلة، إذا قرب الصقر منها (3) . و الظّربان يدخل على الضبّ جحره و فيه حسوله أو بيضه، فيأتي أضيق موضع في الجحر فيسدّه بيديه، و يحوّل استه فلا يفسو ثلاث فسوات حتى يدار بالضبّ فيخرّ سكران مغشيّا عليه، فيأكله، ثم يقيم في جحره حتّى يأتي على آخر حسوله.

و تقول العرب: إنّه ربّما دخل في خلال الهجمة فيفسو، فلا تتمّ له ثلاث فسوات حتى تتفرّق الإبل عن المبرك، تتركه و فيه قردان فلا يردّها الراعي، إلاّ بالجهد الشديد (4) .

فقال الربيع، و هجاهم أيضا بريح التّيوس: [من المتقارب‏]

قليل غناؤهم في الهياج # إذا ما تنادوا لأمر شديد (5)

و أنتم كلاب لدى دوركم # تهرّ هرير العقور الرّصود

و أنتم ظرابيّ إذ تجلسون # و ما إن لنا فيكم من نديد

و أنتم تيوس و قد تعرفون # بريح التّيوس و قبح الخدود

قال: و يقال: «أفسى من الظّربان» و يسمّى مفرّق النّعم، يريدون من نتن ريح فسائه. و يقال في المثل-إذا وقع بين الرجلين شرّ فتباينا و تقاطعا-: «فسا بينهما

____________

(1) الدندن: ما بلي و اسود من النبات و الشجر، و قيل: هي أصول الشجر البالي.

(2) ربيع الأبرار 5/283.

(3) ربيع الأبرار 5/448.

(4) ربيع الأبرار 5/283، و ثمار القلوب 333 (617) .

(5) الأبيات في ثمار القلوب 333 (618) .

163

ظربان» . و يقال: «أنتن من ظربان» (1) لأنّ الضبّ إنّما يخدع في جحره و يوغل في سربه لشدّة طلب الظّربان له. و قال الفرزدق في ذلك: [من الطويل‏]

و لو كنت في نار الجحيم لأصبحت # ظرابيّ من حمّان عنّي تثيرها (2)

و كان أبو عبيدة يسمّي الحمّانيّ صاحب الأصمّ: الظّربان، يريد هذا المعنى، كما يسمى كل حمّانيّ ظربانا.

و قال ابن عبدل: [من الكامل‏]

لا تدن فاك من الأمير و نحّه # حتّى يداوي ما بأنفك أهرن‏ (3)

إن كان للظّربان جحر منتن # فلجحر أنفك يا محمد أنتن‏

في شعره الذي يقول:

ليت الأمير أطاعني فشفيته # من كلّ من يكفي القصيد و يلحن

متكوّر يحثو الكلام كأنّما # باتت مناخره بدهن تعرن

و بنى لهم سجنا فكنت أميرهم # زمنا فأضرب من أشاء و أسجن

قل لابن آكلة العفاص محمّد # إن كنت من حبّ التقرّب تجبن

ألقيت نفسك في عروض مشقّة # و لحصد أنفك بالمناجل أهون

أنت امرؤ في أرض أمّك فلفل # جمّ و فلفلنا هناك الدّندن

فبحقّ أمّك و هي منك حقيقة # بالبرّ و اللّطف الذي لا يخزن

لا تدن فاك من الأمير و نحّه # حتّى يداوي ما بأنفك أهرن

إن كان للظّربان جحر منتن # فلجحر أنفك يا محمّد أنتن

فسل الأمير غير موفّق # و بنو أبيه للفصاحة معدن

و سل ابن ذكوان تجده عالما # بسليقة العرب التي لا تحزن

إذ أنت تجعل كلّ يوم عفصة # فتجيد ما عملت يداك و تحسن

أشبهت أمّك غير باب واحد # أن قد ختنت و أنّها لا تختن‏

____________

(1) المثل في الدرة الفاخرة 2/391، و مجمع الأمثال 2/85، و جمهرة الأمثال 2/298.

(2) البيت للفرزدق في شرح شواهد الإيضاح 593، و لم أجده في ديوانه. و بلا نسبة في اللسان (ظرب) ، و نوادر أبي زيد 211.

(3) الأغاني 2/424، و عيون الأخبار 4/62.

164

فلئن أصبت دراهما فدفنتها # و فتنت فيها، و ابن آدم يفتن

فبما أراك و أنت غير مدرهم # إذ ذاك تقصف في القيان و تزفن

إذ رأس مالك لعبة بصريّة # بيضاء مغربة عليها السّوسن‏

و قال ابن عبدل أيضا: [من الوافر]

نجوت محمدا و دخان فيه # كريح الجعر فوق عطين جلد (1)

ركبت إليه في رجل أتاني # كريم يطلب المعروف عندي

فقلت له و لم أعجل عليه، # و ذلك بعد تقريظي و حمدي

فأعرض مكمحا عنّي كأنّي # أكلّم صخرة في رأس صمد (2)

أقرّب كل آصرة ليدنو # فما يزداد منّي غير بعد

فأقسم غير مستثن يمينا # أبا بخر لتتّخمنّ ردّي

فلو كنت المهذّب من تميم # لخفت ملامتي و رجوت حمدي

نجوت محمدا فوجدت ريحا # كريح الكلب مات قريب عهد

و قد ألذعتني ثعبان نتن # سيبلغ إن سلمنا أهل نجد

و أدنى خطمه فوددت أنّي # قرنت دنوّه مني ببعد

كما افتدت المعاذة من جواه # بخلعتها و لم ترجع بزند

و فارقها جواه فاستراحت # و كانت عنده كأسير قد

و قد أدنيت فاه إليّ حتّى # قتلت بذاك نفسي غير عمد

و ما يدنو إلى فيه ذباب # و لو طليت مشافره بقند (3)

يذقن حلاوة و يخفن موتا # زعافا إن هممن له بورد (4)

فلما فاح فوه عليّ فوحا # بمثل غثيثة الدّبر المغدّ (5)

فقلت له: تنحّ بفيك عنّي # فما هذا بريح قتار رند (6)

و ما هذا بريح طلا و لكن # يفوح خراك منه غير سرد (7)

____________

(1) الأغاني 2/412-413، و معجم الأدباء 10/232-233.

(2) أكمح الرجل: رفع رأسه من الزهو، الصمد: المكان المرتفع.

(3) القند: عصارة قصب السكر إذا جمد.

(4) الزعاف؛ و مثله الذعاف: السم القاتل.

(5) الغثيثة: القيح. المغد: الذي أصابه الطاعون.

(6) الرند: نبات طيب الرائحة.

(7) الطّلا: الخمر.

165

فحدّثني فإنّ الصّدق أدنى # لباب الحقّ من كذب و جحد

أبات يجول في عفج طحور # فأعلم أم أتاك به مغدّي‏ (1)

نكهت عليّ نكهة أخدريّ # شتيم أعصل الأنياب ورد

فإن أهديت لي من فيك حتفي # فإنّي كالذي أهديت أهدي

لكم شردا يسرن مغنّيات # تكون فنونها من كل فند (2)

أ ما تخزى خزيت لها إذا ما # رواها النّاس من شيب و مرد

لأرجو إن نجوت و لم يصبني # جوى إنّي إذن لسعيد جدّ

و قلت له: متى استطرفت هذا # فقال أصابني من جوف مهدي

فقلت له: أما داويت هذا # فتعذر فيه آمالا بجهد

فقال: أ ما علمت له رقاء # فتسديه لنا فيما ستسدي

فقلت له: و لا آلوه عيا # له فيما أسرّ له و أبدي

عليك بقيئة و بجعر كلب # و مثلي ذاك من نون كنعد

و حلتيت و كرّاث و ثوم # و عودي حرمل و دماغ فهد (3)

و حنجرة ابن آوى و ابن عرس # و وزن شعيرة من بزر فقد (4)

و كفّ ذرحرح و لسان صقر # و مثقالين من صوّان رقد (5)

يدقّ و يعجن المنخول منه # ببول آجن و بجعر قرد

و تدفنه زمانا في شعير # و ترقبه فلا يبدو لبرد

فدخّن فاك ما عتّقت منه # و لا يعجن بأظفار و ندّ (6)

فإن حضر الشتاء و أنت حيّ، # أراك اللّه غيّك أمر رشد

فدحرجها بنادق و ازدردها # متى رمت التكلّم أيّ زرد

فتقذف بالمصلّ على مصلّ # ببلعوم و شدق مسمغدّ (7)

و ويلك ما لبطنك مذ قعدنا # كأنّ دويّه إرزام رعد

____________

(1) العفج: الأمعاء. الطحور: السريع.

(2) الفند: الفئة.

(3) الحلتيت: نبات يخرج من وسطه قصبة، و هو مما يؤكل.

(4) الفقد: نبات ينبذ في العسل فيقويه؛ و يجيد إسكاره.

(5) الذرحرح: دويبة أعظم من الذباب شيئا، مبرقش بسواد و حمرة و صفرة. و هو سم قاتل. الرقد: جبل تنحت منه الأرحية.

(6) الأظفار و الند: نوعان من الطيب.

(7) المسمغد: المنتفخ ورما.

166

فإنّ لحكّة الناسور عندي # دواء إن صبرت له سيجدي

يميت الدّود عنك و تشتهيه # إن انت سننته سنّ المقدّي‏ (1)

به، و طليته بأصول دفلى # و شي‏ء من جنى لصف و رند (2)

أظنّي ميّتا من نتن فيه # أهان اللّه من ناجاه بعدي‏

196-[أشعار العرب في هجاء الكلب‏]

و قال صاحب الديك: سنذكر أشعار العرب في هجاء الكلب مجرّدا على وجهه، ثمّ نذكر ما ذمّوا من خلاله و أصناف أعماله، و أمورا من صفاته، و نبدأ بذكر هجائه في الجملة. قال بشّار بن برد: [من الطويل‏]

عددت سويدا إذ فخرت و تولبا # و للكلب خير من سويد و تولب‏ (3)

و قال بشّار أو غيره: [من الطويل‏]

أتذكر إذ ترعى على الحيّ شاءهم # و أنت شريك الكلب في كلّ مطعم

و تلحس ما في القعب من فضل سؤره # و قد عاث فيه باليدين و بالفم‏

و قال ابن الذئبة: [من الرجز]

من يجمع المال و لا يتب به # و يترك المال لعام جدبه‏ (4)

يهن على النّاس هوان كلبه‏

و قال آخر: [من الطويل‏]

إنّ شريبي لا يغبّ بوجهه # كلومي كأن كلبا يهارش أكلبا

و لا أقسم الأعطان بيني و بينه # و لا أتوقّاه و إن كان مجربا

و هجا الأحوص ابنا له فشبّهه بجرو كلب فقال: [من الرجز]

أقبح به من ولد و أشقح # مثل جريّ الكلب لم يفقّح‏ (5)

____________

(1) سننته: صببته. المقدّي: شراب غليظ.

(2) اللصف: نبات له ورق كورق لسان الحمل. و الرند: نبات طيب الرائحة.

(3) ديوان بشار 4/193.

(4) الرجز في كتاب البخلاء 184، و عيون الأخبار 1/243.

(5) الرجز في الأغاني 4/232.

167

إن ير سوءا ما يقم فينبح # بالباب عند حاجة المستفتح‏

و قال أبو حزابة: [من السريع‏]

يا ابن عليّ برح الخفاء # أنت لغير طلحة الفداء (1)

قد علم الأشراف و الأكفاء # أنّك أنت النّاقص اللّفاء (2)

حبلّق جدّعه الرّعاء # يغمّه المئزر و الرّداء (3)

بنو عليّ كلّهم سواء # كأنّهم زينيّة جراء (4)

و قال عبد بني الحسحاس، و ذكر قبح وجهه فقال: [من الطويل‏]

أتيت نساء الحارثيّين غدوة # بوجه براه اللّه غير جميل‏ (5)

فشبّهنني كلبا و لست بفوقه # و لا دونه إن كان غير قليل‏

و قال أبو ذباب السّعديّ في هوان الكلب: [من الوافر]

لكسرى كان أعقل من تميم # ليالي فرّ من أرض الضّباب‏ (6)

و أسكن أهله ببلاد ريف # و أشجار و أنهار عذاب

فصار بنو بنيه لها ملوكا # و صرنا نحن أمثال الكلاب

فلا رحم الإله صدى تميم # فقد أزرى بنا في كلّ باب‏

و أراد اللّعين هجاء جرير-و جرير من بني كليب-فاشتقّ هجاءه من نسبه فقال: [من الوافر]

سأقضي بين كلب بني كليب # و بين القين قين بني عقال‏ (7)

فإنّ الكلب مطعمه خبيث # و إنّ القين يعمل في سفال

كلا العبدين-قد علمت معدّ # لئيم الأصل من عمّ و خال‏

____________

(1) الأبيات في الأغاني 22/261. و ابن علي هو: عبد اللّه بن علي بن عدي، و كان شحيحا. الأغاني 22/261.

(2) اللفاء: الحقير.

(3) حبلّق: غنم صغار.

(4) الزينية: كلاب قصيرة القوائم.

(5) البيتان في ديوان سحيم عبد بني الحسحاس 69، و الأغاني 22/306، و عيون الأخبار 4/35.

(6) الأبيات للفرزدق في رسائل الجاحظ 2/411، و ليست في ديوانه.

(7) الأبيات في الوحشيات 63، و طبقات ابن سلام 402، و الخزانة 1/531 (بولاق) . و البيت الأخير ورد في ديوان لبيد 658.

168

فما بقيا عليّ تركتماني # و لكن خفتما صرد النبال‏

و قال رجل من همدان، يقال له الضّحّاك بن سعد، يهجو مروان بن محمد بن مروان بن الحكم، و اشتقّ له اسما من الكلب فجعله كلبا فقال: [من البسيط]

لجّ الفرار بمروان فقلت له # عاد الظلوم ظليما همّه الهرب‏ (1)

أين الفرار و ترك الملك إن قبلت # منك الهوينى فلا دين و لا أدب

فراشة الحلم فرعون العذاب، و إن # يطلب نداه فكلب دونه كلب‏

و قال آخر و جعل الكلب مثلا في اللّؤم: [من الطويل‏]

سرت ما سرت من ليلها ثمّ عرّست # على رجل بالعرج ألأم من كلب‏ (2)

و كذلك قول الأسود بن المنذر، فإنّه قال: [من المتقارب‏]

فإنّ امرأ أنتم حوله # تحفّون قبّته بالقباب‏ (3)

يهين سراتكم جاهدا # و يقتلكم مثل قتل الكلاب‏

و قال سحيمة بن نعيم: [من الطويل‏]

أ لست كليبيّا لكلب و كلبة # لها عند أطناب البيوت هرير

و قال النّجرانيّ في ذلك: [من الرجز]

من منزلي قد أخرجتني زوجتي # تهرّ في وجهي هرير الكلبة

زوّجتها فقيرة من حرفتي # قلت لها لمّا أراقت جرتي

أمّ هلال أبشري بالحسرة # و أبشري منك بقرب الضّرّة

197-[الفلحس و الأرشم‏]

و يقال للكلب «فلحس» و هو من صفات الحرص و الإلحاح. و يقال: «فلان أسأل من فلحس» (4) . و فلحس: رجل من بني شيبان كان حريصا رغيبا، و ملحفا ملحّا. و كلّ طفيليّ فهو عندهم فلحس.

____________

(1) نسبت الأبيات إلى سعيد بن العاصي في ديوان المعاني 1/196، و البيت الثالث بلا نسبة في الدرر 5/293، و همع الهوامع 2/101.

(2) البيت بلا نسبة في البخلاء 161.

(3) البيتان للقيط بن زرارة في الأغاني 22/193، و بلا نسبة في عيون الأخبار 1/292.

(4) مجمع الأمثال 1/347، و جمهرة الأمثال 1/532، و المستقصى 1/152.

169

و الأرشم‏ (1) : الكلب و الذئب، و قد اشتقّ منه للإنسان إذا كان يتشمّم الطعام و يتبع مواضعه. قال جرير في بعضهم: [من الطويل‏]

لقّى حملته أمّه و هي ضيفة # فجاءت بيتن للضّيافة أرشما (2)

و قال جرير في استرواح الطعام: [من الكامل‏]

و بنو الهجيم سخيفة أحلامهم # ثطّ اللّحى متشابهو الألوان‏ (3)

لو يسمعون بأكلة أو شربة # بعمان أضحى جمعهم بعمان

متأبّطين بنيهم و بناتهم # صعر الخدود لريح كلّ دخان‏

و قال سهم بن حنظلة الغنويّ في ذلك: [من المتقارب‏]

و أمّا كلاب فمثل الكلى # ب لا يحسن الكلب إلاّ هريرا (4)

و أمّا نمير فمثل البغا # ل أشبهن آباءهنّ الحميرا

و أمّا هلال فعطّارة # تبيع كباء و عطرا كثيرا

198-[بين جرير و الراعي‏]

و مرّ جرير يوما بالمربد، فوقف عليه الراعي و ابنه جندل، فقال له ابنه جندل: إنّه قد طال وقوفك على هذا الكلب الكليبيّ، فإلى متى؟!و ضرب بغلته، فمضى الراعي و ابنه جندل، فقال جرير: و اللّه لأثقلنّ رواحلك!فلما أمسى أخذ في هجائه، فلم يأته ما يريد، فلما كان مع الصبح انفتح له القول فقال: [من الوافر]

فغضّ الطّرف إنّك من نمير # فلا كعبا بلغت و لا كلابا (5)

و لو جعلت فقاح بني نمير # على خبث الحديد إذا لذابا

____________

(1) الأرشم: من يحرص على الطعام و يتشممه.

(2) البيت لجرير في اللسان (نزر، لقا) ، و التاج (نزر) ، و العين 6/262. و للبعيث في اللسان و التاج (رشم، يتن) . و بلا نسبة في اللسان و التاج (نزل) ، و المخصص 3/66، 17/30، و المقاييس 2/396، 3/382.

(3) الأبيات لجرير في ديوانه 581، و الأغاني 8/52، و عيون الأخبار 3/225، و بلا نسبة في البيان 3/321.

(4) البيتان 1-2 في رسائل الجاحظ 2/343 (كتاب البغال) .

(5) انظر خبر الشعر في الأغاني 8/29، 24/206-209، و الشعر في ديوانه 64-79 ضمن قصيدة طويلة.

170

ثم وقف في موقفه، فلمّا مرّ به جندل قبض على عنان فرسه، فأنشده قوله، حتى إذا بلغ إلى هذا البيت:

أ جندل ما تقول بنو نمير # إذا ما الأير في است أبيك غابا

قال: فأدبر و هو يقول: يقولون و اللّه شرّا.

و قال الشاعر-و ضرب بالكلب المثل في قبح الوجه-: [من الكامل‏]

سفرت فقلت لها هج فتبرقعت # فذكرت حين تبرقعت ضبّارا (1)

و ضبّار: اسم كلب له.

199-[أمثال في الكلاب‏]

و قال كعب الأحبار لرجل و أراد سفرا: إنّ لكلّ رفقة كلبا، فلا تكن كلب أصحابك‏ (2) .

و تقول العرب: «أحبّ أهلي إليّ كلبهم الظاعن» (3) . و من الأمثال «وقع الكلب على الذّئب ليأخذ منه مثل ما أخذ» (4) . و من أمثالهم: «الكلاب على البقر» (5) .

و من أمثالهم في الشؤم قولهم: «على أهلها دلّت براقش» (6) . و براقش: كلبة قوم نبحت على جيش مرّوا ليلا و هم لا يشعرون بالحيّ، فاستباحوهم و استدلّوا على مواضعهم بنباحها.

قال الشاعر: [من الوافر]

أ لم تر أنّ سيّد آل ثور # نباتة عضّه كلب فماتا

200-[قتيل الكبش و قتيل العنز]

و قال صاحب الكلب: قد يموت الناس بكلّ شي‏ء، و قد قال عبد الملك بن

____________

(1) البيت بلا نسبة في اللسان (هجج، ضبر، هبر) و شرح المفصل 4/75.

(2) ثمار القلوب (587) ، و عيون الأخبار 1/136، و الأمالي 2/234.

(3) في الأمثال: «أحب أهل الكلب إليه الظاعن» ، و المثل في مجمع الأمثال 1/201، و المستقصى 1/259، و جمهرة الأمثال 2/136، 165.

(4) مجمع الأمثال 2/373.

(5) مجمع الأمثال 2/142، و جمهرة الأمثال 2/169، و المستقصى 1/341، و فصل المقال 400.

(6) جمهرة الأمثال 2/52، و المستقصى 2/165، و المثل برواية «على أهلها تجني براقش» في مجمع الأمثال 2/14، و فصل المقال 459، و الأمثال لابن سلام 333.

171

مروان: أ لا تتعجبون من الضحّاك بن قيس يطلب الخلافة و نطح أباه كبش فوجد ليس به حبض و لا نبض‏ (1) . و قال عرفجة بن شريك يهجو أسلم بن زرعة-و وطئت أباه عنز بالمربد فمات-فقال: [من الطويل‏]

و لم أستطع إذ بان منّي معشري # مكان قتيل العنز أن أتكلّما

فيما ابن قتيل العنز هل أنت ثائر # بزرعة تيسا في الزّريبة أزنما

201-[شعر في الهجاء]

و قال أبو الهول يهجو جعفر بن يحيى: [من السريع‏]

أصبحت محتاجا إلى الضّرب # في طلب العرف إلى الكلب‏ (2)

قد وقّح السّبّ له وجهه # فصار لا ينحاش للسّبّ

إذا شكا صبّ إليه الهوى # قال له مالي و للصبّ

أعني فتى يطعن في دينه # يشب معه خشب الصّلب‏

قال: و قلت لأبي عبيدة: أ ليس بقع الكلاب أمثلها؟قال: لا. قلت: و لم قال:

[من الوافر]

و خفت هجاءهم لما تواصوا # كخوف الذّئب من بقع الكلاب؟

قال: ليس هكذا قال، إنما قال:

كخوف الذّئب من سود الكلاب‏

أ لا ترى أنّه حين أراد الهجاء قال: [من الوافر]

كأنّك بالمبارك بعد شهر # تخوض غموره بقع الكلاب‏ (3)

و يدل على ذلك قول الجدليّ: [من الطويل‏]

لعمري لجوّ من جواء سويقة # أسافله ميث و أعلاه أجرع‏ (4)

____________

(1) قوله: «ليس به حبض و لا نبض» يعني: لا حراك به. و هو مثل في مجمع الأمثال 2/270، و المستقصى 2/330. و هذا القول يعرف بما يسمى «الإتباع» انظر الإتباع و المزاوجة 91.

(2) الأبيات في البيان 3/351، و العمدة 1/69، و البيتين 1-2 لإسماعيل بن بشر اللاحقي في أخبار الشعراء المحدثين 73.

(3) البيت للمفرج بن المرفع؛ أو للفرزدق في معجم البلدان (5/51: المبارك) . و المبارك: نهر بالبصرة؛ احتفره خالد بن عبد اللّه القعسري. و قيل: نهر و قرية فوق واسط.

(4) الأبيات لغطمش الضبي في معجم البلدان (2/184: جوسق) .

172

أحبّ إلينا أن نجاور أهله # و يصبح منّا و هو مرأى و مسمع

من الجوسق الملعون بالرّيّ لا يني # على رأسه داعي المنيّة يلمع

يقولون لي صبرا فقلت: لطالما # صبرت و لكن لا أرى الصّبر ينفع

فليت عطائي كان قسّم بينهم # و كان لي الصّمّان و الحزن أجمع

و كان لهم أجري هنيئا و أصبحت # بي البازل الكوماء بالرمل تضبع

أ أجعل نفسي عدل علج كأنّما # يموت به كلب إذا مات أبقع‏

قال: فقد بيّن كما ترى أنّ الأبقع شرّها.

قال: و قلت: فلم قال الشاعر: [من البسيط]

أرسلت أسدا على بقع الكلاب فقد # أمسى شريدهم في الأرض فلاّلا (1)

قال: فكيف يقول ذلك و هو يمدحهم؟و إذا صغّر شأن من هزموا فقد صغّر شأن الممدوح. بل إنّما قال: «أرسلت أسدا على سود الكلاب» .

قال: و إنّما جاء الحديث في قتل سود الكلاب، لأنّ عقرها أكثر ما تكون سودا، و ذلك من غلبة أنفسها.

و ليس في الأرض حيوان من بقرة و ثور و حمار و فرس و كلب و إنسان، إلاّ و السّود أشدّها أسرا و عصبا، و أظهرها قوّة و صبرا.

و قال أبو سعد المخزومي في هجائه دعبلا: [من الكامل‏]

يا ثابت بن أبي سعيد إنّها # دول و أحر بها بأن تتنقّلا (2)

هلاّ جعلت لها كحرمة دعبل # في است أمّ كلب لا يساوي دعبلا

و قال ابن نوفل: [من الطويل‏]

و جئت على قصواء تنقل سوأة # إلينا و كم من سوأة لا تهابها (3)

و تزعم أن لم تخز سلم بن جندل # و قد خزيت بعد الرّجال كلابها

و قال الحسن بن هانئ يهجو جعفر بن يحيى: [من الطويل‏]

قفا خلف وجه قد أطيل كأنّه # قفا مالك يقضي الهموم على بثق‏ (4)

____________

(1) قوم فلّ: منهزمون. و الجمع فلول و فلال.

(2) البيتان في ديوانه 50، و ديوان المعاني 1/181.

(3) القصواء: اسم ناقة.

(4) ديوان أبي نواس 519، و البيان 3/354، و البرصان 218، و عيون الأخبار 1/273.

173

و أعظم زهوا من ذباب على خرا # و أبخل من كلب عقور على عرق‏

و قال أبو الشّمقمق: [من الخفيف‏]

أهل جود و نائل و فعال # غلبوا الناس بالنّدى و العطيّة (1)

جئته زائرا فأدنى مكاني # و تلقّى بمرحب و تحيّه

لا كمثل الأصمّ حارثة اللؤ # م شبيه الكليبة القلطيّه

جئته زائرا فأعرض عنّي # مثل إعراض قحبة سوسيّه

و تولّى كأنّه أير بغل # غاب في دبر بغلة مصريّه‏

و قال أيضا: [من الوافر]

ألا قولا لسرّان المخازي # و وجه الكلب و التّيس الضروط (2)

له بطن يضلّ الفيل فيه # و دبر مثل راقود النّشوط (3)

و أير عارم لا خير فيه # كدور سفينة في بثق روط (4)

و لحية حائك من باب قلب # موصّلة الجوانب بالخيوط

له وجه عليه الفقر باد # مرقّعة جوانبه بقوط

إذا نهض الكرام إلى المعالي # ترى سرّان يسفل في هبوط

و قال أيضا في ذلك: [من البسيط]

يا رازق الكلب و الخنزير في سعة # و الطير و الوحش في يهماء دويّه‏ (5)

لو شئت صيّرته في حال فاقته # حتى تقرّ بتلك الحال عينيّه‏

و قال جرير بن عطية، يهجو الصّلتان العبديّ: [من الطويل‏]

أقول لها و الدّمع يغسل كحلها # متى كان حكم اللّه في كرب النخل‏ (6)

____________

(1) ديوان أبي الشمقمق 253.

(2) ديوان أبي الشمقمق 240.

(3) الراقود: دنّ طويل الأسفل يسيّع داخله بالقار. أو هو إناء خزف مستطيل مقيّر. النشوط: نوع من السمك.

(4) الروط: النهر، معرب.

(5) ديوان أبي الشمقمق 250.

(6) ديوان جرير 429، و رواية صدر البيت: «أقول و لم أملك سوابق عبرتي» . و البيت في اللسان (كرب، متى) ، و أساس البلاغة (كرب) .

174

فأجابه الصّلتان فقال: [من الطويل‏]

تعيّرنا أن كانت النّخل مالنا # و ودّ أبوك الكلب لو كان ذا نخل‏

يعيّره جرير بأنّه كان هو و أبوه من أصحاب النّخل.

و قال وضّاح اليمن: [من البسيط]

و أكتم السّرّ غضبانا و في سكري # حتى يكون له وجه و مستمع‏ (1)

و أترك القول عن علم و مقدرة # حتى يكون لذاك النّجد مطّلع

لا قوّتي قوّة الراعي ركائبه # يبيت يأوي إليه الكلب و الرّبع

و لا العسيف الذي تشتدّ عقبته # حتّى يثوب و باقي نعله قطع‏

و قال محمّد بن عبّاد الكاتب مولى بجيلة، و أبوه من سبي دابق و كاتب زهير، و صديق ثمامة، يهجو أبا سعد دعيّ بني مخزوم، و بعد أن لقى منه ما لقى: [من مجزوء الكامل‏]

فعلت نزار بك الذي اسـ # تأهلته نفيا و ضربا (2)

فهجوت قحطانا لأهـ # جوهم مكايدة و إربا

و أردت كيما تشتفي # بهجائهم منهم فتربا

و وثقت أنّك ما سببـ # ت، حماك لؤمك أن تسبّا

كالكلب إن ينبح فليـ # س جوابه إلاّ اخس كلبا

خفّض عليك وقر مكا # نك لا تطف شرقا و غربا

و اكشف قناع أبيك فالـ # آباء ليس تنال غصبا

و قال آخر يصف كلبا: [من الطويل‏]

و لذّ كطعم الصّرخديّ تركته # بأرض العدا من خشية الحدثان‏ (3)

و مبد لي الشّحناء بيني و بينه # دعوت و قد طال السّرى فدعاني‏

____________

(1) الأبيات في الحماسة بشرح التبريزي 1/261 بلا نسبة، و المرزوقي 645-647، و هي لوضاح اليمن في ديوانه 56.

(2) الأبيات الأربعة الأخيرة في أخبار أبي تمام 46، و البيت الأول في ديوان المعاني 1/179 بلا نسبة.

(3) البيت الأول بلا نسبة في أساس البلاغة و اللسان و التاج (لذذ) ، و مجمل اللغة 4/245، و تهذيب اللغة 14/409. و لم أجد البيت الثاني، بل وجدت ما يشبهه في ديوان زهير 269:

و أشعث قد طالت قنازع رأسه # دعوت على طول الكرى فدعاني‏

175

فوصفه كما ترى أنّه يبدي له البغضاء.

و قال آخر: [من الطويل‏]

سرت ما سرت من ليلها ثم عرّست # على رجل بالعرج ألأم من كلب‏ (1)

و قال راشد بن شهاب اليشكريّ: [من الطويل‏]

فلست إذا هبّت شمال عريّة # بكلب على لحم الجزور و لا برم‏

و قال كثيّر بن عبد الرحمن، و هو يصف نعلا من نعال الكرام: [من الطويل‏]

إذا طرحت لم يطب الكلب ريحها # و إن وضعت في مجلس القوم شمّت‏ (2)

و قال اللّعين في بعض أضيافه، يخبر أنّه قراه لحم كلب. و قد قال ابن الأعرابي:

إنّما وصف تيسا: [من الطويل‏]

فقلت لعبديّ اقتلا داء بطنه # و أعفاجه اللائي لهنّ زوائد (3)

فجاءا بخرشاوي شعير عليهما # كراديس من أوصال أعقد سافد

و قال خليد عينين و هو يهجو جرير بن عطية و يردّ عليه: [من الطويل‏]

و عيّرتنا بالنخل أن كان مالنا # و ودّ أبوك الكلب لو كان ذا نخل‏

و قال دعبل بن عليّ: [من المتقارب‏]

و لو يرزق الناس عن حيلة # لما نال كفّا من التّربه

و لو يشرب الماء أهل العفا # ف لما نال من مائهم شربه

و لكنّه رزق من رزقه # يعمّ به الكلب و الكلبة

____________

(1) البيت بلا نسبة في كتاب البخلاء 261، و تقدم في الفقرة 196.

(2) البيت لكثير عزة في ديوانه 324، و البيان 3/109، 112، و اللسان (نعل) ، و التاج (شمت) .

(3) البيتان في معجم البلدان 2/281 «حلامات» .

176

باب ذكر من هجي بأكل لحوم الكلاب و لحوم الناس‏

202-[شعر في أكل لحوم الكلاب‏]

قال سالم بن دارة الغطفانيّ: [من الرجز]

يا فقعسيّ لم أكلته لمه # لو خافك اللّه عليه حرّمه‏ (1)

فما أكلت لحمه و لا دمه‏

و قال الفرزدق في ذلك: [من الطويل‏]

إذا أسدي جاع يوما ببلدة # و كان سمينا كلبه فهو آكله‏ (2)

و قال مساور بن هند: [من المتقارب‏]

إذا أسديّة ولدت غلاما # فبشرها بلؤم في الغلام‏ (3)

يخرّسها نساء بني دبير # بأخبث ما يجدن من الطّعام

ترى أضفار أعقد ملقيات # براثنها على و ضم الثّمام‏

فهذا الشعر و ما أشبهه يدلّ على أن اللعين إنّما قراهم كلبا و لم يقرهم تيسا، و أنّ الصواب خلاف ما قال ابن الأعرابيّ.

و قال مساور بن هند أيضا: [من الطويل‏]

بني أسد أن تمحل العام فقعس # فهذا إذن دهر الكلاب و عامها (4)

____________

(1) الرجز في كتاب البخلاء 234.

(2) البيت في كتاب البخلاء 235، و ربيع الأبرار 5/515.

(3) الشعر في كتاب البخلاء 234.

(4) البيت في كتاب البخلاء 235.

177

و قال شريح بن أوس يهجو أبا المهوّش الأسدي: [من الطويل‏]

و عيّرتنا تمر العراق و برّه # و زادك أير الكلب شيّطه الجمر (1)

203-[شعر في أكل لحوم الناس‏]

و قال معروف الدّبيريّ في أكلهم لحوم الناس: [من الوافر]

إذا ما ضفت يوما فقعسيّا # فلا تطعم له أبدا طعاما (2)

فإنّ اللحم إنسان فدعه # و خير الزّاد ما منع الحراما

و قد هجيت هذيل و أسد و بلعنبر و باهلة بأكل لحوم الناس، قال حسّان بن ثابت يذكر هذيلا: [من البسيط]

إن سرّك الغدر صرفا لا مزاج له # فأت الرجيع و سل عن دار لحيان‏ (3)

قوم تواصوا بأكل الجار بينهم # فالكلب و الشّاة و الإنسان سيّان‏

و قال الشاعر في مثل ذلك في هذيل: [من الطويل‏]

و أنتم أكلتم شحمة بن مخدّم # زباب فلا يأمنكم أحد بعد (4)

تداعوا له من بين خمس و أربع # و قد نصل الأظفار و انسبأ الجلد

و رفّعتم جردانه لرئيسكم # معاوية الفلحاء يا لك ما شكد

و قال الشاعر في ذلك في باهلة: [من الرجز]

إنّ غفاقا أكلته باهله # تمشّشوا عظامه و كاهله‏ (5)

و أصبحت أم غفاق ثاكله‏

و هجا شاعر آخر بلعنبر، و هو يريد ثوب بن شحمة، و كان شريفا و كان يقال له مجير الطير. فأمّا مجير الجراد فهو مدلج بن سويد بن مرشد بن خيبري فعيّر الشاعر ثوب بن شحمة بأكل الرجل العنبريّ لحم المرأة إلى أن أتى ثوب من الجبل فقال:

[من الرجز]

عجلتم ما صادكم علاج # من العنوق و من النّعاج‏ (6)

حتى أكلتم طفلة كالعاج‏

____________

(1) البخلاء 235، و الخزانة 3/86 (بولاق) .

(2) البخلاء 237.

(3) البخلاء 235، و ديوانه 476.

(4) البخلاء 235. الزباب: ضرب من الفأر.

(5) البخلاء 236.

(6) البخلاء 235.

178

فلما عيّره قال ثوب: [من البسيط]

يا بنت عمّي ما أدراك ما حسبي # إذ لا تجنّ خبيث الزاد أضلاعي‏ (1)

إنّي لذو مرّة تخشى بوادره # عند الصّياح بنصل السّيف قرّاع‏

و من ظريف الشعر قول أبي عدنان: [من الطويل‏]

فما كلبة سوداء تفري بنابها # عراقا من الموتى مرارا و تكدم

أتيح لها كلب فضنّت بعرقها # فهارشها و هي على العرق تعذم‏

فقف على هذا الشعر فإنّه من أعاجيب الدنيا.

و قال سنيح بن رباح شار الزّنجي: [من الكامل‏]

ما بال كلب بني كليب سبّنا # أن لم يوازن حاجبا و عقالا (2)

204-[قتيل الكلاب‏]

و تنازع مالك بن مسمع و شقيق بن ثور، فقال له مالك: إنّما رفعك قبر بتستر فقال شقيق: حين وضعك قبر بالمشقّر، يا ابن قتيل النساء و قتيل الكلاب!!.

قال‏ (3) : و كان يقال لمسمع بن شيبان قتيل الكلاب، و ذلك أنّه لجأ في الردة إلى قوم من عبد القيس، فكان كلبهم ينبح عليه فخاف أن يدلّ على مكانه فقتله فقتل به.

205-[أمثال أخرى في الكلب‏]

قال: و العرب تقول: «أسرع من لحسة كلب أنفه» (4) . و يقال: «أحرص من لعوة» (5)

و هي الكلبة، و جمعها لعاء. و في المثل: «ألأم من كلب على عرق» (6) ، و «نعم كلب في بؤس أهله» (7) . و في المثل: «اصنع المعروف و لو مع الكلب» (8) .

____________

(1) البخلاء 236.

(2) البيت في رسائل الجاحظ 1/190، و الحماسة البصرية 1/181، و اللسان (طول) .

(3) الخبر في ربيع الأبرار 5/422، و ثمار القلوب 318 (592) .

(4) مجمع الأمثال 1/355، و المستقصى 1/165، و الدرة الفاخرة 1/217.

(5) لم يرد في كتب الأمثال، و وجدت: «أجوع من لعوة» في مجمع الأمثال 1/186، و المستقصى 1/58، و جمهرة الأمثال 1/298، 331. و ثمة مثل هو «أحرص من كلب» في المستقصى 1/64، و مجمع الأمثال 1/228، و جمهرة الأمثال 1/343، 402.

(6) مجمع الأمثال 2/256، و جمهرة الأمثال 2/180، و المستقصى 1/301.

(7) مجمع الأمثال 2/336، و جمهرة الأمثال 2/297، 306، و فصل المقال 278.

(8) المستقصى 1/212.

179

206-[تأويل رؤيا الكلب‏]

و قال ابن سيرين: الكلب في النوم رجل فاحش، فإن كان أسود فهو عربيّ، و إن كان أبقع فهو عجميّ‏ (1) .

و قال الأصمعيّ عن حمّاد بن سلمة عن ابن أخت أبي بلال مرداس بن أديّة قال:

رأيت أبا بلال في النوم كلبا تذرف عيناه، و قال: إنّا حوّلنا بعدكم كلابا من كلاب النار.

قال‏ (2) : و لمّا خرج شمر بن ذي الجوشن الضّبابي لقتال الحسين بن علي رضي اللّه تعالى عنهما، فرأى الحسين فيما يرى النائم أنّ كلبا أبقع يلغ في دمائهم، فأوّل ذلك أن يقتلهم شمر بن ذي الجوشن. و كان منسلخا برصا.

قال: و المسلمون كلّهم يسمّون الخوارج: كلاب النار.

207-[شعر في تشبيه الفرس بضروب من الحيوان ليس بينها الكلب‏]

و قال صاحب الديك: صاحب الكلب يصفه بالسّرعة في الحضر، و بالصّبر على طول العدو، و بسعة الإهاب، و أنّه إذا عدا ضبع و بسط يديه و رجليه حتى يمسّ قصصه الأرض، و حتى يشرط أذنيه بشبا (3) أظفاره، و أنّه لا يحتشي ريحا مع ما يصيب الكلاب من اللّهث. فإن كان كما تقولون فلم و صفت الشعراء الفرس و شبّهته بضروب من الخلق، و كذلك الأعضاء و غير ذلك من أمره، و تركوا الكلب في المنسأ لا يلتفت أحد لفته؟! و قال أبو دؤاد الإياديّ في ذلك: [من الخفيف‏]

عن لسان كجثّة الورل الأحـ # مرمجّ النّدى عليه العرار (4)

و لم يذكره في شي‏ء. و قال خالد بن عجرة الكلابي: [من الوافر]

كأن لسانه ورل عليه # بدار مضية مج العرار (5)

____________

(1) حياة الحيوان 2/297-298.

(2) البرصان 82.

(3) شبا الشي‏ء: حده و طرفه.

(4) البيت لأبي دؤاد في ديوانه 318، و لعدي بن الرقاع في ديوانه 74، و اللسان (ورل) .

(5) البيت بلا نسبة في نوادر أبي زيد 116، و رواية عجزة: (بدار مضنة مج العرارا) .

180

و قال امرؤ القيس: [من الطويل‏]

و خدّ أسيل كالمسنّ و بركة # كجؤجؤ هيق دفّه قد تموّرا

و لم يذكره في شي‏ء. و قال عقبة بن سابق: [من الهزج‏]

عريض الخدّ و الجبـ # هة و الصّهوة و الجنب‏ (1)

و لم يذكره في شي‏ء. و قال امرؤ القيس: [من الطويل‏]

و سامعتان تعرف العتق فيهما # كسامعتي مذعورة وسط ربرب‏

و لم يذكره في شي‏ء من ذلك. و قال عقبة بن سابق: [من الخفيف‏]

و لها بركة كجؤجؤ هيق # و لبان مضرّج بالخضاب‏

و لم يذكره في شي‏ء. و قال خفاف بن ندبة: [من السريع‏]

عبل الذّراعين سليم الشّظا # كالسّيد يوم القرّة الصارد (2)

و لم يذكره في شي‏ء من ذلك. و قال امرؤ القيس: [من الطويل‏]

سليم الشّظا عبل الشّوى شنج النّسا # أقبّ كتيس الحلّب الغذوان‏ (3)

و لم يذكره في شي‏ء من ذلك. و قال عقبة بن سابق: [من الهزج‏]

و أرساغ كأعناق # ظباء أربع غلب‏ (4)

و لم يذكره في شي‏ء من ذلك. و قال الجعديّ: [من المتقارب‏]

كأن تماثيل أرساغه # رقاب و عول لدى مشرب‏ (5)

و لم يذكره في شي‏ء من ذلك. و قال امرؤ القيس: [من المتقارب‏]

لها متنتان خظاتا كما # أكبّ على ساعديه النّمر (6)

____________

(1) البيت لأبي دؤاد في ديوانه 289، و لم يرد في قصيدة عقبة بن سابق في الأصمعيات حيث فيها قصيدة يتنازع نسبتها أبو دؤاد و عقبة.

(2) البيت في الأصمعيات ص 29.

(3) ديوانه 87.

(4) البيت لأبي دؤاد في ديوانه 289.

(5) البيت للنابغة الجعدي في ديوانه 19، و الخزانة 1/510 (بولاق) .

(6) البيت في ديوانه 164 و الخزانة 7/500، 573، و سر صناعة الإعراب، و اللسان (متن، خظا) ، و بلا نسبة في شرح الحماسة للمرزوقي 80.

181

و لم يذكره في شي‏ء من ذلك. و قال أبو دؤاد: [من مجزوء الكامل‏]

يمشي كمشي نعامتين # تتابعان أشقّ شاخص‏ (1)

و لم يذكره في شي‏ء من ذلك. و قال ابن الصّعق: [من مجزوء الكامل‏]

بمحنّب مثل العقا # ب تخاله للضّمر قدحا (2)

و لم يذكره في شي‏ء من ذلك. و قال ربيعة بن جشم النمري، و يروى لامرئ القيس: [من المتقارب‏]

و ساقان كعباهما أصمعا # ن لحم حماتيهما منبتر (3)

و لم يذكره في شي‏ء من ذلك. و قال عبد الرحمن بن حسّان بن ثابت الأنصاري: [من المتقارب‏]

كأنّ حماتيهما أرنبان # تقبّضتا خيفة الأجدل‏ (4)

و لم يذكره في شي‏ء من ذلك. و قال خالد بن عبد الرحمن في مثل ذلك: [من الوافر]

كأنّ حماتها كردوس فحل # مقلّصة على ساقي ظليم‏ (5)

و لم يذكره في شي‏ء من ذلك. و قال الأعشى: [من الكامل‏]

أمّا إذا استقبلته فكأنّه # جذع سما فوق النّخيل مشذّب‏ (6)

و إذا تصفّحه الفوارس معرضا # فتقول سرحان الغضا المتصوّب

أما إذا استدبرته فتسوقه # ساق يقمّصها وظيف أحدب

منه و جاعرة كأنّ حماتها # لما كشفت الجلّ عنه أرنب‏

و لم يذكره في شي‏ء من ذلك. و قال الأسعر الجعفي: [من الكامل‏]

أما إذا استقبلته فكأنّه # باز يكفكف أن يطير و قد رأى‏ (7)

____________

(1) ديوان أبي دؤاد 322، و اللسان و التاج (مصص) .

(2) البيت لابن الصعق في الخزانة 1/388 (بولاق) ، و نسبه الجاحظ في كتاب البخلاء 169 إلى قيس ابن زهير.

(3) البيت لامرئ القيس في ديوانه 163، و اللسان و التاج (صمع) ، و تهذيب اللغة 2/60.

(4) البيت لعبد الرحمن بن حسان في المعاني الكبير 1/164، و الأنوار 1/297.

(5) البيت لخالد بن الصقعب في كتاب الجيم 3/170.

(6) البيت الأول لأنيف بن جبلة في اللسان (أول) .

(7) الأبيات في الأصمعيات 141-142، و الخزانة 4/22 (بولاق) .

182

أما إذا استعرضته متمطّرا # فتقول هذا مثل سرحان الغضا

أمّا إذا استدبرته فتسوقه # ساق قموص الوقع عارية النّسا

و لم يذكره في شي‏ء. و قال أبو داود: [من الكامل‏]

كالسّيد ما استقبلته و إذا # ولّى تقول ململم ضرب‏ (1)

لأم إذا استعرضته و مشى # متتابعا ما خانه عقب

يمشي كمشي نعامة تبعت # أخرى إذا هي راعها خطب‏

و لم يذكره في شي‏ء من ذلك. و قال امرؤ القيس: [من الطويل‏]

له أيطلا ظبي و ساقا نعامة # و إرخاء سرحان و تقريب تتفل‏ (2)

و لم يذكره في شي‏ء من ذلك. و قال ابن سنان العبديّ: [من الكامل‏]

أما إذا ما أقبلت فمطارة # كالجذع شذّبه نفيّ المنجل

أما إذا ما أعرضت فنبيلة # ضخم مكان حزامها و المركل

أما إذا تشتدّ فهي نعامة # تنفي سنابكها صلاب الجندل‏

208-[قول أبي عبيدة في تشبيه الفرس بضروب من الحيوان‏]

قال أبو عبيدة: و مما يشبه خلقه من خلق النعامة طول وظيفها و قصر ساقيها و عري نسييها. و ممّا يشبه من خلقه خلق الأرنب صغر كعبيها. و ممّا يشبه من خلقه خلق الحمار الوحشيّ غلظ لحمه، و ظمأ فصوصه و سراته، و تمحص عصبه، و تمكّن أرساغه، و عرض صهوته.

قال صاحب الكلب: قد قال أبو عبيدة: إنّ مما يشبه من خلقه خلق الكلب هرت شدقه، و طول لسانه، و كثرة ريقه، و انحدار قصّه‏ (3) ، و سبوغ ضلوعه، و طول ذراعيه، و رحب جلده، و لحوق بطنه. و قال طفيل الغنويّ، يصف الخيل: [من الطويل‏]

تباري مراخيها الزّجاج كأنّها # ضراء أحسّت نبأة من مكلّب‏ (4)

____________

(1) ديوانه 284.

(2) ديوانه 21، و اللسان (غور، تفل، رخا) ، و التاج (أطل، تفل) ، و المقاييس 1/112، و بلا نسبة في (سرح، أطل) ، و شرح المفصل 6/112.

(3) القص: الصدر.

(4) ديوان طفيل الغنوي 24، و المعاني الكبير 1/42، و المخصص 16/30.

183

و قال طفيل أيضا: [من الطويل‏]

كأنّ على أعطافه ثوب مائح # و إن يلق كلب بين لحييه يذهب‏ (1)

و قال صاحب الديك: و أين يقع البيت و البيتان و الثلاثة، من جميع أشعار العرب؟! و قال صاحب الكلب: لعلّنا إن تتبّعنا ذلك وجدناه كثيرا، و لكنك تقدّمت في أمر و لم تشعر بالذي تعني، فنلتقط من الجميع أكثر مما التقطت. و الإنسان شريف الأعضاء و قد تشبه مواضع منه مواضع من الفرس العتيق. و ما حضرنا من الأشعار إلاّ قوله: [من مجزوء الكامل‏]

و ترى الكميت أمامه # و كأنّه رجل مغاضب‏

و قال الشاعر في ذلك: [من الكامل‏]

خوص تراح إلى الصراخ إذا غدت # فعل الضّراء تراح للكلاّب‏ (2)

و قد شبهوا بالكلب كلّ شي‏ء و كان اسم فرس عامر بن الطفيل، الكلب، و المزنوق، و الورد.

209-[شعر في وصف الناقة]

قال صاحب الديك: قد قال أوس بن حجر، و وصف الناقة و نشاطها و الذي يهيجها فقال: [من البسيط]

كأنّ هرّا جنيبا عند مغرضها # و التفّ ديك برجليها و خنزير (3)

فهلاّ قال: و التف كلب كما قال: و التفّ ديك!!و قال أبو حيّة (4) : [من الكامل‏]

و تزاورت عنه كأن بدفّها # هرّا ينشّب ضبعها بالأظفر

و قال الأعشى: [من الكامل‏]

بجلالة سرح كأنّ بدفّها # هرّا إذا انتعل المطيّ ظلالها (5)

____________

(1) ديوان طفيل الغنوي 27، و المعاني الكبير 1/16، و الأمالي 2/35. و المائح: الذي ينزل البئر فيملأ الدلو.

(2) البيت بلا نسبة في اللسان و التاج (روح) .

(3) ديوان أوس بن حجر 42.

(4) لم يرد البيت في ديوان أبي حية النميري.

(5) ديوان الأعشى 77، و اللسان و التاج (سرح) ، و تهذيب اللغة 4/301.

184

و قال عنترة بن شدّاد العبسي: [من الكامل‏]

و كأنّما ينأى بجانب دفّها الـ # وحشيّ من هزج العشيّ مؤوّم‏ (1)

هرّ جنيب كلّما عطفت له # غضبى اتقاها باليدين و بالفم‏

و قال المثقّب العبديّ: [من الوافر]

فسلّ الهمّ عنك بذات لوث # عذافرة كمطرقة القيون‏ (2)

بصادقة الوجيف كأنّ هرّا # يباريها و يأخذ بالوضين‏

قال صاحب الكلب: إنما يذكرون في هذا الباب السّباع المنعوتة بالمخالب و طول الأظفار، كما ذكر الهرّ و ابن آوى. و الكلب ليس يوصف بالمخالب، و ليس أنّ الهر أقوى منه. أ لا ترى أوس بن حجر قال في ذلك: [من البسيط]

كأنّ هرّا جنيبا عند مغرضها (3)

فذكر الموضع الذي يوصف بالخلب و الخدش و الخمش و التظفير، فلما أراد أن يفزّعها و يثوّرها حتى تذهب جافلة في وجهها، أو نادّة، أو كأنّها مجنونة من حاق المرح و النشاط قال: [من البسيط]

و التفّ ديك برجليها و خنزير (4)

و قال أبو النجم: [من الرجز]

لو جرّ شنّ وسطها لم تحفل # من شهوة الماء و رزّ معضل‏ (5)

و لو قال أوس:

و التفّ شنّ برجليها و خنزير

لكان جائزا، لو لا يبس الشنّ و قحوله، و أنّه ليس مما يلتوي على رجليها. و قال آخر: [من الطويل‏]

كأنّ ابن آوى موثق تحت غرزها # إذا هو لم يكلم بنابيه ظفّرا

____________

(1) البيتان من معلقته في ديوانه 21، و الأول في اللسان (هزج، وحش، دفف، أوم) ، و التاج (هزج، أوم) .

(2) البيتان في ديوان المثقب العبدي 34، و المفضليات 290، و المراثي لليزيدي 236.

(3) الأول صدر البيت، و الثاني عجزه، و هما لأوس بن حجر في ديوانه 42.

(4) الأول صدر البيت، و الثاني عجزه، و هما لأوس بن حجر في ديوانه 42.

(5) الرجز في ديوانه 199، و الطرائف الأدبية 66.

185

210-[الرجوع في الهبة]

و قال صاحب الديك: حديث عمرو بن شعيب عن عبد اللّه بن عمر و عبد اللّه ابن عباس، أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قال: «لا يحلّ لرجل أن يعطي عطيّة و يرجع فيها، إلاّ الوالد فيما يعطي ولده. و مثل الذي يعطي العطيّة ثم يرجع فيها كمثل الكلب يأكل، حتى إذا شبع قاء ثم عاد في قيئه» (1) .

و عن عبد اللّه بن عمر قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «لا يرجع في هبته إلاّ الوالد من ولده. و العائد في هبته كالعائد في قيئه» .

و عن جعفر بن محمد عن أبيه عن عبد اللّه بن جعفر، أنّ أبا بكر أمر بقتل الكلب. قال عبد اللّه بن جعفر: و كانت أمّي تحت أبي بكر، و كان جرو لي تحت سريره فقلت له: يا أبت، و كلبي أيضا؟فقال: لا تقتلوا كلب ابني، ثمّ أشار بإصبعه إلى الكلب-أي خذوه من تحت السرير-و أنا لا أدري، فقتل.

و إسماعيل بن أميّة قال: أمّتان من الجنّ مسختا، و هما الكلاب و الحيّات.

ابن المبارك قال: إذا عرف الرجل قدر نفسه صار عند نفسه أذلّ من الكلب.

211-[لؤم الكلب‏]

قال صاحب الديك-و ذكر الكلب فقال-: من لؤمه أنّه إذا أسمنته أكلك‏ (2) ، و إن أجعته أنكرك. و من لؤمه اتّباعه لمن أهانه، و إلفه لمن أجاعه؛ لأنه أجهل من أن يأنس بما يؤنس به و أشره و أنهم و أحرص و ألجّ من أن يذهب بمطمعته ما يذهب بمطامع السباع.

و من جهله أيضا أنّا لم نجده يحرس المحسنين إليه بنباحه، و أربابه الذين ربّوه و تبنّوه إلا كحراسته لمن عرفه ساعة واحدة، بل لمن أذلّه و أجاعه و أعطشه.

بل ليس ذلك منه حراسة، و إنّما هو فيه من فضل البذاء أو الفحش، و شدّة التحرّش و التسرّع. و قد قال الشاعر في ذلك: [من الرجز]

إذا تخازرت و ما بي من خزر # ثم كسرت العين من غير عور (3)

____________

(1) أخرجه البخاري في الزكاة، باب 58، حديث 1418، 1419، و مسلم في الهبات برقم 1620.

(2) قيل في الأمثال: «سمّن كلبك يأكلك» . و المثل في مجمع الأمثال 1/333، و فصل المقال 419، و الفاخر 70، و المستقصى 2/121.

(3) الرجز لعمرو بن العاص؛ أو لأرطأة بن سهية في التنبيه و الإيضاح 2/205، و اللسان و التاج (مرر) ، و بلا نسبة في أساس البلاغة (قزح) ، و مجالس ثعلب 9، و أمالي القالي 1/96، و الأغاني 20/263.

186

أبذى إذا بوذيت من كلب ذكر # أسود قزّاح يعوّي في السّحر

و إنّما ذلك شكل من شكل الجبن، و كالذي يعتري نساء السّفلة من الصخب.

212-[جبن الكلب‏]

و الكلب جبان و فيه جرأة و لؤم. و لو كان شجاعا و فيه بعض التهيّب كان أمثل.

و من فرط الجبن أنّه يفزع من كلّ شي‏ء و ينبحه.

و البرذون ربّما رمح البرذون مبتدئا، و قلق و صهل صهيلا في اختلاط، و ليس ذلك من فضل قوّة يجدها في نفسه على المرموح، و لكنّه يكون جبانا، فإذا رأى البرذون الذي يظنّ أنّه يعجز عنه أراه الجبن أنّه واقع به، فعندها يقلق و إذا قلق رمح.

و هذه العلّة تعرض للمجنون؛ فإنّ المجنون الذي تستولي عليه السّوداء، ربما وثب على من لا يعرفه. و ليس ذلك إلاّ لأنّ المرّة أوهمته أنّه يريده بسوء، و أنّ الرأي أن يبدأه بالضرب. و على مثل ذلك يرمي بنفسه في الماء و النار.

213-[نفي اللحن عن النظام‏]

فأمّا الذي شهدت أنا من أبي إسحاق بن سيّار النظّام، فإنّا خرجنا ليلة في بعض طرقات الأبلّة، و تقدّمته شيئا، و ألح عليه كلب من شكل كلاب الرّعاء، و كره أن يعدو فيغريه و يضرّيه‏ (1) ، و أنف أيضا من ذلك-و كان أنفا شديد الشّكيمة أبّاء للهضيمة -و كره أن يجلس مخافة أن يشغر عليه أو لعلّه أن يعضّه فيهرت ثوبه، و ألحّ عليه فلم ينله بسوء. فلمّا جزنا حدّه و تخلّصنا منه، قال إبراهيم في كلام له كثير، يعدّد خصاله المذمومة، فكان آخر كلامه أن قال: إن كنت سبع فاذهب مع السّباع، و عليك بالبراري و الغياض، و إن كنت بهيمة فاسكت عنّا سكوت البهائم! و لا تنكر قولي و حياتي عنه بقول ملحون. من قولي: «إن كنت سبع» و لم أقل «إن كنت سبعا» !

214-[الإعراب و اللحن‏]

و أنا أقول: إنّ الإعراب يفسد نوادر المولّدين، كما أنّ اللحن يفسد كلام الأعراب‏ (2) ؛ لأنّ سامع ذلك الكلام إنّما أعجبته تلك الصورة و ذلك المخرج، و تلك

____________

(1) يضريه: يغريه.

(2) انظر البيان 1/145-146.

187

اللغة و تلك العادة؛ فإذا دخلت على هذا الأمر-الذي إنما أضحك بسخفه و بعض كلام العجميّة التي فيه-حروف الإعراب و التحقيق و التثقيل و حوّلته إلى صورة ألفاظ الأعراب الفصحاء، و أهل المروءة و النجابة انقلب المعنى مع انقلاب نظمه، و تبدّلت صورته.

214-[عود إلى الحديث عن الكلب‏]

ثم قال أبو إسحاق: إن أطعمه اللصّ بالنهار كسرة خبز خلاّه، و دار حوله ليلا.

فهو في هذا الوجه مرتش و آكل سحت‏ (1) ؛ و هو مع ذلك أسمج الخلق صوتا، و أحمق الخلق يقظة و نوما، و ينام النّهار كله على نفس الجادّة، و على مدقّ الحوافر، و في كل سوق و ملتقى طريق، و على سبيل الحمولة و قد سهر الليل كله بالصياح و الصّخب، و النّصب و التّعب، و الغيظ و الغضب، و بالمجي‏ء و الذّهاب، فيركبه من حبّ النوم على حسب حاجته إليه، فإن وطئته دابّة فأسوأ الخلق جزعا و ألأمه لؤما، و أكثره نباحا و عواء، فإن سلم و لم تطأه دابّة و لا وطئه إنسان، فليست تتمّ له السلامة؛ لأنّه في حال متوقّع للبليّة. و متوقّع البليّة في بليّة. فإن لم يسلم فليس على ظهرها مبتلى أسوأ حالا منه؛ لأنّه أسوؤهم جزعا، و أقلّهم صبرا، و لأنّه الجاني ذلك على نفسه، و قد كانت الطّرق الخالية له معرضة، و أصول الحيطان مباحة.

و بعد فإنّ كلّ خلق فارق أخلاق النّاس فإنّه مذموم. و الناس ينامون بالليل الذي جعله اللّه تعالى سكنا، و ينتشرون بالنّهار الذي جعله اللّه تعالى لحاجات الناس مسرحا.

قال صاحب الكلب: لو شئنا أن نقول: إنّ سهره بالليل و نومه بالنهار خصلة ملوكيّة لقلنا، و لو كان خلاف ذلك ألذّ لكانت الملوك بذلك أولى. و أمّا الذي أشرتم به من النوم في الطرق الخالية، و عبتموه به من نومه على شارعات الطّرق و السّكك العامرة و في الأسواق الجامعة، فكلّ امرئ أعلم بشأنه. و لو لا أنّ الكلب يعلم ما يلقى من الأحداث و السّفهاء و صبيان الكتّاب، من رضّ عظامه بألواحهم إذا وجدوه نائما في طريق خال ليس بحضرته رجال يهابون، و مشيخة يرحمون و يزجرون السفهاء، و أنّ ذلك لا يعتريه في مجامع الأسواق-لقلّ خلافه عليك، و لما رقد في الأسواق. و على أنّ هذا الخلق إنّما يعتري كلاب الحرّاس، و هي التي في الأسواق مأواها و منازلها.

____________

(1) السحت: المال الحرام.

188

و بعد فمن أخطأ و أظلم ممّن يكلّف السباع أخلاق الناس و عادات البهائم!! و قد علمنا أنّ سباع الأرض عن آخرها إنّما تهيج و تسرح و تلتمس المعيشة و تتلاقى على السفاد و العظال ليلا؛ لأنها تبصر بالليل.

215-[سبب اختيار الليل للنوم‏]

و إنما نام الناس بالليل عن حوائجهم، لأنّ التمييز و التفصيل و التبيّن لا يمكنهم إلاّ نهارا، و ليس للمتعب المتحرّك بدّ من سكون يكون جماما له. و لو لا صرفهم التماس الجمام إلى الوقت الذي لو لم يناموا فيه و الوقت مانع من التمييز و التبيّن، لكانت الطبائع تنتقض. فجعلوا النّوم بالليل لضربين: أحدهما لأنّ الليل إذ كان من طبعه البرد و الرّكود و الخثورة، كان ذلك أنزع إلى النوم و ما دعا إليه، لأنّه من شكله.

و أمّا الوجه الآخر فلأنّ الليل موحش مخوف الجوانب من الهوامّ و السباع، و لأنّ الأشياء المبتاعة و الحاجات إلى تمييز الدنانير، و الدراهم، و الحبوب، و البزور، و الجواهر، و أخلاط العطر، و البربهار (1) و ما لا يحصى عدده، فقادتهم طبائعهم و ساقتهم غرائزهم إلى وضع النوم في موضعه، و الانتشار و التصرف في موضعه على ما قدّر اللّه تعالى من ذلك و أحبّه. و أمّا السباع فإنها تتصرّف و تبصر بالليل، و لها أيضا علل أخرى يطول ذكرها.

216-[نوم الملوك‏]

و أمّا ما ذكرتموه من نوم الملوك بالنّهار و سهرهم بالليل، فإنّ الملوك لم تجهل فضل النوم بالليل و الحركة بالنهار، و لكنّ الملوك لكثرة أشغالها فضلت حوائجها عن مقدار النهار و لم يتّسع لها، فلما استعانت بالليل و لم يكن لها بدّ من الخلوة بالتدبير المكتوم و السرّ المخزون، و جمعت المقدار الفاضل عن اتّساع النهار إلى المقدار الذي لا بدّ للخلوة بالأسرار منه؛ أخذت من الليل صدرا صالحا. فلمّا طال ذلك عليها أعانها المران، و خفّ ذلك عليها بالدّربة.

و ناس منهم ذهبوا إلى التناول من الشراب و إلى أن سماع الصوت الحسن مما يزيد في المنّة (2) ، و يكون مادّة للقوة. و علموا أنّ العوامّ إذا كانت لا تتناول الشّراب

____________

(1) البربهار: أدوية من الحشيش تجلب من الهند.

(2) المنة: القوة.

189

و لا تتكلّف السماع على هذا المعنى، أن ظنّها سيسوء، و قولها سيكثر؛ فرأوا أنّ الليل أستر و أجدر أن يتمّ به التدبير، و قال الراجز: [من الرجز]

اللّيل أخفى و النّهار أفضح‏ (1)

و قالوا في المثل: «اللّيل أخفى للويل» (2) .

217-[تلهي المحزون بالسماع‏]

و ما زالت ملوك العجم تلهّي المحزون بالسماع، و تعلّل المريض، و تشغله عن التفكير، حتّى أخذت ذلك ملوك العرب عن ملوك العجم. و لذلك قال ابن عسلة الشيباني: [من الكامل‏]

و سماع مدجنة تعلّلنا # حتّى ننام تنام تناوم العجم‏ (3)

فصحوت و النّمريّ يحسبها # عمّ السّماك و خالة النّجم‏

النجم: واحد و جمع، و إنّما يعني في البيت الثريّا. و مدجنة: يعني سحابة دائمة.

218-[قول أم تأبط شرا في ولدها]

و فيما يحكى عن امرأة من عقلاء نساء العرب-و إذا كان نساء العرب في الجملة أعقل من رجال العجم، فما ظنّك بالمرأة منهم إذا كانت مقدّمة فيهم-فرووا جميعا أنّ أمّ تأبّط شرّا قالت: «و اللّه ما ولدته يتنا، و لا سقيته غيلا و لا أبتّه على مأقة» (4) .

فأمّا اليتن فخروج رجل المولود قبل رأسه، و ذلك علامة سوء، و دليل على الفساد. و أما سقي الغيل، فارتضاع لبن الحبلى، و ذلك فساد شديد.

____________

(1) الرجز بلا نسبة في البيان 1/151، و قبله: «إنك يا ابن جعفر لا تفلح» . و انظر مجمع الأمثال 1/255، و المستقصى 1/343.

(2) مجمع الأمثال 2/193، و جمهرة الأمثال 2/181، و المستقصى 1/343، و فصل المقال 65، 66.

(3) البيتان في المفضليات 279، و البيان 1/229، و نوادر المخطوطات 1/94.

(4) ورد قولها في العقد الفريد 6/118، و إصلاح المنطق 11، و نسب إلى فاطمة بنت خرشب في مجمع الأمثال 2/350، و الأغاني 17/180.

190

219-[ما ينبغي للأم في سياسة رضيعها حين بكائه‏]

و أما قولها في المأقة، فإنّ الصبيّ يبكي بكاء شديدا متعبا موجعا، فإذا كانت الأمّ جاهلة حرّكته في المهد حركة تورثه الدّوار، أو نوّمته بأن تضرب يدها على جنبه. و متى نام الصبيّ و تلك الفزعة أو اللّوعة أو المكروه قائم في جوفه، و لم يعلّل ببعض ما يلهيه و يضحكه و يسرّه، حتى يكون نومه على سرور، فيسري فيه و يعمل في طباعه، و لا يكون نومه على فزع أو غيظ أو غمّ؛ فإنّ ذلك ممّا يعمل في الفساد.

و الأمّ الجاهلة و المرقّصة الخرقاء، إذا لم تعرف فرق ما بين هاتين الحالتين، كثر منها ذلك الفساد، و ترادف، و أعان الثاني الأوّل و الثالث الثاني حتّى يخرج الصبيّ مائقا.

و في المثل: «صاحبي مئق و أنا تئق» (1) ، يضرب هذا المثل للمسافر الأحمق الرّفيق و الزّميل، و قد استفرغه الضّجر لطول السفر فقلبه ملآن، فأوّل شي‏ء يكون في ذلك المئق من المكروه لم يحتمله بل يفيض ضجره عليه، لامتلائه من طول ما قاسى من مكروه السفر.

220-[القول في الصوت‏]

فاحتاج حذّاق الملوك و أصحاب العنايات التامّة، أن يداووا أنفسهم بالسماع الحسن، و يشدّوا من متنهم بالشراب، الذي إذا وقع في الجوف حرّك الدّم، و إذا حرك الدّم حرّك طباع السرور، ثمّ لا يزال زائدا في مكيال الدم، زائدا في الحركة المولّدة للسرور. هذه صفة الملوك. و عليه بنوا أمرهم، جهل ذلك من جهله، و علمه من علمه.

و قال صاحب الكلب: أمّا تركه الاعتراض على اللّصّ الذي أطعمه أيّاما و أحسن إليه مرارا، فإنّما وجب عليه حفظ أهله لإحسانهم إليه، و تعاهدهم له. فإذا كان عهده ببرّ اللص أحدث من عهده ببرّ أهله، لم يكلّف الكلب النظر في العواقب، و موازنة الأمور. و الذي أضمر اللصّ من البيات غيب قد ستر عنه؛ و هو لا يدري أ جاء ليأخذ أم جاء ليعطي، أو هم أمروه أو هو المتكلّف لذلك؛ و لعلّ أهله أيضا أن يكونوا قد استحقّوا ذلك منه بالضّرب و الإجاعة، و بالسبّ و الإهانة.

و أمّا سماجة الصّوت فالبغل أسمج صوتا منه، كذلك الطاوس على أنّهم يتشاءمون به. و ليس الصّوت الحسن إلاّ لأصناف الحمام من القماريّ و الدّباسيّ،

____________

(1) البخلاء 207.

191

و أصناف الشّفانين و الوراشين. فأمّا الأسد و الذئب؛ و ابن آوى و الخنزير، و جميع الطير و السباع و البهائم فكذلك. و إنّما لك أن تذمّ الكلب في الشي‏ء الذي لا يعمّ. و الناس يقولون: ليس في الناس شي‏ء أقلّ من ثلاثة أصناف: البيان الحسن، و الصوت الحسن، و الصورة الحسنة؛ ثمّ النّاس بعد مختلطون ممتزجون. و ربّما كان من الناس بل كثيرا ما تجده و صوته أقبح من صوت الكلب، فلم تخصّون الكلب بشي‏ء عامّة الخلق فيه أسوأ حالا من الكلب؟! و أما عواؤه من وطء الدّابّة و سوء جزعه من ضرب الصّبيان، فجزع الفرس من وقع عذبة السّوط، أسوأ من جزعه من وقع حافر برذون. و هو في هذا الموضع للفرس أشدّ مناسبة منه للحمار.

على أنّ الدّيك لا يذكر بصبر و لا جزع.

221-[نوادر ديسيموس اليوناني‏]

قال صاحب الديك: حدّثني العتبي قال: كان في اليونانيّين ممرور له نوادر عجيبة، و كان يسمّى ديسيموس‏ (1) ، قال: و الحكماء يروون له أكثر من ثمانين نادرة ما منها إلاّ و هي غرّة؛ و عين من عيون النوادر: فمنها أنّه كان كلّما خرج من بيته مع الفجر إلى شاطئ الفرات للغائط و الطهور، ألقى في أصل باب داره و في دوّارته حجرا، كي لا ينصفق الباب، فيحتاج إلى معالجة فتحه، و إلى دفعه كلّما رجع من حاجته، فكان كلّما رجع لم يجد الحجر في موضعه، و وجد الباب منصفقا. فكمن له في بعض الأيّام ليرى هذا الذي يصنع ما يصنع. فبينا هو في انتظاره إذ أقبل رجل حتّى تناول الحجر، فلمّا نحّاه عن مكانه انصفق الباب، فقال له: ما لك و لهذا الحجر؟و ما لك تأخذه؟فقال لم أعلم أنّه لك. قال: فقد علمت أنّه ليس لك! قال: و قال بعضهم: ما بال ديسيموس يعلّم الناس الشّعر و لا يقول الشعر؟قال:

ديسيموس كالمسنّ الذي يشحذ و لا يقطع.

و رآه رجل يأكل في السّوق فقال: أ تأكل في السوق؟فقال: إذا جاع ديسيموس في السّوق أكل من السوق.

قال: و أسمعه رجل كلاما غليظا وسطا عليه، و فحش في القول، و تحلّم عنه فلم يجبه، فقيل له: ما منعك من مكافأته و هو لك معرض؟قال: أ رأيت لو رمحك حمار

____________

(1) انظر البخلاء 188، 394.

192

أ كنت ترمحه؟قال: لا. قال: فإن ينبح عليك كلب تنبح عليه؟قال: لا، قال: فإنّ السفيه إمّا أن يكون حمارا، و إما أن يكون كلبا؛ لأنّه لا يخلو من شرارة تكون فيه أو جهل، و ما أكثر ما يجتمعان فيه.

222-[أمثال أخرى في الكلب‏]

و قال صاحب الديك: يقال للسفيه إنّما هو كلب، و إنّما أنت كلب نبّاح، و ما زال ينبح علينا منذ اليوم، و كلب من هذا؟و يا كلب ابن الكلب، و أخسأ كلبا.

و قالوا في المثل: «احتاج إلى الصّوف من جزّ كلبه» (1) ، و «أجع كلبك يتبعك» (2) ، و «أحبّ شي‏ء إلى الكلب خانقه» (3) ، و «سمّن كلبك يأكلك» (4) ، و «أجوع من كلبة حومل» (5) ، و «كالكلب يربض في الآريّ فلا هو يأكل و لا يدع الدابّة تعتلف» .

223-[براقش‏]

و في أمثالهم في الشؤم: «على أهلها دلّت براقش» (6) .

و براقش: كلبة نبحت على جيش مرّوا في جوف الليل و هم لا يشعرون بموضع الحيّ، فاستدلّوا عليهم بنباح الكلبة فاستباحوهم.

224-[الجنّ و الحنّ‏]

و قال صاحب الدّيك: روى إسماعيل المكي عن أبي عطاء العطاردي قال:

سمعت ابن عبّاس يقول: السّود من الكلاب الجنّ، و البقع منها الحنّ. و يقال إنّ الحنّ ضعفة الجنّ، كما أنّ الجنيّ إذا كفر و ظلم و تعدّى و أفسد، قيل شيطان؛ و إن قوي على البنيان و الحمل الثقيل، و على استراق السمع قيل مارد، فإن زاد فهو عفريت، فإن زاد فهو عبقريّ. كما أنّ الرجل إذا قاتل في الحرب و أقدم و لم يحجم فهو الشجاع،

____________

(1) مجمع الأمثال 1/230.

(2) مجمع الأمثال 1/165، و جمهرة الأمثال 1/111، و المستقصى 1/50 و فصل المقال 489.

(3) مجمع الأمثال 1/201، و المستقصى 1/95.

(4) مجمع الأمثال 1/333، و جمهرة الأمثال 1/525، و المستقصى 2/121، و فصل المقال 419.

(5) مجمع الأمثال 1/186، و جمهرة الأمثال 1/298، 331، و المستقصى 1/57، و فصل المقال 496.

(6) مجمع الأمثال 2/14، و جمهرة الأمثال 2/32، 52.

193

فإن زاد فهو البطل، فإن زاد قالوا: بهمة، فإن زاد قالوا: أليس. فهذا قول أبي عبيدة.

و بعض النّاس يزعم أنّ الحنّ و الجنّ صنفان مختلفان، و ذهبوا إلى قول الأعرابي حين أتى بعض الملوك ليكتتب في الزّمنى، فقال في ذلك: [من الرجز]

إن تكتبوا الزّمنى فإنّي لزمن # من ظاهر الدّاء و داء مستكنّ‏ (1)

أبيت أهوي في شياطين ترنّ # مختلف نجارهم حنّ و جنّ‏

225-[ما ورد من الحديث و الخبر في الكلاب‏]

[1-قتل الكلاب‏]

و عن أبي عنبسة عن أبي الزبير عن جابر: قال: أمرنا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم بقتل الكلاب، حتى أن المرأة لتقدم بكلبها من البادية فنقتله، ثم نهانا عن قتلها و قال:

«عليكم بالأسود البهيم ذي النكتتين على عينيه؛ فإنه شيطان» .

و عن أبي الزبير عن جابر قال: أمرنا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم بقتل الكلاب، فكنا نقتلها كلها حتى قال: «إنها أمة من الأمم؛ فاقتلوا البهيم الأسود ذا النكتتين على عينيه؛ فإنه شيطان» .

و عبد اللّه و أبو بكر ابنا نافع عن ابن عمر، و نافع عن أبي رافع قال: أمرني رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أن أقتل الكلاب، فكنّا نقتلها؛ فانتهيت إلى ظاهر بني عامر، و إذا عجوز مسكينة معها كلب و ليس قربها إنسان فقالت: ارجع إلى النبيّ صلى اللّه عليه و سلم فأخبره أنّ هذا الكلب يؤنسني، و ليس قربي أحد. فرجع إليه فأخبره، فأمر أن يقتل كلبها فقتله.

و قال في حديث آخر: إنّه لمّا فرغ من قتل كلاب المدينة و قتل كلب المرأة قال: الآن استرحت. قالوا: فقد صحّ الخبر عن قتل جميع الكلاب، ثمّ صحّ الخبر بنسخ بعضه و قتل الأسود البهيم منها، مع الخبر بأنّها من الجنّ و الحنّ، و أنّ أمّتين مسختا، و هما الحيّات و الكلاب.

ثم روى الأشعث عن الحسن قال: ما خطب عثمان خطبة إلاّ أمر بقتل الكلاب و ذبح الحمام.

و عن الحسن قال: سمعت عثمان بن عفّان يقول: اقتلوا الكلاب و اذبحوا الحمام.

قال: و قال عطاء: في قتل كلب الصيد إذا كان صائدا أربعون درهما، و في كلب الزرع شاة.

____________

(1) الرجز للمهاصر بن المحل في اللسان و التاج (دفن) .

194

[2-دية الكلب‏]

و الحسن بن عمارة عن يعلى بن عطاء عن إسماعيل بن حسان عن عبد اللّه بن عمر قال: قضى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم في كلب الصّيد بأربعين درهما، و في كلب الغنم بشاة، و في كلب الزرع بفرق من طعام، و في كلب الدار بفرق من تراب، حقّ على القاتل أن يؤدّيه، و حقّ على صاحب الدار أن يقبضه.

قالوا: و التراب لا يكون عقلا إذا كان في مقدار الفرق.

و في قوله: و حقّ على صاحب الدار أن يقبضه، دليل على أنّه عقوبة على اتخاذه و أن ذلك على التصغير لأمر الكلب و تحقيره، و على وجه الإرغام لمالكه. و لو كان عوضا أو ثوابا، أو كان في طريق الأموال المحروص عليها، لما أكره على قبضه أحد، و لكان العفو أفضل.

[3-شأن الكلاب‏]

قال: و سئل عن الكلب يكون في الدار و في الدار من هو له كاره.

ابن أبي عروبة عن قتادة عن أبي الحكم: أنّ ابن عمر سئل عن ذلك فقال:

لمأثم على ربّ الدّار الذي يملكها.

و عن ابن عمر قال: من اتّخذ كلبا ليس بكلب زرع و لا ضرع و لا صيد نقص من أجره كلّ يوم قيراط. فقال رجل: فإن اتخذه رجل و هو كاره؟قال: إنّما إثمه على صاحب الدار.

و صدقة بن طيسلة المازنيّ قال: سألت الحسن قلت: إنّ دورنا في الجبّان و هي معورة و ليس عليها أبواب، أ فترى أن نتّخذ فيها كلابا؟قال: لا لا.

و عن ابن أبي أنيسة عن سالم عن أبيه قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «من اقتنى كلبا إلاّ كلب صيد أو كلب ماشية، نقص من أجره كلّ يوم قيراطان» .

و عن أبي هريرة عن النبيّ صلى اللّه عليه و سلم: «من اقتنى كلبا فإنّه ينقص من عمله كلّ يوم قيراط» .

و يونس عن أبيه عن إسحاق قال: حدثنا هنيدة بن خالد الخزاعي قال: انطلقت مع نفر من أصحاب النبي صلى اللّه عليه و سلم، نعود رجلا من الأنصار، فلمّا انتهوا إلى باب الدار ثارت أكلب في وجوه القوم، فقال بعضهم لبعض: ما يبقي هؤلاء من عمل فلان شيئا، كلّ كلب منها ينقص قيراطا في كلّ يوم.

195

هشام بن حسان عن أبي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «من اتخذ كلبا ليس بكلب صيد و لا زرع و لا ضرع، فإنه ينقص من أجره كلّ يوم قيراط، و القيراط مثل جبل أحد» .

يونس عن أبي إسحاق عن مجاهد قال: أقبل عبد اللّه بن عمرو بن العاص حتّى نزل ناحية مكّة، و كانت امرأة عمّ له تهاديه، فلما كانت ذات يوم قالت له: لو أرسلت إليّ الغنم فاستأنست برعائها و كلابها فقد نزلت قاصية!فقال: لو لا كلابها لفعلت؛ إنّ الملائكة لا تدخل دارا فيها كلب.

الثوريّ عن سماك بن حرب، أنّ ابن عباس قال على منبر البصرة: إنّ الكلاب من الحنّ و إنّ الحنّ من ضعفة الجن، فإذا غشيكم منها شي‏ء فألقوا إليها شيئا أو اطردوه، فإنّ لها أنفس سوء.

و هشيم عن المغيرة عن إبراهيم قالوا: لم يكونوا ينهوننا عن شي‏ء من اللعب و نحن غلمان إلاّ الكلاب.

قال صاحب الديك: روى إبراهيم بن أبي يحيى الأسلميّ، عن محمّد بن المنكدر، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن قال: تقامر رجلان على عهد عمر بديكين، فأمر عمر بالديكة أن تقتل فأتاه رجل من الأنصار فقال: أمرت بقتل أمّة من الأمم تسبّح اللّه تعالى؟!فأمر بتركها.

و عن قتادة أنّ أبا موسى قال: لا تتّخذوا الدّجاج في الدّور فتكونوا أهل قرية، و قد سمعتم ما قال اللّه تعالى في أهل القرى: أَ فَأَمِنَ أَهْلُ اَلْقُرى‏ََ أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنََا بَيََاتاً وَ هُمْ نََائِمُونَ (1) .

و هذا عندي من أبي موسى ليس على ما يظنّه الناس، لأنّ تأويله هذا ليس على وجه، و لكنّه كره للفرسان و رجال الحرب اتخاذ ما يتّخذه الفلاّح و أصحاب التعيّش، مع حاجته يومئذ إلى تفرّغهم لحروب العجم، و أخذهم في تأهّب الفرسان و في دربة رجال الحرب. فإن كان ذهب إلى الذي يظهر في اللفظ فهذا تأويل مرغوب عنه.

و قال صاحب الكلب لصاحب الديك: فقد أمر عمر بقتل الدّيكة و لم يستثن منها شيئا دون شي‏ء، و نهى أبو موسى عن اتخاذ الدجاج و لم يستثن منها شيئا دون شي‏ء، و الدّيكة تدخل في هذا الاسم، و اسم الدّجاج يجمعها جميعا. و رويتم في قتل الحمام مثل روايتكم في قتل الكلاب، و لم أركم رويتم أنّ الحمام مسخ، و لا أنّ بعضه من الجن و بعضه من الحن، و لا أنّ أمتين مسختا و كان أحدهما الحمام.

____________

(1) . 97: الأعراف/7.

196

و زعمتم أنّ عمر إنّما أمر بقتل الدّيكة حين كره الهراش بها و القمار بها. فلعلّ كلاب المدينة في تلك الأيّام كثر فيها العقور و أكثر أهلها من الهراش بها و القمار فيها. و قد علمتم أنّ ولاة المدينة ربّما دمروا على صاحب الحمام إذا خيف قبله القمار و ظنّوا أنه الشّرف‏ (1) . و ذكروا عنه الرّمي بالبندق و خديعة أولادهم بالفراخ. فما بالكم لم تخرّجوا للكلاب من التأويل و العذر، مثل الذي خرّجتم للحمام و الديكة.

226-[المسخ من الحيوان‏]

و رويتم في الجرّيّ‏ (2) و الضّباب أنهما كانتا أمّتين مسختا. و روى بعضهم في الإربيانة أنّها كانت خيّاطة تسرق السّلوك، و أنّها مسخت و ترك عليها بعض خيوطها لتكون علامة لها و دليلا على جنس سرقتها. و رويتم في الفأرة أنّها كانت طحّانة (3) ، و في سهيل أنّه كان عشّارا باليمن‏ (4) و في الحيّة أنّها كانت في صورة جمل، و أنّ اللّه تعالى عاقبها حتى لاطها بالأرض، و قسم عقابها على عشرة أقسام، حين احتملت دخول إبليس في جوفها حتّى وسوس إلى آدم من فيها. و قلتم في الوزغة و في الحكأة (5) ما قلتم. و زعمتم أنّ الإبل خلقت من أعنان الشياطين‏ (6) ، و تأوّلتم في ذلك أقبح التأويل. و زعمتم أنّ الكلاب أمّة من الجنّ مسخت. و الذئب أحقّ بأن يكون شيطانا من الكلب، لأنّه وحشيّ و صاحب قفار، و به يضرب المثل في التعدّي، و الكلب ألوف و صاحب ديار، و به يضرب المثل. و الذئب ختور غدّار، و الكلب و فيّ مناصح. و قد أقام الناس في الدّيار الكلاب مقام السّنانير للفأر. و الذئب مضرّة كلّه، و الكلب منافعه فاضلة على مضارّه، بل هي غالبة عليها و غامرة لها، و هذه صفة جميع هذه الأشياء النافعة.

و الناس لم يطبقوا على اتّخاذها عبثا و لا جهلا، و القضاة و الفقهاء و العبّاد و الولاة و النّسّاك، الذين يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر، و المحتسبة و أصحاب التكلّف و التسليم جميعا، لم يطبقوا على ترك النّكير على ما يشاهدونه منها في دور من لا يعصيهم و لا يمتنع عليهم إلاّ و قد علموا أنّه قد كان لقتل الكلاب بأعيانها في

____________

(1) الشرف: الإشفاء على خطر من خير أو شر. (اللسان: شرف) .

(2) الجري: ضرب من السمك.

(3) ورد القول في ربيع الأبرار 5/471.

(4) العشار: الذي يأخذ العشر.

(5) الحكأة: عظاءة مخططة بخمسة خطوط سود.

(6) في النهاية 3/313 (لا تصلوا في أعطان الإبل لأنها خلقت من أعنان الشياطين) ، الأعنان النواحي، كأنه قال: إنها لكثرة آفاتها كأنها من نواحي الشياطين في أخلاقها و طبائعها.

197

ذلك الدّهر، معنى. و إلاّ فالنّاس في جميع أقطار الأرض لا يجمعون على مسالمة أصحاب المعاصي، الذين قد خلعوا عذرهم و أبرزوا صفحتهم. بل ما ترى خصما يطعن على شاهد عند قاض بأنّ في داره كلبا، و لا ترى حكما يردّ بذلك شهادة. بل لو كان اتّخاذ الكلاب مأمورا به، لما كان إلاّ كذلك.

و لو أنّكم حملتم حكم جميع الهداهد على حكم هدهد سليمان‏ (1) ، و جميع الغربان على حكم غراب نوح‏ (2) ، و جميع الحمام على حكم حمامة السفينة (3) ، و جميع الذئاب على حكم ذئب أهبان بن أوس، و جميع الحمير على حكم حمار عزير (4) -لكان ذلك حكما مردودا.

227-[أمور حدثت في دهر الأنبياء]

و قد نعرض لخصائص الأمور أسباب في دهر الأنبياء و نزول الوحي، لا يعرض مثلها في غير زمانهم‏ (5) : قد كان جبريل عليه السلام يمشي في الأرض على صورة دحية الكلبيّ، و كان إبليس يتراءى في السّكك في صورة سراقة المدلجي، و ظهر في صورة الشيخ النّجدي. و مثل هذا كثير.

228-[ما يسمى شيطانا و ليس به‏]

فإن زعمتم أنّ النبي صلى اللّه عليه و سلم نظر إلى رجل يتبع حماما طيّارا فقال: «شيطان يتبع شيطانا» ، فخبّرونا عمن يتخذ الحمام من بين جميع سكان الآفاق و نازلة البلدان من الحرميّين و البصريّين و من بني هاشم إلى من دونهم، أ تزعمون أنّهم شياطين على الحقيقة، و أنّهم من نجل الشياطين؛ أو تزعمون أنّهم كانوا إنسا فمسخوا بعد جنّا؛ أم يكون قوله لذلك الرجل شيطان، على مثل قوله‏ شَيََاطِينَ اَلْإِنْسِ وَ اَلْجِنِّ و على قول عمر: لأنزعنّ شيطانه من نعرته‏ (6) ، و على قول منظور بن رواحة: [من الطويل‏]

فلما أتاني ما تقول ترقّصت # شياطين رأسي و انتشين من الخمر (7)

____________

(1) في ثمار القلوب (706) : هدهد سليمان: يضرب مثلا للإنسان الحقير يدلّ على الملك الخطير.

(2) في ثمار القلوب (100) : غراب نوح: يضرب مثلا للرسول الذي لا يعود.

(3) في ثمار القلوب (678) : و يقال لها أيضا: حمامة السفينة.

(4) في ثمار القلوب (128) : حمار عزير: يضرب مثلا للمنكوب الذي ينتعش.

(5) الخبر في ثمار القلوب (138) .

(6) النهاية 5/80: أي حتى أزيل نخوته، و أخرج جهله من رأسه.

(7) البيت في ثمار القلوب (149) ، و حاشية معجم الشعراء 282.

198

و قد قال مرّة أبو الوجيه العكلي: «و كان ذلك حين ركبني شيطاني» (1) قيل له:

و أيّ الشياطين تعني؟قال: الغضب.

و العرب تسمّي كلّ حيّة شيطانا. و أنشد الأصمعي: [من الطويل‏]

تلاعب مثنى حضرميّ كأنّه # تعمّج شيطان بذي خروع قفر (2)

و قالت العرب: ما هو إلاّ شيطان الحماطة (4) . و يقولون: «ما هو إلاّ شيطان» (3)

يريدون القبح؛ و «ما هو إلاّ شيطان» ، يريدون الفطنة و شدّة العارضة.

و روي عن بعض الأعراب في وقعة كانت: و اللّه ما قتلنا إلاّ شيطان برصا، لأنّ الرجل الذي قاتلهم كان اسمه شيطان، و كان به برص.

و في بني سعد بنو شيطان. قال طفيل الغنوي: [من الطويل‏]

و شيطان إذ يدعوهم و يثوّب‏ (5)

و قال ابن ميّادة: [من الطويل‏]

فلما أتاني ما تقول محارب # تغنّت شياطيني و جنّ جنونها (6)

و قال الراجز: [من الرجز]

إنّي و إن كنت حديث السّنّ # و كان في العين نبوّ عنّي‏ (7)

فإنّ شيطاني كبير الجنّ‏

و قال أبو النّجم: [من الرجز]

إنّي و كلّ شاعر من البشر # شيطانه أنثى و شيطاني ذكر (8)

____________

(1) ورد قوله في أساس البلاغة (شطن) .

(2) البيت بلا نسبة في اللسان (حبب، عمج، خرع، شطن، ثنى) ، و التاج (حبب، خرع، ثنى) ، و المقاييس 2/28، 3/148، 4/137، و المجمل 2/30، و المخصص 7/110، 8/109، و ديوان الأدب 2/60، 440.

(3) المستقصى 2/202، و مجمع الأمثال 1/362، و انظر ثمار القلوب (614، 623) .

(4) مجمع الأمثال 1/50.

(5) صدر البيت: (و قد منت الحذواء منّا عليهم) ، و هو في ديوان طفيل الغنوي 49، و اللسان (شيط، شطن، خذا) ، و التاج (شيط) ، و بلا نسبة في التاج (خذا) .

(6) ديوان ابن ميادة 231، و أساس البلاغة (شطن) ، و ثمار القلوب (149) .

(7) الرجز لأمية بن كعب في الوحشيات 119، و بلا نسبة في الخصائص 1/217، و ثمار القلوب 56 (148) .

(8) ديوان أبي النجم 104-105، و الأغاني 10/153، و ثمار القلوب (148) ، و الحماسة البصرية 1/80، و محاضرات الأدباء 2/370.

199

و هذا كلّه منهم على وجه المثل، و على قول منظور بن رواحة: [من الطويل‏]

أتاني و أهلي بالدّماخ فغمرة # مسبّ عويف اللؤم حيّ بني بدر (1)

فلما أتاني ما يقول ترقّصت # شياطين رأسي و انتشين من الخمر

229-[خرافات عن الجن‏]

[1]و قد رويتم عن عبد اللّه بن فائد بإسناد له يرفعه قال: خرافة رجل من بني عذرة استهوته الشياطين، فتحدّث رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يوما بحديث فقالت امرأة من نسائه: هذا من حديث خرافة قال: «لا و خرافة حقّ» (2) .

[2]و رويتم أنّ شريك بن خباسة دخل الجنّة و خرج منها و معه ورقة من ورقها (3) ، و أنّ عمر سأل الرجل المفقود الذي استهوته الجنّ فقال: ما كان طعامهم؟ قال: الفول و الرّمّة. و سأل عن شرابهم فقال: الجدف‏ (4) . و قال الأعشى: [من الطويل‏]

و إني و ما كلّفتموني و ربّكم # لأعلم من أمسى أعقّ و أحوبا (5)

لكالثّور و الجنيّ يضرب ظهره # و ما ذنبه أن عافت الماء مشربا

[3]و زعمتم أنّ الجنّ خنقت حرب بن أمية، و خنقت مرداس بن أبي عامر، و خنقت الغريض المغنّي، و أنّها قتلت سعد بن عبادة، و استهوت عمرو بن عدي و استهوت عمارة بن الوليد، فأنتم أملياء بالخرافات‏ (6) أقوياء على ردّ الصحيح و تصحيح السقيم، و ردّ تأويل الحديث المشهور إلى أهوائكم. و قد عارضناكم و قابلناكم و قارضناكم.

230-[فضل الكلاب‏]

و قالوا: في الحديث أنّ «من اقتنى كلبا ليس بكلب زرع و لا ضرع و لا قنص

____________

(1) معجم الشعراء 282، و ثمار القلوب (149) .

(2) مسند أحمد 6/157، و انظر الفاخر 168، و المستقصى 1/361، و النهاية 2/25، و الاشتقاق 428، و مجمع الأمثال 1/195.

(3) ورد الخبر في المصدر السابق، و معجم البلدان 4/386 (القلت) .

(4) ورد الخبر في النهاية 1/247، و فيه: الجدف بالتحريك: نبات يكون باليمن لا يحتاج آكله معه إلى شرب ماء، و قيل: هو كل ما لا يغطى من الشراب و غيره.

(5) ديوان الأعشى 165.

(6) انظر مروج الذهب 2/297 (الباب الخمسون في ذكر قول العرب في الهواتف و الجان) .

200

فقد أثم» . فهاتوا شيئا من جميع الحيوان يصلح للزرع و الضّرع و القنص. و بعد فهل اتخذوا كلب الضّرع إلاّ ليحرس الماشية و أولادها من السباع؟و هل عند الكلب عند طروق الأسد و النمر و الذئاب و جميع ما يقتات اللّحمان من رؤساء السباع، إلاّ صياحه و نباحه و إنذاره و دلالته، و أن يشغلها بعض الشّغل، و يهجهج بها بعض الهجهجة، إلى أن يلحق بها من يحميها، و يتوافى إليها من يذود عنها، إذ ليس في هذا القياس أنّا متى وجدنا دهرا تكثر فيه اللصوص و يفشو فيه السّرّاق، و تظهر فيه النّقوب، و يشيع فيه التسلّق، ممّن إذا أفضى إلى منزل القوم لم يرض إلا بالحريبة (1) ليس دونها شي‏ء، أو يأتي على الأنفس، و هو لا يصل إلى ما يريد حتى يمرّ على النساء مكشّفات، و من عسى إذا أخذ المرأة أخذ يد ألاّ يرضى أن يتوعّد بذبح الأولاد و أن يتّقى بالمال، حتّى يذبح، و من عسى إن تمكّن شيئا أو أمن قليلا، أن يركب الحرم بالسّوأة العظمى و بالتي لا شوى لها. فهذا الحال أحقّ بالحراسة من تلك الأحوال.

و بعد فلم صار نساء الحرمين يتزاورن ليلا، و نساء المصرين يتزاورن نهارا، و نساء الحرمين لا يرين نهارا، و نساء المصرين لا يرين ليلا؛ إلاّ للمكابرات و لمكان كثرة من يستقفي و يتحوّب للنقب و التسلّق. و إذا كان الأمر كذلك فأيّ الأمور أحقّ بالتحصين و الحياطة، و أيّهما أشبه بالتغرير و الإضاعة: اتخاذ الكلاب التي لا تنام عند نوم من قد دأب نهاره، أو ترك اتخاذها؟و يقظة السّرّاق على قدر المسروقين.

و على أنّا لو حلنا بين حرس الأسواق و ما تشتمل عليه من حرائب الناس، و بين اتّخاذ الكلاب، لامتنعوا من ضمان الحراسة، و لامتنع كلّ محروس من إعطائهم تلك الأجرة، و لوجد اللصوص ذلك من أعظم الغنم و أجود الفرص. أ و ما تعلمون أنّ هذا الحريم، و هذه الحرمات و هذه العقائل من الأموال، أحقّ بالمنع و الحراسة و الدّفع عنها بكلّ حيلة، من حفظ الغنم و حريم الراعي و حرمة الأجير؟! و بعد فإنّ الذئاب لا تجتمع على قطيع واحد، و الذي يخاف من الذئب السّلّة و الخطفة، و الاستلاب و الاختلاس. و الأموال التي في حوانيت التجار و في منازل أهل اليسار يأتيها من العدد و العدّة، و من نجب أصحاب النجدة، من يحتملها بحذافيرها، مع ثقل وزنها و عظم حجمها، ثمّ يجالدون دون ذلك بسيوف الهند و بالأذرع الطوال.

و هم من بين جميع الخليقة لو لا أنّهم قد أحسّوا من أنفسهم الجراءة و ثبات العزيمة، بما ليس من غيرهم، لكانوا كغيرهم، و لو لا أنّ قلوبهم أشدّ من قلوب الأسد لما

____________

(1) الحريبة: المال الذي يسلب من الإنسان.

201

خرجوا، على أنّ جميع الخلق يطالبونهم، و على أنّ السلطان لم يولّ إلاّ لمكانهم.

و الكلاب لم تتّخذ إلا للإنذار بهم، و على أنّهم إذا أخذوا ماتوا كراما.

و لعلّ المدينة قد كانت في ذلك الدهر مأمونا عليها من أهل الفساد و كان أكثر كلابها عقورا، و أكثر فتيانها من بين مهارش أو مقامر. و الكلب العقور و الكلب الكلب أشدّ مضرّة من الذئب المأمور بقتله.

و قد يعرض للكلاب الكلب و الجنون لأمور: منها أن تأكل لحوم الناس، و منها كالجنون الذي يعرض لسائر الحيوان.

231-[قتل العامة للوزغ‏]

و جهّال النّاس اليوم يقتلون الوزغ، على أنّ آباءها و أمهاتها كانت تنفخ على نار إبراهيم، و تنقل إليها الحطب. فأحسب أنّ آباءها و أمّهاتها قد كنّ يعرفن فصل ما بين النّبيّ و المتنبّي، و أنّهن اعتقدن عداوة إبراهيم، على تقصير في أصل النظر، أو عن معاندة بعد الاستبانة حتّى فعلن ذلك-كيف جاز لنا أن تزر وازرة وزر أخرى؟!إلاّ أن تدّعوا أنّ هذه التي نقتلها هي تلك الجاحدة للنبوّة، و الكافرة بالربوبيّة، و أنّها لا تتناكح و لا تتوالد.

و قد يستقيم في بعض الأمر أن تقتل أكثر هذه الأجناس، إمّا من طريق المحنة و التعبّد و إمّا إذ كان اللّه عزّ و جلّ قد قضى على جماعتها الموت، أن يجري ذلك المجرى على أيدي الناس، كما أجرى موت جميع الناس على يد ملك واحد، و هو ملك الموت.

و بعد فلعلّ النبيّ صلى اللّه عليه و سلم قال هذا القول إن كان قاله، على الحكاية لأقاويل قوم.

و لعلّ ذلك كان على معنى كان يومئذ معلوما فترك النّاس العلّة و رووا الخبر سالما من العلل، مجرّدا غير مضمّن.

و لعلّ من سمع هذا الحديث شهد آخر الكلام و لم يشهد أوّله، و لعلّه عليه الصلاة و السلام قصد بهذا الكلام إلى ناس من أصحابه قد كان دار بينهم و بينه فيه شي‏ء. و كلّ ذلك ممكن سائغ غير مستنكر و لا مدفوع.

232-[قتل الفواسق‏]

و قد رويتم في الفواسق ما قد رويتم في الحيّة و الحدأة و العقرب و الفأرة

202

و الغراب، و رويتم في الكلب العقور، و كيف يقتلن في الحل و الحرم. فإن كنتم فقهاء فقد علمتم أنّ تسمية الغراب بالفسق، و الفأرة بالفويسقة؛ أنّ ذلك ليس من شكل تسمية الفاسق، و لا من شكل تسمية إبليس.

و قد قالوا: ما فجرها إلاّ فاجر، و لم يجعلوا الفاجر اسما له لا يفارقه. و قد يقال للفاسق من الرجال: خبيث. و قد قال صلى اللّه عليه و سلم: «من أكل من هذه الشّجرة الخبيثة فلا يقربنّ مصلاّنا» و هو على غير قوله عزّ و جلّ‏ اَلْخَبِيثََاتُ لِلْخَبِيثِينَ (1) . و قد قال بعض الرّجّاز و ذكر ذئبا: [من الرجز]

أما أتاك عنّي الحديث # إذ أنا بالغائط أستغيث

و الذئب وسط غنمي يعيث # و صحت بالغائط يا خبيث‏

و هذا الباب كثير، و ليس هذا موضعه، و قد ذكرناه في كتاب الاسم و الحكم.

و قد يشبه الاسم الاسم في صورة تقطيع الصوت، و في الخطّ في القرطاس، و إن اختلفت أماكنه و دلائله. فإذا كان كذلك فإنّما يعرف فضله بالمتكلّمين به، و بالحالات و المقالات، و بالذين عنوا بالكلام. و هذه جملة، و تفسيرها يطول.

و قالوا: قد أمرنا بقتل الحيّة و العقرب، و الذئب و الأسد، على معنى ينتظم معنيين: أحدهما الامتحان و التعبّد بفكر القلب و عمل الجارحة، لا على وجه الانتقام و العقوبة. و أمرنا بضرب الباغي بالسيف إذا كانت العصى لا تغني فيه على جهة الدّفع و على جهة العقاب، و لم نؤمر بالقصد إلى قتله، و إنّما الغاية في دفع بأسه عنا، فإن أتى إلى ذلك المقدار عليه، كان كسارق مات من قطع يده، و قاذف مات عن جلد ظهره.

و قد أمرنا بالقصد إلى قتل الحيّات و العقارب و إن لم تعرض لنا في ذلك الوقت؛ لأنّ جنسها الجنس المتلف متى همّ بذلك. و ليس لنا أن نضرب الباغي بالسّيف إلاّ و هو مقبل غير مدبر، و لنا أن نقتل الحيّة مقبلة و مدبرة، كما يقتل الكافر مقبلا و مدبرا؛ إلاّ أنّ قتل الكافر يجمع الامتحان و العقوبة، و ليس في قتل الحية إلاّ الامتحان. و قد كان يجوز أن تمتحن بحبسها و الاحتيال لمنعها، دون قتلها. و إذا ولّى الباغي من غير أن يكون يريد الرجوع إلى فئة، فحكمه الأسر و الحبس أبدا إلى أن يؤنس منه النّزوع.

و سبيل الأحناش و السّباع و ذوات السموم من الهمج و الحشرات، القتل مقبلة و مدبرة.

و قد أبيح لنا قتل ضروب من الحيوان عند ما يبلغ من جناياتها علينا الخدش، فضلا من الجرح و القتل، كالبعوض و النمل، و البراغيث و القمل.

____________

(1) . 26/النور.