الحيوان - ج1

- عمرو بن بحر الجاحظ المزيد...
259 /
203

و البعير قتله فساد، فإن صال على الناس كان قتله صلاحا. و الإنسان قتله حرام، فإن خيف منه كان قتله حلالا.

233-[طائفة من المسائل‏]

و الحديث عن مسخ الضّبّ و الجرّيّ، و عن مسخ الكلاب و الحكأة و أنّ الحمام شيطان، من جنس المزاح الذي كنّا كتبنا به إلى بعض إخواننا ممّن يدّعي علم كلّ شي‏ء، فجعلنا هذه الخرافات و هذه الفطن الصغار، من باب المسائل.

فقلنا له: ما الشّنقناق و الشّيصبان و تنكوير و دركاذاب و من قاتل امرأة ابن مقبل؟و من خانق الغريض؟و من هاتف سعد؟و خبّرنا عن بني أقيش و عن بني لبنى، و من زوجها؟و عن بني غزوان و من امرأته؟و عن سملقة و زوبعة، و الميدعان، و عن النقار ذي الرقبة و عن آصف، و من منهم أشار بأصفر سليم‏ (1) ، و عن أطيقس اسم كلب أصحاب الكهف‏ (2) ، و كيف صارت الكلاب لا تنبح من سمّاه؟و أين بلغ كتاب شرطهم؟و كيف حدّثوا عن ابن عباس في الفأر و القرد و الخنزير و الفيل و الأرنب و العنكبوت و الجرّيّ، أنّهنّ كلّهنّ مسخ؛ و كيف خصّت هذه بالمسخ؟و هل يحلّ لنا أن نصدّق بهذا الحديث عن ابن عبّاس؟و كيف صارت الظباء ماشية الجنّ؟و كيف صارت الغيلان تغيّر كلّ شي‏ء إلاّ حوافرها؟و لم ماتت من ضربة و عاشت من ضربتين‏ (3) ؟و لم صارت الأرانب و الكلاب و النّعام مراكب الغيلان؟و لم صارت الرواقيد مطايا السّواحر؟و بأي شي‏ء زوّج أهل السّعلاة ابن يربوع‏ (4) ؟و ما فرق ما بينه و بين عبد اللّه بن هلال؟و ما فعلت الفتاة التي كانت سميت بصبر على يد حرمي و أبي منصور؟و لم غضب من ذلك المذهب؟و لم مضى على وجهه شفشف؟و ما الفرق بين الغيلان و السّعالي، و بين شيطان الخضراء و شيطان الحماطة؟و لم علق السمك المالح بأذنابه و الطريّ بآذانه، و ما بال الفراخ تحمل بأجنحتها و الفراريج

____________

(1) أصفر سليم: كان سليم صيدلانيا بالبصرة، و قد عجن دواء أصفر بكل ما شرب له، فكان يستشفي به كل مبرود و محرور، فسار مثلا في البركة. ثمار القلوب 119 (264) ، و انظر المعارف 614، و طبقات ابن المعتز 310.

(2) انظر قول الدميري في اسم كلب أصحاب الكهف، حياة الحيوان 2/262، و السيوطي في كتابه مفحمات الأقران ص 137.

(3) انظر حياة الحيوان 2/130.

(4) حياة الحيوان 1/555.

204

بأرجلها؟و ما بال كلّ شي‏ء أصل لسانه ممّا يلي الحلق و طرفه ممّا يلي الهواء، إلاّ لسان الفيل؟و لم قالت الهند: لو لا أنّ لسانه مقلوب لتكلّم‏ (1) ؟و لم صار كلّ ماضغ و آكل يحرّك فكّه الأسفل، إلا التمساح فإنه يحرّك فكّه الأعلى‏ (2) ؟و لم صار لأجفان الإنسان الأشفار، و ليس ذلك للدواب إلاّ في الأجفان العالية؟و ما بال عين الجرادة و عين الأفعى لا تدوران؟و ما بيضة العقر (3) و ما بيضة الديك‏ (4) ؟و لم امتنع بيض الأنوق؟و هل يكون الأبلق العقوق؟و ما بال لسان سمك البحر عديما؟و ما بال الغريق من الرّجال يطفو على قفاه، و من النساء على وجهه؟و لم صار القتيل إذا قتل يسقط على وجهه ثم يقلبه ذكره؛ و أين تذهب شقشقة البعير و غرمول الحمار و البغل و كبد الكوسج بالنهار، و دم الميت؟و لم انتصب خلق الإنسان من بين سائر الحيوان؟ و خبّرني عن الضفادع، لم صارت تنقّ بالليل و إذا أوقدت النار أمسكت؟.

و قالوا: قد عارضناكم بما يجري مجرى الفساد و الخرافة. لنردّكم إلى الاحتجاج بالخبر الصحيح المخرج للظاهر.

فإن أعجبتك هذه المسائل، و استطرفت هذا المذهب، فاقرأ رسالتي إلى أحمد ابن عبد الوهاب الكاتب، فهي مجموعة هناك.

234-[كثرة أصناف الكلاب‏]

و الكلاب أصناف لا يحيط بها إلاّ من أطال الكلام. و جملة ذلك أنّ ما كان منها للصيد فهي الضّراء، و واحدها ضروة، و هي الجوارح و الكواسب، و نحن لا نعرفها إلاّ السّلوقيّة؛ و هي من أحرار الكلاب و عتاقها، و الخلاسية هجنها و مقاريفها. و كلاب الرعاء من زينيّها و كرديها فهي كرادتها.

____________

(1) ربيع الأبرار 5/430.

(2) ربيع الأبرار 5/439.

(3) بيضة العقر: اختلفوا فيها؛ فمن قائل: إنها البيضة التي تستبرأ بها المرأة؛ أبكر هي أم ثيّب. و من قائل: إنها بيضة الديك و لا ثانية لها قط. و من قائل: إنها آخر بيضة تكون للدجاجة، و لا بيضة لها بعدها. انظر ثمار القلوب (721) ، و مجمع الأمثال 1/96، و جمهرة الأمثال 1/224، و المستقصى 2/211.

(4) بيضة الديك: مثل يضرب في الشي‏ء يكون مرة واحدة لا ثانية لها، و الذي يعطي عطية لا يعود لمثلها. انظر ثمار القلوب (720) ، و المستقصى 2/211، و فصل المقال 437، و مجمع الأمثال 2/131.

205

و قد تصيد الكلاب غير السّلوقيّة، و لكنّها تقصّر عن السّلوقيّة بعيدا. و سلوق من أرض اليمن كان لها حديد جيّد الطبع، كريم العنصر حرّ الجوهر. و قد قال النابغة: [من الطويل‏]

تقدّ السّلوقيّ المضاعف نسجه # و توقد بالصّفّاح نار الحباحب‏ (1)

و قال الأصمعيّ: سمعت بعض الملوك و هو يركض خلف كلب و قد دنا خطمه من عجب ذنب الظبي و هو يقول: إيه فدتك نفسي!! و أنشد لبعض الرجاز: [من الرجز]

مفدّيات و ملعّنات‏

قال صاحب الديك: فلمّا صار الكلب عندهم يجمع خصال اللؤم و النّذالة، و الحرص و الشّره، و البذاء و التسرّع و أشباه ذلك، صاروا يشتقّون من اسمه لمن هجوه بهذه الخصال. و قال بشّار: [من الكامل‏]

و استغن بالوجبات عن ذهب # لم يبق قبلك لامرئ ذهبه‏ (2)

يرد الحريص على متالفه # و الليث يبعث حينه كلبه‏

235-[ما اشتق من اسم الكلب‏]

قال صاحب الكلب: لما اشتقّوا من اسمه للأشياء المحمودة أكثر؛ قال عامر بن الطفيل: [من الكامل‏]

و مدجّج يسعى بشكّته # محمرّة عيناه كالكلب‏ (3)

و من ولد ربيعة بن نزار كلب بن ربيعة، و كلاب بن ربيعة، و مكالب بن ربيعة، و مكلبة بنو ربيعة بن نزار. و فيهم من السباع أسد، و ضبيعة، و ذئب، و ذؤيب، و هم خمسة عشر رجلا؛ ثمانية من جميع السباع، و من الثمانية أربعة مشتقّة من اسم

____________

(1) ديوان النابغة الذبياني 46. المضاعف: الذي نسج حلقتين حلقتين، الصفّاح: حجارة عراض، الحباحب: دويبة تضي‏ء بالليل كالنار، و قيل: نار الحباحب هو أن تسير الإبل في الليل في الأرض ذات الحجارة، فتصكها بأخفافها، فيقرع بعضها بعضا؛ فتنقدح منها النار.

(2) ديوان بشار 1/252.

(3) البيت ليس لعامر بن الطفيل، بل للحارث بن طفيل في الأغاني 13/224، و بلا نسبة في اللسان و التاج (دجج) ، و المقاييس 2/265، و المجمل 2/258، و العين 6/11، و المخصص 8/95، و تهذيب اللغة 10/467.

206

الكلب. و من هذا الباب كليب بن يربوع، و كلاب بن ربيعة، و كلب بن وبرة. و منه بنو الكلبة، قال الشاعر: [من الطويل‏]

سيكفيك من ابني نزار لراغب # بنو الكلبة الشمّ الطوال الأشاجع‏ (1)

و الكلبة لقب ميّة بنت علاج بن شحمة العنبريّ. و بنوها بنو الكلبة الذين سمعت بهم-تزوّجها خزيمة بن النعمان من بني ضبيعة بن ربيعة بن نزار، فهي أمّهم. و فيها يقول شبيل بن عزرة الضّبعي صاحب الغريب-و كان شيعيّا من الغالية، فصار خارجيّا من الصّفرية-: [من الطويل‏]

بنو كلبة هرّارة و أبوهم # خزيمة عبد خامل الأصل أوكس‏ (2)

و في ميّة الكلبة يقول أبوها، و هو علاج بن شحمة: [من الطويل‏]

إن تك قد بانت بميّة غربة # فقد كان ممّا لا يملّ مزارها

دعتها رجال من ضبيعة كلبة # و ما كان يشكى في المحول جوارها

و مما اشتقّ له من اسم الكلب من القرى و البلدان و الناس و غير ذلك، قولهم في الوقعة التي كانت بإرم الكلبة (3) . و من ذلك قولهم: حين نزلنا من السّراة صرنا إلى نجد الكلبة.

و كان سبب خروج مالك بن فهم بن غنم بن دوس إلى أزد شنوءة من السراة أنّ بني أخته قتلوا كلبة لجاره، و كانوا أعدّ منه فغضب و مضى. فسمّي ذلك النجد الذي هبط منه نجد الكلبة.

و بطسّوج بادوريا نهر يقال له: نهر الكلبة.

و يقولون: كان ذلك عند طلوع كوكب الكلب. و من ذلك قولهم: عبّاد بن أنف الكلب. و من ذلك أبو عمر الكلب الجرميّ النحوي، و كان رجلا من العلية عالما، عروضيّا نحويّا فرضيّا. و علّويه كلب المطبخ، و كان أشرب الناس للنبيذ، و قد راهنوا بينه و بين محمّد بن عليّ.

____________

(1) البيت بلا نسبة في الاشتقاق 319.

(2) البيت في أساس البلاغة (وكس) ، و شعر الخوارج 208.

(3) إرم الكلبة: موضع بين البصرة و الحجاز، و الكلبة اسم امرأة ماتت و دفنت هناك، فنسب إليها الإرم، و يوم إرم الكلبة من أيام العرب، قتل فيه بجير بن عبد اللّه القشيري. انظر معجم البلدان 1/157 (إرم الكلبة) .

207

و الكلب: كلب الماء، و كلب الرحى و الضبة التي يقال لها الكلب. و كذلك الكلبة و الكلبتان، و الكلاّب و الكلّوب.

و قال راشد بن شهاب في ذلك المعنى: [من الطويل‏]

أمكّن كلاّب القنا من ثغورها # و أخضب ما يبدو من استاهها بدم‏ (1)

و قال:

فسوف يرى الأقوام ديني و دينكم # إذا كلبتا قين و مقراضه أزم‏

و قال الراجز: [من الرجز]

ما زال مذ كان غلاما يستتر # له على العير إكاف و ثفر

و الكلبتان و العلاة و الوتر

و قال أشهب بن رميلة، و كان أوّل من رمى بني مجاشع بأنّهم قيون: [من الرجز]

يا عجبا هل يركب القين الفرس # و عرق القين على الخيل نجس‏ (2)

و إنّما أداته إذا جلس # الكلبتان و العلاة و القبس‏

و كان اسم المزنوق فرس عامر بن الطفيل: الكلب.

و قد زعمت العلماء أنّ حرب أيّام هراميت‏ (3) إنّما كان سببه كلب‏ (4) .

قال صاحب الديك: قد قيل للخوارج: كلاب النار، و للنوائح: كلاب النار.

و قد قال جندل بن الراعي لأبيه في وقوفه على جرير: ما لك تطيل الوقوف على كلب بني كليب‏ (5) ؟! و قال زفر بن الحارث: [من الكامل‏]

يا كلب قد كلب الزّمان عليكم # و أصابكم منّا عذاب مرسل‏ (6)

____________

(1) انظر المفضليات ص 308.

(2) ديوان الأشهب بن رميلة 235.

(3) يوم الهراميت: كان بين الضّباب و جعفر بن كلاب، معجم البلدان 5/396، و انظر أيام العرب في الجاهلية 304.

(4) في معجم البلدان (كان القتال بسبب بئر) .

(5) انظر الأغاني 24/207، و انظر ما تقدم في الفقرة (198) .

(6) الأبيات لزفر بن الحارث في الأغاني 19/199.

208

إنّ السّماوة لا سماوة فالحقي # بمنابت الزّيتون و ابني بحدل

و بأرض عكّ في السواحل إنّها # أرض تذوب بها اللّقاح و تهزل‏

و قال حصين بن القعقاع يرثي عتيبة بن الحارث: [من الكامل‏]

بكر النّعيّ بخير خندف كلّها # بعتيبة بن الحارث بن شهاب‏ (1)

قتلوا ذؤابا بعد مقتل سبعة # فشفى الغليل و ريبة المرتاب

يوم الحليس بذي الفقار كأنّه # كلب بضرب جماجم و رقاب‏

و قال آخر: [من البسيط]

للّه درّ بني الحدّاء من نفر # و كلّ جار على جيرانه كلب‏ (2)

إذا غدوا و عصيّ الطّلح أرجلهم # كما تنصّب وسط البيعة الصّلب‏

و إذا كان العود سريع العلوق في كلّ زمان أو كلّ أرض، أو في عامّة ذلك قالوا:

ما هو إلاّ كلب.

و قالوا: قال النبي صلى اللّه عليه و سلم في وزر بن جابر حين خرج من عنده و استأذنه إلى أهله:

«نعم إن لم تدركه أمّ كلبة» يعني الحمّى.

و ممّا ذكروا به العضو من أعضاء الكلب و الكلبة و الخلق منهما أو الصفة الواحدة من صفاتهما، أو الفعل الواحد من أفعالهما، قال رؤبة: [من الرجز]

لاقيت مطلا كنعاس الكلب‏ (3)

يقول: مطلا مقرمطا دائما. و قال الشاعر في ذلك: [من الوافر]

يكون بها دليل القوم نجم # كعين الكلب في هبّى قباع‏

قال: هذه أرض ذات غبرة من الجدب لا يبصر القوم فيها النجم الذي يهتدى به إلاّ و هو كأنّه عين الكلب، لأنّ الكلب أبدا مغمض غير مطبق الجفون و لا مفتوحها.

و الهبّى: الظلمة واحدها هاب، و الجمع هبّى مثل غاز و غزّى. و القباع: التي قبعت في

____________

(1) انظر رغبة الآمل 2/155، 6/92.

(2) الأبيات لبشر بن أبي خازم في ملحق ديوانه 227، و البيان و التبيين 3/75، و البرصان و العرجان 229.

(3) ديوان رؤبة 17، و ثمار القلوب 316 (588) ، و مجمع الأمثال 2/302، 355، و بلا نسبة في تهذيب اللغة 2/106.

209

القتام، واحدها قابع، كما يقبع القنفذ و ما أشبهه في جحره. و أنشد لابن مقبل: [من الطويل‏]

و لا أطرق الجارات باللّيل قابعا # قبوع القرنبى أخلفته مجاعره‏ (1)

و القبوع: الاجتماع و التقبّض. و القرنبى: دويبّة أعظم من الخنفساء.

236-[شعر له سبب بالكلب‏]

و قال الآخر في صفة بعض ما يعرض له من العيوب: [من الكامل‏]

ما ضرّ تغلب وائل أ هجوتها # أم بلت حيث تناطح البحران‏ (2)

إنّ الأراقم لا ينال قديمها # كلب عوى متهتّم الأسنان‏

و قال الشاعر في منظور بن زبّان: [من البسيط]

لبئس ما خلّف الآباء بعدهم # في الأمّهات عجان الكلب منظور

و من هذا الضرب قول الأعرابيّ: [من الطويل‏]

لقد شان صغري والياها و زيّنا # لصغري فتى من أهلها لا يزينها

كلاب لعاب الكلب إن ساق هجمة # يعذّب فيها نفسه و يهينها

و قال عمرو بن معد يكرب: [من الطويل‏]

لحا اللّه جرما كلّما ذرّ شارق # وجوه كلاب هارشت فازبأرّت‏ (3)

و قال أبو سفيان بن حرب: [من الطويل‏]

و لو شئت نجّتني كميت طمرّة # و لم أجعل النّعماء لابن شعوب

و ما زال مهري مزجر الكلب منهم # لدن غدوة حتّى دنت لغروب‏ (4)

و قال عبد الرحمن بن زياد: [من الطويل‏]

دعته بمسروق الحديث و ظالع # من الطرف حتى خاف بصبصة الكلب‏

____________

(1) ديوان ابن مقبل 154، و تقدم البيت في الفقرة (187) .

(2) البيتان للفرزدق في ديوانه 882، و البيان و التبيين 3/248.

(3) ديوانه 72، و الخزانة 2/436، و السمط 1/366، و شرح الحماسة للمرزوقي 160.

(4) البيت لأبي سفيان في الدرر 3/138، و بلا نسبة في اللسان (لدن) ، و المقاصد النحوية 3/429، و همع الهوامع 1/215، و شرح الأشموني 2/318.

210

و قال شريح بن أوس: [من الطويل‏]

و عيّرتنا تمر العراق و نخله # و زادك أير الكلب شيّطه الجمر (1)

و قال آخر و هو يهجو قوما: [من الطويل‏]

فجاءا بخرشاوي شعير عليهما # كراديس من أوصال أعقد سافد (2)

و قال الحارث بن الوليد: [من الكامل‏]

ذهب الذين إذا رأوني مقبلا # هشّوا و قالوا: مرحبا بالمقبل

و بقيت في خلف كأنّ حديثهم # ولغ الكلاب تهارشت في منهل‏

و قال سبرة بن عمرو الفقعسيّ، حين ارتشى ضمرة النهشلي، و نفر عليه عباد بن أنف الكلب الصيداويّ فقال سبرة: [من الكامل‏]

يا ضمر كيف حكمت أمّك هابل # و الحكم مسئول به المتعمّد (3)

أحفظت عهدا أم رعيت أمانة # أم هل سمعت بمثلها لا ينشد

شنعاء فاقرة تجلّل نهشلا # تغور به الرفاق و تنجد

إنّ الرّفاق أمال حكمك حبّها # فلك اللقاء و راكب متجرّد

فضح العشيرة و استمرّ كأنّه # كلب يبصبص للعظال و يطرد

لا شي‏ء يعدلها و لكن دونها # خرط القتاد تهاب شوكتها اليد

جوعان يلحس أسكتا زيفيّة # غلم يثور على البراثن أعقد

و قال مزرّد بن ضرار: [من الطويل‏]

و إنّ كناز اللّحم من بكراتكم # تهرّ عليها أمّكم و تكالب‏ (4)

و ليت الذي ألقى فناؤك رحله # لتقريه بالت عليه الثّعالب‏

و هذان البيتان من باب الاشتقاق لا من باب الصفات و ذكر الأعضاء. و قال:

[من الرجز]

يا سبر يا عبد بني كلاب # يا أير كلب موثق بباب

أ كان هذا أوّل الثّواب # يا ورلا رقرق في سراب

لا يعلقنكم ظفري و نابي‏

____________

(1) البيت لشريح بن أوس في البخلاء 235، و الخزانة 3/86 (بولاق) و هو لأوس بن حجر في ديوانه 38. و تقدم في الفقرة (202) .

(2) البيت للّعين المنقري في معجم البلدان (حلامات) . و تقدم في نهاية الفقرة (201) .

(3) انظر أمالي المرتضى 3/40، و المعمرون و الوصايا 55.

(4) البيت الأول لحرام بن وابصة الفزاري في أساس البلاغة (هرر) .

211

و قال الآخر: [من الوافر]

كأنّ بني طهيّة رهط سلمى # حجارة خارئ يرمي الكلابا (1)

و قال صاحب الكلب: و مما اشتقّ من اسم الكلب في موضع النباهة، كليب بن ربيعة، هو كليب وائل. و يقال إنّه قيل في رجلين من بني ربيعة ما لم يقل في أحد من العرب، حتّى ضرب بهما المثل، و هو قولهم: «أعزّ من كليب وائل» (2) ، و الآخر: «لا حرّ بوادي عوف» (3) .

قالوا: و كانت ربيعة إذا انتجعت معه لم توقد نارا و لم تحوّض حوضا، و كان يحمي الكلأ و لا يتكلّم عنده إلاّ خفضا، و يجير الصيد و يقول: صيد أرض كذا و كذا في جواري لا يباح. و كان له جرو كلب قد كتعه‏ (4) فربما قذف به في الروضة تعجبه، فيحميها إلى منتهى عوائه، و يلقيه بحريم الحوض فلا يرده بعير حتّى تصدر إبله‏ (5) .

237-[ما قيل من الشعر في كليب‏]

و في ذلك يقول معبد بن شعبة التميمي: [من الطويل‏]

أظنّ ضرار أنّني سأطيعه # و أنّي سأعطيه الذي كنت أمنع

إذ اغرورقت عيناه و احمرّ وجهه # و قد كاد غيظا وجهه يتبضّع

تقدّم في الظلم المبيّن عامدا # ذراعا إذا ما قدّمت لك إصبع

كفعل كليب كنت أنبئت أنّه # يخلط أكلاء المياه و يمنع

يجير على أفناء بكر بن وائل # أرانب ضاح و الظباء فترتع‏

و قال دريد بن الصمة: [من الوافر]

لعمرك ما كليب حين دلّى # بحبل كلبه فيمن يميح‏ (6)

____________

(1) البيت لجرير في ديوانه 814 (طبعة نعمان طه) ، و البيان و التبيين 2/250، و جمهرة اللغة 1096.

(2) مجمع الأمثال 2/42، و الفاخر 93، و الدرة الفاخرة 1/300، و جمهرة الأمثال 2/33، 65، و المستقصى 1/246، و الأمثال لابن سلام 262.

(3) مجمع الأمثال 2/326، و الدرة الفاخرة 2/419، و الفاخر 236، و جمهرة الأمثال 2/346، 406، 414، و المستقصى 2/262، و فصل المقال 129، و الأمثال لابن سلام 94.

(4) كتعه: بمعنى شد قوائمه.

(5) ثمار القلوب (190-191) و الأغاني 5/34-35. و انظر الحاشية قبل السابقة.

(6) ديوان دريد بن الصمة 44.

212

بأعظم من بني سفيان بغيا # و كلّ عدوّهم منهم مريح‏

و قال العبّاس بن مرداس: [من الطويل‏]

كما كان يبغيها كليب بظلمه # من العزّ حتى طاح و هو قتيلها (1)

على وائل إذ ينزل الكلب مائحا # و إذ يمنع الأكلاء منها حلولها

و قال عباس أيضا لكليب بن عهمة الظفريّ: [من الكامل‏]

أ كليب إنّك كلّ يوم ظالم # و الظلم أنكد وجهه ملعون‏ (2)

تبغي بقومك ما أراد بوائل # يوم الغدير سميّك المطعون

و إخال أنّك سوف تلقى مثلها # في صفحتيك سنانه المسنون‏

و قال النابغة الجعدي: [من الطويل‏]

كليب لعمري كان أكثر ناصرا # و أيسر ذنبا منك ضرّج بالدّم‏ (3)

رمى ضرع ناب فاستمر بطعنة # كحاشية البرد اليماني المسهّم‏

و قال قطران العبشميّ، و يقال العبشي: [من الطويل‏]

أ لم تر جسّاس بن مرّة لم يرد # حمى وائل حتّى احتداه جهولها

أجرّ كليبا إذ رمى الناب طعنة # جدت وائلا حتّى استخفّت عقولها

بأهون مما قلت إذ أنت سادر # و للدّهر و الأيّام وال يديلها

و قال رجل من بني هلال بن عامر بن صعصعة: [من الطويل‏]

نحن أبسنا تغلب ابنة وائل # بقتل كليب إذ طغى و تخيّلا (4)

أبأناه بالنّاب التي شقّ ضرعها # فأصبح موطوء الحمى متذلّلا (5)

و قال رجل من بني سدوس: [من الطويل‏]

و أنت كليبيّ لكليب و كلبة # لها حول أطناب البيوت هرير

____________

(1) ديوان العباس بن مرداس 138.

(2) ديوان العباس بن مرداس 156، و الوحشيات 238، و الحماسة البصرية 1/10، و الأغاني 5/38.

(3) ديوان النابغة الجعدي 143، و الأغاني 5/33.

(4) البيتان في الأغاني 5/38 و فيه (و قال رجل من بني بكر بن وائل في الإسلام، و هي تنحل للأعشى) ، و البيت الأول بلا نسبة في كتاب الجيم 1/57. أبسنا: أذللنا و قهرنا. تخيل: تكبّر.

(5) أبأناه: جعلناه عدلا فقتلناه بها.

213

و قال ابن مقبل العجلاني: [من الطويل‏]

بكت أمّ بكر إذ تبدّد رهطها # و أن أصبحوا منهم شريد و هالك‏ (1)

و إنّ كلا حيّيك فيهم بقية # لو أنّ المنايا حالها متماسك

كلاب و كعب لا يبيت أخوهم # ذليلا و لا تعيي عليه المسالك‏ (2)

و قال رجل من بني كلاب من الخوارج، لمعاوية بن أبي سفيان: [من البسيط]

قد سرت سير كليب في عشيرته # لو كان فيهم غلام مثل جسّاس‏ (3)

الطاعن الطعنة النجلاء عاندها # كطرّة البرد، أعيا فتقها الآسي‏ (4)

238-[أهون من تبالة على الحجاج‏]

و قال أبو اليقظان في مثل هذا الاشتقاق: كان أوّل عمل وليه الحجّاج بن يوسف تبالة (5) ، فلما سار إليها و قرب منها قال للدليل: أين هي، و على أيّ سمت هي؟قال: تسترك عنها هذه الأكمة. قال: لا أراني أميرا إلاّ على موضع تسترني منه أكمة، أهون بها عليّ؟!و كرّ راجعا، فقيل في المثل: «أهون من تبالة على الحجاج» (6) .

و العامة تقول: لهو أهون عليّ من الاعراب على عركوك.

239-[احتضار الحجاج و قول المنجّم‏]

قال‏ (7) : و لمّا حضرت الحجاج الوفاة و قد ولي قبل ذلك ما ولي، و افتتح ما افتتح، و قتل من قتل، قال للمنجّم: هل ترى ملكا يموت؟قال: نعم و لست به، أرى ملكا يموت اسمه كليب، و أنت اسمك الحجّاج قال: فأنا و اللّه كليب، أمّي سمّتني به و أنا صبيّ. فمات، و كان استخلف على الخراج يزيد بن أبي مسلم، و على الحرب يزيد بن أبي كبشة.

____________

(1) ديوان ابن مقبل 200 (ط ا) ، 154 (دار الشرق) .

(2) كلاب و كعب: حيّان من أحياء عامر بن صعصعة.

(3) البيتان لبشير بن أبي العبسي في نوادر أبي زيد 151.

(4) العاند: العرق يسيل فلا يرقأ.

(5) تبالة: بلدة مشهورة من أرض تهامة في طريق اليمن. معجم البلدان 2/9 (تبالة) .

(6) المثل في مجمع الأمثال 2/408، و الدرة الفاخرة 2/429، 431، و جمهرة الأمثال 2/353، 373، و المستقصى 1/445. و انظر معجم البلدان 2/9/ (تبالة) .

(7) الخبر في المعارف 397، و شذرات الذهب 1/106.

214

240-[مذاهب العرب في تسمية أولادهم‏]

قال‏ (1) : و العرب إنّما كانت تسمّي بكلب، و حمار، و حجر، و جعل، و حنظلة، و قرد، على التفاؤل بذلك. و كان الرجل إذا ولد له ذكر خرج يتعرّض لزجر الطير و الفأل، فإن سمع إنسانا يقول حجرا، أو رأى حجرا سمّى ابنه به و تفاءل فيه الشدّة و الصلابة، و البقاء و الصبر، و أنّه يحطم ما لقى. و كذلك إن سمع إنسانا يقول ذئبا أو رأى ذئبا، تأوّل فيه الفطنة و الخبّ و المكر و الكسب. و إن كان حمارا تأوّل فيه طول العمر و الوقاحة و القوّة و الجلد. و إن كان كلبا تأوّل فيه الحراسة و اليقظة و بعد الصوت، و الكسب و غير ذلك.

و لذلك صوّر عبيد اللّه بن زياد في دهليزه كلبا و أسدا، و قال: كلب نابح، و كبش ناطح، و أسد كالح. فتطيّر إلى ذلك فطارت عليه.

و قال آخر: لو كان الرجل منهم إنّما كان يسمّي ابنه بحجر و جبل، و كلب، و حمار، و ثور، و خنزير، و جعل، على هذا المعنى فهلاّ سمّى ببرذون، و بغل، و عقاب، و أشباه ذلك؛ و هذه الأسماء من لغتهم.

قال الأوّل: إنّما لم يكن ذلك، لأنّه لا يكاد يرى بغلا و برذونا، و لعلّه لا يكون رآهما قط، و إن كانت الأسماء عندهم عتيدة لأمور لعلّهم يحتاجون إليها يوما ما.

قالوا: فقد كان يسمع بفرس و بعير، كما كان يسمع بحمار و ثور، و قد كان يستقيم أن يشتقّ منهما اشتقاقات محمودة. بل كيف صار ذلك كذلك و نحن نجده يسمّي بنجم و لا يسمّي بكوكب!إلاّ أنّ بعضهم قد سمّى بذلك عبدا له، و فيه يقول:

[من مخلع البسيط]

كوكب إن متّ فهي ميتتي # لا متّ إلاّ هرما يا كوكب‏

و وجدناهم يسمون بجبل و سند، و طود، و لا يسمّون بأحد و لا بثبير و أجأ و سلمى و رضوى، و صندد و حميم، و هو تلقاء عيونهم متى أطلعوا رءوسهم من خيامهم. و يمسون ببرج و لا يسمون بفلك، و يسمون بقمر و شمس على جهة اللقب أو على جهة المديح، و لم يسمّوا بأرض و سماء، و هواء و ماء، إلاّ على ما وصفنا.

و هذه الأصول في الزجر أبلغ، كما أنّ جبلا أبلغ من حجر، و طودا أجمع من صخر.

و تركوا أسماء جبالهم المعروفة.

____________

(1) انظر الاشتقاق 4-6.

215

و قد سمّوا بأسد و ليث و أسامة و ضرغامة. و تركوا أن يسمّوا بسبع و سبعة. و سبع هو الاسم الجامع لكلّ ذي ناب و مخلب.

قال الأوّل: قد تسمّوا أيضا بأسماء الجبال، فتسمّوا بأبان و سلمى.

قال آخرون: إنّما هذه أسماء ناس سمّوا بها هذه الجبال، و قد كانت لها أسماء تركت لثقلها، أو لعلّة من العلل؛ و إلاّ فكيف سمّوا بسلمى و تركوا أجأ و رضوى.

و قال بعضهم: قد كانوا ربّما فعلوا ذلك على أن يتّفق لواحد ولود و لمعظّم جليل، أن يسمع أو يرى حمارا، فيسمّي ابنه بذلك؛ و كذلك الكلب و الذئب، و لن يتفق في ذلك الوقت أن يسمع بذكر فرس و لا حجر أو هواء أو ماء؛ فإذا صار حمار، أو ثور، أو كلب اسم رجل معظّم، تتابعت عليه العرب تطير إليه، ثم يكثر ذلك في ولده خاصّة بعده. و على ذلك سمّت الرعية بنيها و بناتها بأسماء رجال الملوك و نسائهم، و على ذلك صار كلّ عليّ يكنى بأبي الحسن، و كل عمر يكنى بأبي حفص، و أشباه ذلك. فالأسماء ضروب، منها شي‏ء أصليّ كالسّماء و الأرض و الهواء و الماء و النار، و أسماء أخر مشتقّات منها على جهة الفأل، و على شكل اسم الأب، كالرجل يكون اسمه عمر فيسمى ابنه عميرا، و يسمّي عمير ابنه عمران، و يسمّي عمران ابنه معمرا.

و ربّما كانت الأسماء بأسماء اللّه عزّ و جلّ مثل ما سمى اللّه عز و جلّ أبا إبراهيم آزر، و سمّى إبليس بفاسق، و ربّما كانت الأسماء مأخوذة من أمور تحدث في الأسماء؛ مثل يوم العروبة سمّيت في الإسلام يوم الجمعة (1) ، و اشتقّ له ذلك من صلاة يوم الجمعة.

241-[الألفاظ الجاهلية المهجورة]

و سنقول في المتروك من هذا الجنس و من غيره، ثم نعود إلى موضعنا الأوّل إن شاء اللّه تعالى.

ترك النّاس مما كان مستعملا في الجاهلية أمورا كثيرة، فمن ذلك تسميتهم للخراج إتاوة، و كقولهم للرشوة و لما يأخذه السّلطان: الحملان و المكس. و قال جابر ابن حنيّ: [من الطويل‏]

أ في كلّ أسواق العراق إتاوة # و في كلّ ما باع امرؤ مكس درهم‏ (2)

____________

(1) انظر مبادئ اللغة 10، ففيه ذكر لأيام الأسبوع في الجاهلية (الأول؛ و الأهون؛ و جبار؛ و دبار؛ و مؤنس؛ و العروبة؛ و شيار) .

(2) البيت لجابر بن حني في المفضليات 211، و اللسان (مكس) ، و التاج (مكس، أتو) ، و أساس البلاغة (أتي) ، و لحني بن جابر في اللسان (أتى) ، و بلا نسبة في المخصص 3/77، 12/253، و العين 5/317، و مجمل اللغة 1/164، 4/343، و تهذيب اللغة 10/90، 14/352.

216

و كما قال العبديّ في الجارود: [من الطويل‏]

أيا ابن المعلّى خلتنا أم حسبتنا # صراريّ نعطي الماكسين مكوسا (1)

و كما تركوا انعم صباحا، و انعم ظلاما، و صاروا يقولون: كيف أصبحتم؟ و كيف أمسيتم؟ و قال قيس بن زهير بن جذيمة، ليزيد بن سنان بن أبي حارثة: انعم ظلاما أبا ضمرة!قال: نعمت أنت؟قال: قيس بن زهير.

و على ذلك قال امرؤ القيس: [من الطويل‏]

ألا عم صباحا أيّها الطّلل البالي # و هل يعمن من كان في العصر الخالي‏ (2)

و على ذلك قال الأوّل: [من الوافر]

أتوا ناري فقلت منون قالوا # سراة الجنّ قلت عموا ظلاما (3)

و كما تركوا أن يقولون للملك أو السّيّد المطاع: أبيت اللعن، كما قيل: [من الرجز]

مهلا أبيت اللّعن لا تأكل معه‏ (4)

و قد زعموا أن حذيفة بن بدر كان يحيّا بتحيّة الملوك و يقال له: أبيت اللّعن.

و تركوا ذلك في الإسلام من غير أن يكون كفرا.

و قد ترك العبد أن يقول لسيده ربّي، كما يقال ربّ الدار، و ربّ البيت.

____________

(1) البيت ليزيد بن الخذاق في المفضليات 298، و بلا نسبة في أساس البلاغة (مكس) .

(2) ديوان امرئ القيس 27، و الخزانة 1/60، 328، 332، 2/371، 10/44، و التاج (طول) ، و الكتاب 4/39، و شرح شواهد المغني 1/340، و بلا نسبة في الخزانة 7/105، و أوضح المسالك 1/148، و همع الهوامع 2/83.

(3) البيت لشمر بن الحارث في الخزانة 6/167، و التاج (حسد) ، و اللسان (حسد، منن) ، و نوادر أبي زيد 123، و الدرر 6/246، و لسمير الضبي في شرح أبيات سيبويه، و لشمر أو لتأبط شرا في شرح المفصل 4/16، و شرح التصريح 2/283، و لأحدهما أو لجذع بن سنان في المقاصد النحوية 4/498، و بلا نسبة في اللسان (أنس، سرا) ، و الخصائص 1/128، و أوضح المسالك 4/282، و الكتاب 2/411، و الدرر 6/310، و همع الهوامع 2/157، 211، و المقتضب 2/307.

(4) الرجز للبيد في ديوانه 343، و أمالي المرتضى 1/136، و الفاخر 142، و سمط اللآلي 882، و اللسان و التاج و أساس البلاغة (لمع) .

217

و كذلك حاشية السيّد و الملك تركوا أن يقولوا ربّنا. كما قال الحارث بن حلّزة: [من الخفيف‏]

ربّنا و ابننا و أفضل من يمـ # شي و من دون ما لديه الثّناء (1)

و كما قال لبيد حين ذكر حذيفة بن بدر: [من الطويل‏]

و أهلكن يوما ربّ كندة و ابنه # و ربّ معدّ بين خبت و عرعر (2)

و كما عيّر زيد الخيل حاتما الطائيّ في خروجه من طيّ‏ء و من حرب الفساد (3) ، إلى بني بدر، حيث يقول: [من الطويل‏]

و فرّ من الحرب العوان و لم يكن # بها حاتم طبّا و لا متطبّبا (4)

و ريب حصنا بعد أن كان آبيا # أبوّة حصن فاستقال و أعتبا

أقم في بني بدر و لا ما يهمنا # إذا ما تقضّت حربنا أن تطربا

و قال عوف بن محلّم، حين رأى الملك: إنّه ربي و ربّ الكعبة. و زوجه أمّ أناس بنت عوف.

و كما تركوا أن يقولوا لقوّام الملوك السّدنة و قالوا الحجبة.

و قال أبو عبيدة معمر بن المثنّى عن أبي عبد الرحمن يونس بن حبيب النحوي حين أنشده شعر الأسديّ: [من الوافر]

و مركضة صريحي أبوها # تهان لها الغلامة و الغلام‏ (5)

قال: فقلت له: فتقول: للجارية غلامة؟قال: لا، هذا من الكلام المتروك و أسماؤه زالت مع زوال معانيها، كالمرباع و النّشيطة و بقي الصّفايا؛ فالمرباع: ربع جميع الغنيمة الذي كان خالصا للرئيس، و صار في الإسلام الخمس، على ما سنّه اللّه

____________

(1) البيت هو رقم (28) من معلقته في شرح القصائد السبع الطوال 463، و شرح القصائد العشر 384.

(2) ديوان لبيد 55، و المخصص 17/154.

(3) حرب الفساد: من أيام العرب في الجاهلية بين جديلة و الغوث من طيئ، و فيها انهزمت جديلة هزيمة قبيحة. الأغاني 13/10، و أيام العرب في الجاهلية 60-61.

(4) ديوان زيد الخيل 155.

(5) البيت للأسدي في شرح شواهد الإيضاح 415، و لأوس بن غلفاء في اللسان و التاج (صرح، ركض، غلم) ، و شرح المفصل 5/97، و عمدة الحفاظ (ركض) . الصريحي: اسم فحل منجب.

218

تعالى. و أما النّشيطة فإنّه كان للرئيس أن ينشط عند قسمة المتاع العلق النفيس يراه إذا استحلاه. و بقي الصفيّ و كان لرسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم من كل مغنم، و هو كالسيف اللّهذم و الفرس العتيق، و الدرع الحصينة، و الشي‏ء النادر.

و قال ابن عنمة الضبّي حليف بني شيبان، في مرثيته بسطام بن قيس: [من الوافر]

لك المرباع منها و الصّفايا # و حكمك و النّشيطة و الفضول‏ (1)

و الفضول: فضول المقاسم، كالشي‏ء إذا قسم و فضلت فضلة استهلكت، كاللؤلؤة، و السيف، و الدّرع، و البيضة، و الجارية، و غير ذلك.

242-[الألفاظ الإسلامية المشتقة]

و أسماء حدثت و لم تكن، و إنّما اشتقّت لهم من أسماء متقدّمة، على التشبيه، مثل قولهم لمن أدرك الجاهليّة و الإسلام مخضرم كأبي رجاء العطارديّ، بن سالمة، و شقيق بن سالمة؛ و من الشعراء النابغة الجعديّ و ابن مقبل، و أشباههم من الفقهاء و الشعراء. و يدلّ على أنّ هذا الاسم أحدث في الإسلام، أنّهم في الجاهليّة لم يكونوا يعلمون أنّ ناسا يسلمون و قد أدركوا الجاهليّة، و لا كانوا يعلمون أنّ الإسلام يكون.

و يقال إنّ أوّل من سمّى الأرض التي لم تحفر قطّ و لم تحرث إذا فعل بها ذلك مظلومة، النابغة حيث يقول: [من البسيط]

إلاّ الأواريّ لأيا ما أبيّنها # و النؤي كالحوض بالمظلومة الجلد (2)

و منه قيل سقاء مظلوم إذا أعجل عليه قبل إدراكه. و قال الحادرة: [من الكامل‏]

ظلم البطاح له انهلال حريصة # فصفا النّطاف له بعيد المقلع‏ (3)

____________

(1) البيت لابن عنمة الضبي في الأصمعيات 37، و البيان و التبيين 1/292، و اللسان (نشط، فضل، صفا) ، و التهذيب 2/369، 11/314، 12/41، 249، و التاج (نشط، ربع، فضل، صفا) ، و المقاييس 2/479، 3/292، 5/427، و جمهرة اللغة 867، 1241 (3/58، 418) ، و بلا نسبة في أمالي القالي 1/144، و المخصص 12/274، و اللسان (ربع) .

(2) ديوان النابغة الذبياني 15، و الأغاني 11/31، و اللسان و التاج (جلد، ظلم، بين) ، و الكتاب 2/321، و الخزانة 4/122، 11/36، و المقاصد النحوية 4/315، 578، و المقتضب 4/414.

(3) البيت في ديوان الحادرة 48، و شرح اختيارات المفضل 217، و المفضليات 44، و اللسان (حرص، ظلم) ، و التاج (حرص، قلع، ظلم) ، و أساس البلاغة (حرص) ، و تهذيب اللغة 64/384، و بلا نسبة في المقاييس 2/40.

219

و قال آخر: [من الرجز]

قالت له ميّ بأعلى ذي سلم # لو ما تزورنا إذا الشعب ألمّ

ألا بلى يا ميّ و اليوم ظلم‏ (1)

يقول ظلم حين وضع الشي‏ء في غير موضعه. و قال الآخر: [من الرجز]

أنا أبو زينب و اليوم ظلم‏

و قال ابن مقبل: [من البسيط]

عاد الأذلّة في دار و كان بها # هرت الشّقاشق ظلاّمون للجزر (2)

و قال آخر: [من الطويل‏]

و صاحب صدق لم تنلني أذاته # ظلمت و في ظلمي له عامدا أجر (3)

و قال آخر: [من البسيط]

لا يظلمون إذا ضيفوا و طابهم # و هم لجودهم في جزرهم ظلم‏

و ظلم الجزور: أن يعرقبوها، و كان في الحقّ أن تنحر نحرا. و ظلمهم الجزر أيضا أن ينحروها صحاحا سمانا لا علّة بها.

قال: و من ذلك قولهم: «الحرب غشوم» (4) ؛ و إنّما سمّيت بهذا لأنّها تنال غير الجاني.

قال: و من ذلك قولهم: «من أشبه أباه فما ظلم» (5) ، يقول: قد وضع الشبه في موضعه.

و من المحدث المشتقّ، اسم منافق لمن راءى بالإسلام و استسرّ بالكفر أخذ

____________

(1) الرجز بلا نسبة في اللسان (ظلم) .

(2) ديوان ابن مقبل 81 (ط ا) ، 74 (دار المشرق) ، و اللسان (هرت، دور، شقق، ظلم) ، و التاج (هرت، دور، ظلم) ، و أساس البلاغة (ظلم، هرت) ، و السمط 733، و أمالي القالي 2/101، و التهذيب 6/235، 8/247، 14/384، و بلا نسبة في المقاييس 3/469، و المجمل 3/364.

(3) البيت بلا نسبة في اللسان و التاج و أساس البلاغة (ظلم) .

(4) من الأمثال في مجمع الأمثال 1/206، و المستقصى 1/311، و جمهرة الأمثال 1/358، و أمثال ابن سلام 259.

(5) مجمع الأمثال 2/300، و جمهرة الأمثال 2/244، و الفاخر 103، 277، و فصل المقال 185، و أمثال ابن سلام 145، 260، و المستقصى 2/352.

220

ذلك من النافقاء و القاصعاء و الدامّاء (1) ، و مثل المشرك و الكافر، و مثل التيمّم. قال اللّه تعالى: فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً* (2) أي تحرّوا ذلك و توخّوه. و قال: فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ مِنْهُ (3) فكثر هذا في الكلام حتّى صار التيمّم هو المسح نفسه‏ (4) . و كذلك عادتهم و صنيعهم في الشي‏ء إذا طالت صحبتهم و ملابستهم له.

و كما سمّوا رجيع الإنسان الغائط، و إنّما الغيطان البطون التي كانوا ينحدرون فيها إذا أرادوا قضاء الحاجة للستر (5) .

و منه العذرة، و إنّما العذرة الفناء، و الأفنية هي العذرات، و لكن لما طال إلقاؤهم النّجو و الزّبل في أفنيتهم، سمّيت تلك الأشياء التي رموا بها، باسم المكان الذي رميت به‏ (6) . و في الحديث: «أنقوا عذراتكم» (7) .

و قال ابن الرقيّات: [من الخفيف‏]

رحم اللّه أعظما دفنوها # بسجستان طلحة الطّلحات‏ (8)

كان لا يحجب الصديق و لا يعـ # تلّ بالبخل طيّب العذرات‏

و لكنّهم لكثرة ما كانوا يلقون نجوهم في أفنيتهم سموها باسمها.

و منه النّجو: و ذلك أنّ الرجل كان إذا أراد قضاء الحاجة تستّر بنجوة (9) .

و النّجو: الارتفاع من الأرض، قالوا من ذلك: ذهب ينجو، كما قالوا ذهب يتغوّط إذا ذهب إلى الغائط لذلك الأمر، ثمّ اشتقوا منه فقالوا إذا غسل موضع النجو قد استنجى.

____________

(1) هي من أسماء جحرة اليربوع السبع. انظر اللسان (دمم) .

(2) . 43/النساء: 4، 6/المائدة: 5.

(3) . 43/النساء: 4.

(4) انظر أدب الكاتب 67، باب تأويل كلام من كلام الناس.

(5) أدب الكاتب 67.

(6) أدب الكاتب 67.

(7) النهاية 3/199.

(8) ديوان ابن قيس الرقيات 20، و البيت الأول في اللسان و التاج (طلح، نضر) ، و عمدة الحفاظ (نضر) ، و الخزانة 8/10، 14، و شرح المفصل 1/47، و بلا نسبة في المقتضب 2/188، 4/7، و همع الهوامع 2/127، و الإنصاف 41.

(9) أدب الكتاب 66.

221

و قالوا: ذهب إلى المخرج، و إلى المتوضّأ، و إلى المذهب، و إلى الخلاء، و إلى الحشّ، و إنّما الحشّ القطعة من النّخل و هي الحشّان‏ (1) . و كانوا بالمدينة إذا أرادوا قضاء الحاجة دخلوا النخل؛ لأنّ ذلك أستر، فسموا المتوضأ الحشّ، و إن كان بعيدا من النخل؛ كلّ ذلك هربا من أن يقولوا ذهب لخرء، لأنّ الاسم الخرء، و كل شي‏ء سواه من‏[نجو]و رجيع و براز و زبل و غائط فكله كناية.

و من هذا الباب الملّة، و الملّة موضع الخبزة، فسموا الخبزة باسم موضعها.

و هذا عند الأصمعيّ خطأ.

و من هذا الشكل الراوية، و الراوية هو الجمل نفسه، و هو حامل المزادة فسمّيت المزادة باسم حامل المزادة (2) . و لهذا المعنى سمّوا حامل الشعر و الحديث راوية.

و منه قولهم: ساق إلى المرأة صداقها. قالوا: و إنّما كان يقال ذلك حين كانوا يدفعون في الصّداق إبلا، و تلك الإبل يقال لها النافجة. و قال شاعرهم: [من الطويل‏]

و ليس تلادي من وراثة والدي # و لا شاد مالي مستفاد النوافج‏ (3)

و كانوا يقولون: تهنيك النافجة. قال: فإذا كانوا يدفعون الصّداق عينا و ورقا فلا يقال ساق إليها الصّداق.

و من ذلك أنّهم كانوا يضربون على العروس البناء، كالقبّة و الخيمة و الخيام، على قدر الإمكان، فيقال بنى عليها، اشتقاقا من البناء، و لا يقال ذلك اليوم. و العروس إمّا أن تكون مقيمة في مكانها أو تتحوّل إلى مكان أقدم من بنائها.

قال‏ (4) : و من ذلك قولهم في البغيّ المكتسبة بالفجور: قحبة، و إنّما القحاب السعال. و كانوا إذا أرادوا الكناية عن من زنت و تكسّبت بالزنى، قالوا قحبت أي سعلت، كناية. و قال الشاعر: [من مجزوء الكامل‏]

إنّ السّعال هو القحاب‏

و قال: [من الرمل‏]

و إذا ما قحبت واحدة # جاوب المبعد منها فخضف‏ (5)

____________

(1) أدب الكاتب 67.

(2) أدب الكاتب 65-66.

(3) البيت بلا نسبة في أساس البلاغة (نفج) .

(4) انظر النص التالي في البرصان و العرجان 74.

(5) البرصان و العرجان 74، خضف: ضرط.

222

و كذلك كان كنايتهم في انكشاف عورة الرجل، يقال‏ (1) : كشف علينا متاعه و عورته و شواره. و الشّوار: المتاع. و كذلك الفرج و إنّما يعنون الأير و الحر و الاست.

243-[كلمات للنبي صلى اللّه عليه و سلم، لم يتقدمه فيهن أحد]

و كلمات النبيّ صلى اللّه عليه و سلم، لم يتقدّمه فيهنّ أحد (2) : من ذلك قوله: «إذا لا ينتطح فيها عنزان» (3) . و من ذلك قوله: «مات حتف أنفه» (4) . و من ذلك قوله: «يا خيل اللّه اركبي» (5) و من ذلك قوله: «كلّ الصّيد في جوف الفرا» (6) ، و قوله: «لا يلسع المؤمن من جحر مرتين» (7) .

244-[شنشنة أعرفها من أخزم‏]

و قال عمر رضي اللّه تعالى عنه: «شنشنة أعرفها من أخزم» (8) ، يعني شبه ابن العبّاس بالعبّاس. و أخزم: فحل معروف بالكرم.

245-[ما يكره من الكلام‏]

و أما الكلام الذي جاءت به كراهية من طريق الروايات، فروي عن رسول اللّه

____________

(1) البرصان و العرجان 73، و أدب الكاتب 63-64.

(2) رسائل الجاحظ 2/223، و البيان و التبيين 2/15-16.

(3) النهاية 5/74، و الحديث من الأمثال في المستقصى 2/277، و الفاخر 312، و مجمع الأمثال 2/225، و جمهرة الأمثال 2/403.

(4) تمام الحديث في النهاية 1/337 «من مات حتف أنفه في سبيل اللّه فهو شهيد» ، و الحديث من الأمثال في المستقصى 2/338، و مجمع الأمثال 2/266.

(5) النهاية 2/94 «أراد: يا فرسان خيل الله اركبي، و هذا من أحسن المجازات و ألطفها» و هو من الأمثال في مجمع الأمثال 2/182.

(6) هذا مثل يضرب لمن يفضل أقرانه، و هو في مجمع الأمثال 2/136، و جمهرة الأمثال 1/165، 2/136، 162، و المستقصى 2/224، و فصل المقال 10-11، و أمثال ابن سلام 35، و الأغاني 2/344-345 في أخبار أبي سفيان.

(7) أخرجه البخاري في الأدب برقم 5782، و مسلم في الزهد و الرقائق برقم 2998. و هو من الأمثال في مجمع الأمثال 2/215، و المستقصى 2/276، و جمهرة الأمثال 2/386، و أمثال ابن سلام 38، و الفاخر 303.

(8) النهاية 2/504. الشنشنة: السجية و الطبيعة، و أول من قاله أبو أخزم الطائي. و ذلك أن أخزم كان عاقا لأبيه، فمات و ترك بنين عقّوا جدّهم و ضربوه، و هذا القول من الأمثال في مجمع الأمثال 1/361، و فصل المقال 219، و المستقصى 2/134، و أمثال ابن سلام 144، و جمهرة الأمثال 1/541، و هو من الرجز لأبي أخزم الطائي في اللسان (رمل، خزم، شنن) ، و التاج (رمل، خزم) ، و مجمل اللغة 2/183، و لعقيل بن علفة في نوادر المخطوطات 2/358، و جمهرة اللغة 596، و بلا نسبة في المخصص 6/94، و التاج (نشش) ، و تهذيب اللغة 7/218، 11/281، و التعازي و المراثي 131.

223

صلى اللّه عليه و سلم أنّه قال: «لا يقولنّ أحدكم خبثت نفسي و لكن ليقل لقست نفسي» (1) ، كأنه كره صلى اللّه عليه و سلم أن يضيف المؤمن الطاهر إلى نفسه الخبث و الفساد بوجه من الوجوه.

و جاء عن عمر و مجاهد و غيرهما النهي عن قول القائل: استأثر اللّه بفلان، بل يقال مات فلان. و يقال استأثر اللّه بعلم الغيب و استأثر اللّه بكذا و كذا.

قال النّخعيّ: كانوا يكرهون أن يقال: قراءة عبد اللّه، و قراءة سالم، و قراءة أبيّ، و قراءة زيد. و كانوا يكرهون أن يقولوا سنّة أبي بكر و عمر، بل يقال سنّة اللّه و سنّة رسوله، و يقال فلان يقرأ بوجه كذا، و فلان يقرأ بوجه كذا.

و كره مجاهد أن يقولوا مسيجد و مصيحف، للمسجد القليل الذّرع، و المصحف القليل الورق. و يقول: هم و إن لم يريدوا التصغير فإنّه بذلك شبيه.

246-[تصغير الكلام‏]

و ربّما صغّروا الشي‏ء من طريق الشّفقة و الرّقّة (2) ، كقول عمر: أخاف على هذا العريب. و ليس التصغير بهم يريد. و قد يقول الرجل: إنّما فلان أخيّي و صديقي؛ و ليس التصغير له يريد. و ذكر عمر ابن مسعود فقال: «كنيف ملئ علما» (3) . و قال الحباب بن المنذر يوم السّقيفة: «أنا جذيلها المحكك، و عذيقها المرجّب» (4) .

و هذا كقول النبيّ صلى اللّه عليه و سلم لعائشة: «الحميراء» (5) ، و كقولهم لأبي قابوس الملك: أبو قبيس. و كقولهم: دبّت إليه دويهية الدهر، و ذلك حين أرادوا لطافة المدخل و دقّة المسلك.

و يقال إنّ كلّ فعيل في أسماء العرب فإنّما هو على هذا المعنى، كقولهم

____________

(1) أخرجه البخاري في الأدب برقم 5825، 5826، و مسلم في الألفاظ من الأدب برقم 2250، 2251.

(2) انظر الكتاب لسيبويه 3/415-496.

(3) النهاية 4/205، الكنف: الوعاء.

(4) النهاية 1/251، 418، 2/197، 3/199، 4/205، و هو من الأمثال في مجمع الأمثال 1/31، و المستقصى 1/377، و أمثال ابن سلام 103، و الدرة الفاخرة 2/368.

(5) تمام الحديث في النهاية 1/438 «خذوا شطر دينكم من الحميراء» يريد: البيضاء.

224

المعيديّ، و كنحو: سليم، و ضمير، و كليب، و عقير، و جعيل، و حميد، و سعيد، و جبير؛ و كنحو عبيد، و عبيد اللّه، و عبيد الرماح. و طريق التحقير و التصغير إنّما هو كقولهم: نجيل و نذيل. قالوا: و ربّ اسم إذا صغّرته كان أملأ للصّدر، مثل قولك أبو عبيد اللّه، هو أكبر في السماع من أبي عبد اللّه، و كعب بن جعيل، هو أفخم من كعب بن جعل. و ربّما كان التصغير خلقة و بنية، لا يتغيّر، كنحو الحميّا و السّكيت، و جنيدة، و القطيعا، و المريطاء، و السّميراء، و المليساء-و ليس هو كقولهم القصيرى، و في كبيدات السماء و الثّريا.

و قال عليّ بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه: دققت الباب على رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، فقال: من هذا؟فقلت: أنا. فقال: أنا!كأنّه كره قولي أنا (1) .

و حدّثني أبو عليّ الأنصاري، و عبد الكريم الغفاريّ قالا: حدّثنا عيسى بن حاضر قال: كان عمرو بن عبيد يجلس في داره، و كان لا يدع بابه مفتوحا، فإذا قرعه إنسان قام بنفسه حتّى يفتحه له. فأتيت الباب يوما فقرعته فقال: من هذا؟فقلت: أنا.

فقال: ما أعرف أحدا يسمّى أنا. فلم أقل شيئا و قمت خلف الباب، إذ جاء رجل من أهل خراسان فقرع الباب، فقال عمرو: من هذا؟فقال: رجل غريب قدم عليك، يلتمس العلم. فقام له ففتح له الباب، فلمّا وجدت فرجة أردت أن ألج الباب، فدفع الباب في وجهي بعنف، فأقمت عنده أيّاما ثم قلت في نفسي: و اللّه إنّي يوم أتغضّب على عمرو بن عبيد، لغير رشيد الرأي. فأتيت الباب فقرعته عليه فقال: من هذا؟ فقلت: عيسى بن حاضر. فقام ففتح لي الباب.

و قال رجل عند الشّعبيّ: أ ليس اللّه قال كذا و كذا!قال: و ما علّمك؟و قال الربيع بن خثيم: اتّقوا تكذيب اللّه، ليتّق أحدكم أن يقول قال اللّه في كتابه كذا و كذا، فيقول اللّه كذبت لم أقله.

و قال عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه: لا يقل أحدكم أهريق الماء و لكن يقول أبول.

و سأل عمر رجلا عن شي‏ء، فقال: اللّه أعلم. فقال عمر: قد خزينا إن كنّا لا نعلم أنّ اللّه أعلم؛ إذا سئل أحدكم عن شي‏ء فإن كان يعلمه قاله، و إن كان لا يعلمه قال: لا علم لي بذلك.

____________

(1) أخرجه البخاري في الاستئذان برقم 5896، و مسلم في الآداب برقم 2155.

225

و سمع عمر رجلا يدعو و يقول؛ اللهمّ اجعلني من الأقلّين!قال: ما هذا الدعاء؟ قال: إنّي سمعت اللّه عزّ و جلّ يقول: وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبََادِيَ اَلشَّكُورُ (1) و قال: وَ مََا آمَنَ مَعَهُ إِلاََّ قَلِيلٌ (2) . قال عمر: عليك من الدعاء بما يعرف.

و كره عمر بن عبد العزيز قول الرجل لصاحبه: ضعه تحت إبطك، و قال: هلاّ قلت تحت يدك و تحت منكبك!و قال مرّة-وراث فرس بحضرة سليمان-فقال:

ارفعوا ذلك النّثيل‏ (3) . و لم يقل ذلك الرّوث.

و قال الحجّاج لأمّ عبد الرحمن بن الأشعث: عمدت إلى مال اللّه فوضعته تحت. كأنّه كره أن يقول على عادة الناس: تحت استك، فتلجلج خوفا من أن يقول قذعا أو رفثا، ثمّ قال: تحت ذيلك.

و قال النبيّ صلى اللّه عليه و سلم: «لا يقولنّ أحدكم لمملوكه عبدي و أمتي، و لكن يقول: فتاي و فتاتي، و لا يقول المملوك ربّي و ربّتي، و لكن يقول سيّدي و سيّدتي» (4) .

و كره مطرّف بن عبد اللّه، قول القائل للكلب: اللّهمّ أخزه.

و كره عمران بن الحصين، أن يقول الرّجل لصاحبه: «أنعم اللّه بك عينا» ؛ و «لا أنعم اللّه بك عينا» .

و قد كرهوا أشياء ممّا جاءت في الروايات لا تعرف وجوهها، فرأي أصحابنا: لا يكرهونها. و لا نستطيع الردّ عليهم، و لم نسمع لهم في ذلك أكثر من الكراهة. و لو كانوا يروون الأمور مع عللها و برهاناتها خفّت المئونة، و لكنّ أكثر الروايات مجرّدة، و قد اقتصروا على ظاهر اللفظ دون حكاية العلة، و دون الإخبار عن البرهان. و إن كانوا قد شاهدوا النوعين مشاهدة واحدة.

قال ابن مسعود و أبو هريرة (5) : «لا تسمّوا العنب الكرم؛ فإنّ الكرم هو الرجل المسلم‏ (6) .

____________

(1) . 13/سبأ: 34.

(2) . 40/هود: 11.

(3) النهاية 5/16.

(4) أخرجه البخاري في العتق برقم 2414، و مسلم في الألفاظ من الأدب برقم 2249.

(5) النهاية 4/167.

(6) أخرج البخاري في الأدب برقم 5828: «لا تسمّوا العنب الكرم، و لا تقولوا: خيبة الدهر، فإن اللّه هو الدهر» ، و أخرجه مسلم في الألفاظ من الأدب برقم 2247، و أخرج البخاري برقم 5829 «و يقولون الكرم، إنما الكرم قلب المؤمن» .

226

و قد رفعوا ذلك إلى النبي صلى اللّه عليه و سلم.

و أمّا قوله: «لا تسبّوا الدّهر فإنّ الدهر هو اللّه» (1) فما أحسن ما فسّر ذلك عبد الرحمن بن مهديّ قال: وجه هذا عندنا، أنّ القوم قالوا: وَ مََا يُهْلِكُنََا إِلاَّ اَلدَّهْرُ (2)

فلما قال القوم ذلك، قال النبيّ صلى اللّه عليه و سلم: «ذلك اللّه» . يعني أنّ الذي أهلك القرون هو اللّه عزّ و جلّ، فتوهم منه المتوهّم أنّه إنّما أوقع الكلام على الدهر.

و قال يونس: و كما غلطوا في قول النبي صلى اللّه عليه و سلم لحسّان: «قل و معك روح القدس» (3) فقالوا: قال النبي صلى اللّه عليه و سلم لحسّان: قل و معك جبريل‏ (4) ؛ لأنّ روح القدس أيضا من أسماء جبريل. أ لا ترى أنّ موسى قال: «ليت أنّ روح اللّه مع كلّ أحد» ، و هو يريد العصمة و التوفيق. و النصارى تقول للمتنبّي: معه روح دكالا، و معه روح سيفرت. و تقول اليهود: معه روح بعلزبول، يريدون شيطانا. فإذا كان نبيا قالوا:

روحه روح القدس، و روحه روح اللّه، و قال اللّه عزّ و جلّ: وَ كَذََلِكَ أَوْحَيْنََا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنََا (5) ، يعني القرآن.

و سمع الحسن رجلا يقول: طلع سهيل و برد الليل. فكره ذلك و قال: إنّ سهيلا لم يأت بحرّ و لا ببرد قطّ. و لهذا الكلام مجاز و مذهب، و قد كره الحسن كما ترى.

و كره مالك بن أنس أن يقول الرجل للغيم و السحابة: ما أخلقها للمطر!و هذا كلام مجازه قائم، و قد كرهه ابن أنس. كأنّهم من خوفهم عليهم العود في شي‏ء من أمر الجاهليّة، احتاطوا في أمورهم، فمنعوهم من الكلام الذي فيه أدنى متعلّق.

و رووا أنّ ابن عبّاس قال: لا تقولوا و الذي خاتمه على فمي، فإنّما يختم اللّه عزّ و جلّ على فم الكافر. و كره قولهم: قوس قزح. و قال: قزح شيطان‏ (6) ، و إنّما ذهبوا إلى

____________

(1) أخرج البخاري في الأدب برقم 5827، و في التوحيد برقم 7053 «قال اللّه تعالى: يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر، و أنا الدهر» . و انظر الحاشية السابقة.

(2) . 24/الجاثية: 45.

(3) أخرج البخاري في المساجد برقم 442، و في بدء الخلق برقم 3040، و في الأدب 5800، و مسلم في فضائل الصحابة برقم 2485 «اللهم أيده بروح القدس» . و انظر الأغاني 4/137، 143، 148.

(4) أخرج البخاري في بدء الخلق برقم 3041، و في الأدب برقم 5801، و مسلم في فضائل الصحابة برقم 2486 «اهجهم-أو هاجهم-و جبريل معك» .

(5) . 52/الشورى: 42.

(6) النهاية 4/57، و ثمار القلوب (78) .

227

التعريج و التلوين، كأنّه كره ما كانوا عليه من عادات الجاهلية. و كان أحبّ أن يقال قوس اللّه، فيرفع من قدره، كما يقال بيت اللّه، و زوّار اللّه، و أرض اللّه، و سماء اللّه، و أسد اللّه‏ (1) .

و قالت عائشة رضي اللّه عنها: «قولوا لرسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم خاتم النبيين، و لا تقولوا: لا نبيّ بعده» فإلاّ تكن ذهبت إلى نزول المسيح فما أعرف له وجها إلاّ أن تكون قالت لا تغيّروا ما سمعتم، و قولوا كما قيل لكم، و الفظوا بمثله سواء.

و كره ابن عمر رضي اللّه عنهما قول القائل: أسلمت في كذا و كذا، و قال: ليس الإسلام إلاّ للّه عزّ و جلّ. و هذا الكلام مجازه عند الناس سهل، و قد كرهه ابن عمر، و هو أعلم بذلك.

و كره ابن عبّاس رضي اللّه عنهما قول القائل: أنا كسلان.

و قال عمر: لا تسمّوا الطريق السّكّة.

و كره أبو العالية قول القائل: كنت في جنازة، و قال: قل تبعت جنازة. كأنّه ذهب إلى أنّه عنى أنّه كان في جوفها، و قال قل تبعت جنازة. و الناس لا يريدون هذا، و مجاز هذا الكلام قائم، و قد كرهه أبو العالية، و هي عندي شبيه بقول من كره أن يقول: أعطاني فلان نصف درهم. و قال: إذا قلت: كيف تكيل الدقيق؟فليس جوابه أن تقول: القفيز بدنينير، و لكن يتناول القفيز ثم يكيل به الدقيق، و يقول: هكذا الكيلة و هذا من القول مسخوط! و كره ابن عبّاس قول القائل: الناس قد انصرفوا، يريد من الصلاة، قال بل قولوا:

قد قضوا الصلاة، و قد فرغوا من الصلاة، و قد صلّوا؛ لقوله: ثُمَّ اِنْصَرَفُوا صَرَفَ اَللََّهُ قُلُوبَهُمْ (2) ، قال: و كلام الناس: كان ذلك حين انصرفنا من الجنازة، و قد انصرفوا من السّوق، و انصرف الخليفة، و صرف الخليفة الناس من الدار اليوم بخير، و كنت في أوّل المنصرفين. و قد كرهه ابن عبّاس. و لو أخبرونا بعلّته انتفعنا بذلك.

و كره حبيب بن أبي ثابت، أن يقال للحائض طامث، و كره مجاهد قول القائل:

دخل رمضان، و ذهب رمضان، و قال: قولوا شهر رمضان، فلعلّ رمضان اسم من أسماء اللّه تعالى.

____________

(1) انظر ثمار القلوب (57-96) «الباب الأول فيما يضاف إلى اسم اللّه تعالى عز ذكره» .

(2) . 127/التوبة: 9.

228

قال أبو إسحاق: إنما أتى من قبل قوله تعالى: شَهْرُ رَمَضََانَ اَلَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ اَلْقُرْآنُ (1) فقد قال الناس يوم التّروية، و يوم عرفة و لم يقولوا عرفة.

247-[رأي النظّام في بعض المفسرين‏]

كان أبو إسحاق يقول: لا تسترسلوا إلى كثير من المفسّرين، و إن نصبوا أنفسهم للعامّة، و أجابوا في كلّ مسألة؛ فإن كثيرا منهم يقول بغير رواية على غير أساس، و كلّما كان المفسّر أغرب عندهم كان أحبّ إليهم، و ليكن عندكم عكرمة، و الكلبيّ، و السّدّي، و الضّحاك، و مقاتل بن سليمان، و أبو بكر الأصمّ، في سبيل واحدة. فكيف أثق بتفسيرهم و أسكن إلى صوابهم، و قد قالوا في قوله عزّ و جلّ:

وَ أَنَّ اَلْمَسََاجِدَ لِلََّهِ (2) : إنّ اللّه عزّ و جلّ لم يعن بهذا الكلام مساجدنا التي نصلّي فيها، بل إنّما عنى الجباه و كل ما سجد الناس عليه: من يد و رجل، و جبهة و أنف و ثفنة.

و قالوا في قوله تعالى: أَ فَلاََ يَنْظُرُونَ إِلَى اَلْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (3) : إنّه ليس يعني الجمال و النّوق، و إنّما يعني السحاب‏ (4) .

و إذا سئلوا عن قوله: وَ طَلْحٍ مَنْضُودٍ (5) قالوا: الطلح هو الموز.

و جعلوا الدليل على أنّ شهر رمضان قد كان فرضا على جميع الأمم و أنّ الناس غيّروه، قوله تعالى‏ كُتِبَ عَلَيْكُمُ اَلصِّيََامُ كَمََا كُتِبَ عَلَى اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ (6) .

و قالوا في قوله تعالى: رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى‏ََ وَ قَدْ كُنْتُ بَصِيراً (7) قالوا:

يعني أنّه حشره بلا حجّة.

و قالوا في قوله تعالى: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (8) : الويل واد في جهنم. ثم قعدوا

____________

(1) . 185/البقرة: 2.

(2) . 18/الجن: 72.

(3) . 17/الغاشية: 88.

(4) عمدة الحفاظ (إبل) .

(5) . 29/الواقعة: 56.

(6) . 183/البقرة: 2.

(7) . 125/طه: 20.

(8) . 1/المطففين: 83.

229

يصفون ذلك الوادي. و معنى الويل في كلام العرب معروف، و كيف كان في الجاهليّة قبل الإسلام، و هو من أشهر كلامهم! و سئلوا عن قوله تعالى: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ اَلْفَلَقِ (1) قالوا: الفلق: واد في جهنم، ثمّ قعدوا يصفونه. و قال آخرون: الفلق: المقطرة بلغة اليمن.

و قال آخرون في قوله تعالى: عَيْناً فِيهََا تُسَمََّى سَلْسَبِيلاً (2) قالوا: أخطأ من وصل بعض هذه الكلمة ببعض. قالوا: و إنّما هي: سل سبيلا إليها يا محمد. فإن كان كما قالوا فأين معنى تسمّى، و على أيّ شي‏ء وقع قوله تسمّى فتسمّى ما ذا، و ما ذلك الشي‏ء؟ و قالوا في قوله تعالى: وَ قََالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنََا (3) قالوا الجلود كناية عن الفروج. كأنه كان لا يرى أنّ كلام الجلد من أعجب العجب! و قالوا في قوله تعالى: كََانََا يَأْكُلاََنِ اَلطَّعََامَ (4) : إنّ هذا إنّما كان كناية عن الغائط. كأنه لا يرى أنّ في الجوع و ما ينال أهله من الذّلّة و العجز و الفاقة، و أنّه ليس في الحاجة إلى الغذاء-ما يكتفى به في الدّلالة على أنّهما مخلوقان، حتّى يدّعي على الكلام و يدّعي له شيئا قد أغناه اللّه تعالى عنه.

و قالوا في قوله تعالى: وَ ثِيََابَكَ فَطَهِّرْ (5) : إنّه إنما عنى قلبه.

و من أعجب التأويل قول اللّحياني: (الجبّار) من الرجال يكون على وجوه:

يكون جبّارا في الضّخم و القوّة، فتأوّل قوله تعالى: إِنَّ فِيهََا قَوْماً جَبََّارِينَ (6) قال:

و يكون جبّارا على معنى قتّالا، و تأوّل في ذلك: وَ إِذََا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبََّارِينَ (7) ، و قوله لموسى صلى اللّه عليه و سلم: إِنْ تُرِيدُ إِلاََّ أَنْ تَكُونَ جَبََّاراً فِي اَلْأَرْضِ (8) أي قتّالا بغير حقّ.

و الجبار: المتكبّر عن عبادة اللّه تعالى، و تأوّل قوله عزّ و جلّ:

____________

(1) . 1/الفلق: 113.

(2) . 18/الإنسان: 76.

(3) . 21/فصلت: 41.

(4) . 75/المائدة: 5.

(5) . 4/المدثر: 74.

(6) . 22/المائدة: 5.

(7) . 130/الشعراء: 26.

(8) . 19/القصص: 28.

230

وَ لَمْ يَكُنْ جَبََّاراً عَصِيًّا (1) ، و تأوّل في ذلك قول عيسى: وَ لَمْ يَجْعَلْنِي جَبََّاراً شَقِيًّا (2) أي لم يجعلني متكبّرا عن عبادته، قال: الجبّار: المسلّط القاهر، و قال: و هو قوله: وَ مََا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبََّارٍ (3) أي مسلّط فتقهرهم على الإسلام. و الجبّار: اللّه.

و تأوّل أيضا (الخوف) على وجوه، و لو وجده في ألف مكان لقال: و الخوف على ألف وجه، و كذلك الجبّار. و هذا كلّه يرجع إلى معنى واحد؛ إلاّ أنّه لا يجوز أن يوصف به إلاّ اللّه عزّ و جلّ.

248-[تكلف بعض القضاة في أحكامهم‏]

و قال رجل لعبيد اللّه بن الحسن القاضي: إنّ أبي أوصى بثلث ماله في الحصون. قال: اذهب فاشتر به خيلا، فقال الرجل: إنّه إنّما ذكر الحصون!قال: أ ما سمعت قول الأسعر الجعفيّ: [من الكامل‏]

و لقد علمت على تجنّبي الرّدى # أنّ الحصون الخيل لا مدر القرى‏ (4)

فينبغي في مثل هذا القياس على هذا التأويل، أنّه ما قيل للمدن و الحصون حصون إلاّ على التشبيه بالخيل.

و خبّرني النّوشروانيّ قال: قلت للحسن القاضي: أوصى جدّي بثلث ماله لأولاده، و أنا من أولاده. قال: ليس لك شي‏ء. قلت: و لم؟قال: أ و ما سمعت قول الشاعر: [من الطويل‏]

بنونا بنو أبنائنا و بناتنا # بنوهنّ أبناء الرّجال الأباعد (5)

قال: فشكوت ذلك إلى فلان فزادني شرّا.

و قالوا في قوله‏ (6) : ما ساءك و ناءك: ناءك، أبعدك. قالوا: و ساءك أبرصك. قال:

لقوله تعالى: تَخْرُجْ بَيْضََاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ* (7) . و بئس التكلّف.

____________

(1) . 14/مريم: 19.

(2) . 32/مريم: 19.

(3) . 45/ق: 50.

(4) البيت في الأصمعيات 141، و الوحشيات 43، و اللسان و التاج و أساس البلاغة (حصن) ، و تهذيب اللغة 4/247.

(5) البيت للفرزدق في ديوانه 217 (الصاوي) ، و الخزانة 1/444، و بلا نسبة في الإنصاف 1/66، و شرح المفصل 1/99، 9/132، و مغني اللبيب 2/452، و الدرر 2/24، و همع الهوامع 1/102.

(6) ورد القول في أساس البلاغة (سوء) .

(7) . 12/النمل: 27، 32/القصص: 28.

231

و قال ابن قميئة: [من الطويل‏]

و حمّال أثقال إذا هي أعرضت # على الأصل لا يسطيعها المتكلّف‏ (1)

و قال اللّه و هو يخبر عن نبيّه صلى اللّه عليه و سلم: وَ مََا أَنَا مِنَ اَلْمُتَكَلِّفِينَ (2) .

و ليس يؤتى القوم إلاّ من الطمع، و من شدّة إعجابهم بالغريب من التأويل.

249-[رأي في فقه أبي حنيفة]

و سئل حفص بن غياث، عن فقه أبي حنيفة، فقال: أعلم الناس بما لم يكن، و أجهل الناس بما كان‏ (3) ! و قالوا في قوله تعالى: ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ اَلنَّعِيمِ (4) قالوا: النعيم: الماء الحارّ في الشتاء، و البارد في الصيف.

250-[الصّرورة]

و من الأسماء المحدثة التي قامت مقام الأسماء الجاهليّة، قولهم في الإسلام لمن لم يحجّ: صرورة.

و أنت إذا قرأت أشعار الجاهليّة وجدتهم قد وضعوا هذا الاسم على خلاف هذا الموضع. قال ابن مقروم الضّبّيّ: [من الكامل‏]

لو أنّها عرضت لأشمط راهب # عبد الإله صرورة متبتّل‏ (5)

لدنا لبهجتها و حسن حديثها # و لهمّ من تاموره بتنزّل‏

و الصرورة عندهم إذا كان أرفع الناس في مراتب العبادة، و هو اليوم اسم للذي لم يحجّ إمّا لعجز، و إمّا لتضييع، و إمّا لإنكار. فهما مختلفان كما ترى.

251-[ألفاظ القرآن الكريم‏]

فإذا كانت العرب يشتقّون كلاما من كلامهم و أسماء من أسمائهم، و اللغة

____________

(1) ديوان عمرو بن قميئة 80، و البيان و التبيين 2/18.

(2) . 86/ص: 38.

(3) ورد الخبر في البيان و التبيين 2/253، و البرصان و العرجان 3-4.

(4) . 8/التكاثر: 102.

(5) ديوان ربيعة بن مقروم 267، و الأغاني 22/102، و الأول في اللسان (بتل) ، و تهذيب اللغة 14/291، و بلا نسبة في العين 8/124، و الثاني في اللسان (تمر) .

232

عاريّة في أيديهم ممّن خلقهم و مكّنهم و ألهمهم و علّمهم، و كان ذلك منهم صوابا عند جميع الناس؛ فالذي أعارهم هذه النّعمة أحقّ بالاشتقاق و أوجب طاعة. و كما أنّ له أن يبتدئ الأسماء؛ فكذلك له أن يبتدئها ممّا أحبّ.. قد سمّى كتابه المنزل قرآنا، و هذا الاسم لم يكن حتى كان، و جعل السجود للشمس كفرا، فلا يجوز أن يكون السجود لها كفرا إلاّ و ترك ذلك السجود بعينه يكون إيمانا، و الترك للشي‏ء لا يكون إلاّ بالجارحة التي كان بها الشي‏ء، و في مقداره من الزمان، و تكون بدلا منه و عقبا. فواحدة أن يسمّى السجود كفرا، و إذا كان كفرا كان جحودا و إذا كان جحودا كان شركا، و السجود ليس بجحد، و الجحد ليس بإشراك إلاّ أن تصرفه إلى الوجه الذي يصير به إشراكا.

252-[ما اشتق من نباح الكلاب‏]

و قال طفيل الغنويّ: [من الطويل‏]

عوازب لم تسمع نبوح مقامة # و لم تر نارا تمّ حول مجرّم‏ (1)

و إنّما أخذ ذلك للجميع من نباح الكلاب.

و ذكروا أن الظّبي إذا أسنّ و نبتت لقرونه شعب نبح، و هو قول أبي دؤاد: [من الهزج‏]

و قصرى شنج الأنسا # ء نبّاح من الشعب‏ (2)

يعني من جهة الشعب؛ و أنشد بعضهم: [من الطويل‏]

و ينبح بين الشعب نبحا كأنّه # نباح سلوق أبصرت ما يريبها (3)

و بيّضها الهزل المسوّد غيرها # كما ابيضّ عن حمض المراحم نيبها

لأن الظّبي إذا هزل ابيضّ، و البعير يشيب وجهه من أكل الحمض. و كذلك قال ابن لجأ: [من الرجز]

شابت و لمّا تدن من ذكائها (4)

____________

(1) ديوان طفيل الغنوي 77، و أمالي القالي 2/83، و أساس البلاغة (تمم، نبح) .

(2) البيت لأبي دؤاد في ديوانه 288، و اللسان (شعب، شنج، نبح، قصر) ، و المعاني الكبير 142، و لعقبة بن سابق في الأصمعيات 41، و بلا نسبة في همع الهوامع 2/120، و المقرب 1/228.

قصرى: أسفل الأضلاع. شنج: متقبّض. الشعب: الظباء التي طالت قرونها و تشعبت.

(3) البيتان بلا نسبة في المعاني الكبير 695، و الأول في اللسان (نبح، عجل) ، و تهذيب اللغة 5/118.

(4) ديوان عمر بن لجأ 152، و البرصان و العرجان 43، و المعاني الكبير 695، 790.

233

كما قال الآخر: [من الرجز]

أكلن حمضا فالوجوه شيب # شربن حتى نزح القليب‏ (1)

و قد تصير النّاقة الحمراء إذا أتمّت حبشيّة. و لذلك قال الشاعر: [من الكامل‏]

حمراء لا حبشيّة الإتمام‏

و ما أشبه ذلك بقول العبديّ: [من الطويل‏]

و داويتها حتّى شتت حبشيّة # كأنّ عليها سندسا و سدوسا (2)

و الدّواء: اللبن، فلذلك تصير الفرس إذا ألقت شعرها و طرّت، تستديل هذا اللون.

و قال خالد بن الصقعب النّهديّ: [من الوافر]

هبطنا بعد عهدك بطن خبت # تظلّ حمامه مثل الخصوم‏ (3)

كأنّ عرين أيكته تلاقى # به جمعان من نبط و روم

نباح الهدهد الحوليّ فيه # كنبح الكلب في الأنس المقيم‏

و يقال إنّ الهدهد ينبح. و ربّما جعلوا الهدهد، الذي ينبح، الحمام الذكر. قال الشاعر-و هو يصف الحمام الذّكر كيف يصنع فيها: [من الكامل‏]

و إذا استترن أرنّ فيها هدهد # مثل المداك خضبته بجساد (4)

و قال طفيل في النّبوح مدفّع # عن الزّاد ممّا جلّف الدهر محثل‏ (5)

____________

(1) البيت الأول بلا نسبة في اللسان، و التاج (علج، هرم) ، و المقاييس 4/122، و جمهرة اللغة 804.

(2) البيت ليزيد بن الخذّاق في المفضليات 597، و شرح اختيارات المفضل 1282، و اللسان و التاج (سدس) ، و بلا نسبة في المخصص 4/78، 6/187، و تهذيب اللغة 14/227، و اللسان (دوا) ، و أساس البلاغة (دوي) ، و جمهرة اللغة 233.

(3) الأبيات لخالد بن الصقعب في الحماسة الشجرية 289، و البيتان الثاني و الثالث في أساس البلاغة (نبط) .

(4) المداك: حجر يسحق عليه الطيب. الجساد: الزعفران.

(5) ديوان طفيل الغنوي 70، و التاج (دفع) ، و العين 2/46، 3/206، 252، و بلا نسبة في اللسان (حثل) ، و المخصص 2/136.

234

و قال الجعديّ: [من المتقارب‏]

فلما دنونا لصوت النّباح # و لا نبصر الحيّ إلاّ التماسا (1)

و قال ابن عبدل: [من الكامل‏]

آليت إذ آليت مجتهدا # و رفعت صوتا ما به بحح

لا يدرك الشعراء منزلتي # في الشعر إن سكتوا و إن نبحوا

و قال عمرو بن كلثوم: [من الوافر]

و قد هرّت كلاب الحيّ منّا # و شدّ بنا قتادة من يلينا (2)

و قال بعض العلماء: كلاب الحيّ شعراؤهم، و هم الذين ينبحون دونهم، و يحمون أعراضهم. و قال آخرون: إن كلاب الحيّ كلّ عقور، و كلّ ذي عيون أربع.

و أما قوله: [من الوافر]

لعمرك ما خشيت على أبيّ # رماح بني مقيّدة الحمار (3)

و لكنّي خشيت على أبيّ # رماح الجنّ أو إيّاك حار

فالطّواعين هي عند العرب رماح الجن. و في الحديث: «إنّ الطاعون وخز من الشيطان» (4) .

و قال أبو سلمى: [من الرجز]

لا بدّ للسّؤدد من أرماح # و من سفيه دائم النّباح

و من عديد يتّقى بالرّاح‏ (5)

و قال الأعشى: [من الرمل‏]

مثل أيّام لنا نعرفها # هرّ كلب النّاس فيها و نبح‏ (6)

____________

(1) ديوان النابغة الجعدي 80، و الاقتضاب 407، و الأغاني 5/6.

(2) البيت لعمرو بن كلثوم في شرح القصائد السبع 390، و شرح القصائد العشر 333، و جمهرة أشعار العرب 1/395، و التاج (هقق) .

(3) البيتان لفاختة بنت عدي في الأغاني 11/200، و الحماسة البصرية 1/270، و شرح أبيات سيبويه 2/198، و بلا نسبة في مجالس ثعلب 574، و الكتاب 2/357، و أساس البلاغة (رمح) ، و اللسان (رمح، قيد، حمر) ، و التاج (رمح، قيد) ، و مجالس ثعلب 53 (143) . بنو مقيدة الحمار: العقارب.

(4) الحديث لعمرو بن العاص في النهاية 5/163.

(5) الرجز بلا نسبة في البيان و التبيين 3/335، و أساس البلاغة (هرر) .

(6) ديوان الأعشى 291، 293.

235

رزن الأحلام في مجلسهم # كلّما كلب من الناس نبح‏

و قال: [من الطويل‏]

سينبح كلبي جاهدا من ورائكم # و أغنى غنائي عنكم أن أؤنّبا (1)

و قال أبو ذؤيب: [من الطويل‏]

و لا هرّها كلبي ليبعد تعرها # و لو نبحتني بالشّكاة كلابها (2)

كلابها: شعراؤها، و هو قول بشر بن أبي خازم: [من الوافر]

و إنّي و الشّكاة لآل لأم # كذات الضّغن تمشي في الرّفاق‏ (3)

و قال أبو زبيد: [من الطويل‏]

أ لم ترني سكّنت لأيا كلابهم # و كفكفت عنكم أكلبي و هي عقّر (4)

253-[هجاء ضروب من الحيوان‏]

قال صاحب الكلب: قد علمنا أنّكم تتبّعتم على الكلب كلّ شي‏ء هجي به، و جعلتم ذلك دليلا على سقوط قدره و على لؤم طبعه؛ و قد رأينا الشعراء قد هجوا الأصناف كلّها، فلم يفلت منهم إنسان و لا سبع، و لا بهيمة و لا طائر و لا همج و لا حشرة، و لا رفيع من الناس و لا وضيع، إلاّ أن يسلم بعض ذلك عليهم بالخمول، فكفاك بالخمول دقّة و لؤما و قلّة و نذالة. و قال أميّة بن أبي عائذ لإياس بن سهم: [من الطويل‏]

فأبلغ إياسا أنّ عرض ابن أختكم # رداؤك فاصطن حسنه أو تبذّل‏ (5)

فإن تك ذا طول فإني ابن أختكم # و كلّ ابن أخت من ندى الخال معتلي

فكن أسدا أو ثعلبا أو شبيهه # فمهما تكن أنسب إليك و أشكل‏

____________

(1) ديوان الأعشى 167.

(2) ديوان الهذليين 1/81.

(3) ديوان بشر بن أبي خازم 163، و اللسان و التاج (رفق، ضغن) ، و تهذيب اللغة 9/113، و المعاني الكبير 590، و بلا نسبة في المقاييس 2/418، و مجمل اللغة 2/401، و كتاب الجيم 2/14، 41.

(4) ديوان أبي زبيد 614، و اللسان و التاج (كفف) ، و بلا نسبة في أساس البلاغة (كلب) .

(5) شرح أشعار الهذليين 530، و عيون الأخبار 3/89-90. اصطن: صن و احفظ. تبذل: امتهن.

236

فما ثعلب إلاّ ابن أخت ثعالة # و إنّ ابن أخت اللّيث ريبال أشبل

و لن تجد الآساد أخوال ثعلب # إذا كانت الهيجا تلوذ بمدخل‏

فهذا من الثعلب. و قال مزرّد بن ضرار: [من الطويل‏]

و إنّ كناز اللّحم من بكراتكم # تهرّ عليها أمّكم و تكالب‏ (1)

و ليت الذي ألقى فناؤك رحله # لتقريه بالت عليه الثعالب‏

فقد وضع الثعلب كما ترى بهذا الموضع الذي كفاك به نذالة. قال ابن هرمة:

[من الوافر]

فما عادت بذي يمن رءوسا # و لا ضرّت لفرقتها نزارا (2)

كعنز السّوء تنطح من خلاها # و ترأم من يحدّ لها الشّفارا

و هذا قول الشاعر في العنز. و قال ابن أحمر: [من البسيط]

إنا وجدنا بني سهم و جاملهم # كالعنز تعطف روقيها فترتضع‏ (3)

و قال الفرزدق: [من الطويل‏]

على حين لم أترك على الأرض حيّة # و لا نابحا إلا استقرّ عقورها

و كان نفيع إذ هجاني لأهله # كباحثة عن مدية تستثيرها (4)

فهذا قولهم في العنز. و لا نعلم في الأرض أقلّ شرّا و لا أكثر خيرا من شاة.

و قال الخريميّ: [من البسيط]

يا للرجال لقوم قد مللتهم # أرى جوارهم إحدى البليّات‏ (5)

ذئب رضيع و خنزير تعارضها # عقارب و جنت و جنا بحيّات

ما ظنّكم بأناس خير كسبهم # مصرّح السّحت سمّوه الأمانات‏

____________

(1) تقدم البيتان في الفقرة 236.

(2) ديوان ابن هرمة 118.

(3) ديوان عمرو بن أحمر 120، و اللسان و التاج (رضع) ، و المعاني الكبير 689، و عيون الأخبار 2/75، و العقد الفريد 6/236، 4/257، و بلا نسبة في أساس البلاغة (رضع) ، و ديوان الأدب 2/410.

(4) في هذا البيت إشارة إلى المثل: «لا تكن كالعنز تبحث عن المدية» ، و المثل في أمثال ابن سلام 330، و فصل المقال 455، و ثمة مثل «كالباحث عن المدية» في مجمع الأمثال 2/157، و أمثال ابن سلام 250، و فصل المقال 362.

(5) ديوان الخريمي 20.

237

فهذا قولهم في العقارب و الحيّات و الضّباع و الخنازير.

و قال حماد عجرد في بشّار: [من الكامل‏]

قد كان في حبّي غزالة شاغل # للقرد عن شتمي و في ثوبان

أو في سميعة أختها و شرادها # لمجونها مع سفلة المجّان

أو بيت ضيق عرسه و ركوبها # شرّ البغاء بأوكس الأثمان‏

هذا قول حماد في القرد. و قال حمّاد في بشّار بن برد أيضا: [من الطويل‏]

و لكن معاذ اللّه لست بقاذف # بريئا لسوّاق لقوم نوائح

و ما قلت في الأعمى لجهل و أمّه # و لكن بأمر بيّن لي واضح

سأعرض صحفا عن حصين لأمّه # و لست عن القرد ابن برد بصافح‏

و قال الآخر: [من الطويل‏]

لما أتيت ابني يزيد بن خثعم # أرى القرد و الخنزير محتبيان

أمام بيوت القوم من آل خثعم # وراء قبيحات الوجوه بطان‏

و قال العتّابي: [من الرجز]

اسجد لقرد السّوء في زمانه # و إن تلقّاك بخنزوانه

لا سيّما ما دام في سلطانه‏ (1)

و قال أبو الشمقمق: [من الرجز]

إن رياح اللّؤم من شحّه # لا يطمع الخنزير في سلحه‏ (2)

كفّاه قفل ضلّ مفتاحه # قد يئس الحدّاد من فتحه‏

و قال خلف بن خليفة: [من المتقارب‏]

فسبحان من رزقه واسع # يعمّ به القرد و القرده‏

و هذا كثير. و لعمري لو جمع كلّه لكان مثل هجاء الناس للكلب، و كذلك لو جمع جميع ما مدح به الأسد فما دونه، و الأمثال السائرة التي وقعت في حمد هذه الأشياء، لما كانت كلّها في مقدار مديح الكلب. فهذه حجّتنا في مرتبة الكلب على جميع السباع و البهائم.

____________

(1) الرجز بلا نسبة في اللسان و التاج (قرا) برواية مختلفة. الخنزوان: القرد، و ذكر الخنازير.

(2) ديوان أبي الشمقمق: 154.

238

و لما قال معبد في قتل الكلب، و تلا قول اللّه عزّ و جلّ: وَ اُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ اَلَّذِي آتَيْنََاهُ آيََاتِنََا فَانْسَلَخَ مِنْهََا فَأَتْبَعَهُ اَلشَّيْطََانُ فَكََانَ مِنَ اَلْغََاوِينَ. `وَ لَوْ شِئْنََا لَرَفَعْنََاهُ بِهََا وَ لََكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى اَلْأَرْضِ وَ اِتَّبَعَ هَوََاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ اَلْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذََلِكَ مَثَلُ اَلْقَوْمِ اَلَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيََاتِنََا فَاقْصُصِ اَلْقَصَصَ (1) ، قال أبو إسحاق: و إن كنت إنّما جعلت الكلب شرّ الخلق بهذه العلّة، فقد قال على نسق هذا الكلام: وَ لَقَدْ ذَرَأْنََا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ اَلْجِنِّ وَ اَلْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاََ يَفْقَهُونَ بِهََا وَ لَهُمْ أَعْيُنٌ لاََ يُبْصِرُونَ بِهََا وَ لَهُمْ آذََانٌ لاََ يَسْمَعُونَ بِهََا أُولََئِكَ كَالْأَنْعََامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ (2) ، فالذي قال في الإبل و البقر و الغنم أعظم، فأسقط من أقدارها بقدر معنى الكلام.

و أدنى ذلك أن تشرك بين الجميع في الذمّ فإنّك متى أنصفت في هذا الوجه، دعاك ذلك إلى أن تنصفها في تتبّع ما لها من الأشعار و الأمثال و الأخبار و الآيات، كما تتبّعت ما عليها.

254-[الشرف و الخمول في القبائل‏]

و قال صاحب الكلب: سنضرب مثلا بيننا يكون عدلا: إذا استوى القبيلان في تقادم الميلاد ثم كان أحد الأبوين كثير الذرء (3) و الفرسان و الحكماء و الأجواد و الشعراء، و كثير السادات في العشائر، و كثير الرؤساء في الأرحاء (4) و كان الآخر قليل الذّرء و العدد، و لم يكن فيهم خير كثير و لا شر كثير، خملوا أو دخلوا في غمار العرب، و غرقوا في معظم الناس، و كانوا من المغمورين و من المغمورين و من المنسيّين، فسلموا من ضروب الهجاء و من أكثر ذلك، و سلموا من أن يضرب بهم المثل في قلّة و نذالة إذا لم يكن شرّ، و كان محلّهم من القلوب محلّ من لا يغبط الشعراء، و لا يحسدهم الأكفاء؛ و كانوا كما قال حميد بن ثور: [من الطويل‏]

و قولا إذا جاوزتما أرض عامر # و جاوزتما الحيّين نهدا و خثعما (5)

نزيعان من جرم بن ربّان إنّهم # أبوا أن يريقوا في الهزاهز محجما

و إذا تقادم الميلاد و لم يكن الذّرء و كان فيهم خير كثير و شرّ كثير، و مثالب

____________

(1) . 175-176/الأعراف: 7.

(2) . 179/الأعراف: 7.

(3) الذرء: النسل.

(4) الأرحاء: جمع رحى، و هي القبيلة المستقلة.

(5) ديوان حميد بن ثور 28.

239

و مناقب، و لم يسلّموا من أن يهجوا و يضرب بهم المثل، و لعلّ أيضا أن تتفق لهم أشعار تتصل بمحبة الرواة، و أمثال تسير على ألسنة العلماء، فيصير حينئذ من لا خير فيه و لا شرّ، أمثل حالا في العامّة، ممّن فيه الفضل الكثير و بعض النقص، و لا سيّما إذا جاوروا من يأكلهم و حالفوا من لا ينصفهم، كما لقيت غنيّ أو باهلة.

و لو أنّ عبسا أقامت في بني عامر ضعف ما أقامت؛ لذهب شطر شرفها؛ و لكنّ قيس بن زهير لمّا رأى دلائل الشرّ قال لأصحابه: الذلّ في بني غطفان خير من العزّ في بني عامر! و قد يكون القوم حلولا مع بني أعمامهم، فإذا رأوا فضلهم عليهم حسدوهم و إن تركوا شيئا من إنصافهم اشتدّ ذلك عليهم و تعاظمهم، بأكثر من قدره، فدعاهم ذلك إلى الخروج منهم إلى أعدائهم. فإذا صاروا إلى آخرين نهكوهم و حملوا عليهم، فوق الذي كانوا فيه من بني أعمامهم، حتى يدعوهم ذلك إلى النّدم على مفارقتهم، فلا يستطيعون الرّجوع، حمية و اتقاء، و مخافة أن يعودوا لهم إلى شي‏ء مما كانوا عليه، و إلى المقام في حلفائهم الذين يرون من احتقارهم، و من شدّة الصّولة عليهم.

255-[بكل واد بنو سعد]

و قد خرج الأضبط بن قريع السّعديّ من بني سعد، فجاوز ناسا، فلما رأى مذهبهم و ظلمهم و نهكهم، قال: «بكلّ واد بنو سعد!» (1) ، فأرسلها مثلا.

و قد كان عبّاس بن ريطة الرّعلي سيّد بني سليم، و قد ناله ضيم في بعض الأمر، فأبى الضّيم، فلما حاول مفارقتهم إلى بني غنم عزّ عليه فقال في كلمة له: [من الطويل‏]

و أمّكم تزجي التؤام لبعلها # و أمّ أخيكم كزّة الرّحم عاقر

و زعموا أنّ أبا عمرو أنشد هذا الشعر، و خبّر عن هذه القصّة في يوم من أيامه، فدمعت عينه، فحلف شبيل بن عزرة بالطلاق: إنّه لعربيّ في الحقيقة لغيّة أو لرشدة!

256-[قبائل في شطرها خير كثير و في الشطر الآخر شرف و ضعة]

فمن القبائل المتقادمة الميلاد التي في شطرها خير كثير، و في الشطر الآخر شرف و ضعة، مثل قبائل غطفان و قيس عيلان، و مثل فزارة و مرّة و ثعلبة. و مثل عبس

____________

(1) البخلاء 189، و مجمع الأمثال 1/105، و جمهرة الأمثال 61.

240

و عبد اللّه بن غطفان، ثم غنيّ و باهلة، و اليعسوب و الطفاوة فالشرف و الخطر في عبس و ذبيان، و المبتلى و الملقّى و المحروم و المظلوم، مثل باهلة و غنيّ، ممّا لقيت من صوائب سهام الشعراء، و حتّى كأنّهم آلة لمدارج الأقدام، ينكب فيها كلّ ساع، و يعثر بها كلّ ماش. و ربّما ذكروا اليعسوب و الطفاوة، و هاربة البقعاء (1) و أشجع الخنثى ببعض الذّكر. و ذلك مشهور في خصائص العلماء و لا يجوز ذلك صدورهم. و جلّ معظم البلاء لم يقع إلاّ بغنيّ و باهلة، و هم أرفع من هؤلاء و أكثر فضولا و مناقب، حتى صار من لا خير فيه و لا شرّ عنده أحسن حالا ممّن فيه الخير الكثير و بعض الشرّ، و صار مثلهم كما قال الشاعر: [من البسيط]

اضرب ندى طلحة الطّلحات مبتدئا # ببخل أشعث و استثبت و كن حكما (2)

تخرج خزاعة من لؤم و من كرم # و لا تعدّ لها لؤما و لا كرما

و قد ظرف في شعره فظلم خزاعة ظلما عبقريّا.

و قال في مثل ذلك الأشعر الرّقبان الأسديّ: [من المتقارب‏]

بحسبك في القوم أن يعلموا # بأنّك فيهم غنيّ مضرّ (3)

و أنت مليخ كلحم الحوار # فلا أنت حلو و لا أنت مرّ

و كما قال الشاعر في علباء بن حبيب حيث يقول: [من الهزج‏]

أرى العلباء كالعلباء # لا حلو و لا مرّ

شييخ من بني الجارو # دلا خير و لا شرّ (4)

فهذا و نحوه من أشدّ الهجاء.

____________

(1) في معجم البلدان 5/388 (الهاربية) : «مويهة لبني هاربة بن ذبيان» . و انظر المعارف 82.

(2) البيتان لدعبل الخزاعي في الأغاني 20/152، 161.

(3) البيتان في عيون الأخبار 2/195، 3/268، و أمالي القالي 2/221، و ديوان المعاني 1/35، و اللسان و التاج (مسخ، ضرر) ، و شرح ديوان الحماسة للمرزوقي 1469، و نوادر أبي زيد 73، و البيت الأول في الخصائص 2/282، 3/106، و المعاني الكبير 496، و شرح المفصل 2/115، 8/23، 139، و اللسان (با) ، و الثاني في أساس البلاغة (حور، مسخ) ، و التنبيه و الإيضاح 1/289، و العين 4/206، و التاج (حور) .

(4) البيت بلا نسبة في ديوان المعاني 1/35.

241

و الخمول اسم لجميع أصناف النّقص كلّها أو عامّتها، و لكنّه كالسّرو عند العلماء. و ليس ينفعك العامّة إذا ضرّتك الخاصّة.

و من هذا الضرب تميم بن مرّ، و ثور و عكل، و تيم و مزينة. ففي عكل و تيم و مزينة من الشرف و الفضل، ما ليس في ثور، و قد سلم ثور إلاّ من الشي‏ء اليسير، مما لا يرويه إلاّ العلماء، ثم حلّت البليّة و ركد الشرّ، و التحف الهجاء على عكل و تيم، و قد شعّثوا بين مزينة شيئاً، و لكنّهم حبّبهم إلى المسلمين قاطبة ما تهيأ لهم من الإسلام، حين قلّ حظّ تيم فيه. و قد نالوا من ضبّة، مع ما في ضبّة من الخصال الشريفة؛ لأنّ الأب متى نقص ولده في العدد عن ولد أخيه فقد ركبهم الآخرون بكلّ عظيمة، حتى يروا تسليم المرباع إليهم حظّا، و السير تحت اللواء، و الحمل على أموالهم في النوائب؛ حتّى ربّما كانوا كالعضاريط و العسفاء؛ و الأتباع، و في الأتباع و الدخلاء، ثم لا يجدون من ذلك بدّاً؛ كأنهم متى امتنعوا خذلوهم، فاستباحوهم، فرأوا أن النّعمة أربح لهم.

و قد أعان غيلان على الأحنف بكلمة، فقال الأحنف: عبيد في الجاهليّة، أتباع في الإسلام.

فإن هربوا تفرّقوا فصاروا أشلاء في البلاد، فصار حكمهم حكم من درج، و حكم أبيهم كحكم من لم يعقب. و إذا هم حالفوا القرباء فذلك حيث لا يرفعون رءوسهم من الذلّ و الغرم.

257-[الحلف عند العرب‏]

و الحلف ضربان: فأحدهما كانضمام عبس و ضبّة، و أسد و غطفان فإنّ هؤلاء أقوياء لم ينهكوا كما نهكت باهلة و غنيّ، لحاجة القوم إليهم، و لخشونة مسّهم إن تذكّروا على حال؛ فقد لقيت ضبّة من سعد، و عبس من عامر، و أسد من عيينة بن حصن ما لقوا.

و قد رأيت مشقّة ذلك على النابغة، و كيف كره خروج أسد من بني ذبيان.

و عيينة بن حصن و إن كان أسود من النابغة و أشرف، فإنّ النابغة كان أحزم و أعقل.

و قد سلمت ثور و ابتليت عكل و تيم، و لو لا الربيع بن خثيم و سفيان الثوري، لما علمت العامّة أنّ في العرب قبيلة يقال لها ثور. و لشريف واحد ممّن قبلت تيم أكثر من ثور و ما ولد.

242

و كذلك بلعنبر، قد ابتليت و ظلمت و بخست، مع ما فيها من الفرسان و الشّعراء، و من الزّهاد، و من الفقهاء، و من القضاة و الولاة، و من نوادر الرّجال إسلاميّين و جاهليّين.

و قد سلمت كعب بن عمرو؛ فإنه لم ينلها من الهجاء إلاّ الخمش و النّتف.

و ربّ قوم قد رضوا بخمولهم مع السلامة على العامّة، فلا يشعرون حتّى يصبّ اللّه تعالى على قمم رءوسهم حجارة القذف، بأبيات يسيّرها شاعر، و سوط عذاب يسير به الراكب و المثل، كما قال الشاعر: [من الرجز]

إن منافا فقحة لدارم # كما الظليم فقحة البراجم‏ (1)

و قال الشاعر: [من الوافر]

وجدنا الحمر من شرّ المطايا # كما الحبطات شرّ بني تميم‏ (2)

فما الميسم في جلد البعير، بأعلق من بعض الشعر.

258-[أثر الشعر في نباهة القبيلة]

و إذا كان بيت واحد يربطه الشاعر في قوم لهم النباهة و العدد و الفعال، مثل نمير، يصير أهله إلى ما صارت إليه نمير و غير نمير، فما ظنّك بالظّليم و بمناف و بالحبطات، و قد بلغ مضرّة جرير عليهم حيث قال: [من الوافر]

فغضّ الطّرف إنّك من نمير # فلا كعبا بلغت و لا كلابا (3)

إلى أن قال شاعر آخر و هو يهجو قوما آخرين: [من الوافر]

و سوف يزيدكم ضعة هجائي # كما وضع الهجاء بني نمير (4)

و حتّى قال أبو الرّدينيّ: [من الوافر]

أ توعدني لتقتلني نمير # متى قتلت نمير من هجاها (5)

____________

(1) الرجز بلا نسبة في البيان و التبيين 4/37.

(2) البيت لزياد الأعجم في ديوانه 170، و الأزهية 77، و الخزانة 10/204، 206، 208، 211، 213، و المقاصد النحوية 3/346، و شرح شواهد المغني 501، و البيان و التبيين 4/37.

(3) البيت في الأغاني 8/30، 24/206-209 ضمن خبر طويل، و هو في ديوان جرير 79، و البيان و التبيين 4/36.

(4) البيت بلا نسبة في البيان و التبيين 4/35.

(5) البيت في الأغاني 24/246، و البيان و التبيين 4/35.

243

259-[بكاء العرب من الهجاء]

و لأمر ما بكت العرب بالدموع الغزار من وقع الهجاء، و هذا من أوّل كرمها، كما بكى مخارق بن شهاب، و كما بكى علقمة بن علاثة، و كما بكى عبد اللّه بن جدعان من بيت لخداش‏ (1) بن زهير. و ما زال يهجوه من غير أن يكون رآه، و لو كان رآه و رأى جماله و بهاءه و نبله و الذي يقع في النفوس من تفضيله و محبته و من إجلاله و الرقة عليه أمسك. أ لا ترى أن النّبيت و غسّان بن مالك بن عمرو بن تميم‏ (2) ، ليس يعرفهم بالعجز و القلّة إلاّ دغفل بن حنظلة، و إلاّ النخّار العذريّ و إلا ابن الكيّس النمريّ، و إلاّ صحار العبدي، و إلاّ ابن شريّة و أبو السّطّاح و أشباههم و من شابه طريقهم و الاقتباس من مواريثهم، و قد سلموا على العامة و حصلوا نسب العرب فالرجل منهم عربي تميمي، فهو يعطي حقّ القوم في الجملة و لا يقتضي ما عليه و على رهطه في الخاصّة. و الحرمان أسوأ حالا في العامة من هذه القبائل الخاملة و هم أعدّ و أجلد.

260-[سبب خمول القبائل‏]

و بليّة أخرى: أن يكون القبيل متقادم الميلاد، قليل الذلة قليل السيادة، و تهيّأ أن يصير في ولد إخوتهم الشرف الكامل و العدد التامّ، فيستبين لمكانهم منهم من قلتهم و ضعفهم لكلّ من رآهم أو سمع بهم، أضعاف الذي هم عليه لو لم يكونوا ابتلوا بشرف إخوتهم.

و من شؤم الإخوة أنّ شرفهم ضعة إخوتهم، و من يمن الأولاد أنّ شرفهم شرف من قبلهم من آبائهم و من بعدهم من أولادهم: كعبد اللّه بن دارم و جرير بن دارم. فلو أنّ الفقيم لم يناسب عبد اللّه بن دارم و كان جاراً، كان خيراً له.

و لقد ضعضعت قريش-لما جاءت به من الخصال الشريفة التامّة؛ من أركان كنانة-سنام الأرض و جبلها و عينها التي تبصر بها، و أنفها التي بها تعطس، فما ظنّك بمن أبصر بني زيد بن عبد اللّه بن دارم، و بني نهشل بن دارم، و بني مجاشع بن دارم، ثمّ رأى بني فقيم بن جرير بن دارم؟! و كذلك كلّ أخوين إذا برع أحدهما و سبق و علا الرّجال؛ في الجود و الإفضال،

____________

(1) لم أجد البيت الذي هجا به خداش بن زهير، و في الأغاني 10/20-21 خبر يفيد أن دريد بن الصمة هجا عبد اللّه بن جدعان، و لم يكن دريد يعرفه.

(2) انظر الاشتقاق 202-203، و جمهرة أنساب العرب 211-213.

244

أو في الفروسة أو في البيان، فإن كان الآخر وسطا من الرجال، قصدوا بحسن مآثره في الطبقة السفلى لتبين البراعة في أخيه، فصارت قرابته التي كانت مفخرة هي التي بلغت به أسفل السافلين. و كذلك عنزة بن أسد في ربيعة. و لو كان سودد ربيعة مرّة في عنزة و مرّة في ضبيعة أضجم، لكان خيراً لهم اليوم، و لودّ كثير من هؤلاء القبائل التي سلمت على الشعراء أو على العوامّ أن يكون فيهم شطر ما للعنزيّين من الشرف، و لو أنّ الناس وازنوا بين خصال هذه القبائل خيرها و شرّها لكانوا سواء.

و قال صاحب الكلب: ذكرت عيوب الكلب فقلت: الكلب إذا كان في الدار محق أجور أهل الدّار حتى يأتي على أقصاها، لأنّ الأجور إذ أخذ منها كلّ يوم وزن قيراط، و القيراط مثل أحد، لم يلبث على ذلك أن يأتي على آخرها. و قلت: في الكلب أشدّ الأذى على الجار و الضيف و الدخيل، يمنعه النّوم ليلا و القائلة نهاراً، و أن يسمع الحديث. ثمّ الذي على سامع النّباح من المئونة من الصوت الشديد.

و لو لم يكن في الكلب ما يؤذي بشدّة صوته إلاّ بإدامة مجاوبة الكلاب لكان في ذلك ممّا ينغّص العيش، و يمنع من الكلام و الحديث.

261-[شعر في النباح و الاستنباح‏]

و قال أرطأة بن سهيّة في بعض افتخاره: [من الطويل‏]

و إنّي لقوّام إلى الضّيف موهنا # إذا أغدف السّتر البخيل المواكل‏ (1)

دعا فأجابته كلاب كثيرة # على ثقة منّي بما أنا فاعل

و ما دون ضيفي، من تلاد تحوزه # يد الضيف، إلاّ أن تصان الحلائل‏

و قال ابن هرمة: [من الطويل‏]

و مستنبح نبّهت كلبي لصوته # و قلت له قم في اليفاع فجاوب‏ (2)

فجاء خفيّ الصوت قد مسّه الضّوى # بضربة مسنون الغرارين قاضب

فرحّبت و استبشرت حتّى بسطته # و تلك التي ألقى بها كلّ آئب‏

و قال آخر: [من الطويل‏]

هجمنا عليه و هو يكعم كلبه # دع الكلب ينبح إنّما الكلب نابح‏ (3)

____________

(1) الأبيات في عيون الأخبار 3/239، و الشعر و الشعراء 332.

(2) ديوان ابن هرمة 76-77، و البخلاء 241.

(3) البيت بهذه الرواية بلا نسبة في اللسان و التاج (كعم) ، و برواية مختلفة لصخر بن أعيى في الأغاني 2/172، و البخلاء 241، و انظر الوحشيات 241، و سيأتي البيت في الفقرة (268) .

245

و قال مزرّد بن ضرار: [من الطويل‏]

نشأت غلاما أتّقي الذمّ بالقرى # إذا ضاف ضيف من فزارة راغب

فإن آب سار أسمع الكلب صوته # أتى دون نبح الكلب، و الكلب دائب‏

و قال بشّار بن برد: [من الوافر]

سقى اللّه القباب بتلّ عبدي # و بالشرقين أيّام القباب‏ (1)

و أياما لنا قصرت و طالت # على فرعان نائمة الكلاب‏

و قال رجل من بني عبد اللّه بن غطفان: [من الطويل‏]

إذا أنت لم تستبق ودّ صحابة # على دخن أكثرت بثّ المعاتب‏ (2)

و إنّي لأستبقي امرأ السّوء عدّة # لعدوة عرّيض من الناس جانب‏ (3)

أخاف كلاب الأبعدين و نبحها # إذا لم تجاوبها كلاب الأقارب‏

و قال أحيحة بن الجلاح: [من المنسرح‏]

ما أحسن الجيد من مليكة و اللـ # بّات إذ زانها ترائبها (4)

يا ليتني ليلة إذا هجع الـ # نّاس و نام الكلاب صاحبها

و قلت: و في الكلب قذارة في نفسه، و إقذاره أهله لكثرة سلاحه و بوله، على أنّه لا يرضى بالسّلاح على السطوح، حتّى يحفر ببراثنه و ينقب بأظافره، و في ذلك التخريب.

و لو لم يكن إلاّ أنّه يكون سبب الوكف، و في الوكف من منع النّوم و من إفساد حرّ المتاع، ما لا يخفى مكانه، مع ما فيه من عضّ الصبيان و تفزيع الولدان، و شقّ الثياب، و التعرّض للزوّار؛ و مع ما في خلقه أيضا من الطبع المستدعي للصبيان إلى ضربه و رجمه و تهييجه بالعبث، و يكون سببا لعقرهم و الوثوب عليهم.

و قلت: و بئس الشي‏ء هو في الدار، و فيها الحرم و الأزواج، و السّراريّ و الحظيّات المعشوقات؛ و ذلك أن ذكره أيرّ ظاهر الحجم، و هو إما مقبع و إمّا قائم، و ليس معه ما

____________

(1) ديوان بشار بن برد 1/249.

(2) الأبيات للنعمان بن حنظلة العبدي في حماسة البحتري 394. الدخن: الحقد.

(3) العريض: الذي يتعرض للناس بالشر.

(4) البيتان في الأغاني 15/36، و الحماسة البصرية 2/187، و الخزانة 3/321 (بولاق) .

246

يواريه، و ربما أشظّ و أنعظ بحضرتهنّ، و لعلّهنّ يكن مغيبات أو محتاجات إلى ما يحتاج إليه النساء عند غيبة فحلهنّ، و إذا عجز عن أن يعمّهن.

262-[ وفد قرحان‏]

و قد رمى ضابئ بن الحارث البرجميّ أمّ أناس من العرب، أنّ الكلب الذي كان يسمّى قرحان‏ (1) ، كان يأتي أمّهم، حتّى استعدوا عليه، و حبسه في ذلك عثمان بن عفّان رضي اللّه تعالى عنه. و لو لا أنّ المعنى الذي رماهم به كان مما يكون و يجوز و يخاف مثله، لما بلغ منه عثمان ما بلغ، حتّى مات في حبسه. و في ذلك يقول ضابئ ابن الحارث: [من الطويل‏]

تجشّم نحوي وفد قرحان شقّة # تظلّ بها الوجناء و هي حسير (2)

فزوّدتهم كلبا فراحوا كأنما # حباهم بتاج الهرمزان أمير

فأمّكم لا تتركوها و كلبكم # فإنّ عقوق الوالدات كبير

إذا عثّنت من آخر الليل دخنة # يبيت له فوق السرير هرير (3)

263-[قصص تتعلق بالكلاب‏]

و زعم اليقطريّ أنّه أبصر رجلا يكوم كلبة من كلاب الرعاء، و مرّ بذلك الزّبّ العظيم في ثفرها-و الثّفر منها و من السبع، كالحر من المرأة و الظّبية من الأتان و الحجر، و الحياء من الناقة و الشاة-فزعم أنّها لم تعقد عليه، و لا ندري أ مكّنته أم اغتصبها نفسها.

و أمّا النّاس ففي ملح أحاديثهم: أنّ رجلا أشرف على رجل و قد ناك كلبة فعقدت عليه، فبقي أسيرا مستخزيا يدور معها حيث دارت. قال: فصاح به الرجل:

اضرب جنبيها. فأطلقته، فرفع رأسه إليه، فقال: أخزاه اللّه أيّ نيّاك كلبات هو! و خبّرني من لا أردّ خبره، أنّه أشرف من سطح له قصير الحائط، فإذا هو بسواد في ظلّ القمر في أصل حائط، و إذا أنين كلبة، فرأى رأس إنسان يدخل في القمر، ثم يرجع إلى موضعه من ظلّ القمر، فتأمّل في ذلك فإذا هو بحارس ينيك كلبة. قال:

____________

(1) انظر قصة «قرحان» في الشعر و الشعراء 202-203، و معاهد التنصيص 1/66، و الخزانة 4/80 (بولاق) .

(2) انظر الحاشية السابقة.

(3) عثنت: دخنت.

247

فرجمته و أعلمته أنّي قد رأيته، فصبّحني من الغد يقرع الباب عليّ، فقلت له: ما حاجتك؟و ما جاء بك؟فلقد ظننت أنّك ستركب البحر أو تمضي على وجهك إلى البراري. قال: جعلت فداك، أسألك أن تستر عليّ، ستر اللّه عليك، و أنا أتوب على يديك!قال: قلت ويلك، فما اشتهيت من كلبة؟!قال: جعلت فداك، كلّ رجل حارس ليس له زوجة و لا نجل، فهو ينيك إناث الكلاب إذ كنّ عظام الأجسام. قال:

فقلت: فما يخاف أن تعضّه؟قال: لو رام ذلك منها غير الحارس التي هي له و قد باتت معه فأدخلها في كسائه في ليالي البرد و المطر، لما تركته. و على أنّه إن أراد أن يوعبه كلّه لم تستقرّ له. قال: و نسيت أن أسأله: فهل تعقد على أيور النّاس كما تعقد على أيور الكلاب؟فلقيته بعد ثلاثين سنة، فقال: لا أدري لعلّها لا تعقد عليه، لأنّه لا يدخله فيها إلى أصله، لعلّ ذلك أيضا إنّما هو شي‏ء يحدث بين الكلب و الكلبة، فإذا اختلفا لم يقع الالتحام. قال: فقلت: فطيّب هو؟قال: قد نكت عامّة إناث الحيوانات فوجدتهنّ كلّهنّ أطيب من النساء. قلت: و كيف ذلك؟قال: ما ذاك إلاّ لشدّة الحرارة. قال: فطال الحديث حتى أنس فقلت له: فإذا دار الماء في صلبك و قرب الفراغ؟قال: فربّما التزمت الكلبة و أهويت إلى تقبيلها. ثم قال: أما إنّ الكلاب أطيب شي‏ء أفواها، و أعذب شي‏ء ريقا؛ و لكن لا يمكن أن أنيكها من قدّام، و لو ذهبت أن أنيكها من خلف و ثنيت رأسها إلى أن أقبّلها، لم آمن أن تظنّ بي أني أريد غير ذلك فتكدّم فمي و وجهي. قال فقلت: فإنّي أسألك بالذي يستر عليك، هل نزعت عن هذا العمل منذ أعطيتني صفقة يدك بالتّوبة؟قال: ربّما حننت إلى ذلك فاحتبس بعهدك.

قال: و قلت: و إنّك لتحنّ إليها؟قال: و اللّه إني لأحنّ إليها، و لقد تزوّجت بعدك امرأتين، و لي منهما رجال و نساء، و من تعوّد شيئا لم يكد يصبر عنه!قال: فقلت له:

هل تعرف اليوم في الحرّاس من ينيك الكلبات؟قال: نعم، خذ محمويه الأحمر، و خذ يشجب الحارس، و خذ قفا الشاة، و خذ فارسا الحمّاميّ فإنّ فارسا كان حارسا و كان قيّم حمّام، و كان حلقيّا، فزعم أنّه ناك الكلاب خمسين سنة، و شاخ و هزل و قبح و تشنّج، حتّى كان لا ينيكه أحد. قال: فلم يزل يحتال لكلب عنده حتى ناكه. قال:

و كان معه بخير حتّى قتله اللصوص، ثمّ أشرف على فارس، هذا المحتسب الأحدب، و هو ينيك كلبة فرماه بحجر فدمغه‏ (1) .

____________

(1) دمغه: أصاب دماغه.

248

قال: فالكلاب كما ترى تتّهم بالنساء، و ينيكها الرجال، و تنيك الرجال، و ليس شي‏ء أحقّ بالنفي و الإغراب و الإطراد و بالقتل منها. و نحن من السباع العادية الوحشيّة في راحة، إلاّ في الفرط (1) فإنّ لها عراما على بعض الماشية، و جناية على شرار العامّة و كذلك البهائم. و ما عسى أن يبلغ من وطء بعير و نطح كبش، أو خمش سنّور أو رمح حمار، و لعلّ ذلك يكون في الدهر المرّة و المرّتين، و لعلّ ذلك أيضا لا ينال إلاّ عبداً أو خادما أو سائسا، و ذلك محتمل. فالكلاب مع هذه الآفات شركاء الناس في دورهم و أهاليهم!! قال صاحب الكلب: إن كنتم إلى الأذى بالسّلاح تذهبون، و إلى قشر طين السطوح بالبراثن تميلون، و إلى نتن السّلاح و قذر المأكول و المشروب تقصدون، فالسّنّور أكثر في ذلك. و قد رويتم عن النبي صلى اللّه عليه و سلم في ذلك أنّه قال: «هنّ من الطّوّافات عليكم» (2) . فإذا كان ذلك في السنانير مغتفرا، لانتفاعهم بها في أكل الفأر، فمنافع الكلاب أكثر، و هي بالاعتقاد أحقّ. و في إطلاق ذلك في السنّور دليل على أنّه في الكلاب أجوز.

و أمّا ما ذكرتم من إنعاظه، فلعمري إنّه ما ينبغي للغيور أن يقيم الفرس و لا البرذون و البغل و الحمار و التّيس في المواضع التي تراها النساء. و الكلب في ذلك أحسن حالا. و قد كره ناس إدخال منازلهم الحمام و الدّيكة و الدجاج و البطّ خاصة؛ لأنّ له عند السفاد قضيبا يظهر، و كذلك التيس من الظباء، فضلا عن تيوس الصفايا. فهذا المعنى الذي ذكرتم يجري في وجوه كثيرة و على أنّ للحمام خاصّة من الاستشارة (3) ، و الكسم بالذئب، و التقبيل الذي ليس للناس مثله، ثمّ التقبيل و التغزّل و التّنفّش، و الابتهاج بما يكون منه بعد الفراغ، و ركوب الأنثى للذكر و عدم إمكانها لغير ذكرها، ما يكون أهيج للنساء ممّا ذكرتم. فلم أفردتم الكلب بالذّكر دون هذه الأمور، التي إذا عاينت المرأة غرمول واحد منها، حقرت بعلها أو سيّدها، و لم يزل ظلّ ذلك الغرمول يعارضها في النوم، و ينبّهها ساعة الغفلة، و يحدث لها التمنّي لما لا تقدر عليه، و الاحتقار لما تقدر عليه، و تركتم ذكر ما هو أجلّ و أعظم إلى ما هو أخسّ و أصغر؟! فإن كنتم تذهبون في التشنيع عليه إلى ما يعقر من الصبيان عند العبث

____________

(1) الفرط: الندرة.

(2) أخرجه أحمد في المسند 5/296، و هو في النهاية 3/142.

(3) الاستشارة: إظهار الحسن.

249

و التعرّض، و التّحكك و التهييج و التحريش، فلو أنّ الذي يأتي صبيانكم إلى الكلب، من الإلحاح بأصناف العبث-و الصّبيان أقسى الخلق و أقلّهم رحمة-أنزلوه بالأحنف ابن قيس، و قيس بن عاصم، بل بحاجب بن زرارة و حصن بن حذيفة، لخرجوا إلى أقبح ممّا يخرج إليه الكلب. و من ترك منهم الأخذ فوق يد ابنه، فهو أحقّ باللائمة.

و بعد فما وجدنا كلبا وثب على صبيّ فعقره من تلقاء نفسه، و إنّه ليتردّد عليه و هو في المهد، و هو لحم على وضم، فلا يشمّه و لا يدنو منه. و هو أكثر خلق اللّه تعالى تشمّما و استرواحا؛ و ما في الأرض كلب يلقى كلبا غريبا إلاّ شمّ كلّ واحد منهما است صاحبه، و لا في الأرض مجوسيّ يموت فيحزن على موته و يحمل إلى الناووس إلاّ بعد أن يدنى منه كلب يشمّه، فإنّه لا يخفى عليه في شمّه عندهم، أحي هو أم ميّت؛ للطافة حسّه، و أنّه لا يأكل الأحياء. فأمّا اليهود فإنّهم يتعرّفون ذلك من الميّت، بأن يدهنوا استه. و لذلك قال الشاعر و هو يرمي ناسا بدين اليهودية: [من الطويل‏]

إذا مات منهم ميّت مسحوا استه # بدهن و حفّوا حوله بقرام‏ (1)

264-[جنايات الديك‏]

و قالوا: فإذا ذكرتم جنايات الكلاب، فواحد من جنايات الدّيكة أعظم من جنايات الكلاب؛ لأنّ عبد اللّه بن عثمان بن عفّان، ابن بنت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، إنّما مات من نقر ديك في دار عثمان، نقر عينه فكان سبب موته‏ (2) . فقتل الديك لعترة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، أعظم من كثير ممّا تستعظمونه من جنايات الكلاب.

و قد نقر ديك عين ابن حسكة بن عتّاب، أو عين ابن أخته.

و قد نقر ديك عين ابن الريان بن أبي المسيح و هو في المهد فاعورّ، ثمّ ضربته الحمرة فمات.

و وثب ديك فطعن بصيصته عين بنت لثمامة بن أشرس، قال ثمامة: فأتاني الصّريخ، فو اللّه ما وصلت إليها حتى كمد وجهها كلّه و اسودّ الأنف و الوجنتان و غارت العينان. و كان شأن هذا الديك-فيما زعم ثمامة-عجبا من العجب: ذكر أنّ رجلا ذكر أنّ ديكا عند بقّال لهم، يقاتل به الكلاب، قال: فأتيت البقّال الذي

____________

(1) البيت لسالم بن دارة في اللسان و التاج (حمم) .

(2) في المعارف 142: (.. و هلك صبيا لم يجاوز ست سنين، و كان نقره ديك على عينه فمرض و مات) . و انظر جمهرة أنساب العرب 16.

250

عنده فسألته عن الديك، فزعم أنّه قد وجّه به إلى قتال الكلاب، و قد تراهنوا في ذلك.

فلم أبرح حتّى اشتريته؛ و كنت أصونه و جعلته في مكنّة، فخرجت يوما لبعض مصلحة و أقبلت بنتي هذه لتنظر إليه، فكان هذا جزائي منه! قال: و ديك آخر أقبل إلى رأس زيد بن علي، حتّى وطئ في ذؤابته ثمّ أقبل ينقر دماغه و عينيه. فقال رجل من قريش، لمن حضر ذلك من الخدم: [من الخفيف‏]

اطردوا الديك عن ذؤابة زيد # طالما كان لا تطاه الدّجاج‏ (1)

265-[نفع الكلب‏]

و الكلب إن كان كما يقول، فإنّ له يدا تشجّ و أخرى تأسو، بل ما يدفع اللّه بحراسته و يجلب من المنافع بصيده أكثر و أغمر، و هو الغامر لا المغمور، و الفاضل لا المفضول. و الديك يفقأ العيون و ينقر الأدمغة و يقتل الأنفس، و يشجّ و لا يأسو؛ فشرّه صرف و خيره ممزوج. إلاّ أن يزعموا أنّه يحرس من الشيطان، فيكون هذا من القول الذي يحتاج إلى البرهان. و من عارض منافع الكلاب و حراستها أموال الناس من اللصوص، و منع السّباع من الماشية، و موضع نفع الكلب في المزارع-و ذلك عيان و نفعه عامّ و خطبه عظيم-بما يدّعى من حراسة الدّيكة للشيطان، لم يكايل و لم يوازن و لم يعرف المقايسة، و لا وقف قطّ على معنى المقابلة و دلّ بذلك على أنّ مبلغ رأيه لا يجوز رأي النساء.

266-[العواء و ما قيل من الشعر فيه‏]

و يكون العواء للكلب و الذئب و الفصيل. و قال النابغة: [من الوافر]

أ لم أك جاركم فتركتموني # لكلبي في دياركم عواء (2)

و قال الشاعر: [من الطويل‏]

و إنّي امرؤ لا تقشعرّ ذؤابتي # من الذئب يعوي و الغراب المحجّل‏ (3)

و قال الشاعر: [من الطويل‏]

و مستنبح تستكشط الرّيح ثوبه # ليسقط عنه و هو بالثّوب معصم‏ (4)

____________

(1) البيت لأحد الشيعة في الكامل 2/310 (مطبعة المعارف) .

(2) البيت للحطيئة في ديوانه 83، و معجم البلدان (قوو) ، و ليس للنابغة.

(3) البيت بلا نسبة في البرصان و العرجان 22، و اللسان و التاج (حجل) .

(4) الأبيات لإبراهيم بن هرمة في ديوان المعاني 1/33، و شرح ديوان الحماسة للمرزوقي 1581، و سمط اللآلي 500، و الفاضل 38، و شرح ديوان الحماسة للتبريزي 4/137، و أمالي المرتضى 114.

251

عوى في سواد الليل بعد اعتسافه # لينبح كلب أو ليفزع نوّم

فجاوبه مستسمع الصوت للقرى # له مع إتيان المهبّين مطعم

يكاد إذا ما أبصر الضيف مقبلا # يكلّمه من حبّه و هو أعجم‏

و قال ذو الرّمّة: [من الطويل‏]

به الذئب محزونا كأنّ عواءه # عواء فصيل آخر الليل محثل‏ (2)

و قال آخر: [من الرجز]

و منهل طامسة أعلامه # يعوي به الذئب و تزقو هامه‏

و قال عقيل بن علّفة يهجو زبّان بن منظور: [من البسيط]

لا بارك اللّه في قوم يسودهم # ذئب عوى و هو مشدود على كور (3)

لم يبق من مازن إلاّ شرارهم # فوق الحصى حول زبّان بن منظور

و قال غيلان بن سلمة: [من الكامل‏]

و معرّس حين العشاء به # الحبس فالأنواء فالعقل

قد بثّه و هنا و أرّقني # ذئب الفلاة كأنّه جذل

فتركته يعوي بقفرته # و لكلّ صاحب قفرة شكل

بتنوفة جرداء يجزعها # لحب يلوح كأنّه سحل‏ (4)

و قال مغلّس بن لقيط: [من الطويل‏]

عوى منهم ذئب فطرّب عاديا # على فعليات مستثار سخيمها (5)

إذا هنّ لم يلحسن من ذي قرابة # دما هلست أجسادها و لحومها

و قال الأحيمر السعديّ: [من الطويل‏]

عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى # و صوّت إنسان فكدت أطير (6)

____________

(2) ديوان ذي الرمة 1488، و اللسان و التاج (حثل) ، و بلا نسبة في تهذيب اللغة 4/479، و اللسان و التاج (عوى) ، و جمهرة اللغة 243، 957.

(3) ورد البيت الأول في البرصان و العرجان 266.

(4) انظر مثل هذا البيت في ديوان المسيب بن علس 625، و اللسان و التاج (ريع، سحل) .

(5) البيتان في معجم الشعراء 309 برواية مختلفة.

(6) البيت للأحيمر في الوحشيات 34، و مروج الذهب 3/380، و سمط اللآلي 196، و معجم البلدان (دورق) 2/483.

252

و قال آخر: [من الطويل‏]

و عاو عوى و اللّيل مستحلس الندى # و قد زحفت للغور تالية النّجم‏ (1)

و ذلك أنّ الرجل إذا كان باغيا أو زائرا، أو ممّن يلتمس القرى، و لم ير بالليل نارا، عوى و نبح، لتجيبه الكلاب، فيهتدي بذلك إلى موضع الناس.

و قال الشاعر: [من الطويل‏]

و مستنبح أهل الثّرى يلمس القرى # إلينا و ممساه من الأرض نازح‏ (2)

و قال عمرو بن الأهتم: [من الطويل‏]

و مستنبح بعد الهدوّ دعوته # و قد حان من ساري الشّتاء طروق‏ (3)

فهذا من عواء الفصيل و الذئب و الكلب.

267-[ما قالوا في أنس الكلب و إلفه‏]

و قال صاحب الكلب: و ممّا قالوا في أنس الكلب و إلفه، و حبّه لأهله و لمن أحسن إليه قول ابن الطّثريّة: [من الكامل‏]

يا أمّ عمرو أنجزي الموعودا # و ارعي بذاك أمانة و عهودا (4)

و لقد طرقت كلاب أهلك بالضّحى # حتّى تركت عقورهنّ رقودا

يضربن بالأذناب من فرح بنا # متوسّدات أذرعا و خدودا

و قال الآخر: [من البسيط]

لو كنت أحمل خمرا يوم زرتكم # لم ينكر الكلب أنّي صاحب الدّار (5)

لكن أتيت و ريح المسك يفعمني # و العنبر الورد أذكيه على النار

____________

(1) البيت لحميد الأرقط في البخلاء 238، و عيون الأخبار 3/244، و لحميد (؟) في أساس البلاغة (ضجع) ، و عنه في ديوان حميد بن ثور 134.

(2) البيت بلا نسبة في البخلاء 238.

(3) ديوان عمرو بن الأهتم 92، و المفضليات 126، و عيون الأخبار 1/342، و معجم الشعراء 21، و الحماسة البصرية 2/237.

(4) ديوان يزيد بن الطثرية 67، و بلا نسبة في البخلاء 239-240.

(5) الأبيات لمالك بن أسماء بن خارجة في شرح ديوان الحماسة للمرزوقي 1523، و الأول و الثاني له في الحماسة البصرية 2/290، و سمط اللآلي 191، و لبعض الحجازيين في البيان و التبيين 3/211، و بلا نسبة في البخلاء 240.