الحيوان - ج1

- عمرو بن بحر الجاحظ المزيد...
259 /
253

فأنكر الكلب ريحي حين أبصرني # و كان يعرف ريح الزّقّ و القار

و قال أبو الطّمحان القينيّ في الإلف، و هو يمدح مالك بن حمار الشمخي:

[من الوافر]

سأمدح مالكا في كلّ ركب # لقيتهم و أترك كلّ رذل‏ (1)

فما أنا و البكارة من مخاض # عظام جلّة سدس و بزل

و قد عرفت كلابهم ثيابي # كأنّي منهم و نسيت أهلي

نمت بك من بني شمخ زناد # لها ما شئت من فرع و أصل‏

و قال الشاعر في أنس الكلاب و إلفها، يذكر رجلا: [من الطويل‏]

عنيف بتسواق العشار و رعيها # و لكن بتلقام الثّريد رفيق

سنيد يظلّ الكلب يمضغ ثوبه # له في ديار الغانيات طريق‏

و قال الآخر: [من الكامل‏]

بات الحويرث و الكلاب تشمّه # و سرت بأبيض كالهلال على الطّوى‏ (2)

و قال ذو الرمة: [من الطويل‏]

رأتني كلاب الحي حتّى ألفنني # و مدّت نسوج العنكبوت على رحلي‏ (3)

و قال حسّان بن ثابت: [من الكامل‏]

أولاد جفنة حول قبر أبيهم # قبر ابن مارية الكريم المفضل‏ (4)

بيض الوجوه نقيّة حجزاتهم # شمّ الأنوف من الطّراز الأوّل

يغشون حتّى ما تهرّ كلابهم # لا يسألون عن السّواد المقبل‏

و في هذا المعنى قال الشاعر: [من المتقارب‏]

و بوّأت بيتك في معلم # رحيب المباءة و المسرح‏ (5)

____________

(1) الأبيات في الأغاني 13/7-8.

(2) البيت بلا نسبة في البخلاء 240.

(3) ديوان ذي الرمة 159.

(4) ديوان حسان 365، و ديوان المعاني 1/37، و البخلاء 239، و أمالي المرتضى 1/35، و حماسة القرشي 373، و البرصان و العرجان 294.

(5) البيتان الأول و الثاني بلا نسبة في التاج (بوأ) ، و لعل الأبيات للعماني الراجز، فإن له قصيدة في هذا الوزن و الروي يمدح بها عبد الملك بن صالح الهاشمي، و أنشد منها في الأغاني 18/316 بيتين.

254

كفيت العفاة طلاب القرى # و نبح الكلاب لمستنبح

ترى دعس آثار تلك المطيّ # أخاديد كاللّقم الأفيح

و لو كنت في نفق زائغ # لكنت على الشرك الأوضح‏

و في مثل ذلك، و ليس في ذكر إلف الكلاب، و لكنّه مما ينبغي أن يكون مجموعا إلى هذه الأشعار، و بك إلى ذلك حاجة شديدة، قال أميّة بن أبي الصّلت:

[من الخفيف‏]

لا الغيابات منتواك و لكن # في ذرى مشرف القصور ذراكا (2)

و قال البزّار الحلّيّ، في المعنى الأول: [من الرمل‏]

ألف الناس فما ينبحهم # من أسيف يبتغي الخير و حرّ (3)

و قال عمران بن عصام: [من المتقارب‏]

لعبد العزيز على قومه # و غيرهم منن غامره‏ (4)

فبابك ألين أبوابهم # و دارك آهلة عامره

و كلبك آنس بالمعتفين # من الأمّ بابنتها الزّائره

و كفّك حين ترى السائليـ # ن أندى من اللّيلة الماطرة

فمنك العطاء و منّا الثّناء # بكلّ محبّرة سائره‏

و قال هلال بن خثعم: [من الطويل‏]

إنّي لعفّ عن زيارة جارتي # و إنّي لمشنوء إليّ اغتيابها (5)

إذا غاب عنها بعلها لم أكن لها # زءورا و لم تأنس إليّ كلابها

____________

(2) ديوان أمية 428.

(3) البيت للمرار الحماني في البخلاء 239.

(4) الأبيات لعمران بن عصام في البخلاء 239، و لنصيب في ديوانه 99، و الأغاني 1/333، و عيون الأخبار 2/190، و لعمران أو لنصيب في ديوان المعاني 1/33، و لأيمن بن خريم في رسائل الجاحظ 2/81، و للأقيبل القيني أو لنصيب في الوحشيات 260، و انظر المزيد من المصادر في ديوان نصيب 186، و الوحشيات 260.

(5) الأبيات لهلال بن خثعم في أمالي المرتضى 1/279، و حماسة القرشي 406، و البخلاء 240، و لبشار بن بشر في عيون الأخبار 3/183-184، و الحماسة الشجرية 467، و لزياد بن منقذ التميمي في حماسة البحتري 342، و لحميد بن ثور في الحماسة المغربية 619، و بلا نسبة في الحماسة البصرية 2/12، و ربيع الأبرار 3/623، و البيت الأخير لهلال بن جشم في عيون الأخبار 3/221، و عجزه بلا نسبة في رسائل الجاحظ 2/29.

255

و ما أنا بالدّاري أحاديث سرّها # و لا عالم من أيّ حوك ثيابها

و إنّ قراب البطن يكفيك ملؤه # و يكفيك سوءات الأمور اجتنابها

و قال حاتم الطائي، و هو حاتم بن عبد اللّه، و يكنى أبا سفّانة، و كان أسره ثوب ابن شحمة العنبريّ مجير الطير: [من الطويل‏]

إذا ما بخيل النّاس هرّت كلابه # و شقّ على الضّيف الغريب عقورها (1)

فإنّي جبان الكلب بيتي موطّأ # جواد إذا ما النّفس شحّ ضميرها

و لكن كلابي قد أقرّت و عوّدت # قليل على من يعتريها هريرها

268-[هجو الناس بهجو كلابهم‏]

و قال صاحب الكلب: إنّ كثيرا من هجاء الكلب، ليس يراد به الكلب، و إنّما يراد به هجاء رجل، فيجعل الكلب وصلة في الكلام ليبلغ ما يريد من شتمه. و هذا أيضا مما يرتفق الناس به من أسباب الكلاب. و لذلك قال الشاعر: [من الكامل‏]

من دون سيبك لون ليل مظلم # و حفيف نافجة و كلب موسد (2)

و أخوك محتمل عليك ضغينة # و مسيف قومك لائم لا يحمد

و الضّيف عندك مثل أسود سالخ # لا بل أحبّهما إليك الأسود

فهذا قول الشاعر. و قال الآخر: [من الوافر]

و ما يك فيّ من عيب فإنّي # جبان الكلب مهزول الفصيل‏

فهو لم يرد مدح الكلب بالجبن، و إنّما أراد نفسه حين قال: [من الكامل‏]

و حفيف نافجة و كلب موسد

فإن كان الكلب إنما أسره أهله، فإنّما اللوم على من أسره. و إنما هذا الضّرب كقوله: [من البسيط]

قوم إذا استنبح الأضياف كلبهم # قالوا لأمّهم بولي على النّار (3)

____________

(1) ديوان حاتم الطائي 231، و حماسة القرشي 120-121، و أمالي المرتضى 2/111، و الفاضل 40-41، و نوادر أبي زيد 106-107، و المعاني الكبير 1/234.

(2) الأبيات لحسيل بن عرفطة في نوادر أبي زيد 75، و بلا نسبة في ديوان المعاني 1/106. النافجة:

الريح تجي‏ء بقوة. أوسد الكلب: أغراه بالصيد.

(3) البيت للأخطل في ديوانه 636، و ديوان المعاني 1/175، و اللسان و التاج (ردب، نبح) .

256

و معلوم أنّ هذا لا يكون، و لكن حقّر أمرهم و صغّرهم.

و قال ابن هرمة: [من الكامل‏]

و إذا تنوّر طارق مستنبح # نبحت فدلّته عليّ كلابي‏ (1)

و قال ابن مهية: [من الوافر]

جلبنا الخيل من شعبى تشكّى # حوافرها الدوابر و النّسورا (2)

فلما أن طلعن بعين جعدي # و أهل الجوف أن قتلوا غرورا

و لم يك كلبهم ليفيق حتّى # يهارش كلبهم كلبا عقورا

و معلوم أنّ هذا لا يكون، إنما هو مثل. و قال أعرابيّ: [من الطويل‏]

أخو ثقة قد يحسب المجد فرصة # إلى أهله أو ذمّة لا تخفّر

حبيب إلى كلب الكريم نباحه # كريه إلى الكوماء و الكلب أبصر

و قال ابن هرمة: [من البسيط]

و فرحة من كلاب الحيّ يتبعها # شحم يزفّ به الداعي و ترعيب‏

فهذا قول هؤلاء. و قال الآخر: [من الطويل‏]

هجمنا عليه و هو يكعم كلبه # دع الكلب ينبح إنّما الكلب نابح‏ (3)

و قال الآخر: [من الطويل‏]

و تكعم كلب الحيّ من خشية القرى # و نارك كالعذراء من دونها ستر (4)

و قال أعشى بني تغلب: [من الوافر]

إذا احتلّت معاوية بن عمرو # على الأطواء خنّقت الكلابا (5)

فالكلب مرّة مكعوم، و مرّة مخنوق، و مرّة موسد و محرّش، و مرة يجعله جبانا،

____________

(1) ديوان ابن هرمة 73، و أمالي المرتضى 2/113، و الحماسة البصرية 2/244، و الخزانة 4/584 (بولاق) .

(2) البيت في البخلاء 240، و سمط اللآلي 500.

(3) البيت بلا نسبة في اللسان و التاج (كعم) ، و تقدم في الفقرة 261.

(4) البيت لزياد الأعجم في ديوانه 110، و البخلاء 238، و عيون الأخبار 3/242، و بلا نسبة في اللسان و التاج (كعم) .

(5) البيت للأعشى في عيون الأخبار 3/263، و البخلاء 238.

257

و مرّة وثّابا، كما قال الراعي في الحطيئة: [من الطويل‏]

ألا قبّح اللّه الحطيئة إنّه # على كلّ ضيف ضافه فهو سالح‏ (1)

وقعنا إليه و هو يخنق كلبه # دع الكلب ينبح إنّما الكلب نابح‏

و قال أعشى بني تغلب: [من الطويل‏]

بكيت على زاد خبيث قريته # ألا كلّ عبسيّ على الزاد نابح‏

و قال الفرزدق: [من الطويل‏]

و لا تنزع الأضياف إلاّ إلى فتى # إذا ما أبى أن ينبح الكلب أوقدا

(و قال الآخر:

دع الكلب ينبح إنّما الكلب نابح‏

و قال الآخر:

ألا كلّ كلب لا أبا لك نابح‏

و قال الفرزدق:

إذا ما أبى أن ينبح الكلب أوقدا) (2)

و متى صار الكلب يأبى النباح؟!فهذا على أنّهم يتشفّون بذكر الكلب، و يرتفقون به، لا على أنّ هذا الأمر الذي ذكروه قد كان على الحقيقة.

و قال الآخر، و هو جرير: [من الطويل‏]

و لو كنت في نجران أو بعماية # إذن لأتاني من ربيعة راكب‏ (3)

يثير الكلاب آخر اللّيل وطؤه # كضبّ العراد خطوه متقارب‏ (4)

فبات يمنّينا الربيع و صوبه # و ينظر من لقّاعة و هو كاذب‏ (5)

فذكر تقارب خطوه، و إخفاء حركته، و أنّه مع ذلك قد أثار الكلاب من آخر الليل، و ذلك وقت نومها و راحتها، و هذا يدلّ على تيقّظها و دقّة حسّها.

____________

(1) الأبيات للراعي في العمدة 2/151، و لابن أعيا في البخلاء 241، و الأغاني 2/172-173، و بلا نسبة في الوحشيات 241.

(2) ما بين قوسين هو أعجاز أبيات سابقة.

(3) ديوان جرير 42 (طبعة الصاوي) .

(4) العراد: شجر صلب العود؛ منتشر الأغصان.

(5) اللقاعة: الكثير الكلام.

258

269-[حالة الكلب لسبب القرى من البرد]

و فيما ذكروا من حالة الكلب لسبب القرى من البرد، و الذي يلقى، و كيف الشأن في ذلك، قال أعشى باهلة: [من البسيط]

و أجحر الكلب مبيضّ الصّقيع به # و ألجأ الحيّ من تنفاحه الحجر (1)

و قال الحطيئة: [من الطويل‏]

إذا أجحر الكلب الصّقيع اتّقينه # بأثباج لا خور و لا قفرات‏ (2)

و قال ابن هرمة: [من الخفيف‏]

وسل الجار و المعصّب و الأضـ # ياف و هنا إذا تحبوا لديّا (3)

كيف يلقونني إذا نبح الكلـ # ب وراء الكسور نبحا خفيّا

و مشى الحالب المبسّ إلى النّا # ب فلم يقر أصفر الحيّ ريّا (4)

لم تكن خارجيّة من تراث # حادث، بل ورثت ذاك عليّا (5)

و قال الأعشى: [من المتقارب‏]

و تبرد برد رداء العرو # س في الصّيف رقرقت فيه العبيرا (6)

و تسخن ليلة لا يستطيـ # ـع نباحا بها الكلب إلا هريرا

و قال الهذلي: [من الطويل‏]

و ليلة يصطلي بالفرث جازرها # يختصّ بالنّقرى المثرين داعيها (7)

____________

(1) البيت لأعشى باهلة في الأصمعيات 89، و التعازي 60، و البيت من قصيدة تنسب أيضا إلى الدعجاء بنت المنتشر، و ليلى بنت وهب الباهلية أخت المنتشر. و انظر حواشي المصدرين السابقين و الحماسة البصرية 1/241.

(2) ديوان الحطيئة 115. الخور: الرقاق الجلود اللينات الفصوص. القفرات: القليلات اللحم.

(3) ديوان ابن هرمة 227. المعصب: الفقير المعدم. تحبوا: جلسوا الحبوة، و هي أن يجمع الجالس بين ظهره و ساقيه، أو بمعنى لبسوا الحبوة، أي اشتملوا على ثوب أو عمامة.

(4) المبس: الذي يدعو الناقة للحلب. الناب: الناقة المسنة.

(5) خارجية: مستحدثة. علي: اسم أبيه.

(6) ديوان الأعشى 145، و البيت الأول في اللسان (عبر، رقق، ردى) ، و أساس البلاغة (رقق) ، و الثاني في الخزانة 1/66، و الدرر 3/152، و بلا نسبة في همع الهوامع 1/219.

(7) البيتان لجنوب أخت عمرو ذي الكلب في ديوان الهذليين 3/126، و شرح أشعار الهذليين 582، و المعاني الكبير 415، 1249، و مجموعة المعاني 190، و لريطة أخت عمرو في نوادر المخطوطات 2/242، و لأبي ذؤيب الهذلي في الحماسة البصرية 2/352، و لبعض هذيل في أمالي المرتضى 1/354، و البخلاء 215، و لعمرو بن الأهتم في ديوانه 101، و الحماسة الشجرية 188-190، و لهبيرة بن أبي وهب في السيرة لابن هشام.

259

لا ينبح الكلب فيها غير واحدة # من الشّتاء و لا تسري أفاعيها

و قال الفرزدق: [من الطويل‏]

إذا احمرّ آفاق السّماء و هتّكت # كسور بيوت الحيّ نكباء حرجف‏ (1)

و جاء قريع الشّول قبل إفالها # يزفّ و جاءت خلفه و هي زحّف‏ (2)

و هتّكت الأطناب كلّ ذفرّة # لها تامك من عاتق النّيّ أعرف‏ (3)

و باشر راعيها الصّلى بلبانه # و كفّ لحرّ النار ما يتحرّف

و قاتل كلب الحيّ عن نار أهله # ليربض فيها، و الصّلا متكنّف

و أصبح مبيضّ الصّقيع كأنّه # على سروات النّيب قطن مندّف‏

تم المصحف الأول و يتلوه المصحف الثاني من كتاب الحيوان و أوله باب احتجاج صاحب الكلب بالأشعار المعروفة

____________

(1) ديوان الفرزدق 560 (الصاوي) ، 2/28 (دار صادر) . الحرجف: الريح البادرة الشديدة الهبوب.

(2) القريع: فحل الإبل. الشول: جمع شائلة، و هي الناقة ترفع ذنبها للّقاح و التي لا لبن لها. قبل إفالها:

قبل أن تسمن.

(3) الذفرة: الناقة النجيبة. التامك: السنام العظيم. الأعرف: المرتفع.