الحيوان - ج4

- عمرو بن بحر الجاحظ المزيد...
510 /
311

يزالون في صيد ثلاثة أشهر معلومة من السّنة، و ذلك في كلّ سنة مرّتين لكل جنس.

و معلوم عندهم أنه يكون في أحد الزمانين أسمن، و هو الجواف، ثمّ يأتيهم الأسبور، على حساب مجي‏ء الأسبور و الجواف. فأمّا الأسبور فهو يقطع إليهم من بلاد الزّنج.

و ذلك معروف عند البحريّين. و أنّ الأسبور في الوقت الذي يقطع إلى دجلة البصرة لا يوجد في الزّنج، و في الوقت الذي يوجد في الزنج لا يوجد في دجلة. و ربّما اصطادوا منها شيئا في الطريق في وقت قطعها المعروف، و في وقت رجوعها. و مع ذلك أصناف من السمك كالإربيان، و الرّقّ، و الكوسج، و البرد، و البرستوج. و كلّ ذلك معروف الزّمان، متوقع المخرج.

و في السّمك أوابد و قواطع، و فيها سيّارة لا تقيم. و ذلك الشبه يصاب. و لذلك صاروا يتكلمون بخمسة السنة، يهذّونها[1]، سوى ما تعلّقوا به من غيرها.

ثمّ القواطع من الطير قد تأتينا إلى العراق منهم في ذلك الإبّان جماعات كثيرة، تقطع إلينا ثمّ تعود في وقتها.

1016-[رد على المعترض‏]

قلنا لهؤلاء القوم: لقد أصبتم في بعض ما وصفتم، و أخطأتم في بعض. قال اللّه تعالى: إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتََانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَ يَوْمَ لاََ يَسْبِتُونَ لاََ تَأْتِيهِمْ [2]و يوم السبت يدور مع الأسابيع، و الأسابيع تدور مع شهور القمر. و هذا لا يكون مع استواء من الزمان. و قد يكون السبت في الشتاء و الصّيف و الخريف، و فيما بين ذلك. و ليس هذا من باب أزمان قواطع السّمك و هيج الحيوان و طلب السّفاد، و أزمان الفلاحة، و أوقات الجزر و المدّ؛ و في سبيل الأنواء، و الشجر كيف ينفض الورق و الثمار؛ و الحيّات كيف تسلخ، و الأيائل كيف تلقي قرونها، و الطير كيف تنطق و متى تسكت.

و لو قال لنا قائل: إني نبيّ و قلنا له: و ما آيتك؟و علامتك؟فقال: إذا كان في آخر تشرين الآخر أقبل إليكم الأسبور من جهة البحر، ضحكوا منه و سخروا به.

و لو قال: إذا كان يوم الجمعة أو يوم الأحد أقبل إليكم الأسبور، حتّى لا يزال يصنع ذلك في كلّ جمعة-علمنا اضطرارا إذا عاينّا الذي ذكر على نسقه أنّه صادق، و أنّه لم يعلم ذلك إلاّ من قبل خالق ذلك. تعالى اللّه عن ذلك.

[1]الهذّ: سرعة القراءة. «القاموس: هذذ» .

[2]163/الأعراف: 7.

312

و قد أقررنا بعجيب ما نرى من مطالع النّجوم، و من تناهي المدّ و الجزر على قدر امتلاء القمر، و نقصانه و زيادته، و محاقه‏[1]و استراره‏[2]. و كلّ شي‏ء يأتي على هذا النّسق من المجاري، فإنّما الآية فيه للّه وحده على وحدانيّته.

فإذا قال قائل لأهل شريعة[3]و لأهل مرسى، من أصحاب بحر أو نهر أو واد، أو عين، أو جدول: تأتيكم الحيتان في كلّ سبت، أو قال: في كلّ رمضان. و رمضان متحوّل الأزمان في الشّتاء و الصيف و الرّبيع و الخريف. و السّبت يتحوّل في جميع الأزمان. فإذا كان ذلك كانت تلك الأعجوبة فيه دالة على توحيد اللّه تعالى، و على صدق صاحب الخبر، و أنّه رسول ذلك المسخّر لذلك الصّنف. و كان ذلك المجي‏ء خارجا من النّسق القائم، و العادة المعروفة. و هذا الفرق بذلك بيّن. و الحمد للّه.

1017-[شنعة المسخ على صورة الخنزير و القرد]

قال اللّه تعالى: فَلَمََّا عَتَوْا عَنْ مََا نُهُوا عَنْهُ قُلْنََا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خََاسِئِينَ [4] و في الموضع الذي ذكر أنّه مسخ ناسا خنازير قد ذكر القرود. و لم يذكر أنّه مسخ قوما خنازير، و لم يمسخ منهم قرودا. و إذا كان الأمر كذلك فالمسخ على صورة القردة أشنع؛ إذ كان المسخ على صورتها أعظم، و كان العقاب به أكبر. و إنّ الوقت الذي قد ذكر أنّه قد مسخ ناسا قرودا فقد كان مسخ ناسا خنازير. فلم يدع ذكر الخنازير و ذكر القرود؛ إلاّ و القرود في هذا الباب أوجع و أشنع و أعظم في العقوبة، و أدلّ على شدّة السّخطة. هذا قول بعضهم.

1018-[استطراد لغوي‏]

قال: و يقال لموضع الأنف من السّباع الخطم، و الخرطوم-و قد يقال ذلك للخنزير-و الفنطيسة[5]، و الجمع الفناطيس. و قال الأعرابيّ: كأنّ فناطيسها كراكر[6] الإبل.

[1]المحاق: آخر الشهر، أو ثلاث ليال من آخره، أو أن يستسر القمر فلا يرى غدوة و لا عشية.

(القاموس: محق) .

[2]استرار القمر: اختفاؤه. (اللسان: ستر) .

[3]الشريعة: مورد الماء. (اللسان: شرع) .

[4]166/الأعراف: 7.

[5]فنطيسة الخنزير: خطمه. (اللسان: فنطس) .

[6]الكراكر: جمع كركر، و هو وعاء قضيب البعير و التيس. (اللسان: كركر) .

313

1019-[خصائص حيوانات بعض البلدان‏]

و قال صاحب المنطق: لا يكون خنزير و لا أيّل بحريّا. و ذكر أنّ خنازير بعض البلدان يكون لها ظلف واحد، و لا يكون بأرض نهاوند حمار؛ لشدّة برد الموضع، و لأنّ الحمار صرد.

و قال: في أرض كذا و كذا لا يكون بها شي‏ء من الخلد، و إن نقله إنسان إليها لم يحفر، و لم يتّخذ بها بيتا. و في الجزيرة التي تسمّى صقلّية لا يكون بها صنف من النمل، الذي يسمّى أقرشان.

1020-[قول أهل الكتابين في المسخ‏]

و أهل الكتابين‏[1]ينكرون أن يكون اللّه تعالى مسخ النّاس قرودا و خنازير، و إنما مسخ امرأة لوط حجرا. كذلك يقولون.

باب في الحيات‏

<القول في الحيات> اللهمّ جنّبنا التكلف، و أعذنا من الخطل، و احمنا من العجب بما يكون منّا، و الثّقة بما عندنا، و اجعلنا من المحسنين.

حدثنا أبو جعفر المكفوف النحويّ العنبريّ، و أخوه روح الكاتب و رجال من بني العنبر، أن عندهم في رمال بلعنبر حيّة تصيد العصافير و صغار الطير بأعجب صيد. زعموا أنها إذا انتصف النهار و اشتدّ الحرّ في رمال بلعنبر، و امتنعت الأرض على الحافي و المنتعل، و رمض‏[2]الجندب، غمست هذه الحيّة ذنبها في الرّمل، ثم انتصبت كأنها رمح مركوز، أو عود ثابت، فيجي‏ء الطائر الصغير أو الجرادة، فإذا رأى عودا قائما و كره الوقوع على الرّمل لشدّة حرّه، وقع على رأس الحيّة، على أنّها عود.

فإذا وقع على رأسها قبضت عليه. فإن كان جرادة أو جعلا أو بعض ما لا يشبعها مثله، ابتلعته و بقيت على انتصابها. و إن كان الواقع على رأسها طائرا يشبعها مثله أكلته و انصرفت. و أنّ ذلك دأبها ما منع الرّمل جانبه في الصّيف و القيظ، في انتصاف النهار و الهاجرة. و ذلك أنّ الطائر لا يشكّ أنّ الحيّة عود، و أنه سيقوم له مقام الجذل‏[3]للحرباء، إلى أن يسكن الحرّ و وهج الرّمل.

[1]أهل الكتابين: اليهود و النصارى.

[2]الرمض: شدة الحر. (اللسان: رمض) .

[3]الجذل: أصل الشجرة و غيرها، أو ما عظم من أصول الشجر. (القاموس: جذل) .

314

و في هذا الحديث من العجب أن تكون هذه الحيّة تهتدي لمثل هذه الحيلة.

و فيه جهل الطائر بفرق ما بين الحيوان و العود. و فيه قلة اكتراث الحيّة بالرّمل الذي عاد كالجمر، و صلح أن يكون ملّة[1]و موضعا للخبزة، ثمّ أن يشتمل ذلك الرّمل على ثلث الحيّة ساعات من النّهار، و الرمل على هذه الصفة. فهذه أعجوبة من أعاجيب ما في الحيّات.

و زعم لي‏[2]رجال من الصّقالبة، خصيان و فحول، أنّ الحيّة في بلادهم تأتي البقرة المحفّلة[3]فتنطوي على فخذيها و ركبتيها إلى عراقيبها، ثمّ تشخص صدرها نحو أخلاف ضرعها، حتى تلتقم الخلف؛ فلا تستطيع البقرة مع قوّتها أن تترمرم‏[4].

فلا تزال تمصّ اللبن، و كلما مصّت استرخت. فإذا كادت تتلف أرسلتها.

و زعموا أن تلك البقرة إمّا أن تموت، إمّا أن يصيبها في ضرعها فساد شديد تعسر مداواته.

و الحيّة تعجب باللبن. و إذا وجدت الأفاعي الإناء غير مخمّر كرعت فيه، و ربّما مجّت فيه ما صار في جوفها، فيصيب شارب ذلك اللبن أذى و مكروه كثير.

و يقال إنّ اللبن محتضر[5]. و قد ذهب ناس إلى العمّار، على قولهم إنّ الثوب المعصفر محتضر[5]. فظنّ كثير من العلماء أنّ المعنى في اللبن إنما رجع إلى الحيّات.

و الحيّة تعجب باللّفّاح‏[6]و البطّيخ، و بالحرف‏[7]، و الخردل المرخوف‏[8]؛ و تكره ريح السذاب‏[9]و الشّيح، كما تكره الوزغ ريح الزّعفران.

[1]الملّة: الرماد الحار و الجمر. (القاموس: ملل) .

[2]نهاية الأرب 9/139.

[3]المحفلة: الناقة أو البقرة أو الشاة لا يحلبها صاحبها أياما حتى يجتمع لبنها في ضرعها، فإذا احتلبها المشتري وجدها غزيرة فزاد في ثمنها، فإذا حلبها بعد ذلك، وجدها ناقصة اللبن عما حلبه أيام تحفيلها. (اللسان: حفل) .

[4]تترمرم: تتحرك. (اللسان: رمم) .

[5]محتضر: تحضره الجن. (اللسان: حضر) .

[6]اللفاح: نبات يقطيني أصفر شبيه بالباذنجان طيب الرائحة. (اللسان: لفح) .

[7]الحرف: حب الرشاد. (القاموس: حرف) .

[8]المرخوف: المسترخي. (القاموس: رخف) .

[9]السذاب: ضرب من البقول. (القاموس: سذب) .

315

و ليس في الأرض شي‏ء جسمه مثل جسم الحيّة، إلا و الحيّة أقوى بدنا منه أضعافا. و من قوّتها أنها إذا أدخلت رأسها في جحرها، أو في صدع إلى صدرها، لم يستطع أقوى النّاس و هو قابض على ذنبها بكلتا يديه أن يخرجها؛ لشدّة اعتمادها، و تعاون أجزائها. و ليست بذات قوائم لها أظفار أو مخالب أو أظلاف، تنشبها في الأرض، و تتشبث بها، و تعتمد عليها. و ربما انقطعت في يدي الجاذب لها، مع أنها لدنة ملساء علكة فيحتاج الرفيق في أمرها عند ذلك، أن يرسلها من يديه بعض الإرسال، ثمّ ينشطها كالمختطف و المختلس، و ربما انقطع ذنبها في يد الجاذب لها. فأمّا أذناب الأفاعي فإنها تنبت.

و من عجيب ما فيها من هذا الباب، أنّ نابها يقطع بالكاز[1]، فينبت حتى يتمّ نباته في أقلّ من ثلاث ليال.

و الخطّاف في هذا الباب خلاف الخنزير؛ لأنّ الخطاف إذا قلمت إحدى عينيه رجعت. و عين البرذون يركبها البياض، فيذهب في أيّام يسيرة.

و ناب الأفعى يحتال له بأن يدخل في فيها حماض أترجّ‏[2]، و يطبق لحيها الأعلى على الأسفل، فلا تقتل بعضّتها أياما صالحة.

و المغناطيس الجاذب للحديد، إذا حكّ عليه الثّوم، لم يجذب الحديد.

1021-[خصائص الأفعى‏]

و الأفعى لا تدور عينها في رأسها، و هي تلد و تبيض، و ذلك أنها إذا طرّقت‏[3] ببيضها تحطّم في جوفها، فترمي بفراخها أولادا، حتى كأنها من الحيوان الذي يلد حيوانا مثله.

و في الأفاعي من العجب أنها تذبح حتى يفرى منها كلّ ودج، فتبقى كذلك [1]الكاز: المقطع. «السامي في الأسامي 147» .

[2]في القاموس «ترج» : (الأترجّ، و الأترجّة و التّرنجة و التّرنج: نبات معروف، حامضه مسكّن غلمة النساء؛ و يجلو اللون و الكلف، و قشره في الثياب يمنع السوس) . و في معجم الألفاظ الزراعية 163 -164. (جنس الليمون فيه أنواع البرتقال و الأترج و النارنج و الليمون الحلو و الحامض، و هي تسمى الموالح في مصر؛ و الحوامض في الشام، و ما في جوف ثماره يسمى الحمّاض. جنس شجر مثمر من الفصيلة البرتقالية) .

[3]طرّقت ببيضها: حان لها أن يخرج بيضها. (القاموس: طرق) .

316

أيّاما لا تموت. و أمرت الحاوي فقبض على خرزة[1]عنقها، فقلت له: اقبضها من الخرزة[1]التي تليها قبضا رفيقا. فما فتح بينها بقدر سمّ الإبرة حتّى بردت ميّتة.

و زعم أنّه قد ذبح غيرها من الحيّات فعاشت على شبيه بذلك، ثمّ إنه فصل تلك الخرزة[1]على مثال ما صنع بالأفعى، فماتت بأسرع من الطّرف.

1022-[قوة بدن الممسوح‏]

و كلّ شي‏ء ممسوح البدن، ليس بذي أيد و لا أرجل، فإنّه يكون شديد البدن، كالسّمكة و الحيّة.

1023-[سم الأفعى‏]

و زعم أحمد بن غالب قال: باعني حوّاء ثلاثين أفعى بدينارين، و أهدي إليّ خمسا اصطادها من قبالة القلب، في تلك الصحارى على شاطئ دجلة. قال: و أردتها للتّرياق. قال: فقال لي حين جاءني بها: قل لي: من يعالجها؟قال: فقلت له: فلان الصيدلانيّ. فقال: ليس عن هذا سألتك، قل لي: من يذبحها و يسلخها؟قال: قلت:

هذا الصيدلانيّ بعينه. قال: أخاف أن يكون مغرورا من نفسه. إنّه و اللّه إن أخطأ موضع المفصل من قفاه، و حركته أسرع من البرق، فإن كان لا يحسن و لا يدري كيف يتغفله، فينقره نقرة، لم يفلح بعدها أبدا. و لكني سأتطوّع لك بأن أعمل ذلك بين يديه. قال: فبعثت إليه. و كان رأسه إلى الجونة[2]، فيغفل الواحدة فيقبض على قفاها بأسرع من الطّرف، ثمّ يذبحها. فإذا ذبحها سال من أفواهها لعاب أبيض، فيقول: هذا هو السم الذي يقتل!قال: فجالت يده جولة، و قطرت من ذلك اللّعاب قطرة على طرف قميص الصيدلانيّ. قال: فتفشّى ذلك القاطر حتّى صار في قدر الدّرهم العظيم. ثم إنّ الحوّاء امتحن ذلك الموضع فتهافت في يده، و بقيت الأفاعي مذبّحة تجول في الطست و يكدم بعضها بعضا، حتى أمسينا.

قال: و بكرت على أبي رجاء إلى باب الجسر، أحدّثه بالحديث، فقال لي وددت أنّي رأيت موضع القطرة من قميص الصّيدلاني!قال: فو اللّه ما رمت حتّى مرّ معي إلى الصّيدلانيّ، فأريته موضعه.

و أصحابنا يزعمون أنّ لعاب الأفاعي لا يعمل في الدّم. إلاّ أنّ أحمد بن المثنّى [1]الخرزة: فقرة من فقرات العنق. (القاموس: خرز) .

[2]الجونة: سلة صغيرة مستديرة مغشاة أدما تكون مع العطارين. اللسان (جون) .

317

زعم أنّ من الأفاعي جنسا لا يضرّ الفراريج من بين الأشياء، و لا أدري أيّ الخبرين أبعد: أخبر ابن غالب في تفسيخ الثّوب، أو خبر ابن المثنى في سلامة الفرّوج على الأفعى؟

1024-[ما تضي‏ء عينه من الحيوان‏]

و زعم محمد بن الجهم أنّ العيون التي تضي‏ء بالليل كأنها مصابيح، عيون الأسد و النمور، و السّنانير و الأفاعي. فبينا نحن عنده إذ دخل عليه بعض من يجلب الأفاعي من سجستان، و يعمل التّرياقات، و يبيعها أحياء و معمولة[1]، فقال له:

حدّثهم بالذي حدّثتني به من عين الأفعى. قال: نعم، كنت في منزلي نائما في ظلمة، و قد كنت جمعت رءوس أفاع كنّ عندي، لأرمي بها، و أغفلت تحت السّرير رأسا واحدا، ففتحت عيني تجاه السّرير في الظلمة، فرأيت ضياء إلاّ أنّه ضئيل ضعيف رقيق، فقلت: عين غول أو بعض أولاء السّعالى، و ذهبت نفسي في ألوان من المعاني، فقمت فقدحت نارا، و أخذت المصباح معي، و مضيت نحو السرير فلم أجد تحته إلاّ رأس أفعى، فأطفأت السّراج و نمت و فتحت عيني، فإذا ذلك الضوء على حاله، فنهضت فصنعت كصنيعي الأوّل، حتى فعلت ذلك مرارا. قال: فقلت آخر مرّة: ما أرى شيئا إلاّ رأس أفعى، فلو نحّيته!فنحّيته و أطفأت السّراج، ثمّ رجعت إلى منامي، ففتحت عيني فلم أر الضّوء، فعلمت أنّه من عين الأفعى، ثمّ سألت عن ذلك، فإذا الأمر حقّ، و إذا هو مشهور في أهل هذه الصّناعة.

1025-[علة قوة بدن الحية]

قال: و ربّما قبض الرّجل الشديد الأسر و القوّة القبضة على قفا الحيّة فتلتفّ عليه فتصرعه. و في صعودها و في سعيها خلف الرّجل الشديد الحضر، أو عند هربها حتّى تفوت و تسبق، و ليست بذات قوائم، و إنما تنساب على بطنها، و في تدافع أجزائها و تعاونها، و في حركة الكلّ من ذات نفسها، دليل على إفراط قوّة بدنها.

و من ذلك أنها لا تمضغ، و إنما تبتلع، فربّما كان في البضعة أو في الشي‏ء الذي ابتلعته عظم، فتأتي جذم شجرة، أو حجرا شاخصا[2]فتنطوي عليه انطواء شديدا فيتحطّم ذلك العظم حتّى يصير رفاتا.

[1]في حياة الحيوان 1/401 «الحية» : (يحرم أكل الترياق المعمول من لحومها) .

[2]شخص: ارتفع. (القاموس: شخص) . ـ

318

ثمّ يقطع ذنبها فينبت. ثمّ تعيش في الماء، إن صارت في الماء، بعد أن كانت برّيّة، و تعيش في البرّ بعد أن طال مكثها في الماء و صارت مائية.

قال: و إنّما أتتها هذه القوّة، و اشتدّت فقر ظهرها هذه الشّدّة؛ لكثرة أضلاعها، و ذلك أنّ لها من الأضلاع عدد أيّام الشّهر. و هي مع ذلك أطول الحيوان عمرا.

1026-[موت الحية]

و يزعمون أنّ الحيّة لا تموت حتف أنفها، و إنّما تموت بعرض يعرض لها. و مع ذلك فإنه ليس في الحيوان شي‏ء هو أصبر على جوع من حيّة؛ لأنّها إن كانت شابّة فدخلت في حائط صخر، فتتبّعوا موضع مدخلها بوتد أو بحجر، ثمّ هدموا هذا الحائط، وجدوها هناك منطوية و هي حيّة. فالشّابة تذكر بالصّبر عند هذه العلّة. فإن هرمت صغرت في بدنها، و أقنعها النّسيم، و لم تشته الطعم. و قد قال الشاعر: -و هو جاهليّ‏[1]-: [من الرجز]

فابعث له من بعض أعراض اللّمم # لميمة من حنش أعمى أصم

قد عاش حتى هو لا يمشي بدم # فكلّما أقصد منه الجوع شم‏

و هذا القول لهذا المعنى. و في هذا الوجه يقول الشاعر[2]: [من الرجز]

داهية قد صغرت من الكبر # صلّ صفا ما ينطوي من القصر

طويلة الإطراق من غير خفر # كمطرق قد ذهبت به الفكر[3]

جاء بها الطوفان أيّام زخر

1027-[صبر الحية على فقد الطّعم‏]

و من أعاجيبها أنها و إن كانت موصوفة بالشّره و النّهم، و سرعة الابتلاع، فلها في الصّبر في أيّام الشّتاء ما ليس للزّهيد. ثمّ هي بعد ممّا يصير بها الحال إلى أن تستغني عن الطّعم.

[1]الرجز بلا نسبة في البرصان 233، و السمط 490، و اللسان (حنش) ، و التهذيب 4/186.

[2]الرجز للنابغة في ديوان المعاني 2/145، و الحماسة الشجرية 273-274، و بلا نسبة في الخزانة 2/457، و المخصص 8/109، 16، 106، 185، و المنصف 3/16، و أساس البلاغة (حرو) ، و ربيع الأبرار 5/475.

[3]الإطراق: إرخاء العينين. (القاموس: طرق) .

319

1028-[النمس و الثعابين‏]

ثمّ قد يزعمون أنّ بمصر دويبّة يقال لها النمس يتّخذها الناطور إذا اشتدّ خوفه من الثّعابين؛ لأنّ هذه الدّابة تنقبض و تنضمّ، تتضاءل و تستدقّ، حتّى كأنها قديدة[1] أو قطعة حبل، فإذا عضّها الثّعبان و انطوى عليها زفرت، و أخذت بنفسها و زخرت جوفها فانتفخ. فتفعل ذلك و قد انطوى عليها، فتقطعه قطعا من شدّة الزّخرة. و هذا من أعجب الأحاديث.

1029-[القواتل من الحيات‏]

و الثّعابين إحدى القواتل. و يزعمون أنها ثلاثة أجناس لا ينجع فيها رقية و لا حيلة، كالثعبان، و الأفعى، و الهنديّة. و يقال: إنّ ما سواها فإنما يقتل مع ما يمدّها من الفزع؛ فقد يفعل الفزع وحده؛ فكيف إذا قارن سمّها؟!و سمّها إن لم يقتل أمرض.

1030-[ما يفعل الفزع في المسموم‏]

و يزعمون أنّ رجلا قال‏[2]تحت شجرة، فتدلّت عليه حيّة منها فعضّت رأسه، فانتبه محمرّ الوجه، فحكّ رأسه، و تلفّت، فلم ير شيئا، فوضع رأسه ينام، و أقام مدّة طويلة لا يرى بأسا، فقال له بعض من كان رأى تدلّيها عليه ثمّ تقلّصها عنه و هروبها منه: هل علمت من أيّ شي‏ء كان انتباهك تحت الشّجرة؟قال: لا و اللّه، ما علمت.

قال: بلى، فإنّ الحيّة الفلانيّة نزلت عليك حتّى عضّت رأسك، فلما جلست فزعا تقلّصت عنك و تراجعت. ففزع فزعة و صرخ صرخة كانت فيها نفسه. و كأنهم توهموا أنّه لما فزع و اضطراب، و قد كان ذلك السمّ مغمورا ممنوعا فزال مانعه، و أوغله ذلك الفزع، حين تفتّحت منافسه، إلى موضع الصّميم و الدّماغ و عمق البدن، فانحلّ موضع العقد الذي انعقدت عليه أجزاؤه و أخلاطه.

و أنشد الأصمعيّ: [من الرجز]

نكيثة تنهشه بمنبذ

[1]قديدة: تصغير القدة، و هي جمع القد. و القد: سيور تقد من جلد فطير غير مدبوغ، فتشد بها الأقتاب و المحامل. (اللسان: قدد) .

[2]قال يقيل قيلولة: نام في نصف النهار.

320

و أنشد لأبي دؤاد الإياديّ‏[1]: [من الخفيف‏]

فأتاني تقحيم كعب لي المنـ # طق إن النّكيثة الإقحام‏[2]

قال: فالفزع إمّا أن يكون يوصل السمّ إلى المقاتل، و إمّا أن يكون معينا له، كتعاون الرّجلين على نزع وتد. فهم لا يجزمون على أنّ الحيّة من القواتل البتّة، إلاّ أن تقتل إذا عضّت النائم و المغشيّ عليه، و الطفل الغرير، و المجنون الذي لا يعقل، و حتّى تجرّب عليه الأدوية.

1031-[الترياق و انقلاب الأفعى‏]

و كنت يوما عند أبي عبد اللّه أحمد بن أبي دؤاد، و كان عنده سلمويه و ابن ماسويه، و بختيشوع بن جبريل، فقال: هل ينفع التّرياق من نهشة أفعى؟فقال بعضهم: إذا عضّت الأفعى فأدركت قبل أن تنقلب نفع الترياق، و إن لم تدرك لم ينفع؛ لأنهم إن قلّلوا من التّرياق قتله السّمّ، و إن كثّروا منه قتله الفاضل عن مقدار الحاجة.

قلت: فإنّ ابن أبي العجوز خبّرني بأنها ليست تنقلب لمجّ السمّ و إفراغه، و لكنّ الأفعى في نابها عصل‏[3]، و إذا عضّت استفرغت إدخال النّاب كلّه، و هو أحجن أعصل، فيه مشابه من الشّصّ، فإذا انقلبت كان أسهل لنزعه و سلّه. فأمّا لصبّ السّمّ و إفراغه فلا. قال: و اللّه لعلّه ما قلت!قلت: ما أسرع ما شككت!!.

ثمّ قلت له: فكأنما وضعوا الترياق و اجتلبوا الأفاعي و ضنّوا و عزموا على أنه لا ينفع إلاّ بدرك الأفعى قبل أن تنقلب!و كيف صار التّرياق بعد الانقلاب لا يكون إلاّ في إحدى منزلتين: إمّا أن يقتل بكثرته، و إمّا ألاّ ينفع بقلّته!فكأنّ الترياق ليس نفعه إلاّ في المنزلة الوسطى التي لا تكون فاضلة و لا ناقصة!و لكني أقول لك: كيف يكون نفعه إذا كان الترياق جيّدا قويّا، و عوجل فسقي المقدار الأوسط، قبل أن يبلغ الصّميم، و يغوص في العمق. و على هذا وضع، و هم كانوا أحزم و أحذق من أن يتكلّفوا شيئا، و مقداره من النّفع لا يوصل إلى معرفته.

[1]ديوان أبي دؤاد 338، و الأصمعيات 186.

[2]في ديوانه: (تقحيمه: توركه قولا نابيا، و هو إدخال الكلام بعضه في إثر بعض. كعب: قيل إنه ابن مامة بلغه عنه أمر يكرهه. النكيثة: الخطة الصعبة) .

[3]العصل: الاعوجاج. (القاموس: عصل) .

321

و يقول بعض الحذّاق: إنّ سقي التّرياق بعد النهش بساعة أو ساعتين موت المنهوش.

ثم قلت له: و ما علّمك؟و بأيّ سبب أيقنت أنها تمجّ من جوف نابها شيئا؟! و لعله ليس هنالك إلاّ مخالطة جوهر ذلك النّاب لدم الإنسان!أ و لسنا قد نجد من الإنسان من يعضّ صاحبه فيقتله، و يكون معروفا بذلك؟!و قد تقرّون أنّ الهنديّة و الثّعبان يقتلان، إمّا بمخالطة الرّيق الدم، و إمّا بمخالطة السّنّ الدّم، من غير أن تدّعوا أنّ أسنانهما مجوّفة. و قد أجمع جميع أصحاب التجارب أنّ الحيّة تضرب بقصبة فتكون أشدّ عليها من العصا. و قد يضرب الرجل على جسده بقضبان اللّوز و قضبان الرّمان، و قضبان اللّوز أعلك‏[1]و ألدن، و لكنّها أسلم، و قضبان الرّمّان أخفّ و أسخف و لكنها أعطب.

و قد يطأ الإنسان على عظم حيّة أو إبرة عقرب، و هما ميتتان، فيلقى الجهد.

و قد يخرج السّكّين من الكير و هو محمى، فيغمس في اللبن فمتى خالط الدّم قام مقام السمّ، من غير أن يكون مجّ في الدّم رطوبة غليظة أو رقيقة.

و بعض الحجارة يكوى بها-و هو رخو-الأورام حتى يفرقها و يحمصها[2]من غير أن يكون نفذ إليها شي‏ء منه، و ليس إلاّ الملاقاة.

قلت: و لعلّ قوى قد انفصلت من أنياب الأفاعي إلى دماء النّاس. و قد رووا أنّه قيل لجالينوس: إنّ هاهنا رجلا يرقي العقارب فتموت، أو تنحلّ فلا تعمل، فرآه يرقيها و يتفل عليها، فدعا به بحضرة جماعة و هو على الرّيق، و دعا بغدائه فتغدّى معه، ثمّ دعي له بالعقارب فتفل عليها، فلم يجد لعابه يصنع شيئا إلاّ أن يكون ريقا.

و هو حديث يدور بين أهل الطبّ، و أنت طبيب. فلم أره في يومه ذلك قال شيئا إلاّ من طريق الحزر و الحدس، و البلاغات.

1032-[سموم الحيات و العقارب‏]

و سموم الحيّات ذوات الأنياب، و العقارب ذوات الإبر، إنما تعمل في الدّم بالإجماد و الإذابة. و كذا سموم ذوات الشعر و القرون و الجمّ، إنما تعمل في العصب، و منها ما يعمل في الدم.

[1]أعلك: أشد و أمتن، و طعام عالك: متين الممضغة. (القاموس: علك) .

[2]انحمص: انقبض و تضاءل. (القاموس: حمص) .

322

1033-[شرب المسموم للّبن‏]

و حدّثني بعض أصحابنا قال: كنت إمّا برماي و إما بباري و هما بلاد حيّات و أفاع، و نحن في عرس، إذ أدخلوا الخدر العروس فأبطئوا عليه شيئا، فأغفى و تلوّت على ذراعه أفعى، فذهب ينفضها و حجمت على ذراعه-و قد يقال ذلك إذا كانت العضّة في صورة شرط الحجّام-فصرخ و جاءوا يتعادون‏[1]فوجدوها فقتلوها، و سقوه في تلك اللّيلة لبن أربعين عنزا، كلّما استقرّ في جوفه قعب من ذلك اللّبن قاء فيخرج منه كأمثال طلع الفحّال‏[2]الأبيض، فيه طرائق من دسم تعلوه خضرة، حتى استوفى ذلك اللّبن كله. قال: فعندها قال شيخ من أهل القرية: إن كنتم أخرجتم ذلك السّمّ فقد أخرجتم نفسه معه!قال: فغبر أيّاما بأسوإ حال ثمّ مات. قال: و كنت أعجب من سرعة استحالة اللّبن و جموده.

1034-[اكتفاء الحيات و الضباب بالنسيم‏]

قلت: و الحيّات البرّيّة إذا هرمت تنسّمت النّسيم فاكتفت بذلك، و كذلك الضّباب إذا هرمت.

قال: و لا يكون ذلك للمائيّة من حيّات الغياض و شطوط الأنهار، و مناقع المياه.

1035-[الحيات المائية]

قال: و الحيّات المائيّة، إمّا أن تكون برّيّة أو جبليّة، فاكتسحتها السّيول و احتملتها في كثير من أصناف الحشرات و الدّوابّ و السّباع، فتوالدت تلك الحيّات و تلاقحت هناك. و إمّا أن تكون كانت أمهاتها و آباؤها في حيّات الماء. و كيف دارت الأمور فإنّ الحيّات في أصل الطّبع مائيّة. و هي تعيش في النّدى، و في الماء، و في البرّ و في البحر، و في الصّخر و الرّمل. و من طباعها أن ترقّ و تلطف على شكلين: أحدهما لطول العمر، و الآخر للبعد من الرّيف. و على حسب ذلك تعظم في المياه و الغياض.

قال: و كلّ شي‏ء في الماء ممّا يعايش السمك، مما أشبه الحيّات كالمارماهي و الأنكليس فإنها كلها على ضربين: فأحدهما من أولاد الحيات انقلبت بما عرض لها من طباع البلد و الماء. و الآخر من نسل سمك و حيات تلاقحت؛ إذ كان طباع السمك قريبا من طباع تلك الحيّات. و الحيّات في الأصل مائيّة، و كلّها كانت حيّات.

[1]يتعادون: يتبارون في العدو. (القاموس: عدو) .

[2]الطلع: نور النخل. (القاموس: طلع) . الفحال: ذكر النخل. (القاموس: فحل) .

323

1036-[قرابة بعض النبات لبعض‏]

و قد زعم أهل البصرة أنّ مشان‏[1]الكوفة قريب من برنيّ‏[2]البصرة، قلبته البلدة.

و يزعم أهل الحجاز أنّ نخل النارجيل‏[3]هو نخل المقل‏[4]، و لكنّه انقلب لطباع البلدة. و أشباه ذلك كثير.

و يزعمون أنّ الفيلة مائية الطّباع بالجاموسيّة و الخنزيريّة التي فيها.

1037-[الذئب و النسيم‏]

قال: و الذّئب أيضا، و إن كان عندهم ممّا لا يجتزي بالنّسيم، فإنّه من الحيوان الذي يفتح فاه للنّسيم؛ ليبرد جوفه من اللهيب الذي يعتري السّباع؛ و لأنّ ذلك يمدّ قوّته، و يقطع عنه ببرودته و لطافته الرّيق. فإن كان ذا سعر إذا عدا احتشى ريحا.

1038-[صبر الذئب و الأسد على الطعام‏]

و ربّما جاع الأسد ففعل فعل الذّئب، فالأسد و الذّئب يختلفان في الجوع و الصبر؛ لأنّ الأسد شديد النّهم، رغيب حريص شره؛ و هو مع ذلك يحتمل أن يبقى أيّاما لا يأكل شيئا. و الذّئب و إن كان أقفر منزلا، و أقلّ خصبا، و أكثر كدّا و إخفاقا، فلا بدّ له من شي‏ء يلقيه في جوفه، فإذا لم يجد شيئا استعار النسيم، [و ربما استفّ التراب‏][5].

1039-[حيلة بعض الجائعين‏]

و النّاس إذا جاعوا و اشتدّ جوعهم شدّوا على بطونهم العمائم. فإن استقلوا، و إلاّ شدّوا الحجر.

1040-[شعر في الذئب‏]

و أنشد: [من الطويل‏]

كسيد الغضا العادي أضلّ جراءه # على شرف مستقبل الرّيح يلحب‏[6]

[1]المشان: نوع من الرطب إلى السواد دقيق، هو أعجمي. (اللسان: مشن) .

[2]البرني: ضرب من التمر أصفر مدور. (اللسان: برن) .

[3]النارجيل: جوز الهند. (اللسان: نرجل) .

[4]المقل: حمل الدوم، واحدته مقلة، و الدوم: شجرة تشبه النخلة في حالاتها. (اللسان: مقل) .

[5]الزيادة من ثمار القلوب 310 (578) ، حيث وردت الفقرة كلها.

[6]السيد: الذئب. (القاموس: سيد) . الجراء: جمع جرو. الشرف: ما علا من الأرض. (القاموس:

شرف) . يلحب: يسرع. (القاموس: لحب) .

324

كأنّه يجمع استدخال الرّيح و النّسيم، فلعلّه أن يجد ريح جرائه.

و قال الرّاجز[1]: [من الرجز]

يستخبر الرّيح إذا لم يسمع # بمثل مقراع الصّفا الموقّع‏[2]

1041-[شمّ الظليم‏]

و الظّليم يكون على بيضه فيشمّ ريح القانص من أكثر من غلوة، و يبعد عن رئاله فيشمّ ريحها من مكان بعيد.

و أنشدني يحيى بن نجيم بن زمعة قال‏[3]: [من الرجز]

أشمّ من هيق و أهدى من جمل‏

[4] و أنشدني عمرو بن كركرة: [من الرجز]

ما زال يشتمّ اشتمام الهيق‏

قال: و إنّما جعله ذئب غضا لأنهم يقولون: ذئب الخمر أخبث.

و يقولون: شيطان الحماطة: يريدون الحيّة[5].

1042-[الحيّات الخفيفة و الثقيلة]

و كلّ حيّة خفيفة الجسم فهي شيطان. و الثّقال لا تنشط من أرض إلى أرض، و تثقل عمّا تبلغه المستطيلات الخفاف. و قال طرفة[6]: [من الطويل‏]

تلاعب مثنى حضرميّ كأنّه # تعمّج شيطان بذي خروع قفر

[1]الرجز لأبي الرديني العكلي في البيان 1/82، و الخزانة 3/105 (بولاق) ، و بلا نسبة في البرصان 198، و اللسان و التاج (مخر، قرع) ، و ديوان الأدب 1/311.

[2]في البرصان: (وصف الراجز استرواح الذئب و حرصه على استنشاق الريح) . المقراع: الفأس.

(اللسان: قرع) .

[3]الرجز بلا نسبة في البرصان 303، و ثمار القلوب (652) ، و اللسان (نعم) ، و التهذيب 3/14.

[4]الهيق: ذكر النعام. (اللسان: هيق) .

[5]ثمار القلوب (623) .

[6]لم يرد البيت في ديوان طرفة، و هو بلا نسبة في اللسان (حبب، عمج، خرع، شطن، ثنى) ، و التاج (حبب، خرع، ثنى) ، و المقاييس 2/28، 3/148، 4/137، و المجمل 2/30، و المخصص 7/110، 8/109، و ديوان الأدب 2/60، 440.

325

الكرماني عن أنس-و لا أدري من أنس هذا-في صفة ناقة: [من الطويل‏]

شناحية فيها شناح كأنّها # حباب بكفّ الشّأو من أسطع حشر[1]

و الحباب: الحيّة الذّكر.

1043-[المضاف إلى النبات من الحيوان‏]

و كما يقولون‏[2]: ذئب الخمر، يقولون: أرنب الخلّة[3]، و تيس الرّبل، و ضبّ السّحا[3]. و السّحا بقلة تحسن حاله من أكلها.

و كذلك يقولون: «ما هو إلاّ قنفذ برقة» [4]لأنه يكون أخبث له.

1044-[خصائص البلدان‏]

و ذلك كلّه على قدر طبائع البلدان و الأغذية العاملة في طبائع الحيوان. أ لا ترى أنّهم يزعمون أنّ من دخل أرض تبّت‏[5]لم يزل ضاحكا مسرورا، من غير عجب حتّى يخرج منها. و من أقام بالموصل حولا ثم تفقّد قوّته وجد فيها فضلا. و من أقام بالأهواز حولا فتفقّد عقله ذو فراسة وجد النّقصان فيه بيّنا. كما يقال في حمى خيبر، و طحال البحرين، و دماميل الجزيرة، و جرب الزّنج. و قال الشمّاخ‏[6]: [من الوافر]

كأنّ نطاة خيبر زوّدته # بكور الورد ريّثة القلوع‏[7]

و قال أوس بن حجر[8]: [من الطويل‏]

كأنّ به إذ جئته خيبريّة # يعود عليه وردها و قلالها[9]

[1]الشناحية: الناقة الطويلة الجسم. (القاموس: شنح) . الشأو: الزمام. (القاموس: شأو) . الأسطع:

العنيق الطويل. (القاموس: سطع) .

[2]ثمار القلوب 330 (577، 614) .

[3]الخلة و السحا: شجرة شاكة. (القاموس: خلل، سحى) .

[4]برقة: الأرض ذات الحجارة المختلفة الألوان. و للعرب مائة برقة، من بينها (برقة أنقد) و هو القنفذ.

انظر معجم البلدان 1/390 و ما بعد.

[5]تبت: بلد بأرض الترك، أو هي مملكة متاخمة للصين و الهند. معجم البلدان 2/10، و انظر الفقرة في ثمار القلوب 310 (577، 794) ، و عيون الأخبار 1/219.

[6]ديوان الشماخ 223، و اللسان (صلل، نطا) ، و التاج (نطا) ، و بلا نسبة في اللسان و التاج (قلع) ، و التهذيب 1/25، 14/31، و معجم البلدان 5/291 (نطاة) .

[7]في ديوانه: (نطاة خيبر: قيل: هي خيبر نفسها علم لها، و قيل واد بخيبر، و قيل: حصن بها. زودته:

أعطته زادا. بكور الورد: يعني حمى تباكر بوردها جسمه. ريثة القلوع: بطيئة الذهاب و الانكشاف) .

[8]ديوان أوس 100، و ثمار القلوب 436 (791) ، و السمط 918.

[9]في ديوانه: (الورد: ورود الحمى) . ـ

326

و قال آخر[1]: [من الرجز]

كأنّ حمى خيبر تملّه‏

و كذلك القول في وادي جحفة، و في مهيعة، و في أصول النخل حيث كان.

و قال عبد اللّه بن همام السّلوليّ في دماميل الجزيرة[2]: [من الطويل‏]

أتيح له من شرطة الحيّ جانب # غليظ القصيرى لحمه متكاوس

تراه إذا يمضي يحكّ كأنّما # به من دماميل الجزيرة ناخس‏

فحدّثني أبو زفر الضّراري قال‏[3]: مات ضرار بن عمرو و هو ابن تسعين سنة بالدّماميل. قلت: و اللّه إنّ هذا لعجب!قال: كلاّ، إنّما احتملها من الجزيرة.

و كذلك القول في طواعين الشّام. قال أحد بني المغيرة، فيمن مات منهم بطواحين الشام، و من مات منهم بطعن الرّماح أيّام تلك المغازي‏[4]: [من السريع‏]

من ينزل الشّام و يعرس به # فالشّام إن لم يفنه كاذب

أفنى بني ريطة فرسانهم # عشرين لم يقصص لهم شارب

و من بني أعمامهم مثلهم # لمثل هذا عجب العاجب

طعن و طاعون مناياهم # ذلك ما خطّ لنا الكاتب‏

1045-[قدوم عبد اللّه بن الحسن على عمر بن عبد العزيز و هشام‏]

قال‏[5]و لمّا قدم عبد اللّه بن الحسن بن الحسن رضي اللّه عنهم، على عمر بن عبد العزيز-رضي اللّه عنه-في حوائج له، فلمّا رأى مكانه بالشام، و عرف سنّه و سمته و عقله، و لسانه، و صلاته و صيامه، فلم يكن شي‏ء أحبّ إليه من ألاّ يراه أحد من أهل الشام، فقال له: إنّي أخاف عليك طواعين الشّام؛ فإنّك لن تغنم أهلك أكثر [1]الرجز لليلى الأخيلية في ديوانها 99، و لعمرة بنت الحمارس في أشعار النساء 155، و بلا نسبة في ثمار القلوب (791) .

[2]البيتان في البرصان 147، و معجم البلدان 2/134 (جزيزة أقور) . و الثاني بلا نسبة في الجمهرة 565، 1051.

[3]ثمار القلوب (794) .

[4]الأبيات للمهاجر بن خالد بن الوليد في الإصابة 6/160 رقم 8329، و تاريخ الطبري 4/65، و لبعض بني المغيرة في ثمار القلوب 435 (789) ، و التعازي للمبرد 215.

[5]ثمار القلوب 435 (789) .

327

منك، فالحق بهم؛ فإنّ حوائجك ستسبقك إليهم. ثمّ قدم على هشام، فكره عبد اللّه أن يدخل منزل له حتّى يأتيه في ثياب سفره؛ مخافة سوء ظنّه. فلما أعلمه الحاجب مكانه، و دخل عليه و عاينه، كره أن يقيم بها طرفة عين. قال: اذكر حوائجك. قال:

أحطّ رحلي و أضع ثياب سفري، و أتذكّر حوائجي. قال: إنّك لن تجدني في حال خيرا لك منّي الساعة!يريد أنّ القلوب أرقّ ما تكون إذا تلاقت العيون عن بعد عهد.

و ليس ذلك أراد.

1046-[طحال البحرين‏]

و العامّة تنشد[1]: [من الطويل‏]

من يسكن البحرين يعظم طحاله # و يغبط بما في بطنه و هو جائع‏

و نظر دكين الرّاجز، إلى أبي العباس محمّد بن ذويب الفقيميّ الرّاجز، و هو غليّم مصفرّ مطحول، و هو يمتح على بكرة و يرتجز. فقال: من هذا العمانيّ؟فلزمته هذه النّسبة[2].

1047-[جرب الزنج‏]

و حدّثني يوسف الزّنجي أنّه لا بدّ لكلّ من قدم من شقّ العراق إلى بلاد الزّنج ألاّ يزال جربا، ما أقام بها. و إن أكثر من شرب نبيذها، أو شراب النّارجيل، طمس الخمار على عقله، حتّى لا يكون بينه و بين المعتوه إلاّ الشّي‏ء اليسير[3].

1048-[طبيعة المصيصة]

و خبّرني كم شئت من الغزاة، أن من أطال الصّوم بالمصيصة في أيّام الصّيف، هاج به المرار. و أنّ كثيرا منهم قد جنّوا عن ذلك الاحتراق‏[4].

1049-[حمى الأهواز]

فأمّا قصبة الأهواز، فإنّها قلبت كلّ من نزلها من بني هاشم إلى كثير من [1]البيت بلا نسبة في اللسان و التاج (بطن) ، و المستقصى 1/319، و زهر الأكم 3/7، و مجمع الأمثال 1/278، و فصل المقال 435، و رسائل الجاحظ 1/341، و نوادر المخطوطات 1/261، و الشعر و الشعراء 475 (ليدن) ، 2/755 (شاكر) ، و ثمار القلوب (794) .

[2]الخبر في الشعر و الشعراء 475 (ليدن) ، 2/755 (شاكر) .

[3]الخبر في ثمار القلوب (795) .

[4]الخبر في عيون الأخبار 1/219، و ثمار القلوب (795) ، و لطائف المعارف 230.

328

طباعهم و شمائلهم، و لا بدّ للهاشميّ، قبيح الوجه كان أو حسنا، أو دميما كان أو بارعا رائعا، من أن يكون لوجهه و شمائله طبائع يبين بها من جميع قريش و جميع العرب. فلقد كادت البلدة أن تنقل ذلك فتبدّله، و لقد تخيّفته و أدخلت الضّيم عليه، و بيّنت أثرها فيه فما ظنّك بصنيعها في سائر الأجناس‏[1]؟! و لفساد عقولهم، و لؤم طبع بلادهم، لا تراهم مع تلك الأموال الكثيرة، و الضّياع الفاشية، يحبّون من البنين و البنات ما يحبّه أوساط أهل الأمصار على الثّروة و اليسار، و إن طال ذلك. و المال منبهة كما تعلمون.

و قد يكتسب الرّجل، من غيرهم، المويل‏[2]اليسير، فلا يرضى لولده حتّى يفرض له المؤدّبين، و لا يرضى لنسائه مثل الذي كان يرضاه قبل ذلك. و ليس في الأرض صناعة مذكورة، و لا أدب شريف؛ و لا مذهب محمود، لهم في شي‏ء منه نصيب و إن خسّ‏[3]. و لم أر بها و جنة حمراء لصبيّ و لا صبيّة، و لا دما ظاهرا و لا قريبا من ذلك. و هي قتّالة للغرباء.

و على أنّ حمّاها خاصّة ليست للغريب بأسرع منها إلى القريب. و وباؤها و حمّاها، في وقت انكشاف الوباء و نزوع الحمّى عن جميع البلدان.

و كلّ محموم في الأرض فإنّ حمّاه لا تنزع عنه، و لا تفارقه و في بدنه منها بقيّة، فإذا نزعت عنه فقد أخذ منها عند نفسه البراءة، إلى أن يعود إلى الخلط، و أن يجمع في جوفه الفساد[4].

و ليست كذلك الأهواز لأنها تعاود من نزعت عنه من غير حدث، كما تعاود أصحاب الحدث؛ لأنّهم ليسوا يؤتون من قبل النّهم‏[5]، و من قبل الخلط و الإكثار، و إنّما يؤتون من عين البلدة.

و كذلك جمعت سوق الأهواز الأفاعي في جبلها الطّاعن في منازلها، المطلّ عليها؛ و الجرّارات‏[6]في بيوتها و مقابرها و منابرها. و لو كان في العالم شي‏ء هو شرّ من [1]الخبر في عيون الأخبار 1/219-220، و ثمار القلوب (792) ، و لطائف المعارف 175.

[2]المويل: تصغير المال.

[3]بعدها في معجم البلدان 1/286: الأهواز: «أو دقّ أو جلّ» .

[4]في معجم البلدان: «فإذا نزعت فقد وجد في نفسه منها البراءة، إلا أن تعود لما يجتمع في بطنه من الأخلاط الرديئة» .

[5]في معجم البلدان: «من قبل التّخم و الإكثار من الأكل و إنما يؤتون من عين البلدة» .

[6]الجرارات: العقارب.

329

الأفعى و الجرّارة، لما قصّرت قصبة الأهواز عن توليده و تلقيحه. و بليتها أنّها من ورائها سباخ‏[1]و مناقع مياه غليظة و فيها أنهار تشقها تسايل كنفهم، و مياه أمطارهم و متوضّآتهم.

فإذا طلعت الشّمس فطال مقامها، و طالت مقابلتها لذلك الجبل، قبل بالصّخرية التي فيه تلك الجرّارات. فإذا امتلأت يبسا و حرارة، و عادت جمرة واحدة، قذفت ما قبلت من ذلك عليهم.

و قد تحدث تلك السّباخ و تلك الأنهار بخارا فاسدا، فإذا التقى عليهم ما تحدث السّباخ و ما قذفه ذلك الجبل، فسد الهواء. و بفساد الهواء يفسد كلّ شي‏ء يشتمل عليه ذلك الهواء.

و حدّثني إبراهيم بن عباس بن محمد بن منصور، عن مشيخة من أهل الأهواز، عن القوابل، أنهنّ ربّما قبلن‏[2]الطّفل المولود، فيجدنه في تلك السّاعة محموما.

يعرفن ذلك و يتحدّثن به.

1050-[عيون فراخ الحيات و الخطاطيف‏]

قال: و يعرض لفراخ الحيّات مثل الذي يعرض لفراخ الخطاطيف؛ فإنّ نازعا لو نزع عيون فراخ الخطاطيف، و فراخ الحيّات، لعادت بصيرة.

1051-[مفارقة السلحفاة و الرق و الضفدع للماء]

و زعم أنّ السّلحفاة و الرّقّ، و الضّفدع، ممّا لا بدّ له من التنفّس، و لا بدّ لها من مفارقة الماء، و أنّها تبيض و تكتسب الطعم و هي خارجة من الماء، و ذلك للنّسب الذي بينها و بين الضّب، و إن كان هذا برّيّا و هذا بحريّا.

1052-[شبه بعض الحيوان البري بنظيره من البحري‏]

و يزعمون أنّ ما كان في البرّ من الضبّ و الورل و الحرباء، و الحلكاء، و شحمة الأرض، و الوزغ و العظاء[3]مثل الذي في البحر من السّلحفاة و الرّقّ، و التّمساح، [1]سباخ: جمع سبخة، و هي الأرض تعلوها ملوحة. (القاموس: سبخ) .

[2]قبلت القابلة الولد: تلقته عند خروجه. (القاموس: قبل) .

[3]الورل و الضب و الحرباء و شحمة الأرض و الوزغ، كلها متناسبة في الخلق. حياة الحيوان 2/418 (الورل) .

330

و الضّفدع، و أنّ تلك الأجناس البرّية و إن اختلفت في أمورها، فإنّها قد تتشابه في أمور، و أنّ هذه الأجناس البحرية من تلك، ككلب الماء من كلب الأرض.

1053-[صبر بعض الحيوان عن الطعم‏]

و قد زعم صاحب المنطق أنّ الحيّة و سامّ أبرص من العظاء، و التّمساح، تسكن في أعشّتها الأربعة أشهر الشديدة البرد، لا تطعم شيئا، و أنّ سائر الحيّات تسكن بطن الأرض. فأمّا الأفاعي فإنّها تسكن في صدوع الصّخر.

و ليس لشي‏ء من الحيوان من الصّبر عن الطّعم ما لهذه الأجناس. و إنّ الفيل ليناسبها من وجهين: أحدهما من طول العمر، فإنّ منها ما قد عاش أربعمائة سنة.

و الوجه الآخر أنّ الفيلة مائيّة و هذه الأجناس مائيّة و إن كان بعضها لا يسكن الماء.

1054-[داهية الغبر]

قال: و سمعت يونس بن حبيب يقول‏[1]: «داهية الغبر» قال‏[2]: و قيل ذلك لأنها ربّما سكنت بقرب ماء، إمّا غدير و إما عين، فتحمي ذلك الموضع. و ربما غبر ذلك الماء في المنقع حينا و قد حمته. و قال الكذّاب الحرمازيّ‏[3]: [من الرجز]

يا ابن المعلّى نزلت إحدى الكبر # داهية الدّهر و صمّاء الغبر

قال: و سأل الحكم بن مروان بن زنباع، عن بني عبد اللّه بن غطفان، قال: أفعى إن أيقظتها لسعتك، و إن تركتها لم تضرك.

1055-[نادرة تتعلق بالحيات‏]

و ذكر عن سعيد بن صخر قال: نهش رجل من أهل البادية كثير المال، فأشفى على الموت، فأتاهم رجل فقال: أنا أرقيه، فما تعطوني؟فشارطوه على ثلاثين درهما، فرقاه و سقاه أشياء ببعض الأخلاط، فلمّا أفاق قال الرّاقي و المداوي: حقي! قال الملدوغ: و ما حقه، قالوا: ثلاثون درهما. قال أعطيه من مالي ثلاثين درهما في نفثات نفثها، و حمض سقاه!لا تعطوه شيئا! [1]من الأمثال قولهم «إنه لداهية الغبر» و هو في مجمع الأمثال 1/44، و جمهرة الأمثال 1/450، و المستقصى 1/421، و فصل المقال 141، و أمثال ابن سلام 99، و الغبر: عين ماء بعينه تألفه الحيات.

[2]ورد القول في أساس البلاغة «غبر» .

[3]الرجز في مصادر المثل السابق، و اللسان و التاج و أساس البلاغة (غبر) .

331

1056-[حديث سكر الشطرنجي‏]

و حدّثني بعض أصحابنا عن سكّر الشّطرنجيّ، و كان أحمق القاصّين، و أحذقهم بلعب الشّطرنج، و سألته عن خرق كان في خرمة[1]أنفه فقلت له: ما كان هذا الخرق؟فذكر أنّه خرج إلى جبّل‏[2]يتكسّب بالشّطرنج، فقدم البلدة و ليس معه إلاّ درهم واحد، و ليس يدري أ ينجح أم يخفق، و يجد صاحبه الذي اعتمده أم لا يجده؟ فورد على حوّاء[3]و بين يديه جون‏[4]عظام فيها حيات جليلة.

و الحيّة إذا عضّت لم تكن غايتها النّهش أو العضّ، و أن ترضى بالنّهش، و لكنّها لا تعضّ إلاّ للأكل و الابتلاع. و ربّما كانت الحيّات عظاما جدّا و لا سموم لها، و لا تعقر بالعضّ، كحيات الجولان.

و في البادية حيّة يقال لها الحفّاث، و الحفّاث من الحيّات تأكل الفأر و أشباه الفأر، و لها وعيد منكر، و نفخ و إظهار للصّولة، و ليس وراء ذلك شي‏ء. و الجاهل ربّما مات من الفزع منها. و ربّما جمعت الحيّة السّمّ و شدّة الجرح، و العضّ و الابتلاع، و حطم العظم.

فوقف سكّر على الحوّاء و قد أخرج من جونته أعظم حيّات في الأرض، و ادّعى نفوذ الرّقية و جودة التّرياق، فقال له سكّر: خذ منّي هذا الدّرهم، و ارقني رقية لا تضرّني معها حيّة أبدا!قال: فإنّي أفعل. قال: فأرسل قبل ذلك حيّة، حتّى ترقيني بعد أن تعضّني، فإن أفقت علمت أنّ رقيتك صحيحة. قال: فإنّي أفعل، فاختر أيّتهنّ شئت. فأشار إلى واحدة ممّا تعضّ للأكل دون السّمّ، فقال: دع هذه، فإنّ هذه إن قبضت على لحمك لم تفارقك حتى تقطعك!قال: فإنّي لا أريد غيرها. و ظنّ أنّه إنّما زواها عنه لفضيلة فيها. قال: أمّا إذ أبيت إلاّ هذه فاختر موضعا من جسدك حتّى أرسلها عليه. فاختار أنفه، فناشده و خوّفه، فأبى إلاّ ذلك أو يردّ عليه درهمه. فأخذها الحوّاء و طواها على يده، كي لا يدعها تنكز[5]فتقطع أنفه من أصله. ثمّ أرسلها عليه. فلما أنشبت أحد نابيها في شقّ أنفه صرخ عليه صرخة جمعت عليه أهل تلك [1]الخرمة: موضع الخرم من الأنف. (القاموس: خرم) .

[2]جبّل: بلدة بين النعمانية و واسط في الجانب الشرقي. معجم البلدان 2/103.

[3]رجل حوّاء و حاو: يجمع الحيات. (اللسان: حوا) .

[4]جون: جمع جونة، و هي سليلة «تصغير سلة» مغشاة أدما تكون مع العطارين. (القاموس: جون) .

[5]نكزت الحية: لسعت بأنفها. (القاموس: نكز) .

332

البلدة، ثمّ غشي عليه، فأخذ الحوّاء فوضع في السّجن، و قتلوا تلك الحيّات، و تركوه حتّى أفاق كأنّه أجنّ الخلق، فتطوّعوا بحمله فحملوه مع المكاري‏[1]، و ردّوه إلى البصرة، و بقي أثر نابها في أنفه إلى أن مات.

1057-[أظلم من حية]

قال: و أشياء من الحشرات لا تتخذ لنفسها و لا لبيضها و لا أولادها بيوتا، بل تظلم كلّ ذي جحر جحره، فتخرجه منه، أو تأكله إنّ ثبت لها.

و العرب تقول للمسي‏ء: «أظلم من حيّة» لأنّ، الحيّة لا تتّخذ لنفسها بيتا. و كلّ بيت قصدت نحوه هرب أهله منه. و أخلوه لها.

1058-[الورل و الحية]

و الورل يقوى على الحيّات و يأكلها أكلا ذريعا. و كلّ شدّة يلقاها ذو جحر منها فهي تلقى مثل ذلك من الورل. و الورل ألطف جرما من الضّبّ.

و زعم أنّهم يقولون: «أظلم من ورل» [2]كما يقولون: «أظلم من حيّة» [3]، و كما يقولون: «أظلم من ذئب» [4]و يقولون: «من استرعى الذّئب ظلم» [5].

1059-[الورل و الضبّ‏]

و براثن الورل أقوى من براثن الضّبّ. و الضّباب تحفر جحرتها في الكدى‏[6].

و الورل لا يحفر لنفسه بل يخرج الضّبّ من بيته. فتزعم الأعراب أنّه إنما صار لا يحفر لنفسه إبقاء على براثنه. و يمنع الحيّة أن تحفر بيتها أنّ أسنانها أكلّ من أسنان الفأر و من التي تحفر بالأفواه و الأيدي، كالنمل و الذّرّ و ما أشبه ذلك. و الحيّة لا ترى أن تعاني ذلك، و حفر غيرها و معاناته يكفيها.

[1]المكاري: من يكري الناس دابته، أي يؤجرها. (انظر القاموس: كرى) .

[2]مجمع الأمثال 1/445، و جمهرة الأمثال 2/30، و المستقصى 1/234.

[3]مجمع الأمثال 1/445، و جمهرة الأمثال 2/29، و المستقصى 1/232 و فصل المقال 492.

[4]مجمع الأمثال 1/446، و جمهرة الأمثال 2/30، و المستقصى 1/234.

[5]مجمع الأمثال 2/302، و جمهرة الأمثال 2/265، و المستقصى 2/352، و أمثال ابن سلام 294، و الفاخر 265، و الدرة الفاخرة 1/294.

[6]الكدى: جمع كدية، و هي الأرض الصلبة. (القاموس: كدي) .

333

1060-[شعر في ظلم الحية]

و في ضرب المثل بظلم الحيّة، يقول مضرّس بن لقيط[1]: [من الطويل‏]

لعمرك إنّي لو أخاصم حيّة # إلى فقعس ما أنصفتني فقعس

إذا قلت مات الدّاء بيني و بينهم # سعى حاطب منهم لآخر يقبس

فما لكم طلسا إليّ كأنّكم # ذئاب الغضا و الذّئب بالليل أطلس‏[2]

و جعله أطلس؛ لأنّه حين تشتدّ ظلمة اللّيل فهو أخفى له، و يكون حينئذ أخبث له و أضرى.

و قال حريز بن نشبة العدويّ، لبني جعفر بن كلاب، و ضرب جور الحيّة و الذّئب في الحكم مثلا، فقال‏[3]: [من البسيط]

كأنّني حين أحبو جعفرا مدحي # أسقيهم طرق ماء غير مشروب‏[4]

و لو أخاصم أفعى نابها لثق # أو الأساود من صمّ الأهاضيب‏[5]

لكنتم معها إلبا، و كان لها # ناب بأسفل ساق أو بعرقوب‏[6]

و لو أخاصم ذئبا في أكيلته # لجاءني جمعكم يسعى مع الذّئب‏[7]

1061-[فم الأفعى‏]

قال: و الحيّة واسعة الشّحو و الفم، لها خطم، و لذلك ينفذ نابها. و كذلك كلّ ذي فم واسع الشّحو، كفم الأسد. فإذا اجتمع له سعة الشّحو و طول اللّحيين، و كان ذا خطم و خرطوم فهو أشدّ له؛ كالخنزير، و الذّئب و الكلب. و لو كان لرأس الحيّة عظم كان أشدّ لعضّتها، و لكنّه جلد قد أطبق على عظمين رقيقين مستطيلين بفكّها الأعلى و الأسفل. و لذلك إذا أهوى الرّجل بحجر أو عصى، رأيتها تلوّي رأسها و تحتال [1]الأبيات للأسدي في البيان 2/160، و لعامر بن لقيط الأسدي في حماسة البحتري 380، و محاضرات الراغب 1/174.

[2]الأطلس: و هو الذي في لونه غبرة إلى سواد. (القاموس: طلس) .

[3]ورد البيتان الثاني و الرابع في البيان 2/160 مع نسبتهما إلى الفزاري.

[4]ماء طرق: بالت فيه الإبل و بعرت. (القاموس: طرق) .

[5]لثق: مبتل. (القاموس: لثق) .

[6]ألب القوم إليه: أتوه من كل جانب، و انضم بعضهم إلى بعض. (القاموس: ألب) .

[7]الأكيلة: شاة تنصب ليصاد بها الذئب و نحوه؛ و هي قبيحة. (القاموس: أكل) . ـ

334

في ذلك، و تمنعه بكلّ حيلة، لأنّها تعلم و تحسّ بضعف ذلك الموضع منها، و هو مقتل. و ما أكثر ما يكون في أعناقها تخصير[1]، و لتندورها أغباب‏[2]، و ذلك في الأفاعي أعمّ. و ذلك الموضع المستدقّ‏[1]إنّما هو شي‏ء كهيئة الخريطة، و كهيئة فم الجراب، منضمّ الأثناء، مثنّى الغضون. فإذا شئت أن تفتح انفتح لك فم واسع.

و لذلك قال إبراهيم بن هانئ: كان فتح فم الجراب يحتاج إلى ثلاثة أيد، و لو لا أنّ الحمالين قد جعلوا أفواههم بدل اليد الثّالثة لقد كان ذلك ممتنعا حتّى يستعينوا بيد إنسان.

و هذا ممّا يعدّ في مجون ابن هانئ.

و كذلك حلوق الحيّات و أعناقها و صدورها، قد تراها فتراها في العين دقيقة، و لا سيّما إذا أفرطت في الطّول.

1062-[شراهة الحية و الأسد]

و هي تبتلع فراخ الحمام. و الحية أنهم و أشره من الأسد. و الأسد يبلع البضعة العظيمة من غير مضع، و ذلك لما فيه من فضل الشره. و كذلك الحيّة. و هما واثقان بسهولة وسعة المخرج.

1063-[تنّين أنطاكية]

و ممّا عظّمها و زاد في فزع النّاس منها، الذي يرويه أهل الشام، و أهل البحرين، و أهل أنطاكية، و ذلك أنّي رأيت الثلث الأعلى من منارة مسجد أنطاكية أظهر جدّة من الثلثين الأسفلين، فقلت لهم: ما بال هذا الثلث الأعلى أجدّ و أطرى؟قالوا: لأنّ تنّينا[3]ترفّع من بحرنا هذا، فكان لا يمرّ بشي‏ء إلاّ أهلكه، فمرّ على المدينة في الهواء، محاذيا لرأس هذه المنارة، و كان أعلى ممّا هي عليه، فضربه بذنبه ضربة، حذفت من الجميع أكثر من هذا المقدار، فأعادوه بعد ذلك، و لذلك اختلف في المنظر.

و لم يزل أهل البقاع يتدافعون أمر التّنّين. و من العجب أنّك تكون في مجلس [1]تخصير: دقّة.

[2]أغباب: جمع غبب، و هو اللحم المتدلي تحت الحنك. (القاموس: غبب) .

[3]التنين: ضرب من الحيات كأكبر ما يكون منها، و طوله نحو فرسخين. حياة الحيوان 1/233.

335

و فيه عشرون رجلا، فيجري ذكر التّنّين فينكره بعضهم. و أصحاب التثبت يدّعون العيان. و الموضع قريب، و من يعاينه كثير. و هذا اختلاف شديد.

1064-[الحية الأصلة]

و الأعراب تقول في الأصلة قولا عجيبا: تزعم أنّ الحيّة التي يقال لها الأصلة لا تمرّ بشي‏ء إلاّ احترق. مع تهاويل كثيرة، و أحاديث شنيعة.

1065-[الأجدهاني‏]

و تزعم الفرس أنّ الأجدهاني أعظم من البعير، و أنّ لها سبعة رءوس، و ربّما لقيت ناسا فتبتلع من كلّ جهة فم و رأس إنسانا. و هو من أحاديث الباعة و العجائز.

1066-[الحية ذات الرأسين‏]

و قد زعم صاحب المنطق أنّه قد ظهرت حيّة لها رأسان. فسألت أعرابيّا عن ذلك فزعم أنّ ذلك حقّ. فقلت له: فمن أي جهة الرّأسين تسعى؟و من أيّهما تأكل و تعضّ؟فقال: فأمّا السّعي فلا تسعى، و لكنّها تسعى إلى حاجتها بالتقلب، كما يتقلّب الصّبيان على الرّمل. و أمّا الأكل فإنها تتعشى بفم و تتغدّى بفم. و أمّا العضّ فإنها تعضّ برأسيها معا!!فإذا به أكذب البريّة. و هذه الأحاديث كلها، ممّا يزيد في الرعب منها، و الاستهالة لمنظرها.

1067-[فرانق الأسد]

و مثل شأن التّنّين مثل أمر فرانق‏[1]الأسد، فإنّ ذكره يجري في المجلس، فيقول بعضهم: أنا رأيته و سمعته!

1068-[فزع الناس من الحية]

و ربما زاد في الرعب منها و الاستهالة لمنظرها قول جميع المحدّثين: إنّ من أعظم ما خلق اللّه الحية و السّرطان و السّمك!

1069-[طول عمر الحية]

و تقول الأعراب: إنّ الحية أطول عمرا من النّسر، و إن الناس لم يجدوا حية قطّ ماتت حتف أنفها، و إنما تموت بالأمر يعرض لها. و ذلك لأمور؛ منها قولهم: إنّ فيها شياطين، و إنّ فيها من مسخ، و إنّ إبليس إنما وسوس إلى آدم و إلى حوّاء من جوفها.

[1]الفرانق: معرب بروانك. (القاموس: فرنق) .

336

و زعم لي الفضل بن إسحاق، أنه كان لأبيه نخّان‏[1]، و أنّ طول كلّ نخّ تسعة عشر ذراعا.

1070-[تخلّق القشور للحيات‏]

و من الحيّات الجرد و الزعر، و ذلك فيها من‏[الغالب‏][2].

و منها ذوات شعر، و منها ذوات قرون. و إنّما يتخلق لها في كلّ عام قشر و غلاف [فهي تسلخ القشور الناعمة و الغلف، التي على مقادير أجسادها، و إنما يستدل بالقشور، فأما الجلود فإن أبدانها لا تفارقها إلا بسلخ السكين‏][3].

1071-[تقشر جلد الإنسان‏]

و أمّا الجلود فإنّ الأرمينيّ زعم أنه كان عندهم رجل ينقشر من جلده و ينسلخ في كلّ شهر مرّة. قال فجمع ذلك فوجد فيه مل‏ء جراب أو قال: أكثر.

1072-[علة الفزع من الحية]

و أمّا الذي لا أشك في أنه قد زاد في أقدارها في النفوس، و عظّم من أخطارها، و هوّل من أمرها، و نبّه على ما فيها من الآية العجيبة و البرهان النيّر، و الحجّة الظاهرة، فما في قلب العصا حيّة، و في ابتلاعها ما هوّل به القوم و سحروا من أعين النّاس، و جاءوا به من الإفك. قال اللّه عزّ و جلّ: وَ قََالَ مُوسى‏ََ يََا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ `حَقِيقٌ عَلى‏ََ أَنْ لاََ أَقُولَ عَلَى اَللََّهِ إِلاَّ اَلْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرََائِيلَ `قََالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهََا إِنْ كُنْتَ مِنَ اَلصََّادِقِينَ. `فَأَلْقى‏ََ عَصََاهُ فَإِذََا هِيَ ثُعْبََانٌ مُبِينٌ [4]، إلى قوله: فَأَلْقَوْا حِبََالَهُمْ وَ عِصِيَّهُمْ [5].

فإن قلت: إنه إنما حوّل العصا ثعبانا لأنهم جاءوا بحبال و عصيّ؛ فحوّلوها في أعين الناس كلها حيّات، فلذلك قلب الله العصا حية على هذه المعارضة. و لو كانوا [1]النّخّ: بساط طويل. (القاموس: نخخ) .

[2]الإضافة من حياة الحيوان 392/1، و فيه: (و من أنواعها: الأزعر و هو غالب فيها، و منها ما هو أزبّ ذو شعر، و منها ذوات القرون و أرسطو ينكر ذلك) .

[3]ما بين القوسين زيادة من ثمار القلوب (630) ، و قد نقله الثعالبي عن الجاحظ، و في الأصل «فأما مقادير أجسامها فقط» ، و هي كلمات لا تفيد معنى.

[4]الأعراف: 104-107.

[5]الشعراء: 44.

337

حين سحروا أعين الناس جعلوا حبالهم و عصيّهم ذئابا في أعين الناس و نمورا، لجعل اللّه عصا موسى ذئبا أو نمرا، فلم يكن ذلك لخاصّة في بدن الحية.

قلنا: الدّليل على باطل ما قلتم، قول اللّه تعالى: وَ مََا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يََا مُوسى‏ََ.

قََالَ هِيَ عَصََايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْهََا وَ أَهُشُّ بِهََا عَلى‏ََ غَنَمِي وَ لِيَ فِيهََا مَآرِبُ أُخْرى‏ََ `قََالَ أَلْقِهََا يََا مُوسى‏ََ `فَأَلْقََاهََا فَإِذََا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى‏ََ [1]و قال اللّه عزّ و جلّ: إِذْ قََالَ مُوسى‏ََ لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نََاراً [2]إلى قوله: وَ أَلْقِ عَصََاكَ فَلَمََّا رَآهََا تَهْتَزُّ كَأَنَّهََا جَانٌّ وَلََّى مُدْبِراً وَ لَمْ يُعَقِّبْ يََا مُوسى‏ََ لاََ تَخَفْ إِنِّي لاََ يَخََافُ لَدَيَّ اَلْمُرْسَلُونَ [3]فقلبت العصا جانّا، و ليس هناك حبال و لا عصيّ. و قال اللّه: قََالَ لَئِنِ اِتَّخَذْتَ إِلََهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ اَلْمَسْجُونِينَ `قََالَ أَ وَ لَوْ جِئْتُكَ بِشَيْ‏ءٍ مُبِينٍ `قََالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ اَلصََّادِقِينَ `فَأَلْقى‏ََ عَصََاهُ فَإِذََا هِيَ ثُعْبََانٌ مُبِينٌ [4]فقلب العصا حيّة كان في حالات شتّى. فكان هذا ممّا زاد في قدر الحية.

و قد ورد أنه صلى اللّه عليه و سلم قال في دعائه أن لا يميته اللّه لديغا[5]. و تأويل ذلك: أنّه صلى اللّه عليه و سلم ما استعاذ باللّه من أن يموت لديغا، و أن تكون ميتته بأكل هذا العدوّ، إلا و هو من أعداء اللّه، بل من أشدّهم عداوة.

و قال النبيّ صلى اللّه عليه و سلم: «أشدّ النّاس عذابا بوم القيامة من قتل نبيّا أو قتله نبيّ» كأنّه كان في المعلوم أنّ النبيّ لا يقتل أحدا، و لا يتّفق ذلك إلاّ في أشرار الخلق. و يدلّ على ذلك، الذي اتّفق من قتل أبيّ بن خلف بيده، و النّضر بن الحارث، و عقبة بن أبي معيط، و معاوية بن المغيرة بن أبي العاصي-صبرا[6].

و حدّثت عن عبد اللّه بن أبي هند، قال: حدّثني صيفي بن أبي أيّوب، أنه سمع أبا بشير الأنصاريّ يقول: «كان رسول صلى اللّه عليه و سلم يتعوّذ من هؤلاء السّبع: كان يقول:

اللهمّ إني أعوذ بك من الهدم‏[7]و أعوذ بك من التردّي، و أعوذ بك من الغمّ [1]طه: 18.

[2]النمل: 7.

[3]النمل: 10.

[4]الشعراء: 29-32.

[5]في النهاية 4/245 (أعوذ بك أن أموت لديغا) .

[6]قتله صبرا: حبسه و رماه حتى مات (القاموس: صبر) .

[7]في النهاية 5/252 «أنه كان يتعوذ من الأهدمين» هو أن ينهار عليه بناء، أو يقع في بئر أو أهوية.

338

و الغرق‏[1]، و أعوذ بك من الحرق و الهرم، و أعوذ بك أن يتخبّطني الشّيطان عند الموت و أعوذ بك من أن أموت في سبيلك مدبرا، و أعوذ بك من أن أموت لديغا» [2].

و طلحة بن عمرو قال: حدثني عطاء أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم كان يقول: «اللّهمّ إني أعوذ بك من الأسد و الأسود، و أعوذ بك من الهدم» [3].

1073-[استطراد لغوي‏]

قال: و يقال للحيّة: صفرت تصفر صفيرا، و الرجل يصفر بالطير للتنفير، و بالدوابّ و ببعض الطير للتعليم. و تتخذ الصّفّارة يصفر بها للحمام و للطير في المزارع. قال أعشى همدان يهجو رجلا: [من الكامل‏]

و إذا جثا للزّرع يوم حصاده # قطع النّهار تأوّها و صفيرا

1074-[لسان الحية]

و الحيّة مشقوقة اللسان سوداؤه. و زعم بعضهم أن لبعض الحيّات لسانين. و هذا عندي غلط، و أظنّ أنّه لما رأى افتراق طرف اللسان قضى بأنّ له لسانين.

1075-[عجيبة للضب‏]

و يقال: إن للضّبّ أيرين، و يسمّى أير الضّبّ نزكا. قال الشاعر[4]: [من الطويل‏]

كضبّ له نزكان كانا فضيلة # على كلّ حاف في الأنام و ناعل‏[5]

قال أبو خلف النمريّ: سئل أبو حيّة النميري عن أير الضّبّ، فزعم أنّ أير الضّب كلسان الحيّة: الأصل واحد، الفرع اثنان.

[1]رواه السيوطي في الجامع الصغير 1541 رواية عن النسائي و الحاكم.

[2]النهاية 4/245.

[3]في حياة الحيوان 1/38 «الأسود السالخ» : (روى أبو داود و النسائي و الحاكم و صححه عن عبد اللّه بن عمر قال: «كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إذا سافر فأقبل الليل قال: يا أرض، ربي و ربك اللّه، أعوذ باللّه من شرك، و شر ما فيك، و شر ما خلق فيك، و شر ما يدب عليك، أعوذ باللّه من أسد و أسود، و من الحية و العقرب.. » . و الأسود نوع من الأفعوان شديد السواد، سمي بذلك لأنه يسلخ جلده كل عام.

[4]البيت لحمران ذي الغصة في اللسان و التاج (نزك) ، و التهذيب 10/101، 15/109، و بلا نسبة في الجمهرة 825، و اللسان و التاج (سبحل) ، و المقاييس 5/416، و أساس البلاغة (نزك) ، و عيون الأخبار 2/98، و المخصص 8/97، و محاضرات الأدباء 2/303، و ربيع الأبرار 5/469.

[5]الناعل: من لبس نعلا.

339

1076-[عقاب الحية في زعم المفسرين‏]

و بعض أصحاب التفسير يزعم أنّ اللّه عاقب الحيّة حين أدخلت إبليس في جوفها، حتى كلّم آدم و حوّاء و خدعهما على لسانها، ببشر خصال: منها شقّ اللسان.

قالوا: فلذلك ترى الحيّة إذا ضربت للقتل كيف تخرج لسانها لتري الضّارب عقوبة اللّه، كأنها تسترحم. و صاحب هذا التفسير لم يقل ذلك إلاّ لحيّة كانت عنده تتكلم، و لو لا ذلك لأنكر آدم كلامها، و إن كان إبليس لا يحتال إلاّ من جهة الحيّة، و لا يحتال بشي‏ء غير مموّه و لا مشبّه.

1077-[استطراد لغوي‏]

قال: و يقال: أرض محواة و محياة من الحيّات، كما يقال أرض مضبّة و ضببة من الضّباب، و فائرة من الفأر.

1078-[هذا أجل من الحرش‏]

و قال الأصمعيّ في تفسير قولهم في المثل: «هذا أجلّ من الحرش» [1]: إنّ الضّبّ قال لابنه: إذا سمعت صوت الحرش فلا تخرجنّ!قال: و ذلك أنّهم يزعمون أن الحرش تحريك اليد عند جحر الضّبّ، ليخرج إذا ظنّ أنه حية-قال: و سمع ابنه صوت الحفر فقال: يا أبه هذا الحرش؟قال: يا بنيّ، هذا أجلّ من الحرش!فأرسلها مثلا.

1079-[الحيوانات التي تأكل الحيات‏]

بين الحيات و بين الخنازير عداوة، و الخنازير تأكلها أكلا ذريعا. و سموم ذوات الأنياب من الحيّات، و ذوات الإبر، سريعة في الخنازير، و هي تهلك عند ذلك هلاكا وشيكا، فلذلك لا ترضى بقتلها حتى تأكلها. و تأكل الحيّات العقبان، و الأيائل، و الأراويّ، و الأوعال، و السّنانير و الشّاه‏مرك‏[2]، و القنفذ. إلاّ أن القنفذ أكثر ما يقصد إلى الأفاعي، و إنما يظهر بالليل. قال الرّاجز: [من الرجز]

قنفذ ليل دائم التّجآب‏

و هذا الراجز هو أبو محمد الفقعسيّ.

[1]المثل في مجمع الأمثال 1/186، و جمهرة الأمثال 1/298، 332، و المستقصى 1/50، 384، و الفاخر 242، 289، و فصل المقال 471، و أمثال ابن سلام 342، و الدرة الفاخرة 1/118.

[2]الشاه‏مرك: الفتي من الدجاج، و هو معرب «الشاه‏مرغ » . و معناه ملك الدجاج. حياة الحيوان 1/594.

340

1080-[القول في القنفذ]

و كذلك يشبه النّمّام، و المداخل، و الدّسيس، بالقنفذ، لخروجه بالليل دون النهار، و لاحتياله للأفاعي. قال عبدة بن الطبيب‏[1]: [من الكامل‏]

اعصوا الذي يلقي القنافذ بينكم # متنصّحا و هو السّمام الأنقع

يزجي عقاربه ليبعث بينكم # حربا كما بعث العروق الأخدع‏[2]

حرّان لا يشفي غليل فؤاده # عسل بماء في الإناء مشعشع‏[3]

لا تأمنوا قوما يشب صبيهم # بين القوابل بالعداوة ينشع‏[4]

و هذا البيت الآخر يضم إلى قول مجنون بني عامر[5]: [من الطويل‏]

أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى # فصادف قلبا خاليا فتمكنا

و يضم إليه قول ابن أود: «الطينة تقبل الطبائع ما كانت ليّنة» .

ثم قال عبدة بن الطّبيب‏[6]، في صلة الأبيات التي ذكر فيها القنفذ و النّميمة:

[من الكامل‏]

إنّ الذين ترونهم خلاّنكم # يشفي صداع رءوسهم أن تصرعوا

قوم إذا دمس الظّلام عليهم # جذعوا قنافذ بالنميمة تمزع‏

و هذا الشعر من غرر الأشعار. و هو ممّا يحفظ.

و قال الأوديّ‏[7]: [من البسيط]

كقنفذ القنّ لا تخفى مدارجه # خبّ إذا نام عنه الناس لم ينم‏[8]

[1]ديوان عبدة بن الطبيب 47، و شرح اختيارات المفضل 693؛ و حماسة البحتري 240.

[2]في ديوانه: يزجي: يسوق و يدفع، و الأخدعان: عرقا الرقبة.

[3]في ديوانه: شعشع العسل بالماء: خلطه.

[4]القوابل: جمع قابلة، و هي التي تتلقى الولد وقت الولادة. ينشع بالعداوة: أي توضع في فمه ليشربها.

[5]البيت لمجنون ليلى في ديوانه 282، و البيان 2/42، و ليزيد بن الطثرية في ديوانه 109، و الحماسة الشجرية، و لعمر بن أبي ربيعة في عيون الأخبار 3/9.

[6]البيتان في المفضليات 147، و حماسة البحتري 155.

[7]ديوان الأفوه الأودي 24، و هو لأيمن بن خريم في ديوان المعاني 2/144.

[8]القن، بالكسر، قرية في ديار فزارة، و بالضم، جبل من جبال أجإ عند ذي الجليل واد. (معجم البلدان 4/408) . الخب: الخداع.

341

و في عهد آل سجستان على العرب حين افتتحوها[1]: لا تقتلوا قنفذا و لا ورلا و لا تصيدوا، لأنها بلاد أفاع. و أكثر ما يجتلب أصحاب صنعة الترياق و الحواءون الأفاعي من سجستان. و ذلك كسب لهم و حرفة و متجر. و لو لا كثرة قنافذها لما كان لهم بها قرار.

و القنفذ لا يبالي أيّ موضع قبض من الأفعى. و ذلك أنه إن قبض على رأسها أو على قفاها فهي مأكولة على أسهل الوجوه، و إن قبض على وسطها أو على ذنبها، جذب ما قبض عليه، فاستدار و تجمّع، و منحه سائر بدنه، فمتى فتحت فاها لتقبض على شي‏ء منه، لم تصل إلى جلده مع شوكه النّابت فيه. و الأفعى تهرب منه، و طلبه لها و جراءته عليها، على حسب هربها منه و ضعفها عنه.

1081-[أمثال في الحية و الورل و الضّبّ‏]

و أمّا قولهم: «أضل من حيّة» ؛ و «أضلّ من ورل» ؛ [2]و «أضلّ من ضبّ» [2].

فأمّا الحيّة فإنّها لا تتّخذ لنفسها بيتا، و الذّكر لا يقيم في الموضع، و إنما يقيم على بيضها بقدر ما تخرج فراخها و تقوى على الكسب و التماس الطعم، ثمّ تصير الأنثى سيّارة، فمتى وجدت جحرا دخلت واثقة بأنّ السّاكن فيه بين أمرين: إمّا أقام فصار طعما لها، و إمّا هرب فصار البيت لها ما أقامت فيه ساعة، كان ذلك من ليل أو نهار.

1082-[بيض الحيات و جسمها]

و قد رأيت بيض الحيّات و كسرتها لأتعرّف ما فيها. فإذا هو بيض مستطيل أكدر اللون أخضر، و في بعضه نمش‏[3]و لمع‏[4]. فأمّا داخله فلم أر قيحا قطّ، و لا صديدا خرج من جرح فاسد، إلاّ و الّذي في بيضها أسمج منه و أقذر. و يزعمون أنها كثيرة البيض جدّا، و أنّ السلامة في بيضها على دون ذلك، و أنّ بيضها يكون منضّدا في جوفها طولا على غرار واحد، و على خيط واحد.

و هي طويلة البطن و الأرحام. و عدد أضلاعها عدد أيام الشهر. و كان ذلك بعض ما زاد في شدّة بدنها.

[1]مروج الذهب 1/235، و عيون الأخبار 1/220، و ثمار القلوب (626) ، و كان ذلك سنة 81 هـ.

[2]مجمع الأمثال 1/426، و المستقصى 1/218، و فصل المقال 163، و جمهرة الأمثال 2/11، و الدرة الفاخرة 1/288.

[3]النمش: نقط بيض و سود، أو بقع تقع في الجلد تخالف لونه. (القاموس: نمش) .

[4]اللمع: كل لون خالف لونا. (القاموس: لمع) .

342

1083-[أكثر الحيوان نسلا]

و الخلق الكثير الذّرء[1]الدّجاج. و الضّبّ أكثر بيضا من الدّجاجة. و الخنزيرة تضع عشرين خنّوصا.

و يخرج من أجواف العقارب عقارب صغار، كثيرة العدد جدّا. و عامّة العقارب إذا حبلت كان حتفها في ولادها، لأنّ أولادها إذا استوى خلقها أكلت بطون الأمّهات حتّى تثقبها. و تكون الولادة من ذلك الثّقب، فتخرج و لأمهات ميّتة.

و أكثر من ذلك كله ذرء السّمك، لأنّ الإنسان لو زعم أنّ بيضة واحدة من بعض الأسبور عشرة آلاف بيضة، لكان ذلك لعظم ما تحمل، و لدقّة حبّه و صغره. و لكن يعتريها أمران: أحدهما الفساد، و الآخر أنّ الذكورة في أوان ولادة الإناث تتبع أذنابها، فكلّما زحرت بشي‏ء التقمته و التهمته.

ثمّ السّمك بعد ذلك في الجملة إنما طبعها أن يأكل بعضها بعضا.

1084-[علة كثرة الأولاد]

و يزعمون أن الكثرة في الأولاد إنّما تكون من العفن و اللّخن‏[2]، و على قدر كثرة المائيّة و قلّتها. فذهبوا إلى أنّ أرحام الرّوميّات و النّصرانيّات أكثر لخنا و رطوبة، لأنّ غسل الفروج بالماء البارد مرارا في اليوم، ممّا يطيّب الأرحام، و ينفي اللّخن‏[2] و العفن، و يزعمون أنّ المرأة إذا كان فرجها نظيفا، و كانت معطّرة قويّة المنّة[3]قلّ حملها، فإن أفرطت في السّمن عادت عاقرا. و سمان الرّجال لا يكاد يعتريهم ذلك.

و كذلك العاقر من إناث الإبل و البقر و الغنم و النّخل. إذا قويت النّخلة و كانت شابّة، و سمن جمّارها، صارت عاقرا لا تحمل، فيحتالون عند ذلك بإدخال الوهن عليها.

1085-[طعن في التعليل السابق‏]

و قد طعن في ذلك ناس فقالوا: إنّ في الضّبّ على خلاف ما ذكرتم. قد تبيض الأنثى سبعين بيضة فيها سبعون حسلا[4]. و لو لا أنّ الضّبّ يأكل ولده لانتفشت [1]الذرء: النسل. (القاموس: ذرأ) .

[2]اللخن: قبح ريح الفرج، و لخن: أنتن. (القاموس: لخن) .

[3]لعله الصواب: سريّة البنّة، أي طيبة الرائحة.

[4]الحسل: ولد الضب، و هو واضح من المعنى.

343

الصحارى ضبابا. و الضب لا يحفر إلاّ في كدية[1]و في بلاد العراد[2]. و إذا هرمت تبلّغت بالنّسيم. و هذا كله ممّا يستدلّ به على بعد طبعها من اللّخن و العفن.

و قيل لهم: قد يمكن أن يكون ذلك كذلك في جميع صفاتها إلاّ في أرحامها فقط.

1086-[سفاد الحيات‏]

و ليس للحيّات سفاد معروف ينتهي إليه علم، و يقف عليه عيان. و ليس عند الناس في ذلك إلاّ الذي يرون من ملاقاة الحيّة للحيّة، و التواء كلّ منهما على صاحبه، حتى كأنهما زوج خيزران مفتول، أو خلخال مفتول. فأمّا أن يقفوا على عضو يدخل أو فرج يدخل فيه فلا.

1087-[شعر في الأيم و الجرادة الذكر]

و العرب تذكر الحيّات بأسمائها و أجناسها. فإذا قالوا: أيم، فإنما يريدون الذّكر دون الأنثى. و يذكرونه عند جودة الانسياب، و خفّة البدن، كما تذكر الشّعراء في صفة الخيل الجرادة الذّكر، دون الأنثى. فهم و إن ألحقوا لها فإنما يريدون الذّكر. قال بشر بن أبي خازم‏[3]: [من الوافر]

جرادة هبوة فيها اصفرار

لأنّ الأنثى لا تكون صفراء، و إنما الموصوف بالصّفرة الذّكر، لأن الأنثى تكون بين حالتين: إمّا أنّ تكون حبلى ببيضها فهي مثقلة، و إمّا أن تكون قد سرأت‏[4] و قذفت بيضها، فهي أضعف ما تكون.

قال الشاعر[5]: [من الطويل‏]

أ تذهب سلمى في اللّمام و لا ترى # و في اللّيل أيم حيث شاء يسيب‏[6]

[1]الكدية: الأرض الصلبة الغليظة. (القاموس: كدي) .

[2]العراد: حشيش طيب الرائحة. (اللسان: عرد) .

[3]صدر البيت: (مهارشة العنان كأن فيها) و هو في ديوان بشر بن أبي خازم 74، و اللسان (عرر) ، و التهذيب 1/102، 6/79، و بلا نسبة في المخصص 16/115، و اللسان و أساس البلاغة (هرش) ، و التاج (عرر، هرش) .

[4]سرأت: باضت. (القاموس: سرأ) .

[5]البيت بلا نسبة في اللسان و التاج (سيب) .

[6]اللمام: اللقاء اليسير. سابت الحية تسيب: مضت مسرعة.

344

1088-[آثار الحيات و العظاء في الكثبان‏]

و إذا انسابت في الكثبان و الرّمل، يبين مواضع مزاحفها، و عرفت آثارها.

و قال آخر[1]: [من الوافر]

كأنّ مزاحف الحيّات فيها # قبيل الصّبح آثار السّياط

و كذلك يعرفون آثار العظاء. و أنشد ابن الأعرابيّ: [من الطويل‏]

بها ضرب أذناب العظاء كأنها # ملاعب ولدان تخطّ و تمصع‏[2]

و قال الآخر، و هو يصف حيّات‏[3]: [من المتقارب‏]

كأنّ مزاحفها أنسع # جررن فرادى و مثناتها

و قال ثمامة الكلبيّ‏[4]: [من الوافر]

كأنّ مزاحف الهزلى صباحا # خدود رصائع جدلت تؤاما

و الهزلى من الحيّات. قال جرير أو غيره‏[5]: [من الطويل‏]

و من ذات أصفاء سهوب كأنها # مزاحف هزلى بينها متباعد[6]

و قال بعض المحدثين، و ذكر حال البرامكة كيف كانت، و إلى أيّ شي‏ء صارت: [من الكامل‏]

و إذا نظرت إلى التّرى بعراصهم # قلت: الشجاع ثوى بها و الأرقم‏

و قال البعيث‏[7]: [من الطويل‏]

لقى حملته أمّة و هي ضيفة # فجاءت بيتن للضيافة أرشما[8]

[1]البيت للمتنخل الهذلي في شرح أشعار الهذليين 1273، و الشعر و الشعراء 2/664، و جمهرة اللغة 527، و اللسان (زحف) ، و بلا نسبة في أساس البلاغة (زحف) ، و المخصص 16/101.

[2]تمصع: تسرع. (القاموس: مصع) .

[3]نهاية الأرب 10/146، و الأنسع جمع نسع، بالكسر، و هو سير يصفر و يجعل زماما للبعير.

[4]البيت في أساس البلاغة (هزل) .

[5]البيت للّعين المنقري في الوحشيات 267، و بلا نسبة في اللسان (صوى) .

[6]الأصفاء: جمع صفا، و الصفا جمع صفاة، و هي الصخرة الملساء.

[7]البيت الأول للبعيث في التاج (رشم، يتن) ، و اللسان (ضيف، رشم، يتن) ، و لجرير في ذيل ديوانه 1041، و اللسان (نزر، لقا) ، و التاج (نزر) ، و العين 6/262، و بلا نسبة في المقاييس 2/396، 3/382، و المجمل 2/380، 3/298، و المخصص 3/66، 17/30، و ديوان الأدب 2/268، 3/209، و اللسان و التاج (نزل) ، و البيت الثاني للبعيث في اللسان و التاج (سمسم) .

[8]اللقى: الذي لا يدري ابن من هو، ضيفة: أي أن أمه دعيت إلى ضيافة، فحملت به، و هذه كناية الزنى. اليتن: من يخرج رجلاه عند الولادة قبل رأسه. الأرشم: من يتشمم الطعام.

345

مدامن جوعات كأنّ عروقه # مسارب حيّات تسرّبن سمسما[1]

1089-[أعجوبة جلد الحية]

[و ليس في الأرض قشر و لا ورقة][2]، و لا ثوب، و لا جناح، و لا ستر عنكبوت، إلا و قشر الحيّة أحسن منه و أرقّ، و أخفّ و أنعم، و أعجب صنعة و تركيبا.

و لذلك وصف كثيّر قميص ملك، فشبّهه بسلخ الحيّة، حيث يقول‏[3]: [من الطويل‏]

إذا ما أفاد المال أودى بفضله # حقوق، فكره العاذلات يوافقه

يجرّر سربالا عليه كأنّه # سب‏ء لهزلى لم تقطّع شرانقه‏[4]

و السّبي‏ء: السّلخ و الجلد. قال الشاعر[5]: [من الطويل‏]

و قد نصل الأظفار و انسبأ الجلد

1090-[صمم النعام و الأفعى‏]

و تزعم العرب أنّ النّعام و الأفعى صمّ لا تسمع، و كذلك هما من بين جميع الخلق. و سنذكر من ذلك في هذا الموضع طرفا، و نؤخر الباقي إلى الموضع الذي نذكر فيه جملة القول في النّعام.

و قد ابتلينا بضربين من الناس، و دعواهما كبيرة، أحدهما يبلغ من حبه للغرائب أن يجعل سمعه هدفا لتوليد الكذابين، و قلبه قرارا لغرائب الزّور. و لكلفه بالغريب، و شغفه بالطّرف، لا يقف على التّصحيح و التمييز، فهو يدخل الغثّ في السمين، و الممكن في الممتنع، و يتعلّق بأدنى سبب ثمّ يدفع عنه كلّ الدّفع.

و الصّنف الآخر، و هو أنّ بعضهم يرى أنّ ذلك لا يكون منه عند من يسمعه يتكلم إلا من خاف التقزّز من الكذب.

فزعم ناس أنّ الدّليل على أنّ الأفاعي صمّ، قول الشاعر: [من الرجز]

أنعت نضناضا من الحيّات # أصمّ لا يسمع للرّقاة[6]

[1]مدامن جوعات: مدمن جوع.

[2]الزيادة من ثمار القلوب (630) 340.

[3]البيتان لكثير عزة في ديوانه 308، و المعاني الكبير 673، و للراعي النميري في ديوانه 308.

[4]الهزلى: الحيات. (القاموس: هزل) .

[5]الشطر بلا نسبة في اللسان و التاج (سبأ) .

[6]النضناض: حية لا تستقر في مكان، أو إذا نهشت قتلت من ساعتها، أو التي أخرجت لسانها تحركه. (القاموس: نضض) . الرقاة: جمع راق.

346

قد ذكروا بالصّمم أجناسا من خبيثات الحيّات، و ذهبوا إلى امتناعها من الخروج عند رقية الرّاقي عند رأس الجحر، فقال بعضهم: [من الرجز]

و ذات قرنين من الأفاعي # صمّاء لا تسمع صوت الدّاعي‏

و يزعمون أنّ كلّ نضناض أفعى. و قال آخر[1]: [من المتقارب‏]

و من حنش لا يجيب الرّقا # ة أرقش ذي حمة كالرّشا[2]

أصمّ سميع طويل السّبا # ت منهرت الشدق عاري النسا[3]

فزعم أنّه أصمّ سميع، فجاز له أن يجعله أصمّ بقوله: «و من حنش لا يجيب الرّقاة» و قال الآخر[4]: [من السريع‏]

أصمّ أعمى لا يجيب الرّقى # يفترّ عن عصل حديدات‏[5]

و الأفعى ليس بأعمى، و عينه لا تنطبق، و إن قلعت عينه عادت. و هو قائم العين كعين الجرادة، كأنها مسمار مضروب. و لها بالليل شعاع خفيّ. قال الرّاعي يصف الأفعى: [من الطويل‏]

و يدني ذراعيه إذا ما تبادرا # إلى رأس صلّ قائم العين أسفع‏

و هذه صفة سليم الأفعى، فيجوز أن يكون الشاعر وصفها بالتمنع من الخروج بالصّمم، كما وصفها بالعمى، لمكان السّبات و طول الإطراق.

قال الشاعر[6]: [من المتقارب‏]

أصمّ سميع طويل السّبات # منهرت الشّدق عاري القرا

و قال آخر: [من السريع‏]

منهرت الشّدق رقود الضّحى # سار طمور بالدّجنّات‏[7]

[1]البيتان لأبي صفوان الأسدي في الحماسة البصرية 2/344، و أمالي القالي 2/238، و حماسة الخالديين 359.

[2]في الأمالي: (الحمة: سمه و ضره، و الرشاء: الحبل) .

[3]في الأمالي: (المنهرت: واسع مشق الشدق) .

[4]البيت بلا نسبة في اللسان و التاج (سبت) و التهذيب 12/388.

[5]الأعصل: الأعوج.

[6]تقدم شرح البيت في الحاشية قبل السابقة.

[7]الطمور: الوثوب. (القاموس: طمر) .

347

و تارة تحسبه ميّتا # من طول إطراق و إخبات‏[1]

يسبته الصّبح و طورا له # نفخ و نفث في المغارات‏

و يعلم أنّه وصف أفعى بقوله: [من السريع‏]

أصمّ أعمى لا يجيب الرّقى # يفترّ عن عصل حديدات

منهرت الشّدق رقود الضّحى‏

«الخ» ثم ذكر أنيابه، فقال:

قدّمن عن ضرسيه و استأخرا # إلى صماخين و لهوات‏

فجعله أعصل الأنياب، منهرت الأشداق، ثمّ وصفها بالسّبات و طول الإطراق، و بسرعة النّشطة[2]، و خفّة الحركة، إذا همّت بذلك و كانت تعظم.

1091-[شعر في صفة الحية]

و قد و صفتها امرأة جاهليّة بجميع هذه الصّفة، إلاّ أنها زادت شيئا. و الشّعر صحيح. و ليس في أيدي أصحابنا من صفة الأفاعي مثلها.

و قد رأيت عند داود بن محمّد الهاشميّ كتابا في الحيّات، أكثر من عشرة أجلاد، ما يصحّ منها مقدار جلد و نصف.

و لقد ولّدوا على لسان خلف الأحمر، و الأصمعيّ، أرجازا كثيرة. فما ظنّك بتوليدهم على ألسنة القدماء! و لقد ولّدوا على لسان جحشويه في الحلاق أشعارا ما قالها جحشويه قط. فلو تقذّروا من شي‏ء تقذّروا من هذا الباب.

و الشّعر الذي في الأفعى‏[3]: [من الكامل‏]

قد كاد يقتلني أصمّ مرقّش # من حبّكم، و الخطب غير كبير

خلقت لهازمه عزين و رأسه # كالقرص فلطح من دقيق شعير

و يدير عينا للوقاع كأنّها # سمراء طاحت من نفيض برير

[1]الإخبات: الإطراق و السكون. (القاموس: طرق) .

[2]نشطت الحية: عضت بنابها. (القاموس: نشط) .

[3]انظر الأبيات مع تخريجها في الأصمعيات رقم 35.

348

و كأنّ ملقاه بكلّ تنوفة # ملقاك كفّة منخل مأطور[1]

و كأنّ شدقيه إذا استعرضته # شدقا عجوز مضمضت لطهور

فقد زعمت‏[2]كما ترى أنها تدير عينا، و زعم الأوّل أنها قائمة العين‏[3]. إلاّ أن تزعم أنها لم ترد بالإدارة أن مقلتها تزول عن موضعها، و لكنّها أرادت أنّها جوّالة في إدراك الأشخاص، البعيدة و القريبة، و المتيامنة و المتياسرة و قد يجوز أن يكون إنّما جعلها سميعة لدقّة الحسّ، و كثرة الاكتراث و جودة الشمّ، لا جودة السّمع؛ فإنّ الذين زعموا أنّ النّعامة صمّاء زعموا أنّها تدرك من جهة الشمّ و العين، جميع الأمور التي كانت تعرفها من قبل السّمع لو كانت سميعة. و قد قال الشاعر في صفة الحيّة[4]: [من البسيط]

تهوي إلى الصّوت و الظلماء عاكفة # تعرّد السّيل لاقى الحيد فاطّلعا[5]

هذا بعد أن قال:

إني و ما تبتغي منّي كملتمس # صيدا و ما نال منه الرّيّ و الشّبعا

أهوى إلى باب جحر في مقدّمه # مثل العسيب ترى في رأسه نزعا

اللّون أربد و الأنياب شابكة # عصل ترى السمّ يجري بينها قطعا[6]

أصم ما شمّ من خضراء أيبسها # أو شمّ من حجر أوهاه فانصدعا

فقد جعل لها أنيابا عصلا، و وصفها بغاية الخبث، و زعم أنها تسمع. فهؤلاء ثلاثة شعراء.

1092-[الثقة بالعلماء]

فإن قلت: إنّ المولّد لا يؤمن عليه الخطأ، إذ كان دخيلا في ذلك الأمر، و ليس كالأعرابيّ الذي إنما يحكي الموجود الظاهر له، الذي عليه نشأ، و بمعرفته غذي.

[1]التنوفة: الأرض المتباعدة الأطراف. (القاموس: تنف) . كفة النخل: إطاره. (القاموس: كفف) .

[2]يقصد الشاعرة قائلة الأبيات.

[3]أي الراعي النميري في البيت الذي تقدم قبل قليل.

[4]الأبيات للزماني في يحيى بن أبي حفصة و هي في الوحشيات 86، و سيذكرها الجاحظ مرة أخرى.

انظر الفقرة (1150) . ص: 398.

[5]عرد فلان: ترك الطريق. (القاموس: عرد) . الحيد: ما شخص من الجبل. (القاموس: حيد) .

[6]عصل: جمع أعصل، و هو الأعوج. (القاموس: عصل) .

349

فالعلماء الذين اتّسعوا في علم العرب، حتى صاروا إذا أخبروا عنهم بخبر كانوا الثّقات فيما بيننا و بينهم، هم الذين نقلوا إلينا. و سواء علينا جعلوه كلاما و حديثا منثورا، أو جعلوه رجزا و قصيدا موزونا.

و متى أخبرني بعض هؤلاء بخبر لم أستظهر عليه بمسألة الأعراب. و لكنه إن تكلم و تحدّث، فأنكرت في كلامه بعض الإعراب، لم أجعل ذلك قدوة حتى أوقفه عليه، لأنّه ممّن لا يؤمن عليه اللّحن الخفيّ قبل التفكر. فهذا و ما أشبهه حكمه خلاف الأوّل.

1093-[ضروب من الرّقية]

و الرّقية تكون على ضروب: فمنها الذي يدّعيه الحوّاء و الرّقّاء؛ و ذلك يشبه بالذي يدّعي ناس من العزائم على الشياطين و الجن، و ذلك أنهم يزعمون أن في تلك الرّقية عزيمة لا يمتنع منها الشيطان، فكيف العامر[1]؟!و أن العامر إذا سئل بها أجاب، فيكون هو الذي يتولى إخراج الحيات من الصّخر. فإن كان الأمر على ما قالوا فما ينبغي أن يكون بين خروج الأفاعي الصمّ و غيرها فرق، إذا كانت العزائم و الرّقى و النّفث ليس شيئا يعمل في نفس الحيّة، و إنّما هو شي‏ء يعمل في الذي يخرج الحيّة.

و إذا كان ذلك كذلك فالسّميع و الأصمّ فيه سواء.

و كذلك يقولون في التّحبيب و التّبغيض، و في النّشرة و حلّ العقدة، و في التّعقيد و التحليل.

و يزعمون أنّ الجن لا تجيب صاحب العزيمة حتى يتوحّش و يأتي الخرابات و البراريّ، و لا يأنس بالناس، و يتشبّه بالجنّ، و يغسل بالماء القراح‏[2]، و يتبخّر باللّبان الذّكر، و يراعي المشتري فإذا دقّ و لطف، و توحّش و عزم، أجابته الجنّ، و ذلك بعد أن يكون بدنه يصلح هيكلا لها، و حتّى يلذّ دخوله وادي منازلها، و ألاّ يكره ملابسته و الكون فيه. فإن هو ألحّ عليها بالعزائم، و لم يأخذ لذلك أهبته خبلته، و ربّما قتلته، لأنها تظنّ أنّه متى توحّش لها، و احتمى، و تنظف فقد فرغ. و هي لا تجيب بذلك فقط، حتى يكون المعزّم مشاكلا لها في الطّباع.

فيزعمون أنّ الحيّات إنما تخرج إخراجا، و أنّ الذي يخرجها هو الذي يخرج سمومها من أجساد النّاس، إذا عزم عليها.

[1]يزعمون أن العامر هم من الجن الذين يسكنون بيوت الناس.

[2]القراح: الخالص. (القاموس: قرح) . ـ

350

و الرّقية الأخرى بما يعرف من التعويذ. قال أبو عبيدة: سمعت أعرابيّا يقول:

قد جاءكم أحدكم يسترقيكم فارقوه. قال: فعوّذوه ببعض العوائذ.

و الوجه الآخر مشتقّ من هذا و محمول عليه، كالرّجل يقول: ما زال فلان يرقي فلانا حتّى لان و أجاب.

1094-[قول الشعراء و المتكلمين في رقى الحيات‏]

و قد قالت الشعراء في الجاهليّة و الإسلام في رقى الحيات، و كانوا يؤمنون بذلك و يصدقون به، و سنخبر بأقاويل المتكلمين في ذلك، و بالله التوفيق.

و منهم من زعم أنّ إخراج الحيّة من جحرها إلى الرّاقي، إنما كان للعزيمة و الإقسام عليها، و لأنّها إذا فهمت ذلك أجابت و لم تمتنع.

و كان أميّة بن أبي الصّلت، لا يعرف قولهم في أنّ العمّار هم الذين يجيبون العزائم بإخراج الحيّات من بيوتها، و في ذلك يقول‏[1]: [من البسيط]

و الحيّة الذّكر الرّقشاء أخرجها # من جحرها أمنات اللّه و القسم

إذا دعا باسمها الإنسان أو سمعت # ذات الإله بدا في مشيها رزم‏[2]

من خلفها حمّة لو لا الذي سمعت # قد كان ثبتها في جحرها الحمم‏[3]

ناب حديد و كفّ غير وادعة # و الخلق مختلف في القول و الشّيم‏[4]

إذا دعين بأسماء أجبن لها # لنافث يعتديه اللّه و الكلم‏[5]

لو لا مخافة ربّ كان عذّبها # عرجاء تظلع، في أنيابها عسم‏[6]

و قد بلته فذاقت بعض مصدقه # فليس في سمعها، من رهبة صمم‏[7]

فكيف يأمنها أم كيف تألفه # و ليس بينهما قربى، و لا رحم!

[1]ديوان أمية 461-462.

[2]في ديوانه: (الرزم: عدم القدرة على النهوض هزالا أو إعياء، و هذا إشارة إلى زحف الحية في سيرها) .

[3]في ديوانه: (الحمة، بكسر الحاء: الموت. و الجمع: حمم) .

[4]في ديوانه: (الحديد: القاطع. كف: أراد كف الحية على التشبيه، و أراد به ما لديها من استعداد للشر دائم) .

[5]في ديوانه: (النافث: أراد به الحاوي) .

[6]في ديوانه: (تظلع: تعرج، أي تزحف و تتلوى، العشم: اليبس) .

[7]في ديوانه: (بلاه: اختبره. المصدق: الجدّ و الصلابة) .

351

يقول: لو أنّها أخرجت حين استحلفت بالله لما خرجت، إذ ليس بينهما قربى و لا رحم. ثمّ ذكر الحمّة و النّاب.

و قال آخرون: إنما الحيّة مثل الضبّ و الضّبع، إذا سمع بالله و الهدم و الصّوت خرج ينظر. و الحوّاء[1]إذا دنا من الجحر رفع صوته و صفّق بيديه، و أكثر من ذلك، حتى يخرج الحيّة، كما يخرج الضب و الضّبع.

و قال كثيّر[2]: [من الطويل‏]

و سوداء مطراق إليّ من الصّفا # أنيّ إذا الحاوي دنا فصدا لها[3]

و التّصدية. التّصفيق، قال اللّه تعالى: وَ مََا كََانَ صَلاََتُهُمْ عِنْدَ اَلْبَيْتِ إِلاََّ مُكََاءً وَ تَصْدِيَةً [4]الآية. فالمكاء: صوت بين النّفخ و الصّفير، و التّصدية: تصفيق اليد باليد.

فكان الحوّاء يحتال بذلك للحيّة، و يوهم من حضر أنّه بالرّقية أخرجها، و هو في ذلك يتكلم و يعرّض، إلاّ أنّ ذلك صوت رفيع. و هو لو رفع صوته ببيت شعر أو بخرافة، لكان ذلك و الذي يظهر من العزيمة عند الحيّة سواء. و إنّما ينكر الصّوت، كما ينكره الضّبّ و غير ذلك من الوحش.

ثم قال‏[5]: [من الطويل‏]

كففت يدا عنها و أرضيت سمعها # من القول حتّى صدّقت ما وعى لها

و أشعرتها نفثا بليغا، فلو ترى # و قد جعلت أن ترعني النّفث بالها

تسلّلتها من حيث أدركها الرّقى # إلى الكفّ لما سالمت، و انسلالها

فقال كما ترى:

كففت يدا عنها و أرضيت سمعها

(البيت) ثم قال:

و أشعرتها نفثا بليغا فلو ترى‏

[1]الحواء: الذي يجمع الأفاعي. (القاموس: حوي) .

[2]ديوان كثير 85، و المعاني الكبير 670.

[3]الصفا: جمع صفاة، و هي الصخرة الملساء.

[4]35/الأنفال: 8.

[5]ديوان كثير 86.

352

و قال الأعشى‏[1]: [من الطويل‏]

أبا مسمع إني امرؤ من قبيلة # بنى لي عزّا موتها و حياتها

فلا تلمس الأفعى يديك تريدها # إذا ما سعت يوما إليها سفاتها

و قال آخر: [من الرجز]

يدعو به الحيّة في أقطاره # فإن أبى شمّ سفا و جاره‏

و السّفا: التراب اليابس بين التربين. يقال سفا و سفاة.

1095-[من حيل الحواء و الراقي‏]

و الحوّاء و الرّاقي يري النّاس أنّه إذا رأى جحرا لم يخف عليه: أجحر حيّة هو أم جحر شي‏ء غيره، فإن كان جحر حيّة لم يخف عليه أ هي فيه أم لا، ثمّ إذا رقى و عزّم فامتنعت من الخروج، و خاف أن تكون أفعى صمّاء لا تسمع، و إذا أراغها[2]ليأخذها فأخطأ، لم يأمن من أن تنقره نقرة؛ لا يفلح بعدها أبدا، فهو عند ذلك يستبري بأن يشمّ من تراب الجحر، فلا يخفى عليه: أ هي أفعى أم حيّة من سائر الحيات. فلذلك قال:

يدعو به الحية في أقطاره‏

(البيت) و الوجار: الجحر.

1096-[ريح الأفعى‏]

و زعم لي بعض الحوّائين أنّ للحيّات نتنا و سهكا[3]، و أن ريح الأفعى معروفة.

و ليس شي‏ء أغلق، و لا أعنق‏[4]، و لا أسرع أخذا لرائحة من طين أو تراب، و أنّه إذا شمّ من طينة الجحر لم يخف عليه. و قال: اعتبر ذلك بهذا الطين السداني و الرّاهطي إذا ألقي في الزّعفران و الكافور، أو غيره ذلك من الطّيب، فإنّه متى وضع إلى جنب روثة أو عذرة، قبل ذلك الجسم.

[1]البيتان للأعشى في ديوانه 135، و لخالد بن زهير الهذلي في شرح أشعار الهذليين 221، و معجم الشعراء 276، و لأبي ذؤيب الهذلي في المخصص 15/125، و بلا نسبة في اللسان (سفا) ، و الجمهرة 850، 1073، و الاشتقاق 73، و المخصص 10/63، و التهذيب 13/94.

[2]أراغ: طلب. (القاموس: طلب) .

[3]السّهك: ريح كريهة ممن عرق. (القاموس: سهك) .

[4]أعنق: أي أسرع.

353

و الرّقاء يوهم النّاس إذا دخل دورهم لاستخراج الحيّات أنّه يعرف أماكنها برائحتها، فلذلك يأخذ قصبة و يشعب رأسها، ثم يطعن بها في سقف البيت و الزّوايا، ثمّ يشمها و يقول مرة: فيها حيّات؛ و يقول مرّة: بلى فيها حيّات، على قدر الطمع في القوم، و في عقولهم.

1097-[تأثير الأصوات في المخلوقات‏]

و أمر الصّوت عجيب، و تصرّفه في الوجوه عجب. فمن ذلك أنّ منه ما يقتل، كصوت الصاعقة. و منها ما يسرّ النفوس حتى يفرط عليها السّرور؛ فتقلق حتى ترقص، و حتّى ربما رمى الرّجل بنفسه من حالق‏[1]. و ذلك مثل هذه الأغاني المطربة.

و من ذلك ما يكمد. و من ذلك ما يزيل العقل حتى يغشى على صاحبه، كنحو هذه الأصوات الشجية، و القراءات الملحّنة. و ليس يعتريهم ذلك من قبل المعاني؛ لأنهم في كثير من ذلك لا يفهمون معاني كلامهم. و قد بكى ماسرجويه من قراءة أبي الخوخ، فقيل له: كيف بكيت من كتاب اللّه و لا تصدّق به؟قال: إنما أبكاني الشجا! و بالأصوات ينوّمون الصّبيان و الأطفال.

و الدّوابّ تصرّ[2]آذانها إذا غنّى المكاري. و الإبل تصرّ آذانها إذا حدا في آثارها الحادي، و تزداد نشاطا، و تزيد في مشيها. و يجمع بها الصّيّادون السّمك في حظائرهم التي يتّخذونها له. و ذلك أنّهم يضربون بعصيّ معهم، و يعطعطون‏[3]، فتقبل أجناس السّمك شاخصة الأبصار مصغية إلى تلك الأصوات، حتّى تدخل في الحظيرة و يضرب بالطّساس للطّير، و تصاد بها. و يضرب بالطّساس للأسد و قد أقبلت، فتروعها تلك الأصوات.

و قال صاحب المنطق: الأيائل تصاد بالصّفير و الغناء. و هي لا تنام ما دامت تسمع ذلك من حاذق الصوت. فيشغلونها بذلك و يأتون من خلفها فإن رأوها مسترخية الآذان وثبوا عليها، و إن كانت قائمة الأذنين فليس إليها سبيل.

و الصّفير تسقى به الدوابّ الماء، و تنفّر به الطير عن البذور.

[1]الحالق: الجبل المرتفع. (القاموس: حلق) .

[2]صرت الدابة أذنها: نصبتها للاستماع. (القاموس: صرر) .

[3]العطعطة: تتابع الأصوات و اختلاطها في الحرب و غيرها، و حكاية صوت المجان (القاموس: عطط) .

354

و زعم صاحب المنطق أنّ الرّعد الشّديد إذا وافق سباحة السّمك في أعلى الماء رمت ببيضها قبل انتهاء الأجل. و ربّما تمّ الأجل فتسمع الرّعد الشّديد، فيتعطّل عليها أيّاما بعد الوقت.

و قال أبو الوجيه العكليّ: أحبّ السّحابة الخرساء و لا أحبها!فقيل له: و كيف ذلك؟قال: لأنها لا تخرس حتى تمتلئ ماء و تصبّ صبّا كثيرا، و يكون غيثا طبقا[1].

و في ذلك الحيا[2]. إلاّ أنّ الكماة لا تكون على قدر الغيث. ذهب إلى أنّ للرّعد في الكمأة عملا.

و قال جعفر بن سعيد: سأل كسرى عن الكمأة فقيل له: لا تكون بالمطر دون الرّعد، و لا بالرّعد دون المطر. قال: فقال كسرى: رشّوا بالماء و اضربوا بالطبول!و كان من جعفر على التمليح. و قد علم جعفر أنّ كسرى لا يجهل هذا المقدار.

فالحيّة واحدة من جميع أجناس الحيوان الذي للصّوت في طبعه عمل. فإذا دنا الحوّاء و صفق بيديه، و تكلم رافعا صوته حتى يزيّد، خرج إليه كلّ شي‏ء كان في الجحر، فلا يشكّ من لا علم له أنّ من لا علم له أنّ لحيّة خرجت من جهة الطاعة و خوف المعصية، و أنّ العامر[3]أخرجها تعظيما للعزيمة، و لأنّ المعتزم مطاع في العمّار. و العامّة أسرع شي‏ء إلى التّصديق.

1098-[شعر في الروح و هيكلها]

و في الرّوح، و في أنّ البدن هيكل لها، يقول سليمان الأعمى؛ و كان أخا مسلم ابن الوليد الأنصاريّ. و كانوا لا يشكون بأنّ سليمان هذا الأعمى، كان من مستجيبي بشار الأعمى، و أنّه كان يختلف إليه و هو غلام فقبل عنه ذلك الدّين. و هو الذي يقول‏[4]: [من المديد]

إنّ في ذا الجسم معتبرا # لطلوب العلم مقتبسه

هيكل للرّوح ينطقه # عرقه و الصّوت من نفسه‏

[1]الطبق: المطر العامّ. (القاموس: طبق) .

[2]الحيا: الخصب. (القاموس: حيي) .

[3]العامر: زعموا أنه من الجن الذين يسكنون بيوت الناس. (القاموس: عمر) .

[4]الأبيات في نكت الهميان 160، و البيتان الأخيران في البيان 3/202، و عيون الأخبار 3/61، و الكامل 2/370 (طبعة المعارف) .

355

لا تعظ إلاّ اللّبيب فما # يعدل الضّلع على قوسه

ربّ مغروس يعاش به # فقدته كفّ مغترسه

و كذاك الدّهر مأتمه # أقرب الأشياء من عرسه‏

1099-[قول في شعر لأمية بن أبي الصلت‏]

و كانت العرب تقول: كان ذلك إذ كان كلّ شي‏ء ينطق، و كان ذلك و الحجارة رطبة.

قال أميّة[1]: [من الوافر]

و إذ هم لا لبوس لهم تقيهم # و إذ صمّ السّلام لهم رطاب‏[2]

بآية قام ينطق كلّ شي‏ء # و خان أمانة الدّيك الغراب

و أرسلت الحمامة بعد سبع # تدلّ على المهالك لا تهاب

تلمّس هل ترى في الأرض عينا # و عائنة بها الماء العباب

فجاءت بعد ما ركضت بقطف # عليها الثّأط و الطّين الكباب‏[3]

فلما فرّسوا الآيات صاغوا # لها طوقا كما عقد السّخاب‏[4]

إذا ماتت تورّثه بنيها # و إن تقتل فليس له انسلاب‏

فذكر رطوبة الحجارة، و أنّ كلّ شي‏ء قد كان ينطق. ثمّ خبّر عن منادمة الدّيك الغراب، و اشتراط الحمامة على نوح، و غير ذلك ممّا يدلّ على ما قلنا. ثم ذكر الحيّة، و شأن إبليس و شأنها، فقال: [من الوافر]

كذي الأفعى تربّبها لديه # و ذي الجنّيّ أرسلها تساب‏[5]

فلا ربّ البريّة يأمننها # و لا الجنيّ أصبح يستتاب‏

[1]ديوان أمية 337-340. و شرح الأبيات التالية من ديوانه.

[2] «اللبوس: الثياب. السلام: الحجارة، الواحدة سلمة، و كانت العرب تزعم أن الحجارة كانت رطبة لينة في قديم الزمان» .

[3] «القطف: ما قطف من ثمار و سواها. و الثأط: الطين الأسود المنتن. الكباب: الطين اللازب.

الكثاب: المجتمع» .

[4] «فرسوا الآيات: تثبتوا منها، و الآيات مفردها آية، و هي العلامة، السخاب: القلادة، و أراد به ما يرى في عنق الحمامة شبه الطوق» .

[5] «ذو الأفعى: لعله يريد به آدم عليه السلام. ترببها: رباها، ذو الجني: إبليس. سابت الحية و انسابت: جرت» .

356

فإن قلت: إنّ أميّة كان أعرابيّا، و كان بدويّا، و هذا من خرافات أعراب الجاهليّة، و زعمت أنّ أميّة لم يأخذ ذلك عن أهل الكتاب فإني سأنشدك لعديّ بن زيد، و كان نصرانيّا ديانا، و ترجمانا، و صاحب كتب، و كان من دهاة أهل ذلك الدّهر.

1100-[آدم عليه السلام و الحية]

قال عديّ بن زيد، يذكر شأن آدم و معصيته، و كيف أغواه، و كيف دخل في الحية، و أنّ الحية كانت في صورة جمل فمسخها اللّه عقوبة لها، حين طاوعت عدوّه على وليّه. فقال‏[1]: [من البسيط]

قضى لستّة أيّام خليقته # و كان آخرها أن صوّر الرّجلا

دعاه آدم صوتا فاستجاب له # بنفخة الروح في الجسم الذي جبلا

ثمّت أورثه الفردوس يعمرها # و زوجه صنعة من ضلعه جعلا

لم ينهه ربّه عن غير واحدة # من شجر طيّب: أن شمّ أو أكلا

فكانت الحيّة الرّقشاء إذ خلقت # كما ترى ناقة في الخلق أو جملا

فعمدا للتي عن أكلها نهيا # بأمر حوّاء لم تأخذ له الدّغلا

كلاهما خاط إذ بزّا لبوسهما # من ورق التّين ثوبا لم يكن غزلا

فلاطها اللّه إذ أغوت خليفته # طول اللّيالي و لم يجعل لها أجلا[2]

تمشي على بطنها في الدّهر ما عمرت # و التّرب تأكله حزنا و إن سهلا

فأتعبا أبوانا في حياتهما # و أوجدا الجوع و الأوصاب و العللا

و أوتيا الملك و الإنجيل نقرؤه # نشفي بحكمته أحلامنا عللا

من غير ما حاجة إلاّ ليجعلنا # فوق البريّة أربابا كما فعلا

1101-[عقاب حواء و آدم و الحية]

فرووا أنّ كعب الأحبار قال: مكتوب في التوراة أنّ حوّاء عند ذلك عوقبت بعشر خصال، و أنّ آدم لمّا أطاع حوّاء و عصى ربّه عوقب بعشر خصال، و أنّ الحيّة التي دخل فيها إبليس عوقبت أيضا بعشر خصال.

[1]ديوان عدي بن زيد 159-160.

[2]ينسب هذا البيت أيضا لأمية بن أبي الصلت في ديوانه 460، و اللسان (ليط) . و في ديوانه:

«لاطها: لعنها، أو ألصقها بالتراب. لم يجعل لها أجلا: أراد أنها لا تموت بأجلها حتى تقتل قتلا» .

357

و أوّل خصال حوّاء التي عوقبت بها وجع الافتضاض، ثم الطلق، ثمّ النّزع، ثمّ بقناع الرّأس، و ما يصيب الوحمى و النفساء من المكروه، و القصر في البيوت، و الحيض، و أنّ الرّجال هم القوّامون عليهنّ، أن تكون عند الجماع هي الأسفل.

و أمّا خصال آدم صلى اللّه عليه و سلم: فالذي انتقص من طوله، و بما جعله اللّه يخاف من الهوامّ و السّباع، و نكد العيش، و بتوقع الموت، و بسكنى الأرض، و بالعري من ثياب الجنّة، و بأوجاع أهل الدنيا، و بمقاساة التحفظ من إبليس، و بالمحاسبة بالطّرف، و بما شاع عليه من اسم العصاة.

و أمّا الحيّة فإنها عوقبت بنقص جناحها، و قطع أرجلها، و المشي على بطنها، و بإعراء جلدها-حتى يقال: «أعرى من حيّة» و بشقّ لسانها-لذلك كلما خافت من القتل أخرجت لسانها لتريهم العقوبة-و بما ألقي عليها من عداوة النّاس، و بمخافة الناس، و بجعله لها أوّل ملعون من اللّحم و الدّم، و بالذي ينسب إليها من الكذب و الظلم‏[1].

فأمّا الظلم فقولهم: «أظلم من حيّة» [2]و أما الكذب فإنها تنطوي في الرّمل على الطّريق و تدخل بعض جسدها في الرّمل، فتظهر كأنها طبق خيزران. و منها حيّات بيض قصار تجمع بين أطرافها على طرق الناس، و تستدير كأنها طوق أو خلخال، أو سوار ذهب أو فضة-و لما تلقي على نفسها من السّبات، و لما تظهر من الهرب من الناس. و كلّ ذلك إنما تغرّهم و تصطادهم بتلك الحيلة، فذلك هو كذبها.

1102-[عقاب الأرض‏]

قال: و عوقبت الأرض حين شربت دم ابن آدم بعشر خصال: أنبت فيها الشّوك، و صيّر فيها الفيافي، و خرق فيها البحار، و ملّح أكثر مائها، و خلق فيها الهوامّ و السّباع، و جعلها قرارا لإبليس و العاصين، و جعل جهنّم فيها، و جعلها لا تربي ثمرتها. إلاّ في الحرّ، و هي تعذّب بهم إلى يوم القيامة، و جعلها توطأ بالأخفاف، و الحوافر، و الأظلاف، و الأقدام، و جعلها مالحة الطّعم.

ثم لم تشرب بعد دم ابن آدم دم أحد من ولده، و لا من غير ولده. قال: و لذلك [1]انظر الفقرة 1076.

[2]مجمع الأمثال 1/445، و جمهرة الأمثال 2/29، و المستقصى 1/232، و الدرة الفاخرة 1/293، و فصل المقال 492. ـ

358

قال عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه لأبي مريم الحنفيّ: «لأنا أشدّ لك بغضا من الأرض للدم» [1].

و زعم صاحب المنطق أنّ الأرض لا تشرب الدّم، إلاّ يسيرا من دماء الإبل خاصّة.

1103-[اختبار العسل‏]

و إذا أرادوا أن يمتحنوا جودة العسل من رداءته، قطروا على الأرض منه قطرة.

فإذا استدارت كأنها قطعة زئبق، و لم تأخذ من الأرض و لم تعطها فهو الماذيّ الخالص الذّهبيّ. فإن كان فيه غشوشة نفشت القطرة على قدر ما فيها، و أخذت من الأرض و أعطتها. و إن لم يقدروا على اللّحم الغريض دفنوه و غرّقوه في العسل، فإنهم متى رجعوا فغسلوه عنه وجدوه غضّا طريّا، لأنّه ذهبيّ الطّباع، ليس بينه و بين سائر الأجرام شي‏ء. فهو لا يعطيه شيئا و لا يأخذ منه. و كذلك الذّهب إذا كان مدفونا.

1104-[زمن الفطحل‏]

و هذه الأحاديث، و هذه الأشعار، تدلّ على أنّهم قد كانوا يقولون: إنّ الصخور كانت رطبة ليّنة، و إنّ كلّ شي‏ء قد كان يعرف و ينطق و إنّ الأشجار و النّخل لم يكن عليها شوك. و قد قال العجّاج، أو رؤبة[2]: [من الرجز]

أو عمر نوح زمن الفطحل # و الصّخر مبتلّ كطين الوحل‏

1105-[مرويات كعب الأحبار]

و أنا أظنّ أنّ كثيرا ممّا يحكى عن كعب أنّه قال: «مكتوب في التوراة» أنّه إنّما قال: «نجد في الكتب» ، و هو إنّما يعني كتب الأنبياء، و الذي يتوارثونه من كتب سليمان؛ و ما في كتبهم من مثل كتب أشعياء و غيره. و الذين يروون عنه في صفة عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، و أشباه ذلك، فإن كانوا صدقوا عليه و كان الشيخ لا يضع الأخبار فما كان وجه كلامه عندنا إلاّ على ما قلت لك.

[1]انظر عيون الأخبار 3/13، و الكامل 1/355، (طبعة المعارف) ، و البيان 1/376، 2/89، 3/60.

[2]الرجز لرؤبة في ديوانه 128.

359

1106-[نطق الحية]

و في أنّ الحيّة قد كانت تسمع و تنطق، يقول النّابغة في المثل الذي ضربه، و هو قوله‏[1]: [من الطويل‏]

أ ليس لنا مولى يحبّ سراحنا # فيعذرنا من مرّة المتناصرة

ليهنكم أن قد نفيتم بيوتنا # محلّ عبيدان المحلّئ باقره‏[2]

و إني للاق من ذوي الضّغن نكبة # بلا عثرة و النفس لا بدّ عاثره

كما لقيت ذات الصّفا من حليفها # و ما انفكّت الأمثال في الناس سائره

فقالت له: أدعوك للعقل وافرا # و لا تغشينّي منك للظّلم بادره‏[3]

فواثقها باللّه حتّى تراضيا # فكانت تديه الجزع خفيا و ظاهره

فما توفّى العقل إلاّ أقلّه # و جارت به نفس عن الخير جائره

تفكّر أنّى يجمع اللّه شمله # فيصبح ذا مال و يقتل واتره

فظلّ على فأس يحدّ غرابها # ليقتلها، و النّفس للقتل حاذره‏[4]

فلما وقاها اللّه ضربة فأسه # و للّه عين لا تغمّض ساهره

فقال: تعالي نجعل اللّه بيننا # على العقل حتّى تنجزي لي آخره

فقالت: يمين اللّه، أفعل؛ إنّني # رأيتك ختّارا يمينك فاجره

أبى لك قبر لا يزال مواجها # و ضربة فأس فوق رأسي فاقره‏[5]

فذهب النّابغة في الحيّات مذهب أميّة بن أبي الصّلت، و عديّ بن زيد، و غيرهما من الشعراء.

1107-[حال الصخور و الأشجار في ماضي الزمان‏]

و أنشدني عبد الرحمن بن كيسان: [من الطويل‏]

فكان رطيبا يوم ذلك صخرها # و كان خضيدا طلحها و سيالها[6]

[1]ديوان النابغة الذبياني 202-203. و شرح الأبيات التالية منه.

[2]في ديوانه «المحلئ: الذي يمنع الإبل أن ترد الماء، و الباقر: جماعة البقر» .

[3] «العقل: عزم الدية» .

[4] «يحد غرابها: يعني طرفها و حدّها» .

[5] «فاقرة: مؤثرة» .

[6]خضد الشوك: قطعه. (القاموس: خضد) .

360

فزعم كما ترى أنّ الصّخور كانت ليّنة، و أنّ الأشجار: الطلح و السّيال كانت خضيدا لا شوك عليها.

و زعم بعض المفسّرين و أصحاب الأخبار، أنّ الشّوك إنما اعتراها في صبيحة اليوم الذي زعمت النّصارى فيه أنّ المسيح ابن اللّه.

و كان مقاتل يقول-حدّثنا بذلك عنه أبو عقيل السّواق، و كما أحد رواته و الحاملين عنه-إنّ الصّخور كانت ليّنة، و إنّ قدم إبراهيم عليه السلام أثرت في تلك الصخرة، كتأثير أقدام الناس في ذلك الزّمان. إلاّ أنّ اللّه تعالى توفّى تلك الآثار، و عفّى عليها، و مسحها و محاها، و ترك أثر مقام إبراهيم صلى اللّه عليه و سلم. و الحجّة إنما هي في إفراده بذلك و محو ما سواه من آثار أقدام الناس. ليس أنّ إبراهيم صلى اللّه عليه و سلم كان وطئ على صخرة خلقاء يابسة فأثّر فيها.

1108-[فضل المتكلمين و المعتزلة]

و أنا أقول على تثبيت ذلك بالحجة. و نعوذ باللّه من الهذر و التكلف و انتحال ما لا أقوم به. أقول: إنّه لو لا مكان المتكلمين لهلكت العوامّ من جميع الأمم، و لو لا مكان المعتزلة لهلكت العوامّ من جميع النّحل. فإن لم أقل، و لو لا أصحاب إبراهيم و إبراهيم لهلكت العوامّ من المعتزلة، فإني أقول: إنه قد أنهج لهم سبلا، و فتق لهم أمورا، و اختصر لهم أبوابا ظهرت فيها المنفعة، و شملتهم بها النعمة.

1109-[ما يحتاج إليه الناس‏]

و أنا أزعم أن الناس يحتاجون بديّا إلى طبيعة ثم إلى معرفة، ثم إلى إنصاف.

و أوّل ما ينبغي أن يبتدئ به صاحب الإنصاف أمره ألاّ يعطى نفسه فوق حقها، و ألاّ يضعها دون مكانها، و أن يتحفظ من شيئين؛ فإن نجاته لا تتمّ إلاّ بالتحفظ منهما:

أحدهما تهمة الإلف، و الآخر تهمة السّابق إلى القلب-و اللّه الموفق.

1110-[معاناة الجاحظ في تأليف هذا الكتاب‏]

و ما أكثر ما يعرض في وقت إكبابي على هذا الكتاب، و إطالتي الكلام، و إطنابي في القول، بيت ابن هرمة، حيث يقول‏[1]: [من البسيط]

إنّ الحديث تغر القوم خلوته # حتى يلجّ بهم عيّ و إكثار

[1]ديوان ابن هرمة 124.