الحيوان - ج4

- عمرو بن بحر الجاحظ المزيد...
510 /
361

و قولهم في المثل: «كل مجر في الخلاء يسرّ» [1].

و أنا أعوذ باللّه أن أغرّ من نفسي، عند غيبة خصمي، و تصفح العلماء لكلامي، فإني أعلم أن فتنة اللسان و القلم، أشدّ من فتنة النساء، و الحرص على المال.

و قد صادف هذا الكتاب مني حالات تمنع من بلوغ الإرادة فيه، أوّل ذلك العلة الشديدة، و الثانية قلة الأعوان، و الثالثة طول الكتاب، و الرابعة أني لو تكلفت كتابا في طوله، و عدد ألفاظه و معانيه، ثمّ كان من كتب العرض و الجوهر، و الطّفرة، و التولد، و المداخلة، و الغرائز، و التماس-لكان أسهل و أقصر أياما، و أسرع فراغا؛ لأني كنت لا أفزع فيه إلى تلقّط الأشعار، و تتبّع الأمثال، و استخراج الآي من القرآن، و الحجج من الرّواية، مع تفرّق هذه الأمور في الكتب، و تباعد ما بين الأشكال. فإن وجدت فيه خللا من اضطراب لفظ، و من سوء تأليف، أو من تقطيع نظام، و من وقوع الشي‏ء في غير موضعه-فلا تنكر، بعد أن صوّرت عندك حالي التي ابتدأت عليها كتابي.

و لو لا ما أرجو من عون اللّه على إتمامه؛ إذ كنت لم ألتمس به إلاّ إفهامك مواقع الحجج للّه، و تصاريف تدبيره، و الذي أودع أصناف خلقه من أصناف حكمته-لما تعرّضت لهذا المكروه.

فإن نظرت في هذا الكتاب فانظر فيه نظر من يلتمس لصاحبه المخارج، و لا يذهب مذهب التعنّت، و مذهب من إذا رأى خيرا كتمه، و إذا رأى شرّا أذاعه.

و ليعلم من فعل ذلك أنّه قد تعرّض لباب إن أخذ بمثله، و تعرّض له في قوله و كتبه، أن ليس ذلك إلاّ من سبيل العقوبة، و الأخذ منه بالظلامة. فلينظر فيه على مثال ما أدّب اللّه به، و عرّف كيف يكون النظر و التفكير و الاعتبار و التعليم؛ فإنّ اللّه عزّ و جلّ يقول: وَ إِذْ أَخَذْنََا مِيثََاقَكُمْ وَ رَفَعْنََا فَوْقَكُمُ اَلطُّورَ خُذُوا مََا آتَيْنََاكُمْ بِقُوَّةٍ وَ اُذْكُرُوا مََا فِيهِ [2].

1111-[الحكمة في الأشياء الصغيرة]

فينبغي أن تكون إذا مررت بذكر الآية و الأعجوبة، في الفراشة و الجرجسة، ألاّ تحقر تلك الآية، و تصغّر تلك الأعجوبة؛ لصغر قدرهما عندك، و لقلّة معرفتهما عند [1]مجمع الأمثال 2/135، 145، و فصل المقال 203، و أمثال ابن سلام 136، و المستقصى 2/229.

[2]63، 93/البقرة: 2.

362

معرفتك، لصغر أجسامهما عند جسمك. و لكن كن عند الذي يظهر لك من تلك الحكم، و من ذلك التّدبير، كما قال اللّه عزّ و جلّ: وَ كَتَبْنََا لَهُ فِي اَلْأَلْوََاحِ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ مَوْعِظَةً وَ تَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ [1]ثم قال: فَخُذْهََا بِقُوَّةٍ وَ أْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهََا [1]ثمّ قال اللّه تعالى: وَ إِذْ نَتَقْنَا اَلْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَ ظَنُّوا أَنَّهُ وََاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مََا آتَيْنََاكُمْ بِقُوَّةٍ وَ اُذْكُرُوا مََا فِيهِ [2]. و قد قال عامر بن عبد قيس: «الكلمة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب، و إذا خرجت من اللسان لم تجاوز الآذان» [3].

1112-[حث على التنبّه عند النظر]

و أنا أعيذ نفسي باللّه أن أقول إلاّ له، و أعيذك باللّه أن تسمع إلاّ له. و قد قال اللّه عزّ و جلّ: وَ إِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى اَلْهُدى‏ََ لاََ يَسْمَعُوا وَ تَرََاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَ هُمْ لاََ يُبْصِرُونَ [4]فاحذر من أن تكون منهم، و ممّن ينظر إلى حكمة اللّه و هو لا يبصرها، و ممّن يبصرها بفتح العين و استماع الآذان؛ و لكن بالتوقف من القلب، و التثبت من العقل، و بتحفيظه و تمكينه من اليقين، و الحجّة الظاهرة. و لا يراها من يعرض عنها.

و قد قال اللّه عزّ و جلّ: وَ لاََ تَكُونُوا كَالَّذِينَ قََالُوا سَمِعْنََا وَ هُمْ لاََ يَسْمَعُونَ [5] و قال: إِنَّ شَرَّ اَلدَّوَابِّ عِنْدَ اَللََّهِ اَلصُّمُّ اَلْبُكْمُ اَلَّذِينَ لاََ يَعْقِلُونَ [6]و لو كانوا صمّا بكما و كانوا هم لا يعقلون، لما عيّرهم بذلك، كما لم يعيّر من خلقه معتوها كيف لم يعقل، و من خلقه أعمى كيف لم يبصر، و كما لم يلم الدوابّ، و لم يعاقب السّباع. و لكنّه سمّى البصير المتعامي أعمى، و السميع المتصامم أصمّ، و العاقل المتجاهل جاهلا.

و قد قال اللّه عزّ و جلّ: فَانْظُرْ إِلى‏ََ آثََارِ رَحْمَتِ اَللََّهِ كَيْفَ يُحْيِ اَلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهََا إِنَّ ذََلِكَ لَمُحْيِ اَلْمَوْتى‏ََ وَ هُوَ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ [7]فانظر كما أمرك اللّه، و انظر من الجهة التي دلّك منها، و خذ ذلك بقوة. قال تعالى: خُذُوا مََا آتَيْنََاكُمْ بِقُوَّةٍ وَ اُذْكُرُوا مََا فِيهِ* [8].

[1]145/الأعراف: 7.

[2]171/الأعراف: 7.

[3]البيان 1/83-84.

[4]57/الكهف: 18.

[5]21/الأنفال: 8.

[6]22/الأنفال: 8.

[7]50/الروم: 30.

[8]163/البقرة: 2، 171/الأعراف: 7.

363

1113-[عود إلى القول في الحيات‏]

ثمّ رجع بنا القول إلى ما في الحيّات من العلم و العبرة، و الفائدة و الحكمة؛ و لذلك قال أبو ذرّ الغفاريّ: «لقد تركنا رسول اللّه، صلى اللّه عليه و سلم، و ما يمرّ بنا طائر إلا و عندنا من شأنه علم» . و هذا القول صحيح عن أبي ذر، و لم يخصّ أبو ذرّ خشاش الطّير من بغاثها و أحرارها، و لا ما يدخل في بابة الهمج. و قد أريناك من تحقيق قوله طرفا. و لعلك إن جمعت نظرك إلى نظرنا، أن تستتمّ هذا الباب، فقد قال الشاعر[1]: [من الطويل‏]

خليليّ ليس الرأي في رأي واحد # أشيرا عليّ اليوم ما تريان‏

و قال الأحنف: «ما من الناس أحد إلاّ و قد تعلّمت منه شيئا، حتّى من الأمة الورهاء و العبد الأوره» .

و الحيّات مختلفات الجهات جدّا، و هي من الأمم التي يكثر اختلاف أجناسها في الضّرر و السمّ، و في الصّغر و العظم، و في التعرّض للنّاس، و في الهرب منهم. فمنها ما لا يؤذي إلاّ أن يكون الناس قد آذوها مرّة. و أمّا الأسود فإنّه يحقد و يطالب، و يكمن في المتاع حتى يدرك بطائلته. و له زمان يقتل فيه كلّ شي‏ء نهشه.

و أمّا الأفعى فليس ذلك عندها، و لكنها تظهر في الصّيف مع أوّل الليل، إذا سكن وهج الرّمل و ظاهر الأرض؛ فتأتي قارعة الطّريق حتى تستدير و تطحن كأنّها رحى، ثمّ تلصق بدنها بالأرض و تشخص رأسها؛ لئلاّ يدركها السّبات، معترضة؛ لئلاّ يطأها إنسان أو دابّة فتنهشه. كأنّها تريد ألاّ تنهش إلاّ بأن يتعرّض لها، و هي قد تعرّضت لنهشه باعتراضها في الطّريق و تناومها عليه!و هي من الحيّات التي ترصد و توصف بذلك. قال معقل بن خويلد[2]: [من الطويل‏]

أبا معقل لا توطئنكم بغاضتي # رءوس الأفاعي في مراصدها العرم‏

يريد: الأفاعي في مراصدها. و كلّ منقّطة فهي عرماء، من شاة أو غير ذلك.

و قال آخر: [من الرجز]

و كم طوت من حنش و راصد # للسّفر في أعلى البيات قاصد

[1]البيت لعطارد بن قران الحنظلي في الحماسة البصرية 1/107، و لطهمان بن عمرو الدارمي في معجم البلدان 2/463 (دمخ) ، و بلا نسبة في محاضرات الراغب 1/12 (1/29) .

[2]البيت لمعقل الهذلي في شرح أشعار الهذليين 383، و اللسان (رصد، بغض، عرم) ، و التاج (بغض، عرم) ، و بلا نسبة في التهذيب 2/391، و المقاييس 4/293، و المخصص 7/194، 8/111.

364

و الأفعى تقتل في كلّ حال و في كلّ زمان. و الشّجاع يواثب و يقوم على ذنبه، و ربّما بلغ رأسه رأس الفارس.

و ليس يقتلها-إذا تطوّقت على الطّريق و في المناهج، أو اعترضتها لتقطعها عابرة إلى الجانب الآخر-شي‏ء كأقاطيع الشّياه إذا مرّت بها، و كذلك الإبل الكثيرة إذا مرّت، فإنّ الحيّة إذا وقعت بين أرجلها كان همتها نفسها، و لم يكن لها همة إلاّ التّخلص بنفسها؛ لئلاّ تعجلها بالوطء. فإن نجت من وطء أيديها، لم تنج من وطء أرجلها. و إن سلمت من واحدة لم تسلم من التي تليها، إلى آخرها.

و قال عمر بن لجأ، و هو يصف إبله‏[1]: [من الرجز]

تعرّض الحيّات في غشاشها

و قال ذو الأهدام: [من الرجز]

تعجلها عن نهشها و النّكز

و من ذلك أنّ العقرب تقع في يد السّنّور، فيلعب بها ساعة من اللّيل و هي في ذلك مسترخية مستخذية لا تضربه. و السّنانير من الخلق الذي لا تسرع السّموم فيه.

1114-[مسالمة الأفعى للقانص و الراعي‏]

و ربّما باتت الأفعى عند رأس الرّجل و على فراشه فلا تنهشه. و أكثر ما يوجد ذلك من القانص و الرّاعي. قال الشاعر[2]: [من الوافر]

تبيت الحيّة النّضناض منه # مكان الحبّ مستمع السّرار

قال: الحبّ: الحبيب. و النضناض من الحيّات: الذي يحرّك لسانه. و عن عيسى بن عمر قال: قلت لذي الرّمّة: ما النضناض؟فأخرج لسانه يحرّكه.

و إنما يصف القانص و أنّه يبيت بالقفر. و مثله قول أبي النجم‏[3]: [من الرجز]

تحكي لنا القرناء في عرزالها # جري الرّحى تجري على ثفالها

[1]ديوان عمر بن لجأ 151، و الأغاني 8/70 و حلقات الشعراء 1/224، و اللسان (عفر) .

[2]صواب الرواية «يستمع السرارا» و البيت للراعي النميري في ديوانه 149، و أمالي القالي 2/23، و اللسان و التاج (حبب، نضض) و التنبيه و الإيضاح 1/56، و التهذيب 11/470، و الجمهرة 64، و كتاب الجيم 1/162، و بلا نسبة في المخصص 4/43، 8/110، و أساس البلاغة (نضض) ، و المجمل 2/30.

[3]الرجز لأبي النجم في ديوانه 161، و للأعشى في اللسان و التاج (عرزل، قرن) ، و بلا نسبة في الجمهرة 794، 1150.

365

العرزال: المكان و في ذلك يقول أبو وجزة[1]: [من البسيط]

تبيت جارته الأفعى و سامره # ربد به عاذر منهنّ كالجرب‏

و قوله: ربد، يريد البعوض. و عاذر: أثر.

1115-[مسالمة الأفعى‏]

قال: و بات يحيى بن منقاش مع دارم الدارميّ، فلما أصبح يحيى رأى بينهما أفعى مستوية، فوثب يحيى ليقتلها، فقال له دارم. قد أعتقتها و حرّرتها!و لم تقتلها و هي ضجيعتي من أوّل الليل؟فقال يحيى: [من الطويل‏]

أعوذ بربّي أن ترى لي صحبتي # يطيف بنا ليلا محرّر دارم

من الخرس لا ينجو صحيحا سليمها # و إن كان معقودا بحلي التمائم‏

1116-[القول في العقرب‏]

و العقارب في ذلك دون الحيّات، إلاّ الجرّارات، فإنها ربّما باتت في لحاف الرّجل اللّيلة بأسرها، و تكون في قميصه عامّة يومها، فلا تلسعه. فهي بالأفعى أشبه.

فأمّا سائر العقارب فإنها تقصد إلى الصّوت، فإذا ضربت إنسانا فرّت كما يصنع المسي‏ء الخائف للعقاب.

و العقرب لا تضرب الميت و لا المغشيّ عليه، و لا النائم إلاّ أن يحرك شيئا من جسده، فإنها عند ذلك تضربه.

و يقال إنها تأوي مع الخنافس و تسالمها، و لا تصادق من الحيّات إلا كلّ أسود سالخ.

و حدّث أبو إسحاق المكي قال: كان في دار نصر بن الحجاج السّلمي عقارب إذا لسعت قتلت، فدبّ ضيف لهم على بعض أهل الدّار فضربته عقرب على مذاكيره، فقال نصر يعرّض به‏[2]: [من المتقارب‏]

و داري إذا نام سكّانها # أقام الحدود بها العقرب‏

[1]البيت لأبي و جزة في اللسان و التاج و أساس البلاغة (رمد) ، و المقاييس 2/438، و المجمل 2/420، و التهذيب 14، 121.

[2]البيتان في حياة الحيوان 2/52 (العقرب) . ـ

366

إذا غفل الناس عن دينهم # فإن عقاربها تضرب‏

قال: فأدخل النّاس بها حوّاء، و حكوا له شأن تلك العقارب، فقال: إن هذه العقارب تستقي من أسود سالخ. و نظر إلى موضع في الدار فقال: احفروا هاهنا.

فحفروا عن أسودين: ذكر و أنثى، و للذّكر خصيتان و رأوا حول الذّكر عقارب كثيرة فقتلوها.

قال: و قال الفضل بن عبّاس حين راهنه عقرب بالشّعر، و قيل لكلّ واحد منهما:

لست في شي‏ء حتّى تغلب صاحبك، فقال الفضل‏[1]: [من السريع‏]

قد تجر العقرب في سوقنا # لا مرحبا بالعقرب التّاجره

كل عدوّ يتّقى مقبلا # و عقرب تخشى من الدّابره

كلّ عدوّ كيده في استه # فغير ذي أيد و لا ضائره

قد ضاقت العقرب و استيقنت # بأنّ لا دنيا و لا آخره

إن عادت العقرب عدنا لها # و كانت النّعل لها حاضره‏

و اسم أم حارثة بن بدر، عقرب. و آل أبي موسى يكتنون بأبي العقارب. و من هؤلاء الذين يكتنون بالعقرب: ابن أبي العقرب الليثيّ الخطيب الفصيح، الراوية.

و رووا أنّ عقربا لسعت النبيّ صلى اللّه عليه و سلم فقال: «لعنها اللّه، فإنّها لا تبالي من ضربت!» و قال الضّبيّ: أنا عقرب، أضرّ و لا أنفع‏[2].

و كان الرّجل تلسعه الجرّارة بعسكر مكرم، أو بجنديسابور، فتقتله؛ و ربّما تناثر لحمه، و ربّما تعفّن و أنتن، حتى لا يدنو منه أحد إلاّ و هو مخمّر أنفه، مخافة أعدائه، و لا سيما إن كان قد نال من اللحم و هو لا يعلم أنّ الوخزة التي وخزها كانت من جرّارة.

و كانوا إذا شعروا بها دعوا حجاما، يحجم ذلك الموضع و يمصّه، قبل أن يتفشى فيه السمّ و يدخل تلك المداخل. فكان الحجّام لا يجيئهم حتى يقبض دنانير كثيرة. و إنما كانوا يجودون له بذلك؛ لما كان لصاحبهم في ذلك من الفرج، و ما على الحجام في ذلك من ضرر. و ذلك أن وجهه ربّما اسمارّ و اربدّ، و ربّما عطّلت مقاديم [1]الأبيات في عيون الأخبار 1/256، و حياة الحيوان 2/61 (العقرب) .

[2]ورد الخبر في عيون الأخبار 2/103، و ربيع الأبرار 5/476.

367

أسنانه و توجّعت عليه، فيلقى من ذلك الجهد، و ذلك لما كان يتّصل إلى فيه من بخار الدّم، و من ذلك السمّ المخالط لذلك الدّم. ثمّ إنّهم بعد ذلك حشوا أذناب المحاجم بالقطن، فصار القطن لا يمنع قوّة المصّ و الجذب، و لم يدعه يصل إلى فم الحجام.

ثمّ إنّهم بعد مدّة سنيّات‏[1]أصابوا نبتة في بعض الشّعب‏[2]، فإذا عالجوا الملسوع بها حسنت حاله.

و الجرّارات تألف الأخواء[3]التي تكون بحضرة الأتاتين‏[4]، و تألف الحشوش‏[5] و المواضع الناريّة. و سمّها نار.

و قيل لماسرجويه: قد نجد العقرب تلسع رجلين فتقتل أحدهما و يقتلها الآخر، و ربّما نجت و لم تمت، كما أنّه ربّما عقرت و لم تفت، و نجدها تضرب رجلين في ساعة واحدة، فيختلفان في سوء الحال. و نجدها تختلف مواضع ضررها على قدر الأغذية، و على قدر الأزمان، و على قدر مواضع الجسد. و نجد واحدا يتعالج بالمسوس‏[6]فيحمده، و نجد آخر يدخل يده في مدخل حارّ من غير أن يكون فيه ماء فيحمده، و نجد آخر يعالجه بالنّخالة الحارّة فيحمدها، و نجد آخر يحجم ذلك الموضع فيحمده، و نجد كلّ واحد من هؤلاء يشكو خلاف ما يوافقه، ثم إنّا نجده يعاود ذلك العلاج عند لسعة أخرى فلا يحمده! قال ماسرجويه: لما اختلفت السّموم في أنفسها بالجنس و القدر، و في الزّمان، باختلاف ما لاقاه اختلف الذي وافقه على حسب اختلافه.

و كان يقول: إنّ قول القائل في العقرب: شرّ ما تكون حين تخرج من جحرها، ليس يعنون من ليلتها-إذ كان لا بدّ من أن يكون لها نصيب من الشدّة-و لكنّهم إنما يعنون: في أوّل ما تخرج من جحرها عند استقبال الصّيف، بعد طول مكثها في غير عالمنا و غذائنا و أنفاسنا و معايشنا.

[1]سنيات: جمع سنية، تصغير سنة.

[2]الشعب: جمع شعبة، و هي المسيل في الرمل، أو التلعة الصغيرة. (القاموس: شعب) .

[3]الأخواء: جمع خوى، و هو اللين من الأرض. (القاموس: خوى) .

[4]الأتاتين: جمع أتون، و هو موقد النار. (القاموس: أتن) .

[5]الحشوش: جمع حش، و هو المخرج لأنهم كانوا يقضون حوائجهم في البساتين. (القاموس:

حشش) .

[6]المسوس: كل ما شفى الغليل. (القاموس: مسس) . و هو دواء يعالج به الملسوع و الملدوغ.

368

و العامّة تزعم أنها شرّ ما تكون إذا ضربت الإنسان و قد خرج من الحمام؛ لتفتح المسامّ، وسعة المجاري، و سخونة البدن. و لذلك صار سمها في الصيف أشدّ. هذا قول أبي إسحاق. كأنّه كان يرى أنّ الهواء كلما كان أحرّ، و كان البدن أسخن كان شرّا.

و نحن نجدهم يصرخون من لسعتها اللّيل كلّه، و إذا طلعت الشمس سكن ما بهم. فإذا بقيت فضلة من تلك الجارحة في الشمس فما أكثر ما يسكن. و سمومها باللّيل أشدّ، إلاّ أن يزعم أنّ أجواف الناس في برد الليل أسخن و في حرّ النهار أفتر.

1117-[الحية الدّساس‏]

و زعم لي بعض العلماء ممّن قد روى الكتب، و هو في إرث منها، أنّ الحية التي يقال لها: الدسّاس، تلد و لا تبيض؛ و أنّ أنثى النمور لم تضع نمرا قط إلاّ و معه أفعى.

1118-[استحالة الكمأة إلى أفاع‏]

و الأعراب تزعم أنّ الكمأة تبقى في الأرض فتمطر مطرة صيفيّة، فيستحيل بعضها أفاعي. فسمع هذا الحديث منّي بعض الرّؤساء الطّائيّين، فزعم لي أنّه عاين كمأة ضخمة فتأمّلها، فإذا هي تتحرّك، فنهض إليها فقلعها، فإذا هي أفعى. هذا ما حدّثته عن الأعراب، حتّى برئت إلى اللّه من عيب الحديث.

1119-[زعم صاحب المنطق في الحيات‏]

و زعم صاحب المنطق أنّ الوزغة و الحيّات تأكل اللّحم و العشب. و زعم أنّ الحيّات أظهر كلبا من جميع الحيوان، مع قلّة شرب الماء. و أنّ الأسد مع نهمه قليل شرب الماء. قال: و لا تضبط الحيّات أنفسها إذا شمّت ريح السّذاب، و ربّما اصطيدت به و إذا أصابوها كذلك وجدوها و قد سكرت.

قال: و الحيات تبتلع البيض، و الفراخ، و العشب.

1120-[سلخ الحيوان‏]

و زعم أنّ الحيات تسلخ جلودها في أوّل الرّبيع، عند خروجها من أعشّتها و في أوّل الخريف.

و زعم أن السّلخ يبتدئ من ناحية عيونها أوّلا. قال: و لذلك يظنّ بعض من يعانيها أنها عمياء.

369

و هي تسلخ من جلودها في يوم و ليلة من الرّأس إلى الذّنب، و يصير داخل الجلد هو الخارج، كما يسلخ الجنين من المشيمة، و كذلك جميع الحيوان المحزّز الجسد، و كلّ طائر لجناحه غلاف مثل الجعل و الدّبر و كذلك السّرطان، يسلخ أيضا، فيضعف عند ذلك من المشي.

و تسلخ جلودها مرارا.

و السّلخ يصيب عامّة الحيوان‏[1]: أمّا الطير فسلخها تحسيرها[2]، و أمّا ذوات الحوافر فسلخها عقائقها[3]، و سلخ الإبل طرح أوبارها، و سلخ الجراد انسلاخ جلودها، و سلخ الأيائل إلقاء[4]قرونها، و سلخ الأشجار إسقاط ورقها. [5] و الأسروع: دويبّة تنسلخ فتصير فراشة. و قال الطّرمّاح شعرا[6]: [من الكامل‏]

و تجرّد الأسروع و اطّرد السّفا # و جرت بجاليها الحداب القردد[7]

و انساب حيّات الكثيب و أقبلت # ورق الفراش لما يشبّ الموقد[8]

يصف الزّمان.

و الدّعموص ينسلخ، فيصير إمّا بعوضة و إما فراشة.

و زعم ثمامة عن يحيى بن برمك أنّ البرغوث ينسلخ فيصير بعوضة، و أنّه البعوضة التي من سلخ دعموص ربّما انسلخت برغوثا.

و النمل تحدث لها أجنحة و يتغيّر خلقها، و ذلك هو سلخها. و هلكها يحين عند طيرانها.

و الجراد ينسلخ على غير هذا النوع. قال الرّاجز[9]: [من الرجز]

ملعونة تسلخ لونا لونين‏

[1]ثمار القلوب (631) .

[2]التحسير: سقوط ريش الطائر. (القاموس: حسر) .

[3]العقائق: جمع عقيقة، و هي شعر المولود. (القاموس: عقق) .

[4]في ثمار القلوب (نصول قرونها) .

[5]بعده في ثمار القلوب «و السراطين تسلخ فتضعف عند ذلك» .

[6]ديوان الطرماح 134، (111) و منه شرح المفردات.

[7] «السفا: التراب الذي تسفيه الرياح، و يكون ذلك في الصيف حين تجف الأرض. و اطراده: حمل الريح السفا دفعة بعد دفعة. و الجائل: ما سفرته الريح من حطام النبت و سواقط ورق الشجر فجالت به. الحداب: جمع حدب، و هو ما أشرف من الأرض و غلظ. و القردد: الأرض المرتفعة إلى جانب و هدة، و البيت كناية عن إقبال الصيف» .

[8] «ورق الفراش: جمع أورق، أي الذي لونه لون الرماد» .

[9]الرجز لعوف بن ذروة في نوادر أبي زيد 48، و قبله (من كل سفعاء القفا و الخدين) .

370

1121-[اختلاف ضرر الأفاعي و نحوها باختلاف البلدان‏]

قال: و عضّ السّباع ذوات الأربع، و لدغ الهوامّ، يختلف بقدر اختلاف البلدان؛ كالذي يبلغنا عن أفاعي الرّمل، و عن جرّارات قرى الأهواز، و عقارب نصيبين‏[1]، و ثعابين مصر، و هنديّات‏[2]الخرابات.

و في الشّبثان‏[3]، و الزّنابير، و الرّتيلات‏[4]ما يقتل. فأمّا الطّبّوع‏[5]فإنّه شديد الأذى. و للضّمج‏[6]أذى لا يبلغ ذلك.

1122-[أقوال لصاحب المنطق‏]

و قال صاحب المنطق: و يكون بالبلدة التي تسمّى باليونانية: «طبقون» حيّة صغيرة شديدة اللّدغ، إلا أن تعالج بحجر، يخرج من بعض قبور قدماء الملوك.

و لم أفهم هذا، و لم كان ذلك.

و إذا أكل بعض ذوات السموم من جسد بعضها، كانت أردأ ما تكون سما، مثل العقارب و الأفاعي.

قال: و الأيّل إذا ألقى قرونه علم أنّه قد ألقى سلاحه فهو لا يظهر. و كذلك إن سمن علم أنّه يطلب، فلا يظهر. و كذلك أوّل ما ينبت قرنه يعرّضه للشمس؛ ليصلب و يجفّ. و إن لدغت الأيّل حيّة أكل السّراطين؛ فلذلك نظنّ أنّ السّراطين صالحة للّديغ من الناس.

قال: و إذا وضعت أنثى الأيّل ولدا أكلت مشيمتها. فيظنّ أنّ المشيمة شي‏ء يتداوى به من علّة النفاس.

قال: و الدّبّة إذا هربت دفعت جراءها بين يديها، و إن خافت على أولادها غيّبتها، و إذا لحقت صعدت في الشجر و حملت معها جراءها.

قال: و الفهد إذا عراه الدّاء الذي يقال له: «خانق الفهود» أكل العذرة فبرئ منه.

[1]انظر القول في عقارب نصيبين في معجم البلدان 5/288 (نصيبين) .

[2]الهنديات: ضرب من الأفاعي.

[3]الشبثان: دويبة تكون في الرمل، سميت بذلك لتشبثها بما دبت عليه. حياة الحيوان 1/595.

[4]الرتيلى: جنس من العناكب، و تسمى عقرب الحيات، لأنها تقتل الحيات. حياة الحيوان 1/523.

[5]الطبوع: دويبة ذات سم، أو من جنس القردان؛ لعضته ألم شديد. (القاموس: طبع) .

[6]الضمج: دويبة منتنة تلسع. (القاموس: ضمج) .

371

قال: و السّباع تشتهي رائحة الفهود، و الفهد يتغيّب عنها، و ربّما فرّ بعضها منه فيطمع في نفسه، فإذا أراده السّبع وثب عليه الفهد فأكله.

قال: و التمساح يفتح فاه إذا غمّه ما قد تعلق بأسنانه، حتى يأتي طائر فيأكل ذلك، فيكون طعاما له و راحة للتّمساح.

قال: و أمّا السّلحفاة فإنّها إذا أكلت الأفعى أكلت صعترا جبليّا، و قد فعلت ذلك مرارا، فربما عادت فأكلت منها ثمّ أكلت من الصّعتر مرارا كثيرة، فإذا أكثرت من ذلك هلكت.

قال: و أمّا ابن عرس، فإنّه إذا قاتل الحيّة بدأ بأكل السّذاب، لأنّ رائحة السّذاب مخالفة للحيّة، كما أن سامّ أبرص لا يدخل بيتا فيه زعفران.

قال: و الكلاب إذا كان في أجوافها دود أكلت سنبل القمح.

قال: و نظنّ أنّ ابن عرس يحتال للطير بحيلة الذئب للغنم؛ فإنه يذبحها كما يفعل الذئب بالشاة.

قال: و تتقاتل الحيّات المشتركة في الطّعم.

و زعم أنّ القنافذ لا يخفى عليها شي‏ء من جهة الرّيح و تحوّلها و هبوبها، و أنّه كان بقسطنطينيّة رجل يقدّم و يعظّم؛ لأنه كان يعرف هبوب الرّيح و يخبرهم بذلك و إنما كان يعرف الحال فيها بما يرى من هيئة القنافذ.

1123-[القول في العيون‏]

و العيون الحمر للعرض المفارق، كعين الغضبان، و عين السّكران، و عين الكلب، و عين الرّمد.

و العيون الذهبيّة، عيون أصناف البزاة من بين العقاب إلى الزّرّق.

و العيون التي تسرج بالليل، عيون الأسد، و عيون النمور، و عيون السّنانير، و عيون الأفاعي.

قال أبو حيّة[1]: [من الطويل‏]

غضاب يثيرون الذّحول، عيونهم # كجمر الغضا ذكّيته فتوقّدا

[1]ديوان أبي حية 136 «الذحول: جمع ذحل، و هو الثأر» .

372

و قال آخر[1]: [من الكامل‏]

و مدجّج يسعى بشكّته # محمرّة عيناه كالكلب‏

رجع بالكلب إلى صفة المدجّج.

و قال معاوية لصحار العبديّ: يا أحمر!قال: و الذهب أحمر!قال يا أزرق!قال:

و البازي أرزق! و أنشدوا[2]: [من الطويل‏]

و لا عيب فيها غير شكلة عينها # كذاك عتاق الطير شكل عيونها

و قال آخر: [من الطويل‏]

و شكلة عين لو حبيت ببعضها # لكنت مكان العين مرأى و مسمعا

و من العيون المغرب‏[3]، و الأزرق، و الأشكل، و الأسجر[4]، و الأشهل‏[5]، و الأخيف‏[6]. و ذلك إذا اختلفا.

و عين الفأرة كحلاء، و هي أبصر بالليل من الفرس و العقاب.

و في حمرة العينين و ضيائهما يقول محمّد بن ذؤيب العمانيّ، في صفة الأسد:

[من الرجز]

أجرأ من ذي لبدة همّاس # غضنفر مضبّر رهّاس‏[7]

منّاع أخياس إلى أخياس # كأنّما عيناه في مراس‏[8]

شعاع مقباس إلى مقباس‏

و قال المرّار: [من المنسرح‏]

كأنّما و قد عينيه النّمر

[1]البيت للحارث بن الطفيل في الأغاني 13/224، و بلا نسبة في اللسان و التاج (دجج) ، و المقاييس 2/265، و المجمل 2/258، و العين 6/11، و المخصص 8/95، و التهذيب 10/467، و الكامل 1211 (طبعة الدالي) .

[2]البيت بلا نسبة في اللسان (غير، شكل، شهل) ، و التاج (شكل) .

[3]المغرب: الأبيض. (اللسان: غرب) .

[4]الشكلة في العين: حمرة في بياض العين، و مثلها الأسجر.

[5]الأشهل: حمرة في سواد العين. (القاموس: شهل) .

[6]الأخيف: زرقة إحدى العينين، و سواد الأخرى. (القاموس: خيف) .

[7]الهماس: الشديد الغمز بضرسه. (القاموس: همس) . الرهاس: الذي يطأ الأرض بشدة.

(القاموس: رهس) .

[8]الأخياس: جمع خيس، و هو الأجمة يكون فيها الأسد. (القاموس: خيس) .

373

أصوات خشاش الأرض‏

نحو الضبّ، و الورل، و الحيّة، و القنفذ، و ما أشبه ذلك.

يقال للضبّ و الحيّة و الورل: فحّ يفحّ فحيحا. و قال رؤبة[1]: [من الرجز]

فحّي فلا أفرق أن تفحّي # و أن ترحّي كرحى المرحّي‏[2]

أصبح من نحنحة و أحّ # يحكي سعال النّشر الأبحّ‏[3]

قال: الفحيح: صوت الحيّة من فيها. و الكشيش و النشيش: صوت جلدها إذا حكّت بعضه ببعض. قال الرّاجز في صفة الشّخب و الحب‏[4]: [من الرجز]

حلبت للأبرش و هو مغض # حمراء منها شخبة بالمخض

ليست بذات وبر مبيضّ # كأنّ صوت شخبها المرفضّ

كشيش أفعى أجمعت لعصّ‏

و يقال للضّبّ و الورل: كش يكش كشيشا. و أنشد أبو الجرّاح‏[5]: [من الطويل‏]

ترى الضّبّ إن لم يرهب الضبّ غيره # يكشّ له مستنكرا و يطاوله‏[6]

[1]ديوان رؤبة 36-37.

[2]الفرق: الخوف. (القاموس: فرق) .

[3]أن ترحي: أن تستديري. (القاموس: رحى) .

[4]الرجز لمعتمر بن قطبة في التاج (كشش) ، و بلا نسبة في اللسان و أساس البلاغة (كشش) و المخصص 8/115، و التهذيب 9/424، و الخزانة 4/571 (بولاق) .

[5]البيت لابن ميادة في ديوانه 193، و المعاني الكبير 649.

[6]يطاوله: يبارزه و يغالبه.

374

باب من ضرب المثل للرّجل الداهية و للحيّ الممتنع بالحيّة

قال ذو الإصبع العدوانيّ‏[1]: [من الهزج‏]

عذير الحيّ من عدوا # ن كانوا حيّة الأرض

بغى بعضهم ظلما # فلم يرع على بعض

و فيهم كانت السّادا # ت و الموفون بالقرض‏

1124-[أمثال أشعار في الحية]

يقال: «فلان حيّة الوادي» [2]، و: «ما هو إلاّ صلّ أصلال» [3]. و الصّلّ: الداهية و الحيّة. قال النّابغة[4]: [من البسيط]

ما ذا رزئنا به من حيّة ذكر # نضناضة بالرّزايا، صلّ أصلال‏

و قال آخر: [من المنسرح‏]

صلّ صفا تنطف أنيابه # سمام ذيفان مجيرات‏

و قال آخر[5]: [من المديد]

مطرق يرشح سمّا، كما # أطرق أفعى ينفث السمّ صلّ‏

و من أمثالهم: «صمّي صمام» [6]، و: «صمّي ابنة الجبل» ، [6]و هي الحيّة.

[1]ديوان ذي الإصبع العدواني 46، و الأصمعيات 72، و الحماسة البصرية 1/269، و المعمرون و الوصايا 58، و الخزانة 5/286.

[2]في جمهرة الأمثال 2/27، و الدرة الفاخرة 1/293 (أظلم من حية الوادي) .

[3]جمهرة الأمثال 2/357، و المستقصى 1/422، و فصل المقال 140، و أمثال ابن سلام 99.

[4]ديوان النابغة الذبياني 165، و اللسان و التاج (صلل) ، و المستقصى 1/422، و بلا نسبة في ثمار القلوب (624) ، و أساس البلاغة (صلل) .

[5]البيت من قصيدة تنسب للشنفرى، و لخلف الأحمر، و لتأبط شرا، انظر شرح ديوان الحماسة للمرزوقي 833، و التبريزي 2/162.

[6]مجمع الأمثال 1/320، و جمهرة الأمثال 1/578، و الدرة الفاخرة 2/499، و المستقصى 2/143، و فصل المقال 189، 474، 478، و أمثال ابن سلام 348.

375

قال الكميت‏[1]: [من الوافر]

إذا لقي السّفير لها و نادى # بها: صمّي ابنة الجبل، السّفير

و من أمثالهم: «جاء بأمّ الرّبيق على أريق» [2]، أمّ الرّبيق: إحدى الحيات. و أريق:

أمّ الطّبق. ضربوا به مثلا في الدواهي. و أصلها من الحيّات قال‏[3]: [من البسيط]

إذا وجدت بواد حيّة ذكرا # فاذهب ودعني أمارس حية الوادي‏

و في المثل: «أدرك القويّمة لا تأكلها الهويّمة» [4]يعني الصبي الذي يدرج و يتناول كلّ شي‏ء سنح له، و يهوي به إلى فيه. كأنه قال لأمّه: أدركيه لا تأكله الهامّة! و هي الحيّة. و هو قوله في التعويذ: «و من كلّ شيطان و هامّة، و نفس و عين لامّة» .

و قال الأخطل، في جعلهم الرّجل الشّجاع و ذا الرّأي الدّاهية حية-و كذلك يجعلون إذا أرادوا تعظيم شأنها. و إذا أرادوا ذلك فما أكثر ما يجعلون الحيّة ذكرا. قال الأخطل‏[5]: [من الطويل‏]

أنبئت كلبا تمنّى أن يسافهنا # و طالما سافهونا ثمّ ما ظفروا

كلفتمونا رجالا قاطعي قرن # مستلحقين كما يستلحق اليسر[6]

ليست عليهم إذا عدّت خصالهم # خصل و ليس لهم إيجاب ما قمروا

قد أنذروا حيّة في رأس هضبته # و قد أتتهم به الأنباء و النذر

باتوا رقودا على الأمهاد ليلهم # و ليلهم ساهر فيها، و ما شعروا

ثمّت قالوا أمات الماء حيّته # و ما يكاد ينام الحية الذّكر

1125-[حيّة الماء]

و ما أكثر ما يذكرون حيّة الماء؛ لأنّ حيّات الماء فيها تفاوت. إمّا أن تكون لا تضرّ كبير ضرر، و إمّا أن تكون أقتل من الحيّات و الأفاعي.

[1]ديوان الكميت 1/167، و اللسان (صمم) .

[2]مجمع الأمثال 1/169، و جمهرة الأمثال 1/47، و المستقصى 2/41، و أمثال ابن سلام 348، و فصل المقال 477.

[3]البيت لعبيد بن الأبرص في ديوانه 48، و له أو للحارث بن بدر في شرح شواهد الإيضاح 428، و بلا نسبة في ثمار القلوب 335 (623) ، و المخصص 16/101، و الجمهرة 576.

[4]المستقصى 1/116، و مجمع الأمثال 1/264.

[5]ديوان الأخطل 515-516؛ و شرح المفردات التالية منه.

[6]اليسر: صاحب القداح في القوم.

376

1126-[سبب وجود الحيات في بعض البيوت‏]

و يقال إنّ الهنديّات إنّما تصير في البيوت و الدّور، و الإصطبلات، و الخرابات؛ لأنّها تحمل في القضب و في أشباه ذلك.

و الحيّات تأكل الجراد أكلا شديدا، فربّما فتح رأس كرزه و جرابه و جوالقه، الذي يأتي الجراد، و قد ضربه برد السّحر، و قد تراكم بعضه على بعض؛ لأنّها موصوفة بالصّرد.

و الحيّات توصف بالصّرد، كذلك الحمير، و الماعز من الغنم. و لذلك قال الشاعر[1]: [من الطويل‏]

بليت كما يبلى الوكاء و لا أرى # جنابا و لا أكناف ذروة تخلق‏[2]

ألوّي حيازيمي بهنّ صبابة # كما تتلوّى الحيّة المتشرّق‏

و إنما تشرّق إذا أدركها برد السّحر و لم تصر بعد إلى صلاحها، و إذا خرجت بالليل تكتسب الطعم كما يفعل ذلك سائر السّباع. فربما اجترف صاحب الكرز الجراد، فأدخله كرزه، و فيه الأفعى و أسود سالخ، حتى ينقل ذلك إلى الدّور، فرّبما لقى النّاس منها جهدا.

و قال بشر بن المعتمر، في شعره المزاوج‏[3]: [من الرجز]

يا عجبا و الدّهر ذو عجائب # من شاهد و قلبه كالغائب

و حاطب يحطب في بجاده # في ظلمة الليل و في سواده‏[4]

يحطب في بجاده الأيم الذكر # و الأسود السّالخ مكروه النّظر

1127-[شعر في حية الماء]

فممن ذكر حيّة الماء، عبد اللّه بن همّام السلوليّ فقال: [من البسيط]

كحيّة الماء لا تنحاش من أحد # صلب المراس إذا ما حلّت النّطق‏

[1]البيتان لصخر بن الجعدي الخضري في الأغاني 22/35، و البيت الأول في معجم البلدان 3/5 (ذروة) ، و الثاني في العمدة 2/58.

[2]الوكاء: السقاء، و رباط القربة و غيرها. (القاموس: وكي) . الجناب: موضع بالقرب من خيبر و المدينة. معجم البلدان.

[3]الرجز في ثمار القلوب (910) .

[4]البجاد: الكساء. (القاموس: بجد) .

377

و قال الشّمّاخ بن ضرار[1]: [من البسيط]

خوص العيون تبارى في أزمّتها # إذا تفصّدن من حرّ الصّياخيد[2]

و كلّهن تباري ثني مطّرد # كحية الماء ولّى غير مطرود[3]

و قال الأخطل‏[4]: [من الطويل‏]

ضفادع في ظلماء ليل تجاوبت # فدل عليها صوتها حيّة البحر

و قال أيضا[5]: [من الطويل‏]

هلمّ ابن صفّار فإنّ قتالنا # جهارا و ما منّا ملاوذة العذر

فإنّك في قيس لتال مذبذب # و غيرك منهم ذو الثّناء و ذو الفخر

و نحن منعنا ماء دجلة منكم # و نمنع ما بين العراق إلى البشر

ألا يا ابن صفّار فلا ترم العلى # و لا تذكرن حيّات قومك في الشّعر

فما تركت حيّاتنا لك حيّة # تحرّك في أرض براح و لا بحر

و قال نفيع يعيّره بالكحيل‏[6]: [من الطويل‏]

فإن تك قتلاكم بدجلة غرّقت # فما أشبهت قتلى حنين و لا بدر

ثووا إذ لقونا بالكحيل كما ثوى # شمام إلى يوم القيامة و الحشر[7]

بدجلة حالت حربنا دون قومنا # و أوطاننا ما بين دجلة فالحضر

و لو كنتم حيّات بحر لكنتم # غداة الكحيل إذ تقومون في الغمر

1128-[ما يشبّه بالأيم‏]

فالأيم الحيّة الذكر يشبهون به الزّمام، و ربّما شبّهوا الجارية المجدولة الخميصة [1]ديوان الشماخ 114، و الأول في أساس البلاغة (صخد) ، و الثاني في المعاني الكبير 668.

[2]في ديوانه: «أخذت هذه الإبل الغائرات العيون تتسابق سائلة العرق من حر الهواجر» .

[3]في ديوانه: «يباري: يعارض. ثني مطرد: يعني زماما طويلا، و شبهه بحية الطود، و هو الجبل، لأنه في خشونة، فهو يتلوى إذا مشى، و جعله غير مطرود، لأنه أراد أنه لم يطرد فيستعجل، و يمر مرا مستقيما» .

[4]ديوان الأخطل 181، و بلا نسبة في عيون الأخبار 2/97، و البيان 1/270. و تقدم في 3/130.

[5]ديوان الأخطل 188.

[6]المؤتلف و المختلف 195.

[7]الكحيل: موضع بالجزيرة، كان فيه يوم للعرب. (معجم البلدان 4/439) ، شمام: اسم جبل لباهلة. (معجم البلدان 3/361) .

378

الخواصر، في مشيها، بالأيم؛ لأنّ الحيّة الذّكر ليس له غبب، و موضع بطنه مجدول غير متراخ. و قال ابن ميّادة[1]: [من الطويل‏]

قعدت على السّعلاة تنفض مسحها # و تجذب مثل الأيم في بلد قفر[2]

تيمّم خير النّاس من آل حاضر # و تحمل حاجات تضمّنها صدري‏[3]

1129-[شعر في حمرة العين‏]

و قال الآخر في حمرة عين الأفعى‏[4]: [من البسيط]

لو لا الهراوة و الكفّات أوردني # حوض المنيّة قتّال لمن علقا[5]

أصمّ منهرت الشّدقين ملتبد # لم يغذ إلاّ المنايا من لدن خلقا[6]

كأنّ عينيه مسماران من ذهب # جلاهما مدوس التّألاق فائتلقا[7]

و قال في حمرة عيون النّاس في الحرب و في الغضب، ابن ميّادة[8]: [من الطويل‏]

و عند الفزاري العراقي عارض # كأنّ عيون القوم في نبضة الجمر

و في حمرة العين من جهة الخلقة، يقول أبو قردودة، في ابن عمار حين قتله النّعمان‏[9]: [من البسيط]

إنّي نهيت ابن عمّار و قلت له: # لا تأمنن أحمر العينين و الشعره

إنّ الملوك متى تنزل بساحتهم # تطر بنارك من نيرانهم شرره

يا جفنة كإزاء الحوض قد هدمت # و منطقا مثل وشي اليمنة الحبره‏

[1]ديوان ابن ميادة 152، و منه شرح المفردات التالية.

[2] «السعلاة: اسم ناقة لابن ميادة. المسح: الكساء من الشعر. الأيم: الحية» .

[3] «الحاضر: الحي العظيم أو القوم» .

[4]الأبيات بلا نسبة في البيان 3/60.

[5]الكفات: جمع كفة، و هي إحدى آلات الصيد.

[6]منهرت: واسع. (القاموس: هرت) .

[7]المدوس: خشبة يشد عليها مسن، يدوس بها الصيقل السيف حتى يجلوه. (اللسان: دوس) .

[8]ديوان ابن ميادة 154.

[9]الأبيات في معجم الشعراء 59، و نوادر المخطوطات 2/222، و الوحشيات 146، و قصائد جاهلية نادرة 167، و البيان 1/223، 349.

379

1130-[أسماء الحية]

و أكثر ما يذكرون من الحيات بأسمائها دون صفاتها: الأفعى، و الأسود، و الشجاع، و الأرقم. قال عمر بن لجأ[1]: [من الرجز]

يلزق بالصّخر لزوق الأرقم‏

و قال آخر[2]: [من الطويل‏]

و رفّع أولى القوم وقع خرادل # و وقع نبال مثل وقع الأساود

1131-[أولاد الأفاعي‏]

و في بعض كتب الأنبياء، أنّ اللّه تبارك و تعالى قال لبني إسرائيل: «يا أولاد الأفاعي» .

1132-[مثل و شعر في الحية]

و يقال: «رماه اللّه بأفعى حارية» [3]و هي التي تحري، و كلما كبرت في السن صغرت في الجسم. و أنشد الأصمعيّ في شدّة اسوداد أسود سالخ: [من الرجز]

مهرّت الأشداق عود قد كمل # كأنما قيّظ من ليط جعل‏

و قال جرير في صفة عروق بطن الشّبعان‏[4]: [من الطويل‏]

و أعور من نبهان أمّا نهاره # فأعمى، و أمّا ليله فبصير

رفعت له مشبوبة يلتوي بها # يكاد سناها في السماء يطير

فلما استوى جنباه لاعب ظلّه # عريض أفاعي الحالبين ضرير

قال: و يقال: «أبصر من حيّة» [5]، كما يقال: «أسمع من فرس» [6]، و «أسمع من عقاب» [7]. و قال الراجز: [من الرجز]

أسمع من فرخ العقاب الأشجع‏

[1]ديوان عمر بن لجأ 162.

[2]البيت لعروة بن مرة الهذلي في شرح أشعار الهذليين 663، و اللسان و التاج (وكع) .

[3]مجمع الأمثال 1/390.

[4]ديوان جرير 877، و الأول في معجم الشعراء 88، و الثالث في أساس البلاغة (فعي) .

[5]المستقصى 2/20.

[6]الدرة الفاخرة 1/218، و مجمع الأمثال 2/349، و أمثال ابن سلام 360، و برواية (أسمع من فرس بيهماء في غلس) في فصل المقال 492، و المستقصى 1/173، و مجمع الأمثال 1/349.

[7]المستقصى 1/173، و هو برواية (أسمع من فرخ العقاب) في مجمع الأمثال 1/355.

380

و قال آخر[1]: [من الطويل‏]

أسود شرى لاقت أسود خفيّة # تساقوا على حرد دماء الأساود[2]

ضرب المثل بجنسين من الأسود، إذ كانا عنده الغاية في الشدّة و الهول، فلم يقنع بذلك حتى ردّ ذلك كلّه إلى سموم الحيّات.

1133-[ما يشبّه بالأسود]

و في هول منظر الأسود يقول الشاعر[3]: [من الكامل‏]

من دون سيبك لون ليل مظلم # و حفيف نافجة و كلب موسد

و الضّيف عندك مثل أسود سالخ # لا بل أحبّهما إليك الأسود

و يصفون ذوائب الناس، فإذا بلغوا الغاية شبهوها بالأساود. قال جران العود[4]:

[من الطويل‏]

ألا لا تغرّنّ امرأ نوفليّة # على الرّأس منها، و الترائب وضّح‏[5]

و لا فاحم يسقى الدّهان كأنّه # أساود يزهاها لعينك أبطح‏[6]

قال: و الخرشاء: القشرة الغليظة بعد أن تنقب فيخرج ما فيها، و جماعه الخراشيّ، غير مهموز. قال: و خرشاء الحيّة: سلخها حين تسلخ. و قال: هذا أسود سالخ، و هذان أسودان سالخان، و أساود سالخة. و قال مرقّش‏[7]: [من السريع‏]

إن يغضبوا يغضب لذاكم كما # ينسلّ عن خرشائه الأرقم‏

[1]البيت للأشهب بن رميلة في ديوانه 232، و البيان 4/55، و الحماسة البصرية 1/269، و أمالي القالي 1/8، و السمط 35، و الخزانة 6/27، و شرح شواهد المغني 2/517، و اللسان (حرد، خفا) ، و معجم ما استعجم 2/506، و المقاصد النحوية 1/483، و المنصف 1/67، و الأضداد 229، و صدر البيت في معجم البلدان 3/330 (شرى) .

[2]شرى: جبل بنجد أو تهامة موصوف بكثرة السباع. (معجم البلدان 3/30) . خفية: أجمة في سواد الكوفة، ينسب إليها الأسود. (معجم البلدان 2/380) .

[3]تقدم البيتان في الفقرة 268.

[4]ديوان جران العود 37، و اللسان و التاج (نفل) ، و التهذيب 15/358، و الخزانة 10/19، و الخصائص 2/414.

[5]النوفلية: شي‏ء يتخذه نساء الأعراب من صوف يكون في غلظ أقل من الساعد، ثم يحشى و يعطف، فتضعه المرأة على رأسها. انظر التهذيب 15/358.

[6]الأبطح: بطن واد فيه رمل و حجارة.

[7]المفضليات 240.

381

1134-[علة تعليق الحلي و الخلاخيل على السليم‏]

و كانوا يرون أنّ تعليق الحلي، و خشخشة الخلاخيل على السّليم، ممّا لا يفيق و لا يبرأ إلاّ به. و قال زيد الخيل‏[1]: [من الطويل‏]

أيم يكون النعل منه ضجيعة # كما علّقت فوق السليم الخلاخل‏

و خبّرني خالد بن عقبة، من بني سلمة بن الأكوع، و هو من بني المسبع، أنّ رجلا من حزن، من بني عذرة، يسمّى أسباط، قال في تعليقهم الحلي على السّليم‏[2]: [من الطويل‏]

أرقت فلم تطعم لي العين مهجعا # و بتّ كما بات السليم مقرّعا

كأني سليم ناله كلم حيّة # ترى حوله حلي النّساء مرصّعا

و قال الذّبيانيّ‏[3]: [من الطويل‏]

فبتّ كأنّي ساورتني ضئيلة # من الرّقش في أنيابها السّمّ ناقع‏[4]

يسهّد من ليل التّمام سليمها # لحلي النّساء في يديه قعاقع‏[5]

1135-[استطراد فيه لغة و شعر]

قال: و يقال لسان طلق ذلق‏[6]. يقال للسليم إذا لدغ: قد طلّق، و ذلك حين ترجع إليه نفسه. و هو قول النابغة[7]: [من الطويل‏]

تناذرها الرّاقون من سوء سمّها # تطلّقه طورا و طورا تراجع‏

[1]ديوان زيد الخيل 191، و أمالي الزجاجي 107.

[2]البيت الثاني في عيار الشعر 53.

[3]ديوان النابغة الذبياني 33، و الخزانة 2/457، و السمط 489، و شرح شواهد المغني 2/902، و المقاصد النحوية 4/73، و اللسان و التاج (طور، نذر، نقع) . و الثاني في اللسان و التاج (سهد، قعع) ، و العين 1/64، و التهذيب 6/115، و بلا نسبة في المخصص 2/41.

[4]في ديوانه «ساورتني: و اثبتني. ضئيلة: حية دقيقة قد أتت عليها سنون كثيرة، فقلّ لحمها؛ و اشتدّ سمّها. الرقش: التي فيها نقط؛ سواد و بياض. ناقع: ثابت» .

[5]في ديوانه «ليل التمام: أطول ليالي الشتاء، و السليم: الملدوغ» .

[6]في الإتباع و المزاوجة 109 «طلق ذلق: من ذلقت الشي‏ء: حددته» و الطلق: الفصيح.

[7]ديوان النابغة 34، و الخزانة 2/459، 4/46، 48، و شرح شواهد الإيضاح 126، 152، و المعاني الكبير 663، و اللسان (عدد، طور، نذر، طلق، حين) ، و التاج (عدد، طور، نذر) ، و الجمهرة 922، و أساس البلاغة (نذر، طلق) ، و التهذيب 1/89، 2/16، 5/255، 9/293، 14/421، 16/261، و بلا نسبة في المخصص 8/113، 9/65، و المقاييس 3/421. ـ

382

و قال العبدي‏[1]-إن كان قاله-: [من الطويل‏]

تبيت الهموم الطّارقات يعدنني # كما تعتري الأهوال رأس المطلّق‏

و أنشد[2]: [من الوافر]

تلاقي من تذكّر آل ليلى # كما يلقى السّليم من العداد

و العداد: الوقت. يقال: إنّ تلك اللّسعة لتعادّه: إذا عاده الوجع في الوقت الذي لسع فيه.

1136-[الحمل المصليّ‏]

و ذكر النبيّ صلى اللّه عليه و سلم السّمّ الذي كان في الحمل المصليّ، الذي كانت اليهوديّة قدّمته إليه فنال منه، فقال: «إنّ تلك الأكلة لتعادّني» [3].

1137-[نفع الحية]

و في الحيّة قشرها، و هو أحسن من كلّ ورقة و ثوب، و جناح، و طائر؛ و أعجب من ستر العنكبوت، و غرقئ البيض.

و يقال في مثل، إذا مدحوا الخفّ اللّطيف، و القدم اللّطيفة قالوا: كأنّه لسان حيّة.

و بالحيّة يتداوى من سمّ الحيّة. و للدغ الأفاعي يؤخذ التّرياق الذي لا يوجد إلاّ بمتون الأفاعي. قال كثيّر[4]: [من الوافر]

و ما زالت رقاك تسلّ ضغني # و تخرج من مكامنها ضبابي

و ترقيني لك الحاوون حتّى # أجابك حيّة تحت الحجاب‏

[1]البيت للممزق العبدي في الأصمعيات 164، و بلا نسبة في اللسان (طلق) ، و التهذيب 16/261، و ديوان الأدب 2/369، و الجمهرة 922، و المقاييس 3/421.

[2]البيت بلا نسبة في اللسان (عدد) ، و التاج (عدد، أول) ، و العين 1/80، و الجمهرة 332، و المخصص 5/88، و التهذيب 1/89.

[3]انظر السيرة 2/337-338، و التنبيه و الإشراف 257، و أسماء المغتالين في نوادر المخطوطات 2/147، و تاريخ الطبري 3/15، و ثمار القلوب (874) ، و النهاية 3/189، و البخاري في المغازي، و مسند أحمد 6/18.

[4]ديوان كثير 280، و الأغاني 21/383، و السمط 62، و الأول في أساس البلاغة (رقي) ، و الجمهرة 72، و المعاني الكبير 644، و بلا نسبة في اللسان و التاج (ضبب) .

383

1138-[قصة امرأة لدغتها حية]

جويبر بن إسماعيل، عن عمّه، قال: حججت فإنّا لفي وقعة مع قوم نزلوا منزلنا، و معنا امرأة، فنامت فانتبهت و حيّة منطوية عليها، قد جمعت رأسها مع ذنبها بين ثدييها، فهالها ذلك و أزعجنا، فلم تزل منطوية عليها لا تضرّها بشي‏ء، حتّى دخلنا أنصاب الحرم‏[1]، فانسابت فدخلت مكّة، فقضينا نسكنا و انصرفنا، حتّى إذ كنّا بالمكان الذي انطوت عليها فيه الحيّة، و هو المنزل الذي نزلناه، نزلت فنامت و استيقظت، فإذا الحيّة منطوية عليها، ثمّ صفرت الحيّة فإذا الوادي يسيل حيّات عليها، فنهشتها حتّى نقت عظامها، فقلت لجارية كانت لها: ويحك: أخبرينا عن هذه المرأة. قالت: بغت ثلاث مرّات، كلّ مرّة تأتي بولد، فإذا وضعته سجرت التّنّور، ثمّ ألقته فيه.

1139-[قول امرأة في عليّ و الزّبير و طلحة]

قال و نظرت امرأة إلى عليّ، و الزّبير، و طلحة، رضي اللّه تعالى عنهم، و قد اختلفت أعناق دوابّهم حين التقوا، فقالت: من هذا الذي كأنه أرقم يتلمّظ؟قيل لها: الزّبير. قالت: فمن هذا الذي كأنّه كسر ثمّ جبر؟قيل لها: عليّ. قالت: فمن هذا الذي كأنّ وجهه دينار هرقليّ؟قيل لها: طلحة.

1140-[استطراد لغوي‏]

و قال أبو زيد: نهشت أنهش نهشا. و النّهش: هو تناولك الشّي‏ء بفيك، فتمضغه فتؤثّر فيه و لا تجرحه. و كذلك نهش الحيّة. و أمّا نهش السّبع فتناوله من الدّابّة بفيه، ثمّ يقطع ما أخذ منه فوه. و يقال نهشت اللحم أنهشه نهشا، و هو انتزاع اللّحم بالثّنايا؛ للأكل. و يقال نشطت العقد نشطا: إذا عقدته بأنشوطة. و نشطت الإبل تنشط نشطا: إذا ذهبت على هدى أو غير هدى، نزعا أو غير نزع. و نشطته الحيّة فهي تنشطه نشطا، و هو أن تعضّه عضّا. و نكزته الحيّة تنكزه نكزا، و هو طعنها الإنسان بأنفها. فالنّكز من كلّ دابّة سوى الحيّة العضّ. و يقال: نشطته شعوب نشطا و هي المنيّة.

قال: و تقول العرب. نشطته الشّعوب، فتدخل عليها التعريف.

[1]أنصاب الحرم: حدوده. (القاموس: نصب) .

384

و يسمون النهيش سليما على الطيرة. قال ابن ميّادة: [1][من الطويل‏]

كأنّي بها لما عرفت رسومها # قتيل لدى أيدي الرّقاة سليم‏

و ممّا يضربون به المثل بالحيّات في دواهي الأمر، كقول الأقيبل القينيّ‏[2]:

[من البسيط]

لقد علمت و خير القول أنفعه # أنّ انطلاقي إلى الحجّاج تغرير

لئن ذهبت إلى الحجّاج يقتلني # إنّي لأحمق من تحدى به العير

مستحقبا صحفا تدمى طوابعها # و في الصّحائف حيّات مناكير

و قال الأصمعيّ: يقال للحيّة الذّكر أيّم و أيم، مثقّل و مخفف، نحو ليّن و لين، و هيّن و هين. قال الشاعر[3]: [من البسيط]

هينون لينون أيسار ذوو يسر # سوّاس مكرمة أبناء أيسار

و أنشد في تخفيف الأيم و تشديده‏[4]: [من الكامل‏]

و لقد وردت الماء لم تشرب به # زمن الرّبيع إلى شهور الصّيّف

إلاّ عواسر كالمراط معيدة # باللّيل مورد أيّم متغضّف‏

الصّيّف، يعني مطر الصّيف. و العواسر: يعني ذئابا رافعة أذنابها.

و المراط: السهام التي قد تمرّط ريشها. و معيدة: يعني معاودة للورد. يقول هو مكان لخلائه يكون فيه الحيّات، و ترده الذّئاب. و متغضّف يريد بعضه على بعض، يريد تثني الحيّة.

و أنشد لابن هند: [من البسيط]

أودى بأمّ سليمى لاطئ لبد # كحيّة منطو من بين أحجار

[1]ديوان ابن ميادة 251.

[2]المؤتلف و المختلف 24، و البيت الثالث في اللسان و التاج (نكر) ، و التهذيب 10/192، و بلا نسبة في العين 5/355.

[3]تقدم تخريج البيت في (ج 2 ص 300) .

[4]البيتان لأبي كبير الهذلي في شرح أشعار الهذليين 1085، و اللسان (عود، عبس، مرط، صيف، غضف، أيم) ، و التاج (عبس، عود، مرط، غضف، أمل، عسل) ، و التهذيب 2/82، 3/130، 8/16، 15/551، و للهذلي في الجمهرة 248، و بلا نسبة في اللسان و التاج (عسر) ، و المقاييس 1/166.

385

و قال محمد بن سعيد: [من البسيط]

قريحة لم تدنّيها السّياط و لم # تورد عراكا و لم تعصر على كدر

كمنطوى الحيّة النّضناض مكمنها # في الصّدر ما لم يهيّجها على زور

الليث للّيث منسوب أظافره # و الحيّة الصّلّ نجل الحيّة الذّكر

و قال ذو الرّمّة[1]: [من الطويل‏]

و أحوى كأيم الضّال أطرق بعد ما # حبا تحت فينان من الظّلّ وارف‏

قال: و يقال انبسّت الحيّات: إذا تفرّقت و كثرت. و ذلك عند إقبال الصّيف. قال أبو النّجم‏[2]: [من الرجز]

و انبس حيّات الكثيب الأهيل‏

و قال الطّرمّاح‏[3]: [من الكامل‏]

و تجرّد الأسروع و اطّرد السّفا # و جرت بجاليها الحداب القردد

و انساب حيّات الكثيب و أقبلت # ورق الفراش لما يشبّ الموقد

قال: و يقال جبأ عليه الأسود من حجره: إذا فاجأه. و هو يجبأ جبأ و جبوا.

و قال رجل من بني شيبان‏[4]: [من الطويل‏]

و ما أنا من ريب المنون بجبّإ # و ما أنا من سيب الإله بيائس‏[5]

1141-[شرع الحيّة في اللبن‏]

قال: و يقال: اللّبن محتضر فغطّ إناءك. كأنّهم يرون أنّ الجنّ تشرع فيه، على [1]ديوان ذي الرمة 1636، و المخصص 10/195، و بلا نسبة في اللسان (ورف، فين، حبا) ، و التاج (ورف) ، و التهذيب 15/239.

[2]ديوان أبي النجم 188، و الطرائف الأدبية 62، و الجمهرة 69، و المقاييس 1/181، و المجمل 1/229، و اللسان (عدل) ، و التاج (عدل، هيل) ، و بلا نسبة في المخصص 7/7، و اللسان (بسس) ، و التهذيب 12/316.

[3]ديوان الطرماح 134 (111) .

[4]البيت لمفروق بن عمرو الشيباني في اللسان و التاج (جبأ) ، و كتاب الجيم 1/117، و التنبيه و الإيضاح 1/8، و بلا نسبة في العين 6/191، و المخصص 3/26، 15/148، و المقاييس 1/504، و المجمل 1/481، و ديوان الأدب 4/174، و اللسان و التاج (سيب) ، و التهذيب 11/215، 216، 13/99.

[5]الجبأ: الهيوب الجبان.

386

تصديق الحديث في قول المفقود لعمر، حين سأله و قد استهوته الجانّ: ما كان طعامهم؟قال الرّمّة. يريد العظم البالي. قال: فما شرابهم؟قال: الجدف. قال: و هو كلّ شراب لا يخمّر.

و تقول الأعراب: ليس ذلك إلاّ في اللّبن. و أمّا النّاس فيذهبون إلى أنّ الحيّات تشرع في اللّبن، و كذلك سامّ أبرص، كذلك الحيّات تشرع في كثير من المرق.

1142-[حديث في المعصفر]

و جاء في الحديث: «لا تبيتوا في المعصفر؛ فإنها محتضرة» أي يحضرها الجنّ و العمّار.

1143-[شعر فيه مجون‏]

و قال الشاعر فيما يمجنون به، من ذكر الأفعى‏[1]: [من الوافر]

رماك اللّه من أير بأفعى # و لا عافاك من جهد البلاء

أجبنا في الكريهة حين تلقى # و نعظا ما تفتّر في الخلاء!!

فلو لا اللّه ما أمسى رفيقي # و لو لا البول عوجل بالخصاء

و قال أبو النّجم‏[2]: [من الكامل‏]

نظرت فأعجبها الذي في درعها # من حسنها و نظرت في سرباليا

فرأت لها كفلا ينوء بخصرها # وعثا روادفه و أخثم ناتيا[3]

و رأيت منتشر العجان مقبّضا # رخوا حمائله و جلدا باليا

أدني له الرّكب الحليق كأنّما # أدني إليه عقاربا و أفاعيا[4]

و قال آخر[5]: [من الطويل‏]

مريضة أثناء التّهادي كأنّما # تخاف على أحشائها أن تقطّعا

تسيب انسياب الأيم أخصره النّدى # يرفّع من أطرافه ما ترفّعا

[1]الأبيات في المحاسن و المساوئ 75.

[2]ديوان أبي النجم 235-236، و الأغاني 10/158، و طبقات الشعراء 747.

[3]الوعث: المكان السهل الدهس؛ تغيب فيه الأقدام. الأخثم: المرتفع الغليظ. ناتيا: ناتئا، بارزا.

[4]الركب: الفرج.

[5]البيتان لمسلم بن الوليد «صريع الغواني» في الحماسة البصرية 2/220-221، و فيه المزيد من المصادر، و لم يرد البيتان في ديوانه.

387

1144-[شعر في العقربان‏]

و قال إياس بن الأرتّ‏[1]: [من السريع‏]

كأنّ مرعى أمّكم سوأة # عقربة يكومها عقربان

إكليلها زول و في شولها # وخز حديد مثل وخز السنان

كلّ امرئ قد يتّقى مقبلا # و أمّكم قد تتّقى بالعجان‏

و قال آخر[2]لمضيفه: [من الوافر]

تبيت تدهده القذّان حولي # كأنّك عند رأسي عقربان‏[3]

فلو أطعمتني حملا سمينا # شكرتك؛ و الطّعام له مكان‏

1145-[شعر في الأفاعي‏]

و قال النّابغة[4]: [من المتقارب‏]

فلو يستطيعون دبّت لنا # مذاكي الأفاعي و أطفالها[5]

و قال رجل من قريش: [من البسيط]

ما زال أمر ولاة السّوء منتشرا # حتّى أظلّ عليهم حيّة ذكر

ذو مرّة تفرق الحيّات صولته # عفّ الشّمائل قد شدّت له المرر

لم يأتهم خبر عنه يلين له # حتّى أتاهم به عن نفسه الخبر

و قال بشار[6]: [من الطويل‏]

تزلّ القوافي عن لساني كأنّها # حمات الأفاعي ريقهنّ قضاء

و قال: [من الطويل‏]

فكم من أخ قد كان يأمل نفعكم # شجاع له ناب حديد و مخلب

أخ لو شكرتم فعله لو عضضتم # رءوس الأفاعي عضّ لا يتهيّب‏

[1]تقدمت الأبيات في الفقرة[462].

[2]البيتان لهيزدان بن اللعين المنقري في ذيل الأمالي 17، و الأول له في معجم الشعراء 469 مع بيت آخر، و هما بلا نسبة في عيون الأخبار 3/230.

[3]تدهده: تدحرج. القذان: جمع قذة، و هي البراغيث.

[4]لم يرد البيت في ديوان النابغة الذبياني.

[5]المذاكي: جمع المذكّي، و هو المسن من كل شي‏ء.

[6]ديوان بشار بن برد 1/129، و المختار من شعر بشار 90.

388

و قال الحارث دعيّ الوليد، في ذكر الأسود بالسمّ من بين الحيّات: [من الطويل‏]

فإن أنت أقررت الغداة بنسبتي # عرفت و إلاّ كنت فقعا بقردد[1]

و يشمت أعداء و يجذل كاشح # عمرت لهم سمّا على رأس أسود

و قال آخر: [من البسيط]

و معشر منقع لي في صدورهم # سمّ الأساود يغلي في المواعيد

و سمتهم بالقوافي فوق أعينهم # و سم المعيديّ أعناق المقاحيد[2]

و قال أبو الأسود[3]: [من المنسرح‏]

ليتك آذنتني بواحدة # جعلتها منك آخر الأبد

تحلف ألاّ تبرّني أبدا # فإنّ فيها بردا على كبدي

إن كان رزقي إليك فارم به # في ناظري حيّة على رصد

و قال أبو السّفّاح يرثي أخاه يحيى بن عميرة و يسمّيه بالشجاع: [من السريع‏]

يعدو فلا تكذب شدّاته # كما عدا اللّيث بوادي السّباع‏[4]

يجمع عزما و أناة معا # ثمّت ينباع انبياع الشجاع‏[5]

و قال المتلمّس‏[6]: [من الطويل‏]

فأطرق إطراق الشجاع، و لو يرى # مساغا لنابيه الشّجاع لصمّما

و قال معمر بن لقيط أو ابن ذي القروح: [من الطويل‏]

شموس يظلّ القوم معتصما به # و إن كان ذا حزم من القوم عاديا

[1]الفقع: كمأة رخوة، و يقال في الأمثال «أذل من فقع بقرقرة» و يضرب المثل للذليل، و ذاك أن الفقع يوطأ بالأرجل، و لا يمتنع على من جناه، و المثل في مجمع الأمثال 1/284، و الدرة الفاخرة 1/304، و جمهرة الأمثال 1/469، و المستقصى 1/134. و أمثال ابن سلام 367.

[2]المقاحيد: جمع مقحاد، و هو ما عظم سنامه من الإبل. (القاموس: قحد) .

[3]الأبيات لأبي الأسود الدؤلي في ديوانه 239، و عيون الأخبار 3/189، و الأبيات لأبي زبيد في ديوانه 605، و العقد الفريد 5/298.

[4]البيتان للسفاح بن بكير اليربوعي في شرح اختيارات المفضل 1363، و الثاني في التاج (بوع) ، و هو بلا نسبة في اللسان (بوع، نبع، ثمم) ، و التهذيب 15/71، و المقاييس 1/319.

[5]ينباع: يثب و يسطو.

[6]ديوان المتلمس 34، و الأصمعيات 246، و الخزانة 7/487، و المؤتلف و المختلف 71، و بلا نسبة في الجمهرة 757، و شرح المفصل 3/128.

389

أبيت كما بات الشجاع إلى الذّرى # و أغدو على همّي و إن بتّ طاويا

و إنّي أهضّ الضّيم منّي بصارم # رهيف و شيخ ماجد قد بنى ليا

و هكذا صفة الأفعى؛ لأنها أبدا نابتة مستوية، فإن أنكرت شيئا فنشطتها كالبرق الخاطف.

و وصف آخر أفعى، فقال‏[1]: [من الرجز]

و قد أراني بطويّ الحسّ # و ذات قرنين طحون الضّرس

نضناضة مثل انثناء المرس # تدير عينا كشهاب القبس

لمّا التقينا بمضيق شكس # حتى قنصت قرنها بخمس‏[2]

و هم يتهاجون بأكل الأفاعي و الحيّات. قال الشاعر: [من الطويل‏]

فإياكم و الرّيف لا تقربنّه # فإن لديه الموت و الحتم قاضيا

هم طردوكم عن بلاد أبيكم # و أنتم حلول تشتوون الأفاعيا

و قال عمر بن أبي ربيعة[3]: [من الطويل‏]

و لمّا فقدت الصّوت منهم و أطفئت # مصابيح شبّت بالعشاء و أنؤر

و غاب قمير كنت أرجو مغيبه # و روّح رعيان و هوّم سمّر

و نفّضت عنّي اللّيل أقبلت مشية الـ # حباب، و ركني خيفة القوم أزور

1146-[ضرب المثل بسمّ الأساود]

و ضرب كلثوم بن عمرو، المثل بسمّ الأساود، فقال‏[4]: [من الطويل‏]

تلوم على ترك الغنى باهليّة # طوى الدّهر عنها كلّ طرف و تالد

رأت حولها النّسوان يرفلن في الكسا # مقلّدة أجيادها بالقلائد[5]

يسرّك أنّي نلت ما نال جعفر # من الملك، أو ما نال يحيى بن خالد

[1]ورد البيت الثاني مع بيتين آخرين في اللسان و التاج (نهس) .

[2]الشكس: الضيق. (اللسان: شكس) .

[3]ديوان عمر بن أبي ربيعة 96، و الخزانة 5/318، و شرح المفصل 10/11، و شرح شواهد الإيضاح 512.

[4]ديوان كلثوم بن عمرو العتابي 65، و البيان 3/353، و عيون الأخبار 1/231، و محاضرات الراغب 1/92، و الحماسة الشجرية 140، و نهاية الأرب 6/151، و غرر الخصائص 408.

[5]يرفلن: يتبخترن. الكسا: جمع كسوة. ـ

390

و أنّ أمير المؤمنين أعضّني # معضّهما بالمرهفات البوارد![1]

ذريني تجئني ميتتي مطمئنّة # و لم أتقحّم هول تلك الموارد

فإن كريمات المعالي مشوبة # بمستودعات في بطون الأساود

1147-[القول في الحيّات‏]

و في التشنيع لحيّات الجبل، يقول اللّعين المنقريّ‏[2]، لرؤبة بن العجّاج: [من البسيط]

إني أنا ابن جلا إن كنت تعرفني # يا رؤب، و الحيّة الصّماء في الجبل

أبا الأراجيز يا ابن اللؤم توعدني # و في الأراجيز جلب اللؤم و الكسل‏

الأصمعيّ، قال: حدّثني ابن أبي طرفة. قال‏[3]مرّ قوم حجّاج من أهل اليمن مع المساء، برجل من هذيل، يقال له أبو خراش، فسألوه القرى، فقال لهم: هذه قدر، و هذه مسقاة، و بذلك الشّعب ماء!فقالوا: ما وفّيتنا حقّ قرانا!فأخذ القربة فتقلّدها يسقيهم، فنهشته حيّة.

قال أبو إسحاق: بلغني و أنا حدث، أن النبي صلى اللّه عليه و سلم «نهى عن اختناث فم القربة، و الشرب منه» [4]. قال: فكنت أقول إنّ لهذا الحديث لشأنا، و ما في الشرب من فم قربة حتّى يجي‏ء فيها هذا النهي؟!حتّى قيل: إنّ رجلا شرب من فم قربة، فوكعته حيّة فمات، و إنّ الحيّات تدخل في أفواه القرب، فعلمت أنّ كلّ شي‏ء لا أعرف تأويله من الحديث، أنّ له مذهبا و إن جهلته.

و قال الشاعر في سلخ الحيّة: [من الرجز]

حتّى إذا تابع بين سلخين # و عاد كالميسم أحماه القين‏[5]

أقبل و هو واثق بثنتين: # بسمّه الرّأس و نهش الرّجلين‏

قال: كأنه ذهب إلى أنّ سمّه لا يكون قاتلا مجهزا حتّى تأتي عليه سنتان.

[1]المرهفات: السيوف المرققات. البوارد: التي تثبت في الضريبة و لا تنثني.

[2]البيتان للّعين المنقري في الوحشيات 63، و التاج (رجز) ، و للمكعبر الضبي في حماسة البحتري 13.

[3]الخبر في الأغاني 21/227، و الإصابة 2341.

[4]مسند أحمد 3/6، و سنن أبي داود في الأشربة 3/330، و مسلم صفحة 1600، و النهاية 2/82.

[5]الميسم: أداة الوسم. (القاموس: وسم) . القين: الحداد. (القاموس: قين) .

391

و زعم بعضهم أنّ السّلخ للحيّة مثل البزول و القروح للخف و الحافر. قال: و ليس ينسلخ إلاّ بعد سنين كثيرة، و لم يقفوا من السّنين على حدّ.

و زعم بعضهم أنّ الحيّة تسلخ في كلّ عام مرّتين، و السلخ في الحيات كالتّحسير من الطير، و أنّ الطير لا تجتمع قويّة إلاّ بعد التحسير و تمام نبات الرّيش.

و كذلك الحيّة، تضعف في أيام السّلخ ثمّ تشتدّ بعد.

قال الأصمعيّ: أخبرني أبو رفاعة، شيخ من أهل البادية، قال: رأيت في المنام كأني أتخطّى حيّات. فمطرت السماء، فجعلت أتخطى سيولا.

و حكى الأصمعيّ أنّ رجلا رأى في المنام في بيوته حيّات، فسأل عن ذلك ابن سيرين أو غيره، فقال: هذا رجل يدخل منزله أعداء المسلمين. و كانت الخوارج تجتمع في بيته.

قال العرجيّ‏[1]، في دبيب السمّ في المنهوش: [من الطويل‏]

و أشرب جلدي حبّها و مشى به # كمشي حميّا الكأس في جلد شارب

يدبّ هواها في عظامي و حبها، # كما دبّ في الملسوع سمّ العقارب‏

و قال العرجيّ في العرماء من الأفاعي، و كونها في صدوع الصّخر، فقال‏[2]: [من الطويل‏]

تأتي بليل ذو سعاة فسلّها # بها حافظ هاد و لم أرق سلما

كمثل شهاب النّار في كفّ قابس # إذا الرّيح هبت من مكان تضرّما

أبرّ على الحوّاء حتى تناذروا # حماه محاماة من الناس، فاحتمى

يظلّ مشيحا سامعا، ثمّ إنها # إذا بعثت لم تأل إلاّ تقدّما

قال: و يقال: تطوّت الحيّة. و أنشد العرجيّ‏[3]: [من الخفيف‏]

ذكرتني إذ حيّة قد تطوّت # فرقا عند عرسه في الثياب‏[4]

[1]ديوان العرجي 146، و البصائر و الذخائر 2/447، و هما للعرجي أو عامر بن مالك الفزاري في الحماسة البصرية 2/229، و بلا نسبة في حماسة القرشي 260.

[2]ديوان العرجي 37.

[3]ديوان العرجي 115، و رواية صدره فيه: (و ركوب إذا الجبان تطوّى) .

[4]تطوت: انقبضت و التفت، فرقا: خوفا.

392

و قال الشّماخ، أو البعيث‏[1]: [من الطويل‏]

و أطرق إطراق الشجاع و قد جرى # على حدّ نابيه الذّعاف المسمّم‏

1148-[ما ينبح من الحيوان‏]

و الأجناس التي تذكر بالنّباح: الكلب، و الحيّة[2]، و الظّبي إذا أسنّ، و الهدهد.

و قد كتبنا ذلك مرة ثمّ.

قال أبو النّجم‏[3]: [من الرجز]

و الأسد قد تسمع من زئيرها # و باتت الأفعى على محفورها

تأسيرها يحتكّ في تأسيرها # مرّ الرّحى تجري على شعيرها[4]

كرعدة الجراء أو هديرها # تضرّم القصباء في تنّورها

توقّر النّفس على توقيرها # تعلّم الأشياء في تنقيرها

في عاجل النفس و في تأخيرها

1149-[أقسام الحيوان من حيث تحركه‏]

و سنذكر مسألة و جوابها. و ذلك أنّ ناسا زعموا أنّ جميع الحيوان على أربعة أقسام. شي‏ء يطير، و شي‏ء يمشي، و شي‏ء يعوم، و شي‏ء ينساح.

و قد قال اللّه عزّ و جلّ: وَ اَللََّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مََاءٍ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى‏ََ بَطْنِهِ، وَ مِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى‏ََ رِجْلَيْنِ، وَ مِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى‏ََ أَرْبَعٍ، يَخْلُقُ اَللََّهُ مََا يَشََاءُ [5].

و قد وضع الكلام على قسمة أجناس الحيوان، و على تصنيف ضروب الخلق، ثمّ قصّر عن الشي‏ء الذي وضع عليه كلامه، فلم يذكر ما يطير و ما يعوم، ثمّ جعل ما ينساح، مثل الحيّات و الدّيدان، ممّا يمشي؛ و المشي لا يكون إلاّ برجل، كما أنّ العضّ لا يكون إلا بفم، و الرّمح لا يكون إلاّ بحافر؛ و ذكر ما يمشي على أربع، و هاهنا [1]ملحق ديوان الشماخ 461.

[2]في المخصص 8/115 (الأفاعي تكش خلا الأسود، فإنه يصفر و ينبح و يضبح) .

[3]ديوان أبي النجم 113-114.

[4]التأسير: السير يؤسر به السرج، و جعله هنا لجلد الحية.

[5]45/النور: 24.

393

دوابّ كثيرة تمشي على ثمان قوائم، و على ستّ، و على أكثر من ثمان. و من تفقّد قوائم السّرطان و بنات وردان، و أصناف العناكب-عرف ذلك.

قلنا: قد أخطأتم في جميع هذا التّأويل و حدّه. فما الدّليل على أنّه وضع كلامه في استقصاء أصناف القوائم؟و بأيّ حجة جزمتم على ذلك؟و قد قال اللّه عزّ و جلّ:

وَقُودُهَا اَلنََّاسُ وَ اَلْحِجََارَةُ* [1]و ترك ذكر الشّياطين و النّار لهم آكل، و عذابهم بها أشدّ. فترك ذكرهم من غير نسيان، و على أنّ ذلك معلوم عند المخاطب. و قد قال اللّه عزّ و جلّ: خَلَقَكُمْ مِنْ تُرََابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوََاجاً [2]أخرج من هذا العموم عيسى ابن مريم، و قد قصد في مخرج هذا الكلام إلى جميع ولد آدم. و قال:

هَلْ أَتى‏ََ عَلَى اَلْإِنْسََانِ حِينٌ مِنَ اَلدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً [3]أدخل فيها آدم و حوّاء. ثمّ قال على صلة الكلام: إِنََّا خَلَقْنَا اَلْإِنْسََانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشََاجٍ نَبْتَلِيهِ [4] أخرج منها آدم و حوّاء و عيسى ابن مريم.

و حسن ذلك إذ كان الكلام لم يوضع على جميع ما تعرفه النّفوس من جهة استقصاء اللّفظ. فقوله: فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى‏ََ بَطْنِهِ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى‏ََ رِجْلَيْنِ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى‏ََ أَرْبَعٍ [5]كان على هذا المثال الذي ذكرنا. و على أنّ كلّ شي‏ء يمشي على أربع فهو مما يمشي على رجلين، و الذي يمشي على ثمان هو مما يمشي على أربع، و على رجلين و إذا قلت: لي على فلان عشرة آلاف درهم، فقد خبّرت أنّ لك عليه ما بين درهم إلى عشرة آلاف.

و أمّا قولكم: إنّ المشي لا يكون إلاّ بالأرجل، فينبغي أيضا أن تقولوا فَإِذََا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى‏ََ [6]: إنّ ذلك خطأ؛ لأنّ السّعي لا يكون إلاّ بالأرجل.

و في هذا الذي جهلتموه ضروب من الجواب:

-أمّا وجه منه: فهو قول القائل و قول الشّاعر: «ما هو إلاّ كأنه حيّة» و: «كأنّ مشيته مشية حيّة» يصفون ذلك، و يذكرون عنده مشية الأيم و الحباب، و ذكور [1]24/البقرة: 2.

[2]11/فاطر: 35.

[3]1/الإنسان: 76.

[4]2/الإنسان: 76.

[5]45/النور: 24.

[6]20/طه: 20.

394

الحيّات. و من جعل للحيّات مشيا من الشعراء، أكثر من أن نقف عليهم. و لو كانوا لا يسمّون انسيابها و انسياحها مشيا و سعيا، لكان ذلك مما يجوز على التشبيه و البدل، و أن قام الشي‏ء مقام الشي‏ء أو مقام صاحبه؛ فمن عادة العرب أن تشبّه به في حالات كثيرة. و قال اللّه تعالى: هََذََا نُزُلُهُمْ يَوْمَ اَلدِّينِ [1]و العذاب لا يكون نزلا، و لكنّه أجراه مجرى كلامهم، كقول حاتم حين أمروه بفصد بعير، و طعنه في سنامه، و قال:

«هذا فصده!» [2].

و قال الآخر[3]: [من الرجز]

فقلت يا عمرو اطعمنّي تمرا # فكان تمري كهرة و زبرا[4]

و ذمّ بعضهم الفأر، و ذكر سوء أثرها في بيته، فقال‏[5]: [من الرجز]

يا عجّل الرّحمن بالعقاب # لعامرات البيت بالخراب‏

يقول: هذا هو عمارتها. كما يقول الرّجل، «ما نرى من خيرك و رفدك إلاّ ما يبلغنا من حطبك علينا، و فتّك في أعضادنا!» [6].

و قال النّابغة في شبيه بهذا، و ليس به‏[7]: [من الطويل‏]

و لا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم # بهنّ فلول من قراع الكتائب‏

-و وجه آخر: أنّ الأعراب تزعم-و كذلك قال ناس من الحوّائين و الرّقائين-إنّ للحيّة حزوزا في بطنه، فإذا مشى قامت حزوزه، و إذا ترك المشي تراجعت إلى مكانها، و عادت تلك المواضع ملسا. و لم توجد بعين و لا لمس، و لا يبلغها إلاّ كلّ حوّاء دقيق الحسّ.

و ليس ذلك بأعجب من شقشقة الجمل العربيّ؛ فإنّه يظهرها كالدّلو، فإذا هو أعادها إلى لهاته تراجع ذلك الجلد إلى موضعه، فلا يقدر أحد عليه بلمس و لا عين.

[1]56/الواقعة: 56.

[2]في مجمع الأمثال 2/394 (هكذا فصدي) و الفصد: شق العرق لاستخراج دمه.

[3]الرجز بلا نسبة في المخصص 2/134، و البيان 1/153، و الأضداد 178.

[4]الكهرة: الانتهار. الزبر: الزجر.

[5]الرجز بلا نسبة في ديوان المعاني 2/151، و البيان 1/152، و ربيع الأبرار 5/470.

[6]البيان 1/152-153.

[7]ديوان النابغة الذبياني 44، و الخزانة 3/327، 331، 334، و شرح شواهد المغني 349، و معاهد التنصيص 3/107، و اللسان (قرع، فلل) .

395

و كذلك عروق الكلى إلى المثانة التي يجري فيها الحصى المتولّد في الكلية إذا قذفته تلك العروق إلى المثانة، فإذا بال الإنسان انضمّت العروق و اتّصلت بأماكنها، و التحمت حتى كان موضعها كسائر ما جاوز تلك الأماكن.

-و وجه آخر: و هو أنّ هذا الكلام عربيّ فصيح؛ إذ كان الذي جاء به عربيّا فصيحا، و لو لم يكن قرآنا من عند اللّه تبارك و تعالى، ثمّ كان كلام الذي جاء به، و كان ممّن يجهل اللّحن و لا يعرف مواضع الأسماء في لغته، لكان هذا-خاصّة- ممّا لا يجهله.

فلو أنّنا لم نجعل لمحمّد صلى اللّه عليه و سلم، فضيلة في نبوّة، و لا مزيّة في البيان و الفصاحة، لكنّا لا نجد بدّا من أن نعلم أنّه كواحد من الفصحاء. فهل يجوز عندكم أن يخطئ أحد منهم في مثل هذا في حديث، أو وصف أو خطبة، أو رسالة، فيزعم أن كذا و كذا يمشي أو يسعى أو يطير، و ذلك الذي قال ليس من لغته و لا من لغة أهله؟! فمعلوم عند هذا الجواب، و عند ما قبله، أنّ تأويلكم هذا خطأ.

و قال اللّه عزّ و جلّ: إِنَّ أَصْحََابَ اَلْجَنَّةِ اَلْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فََاكِهُونَ [1]و أصحاب الجنّة لا يوصفون بالشّغل، و إنما ذلك جواب لقول القائل: خبّرني عن أهل الجنّة، بأيّ شي‏ء يتشاغلون؟أم لهم فراغ أبدا؟فيقول المجيب: لا، ما شغلهم إلاّ في افتضاض الأبكار، و أكل فواكه الجنّة، و زيارة الإخوان على نجائب الياقوت! و هذا على مثال جواب عامر بن عبد قيس، حين قيل له و قد أقبل من جهة الحلبة، و هو بالشام: من سبق؟قال: رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم!قيل: فمن صلّى؟قال: أبو بكر! قال: إنّما أسألك عن الخيل!قال: و أنا أجيبك عن الخير![2] و هو كقول المفسّر حين سئل عن قوله: لَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهََا بُكْرَةً وَ عَشِيًّا [3] فقال: ليس فيها بكرة و عشيّ. و قد صدق القرآن، و صدق المفسّر، و لم يتناكرا، و لم يتنافيا؛ لأنّ القرآن ذهب إلى المقادير، و المفسّر ذهب إلى الموجود، من دوران ذلك مع غروب الشّمس و طلوعها.

[1]55/يس: 36.

[2]البيان 2/282.

[3]62/مريم: 19.

396

و على ذلك المعنى روي عن عمر أنّه قال: «متعتان كانتا على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، أنا أنهى عنهما و أضرب عليهما» [1].

قد كان المسلمون يتكلمون في الصّلاة و يطبّقون‏[2]إذا ركعوا، فنهى عن ذلك إمام من الأئمّة، و ضرب عليه، بعد أن أظهر النّسخ، و عرّفهم أن ذلك من المنسوخ، فكأنّ قائلا قال: أ تنهانا عن شي‏ء، و قد كان على عهد النبيّ صلى اللّه عليه و سلم؟فيقول: نعم. و قد قدّم الاحتجاج في النّاسخ و المنسوخ.

و من العجب أنّ ناسا جعلوا هذا القول على المنبر من عيوبه. فإن لم يكن المعنى فيه على ما وصفنا، فما في الأرض أجهل من عمر حين يظهر الكفر في الإسلام على منبر الجماعة، و هو إنّما علاه بالإسلام. ثمّ في شي‏ء ليس له حجّة فيه و لا علة. و أعجب منه تلك الأمّة، و تلك الجماعة التي لم تنكر تلك الكلمة في حياته، و لا بعد موته؛ ثمّ ترك ذلك جميع التّابعين و أتباع التّابعين، حتّى أفضى الأمر إلى أهل دهرنا هذا.

و تلك الجماعة هم الذين قتلوا عثمان على أن سيّر رجلا، و هذا لا يقوله إلاّ جاهل أو معاند.

و على تأويل قوله: هََذََا نُزُلُهُمْ يَوْمَ اَلدِّينِ [3]قال: جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهََا فَبِئْسَ اَلْمِهََادُ [4]و قال تعالى: حَتََّى إِذََا جََاؤُهََا فُتِحَتْ أَبْوََابُهََا وَ قََالَ لَهُمْ خَزَنَتُهََا أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيََاتِ رَبِّكُمْ وَ يُنْذِرُونَكُمْ لِقََاءَ يَوْمِكُمْ هََذََا، قََالُوا بَلى‏ََ وَ لََكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ اَلْعَذََابِ عَلَى اَلْكََافِرِينَ [5]فجعل للنّار خزائن، و جعل لها خزنة، كما جعل في الجنّة خزائن و جعل لها خزنة.

[1]البيان 2/282، المتعتان هما متعة النساء و متعة الحج، و الأول يسمى نكاح المتعة، و قد نهى عنه الرسول صلى اللّه عليه و سلم، أما متعة الحج: فهي محرمة على مكان مكة في الحديث «ليس لأهل مكة تمتع و لا قران» ، و انظر القول في هاتين المتعتين في النهاية 4/292، و هاتان المتعتان حرمتا من قبل النبي صلى اللّه عليه و سلم، و معنى قول عمر بن الخطاب: «أنا أنهي عنهما كما نهى عنهما الرسول» و ليس المراد أن الرسول أحلهما، و عمر حرمهما.

[2]في النهاية 3/114، «كان يطبق في صلاته: هو أن يجمع بين أصابع يديه و يجعلهما بين ركبتيه في الركوع و التشهد» و انظر البيان 2/282.

[3]20/طه: 20.

[4]56/ص: 38.

[5]71/الزمر: 39.

397

و لو أنّ جهنّم فتحت أبوابها، و نحّي عنها الخزنة، ثمّ قيل لكلّ لصّ في الأرض، و لكلّ خائن في الأرض: دونك؛ فقد أبيحت لك!لما دنا منها، و قد جعل لها خزائن و خزنة. و إنّما هذا على مثال ما ذكرنا. و هذا كثير في كلام العرب.

و الآي التي ذكرنا في صدق هذا الجواب، كلها حجج على الخوارج في إنكارهم المنزلة بين المنزلتين.

1150-[شعر في الحيات‏]

و قال خلف الأحمر في ذكر الحيّات: [من الوافر]

يرون الموت دوني إن رأوني # و صلّ صفا لنابيه ذباب‏[1]

من المتحرّمات بكهف طود # حرام ما يرام له جناب‏[2]

أبى الحاوون أن يطئوا حماه # و لا تسري بعقوته الذّئاب‏[3]

كأنّ دما أمير على قراه # و قطرانا أمير به كباب‏[4]

إذا ما استجرس الأصوات أبدى # لسانا دونه الموت الضباب

إذا ما الليل ألبسه دحاه # سرى أصمى تصيح له الشّعاب‏[5]

فقلت لحيّان بن عتبي: لم قال موسى بن جابر الحنفيّ: [من الرمل‏]

طرد الأروى فما تقربه # و نفى الحيّات عن بيض الحجله‏

قال: لأنّ الذّئاب تأكل الحيّات. قلت: فلم قال خلف الأحمر:

و لا تسري بعقوته الذئاب؟

قال: لأنّ الذّئاب تأكل الحيّات. فظننت أنّه حدس و لم يقل بعلم.

و قال الزّياديّ في يحيى بن أبي حفصة[6]: [من البسيط]

إني و يحيى و ما يبغي كملتمس # صيدا و ما نال منه الرّيّ و الشّبعا

[1]ذباب الناب: طرفه الحاد. (القاموس: ذبب) .

[2]طود حرام: جبل لا يستطاع القرب منه.

[3]العقوة: الساحة. (القاموس: عقو) .

[4]أمار الدم: أساله. (القاموس: أمر) . القرا: الظهر. (القاموس: قرا) . الكباب: التراب. (القاموس:

كبب) .

[5]الأصمى: الشديد الوثاب.

[6]تقدمت الأبيات في الفقرة (1091) . ـ

398

أهوى إلى باب جحر في مقدّمه # مثل العسيب ترى في رأسه قزعا

اللّون أربد و الأنياب شابكة # عصل ترى السّمّ يجري بينها قطعا

يهوي إلى الصّوت و الظلماء عاكفة # تعرد السّيل لاقى الحيد فاطّلعا

لو نال كفّك آبت منه مخضبة # بيضاء قد جللت أنيابها قزعا

بيعت بوكس قليل فاستقلّ بها # من الهزال أبوها بعد ما ركعا

فردّ عليه يحيى فقال‏[1]: [من البسيط]

كم حيّة ترهب الحيّات صولته # يحمى لريديه قد غادرته قطعا[2]

يلقين حيّة قفّ ذا مساورة # يسقى به القرن من كأس الرّدى جرعا[3]

تكاد تسقط منهنّ الجلود؛ لما # يعلمن منه إذا عاينّه، قزعا[4]

أصمّ ما شمّ من خضراء أيبسها # أو مسّ من حجر أوهاه فانصدعا[5]

و قال آخر: [من السريع‏]

و كم طوت من حنش راصد # للسّفر في أعلى الثّنيّات

أصمّ أعمى لا يجيب الرّقى # يفترّ عن عصل حديدات‏[6]

منهرت الشدق رقود الضحى # سار طمور في الدّجنّات‏[7]

ذي هامة رقطاء مفطوحة # من الدّواهي الجبليّات

صلّ صفا، تنطف أنيابه # سمام ذيفان مجيرات‏[8]

مطلن في اللّحيين مطلا إلى # رأس و أشداق رحيبات

قدّمن عن ضرسين و استأخرا # إلى سماخين و لهوات‏[9]

يسبته الصّبح و طورا له # نفخ و نفث في المغارات‏[10]

[1]الوحشيات 86-87.

[2]الرّيد: الحرف الناتئ من الجبل. (القاموس: ريد) .

[3]القف: مرتفع حجري. (القاموس: قفف) .

[4]القزع: القطع من السحاب، و يعني هنا القطع المتفرقة. (القاموس: قزع) .

[5]تقدم هذا البيت مع أبيات الزماني «الزيادي» في الفقرة (1091) .

[6]عصل، جمع أعصل، و هو الملتوي و المعوج. (القاموس: عصل) .

[7]منهرت: واسع. (القاموس: هرت) . الطمور: الوثاب. (القاموس: طمر) .

[8]تنطف: تقطر. (القاموس: نطف) . الذيفان: السم القاتل. (القاموس: ذيف) .

[9]لهوات: جمع لهاة، و هي اللحمة المشرفة على الحلق.

[10]سبته: أنامه. (القاموس: سبت) .

399

و تارة تحسبه ميّتا # من طول إطراق و إخبات‏[1]

و قال آخر، و هو جاهليّ‏[2]: [من الرجز]

لا همّ إن كان أبو عمرو ظلم # و خانني في علمه و قد علم

فابعث له في بعض أعراض اللّمم # لميمة من حنش أعمى أصم

أسمر زحّافا من الرّقط العرم # قد عاش حتى هو لا يمشي بدم‏[3]

فكلّما أقصد منه الجوع شم # حتى إذا أمسى أبو عمرو و لم

يمسّ منه مضض و لا سقم # قام و ودّ بعدها أن لم يقم

و لم يقم لإبل و لا غنم # و لا لخوف راعه و لا لهم

حتّى دنا من رأس نضناض أصم # فخاضه بين الشّراك و القدم‏[4]

بمذرب أخرجه من جوف كم # كأنّ وخز نابه إذا انتظم‏[5]

و خزة إشفى في عطوف من أدم‏[6]

و مخالب الأسد و أشباه الأسد من السّباع، تكون في غلف، إذا وطئت على بطون أكفها ترفّعت المخالب و دخلت في أكمام لها، و هو قول أبي زبيد[7]: [من الوافر]

بحجن كالمحاجن في فتوخ # يقيها فضّة الأرض الدّخيس‏[8]

و كذلك أنياب الأفاعي، هي ما لم تعضّ فمصونة في أكمام، أ لا تراه يقول‏[9]:

[من الرجز]

فخاضه بين الشّراك و القدم # بمذرب أخرجه من جوف كم‏

[1]الإطراق: النظر إلى الأرض و السكوت. (القاموس: طرق) . الإخبات: الخشوع. (القاموس: خبت) .

[2]الرجز لخلف الأحمر في مجمع الذاكرة 1/162، و بلا نسبة في البرصان 233-234، و سمط اللآلي 490.

[3]العرم: جمع أعرم، و هو المنقط بسواد و بياض. (القاموس: عرم) .

[4]نضنض الشي‏ء: حركه. (القاموس: نضض) .

[5]المذرب: عنى به ناب الحية.

[6]الإشفى: المخرز. الأدم: الجلد المدبوغ. (القاموس: أدم) .

[7]ديوان أبي زبيد الطائي 632. و البرصان 233، و المعاني الكبير 1036.

[8]الحجن: المخالب، و المحجن: العصا المعوجة، و الفتوخ: الاسترخاء و اللين، القضة: الحصى الصغار، الدخيس: لحم الكفين.

[9]تقدم الرجز قبل ستة أسطر.

400

و قال آخر[1]: [من الرجز]

أنعت نضناضا كثير الصّقر # مولده كمولد ابن الدّهر[2]

كانا جميعا ولدا في شهر # يظلّ في مرأى بعيد القعر

بين حوافي سدر و صخر[3]

و قال: [من الطويل‏]

و كيف و قد أسهرت عينك تبتغي # عنادا لنابي حيّة قد تربّدا[4]

من الصّمّ يكفي مرّة من لعابه # و ما عاد إلاّ كان في العود أحمدا[5]

و قال خلف الأحمر-و هي مخلوطة فيها شي‏ء، و له شي‏ء، من الغبرة و ما علمت أنّ وصف عين الأفعى على معرفة و اختبار غيره-و هو قوله‏[6]: [من الرجز]

1-أفعى رخوف العين مطراق البكر # داهية قد صغرت من الكبر[7]

3-صلّ صفا ما ينطوي من القصر # طويلة الإطراق من غير حسر[8]

5-كأنّما قد ذهبت به الفكر # شقّت له العينان طولا في شتر

7-مهروتة الشدقين حولاء النظر # جاء بها الطّوفان أيام زخر

9-كأنّ صوت جلدها إذا استدرّ # نشيش جمر عند طاه مقتدر

1151-[أحاديث في الوزغ‏]

هشام بن عروة قال: أخبرني أبي أنّ عائشة أمّ المؤمنين رضي اللّه عنها كانت تقتل الأوزاغ.

[1]الرجز بلا نسبة في المخصص 13/208.

[2]الصقر: أراد به لعابه وسمه.

[3]السدر: البحر.

[4]تربد: صار أربد، و الربدة؛ بالضم؛ لون إلى الغبرة. (القاموس: ربد) .

[5]من الأمثال قولهم: (العود أحمد) ، و المثل في مجمع الأمثال 2/34، 233، و المستقصى 335، و جمهرة الأمثال 2/41، و فصل المقال 252، و أمثال ابن سلام 169.

[6]الأبيات (3، 4، 7، 2) للنابغة في ديوان المعاني، و ربيع الأبرار 5/475، و حماسة ابن الشجري 273-274، و لخلف الأحمر في مجمع الذاكرة 1/143-144.

[7]رخوف: مسترخية.

[8]الصل: من أخبث الحيات، الإطراق: النظر إلى الأرض مع السكون. (القاموس: طرق) .

401

يحيى بن أبي أنيسة، عن الزّهري، عن عروة، عن عائشة قالت‏[1]: «سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يقول للوزغ: فويسق» .

قالت‏[1]: «و لم أسمع رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أمر بقتله» .

قال: قالت عائشة رضي اللّه عنها[1]: «سمعت سعدا يقول: أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم بقتله» .

عبد الرحمن بن زياد قال: أخبرني هشام عن عروة عن عائشة «أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قال للوزغ: الفويسق» .

أبو بكر الهذليّ، عن معاذ عن عائشة قالت: «دخل رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم عليّ و في يدي عكّاز فيه زجّ، فقال: يا عائشة ما تصنعين بهذا؟قلت: أقتل به الوزغ في بيتي. قال: إن تفعلي فإنّ الدّوابّ كلها، حين ألقي إبراهيم صلى اللّه عليه و سلم في النّار، كانت تطفئ عنه، و إنّ هذا كان ينفخ عليه، فصمّ و برص» [2].

و هذه الأحاديث كلها يحتجّ بها أصحاب الجهالات، و من زعم أنّ الأشياء كلها كانت ناطقة، و أنها أمم مجراها مجرى الناس.

1152-[تأوّل آيات من الكتاب‏]

و تأوّلوا قوله تعالى: وَ مََا مِنْ دَابَّةٍ فِي اَلْأَرْضِ وَ لاََ طََائِرٍ يَطِيرُ بِجَنََاحَيْهِ إِلاََّ أُمَمٌ أَمْثََالُكُمْ مََا فَرَّطْنََا فِي اَلْكِتََابِ مِنْ شَيْ‏ءٍ [3]، و قالوا: قال اللّه عزّ و جلّ: إِنََّا عَرَضْنَا اَلْأَمََانَةَ عَلَى اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ اَلْجِبََالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهََا وَ أَشْفَقْنَ مِنْهََا وَ حَمَلَهَا اَلْإِنْسََانُ إِنَّهُ كََانَ ظَلُوماً جَهُولاً [4]و قال تعالى: يََا جِبََالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَ اَلطَّيْرَ [5] و قال: وَ إِنَّ مِنَ اَلْحِجََارَةِ لَمََا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ اَلْأَنْهََارُ وَ إِنَّ مِنْهََا لَمََا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ اَلْمََاءُ وَ إِنَّ مِنْهََا لَمََا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اَللََّهِ [6].

[1]أخرج البخاري في بدء الخلق برقم 3130 «عن ابن شهاب، عن عروة: يحدث عن عائشة رضي اللّه عنها: أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال للوزغ: فويسق. و لم أسمعه أمر بقتله، و زعم سعد بن أبي وقاص أن النبي صلى اللّه عليه و سلم أمر بقتله» . و أخرجه مسلم في باب استحباب قتل الوزغ برقم 2239.

[2]في النهاية 5/181 «و منه حديث عائشة: لما أحرق بيت المقدس كانت الأوزاغ تنفخه» ، و انظر أحاديث قتل الوزغ في جامع الأصول 10/236-237.

[3]38/الأنعام: 6.

[4]72/الأحزاب: 33.

[5]10/سبأ: 34.

[6]74/البقرة: 2.

402

فذهبت الجهمية و من أنكر إيجاد الطّبائع مذهبا، و ذهب ابن حائط و من لفّ لفّه من أصحاب الجهالات مذهبا، و ذهب ناس من غير المتكلمين، و اتّبعوا ظاهر الحديث و ظاهر الأشعار، و زعموا أنّ الحجارة كانت تعقل و تنطق، و إنما سلبت المنطق فقط. فأمّا الطير و السّباع فعلى ما كانت عليه.

قالوا: و الوطواط، و الصّرد، و الضفدع، مطيعات و مثابات و العقرب، و الحيّة و الحدأة، و الغراب، و الوزغ، و الكلب، و أشباه ذلك، عاصيات معاقبات.

و لم أقف على واحد منهم فأقول له: إنّ الوزغة التي تقتلها على أنّها كانت تضرم النّار على إبراهيم أ هي هذه أم هي من أولادها فمأخوذة هي بذنب غيرها؟أم تزعم أنّه في المعلوم أن تكون تلك الوزغ لا تلد و لا تبيض و لا تفرخ إلاّ من يدين بدينها، و يذهب مذهبها؟! و ليس هؤلاء ممّن يفهم تأويل الأحاديث، و أيّ ضرب منها، يكون مردودا، و أيّ ضرب منها يكون متأوّلا، و أيّ ضرب منها يقال إنّ ذلك إنّما هو حكاية عن بعض القبائل.

و لذلك أقول: لو لا مكان المتكلمين لهلكت العوامّ، و اختطفت و استرقت، و لو لا المعتزلة لهلك المتكلمون.

1153-[أحاديث في الوزغ‏]

شريك عن التّخميّ، عن ليث، عن نافع، أنّ ابن عمر كان يقتل الوزغ في بيته و يقول هو شيطان! هشام بن حسّان، عن خالد الرّبعيّ، قال: لم يكن شي‏ء من خشاش الأرض إلاّ كان يطفئ النّار عن إبراهيم، إلاّ الوزغ، فإنّه كان ينفخ عليه.

حنظلة بن أبي سفيان، قال: سمعت القاسم بن محمّد يقول إنّ الأوزاغ كانت يوم حرق بيت المقدس تنفخه و الوطاوط بأجنحتها.

شريك عن النّخعيّ، عن جابر، عن ابن عباس، قال: الوزغ شريك الشيطان.

أبو داود الواسطيّ قال: أخبرنا أبو هاشم، قال‏[1]: من قتل وزغة حطّ الله عنه سبعين خطيئة، و من قتل سبعا كان كعتق رقبة.

[1]الجامع الصغير للسيوطي رقم 8915. و انظر جامع الأصول 10/236-237.

403

هشام بن حسّان، عن واصل مولى أبي عيينة، عن عقيل، عن يحيى بن يعمر، قال: لأن أقتل مائة من الوزغ أحبّ إليّ من أن أعتق مائة رقبة.

و هذا الحديث ليس من شكل الأوّل، لأنّ يحيى بن يعمر لم يزعم أنّه يقتله لكفره أو لكفر أبيه، و لكنها دابّة تطاعم الحيّات و تزاقّها و تقاربها، و ربّما قتلت بعضّتها، و تكرع في المرق و اللّبن ثمّ تمجّه في الإناء فينال النّاس بذلك مكروه كبير، من حيث لا يعلمون. و قتله في سبيل قتل الحيّات و العقارب.

1154-[صنع السم من الأوزاغ‏]

و أهل السّجن يعملون منها سموما أنفذ من سم البيش‏[1]، و من ريق الأفاعي، و ذلك أنّهم يدخلون الوزغ قارورة، ثمّ يصبّون فيها من الزّيت ما يغمرها، و يضعونها في الشّمس أربعين يوما، حتّى تختلط بالزّيت و تصير شيئا واحدا، فإن مسح السّجين منه على رغيف مسحة يسيرة فأكل منه عشرة أنفس ماتوا. و لا أدري لم توخّوا من مواضع الدّفن عتب الأبواب.

1155-[أوامر النبي صلى اللّه عليه و سلم و نواهيه‏]

يحيى بن أبي أنيسة، عن أبي الزّبير، عن جابر بن عبد اللّه، قال: «أمرنا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم بأربع و نهانا عن أربع، أمرنا أن نجيف أبوابنا، و أن نخمّر آنيتنا، و أن نوكي أسقيتنا، و أن نطفئ سرجنا. فإنّ الشّيطان إذا وجد بابا مجافا لم يفتحه، و إناء مخمّرا لم يكشفه، و سقاء موكى لم يحلّه. و إنّ الفويسقة تأتي المصباح فتضرمه على أهل البيت‏[2]. و نهانا عن أربع: نهانا عن اشتمال الصّمّاء، و أن يمشي أحدنا في النّعل الواحدة أو الخفّ الواحد، و أن يحتبي الرّجل منّا في الثّوب الواحد ليس عليه غيره، و أن يستلقي أحدنا على ظهره و يرفع إحدى رجليه على الأخرى» [3].

و هذا الحديث ليس هذا موضعه، و هو يقع في باب جملة القول في النّار، و هو يقع بعد هذا الذي يلي القول في النعام.

[1]البيش: نبت ببلاد الهند، و هو سم. (اللسان: بيش) .

[2]أخرج البخاري في بدء الخلق برقم 3138 (عن جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنهما رفعه قال:

«خمروا الآنية، و أوكوا الأسقية، و أجيفوا الأبواب، و اكفتوا صبيانكم عند العشاء، فإن للجن انتشارا و خطفة، و أطفئوا المصابيح عند الرقاد، فإن الفويسقة ربما اجترت الفتيلة فأحرقت أهل البيت» و انظر الحديث رقم 3106، و الحديث الذي أخرجه مسلم في الأشربة برقم 2012.

[3]أخرج البخاري في الصلاة برقم 360 (عن أبي سعيد الخدري أنه قال: نهى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم عن اشتمال الصماء، و أن يحتبي الرجل في ثوب واحد، ليس على فرجه منه شي‏ء) ، و انظر أيضا الأحاديث التي أرقامها 1890، 2037، 2040، 5482، 5484، 5927.

404

1156-[أحاديث في قتل الحيات‏]

شعبة أبو بسطام، قال أخبرني أبو قيس، قال: جلست إلى علقمة بن قيس، و ربيع بن خثيم فقال ربيع: قولوا و افعلوا خيرا تجزوا خيرا، و قال علقمة: من استطاع منكم ألاّ يرى الحيّة، إلاّ قتلها إلاّ التي مثل الميل؛ فإنّها جانّ. و إنّه لا يضرّه قتل حيّة أو كافر.

إسماعيل المكي، عن أبي إسحاق، عن علقمة قال: قال عبد اللّه بن مسعود:

من قتل حيّة فقتل كافرا.

ثم سمعت عبد الرحمن بن زيد يقول: من قتل حيّة أو عقربا قتل كافرا.

و هذا ممّا يتعلق به أصحاب ابن حائط، و تأويله في الحديث الآخر.

عبد الرحمن بن عبد اللّه المسعودي قال: سمعت القاسم بن عبد الرحمن، يقول: قال عبد اللّه: من قتل حيّة أو عقربا فكأنّما قتل كافرا. فعلى هذا المعنى يكون تأليف الحديث.

سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قال: «ما سالمناهنّ مذ حاربناهنّ» .

سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، قالت عائشة: «من ترك قتل حيّة مخافة أثآرها فعليه لعنة اللّه و الملائكة» .

الرّبيع بن صبيح عن عطاء الخراسانيّ قال: كان فيما أخذ على الحيّات ألاّ يظهرن. فمن ظهر منهنّ حلّ قتله. و قتالهنّ كقتال الكفّار، و لا يترك قتلهنّ إلا شاكّ.

و هذا ممّا يتعلّق به أصحاب ابن حائط.

محمد بن عجلان قال: سمعت أبي يحدّث عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: «ما سالمناهنّ مذ حاربناهنّ» .

ابن جريج قال: أخبرني عبد اللّه بن عبيد بن عمير قال: أخبرني أبو الطفيل أنّه سمع علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه يقول: «اقتلوا من الحيّات ذا الطفيتين، و الكلب الأسود البهيم ذا الغرّتين» [1].

قال: و الغرّة: حوّة تكون بعينيه.

[1]النهاية 3/130، 354، و أخرج البخاري في بدء الخلق برقم 3123 (عن ابن عمر رضي اللّه عنهما:

أنه سمع النبي صلى اللّه عليه و سلم يخطب على المنبر يقول: «اقتلوا الحيات، و اقتلوا ذا الطفيتين و الأبتر، فإنهما يطمسان البصر، و يستسقطان الحبل) ، و أخرجه مسلم في السلام، باب قتل الحيات، رقم 2233.

405

1157-[قول صاحب المنطق في طعام الحيوان و مسكنه‏]

قال صاحب المنطق: الطير على ضربين: أوابد و قواطع، و منه ما يأكل اللحم لا يأكل غيره و إن لم يكن ذا سلاح. فأمّا ذو السّلاح فواجب أن يكون طعامه اللّحم.

و من الطّير ما يأكل الحبوب لا يعدوها، و منه المشترك الطّباع، كالعصفور و الدّجاج و الغراب. فإنها تأكل النوعين جميعا، و كطير الماء، يأكل السّمك و يلقط الحبّ.

و منه ما يأكل شيئا خاصّا، مثل جنس النّحل المعسّل الذي غذاؤه شي‏ء واحد، و جنس العنكبوت، فإن طعم النحل المعسّل العسل، و العنكبوت يعيش من صيد الذباب.

و من الحيوان ما له مسكن و مأوى، كالخلد، و الفأر، و النّمل، و النّحل، و الضّبّ. و منه ما لا يتّخذ شيئا يرجع إليه كالحيّات لأنّ ذكورة الحيّات سيّارة، و إناثها إنّما تقيم في المكان إلى تمام خروج الفراخ من البيض، و استغناء الفراخ بأنفسها.

و منها ما يكون يأوي إلى شقوق الصّخور و الحيطان، و المداخل الضّيّقة، مثل سامّ أبرص.

قال: و الحيّات تألفها كما تألف العقارب الخنافس. و العظايا تألف المزابل و الخرابات. و الوزغ قريبة من النّاس.

1158-[زعم زرادشت في العظايا و سوامّ أبرص‏]

و زعم زرادشت أنّ العظايا ليست من ذوات السّموم، و أنّ سامّ أبرص من ذوات السّموم، و أنّ أهرمن‏[1]لما قعد ليقسم السّموم. كان الحظ الأوفر لكلّ شي‏ء سبق إلى طلبه، كالأفاعي، و الثّعابين و الجرّارات، و أنّ نصيب الوزغ نصيب وسط قصد، لا يكمل أن يقتل، و لكنّه يزاقّ‏[2]الحيّة، فتميره‏[3]ممّا عندها. و متى دبر[4]الوزغ جاء منه السمّ القاتل، أسرع من سمّ البيش، و من لعاب الأفاعي، فأمّا العظاية فإنّها احتبست عن الطّلب حتى نفذ السمّ، و أخذ كلّ شي‏ء قسطه، على قدر السّبق و البكور، فلما جاءت العظاية و قد فني السمّ، دخلها من الحسرة، و ممّا علاها من الكرب، حتى جعلت وجهها إلى الخرابات و المزابل، فإذا رأيت العظاية تمشي مشيا [1]يرى زرادشت أن «أهرمن» هو رمز لقوة الشر، و أن «أرموزد» رمز لقوة الخير، و أنهما يظلان في نزاع إلى أن تتغلب قوة الخير على قوة الشر.

[2]زق الطائر فرخه: أطعمه. (القاموس: زقق) .

[3]الميرة: الطعام. (القاموس: مير) .

[4]دبر: أدركه الهرم. (القاموس: دبر) . ـ

406

سريعا ثمّ تقف، فإنّ تلك الوقفة إنّما هي لما يعرض لها من التذكّر و الحسرة على ما فاتها من نصيبها من السمّ.

1159-[الرد على ما زعم زرادشت‏]

و لا أعلم العظاية في هذا القياس إلاّ أكثر شرورا من الوزغ؛ لأنها لو لا إفراط طباعها في الشّرارة، لم يدخلها من قوّة الهمّ مثل الذي دخلها و لم يستبن للنّاس من اغتباط الوزغ بنصيبه من السمّ، بقدر ما استبان من ثكل العظاية، و تسلّلها و إحضارها و بكائها و حزنها، و أسفها على ما فاتها من السّمّ.

1160-[زعم زرادشت في خلق الفأرة و السّنّور]

و يزعم زرادشت، و هو مذهب المجوس، أنّ الفأرة من خلق اللّه، و أنّ السّنّور من خلق الشّيطان، و هو إبليس، و هو أهرمن‏[1]. فإذا قيل له: كيف تقول ذلك و الفأرة مفسدة، تجذب فتيلة المصباح فتحرق بذلك البيت و القبائل الكثيرة، و المدن العظام، و الأرباض الواسعة، بما فيها من النّاس و الحيوان و الأموال، و تقرض دفاتر العلم، و كتب اللّه، و دقائق الحساب، و الصّكاك‏[2]، و الشّروط؛ و تقرض الثّياب، و ربّما طلبت القطن لتأكل بزره فتدع اللّحاف غربالا، و تقرض الجرب، و أوكية الأسقية و الأزقاق و القرب فتخرج جميع ما فيها؛ و تقع في الآنية و في البئر، فتموت فيه و تحوج النّاس إلى مؤن عظام؛ و ربّما عضّت رجل النّائم، و ربّما قتلت الإنسان بعضّتها. و الفأر بخراسان ربّما قطعت أذن الرّجل. و جرذان أنطاكية تعجز عنها السّنانير، و قد جلا عنها قوم و كرهها آخرون لمكان جرذانها، و هي التي فجرت المسنّاة[3]، حتى كان ذلك سبب الحسر[4]بأرض سبأ؛ و هي المضروب بها المثل، و سيل العرم ممّا تؤرخ بزمانه العرب. و العرم: المسنّاة. و إنما كان جرذا.

و تقتل النّخل و الفسيل، و تخرّب الضّيعة، و تأتي على أزمّة الركاب و الخطم، و غير ذلك من الأموال.

[1]أهرمن: رمز لقوة الشر، و انظر الفقرة (1158) .

[2]الصكاك: جمع صك، و هو الكتاب. (القاموس: صكك) .

[3]المسناة: السد الذي يعترض به الوادي.

[4]حسر الماء عن الأرض: نضب.

407

و النّاس ربما اجتلبوا السّنانير ليدفعوا بها بوائق الفأر-فكيف صار خلق الضّارّ المفسد من اللّه، و خلق النّافع من الضّرر من خلق الشيطان؟! و السّنّور يعدى به على كلّ شي‏ء خلقه الشّيطان من الحيّات، و العقارب، و الجعلان، و بنات وردان، و الفأرة لا نفع لها، و مؤنها عظيمة.

قال: لأنّ السّنّور لو بال في البحر لقتل عشرة آلاف سمكة! فهل سمعت بحجّة قطّ، أو بحيلة، أو بأضحوكة، أو بكلام ظهر على تلقيح هرة، يبلغ مؤن هذا الاعتلال؟!فالحمد للّه الذي كان هذا مقدار عقولهم و اختيارهم.

و أنشد أبو زيد[1]: [من الرجز]

و اللّه لو كنت لهذا خالصا # لكنت عبدا آكل الأبارصا

يعني جماع سامّ أبرص: أبارص.

1161-[تأثير أكل سامّ أبرص و السمانى‏]

و سامّ أبرص ربّما قتل أكله، و ليس يؤكل إلاّ من الجوع الشّديد. و ربما قتل السّنانير و بنات عرس، و الشّاه‏مرك‏[2]، و جميع اللّقاطات.

و قال آخر[3]: [من الوافر]

كأنّ القوم عشّوا لحم ضأن # فهم نعجون قد مالت طلاهم‏

و هو شي‏ء يعرض عن أكل دسم الضّأن، و هو أيضا يلقى على دسمه النّعاس.

و قد يفعل ذلك الحيق. و الخشخاش.

و الخشخاش يسمّى بالفارسيّة «أناركبو» و تأويله رمّان الخسّ. و إنما اشتقّ له ذلك إذ كان يورث النّعاس، كما يورثه الخس.

و أكل الطّعام الذي فيه سمان يورث الدّوار. و زعموا أنّ صبيّا من الأعراب فيما [1]لم يرد الرجز في نوادر أبي زيد، و هو بلا نسبة في اللسان و التاج و أساس البلاغة (برص) ، و شرح المفصل 9/23، 36، و المخصص 8/101، و المقاييس 1/219، و رصف المباني 195، و المنصف 2/232، و الجمهرة 312، و البرصان 92.

[2]الشاه‏مرك: الفتي من الدجاج. حياة الحيوان «شامرك» .

[3]ديوان ذي الرمة 1097، و اللسان و التاج (نعج) ، و المعاني الكبير 694، و الجمهرة 486، و التنبيه و الإيضاح 1/220، و خلق الإنسان 275، و بلا نسبة في المخصص 5/80، و ديوان الأدب 2/228، و المقاييس 5/448، و التهذيب 1/381.

408

مضى من الدّهر، صاد هامة على قبر، فظنها سمان، فأكلها فغثت نفسه، فقال‏[1]:

[من الرجز]

نفسي تمقّس من سمانى الأقبر

و يقال: غثت نفسه غثيانا و غثيا، و لقست تلقس لقسا، و تمقّست تتمقّس تمقسا: إذا غثيت.

1162-[أكل الحيات‏]

و أخبرني صباح بن خاقان، قال: كنت بالبادية، فرأيت ناسا حول نار فسألت عنهم، فقالوا: قد صادوا حيات فهم يشوونها و يأكلونها؛ إذ نظرت إلى رجل منهم ينهش حية قد أخرجها من الجمر، فرأيته إذا امتنعت عليه يمدّها كما يمدّ عصب لم ينضج. فما صرفت بصري عنه حتّى لبط به‏[2]، فما لبث أن مات، فسألت عن شأنه، فقيل لي: عجّل عليها قبل أن تنضج و تعمل النّار في متنها.

و قد كان قد بغداد و في البصرة جماعة من الحوّائين، يأكل أحدهم أيّ حيّة أشرت إليها في جونته، غير مشويّة. و ربّما أخذ المرارة وسط راحته، فلطعها بلسانه، و يأكل عشرين عقربانة نيّة بدرهم. و أما المشويّ فإنّ ذلك عنده عرس.

1163-[شعر في الحيات‏]

و قال كثيّر[3]: [من الوافر]

و ما زالت رقاك تسلّ ضغني # فتخرج من مكامنها ضبابي

و ترقيني لك الحاوون حتّى # أجابت حيّة خلف الحجاب‏

و قال أبو عدنان، و ذكر ابن ثروان الخارجيّ، حين كان صار إلى ظهر البصرة، و خرج إليه من خرج من بني نمير: [من الطويل‏]

حسبت نميرا يا ابن ثروان كالألى # لقيتهم بالأمس: ذهلا و يشكرا

كما ظنّ صيّاد العصافير أنّ في # جميع الكوى، جهلا، فراخا و أطيرا

[1]الرجز بلا نسبة في اللسان (مقس، سمن) ، و الجمهرة 429، 852، و المقاييس 5/432، و التهذيب 8/425، و المجمل 4/341.

[2]لبط به: صرع.

[3]ديوان كثير 280، و تقدم البيتان في الفقرة (1137) .

409

فأدخل يوما كفّه جحر أسود # فشرشره بالنّهش حتى تشرشرا[1]

أراد قول رؤبة[2]: [من الرجز]

كنتم كمن أدخل في حجر يدا # فأخطأ افعى و لاقى الأسودا

لو مسّ حرفي حجر تقصّدا # بالشّمّ لا بالسمّ منه قصدا[3]

فقدّم الأسود على الأفعى، و هذا لا يقوله من يعرف مقدار سمّ الحيات، و قال عنترة[4]: [من الطويل‏]

حلفنا لهم و الخيل تردي بنا معا # نزايلكم حتّى تهرّوا العواليا

عوالي سمر من رماح ردينة # هرير الكلاب يتّقين الأفاعيا

و قال النبي صلى اللّه عليه و سلم: «اتقوا ذا الطّفيتين و الأبتر» [5].

شبّه الخيطين على ظهره بخوص المقل. و أنشدت لأبي ذؤيب‏[6]: [من الطويل‏]

عفت غير نؤي الدّار لأيا أبينه # و أقطاع طفي قد عفت في المعاقل‏[7]

و الطّفي: خوص المقل.

و هم يصفون بطن المرأة الهيفاء الخميصة البطن، ببطن الحيّة. و هي الأيم.

و قال العجّاج‏[8]: [من الرجز]

و بطن أيم و قواما عسلجا

[9] [1]شرشره: قطعه.

[2]ديوان رؤبة 173، و الوساطة 13.

[3]تقصد: تكسر.

[4]ديوان عنترة 80-81 (دار صادر) ، و الأول في اللسان و التاج (هرر) ، و الجمهرة 127، و ديوان الأدب 3/140، و التنبيه و الإيضاح 2/227، و هما بلا نسبة في أساس البلاغة (هرر) .

[5]أخرجه البخاري في بدء الخلق برقم 3123، و مسلم في السلام برقم 2233.

[6]شرح أشعار الهذليين 140، و اللسان و التاج (قطع، طفا) ، و التهذيب 14/32، و للهذلي في المقاييس 3/414.

[7]النؤي: الحفير حول الخباء أو الخيمة يمنع السيل. المعاقل: جمع معقل، و هو المكان تعقل فيه الإبل.

[8]ديوان العجاج 2/36، و اللسان و التاج (عسلج، أيم) ، و التهذيب 3/312، 15/551، و الجمهرة 722، و المخصص 10/214، و العين 2/315، و نسب إلى رؤبة في المقاييس 1/166، و ليس في ديوانه.

[9]قوام عسلج: ناعم ينثني و يميل.

410

و قال أدهم بن أبي الزّعراء، و شبّه نفسه بحيّة: [من الطويل‏]

و ما أسود بالبأس ترتاح نفسه # إذا حلبة جاءت و يطرق للحسّ

به نقط حمر و سود كأنما # تنضّح نضحا بالكحيل و بالورس‏[1]

أصمّ قطاريّ يكون خروجه # قبيل غروب الشّمس مختلط الدّمس‏[2]

له منزل، أنف ابن قترة يغتذي # به السمّ، لم يظهر نهارا إلى الشّمس‏[3]

يقيل إذا ما قال بين شواهق # تزلّ العقاب عن نفانفها الملس‏[4]

بأجرأ منّي يا ابنة القوم مقدما # إذا الحرب دبّت أو لبست لها لبسي‏[5]

فأجابه عنترة الطائي، فقال‏[6]: [من الطويل‏]

عساك تمنى من أراقم أرضنا # بأرقم يسقى السمّ من كلّ منطف‏[7]

و قال عنترة[8]: [من الطويل‏]

أ ترجو حياة يا ابن بشر بن مسهر # و قد علقت رجلاك في ناب أسودا

أصمّ جباليّ إذا عضّ عضّة # تزايل عنه جلده فتبدّدا

بسلع صفا لم يبد للشّمس قبلها # إذا ما رآه صاحب اليمّ أرعدا[9]

له ربقة في عنقه من قميصه # و سائره عن متنه قد تقدّدا[10]

رقود ضحيّات، كأن لسانه # إذا سمع الأجراس مكحال أرمدا[11]

يفيت النّفوس قبل أن يقع الرّقى # و إن أبرق الحاوي عليه و أرعدا[12]

[1]الكحيل: قطران أسواد اللون يطلى به الإبل، و الورس: نبت يصبغ به.

[2]القطاري: الضخم.

[3]ابن قترة: حية خبيثة، تنطوي ثم تنقز ذراعا أو نحوها.

[4]النفانف: جمع نفنف، و هو صقع الجبل الذي كأنه جدار مبني مستو.

[5]لبسي: أي لباس الحرب.

[6]البيت في شرح ديوان الحماسة للتبريزي 1/118، و محاضرات الراغب 2/305.

[7]المنطف: الموضع ينطف منه السم، أي يقطر.

[8]الأبيات بلا نسبة في لسان العرب، الأول و الثاني في (قطر) ، و الثالث في (سلع) ، و الخامس في (ضحا) .

[9]السلع: الشق. اليم: الحية. أرعد: أصابته رعدة.

[10]الربقة: الحبل. قميصه: جلده المنسلخ.

[11]المكحال الأرمد: ما يكتحل به، و هو أشد سوادا من غيره.

[12]يفيت النفوس: يميتها.