الحيوان - ج4

- عمرو بن بحر الجاحظ المزيد...
510 /
411

و قال آخر[1]: [من البسيط]

لا ينبت العشب في واد تكون به # و لا يجاورها وحش و لا شجر

ربداء شابكة الأنياب ذابلة # ينبو، من اليبس، عن يافوخها الحجر

لو سرّحت بالنّدى ما مسّها بلل # و لو تكنّفها الحاوون ما قدروا[2]

قد حاوروها فما قام الرّقاة لها # و خاتلوها فما نالوا و لا ظفروا

تقصر الورل العادي بضربتها # نكزا، و يهرب عنها الحيّة الذّكر[3]

جملة القول في الظليم‏

1164-[أعاجيب في الظليم‏]

فممّا فيه من الأعاجيب أنّه يغتذي الصّخر، و يبتلع الحجارة، و يعمد إلى المرو، و المرو من الحجارة التي توصف بالملاسة، و يبتلع الحصى، و الحصى أصلب من الصّخر، ثمّ يميعه و يذيبه في قانصته، حتّى يجعله كالماء الجاري، و يقصد إليه و هو واثق باستمرائه و هضمه، و أنّه له غذاء و قوام.

و في ذلك أعجوبتان: إحداهما التّغذّي بما لا يتغذّى به. و الأخرى استمراؤه و هضمه للشي‏ء الذي لو ألقي في شي‏ء ثم طبخ أبدا ما انحلّ و لا لان، و الحجارة هو المثل المضروب في الشدّة. قال الشاعر: [من البسيط]

حتى يلين لضرس الماضغ الحجر

و قال آخر[4]: [من البسيط]

ما أطيب العيش لو أنّ الفتى حجر # تنبو الحوادث عنه و هو ملموم‏[5]

و وصف اللّه قلوب قوم بالشدّة و القسوة، فقال: فَهِيَ كَالْحِجََارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً [6]، و قال في التشديد: نََاراً وَقُودُهَا اَلنََّاسُ وَ اَلْحِجََارَةُ [7]. لأنه حين حذر [1]الأبيات لعمرو بن شأس في ديوانه 80، و الحماسة البصرية 2/343.

[2]في ديوانه «أي ينزلق عنها الندى لملاستها» .

[3]في ديوانه «النكز: طعن الحية الحيوان بأنفها» .

[4]البيت لابن مقبل في ديوانه 273 (198) ، و شرح شواهد المغني 2/661، و بلا نسبة في اللسان (أمت، نعم) ، و التاج (نعم) و الخزانة 11/304، و الخصائص 1/318 و شرح الأشموني 3/602، و شرح المفصل 1/87، و مغني اللبيب 1/270.

[5]في ديوانه «الحجر الملموم: المجموع بعضه إلى بعض، و هو الصلب المستدير» .

[6]74/البقرة: 2.

[7]6/التحريم: 66.

412

النّاس أعلمهم أنّه يلقي العصاة في نار تأكل الحجارة.

و من الحجارة ما يتّخذه الصفّارون‏[1]علاة[2]دون الحديد؛ لأنّه أصبر على دقّ عظام المطارق و الفطّيسات‏[3].

فجوف النعامة يذيب هذا الجوهر الذي هذه صفته.

1165-[أكل النعام الحصى و الحجارة]

و قال ذو الرّمّة[4]: [من البسيط]

أذاك أم خاضب بالسّيّ مرتعه # أبو ثلاثين أمسى و هو منقلب‏[5]

شخت الجزارة مثل البيت سائره # من المسوح خدبّ شوقب خشب‏[6]

كأنّ رجليه مسماكان من عشر # صقبان لم يتقشّر عنهما النّجب‏[7]

الهاه آء و تنوم، و عقبته # من لائح المرو، و المرعى له عقب‏[8]

و قال أبو النّجم‏[9]: [من الرجز]

و المرو يلقيه إلى أمعائه # في سرطم ماد على التوائه‏[10]

يمور في الحلق على علبائه # تمعّج الحيّة في غشائه‏[11]

هاد و لو حار بحوصلائه‏

[12] و من زعم أنّ جوف الظّليم إنما يذيب الحجارة بقيظ الحرارة فقد أخطأ. و لكن [1]الصفارون: جمع صفّار، و هو الذي يعمل الصفر أي النحاس الأصفر.

[2]العلاة: السندان، و هو ما يطرق عليه الحديد.

[3]الفطيسات: جمع فطيس، و هي المطرقة العظيمة.

[4]ديوان ذي الرمة 114-117، و منه شرح المفردات.

[5]في ديوانه «يريد: أذاك الثور شبه ناقتي في سرعتها أم ظليم، و الخاضب: الظليم الذي أكل الربيع فاحمرت ساقاه. و أبو ثلاثين: الظليم، لأنه أبو ثلاثين فرخا. و السي: ما استوى من الأرض» .

[6] «شخت الجزارة: دقيق القوائم و الرأس. المسوح: الشعر. خدب: ضخم. شوقب: طويل. خشب:

غليظ جاف» .

[7] «المسماكان: عودان يسمك بهما البيت، العشر: شجر. صقبان: طويلان. النجب: لحاء الشجر.

[8] «آء: نبت، و كذلك التنوم، لاح من المرو: ظهر من الحجارة البيض» .

[9]ديوان أبي النجم 55-56، و عيون الأخبار 2/86.

[10]المرو: الحجارة البيض، السرطم: البلعوم. ماد: مال و اضطرب.

[11]ماريمور: اضطرب و تردد، العلباء: عصب العنق. التمعج: التلوي.

[12]هاد: مهتد.

413

لا بدّ من مقدار للحرارة و نحو غرائز أخر، و خاصّيّات أخر، أ لا ترى أنّ القدور التي يوقد تحتها الأيّام و اللّيالي، لا تذوب.

1166-[القول في الخاصّيّات و المقابلات و الغرائز]

و سأدلك على أنّ القول في الخاصّيّات و المقابلات و الغرائز حقّ. أ لا ترى أنّ جوف الكلب و الذّئب يذيبان العظام و لا يذيبان نوى التمر، و نوى التمر أرخى و ألين و أضعف من العظام المصمتة. و ما أكثر ما يهضم العظم. و قد يهضم العظم جوف الأسد و جوف الحيّة. إذا ازدردت بضع اللحم بالشّره و النّهم، و فيها بعض العظام.

و البراذين التي يحيل أجوافها القتّ و التّبن روثا، لا تستمري الشعير.

و الإبل تقبض بأسنانها على أغصان أمّ غيلان، و له شوك كصياصي‏[1]البقر، و القضبان علكة[2]يابسة جرد، و صلاب متينة، فتستمرئها و تجعلها ثلطا[3]، و لا تقوى على هضم الشّعير المنقع، و ليس ذلك إلاّ بالخصائص و المقابلات.

و قد قدّر كلّ شي‏ء لشي‏ء. و لو لا ذلك لما نفذ خرطوم البعوضة و الجرجسة في جلد الفيل و الجاموس، و لما رأيت الجاموس يهرب إلى الانغماس في الماء مرّة، و مرّة يتلطّخ بالطّين، و مرّة يجعله أهله على ربيث الدكان. و لو دفعوا إليك مسلّة شديدة المتن، لما أدخلتها في جلد الجاموس إلاّ بعد التكلّف، و إلاّ ببعض الاعتماد.

و الذي سخّر جلد الجاموس حتّى انفرى و انصدع لطعنة البعوضة، و سخّر جلد الحمار لطعنة الذّباب، و سخّر الحجارة لجوف الظليم، و العظم لجوف الكلب-هو الذي سخّر الصّخر الصّلب لأذناب الجراد، إذا أرادت أن تلقي بيضها؛ فإنّها في تلك الحال متى عقدت ذنبها في ضاحي صخرة انصدعت لها. و لو كان انصداعها من جهة الأسر[4]، و من قوّة الآلة، و من الصّدم و قوّة الغمز، لا نصدعت لما هو في الحسّ أشدّ و أقوى، و لكنّه على جهة التّسخير، و المقابلات، و الخصائص.

و كذلك عود الحلفاء، مع دقّته و رخاوته و لين انعطافه، إذا نبت في عمق الأرض، و تلقّاه الآجرّ و الخزف الغليظ، ثقب ذلك، عند نباته و شبابه، و هو في ذلك عبقر نضير.

و زعم لي ناس من أهل الأردنّ، أنّهم وجدوا الحلفاء قد خرق جوف القار[5].

[1]صياصي البقر: قرونها.

[2]علكة: شديدة.

[3]الثلط: الروث.

[4]من جهة الأسر: من جهة القوة.

[5]القار: الزفت. ـ

414

و زعم لي أبو عتّاب الجرّار، أنّه سمع الأكرة يخبرون أنّهم وجدوه قد خرق فلسا بصريّا[1].

و ليس ذلك لشدّة الغمز و حدّة الرأس، و لكنه يكون على قدر ملاقاة الطباع.

و يزعمون أنّ الصّاعقة تسقط في حانوت الصّيقل‏[2]فتذيب السّيوف بطبعها، و تدع الأغماد على شبيه بحالها، و تسقط على الرّجل و معه الدراهم فتسبك الدّراهم، و لا يصيب الرجل أكثر من الموت.

و البحريّون عندنا بالبصرة و الأبلّة التي تكون فيها الصّواعق. لا يدعون في صحون دورهم و أعالي سطوحهم، شيئا من الصّفر إلاّ رفعوه؛ لأنّها عندهم تنقضّ من أصل مخارجها، على مقدار من محاذاة الأرض، و مقابلة المكان. فإذا كان الصّفر لها ضاحيا، عدلت إليه عن سننها[3].

و ما أنكر ما قالوا. و قد رأيتهم يستعملون ذلك.

و قد يسقط النّوى في تراب المتوضّإ، فإذا صهرج‏[4]نبت، فإذا انتهى إلى الصّاروج أمسك. و إن كان الصّاروج رقيقا فإن قيّر، و جعل غلظه بقدر طول الإبهام، نبت ذلك النّوى حتّى يخرق ذلك القار.

و لو رام رجل خرقه بمسمار أو سكّة، لما بلغ إرادته حتى يشقّ على نفسه.

و الذي سخّر هذه الأمور القويّة في مذهب الرّأي و إحساس النّاس، هو الذي سخّر القمقم، و الطّيجن‏[5]، و المرجل، و الطّست‏[6]، لإبرة العقرب. فما أحصي عدد من أخبرني من الحوّائين، من أهل التّجارب، أنّها ربّما خرجت من جحرها في اللّيل لطلب الطّعم. و لها نشاط و عرام، فتضرب كلّ ما لقيت و لقيها: من حيوان، أو نبات، أو جماد.

و زعم لي خاقان بن صبيح-و استشهد المثنّى بن بشر، و ما كان يحتاج خبره إلى شاهد؛ لصدقه-أنّه سمع في داره نقرة وقعت على قمقم-و قد كان سمع بهذا [1]الفلس: من أجزاء الدرهم.

[2]الصيقل: من يصقل السيوف، أي يشحذها و يجلوها.

[3]السنن: الطريق.

[4]صهرج المتوضأ: عمل بالصاروج، و هو النورة أو أخلاطها.

[5]الطيجن: المقلى الذي يقلى فيه.

[6]الطست: الطشت.

415

الحديث-فنهض نحو الصّوت، فإذا هو بعقرب فتعاورها هو و المثني بنعالهما حتى قتلاها، ثمّ دعوا بماء فصبّاه في القمقم في عشيّتهما، و هو صحيح لا يسيل منه شي‏ء.

فمن تعجّب من ذلك فليصرف بديّا تعجّبه إلى الشي‏ء الذي تقذفه بذنبها العقرب في بدن الإنسان و الحمير و البغال، فليفكّر في مقدار ذلك من القلة و الكثرة.

فقد زعم لي ناس من أهل العسكر أنّهم وزنوا جرّارة[1]بعد أن ألسعوها فوجدوا وزنها على تحقيق الوزن على مقدار واحد، فإن كان الشي‏ء المقذوف من شكل الشي‏ء الحارّ، فلم قصّرت النّار عن مبلغ عمله؟!و إن كان من شكل الشي‏ء البارد فلم قصّر الثلج عن مبلغ عمله؟!فقد وجب الآن أنّ السمّ ليس يقتل بالحرارة، و لا بالبرودة إذا كان باردا. و لو وجدنا فيما أردنا شيئا بلغ مبلغ الثّلج و النار لذكرناه.

فقد دلّ ما ذكرنا على أنّ جوف النّعامة ليس يذيب الصّخر الأملس بالحرارة، و لكنّه لا بدّ على كلّ حال من مقدار من الحرارة، مع خاصيّات أخر، ليست بذات أسماء، و لا تعرف إلاّ بالوهم في الجملة.

1167-[علة قتل السم‏]

و السمّ يقتل بالكمّ و الكيف و الجنس، و الكمّ المقدار، و الكيف: الحدّ.

و الجنس: عين الجوهر و ذاته.

و تزعم الهند أنّ السمّ إنما يقتل بالغرابة، و أنّ كلّ شي‏ء غريب خالط جوف حيوان قتله. و قد أبى ذلك ناس فقالوا: و ما باله يكون غريبا إذا لاقى العصب و اللّحم، و ربّما كان عاملا فيهما جميعا. بل ليس يقتل إلاّ بالجنس، و ليس تحسّ النّفس إلاّ بالجنس، و لو كان الذي يميت حسّهما إنّما يميته لأنّه غريب. جاز أيضا أن يكون الحسّاس إنما حسّ لأنه غريب، و لو كان هذا جائزا لقيل في كلّ شي‏ء.

و قال ابن الجهم: لو لا أنّ الذهب المائع، و الفضّة المائعة، يجمدان إذا صارا في جوف الإنسان. و إذا جمدا لم يجاوزا مكانهما-لكانا من القواتل بالغرابة.

و هذا القول دعوى في النّفس، و النّفس تضيق جدّا. و ما قرأت للقدماء في النفس الأجلاد الكثيرة. و إنما يستدلّ ببقاء تلك الكتب على وجه الدّهر إلى يومنا هذا، و نسخ الرّجال لها أمّة بعد أمّة، و عمرا بعد عمر، على جهل أكثر النّاس بالكلام. و المتكلمون يريدون أن يعلموا كلّ شي‏ء، و يأبى اللّه ذلك. فهذا باب من أعاجيب الظليم.

[1]الجرارة: العقارب صغيرة تجر أذنابها.

416

باب آخر و هو عندي أعجب من الأول‏

و هو ابتلاعه الجمر حتى ينفذ إلى جوفه، فيكون جوفه هو العامل في إطفائه، و لا يكون الجمر هو العامل في إحراقه.

و أخبرني أبو إسحاق إبراهيم بن سيّار النّظّام-و كنّا لا نرتاب بحديثه إذا حكى عن سماع أو عيان-أنّه شهد محمد بن عبد اللّه-يلقي الحجر في النّار، فإذا عاد كالجمر قذف به قدّامه، فإذا هو يبتلعه كما يبتلع الجمر. كنت قلت له: إنّ الجمر سخيف سريع الانطفاء إذا لقي الرّطوبات، و متى أطبق عيه شي‏ء يحول بينه و بين النّسيم خمد، و الحجر أشدّ إمساكا لما يتداخله من الحرارة، و أثقل ثقلا، و ألزق لزوقا و أبطأ انطفاء، فلو أحميت الحجارة!فأحماها ثم قذف بها إليه، فابتلع الأولى فارتبت به، فلما ثنى و ثلّث اشتدّ تعجبي له، فقلت له: لو أحميت أواقيّ الحديد، ما كان منها ربع رطل و نصف رطل!ففعل، فابتلعه، فقلت: هذا أعجب من الأوّل و الثّاني، و قد بقيت علينا واحدة، و هو أن ننظر: أ يستمري الحديد كما يستمري الحجارة؟و لم يتركنا بعض السفهاء و أصحاب الخرق‏[1]أن نتعرّف ذلك على الأيّام.

و كنت عزمت على ذبحه و تفتيش جوفه و قانصته، فلعلّ الحديد يكون قد بقي هناك لا ذائبا و لا خارجا فعمد بعض ندمائه إلى سكّين فأحمي، ثم ألقاه إليه فابتلعه، فلم يجاوز أعلى حلقه حتى طلع طرف السّكين من موضع مذبحه، ثمّ خرّ ميّتا. فمنعنا بخرقه من استقصاء ما أردنا.

1168-[شبه النعامة بالبعير و بالطائر]

و في النّعامة أنّها لا طائر و لا بعير، و فيها من جهة المنسم و الوظيف‏[2] و الخرمة[3]، و الشقّ الذي في أنفه، ما للبعير. و فيها من الرّيش و الجناحين و الذّنب و المنقار، ما للطائر. و ما كان فيها من شكل الطّائر أخرجها و نقلها إلى البيض، و ما كان فيها من شكل البعير لم يخرجها و لم ينقلها إلى الولد. و سماها أهل [1]الخرق: العمق.

[2]الوظيف: مستدق الذراع و الرجل من الإبل.

[3]الخرمة: موضع الخرم من الأنف.

417

فارس: «أشتر مرغ» ، كأنّهم قالوا: هو طائر و بعير.

و قال يحيى بن نوفل‏[1]: [من الوافر]

فأنت كساقط بين الحشايا # تصير إلى الخبيث من المصير

و مثل نعامة تدعى بعيرا # تعاظمها إذا ما قيل طيري

فإن قيل احملي قالت فإنّي # من الطّير المربّة بالوكور[2]

ثمّ هجا خالدا فقال:

و كنت لدى المغيرة عير سوء # تصول، من المخافة، للزّئير

لأعلاج ثمانية و علج # كبير السّنّ ذي بصر ضرير

هتفت بكلّ صوتك: أطعموني # شرابا، ثمّ بلت على السّرير

و إنما قيل ذلك في النّعامة؛ لأنّ النّاس يضربون بها المثل للرّجل إذا كان ممّن يعتلّ في كلّ شي‏ء يكلفونه بعلة، و إن اختلف ذلك التكليف، و هو قولهم: «إنما أنت نعامة، إذا قيل لها احملي قالت: أنا طائر، و إذا قيل لها طيري قالت: أنا بعير» ،

1169-[قصة أذني النعامة]

و تزعم الأعراب أنّ النّعامة ذهبت تطلب قرنين، فرجعت مقطوعة الأذنين؛ فلذلك يسمّونه الظليم، و يصفونه بذلك‏[3].

و قد ذكر أبو العيال الهذليّ ذلك، فقال‏[4]: [من الكامل‏]

و إخال أنّ أخاكم و عتابه # إذ جاءكم بتعطّف و سكون

يمسي إذا يمسي ببطن جائع # صفر و وجه ساهم مدهون‏[5]

فغدا يمثّ و لا يرى في بطنه # مثقال حبّة خردل موزون‏[6]

[1]الأبيات ليحيى بن نوفل في البيان 2/266-267، و محاضرات الراغب 2/298، و عيون الأخبار 2/86، و بلا نسبة في اللسان و التاج (نعم) ، و التهذيب 3/15.

[2]أربّ الطائر بوكره: لزمه.

[3]في فصل المقال 361، و مجمع الأمثال 1/406، 2/139 «ذهبت النعامة تطلب قرنين، فرجعت مصلمة الأذنين» . و انظر الفقرة (1206) .

[4]شرح أشعار الهذليين 422.

[5]الصفر: الخالي. الساهم: الضامر.

[6]يمث: يرى على جلده مثل الدهن.

418

أو كالنّعامة إذ غدت من بيتها # ليصاغ قرناها بغير أذين

فاجتثّت الأذنان منها فانثنت # صلماء ليست من ذوات قرون‏[1]

1170-[تقليد الغراب للعصفور]

و يقولون: ذهب الغراب يتعلم مشية العصفور، فلم يتعلّمها، و نسي مشيته، فلذلك صار يحجل و لا يقفز قفزان العصفور.

1171-[مشي طوائف من الحيوان‏]

و البرغوث و الجرادة ذات قفز، و لا تمشي مشية الدّيك و الصّقر و البازي، و لكن تمشي مشية المقيّد أو المحجّل خلقه.

قال أبو عمران الأعمى، في تحوّل قضاعة إلى قحطان عن نزار[2]: [من الطويل‏]

كما استوحش الحيّ المقيم ففارقوا الـ # خليط فلا عزّ الّذين تحمّلوا

كتارك يوما مشية من سجيّة # لأخرى ففاتته فأصبح يحجل‏

1172-[عظام النعامة]

و من أعاجيبها أنّها مع عظم عظامها، و شدّة عدوها، لا مخّ فيها.

و في ذلك يقول الأعلم الهذلي‏[3]: [من الوافر]

على حتّ البراية زمخريّ السـ # واعد ظلّ في شري طوال‏

يعني ظليما شبّه به عدو فرسه. و الحتّ: السريع. و الشّري: الحنظل. و برايته:

قوّته على ما يبريه من السّير. و السّواعد: مجاري مخّه في العظم و كذلك مجاري عروق الضّرع، يقال لها السّواعد.

قال: و نظنّ إنّما قيل لها ذلك لأنّ بعضها يسعد بعضا، كأنّه من التّعاون أو من المواساة.

[1]الصلماء: المقطوعة الأذنين.

[2]البيتان لأبي عمران الأعجم في البرصان 140.

[3]البيت للأعلم الهذلي في شرح أشعار الهذليين 320، و اللسان (حتت، سعد، زمخر) و التاج (سعد، زمخر، بري، شرا) ، و التنبيه و الإيضاح 1/161، و المقاييس 1/233، 2/28، و للهذلي في جمهرة اللغة 1145، 2109، و بلا نسبة في الجمهرة 77، و التهذيب 2/73، 7/38، 669.

419

قال: و الزّمخريّ: الأجوف. و يقال: إنّ قصب عظم الظّليم لا مخّ له. و قال أبو النّجم‏[1]: [من الرجز]

هاو يظلّ المخّ في هوائه‏

و واحد السّواعد: ساعد.

و قال صاحب المنطق: ليس المخّ إلاّ في المجوّفة، مثل عظم الأسد.

و في بعض عظامه مخّ يسير. و كذلك المخّ قليل في عظام الخنازير، و ليس في بعضها منه شي‏ء البتّة.

1173-[بيض النعام‏]

و من أعاجيبها[2]أنّها مع عظم بيضها تكثّر عدد البيض، ثمّ تضع بيضها طولا، حتى لو مددت عليها خيطا لما وجدت لها منه خروجا عن الأخرى، تعطي كلّ بيضة من ذلك قسطه، ثمّ هي مع ذلك ربّما تركت بيضها و ذهبت تلتمس الطّعام، فتجد بيض أخرى فتحضنه، و ربّما حضنت هذه بيض تلك، و ربّما ضاع البيض بينهما.

و أمّا عدد بيضها و رئالها فقد قال ذو الرّمّة[3]: [من البسيط]

أذاك أم خاضب بالسّيّ مرتعه # أبو ثلاثين أمسى و هو منقلب‏

و في وضعها له طولا و عرضا على خطّ و سطر، يقول‏[4]: [من الوافر]

و ما بيضات ذي لبد هجفّ # سقين بزاجل حتّى روينا[5]

وضعن فكلّهنّ على غرار # هجان اللّون لم تقرع جنينا

يبيت يحفهنّ بمرفقيه # و يلحفهنّ هفهافا ثخينا[6]

[1]ديوان أبي النجم 57.

[2]ربيع الأبرار 5/451.

[3]ديوان ذي الرمة 114، و تقدم البيت في الفقرة (1165) .

[4]الأبيات لعمرو بن أحمر في ديوانه 158، و الأول في اللسان و التاج (هجف، زجل) ، و الجمهرة 122، و ديوان الأدب 1/359، 3/52، و بلا نسبة في الجمهرة 471، و الثاني في اللسان و التاج (قفف، هفف) .

[5]هجف: طويل ضخم، الزاجل: ما يسيل من مؤخر الظليم على البيض حين يحضنه.

[6]لحفه: غطاه باللحاف. الهفهاف: أراد به جناحه.

420

و قال الآخر[1]: [من البسيط]

تهوي بها مكربات في مرافقها # فتل صلاب مياسير معاجيل‏[2]

يدا مهاة، و رجلا خاضب سنق # كأنّه من جناه الشّري مخلول‏[3]

هيق هجفّ و زفّانيّة مرطى # زعراء، ريش جناحيها هراميل‏[4]

كأنما منثنى أقماع ما هصرت # من العفاء بليتيها ثآليل‏[5]

تروّحا من سنام العرق فالتبطا # إلى القنان التي فيها المداحيل‏[6]

إذا استهلاّ بشؤبوب فقد فعلت # بما أصابا من الأرض الأفاعيل‏[7]

فصادفا البيض قد أبدت مناكبها # منها الرّئال، لها منها سرابيل‏[8]

فنكّبا ينقفان البيض عن بشر # كأنها ورق البسباس مغسول‏[9]

1174-[تشبيه القدر الضخمة بالنعامة]

و الشّعراء يشبّهون القدر الضّخمة التي تكون بمنزل العظيم و أشباهه من [1]الأبيات للشماخ في ديوانه 277-280 و منه شرح المفردات.

[2] «تهوي: تسرع. مكربات: مشدودات. يعني أن أذرعها مشدودة في مرافقها شدا محكما. فتل:

جمع أفتل، أي مندمجة شديدة. صياب: لا تحيد عن القصد، مياسير: خفاف تلاين في مشيها.

معاجيل: تعجل بالسير.

[3]المهاة: بقر الوحش. الخاضب: الظليم. السنق: الشبعان كالمتخم. من جناه الشري: من تناوله الحنظل. مخلول: في فمه خلال، و أصله أن يلهج الفصيل الذي برضاع أمه، فيجعل عود في لسانه لئلا يرضع.

[4] «الهيق: الطويل. الهجف: الظليم المسن، أو هو الجافي الثقيل الضخم. الزفانية: الخفيف السريع. مرطى: سريعة. زعراء: قليلة الريش. هراميل: جمع هرمول، و هي قطعة من الشعر تبقى في نواحي الرأس؛ و كذلك من الريش و الوبر» .

[5]الاهتصار و الانهصار: سقوط الغصن على الأرض؛ و أصله في الشجر. أقماع: جمع قمع، و أصله الذي على رأس الثمرة، شبّه آثار ما سقط من ريشها بأقماع الثمرة. العفاء: الريش الذي يكون على الزف الصغار، بليتيها: بصفحتي عنقها. الثآليل: البثرات تكون في الجسد.

[6]تروحا: سارا في الرواح. سنام العرق: أعلاه. و العرق: موضع على فراسخ من هيت، و جبل بين البصرة و اليمامة. التبطا: من اللبط، و هو عدو مع وثب. مداحيل: مداخل تحت الجرف» .

[7] «استهلا بشؤبوب: اشتد عدوهما. و المراد هنا: الدفعة من العدو» .

[8] «المعنى أنهما وجدا البيض قد انفلق عن أعلى الرئال، و بقي أسفلها فيه فكان لها كالسرابيل» .

[9] «نكبا: مالا. ينقفان: ينقبان و يقشران. البشر: جمع بشرة. البسباس: نبت طيب الرائحة» .

421

الأجواد، بالنّعامة. قال الرّمّاح، ابن ميّادة[1]: [من الطويل‏]

و قلت لها لا تعجلي.... # كذلك تقري الشوك ما لم تردد

إلى جامع مثل النّعامة يلتقي # عوازبه فوق.............

جامع: يعني القدر. و جعلها مثل النّعامة.

و قال ابن ميادة[2]يمدح الوليد بن يزيد: [من الطويل‏]

نتاج العشار المنقيات إذا شتت # روابدها مثل النّعام العواطف‏[3]

و قال الفرزدق‏[4]: [من الطويل‏]

و قدر كحيزوم النّعامة أحمشت # بأجذال خشب زال عنها هشيمها[5]

1175-[لعب الذئب بالنعام‏]

و ضحك أبو كلدة حين أنشد شعر ابن النّطّاح، و هو قوله‏[6]: [من الكامل‏]

و الذّئب يلعب بالنّعام الشّارد

قال: و كيف يلعب بالنّعام، و الذّئب لا يعرض لبيض النّعام و فراخه حين لا يكونان حاضرين، أو يكون أحدهما، لأنّهما متى ناهضاه ركضه الذّكر فرماه إلى الأنثى، و أعجلته الأنثى فركضته ركضة تلقيه إلى الذّكر فلا يزالان كذلك حتى يقتلاه أو يعجزهما هربا، و إذا حاول ذلك منه أحدهما لم يقو عليه. قال: فكيف يقول: [من الكامل‏]

و الذّئب يلعب بالنّعام الشّارد

و هذه حاله مع النّعام؟! [1]البيتان فيهما نقص و تحريف، و هما في ديوانه 120 نقلا عن الحيوان.

[2]ديوان ابن ميادة 172.

[3]في ديوانه «العشار: جمع، و العشراء من الإبل: الناقة التي مضى لحملها عشرة أشهر، و العرب يسمونها عشارا بعد ما تضع ما في بطونها، و قيل: العشراء من الإبل كالنفساء من النساء» المنقيات: جمع منقية؛ و هي السمينة. الروابد: عنى بها القدور المقيمة على النار. و العواطف:

الحانيات على أولادها.

[4]البيت للفرزدق في البخلاء 225، و أساس البلاغة (حمش) ، و أمالي المرتضى 4/29، و ليس في ديوانه.

[5]الحيزوم: الصدر، أو ما استدار بالظهر و البطن. أحمشت: أشبع وقودها.

[6]ديوان بكر بن النطاح 241، نقلا عن الحيوان. ـ

422

و زعم أنّ نعامتين اعتورتا ذئبا فهزمتاه، و صعد شجرة، فجالدهما، فنقره أحدهما، فتناول الذّئب رأسه فقطعه، ثمّ نزل إلى الآخر فساوره فهزمه.

1176-[جبن الظليم‏]

و الظّليم يوصف بالجبن، و يوصف بالنّفار و التّوحّش و قال سهم بن حنظلة[1]، في هجائه بني عامر: [من المتقارب‏]

إذا ما رأيت بني عامر # رأيت جفاء و نوكا كثيرا

نعام تجرّ بأعناقها # و يمنعها نوكها أن تطيرا

1177-[شدة ضرر النعامة]

و النّعامة تتخذها النّاس في الدّور، و ضررها شديد، لأنّها ربّما رأت في أذن الجارية أو الصبيّة قرطا فيه حجر، أو حبّة لؤلؤ، فتخطفه لتأكله. فكم أذن قد خرقتها!و ربّما رأت ذلك في لبّة[2]الصبيّ أو الصبيّة، فتضربه بمنقارها، فربّما خرقت ذلك المكان.

1178-[تشبيه الفرس بالظليم‏]

و ممّا يشبّه به الفرس ممّا في الظليم، قول امرئ القيس بن حجر[3]: [من الطويل‏]

و خدّ أسيل كالمسنّ و بركة # كجؤجؤ هيق دفّه قد تموّرا[4]

و قال عقبة بن سابق: [من الخفيف‏]

و له بركة كجؤجؤ هيق # و لبان مضرّج بالخضاب‏[5]

و قال أبو داود الإيادي‏[6]: [من مجزوء الكامل‏]

يمشي كمشي نعامتـ # ين يتابعان أشقّ شاخص‏[7]

[1]البيتان في عيون الأخبار 2/87، و الحماسة البصرية 2/287.

[2]اللّبة: موضع القلادة من الصدر.

[3]ديوان امرئ القيس 267.

[4]البركة و الجؤجؤ: الصدر. الهيق: ذكر النعام. الدف: صفحة الجنب. تمور: سقط منه النسيل؛ و هو الريش.

[5]البركة و الجؤجؤ: الصدر. الهيق: ذكر النعام. اللبان: وسط الصدر. مضرج بالخضاب: ملطخ بالدم.

[6]ديوان أبي دؤاد 322، و اللسان و التاج (مصص) ، و المعاني الكبير 3، 40، و الجمهرة 1331.

[7]في ديوانه: «إذا مشى اضطرب فارتفعت عجزه مرة؛ و عنقه مرة أخرى، و كذلك مشي النعامتين إذا تتابعتا تقاصر واحدة و تطاول واحدة، فإذا مشت المتقدمة ارتفع الصدر، و إذا مشت المتأخرة ارتفع العجز. الأشق: الطويل.

423

و قال آخر: [من الوافر]

كأنّ حماته كردوس فحل # مقلّصة على ساقي ظليم‏[1]

و قال أبو داود الإياديّ‏[2]: [من الكامل‏]

كالسّيد ما استقبلته و إذا # ولّى تقول ململم ضرب‏[3]

لأم إذا استقبلته و مشى # متتابعا ما خانه عقب‏[4]

يمشي كمشي نعامة تبعت # أخرى إذا ما راعها خطب‏

القول فيما اشتقّ له من البيض اسم‏

قال العدبّس الكنانيّ: باضت البهمى‏[5]: أي سقطت نصالها[6]و باض الصّيف، و باض القيظ: اشتدّ الحرّ و خرج كلّ ما فيه-من ذلك.

و قال الأسديّ: [من الطويل‏]

فجئنا و قد باض الكرى في عيوننا # فتى من عيوب المقرفين مسلّما[7]

و قال أميّة بن أبي الصّلت‏[8]: [من الخفيف‏]

ركبت بيضة البيات عليهم # لم يحسّوا منها سواها نذيرا[9]

و قال الرّاعي‏[10]، يهجو ابن الرّقاع: [من البسيط]

لو كنت من أحد يهجى هجوتكم # يا ابن الرّقاع، و لكن لست من أحد

تأبى قضاعة لم تقبل لكم نسبا # و ابنا نزار فأنتم بيضة البلد

[1]الحماة: عضلة الساق. الكردوس: واحد الكراديس؛ و تعني رءوس العظام.

[2]ديوان أبي دؤاد 284؛ و منه شرح المفردات التالية.

[3]في ديوانه «ململم: مجتمع الخلق. ضرب: خفيف اللحم» .

[4] «اللأم: الشديد من الخيل و غيرها. عقب: جري بعد جري» .

[5]البهمى: نبت تجد به الغنم وجدا شديدا ما دام أخضر، فإذا يبس هرّ شوكه و امتنع، و البهمى:

ترتفع نحو الشبر و نباتها ألطف من نبات البر. انظر اللسان (بهم) .

[6]النصال: سنابل البهمى.

[7]المقرف: الهجين الذي أمه عربية و أبوه غير عربي.

[8]ديوان أمية بن أبي الصلت 404.

[9]في ديوانه «البيضة، هنا: الشدة. و البيات الاسم من قولهم: بيّت القوم، إذا أوقع بهم ليلا و أخذهم بغتة» .

[10]ديوان الراعي 203، و ثمار القلوب 392 (720) ، و اللسان و التاج (بيض) ، و العمدة 2/189، و الأول في اللسان و التاج (رقع) ، و الثاني في التهذيب 3/124، 12/85، و اللسان و التاج (بلد) ، و بلا نسبة في اللسان و التاج (دعا) .

424

و في المديح قول عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه: «أنا بيضة البلد» ، [1]و منه «بيضة الإسلام» [2]. و بيضة القبّة: أعلاها، و كذلك الصّومعة، و البيض: قلانس الحديد.

و قال أبو حيّة النّميريّ‏[3]: [من الوافر]

و صدّ الغانيات البيض عنّي # و ما إن كان ذلك عن تقالي‏[4]

رأين الشّيب باض على لداتي # و أفسد ما عليّ من الجمال‏[5]

و بيض الجرح و الخراج و الحبن‏[6]: الوعاء الذي يجمع فيه الصّديد، إذا خرج برئ و صلح.

و قد يسمّون ما في بطون إناث السّمك بيضا، و ما في بطون الجراد بيضا، و إن كانوا لا يرون قشرا يشتمل عليه، و لا قيضا[7]يكون لما فيه حضنا.

و الخرشاء: قشرة البيض إذا خرج ما فيه. و سلخ الحيّة يقال له الخرشاء.

1179-[شعر في التشبيه بالبيض‏]

و قال الأعشى‏[8]في تشبيه اللّفاء الحسناء[9]بالبيضة: [من السريع‏]

أو بيضة في الدّعص مكنونة # أو درّة سيقت إلى تاجر[10]

و قال في بيض الحديد[11]: [من الطويل‏]

كأنّ نعام الدّوّ باض عليهم # إذا شام يوما للصّريخ المندّد[12]

[1]ثمار القلوب 392 (720) ، و العمدة 2/189، و هو من الأمثال في مجمع الأمثال 1/97، و جمهرة الأمثال 1/231، و فصل المقال 417، 438، 487.

[2]في ثمار القلوب (722) : بيضة الإسلام: هي مجتمعه و حوزته.

[3]ديوان أبي حية النميري 168.

[4]التقالي: المباغضة.

[5]لداتي: جمع لدة، و هو من يولد معك.

[6]الحبن. الدمل.

[7]القيض: القشرة العليا اليابسة على البيضة.

[8]ديوان الأعشى 189، و بلا نسبة في اللسان و التاج (حرب) ، و التهذيب 5/23، و الجمهرة 1256.

[9]اللفاء: الضخمة الفخذين في اكتناز.

[10]مكنونة: مخبأة. الدعص: الرمل المستدير.

[11]ديوان الأعشى 289.

[12]الدو: الفلاة: شام: نظر، أو: سلّ سيفه. الصريخ: المستغيث.

425

و قال الأعشى‏[1]: [من الطويل‏]

أتتنا من البطحاء يبرق بيضها # و قد رفعت نيرانها فاستقلّت‏

و قال زيد الخيل‏[2]: [من الطويل‏]

كأنّ نعام الدّوّباض عليهم # فأحداقهم تحت الحديد خوازر[3]

قال: و يقال تقيّضت البيضة، و الإناء، و القارورة، تقيّضا: إذا انكسرت فلقا.

فإذا هي لم تتفلّق فلقا و هي متلازقة، فهي منقاضة انقياضا. و قيض البيضة: قشرتها اليابسة. و غرقئها: القشرة الرّقيقة التي بين اللّحم و بين الصّميم. قال: و الصّميم:

الجلدة.

قال: و يقال غرقأت البيضة: إذا خرجت و ليس لها قشر ظاهر غير الغرقئة.

قال الرّدّاد: غرقأت الدّجاجة بيضها، فالبيضة مغرقأة. و الخرشاء: القشرة الغليظة من البيضة، بعد أن تثقب فيخرج ما فيها من البلل؛ و جماعها الخراشيّ، غير مهموز.

قال: و قال ردّاد: خرشاء الحيّة: سلخها حين تنسلخ.

قال: و تغدّى أعرابيّ عند بعض الملوك، فدبّت على حلقه قملة، فتناولها فقصعها بإبهامه و سبّابته، ثمّ قتلها، فقالوا له: ويلك!ما صنعت؟!فقال: بأبي أنتم و أمي، ما بقي إلا خرشاؤها! و قال المرقّش‏[4]: [من السريع‏]

إن تغضبوا نغضب لذاكم كما # ينسلّ من خرشائه الأرقم‏[5]

و قال دريد بن الصّمّة في بيض الحديد[6]:

قال: و يقال في الحافر نزا ينزو. و أمّا الظّليم فيقال: قعا يقعو، مثل البعير.

[1]ديوان الأعشى 309، و أمالي ابن الشجري 2/165، و حماسة ابن الشجري 41.

[2]البيت لزيد الخيل في ديوانه 211، و لمعقر بن أوس بن حمار في الأغاني 11/161، و لمعقر بن حمار في قصائد جاهلية نادرة 111، و صدر البيت بلا نسبة في المقاييس 3/112.

[3]الخازر: من ينظر بلحاظ عينيه.

[4]المفضليات 240.

[5]الأرقم من الحيات: الذي فيه سواد و بياض.

[6]سقط البيت من الأصل، و لم يرد في ديوان دريد بن الصمة شعر قاله في بيضة الحديد.

426

يقال: قاع يقوع قوعا و قياعا، وقعا يقعو قعوا. فهذا ما يسوّون فيه بينه و بين البعير.

و يقال: خفّ البعير، و الجمع أخفاف. و منسم البعير، و الجمع مناسم؛ و كذلك يقال للنّعامة.

و قال الرّاعي‏[1]: [من الطويل‏]

و رجل كرجل الأخدريّ يشيلها # وظيف على خفّ النّعامة أروح‏[2]

و قال جران العود[3]: [من الطويل‏]

لها مثل أظفار العقاب و منسم # أزجّ كظنبوب النّعامة أروح‏[4]

قال: و الزّاجل: ماء الظّليم؛ و هو كالكراض من ماء الفحل. و أنشد لابن أحمر[5]: [من الوافر]

و ما بيضات ذي لبد هجفّ # سقين بزاجل حتّى روينا

و قال الطّرمّاح‏[6]: [من الخفيف‏]

سوف تدنيك من لميس سبندا # ة أمارت بالبول ماء الكراض‏[7]

و ربّما استعاروا المناسم. قال الشاعر: [من الرجز]

توعدني بالسّجن و الآدات # إذا عدت تأظبت أدات

تربط بالحبل أكيرعات‏

قال: و يقال لولد النّعام: الرّأل، و الجمع رئال و رئلان؛ و حفّان. و حفّانة [1]ديوان الراعي 44.

[2]الأخدري: الحمار الوحشي. يشيل: يرفع.

[3]ديوان جران العود 6.

[4]في ديوانه «يقول: أظفارها كمخالب العقاب. و المنسم طرف خف النعامة. و الأزج: المقوس.

الظنبوب: أنف عظم السوق» .

[5]ديوان عمرو بن أحمر 158، و تقدم في الفقرة (1173) .

[6]ديوان الطرماح 266 (172) ، و اللسان (نضج، مور، يعر، كرض) ، و التاج (مور، يعر، كرض) ، و التهذيب 3/182، 10/36، 557، 15/298، و الجمهرة 751، و العين 5/301، و المقاييس 5/170، و بلا نسبة في المجمل 4/222، 564.

[7]في ديوانه «سبنداة: الناقة الجريئة. أمارت: أسالت و أجالت. و الكراض: ماء الفحل. و أمارته: أي أسالته مع البول، فلم تعقد عليه، و لم تحمل فتضعف، و عدم الحمل أقوى للناقة» .

427

للواحدة، و الجمع حفّان؛ و حسكل. و يقال: هذا خيط نعام و خيطان. و قال الأسود بن يعفر: [من الكامل‏]

و كأنّ مرجعهم مناقف حنظل # لعب الرّئال بها و خيط نعام‏

و يقال: قطيع من نعام، و رعلة من نعام.

و قال الأصمعيّ: الرّعلة: القطعة من النّعام. و السّرب من الظّباء و القطا. و الإجل من الظّلف.

و قال طفيل الغنويّ‏[1]في بيضة الحيّ و ما أشبه ذلك: [من الطويل‏]

ضوابع تنوي بيضة الحيّ بعد ما # أذاعت بريعان السّوام المعزّب‏[2]

قال: و يقال: للظليم إذا رعى في هذا النّبات ساعة و في هذا ساعة قد عقّب يعقّب تعقيبا. و أنشدني لذي الرّمّة[3]: [من البسيط]

ألهاه آء و تنوم و عقبته # من لائح المرو و المرعى له عقب‏

قال: و يقال للرجل، إذا كان صغير الأذنين لاصقتين بالرّأس: أصمع؛ و امرأة صمعاء. و يقال: خرج السهم متصمّعا: إذا ابتلّت قذذه من الدّم و انضمّت. و قال أبو ذؤيب‏[4]: [من الكامل‏]

سهما فخرّ و ريشه متصمّع‏

و يقال: أتانا بثريدة مصمّعة: إذا دقّقها و حدّد رأسها. و صومعة الرّاهب منه؛ لأنها دقيقة الرأس. و فلان أصمع القلب: إذا كان ذكيا حديدا ماضيا. و قال طرفة[5]:

[من الطويل‏]

لعمري لقد مرّت عواطس جمّة # و مرّ قبيل الصّبح ظبي مصمّع‏[6]

[1]ديوان طفيل الغنوي 29، و العين 2/25.

[2]في ديوانه «الضبع: أن تهوي بأيديها إلى أعضادها، بيضة الحي: معظمهم. أذاعت: فرّقت. ريعان كل شي‏ء: أوله. السوام: ما يسرح من إبل أو بقر أو غنم. المعزب: الذي بعد عن أهله لا يروح عليهم» .

[3]ديوان ذي الرمة 114.

[4]صدر البيت (فرمى فأنفذ من نحوص عائط) ، و هو لأبي ذؤيب الهذلي في شرح أشعار الهذليين 22، و اللسان و التاج (نجد، صمع) ، و العين 1/317، و المجمل 3/242، و التهذيب 2/60، 10/665، و للهذلي في الجمهرة 887، و بلا نسبة في المقاييس 3/311، و المخصص 6/94.

[5]البيت في ملحق ديوان طرفة 156 «طبعة مكس سلغسون» ، و اللسان و التاج (عطس، سمع) و التهذيب 2/65، و بلا نسبة في المخصص 8/26.

[6]العواطس: جمع عاطس، و هو ما استقبلك من الظباء.

428

أراد: ماضيا.

و قال الشاعر في بيضة البلد: [من البسيط]

أقبلت توضع بكرا لا خطام لها # حسبت رهطك عندي بيضة البلد

و يشبّه عظام جماجم الرءوس ببيض النّعام. و قال الأعرج القينيّ: [من الوافر]

بكينا بالرّماح غداة طرق # على قتلى بناصفة كرام‏[1]

جماجم غودرت بحمام عرق # كأنّ فراشها بيض النّعام‏[2]

و قال مقاتل بن طلبة[3]: [من الطويل‏]

رأيت سحيما فاقد اللّه بينها # تنيك بأيديها و تأبى أيورها

و قال السّحيمي يردّ عليه: [من الطويل‏]

مقاتل، بشّرها ببيض نعامة # و إن لم تبشّرها فأنت أميرها

و قال أبو الشّيص الخزاعي في بيضة الخدر: [من البسيط]

و أبرز الخدر من ثنييه بيضته # و أعجل الرّوع نصل السّيف يخترط[4]

فثمّ تفديك منّا كلّ غانية # و الشّيخ يفديك و الولدان و الشّمط[5]

و قال جحش بن نصيب: [من الطويل‏]

كأنّ فلاق الهام تحت سيوفنا # خذاريف بيض عجّل النّقف طائره‏[6]

و قال مهلهل‏[7]في بيضة الخدر: [من الكامل‏]

و تجول بيضات الخدور حواسرا # يمسحن فضل ذوائب الأيتام‏[8]

[1]ناصفة: موضع في العقيق بالمدينة، و يوم ناصفة من أيام العرب. معجم البلدان 5/252.

[2]الفراش: كل عظم رقيق.

[3]البيت في عيون الأخبار 4/96.

[4]الثنيان: مثنى ثني، و الجمع أثناء، و هي المحاني، و المعاطف. يخترط: يستل من غمده.

[5]الشمط: جمع أشمط، و شمطاء، و هو الذي اختلط بياض رأسه بسواده.

[6]الفلاق: جمع فلاقة، و هي القطعة، و الخذاريف: جمع خذروف: و هي كل شي‏ء مبعثر من شي‏ء.

نقف الطائر البيضة: ثقبها.

[7]البيت في الأصمعيات 156.

[8]حواسر: كاشفات رءوسهن.

429

و هو و ما قبله يدلان على أنهم لا يشبّهون ببيض النّعام إلاّ الأبكار.

قال الشاعر[1]: [ممن الطويل‏]

و بيض أفقنا بالضّحى من متونها # سماوة بيض كالخباء المقوّض‏[2]

هجوم عليها نفسه، غير أنّه # متى يرم في عينيه بالشّخص ينهض‏[3]

يعني بالبيض بيض النّعام. و سماوة الشي‏ء: شخصه. لأنّ الظّليم لما رآهم فزع و نهض. و هذا البيت أيضا يدلّ على أنّه فروقة[4].

و قال ذو الرّمّة[5]في بيض النّعام: [من الطويل‏]

تراه إذا هبّ الصّبا درجت به # غرابيب من بيض هجائن دردق‏[6]

قال: و الصّبا و الجنوب تهبّان في أيام يبس البقل، و هو الوقت الذي يثقب النّعام فيه البيض. يقول: درجت به رئلان سود غرابيب، و هي من بيض هجائن: أي بيض.

و الدّردق: الصّغار، و هو من صغر الرّئلان.

قال طفيل بن عوف الغنويّ‏[7]، و ذكر كيف يأخذون بيض النّعام: [من الطويل‏]

عوازب لم تسمع نبوح مقامة # و لم تر نارا تمّ حول مجرّم‏[8]

[1]ديوان ذي الرمة 1831-1832، و الخزانة 8/157، و الثاني بلا نسبة في اللسان و التاج (هجم) ، و الكتاب 1/110.

[2]في ديوانه «سماوة جون» ، و فيه: «السماوة: شخصه، أي: فزعناه فقام عن بيضه. و الخباء: البيت.

المقوض: الذي هلك و قلعت أوتاده» .

[3]في ديوانه: «بالشبح ينهض» ، و فيه: «هجوم عليها: يعني الظليم، يرمي نفسه على بيضه، الشبح:

الشخص، ينهض: إذا رأى شخصا فرّ و هرب» .

[4]فروقة: كثير الفزع.

[5]ديوان ذي الرمة 480، و المعاني الكبير 354، و الأزمنة و الأمكنة 2/81.

[6]في ديوانه «إنما اختار الصبا لأنها تهب في الشتاء، و النعام لا يبيض إلا في الشتاء. فلذلك درجت في هذا الوقت. غرابيب: سود، الواحد: غربيب، يعني الفراخ. من بيض: يقول: هذه الفراخ خرجت من بيض بيض. و الهجائن: البيض. دردق: صغار، لا واحد لها» .

[7]ديوان طفيل الغنوي 77-78، و أمالي القالي 2/83، و الأول في أساس البلاغة (تمم، نبح) ، و هما لابن مقبل في ديوانه 276.

[8]في ديوانه «عوازب: لا تروح إلى أهلها بالقفر. النبوح: أصوات كلاب المقيمين. تم حول: يقال:

مضى له حول مجرم، إذا كان تماما» . ـ

430

سوى نار بيض أو غزال معفّر # أغنّ من الخنس المناخر توأم‏[1]

هذه إبل راع معزب صاحب بواد و بدوة لا يأتي المحاضر و المياه حيث تكون النّيران. و هو صاحب لبن و ليس صاحب بقل، فإبله لا ترى نارا سوى نار بيض أو غزال.

1180-[نار الصّيد]

و هذه النّار هي النّار التي يصطاد بها الظّباء و الرّئلان و بيض النّعام‏[2]لأنّ هذه كلّها تعشى إذا رأت نارا، و يحدث لها فكرة فيها و نظر. و الصبيّ الصغير كذلك.

و أوّل ما يعابث الرّضيع، أوّل ما يناغي، المصباح.

و قد يعتري مثل ذلك الأسد، و يعتري الضّفدع؛ لأنّ الضّفدع ينقّ، فإذا رأى نارا سكت. و هذه الأجناس قد تغترّ بالنّار، و يحتال لها بها.

1181-[تشبيه الغيوم بالنّعام‏]

و توصف الغيوم المتراكمة بأنّ عليها نعاما. قال الشّاعر[3]: [من المتقارب‏]

كأنّ الرّباب دوين السّحا # ب نعام تعلّق بالأرجل‏[4]

و قال آخر[5]: [من الطويل‏]

خليليّ لا تستسلما و ادعوا الّذي # له كلّ أمر أن يصوب ربيع

حيا لبلاد أبعد المحل أهلها # و في العظم شي‏ء في شظاه صدوع‏[6]

بمستنضد غرّ النّشاص كأنها # جبال عليهنّ النّسور وقوع‏[7]

1182-[استطراد لغوي‏]

و قال آخر[8]: [من الكامل‏]

وضع النّعامات الرّجال بريدها # من بين مخفوض و بين مظلّل‏[9]

[1]في ديوانه «يقول: سوى نار بيض نعام أو غزال يصيدونه. و الأخنس: القصير الأنف. توأم: اثنان في بطن.

[2]في ثمار القلوب 462 (830) : نار الصيد... و يطلب بها أيضا بيض النعام في أفاحيصها و مكامنها.

[3]البيت لعبد الرحمن بن حسان أو لعروة بن جلهمة المازني في اللسان و التاج (ربب) ، و التنبيه و الإيضاح 1/80، و لحسان بن ثابت في زهر الآداب 240.

[4]الرباب: السحاب المتعلق.

[5]الأبيات بلا نسبة في ربيع الأبرار 1/139.

[6]الحيا: الخصب. المحل: الجدب. الشظي: عظيم لاصق بالركبة.

[7]المستنضد: السحاب المتراكم، و النشاص: السحاب المرتفع بعضه فوق بعض.

[8]البيت لأبي كبير الهذلي في ديوان الهذليين 2/97، و بلا نسبة في المخصص 5/135.

[9]الرّيد: حرف الجبل الناتئ.

431

و النعائم في السماء[1]، و النعائم و النّعامتان من آلات البئر. و النعامة: بيت الصائد.

و قال في مثل ذلك عروة بن مرّة الهذليّ‏[2]: [من الطويل‏]

و ذات ريد كزنق الفأس مشرفة # طريقها سرب بالنّاس مجبوب‏[3]

لم يبق من عرشها إلاّ نعامتها # حالان منهزم منها و منصوب‏[4]

1183-[مسكن الأروى و النعام‏]

و في المثل: «ما يجمع بين الأروى و النّعام» [5]لأنّ الأروى تسكن الجبال و لا تسهل‏[6]، و النّعام تسكن السهل و لا ترقى في الجبال. و لذلك قال الشاعر[7]: [من المتقارب‏]

و خيل تكردس بالدّارعين # كمشي الوعول على الظّاهره‏[8]

و قال كثيّر[9]: [من الكامل‏]

يهدي مطايا كالحنيّ ضوامرا # بنياط أغبر شاخص الأميال‏[10]

[1]هي منزلة من منازل القمر بها ثمانية كواكب نيّرة، أربعة منها في المجرة تسمى الواردة و أربعة خارجة منها تسمى الصادرة، و شبهت بالخشبات التي تكون على البئر يعلق بها البكرة و الدلاء.

انظر العمدة 2/55، و صبح الأعشى 2/179.

[2]البيتان لأبي خراش الهذلي في ديوان الهذليين 2/159-160، و البيت الأول في اللسان (سرب) ، و التاج (دعب، سرب) .

[3]في ديوان الهذليين: «الريد: حرف ناتئ من الجبل. كذلق الفأس: كحدّ الفأس، طريقها سرب: شائع» .

[4]في ديوان الهذليين «قوله: من عرشها: هو أن يوضع فوق هذه الدعامة ثمام أو شي‏ء يستظل تحته، فيقول: لم يبق من عرش هذه إلا جذلان: عودان، واحد قائم، و الآخر ساقط» .

[5]مجمع الأمثال 2/271، و المستقصى 2/335، و أمثال ابن سلام 279، و جمهرة الأمثال 2/169.

[6]تسهل: تنزل في السهل من الأرض.

[7]البيت للمهلهل في التهذيب 6/250، 10/46، و اللسان و التاج (ظهر) ، و له أو لعبيد في اللسان و التاج (كدس) ، و بلا نسبة في المقاييس 5/165، و المخصص 10/69، و البرصان 143.

[8]الدارع: لابس الدرع الحديدي. الظاهر: أعلى الجبل.

[9]ديوان كثير 287.

[10]الحنيّ: جمع حنية، و هي القوس، الأغبر: الطريق ذو الغبرة. شاخص: قائم.

432

فكأنّه إذ يغتدي متسنّما # وهدا فوهدا ناعق برئال‏[1]

1184-[تشبيه النعام بالسحاب‏]

و قال الأعشى‏[2]، في تشبيه النّعام بما يتدلّى من السّحاب من قطع الرّباب:

[من مجزوء الكامل‏]

يا هل ترى برقا على الـ # جبلين يعجبني انجيابه‏[3]

من ساقط الأكناف ذي # زجل أربّ به سحابه‏[4]

مثل النّعام معلّقا # لمّا زقا و دنا ربابه‏[5]

و قال و شبّه ناقته بالظّليم‏[6]: [من الكامل‏]

و إذا أطاف لبابه بسديسه # و مسافرا ولجا به و تزيّدا

شبّهته هقلا يباري هقلة # ربداء في خيط نقانق أربدا[7]

و ذكر زهير[8]الظّليم و أولاده، حتّى شبّه ناقته بالظّليم: [من الطويل‏]

كأنّي و ردفي و القراب و نمرقي # على خاضب السّاقين أزعر نقنق‏[9]

تراخى به حبّ الضّحاء و قد رأى # سماوة قشراء الوظيفين عوهق‏[10]

تحنّ إلى ميل الحبابير جثّم # لدى سكن من بيضها المتفلّق‏[11]

تحطّم عنها عن خراطم أسيح # و عن حدق كالسّبج لم يتفلّق‏

[1]الوهد: الأرض المنخفضة. ناعق: من نعق الراعي بالغنم: دعاها و صاح بها.

[2]ديوان الأعشى 339.

[3]انجيابه: انكشافه.

[4]الزجل: الصوت. أرب به: أقام.

[5]زقا: صاح.

[6]ديوان الأعشى 279.

[7]الهقل: الفتي من النعام. الصعل: الطويل من النعام. الربداء، الرمادية اللون. الخيط: جماعة النعام. النقانق: الخفيف من النعام.

[8]ديوان زهير 177-178، و الشرح التالي منه.

[9] «ردفه: عيبه أو حقيبة، النمرق: الوسادة. خاضب: قد خضب البقل ساقيه. أزعر: قليل الريش.

نقنق: ينقنق في صوته، و يقال هو اسم الظليم» .

[10]تراخى: تطاول. تباعد به حبّه لأن يتضحّى، و الضحاء للإبل: مثل الغداء للناس. و سماوة الشي‏ء: أعلى شخصه. و قشراء: نعامة متقشرة الساق لا ريش عليها. و الوظيف: عظم الساق. و عوهق: طويلة العنق.

[11] «تحن هذه النعامة. الحبابير: فراخها. و يقال: هي جمع حبارى. جثم: جاثمة أقامت في موضعها. سكن: حيث تسكن إليه، و هو الموضع الذي باضت فيه» .

433

السّبج: الخرز

1185-[النعامة فرس خالد بن نضلة]

و كان اسم فرس خالد بن نضلة: «النّعامة» . قال: [من الطويل‏]

تدارك إرخاء النّعامة حنثرا # و دودان أدّته إليّ مكبّلا

1186-[تشبيه مشي الشيخ بهدجان الرئال‏]

و قال عروة بن الورد[1]: [من الطويل‏]

أ ليس ورائي أن أدبّ على العصا # فيأمن أعدائي و يسأمني أهلي

رهينة قعر البيت كلّ عشيّة # يطيف بي الولدان أهدج كالرّأل‏

شبّه هدجان الشّيخ الضّعيف في مشيته بهدجان الرّأل.

و قال أبو الزّحف‏[2]: [من الرجز]

أشكو إليك وجعا بركبتي # و هدجانا لم يكن في مشيتي

كهدجان الرّأل حول الهيقت‏[3]

و قال آخر، و لست أدري أيّهما حمل على صاحبه: [من الرجز]

أشكو إليك وجعا بمرفقي # و هدجانا لم يكن في خلقي

كهدجان الرّأل حول النّقنق‏

و لم يفضحه إلاّ قوله:

أشكو إليك وجعا بمرفقي‏

لأنّ الأوّل حكى أنّ وجعه في المكان الذي يصيب الشّيوخ، و وجع المرفق مثل وجع الأذن، و ضربان الضّرس ليس من أوجاع الكبر في شي‏ء.

[1]ديوان عروة بن الورد 54.

[2]الرجز لأبي الزحف في الشعر و الشعراء 433 (ليدن) ، و لأبي علقمة التيمي في نوادر أبي زيد 255، و بلا نسبة في اللسان و أساس البلاغة و التاج (هدج) ، و الجمهرة 227، 452، و أمالي القالي 1/189.

[3]الهيقة: النعامة الطويلة.

434

1187-[شعر فيه ذكر النعامة]

و قال ابن ميّادة[1]، و ذكر بني نعامة من بني أسد-و قد كان قطريّ بن الفجاءة يكنى أبا نعامة-: [من الطويل‏]

فهل يمنعنّي أن أسير ببلدة # نعامة، مفتاح المخازي و بابها

1188-[جعل البيضة الفاسدة مثلا]

و هجا دريد بن الصّمّة رجلا فجعل البيضة الفاسدة مثلا له، ثمّ ألحق النّسر بأحرار الطّير و كرامها-و ما رأيتهم يعرفون ذلك لنسر-فقال‏[2]: [من الطويل‏]

فإنّي على رغم العذول لنازل # بحيث التقى عيط و بيض بني بدر

أيا حكم السّوءات لا تهج و اضطجع # فهل أنت إن هاجيت إلاّ من الخضر

و هل أنت إلاّ بيضة مات فرخها # ثوت في سلوخ الطير في بلد قفر

حواها بغاث: شرّ طير علمتها # و سلاّء ليست من عقاب و لا نسر

1189-[استطراد لغوي‏]

و يقال للأنثى من ولد النّعامة: قلوص؛ على التشبيه بالنّعام من الإبل. و هذا الجمع إلى ما جعلوه له من اسم البعير، و إلى ما جعلوا له من الخفّ و المنسم، و الخرمة، و غير ذلك.

قال عنترة[3]: [من الكامل‏]

تأوي له قلص النّعام كما أوت # حزق يمانية لأعجم طمطم‏[4]

[1]ديوان ابن ميادة 79.

[2]الأبيات لدريد بن الصمة في ديوانه 71، و لابن ميادة في ديوانه 281، و رأى محقق ديوان ابن ميادة أن الأبيات لابن ميادة و ليست لدريد بن الصمة و علل ذلك اعتمادا على ما جاء في البيت الثاني حيث ورد اسم «الحكم الخضري» الذي كان معاصرا لابن ميادة و كانت بينهما علاقة عدائية مشهورة.

[3]البيت لعنترة من معلقته في ديوانه 20، و اللسان و التاج (قلص، حزق، طمم) ، و التهذيب 13/207، و المجمل 2/57، و الجمهرة 213، 894، و المقاييس 2/53، و بلا نسبة في المخصص 2/120، 122، و شرح المفصل 8/153.

[4]في ديوانه «الحزق: الجماعات. الطمطم: الذي لا يفصح» .

435

و قال شماخ بن ضرار[1]: [من الطويل‏]

قلوص نعام زفّها قد تموّرا[2]

1190-[وصف الرئال‏]

و وصف لبيد الرّئال فقال‏[3]: [من الوافر]

فأضحت قد خلت إلاّ عرارا # و عزفا، بعد أحياء حلال‏[4]

و خيطا من خواضب مزلفات # كأنّ رئالها ورق الإفال‏[5]

و قال حسان بن ثابت، رضي اللّه عنه‏[6]: [من الوافر]

لعمرك إنّ إلّك في قريش # كإلّ السّقب من رأل النّعام‏[7]

و قد عاب عليه هذا البيت ناس، و ظنّوا أنّه أراد التبعيد، فذكر شيئين قد يتشابهان من وجوه. و حسان لم يرد هذا، و إنما أراد ضعف نسبه في قريش، و أنّه حين وجد أدنى نسب انتحل ذلك النّسب.

1191-[النعامة، فرس الحارث بن عباد]

و قال الفرزدق-و ذكر الفرس الذي يقال له: «النّعامة» و هو فرس الحارث بن [1]صدر البيت: (و قد أنعلتها الشمس نعلا كأنه) ، و هو في ديوان الشماخ 138، و اللسان و التاج (قلص) ، و المخصص 8/56، 158، و بلا نسبة في الجمهرة 894.

[2]في ديوانه: «القلوص: الأنثى الشابة من الرئال، الزف: صغير الريش. تمور: سقط» .

[3]ديوان لبيد 72-73، و الأول في اللسان و التاج (خيط) ، و التهذيب 7/503، و العين 4/239، و الثاني في اللسان و التاج (عرر) ، و العين 1/86، و بلا نسبة في المقاييس 4/35، و المخصص 17/124.

[4]العرار: صوت الظليم. و العزف: صوت الرياح أو الجن. أحياء حلال: أقوام مقيمون.

[5]الخيط: جماعة النعام. الخواضب: الظلمان المحمرة سوقها. رئال: فراخ. إفال: جمع أفيل، و هو الفصيل من الإبل.

[6]ديوان حسان 465، و اللسان و التاج (ألل) ، و ديوان الأدب 4/155، و كتاب الجيم 3/226، و بلا نسبة في المقاييس 1/21، و العين 8/361، و المخصص 3/151. و البيت قاله حسان لأبي سفيان بن الحارث.

[7]في ديوانه: «الآل: الرحم. السقب: ولد الناقة ساعة يولد. الرأل: ولد النعام. يقول: إن قرابتك من قريش كقرابة ولد الناقة لرأل النعام، أي لست منهم في نسب» .

436

عباد، التي يقول فيها[1]: [من الخفيف‏]

قرّبا مربط النّعامة منّي # لقحت حرب وائل عن حيال‏

و قول الفرزدق‏[2]: [من الطويل‏]

ترييك نجوم اللّيل و الشّمس حيّة # كرام بنات الحارث بن عباد

نساء أبوهنّ الأغرّ، و لم تكن # من الحتّ في أجبالها و هداد[3]

أبوها الذي آوى النّعامة بعد ما # أبت وائل في الحرب غير تماد

و قد مدحوا بنات الحارث بن عباد هذا، فمن ذلك قوله‏[4]: [من الكامل‏]

جاءوا بحارشة الضّباب كأنّهم # جاءوا ببنت الحارث بن عباد[5]

و يلحق هذا البيت بموضعه، من قولهم. باض الصّيف، و باض القيظ.

و قال مضرّس‏[6]: [من الطويل‏]

بلمّاعة قد باكر الصّيف ماءها # و باضت عليها شمسه و حرائره‏

1192-[ابن النعامة، فرس خزز بن لوذان‏]

و ابن النّعامة: فرس خزز بن لوذان. و هو الذي يقول لامرأته حين أنكرت عليه إيثاره فرسه باللبن‏[7]: [من الكامل‏]

كذب العتيق و ماء شنّ بارد # إن كنت سائلتي غبوقا فاذهبي‏[8]

[1]البيت للحارث بن عباد في الأصمعيات 71، و الحماسة البصرية 1/16، و السمط 757، و الخزانة 1/472، 473، و اللسان (قلص، نعم، عنن) ، و التاج (نعم، عنن) ، و أساس البلاغة (حول، لقح) ، و الأغاني 5/47، و ديوان المعاني 2/63، و ذيل الأمالي 27، و الأزهية 280، و تقدم البيت الأول في الفقرة (8) 1/21.

[2]ديوان الفرزدق 159 (طبعة الصاوي) ، و الأغاني 21/289-290.

[3]في الأغاني: «من الأزد في جاراتها و هداد» . الحت و هداد: قبيلتان من الأزد.

[4]البيت لامرأة من بني مرة بن عباد في ثمار القلوب 240 (465) .

[5]في ثمار القلوب: «بنت الحارث بن عباد: ممن يتمثّل بها من النساء في الشرف و الجمال» .

[6]البيت في اللسان و التاج (حرر) .

[7]الأبيات لخزز بن لوذان في البرصان 175، و البيان 3/317، و له أو لعنترة في اللسان (نعم) ، و الخزانة 6/183، و الأغاني 10/180، و لعنترة في ديوانه 33، و انظر الحماسة البصرية 1/16، و أمالي الشجري 1/260، و حماسة الشجري 8.

[8]في ديوان عنترة «كذب، هنا: بمعنى وجب. العتيق: التمر. الشن: القربة البالية» .

437

إنّي لأخشى أن تقول خليلتي # هذا غبار ساطع فتلبّب‏[1]

إنّ العدوّ لهم إليك وسيلة # إن يأخذوك تكحّلي و تخضبي

و يكون مركبك القعود و حدجه # و ابن النّعامة يوم ذلك مركبي‏[2]

1193-[شعر في النعامة]

و قال أبو بكر الهذليّ‏[3]: [من الكامل‏]

وضع النّعامات الرّجال بريدها # يرفعن بين مشعشع‏[4]و مهلّل‏

و قال ذو الإصبع العدوانيّ‏[5]: [من البسيط]

و لي ابن عمّ على ما كان من خلق # مخالف لي أقليه و يقليني‏[6]

أزرى بنا أنّنا شالت نعامتنا # فخالني دونه بل خلته دوني‏[7]

و قال أبو داود الإياديّ في ذكر الصّيد، و ذكر فرسه‏[8]: [من الخفيف‏]

و أخذنا به الصّرار و قلنا # لحقير بنانه أضمار[9]

و أتى يبتغي تفرّس أمّ البيـ # ض شدّا و قد تعالى النهار

غير جعف أوابد و نعام # و نعام خلالها أثوار

في حوال العقارب العمر فيها # حين ينهضن بالصّباح عذار

ثم قال:

يتكشّفن عن صرائع ستّ # قسّمت بينهنّ كأس عقار

بين ربداء كالمظلّة أفق # و ظليم مع الظّليم حمار

[1]تلبب: تشمر للحرب.

[2]في ديوان عنترة «القعود: ما اتخذه الراعي من الإبل للركوب، ابن النعامة: صدر القدم» .

[3]ديوان الهذليين 2/97، و المخصص 5/135.

[4]الريد: الحرف الناتئ في عرض الجبل.

[5]ديوان ذي الإصبع 89، و المفضليات 160، و اللسان (نعم) .

[6]أقليه و يقليني: أبغضه و يبغضني.

[7]شالت نعامتهم: تفرقت كلمتهم و ذهب عزهم.

[8]ديوان أبي دؤاد 319-320، و الشرح التالي من الديوان.

[9] «الصرار: الأماكن المرتفعة، أي انحاز بحصانه إليها. لحقير: أي للخادم الذي يخدمه أو للصائد.

بنانه أضمار: لعلها: ثيابه أطمار» . ـ

438

و مهاتين حرس و رئال # و شبوب كأنّه أوثار[1]

و وصف علقمة بن عبدة[2]ناقته، و شبّهها بأشياء منها، ثمّ أطنب في تشبيهه إيّاها بالظّليم: [من البسيط]

تلاحظ السّوط شزرا و هي ضامزة # كما توجس طاوي الكشح موشوم‏[3]

كأنّها خاضب زعر قوائمه # أجني له باللّوى شري و تنوم‏[4]

يظلّ في الحنظل الخطبان ينقفه # و ما استطفّ من التّنّوم مخذوم‏[5]

فوه كشقّ العصا لأيا تبيّنه # أسكّ ما يسمع الأصوات مصلوم‏[6]

يكاد منسمه يختلّ مقلته # كأنّه حاذر للنّخس مشهوم‏[7]

حتى تذكّر بيضات و هيّجه # يوم رذاذ، عليه الرّيح مغيوم

فلا تزيّده في مشيه نفق # و لا الزّفيف دوين الشّدّ مسئوم‏[8]

يأوي إلى حسكل زعر حواصلها # كأنّهنّ إذا برّكن جرثوم‏[9]

وضّاعة كعصيّ الشّرع جؤجؤه # كأنّه بتناهي الرّوض علجوم‏[10]

[1] «الأوثار: الثوب الأبيض المحشو، و قيل البرذعة، و ذلك أنه سمين، أما حرس و رئال فلم أهتد للصواب فيهما» .

[2]ديوان علقمة 57-62، و المفضليات 399-400، و الشرح التالي من ديوانه.

[3]الشزر: النظر بمؤخر العين. ضامزة: ضامّة لحييها لا تجتر، و ذلك أسرع لها. توجس: تسمع حسّا.

الطاوي: الضامر الكشح، الموشوم: المنقط القوائم بسواد.

[4]الخاضب: الظليم الذي أكل الربيع. الزعر: القليلة الريش. اللوى: ما التوى من الرمل، و هو هاهنا موضع بعينه. الشري: شجر الحنظل. التنوم: نبت.

[5]الخطبان من الحنظل: الذي صارت فيه خطوط صفر و حمر. ينقفه: يكسره، و يستخرج حبه، و يأكله. و المخذوم: المقطوع. استطف: ارتفع، أي: يقطع ما ارتفع من أغصانه و يرعاه.

[6]فوه كشق العصا: أي ما تكاد تستبين ما بين منقاريه لشدة التصاقهما. و قوله «أسك ما يسمع» ، أراد:

أسكّ الشي‏ء الذي يسمع الأصوات، و السكك: صغر الأذن و ضيقها و المصلوم: المقطوع الأذن من الأصل.

[7] «يكاد منسمه» يريد: ظفره. و قوله «يختل مقلته» يريد: أنه يزج برجليه زجّا شديدا و يخفض عنقه، و يمدها في عدوه، فيكاد ظفره يصيب مقلته فيشقها، و المشهوم: الفزع، و الشهم: الذكي القلب.

[8] «التزيد» فوق المشي. و «النفق» الذاهب المنقطع، و «الزفيف» دون العدو و «الشد» العدو الشديد. و «المسئوم» المملول. يقول: لشدة عدو هذا الظليم و حرصه على إدراك البيض أو الأفراخ لا يسأم الزفاف.

[9]يأوي هذا الظليم إلى فراخ، «زعر» أي أن ريش القوادم لم ينبت بعد لصغرها و «الجرثومة» أصل الشجرة.

[10]الوضع: ضرب من العدو، «كعصي الشرع» شبه عنق الظليم بالبربط، و هو العود، و «الشرع» أوتاره. و «الجؤجؤ» الصدر، و «تناهي الروض» حيث ينتهي السيل و يستقر. و «العلجوم» الليل، شبه الظليم به لسواده، و «العلجوم» أيضا، الجمل الضخم، و يحتمل أن يشبه الظليم به في عظم خلقه.

439

حتى تلافى و قرن الشّمس مرتفع # أدحيّ عرسين فيه البيض مركوم‏[1]

يوحى إليها بإنقاض و نقنقة # كما تراطن في أفدانها الرّوم‏[2]

صعل، كأنّ جناحيه و جؤجؤه # بيت أطافت به خرقاء مهجوم‏[3]

تحفّه هقلة سطعاء خاضبة # تجيبه بزمار فيه ترنيم‏[4]

1194-[النعامة التي تطحن‏]

الأصمعيّ قال: أخبرني رجل من أهل البصرة قال: أرسل شيخ من ثقيف ابنه فلانا-و لم يحفظ اسمه-إلى ابن سيرين، فكلمه بكلام، و أمّ ابنه هذا قاعدة، و لا يظنّ أنّها تفطن، فقال له: يا بنيّ اذهب إلى ابن سيرين، فقل له: رجل رأى أنّ له نعامة تطحن. قال: فقلت له؛ فقال: هذا رجل اشترى جارية فخبّأها في بني حنيفة.

قال: فجئت أبي فأخبرته، فنافرته أمّي، و ما زالت به حتى اعترف أنّ له جارية في بني حنيفة.

و ما أعرف هذا التأويل. و لو لا أنّه من حديث الأصمعي مشهور ما ذكرته في كتابي.

1195-[مسيلمة الكذاب‏]

و أمّا قول الشاعر الهذليّ في مسيلمة الكذاب، في احتياله و تمويهه و تشبيه ما يحتال به من أعلام الأنبياء، بقوله‏[من الطويل‏]

ببيضة قارور و راية شادن # و توصيل مقصوص من الطير جادف‏

[1] «تلافى» تدارك، و «الأدحي» مبيض النعام، لأنها تدحوه بأرجلها، أي تبسطه و تسهله، و أراد «بالعرسين» الظليم و النعامة، لأن كل واحد منهما عرس لصاحبه، و «المركوم» الذي ركب بعضه بعضا لكثرته.

[2] «الإنقاض و النقنقة» صوته، و «تراطن الروم» ما لا يفهم من كلامهم، و إنما أراد أن الظليم يكلم النعامة بما لا يفهمه غيرهما، كما تتكلم العجم بما لا تفهم عنها العرب. و «الأفدان» جمع فدن، و هو القصر. و إنما ذكر الأفدان لأن الروم أهل أبنية و قصور.

[3] «الصّعل» الرقيق العنق، الصغير الرأس من الظّلمان، و قوله «بيت» يعني: بيتا من شعر أو وبر، «الخرقاء» المرأة التي لا تحسن عملا، «المهجوم» الساقط المهدوم.

[4] «الهقلة: النعامة. و «السطعاء» : الطويلة العنق، و «الخاضعة» التي أمالت رأسها و وضعته للرعي.

و «الزمار» صوت النعامة، و العرار: صوت الظليم.

[5]الخبر مع البيت التالي في ربيع الأبرار 4/343/345.

440

قال: هذا شعر أنشدناه أبو الزّرقاء سهم الخثعمي، هذا منذ أكثر من أربعين سنة. و البيت من قصيدة قد كان أنشدنيها فلم أحفظ منها إلاّ هذا البيت.

فذكر أنّ مسيلمة طاف قبل التنبّي، في الأسواق التي كانت بين دور العجم و العرب، يلتقون فيها للتسوّق و البياعات، كنحو سوق الأبلّة، و سوق لقه، و سوق الأنبار، و سوق الحيرة.

قال: و كان يلتمس تعلّم الحيل و النّيرجات‏[1]، و اختيارات النّجوم و المتنبئين.

و قد كان أحكم حيل السّدنة[2]و الحوّاء[3]و أصحاب الزّجر[4]و الخطّ[5]و مذهب الكاهن و العيّاف و السّاحر، و صاحب الجنّ الذي يزعم أنّ معه تابعه.

قال: فخرج و قد أحكم من ذلك أمورا. فمن ذلك أنّه صبّ على بيضة من خلّ قاطع-و البيض إذا أطيل إنقاعه في الخلّ لان قشره الأعلى، حتّى إذا مددته استطال و استدقّ و امتدّ كما يمتدّ العلك، أو على قريب من ذلك-قال: فلمّا تمّ له فيها ما طاول و أمّل، طوّلها ثمّ أدخلها قارورة ضيّقة الرّأس، و تركها حتّى جفّت و يبست. فلمّا جفّت انضمّت، و كلما انضمّت استدارت، حتى عادت كهيئتها الأولى. فأخرجها إلى مجّاعة، و أهل بيته، و هم أعراب، و ادّعى بها أعجوبة، و أنّها جعلت له آية. فآمن به في ذلك المجلس مجّاعة. و كان قد حمل معه ريشا في لون ريش أزواج حمام، و قد كان يراهنّ في منزل مجّاعة مقاصيص. فالتفت، بعد أن أراهم الآية في البيض، إلى الحمام فقال لمجّاعة: إلى كم تعذّب خلق اللّه بالقصّ؟!و لو أراد اللّه للطّير خلاف الطّيران لما خلق لها أجنحة، و قد حرّمت عليكم قصّ أجنحة الحمام!فقال له مجّاعة كالمتعنت: فسل الذي أعطاك في البيض هذه الآية أن ينبت لك جناح هذا الطائر الذّكر السّاعة! فقلت لسهم: أ ما كان أجود من هذا و أشبه أن يقول: فسل الذي أدخل لك هذه البيضة فم هذه القارورة أن يخرجها كما أدخلها. قال. فقال: كأنّ القوم كانوا [1]النيرنجات: علم الحيل، و هو فرع من فروع علم السحر، و هو علم يعرف به طريق الاحتيال في جلب المنافع. انظر: كشف الظنون 1/694، و انظر اللسان و التاج (نرج) .

[2]السدنة: جمع سادن، و هو خادم بيت الصنم، و خادم الكعبة.

[3]الحواء: جمع حاو، و هو الذي يجمع الحيات.

[4]الزجر: العيافة، و هو ضرب من التكهن.

[5]الخط: خط الزاجر، و هو أن يخط بإصبعه في الرمل و يزجر.

441

أعرابا، و مثل هذا الامتحان من مجّاعة كثير، و لعمري إنّ المتنبئ ليخدع ألفا مثل قيس ابن زهير، قبل أن يخدع واحدا من آخر المتكلمين، و إن كان ذلك المتكلم لا يشقّ غبار قيس فيما قيس بسبيله.

قال مسيلمة: فإن أنا سألت اللّه ذلك، فانتبه له حتى يطير و أنتم ترونه، أ تعلمون أني رسول اللّه إليكم؟قالوا: نعم. قال: فإني أريد أن أناجي ربّي، و للمناجاة خلوة، فانهضوا عنّي، و إن شئتم فادخلوه هذا البيت و أدخلوني معه، حتى أخرجه إليكم السّاعة في الجناحين يطير، و أنتم ترونه. و لم يكن القوم سمعوا بتغريز الحمام، و لا كان عندهم باب الاحتياط في أمر المحتالين. و ذلك أن عبيدا الكيّس، فإنّه المقدّم في هذه الصناعة، لو منعوه السّتر و الاختفاء، لما وصل إلى شي‏ء من عمله جلّ و لا دقّ؛ و لكان واحدا من النّاس.

فلما خلا بالطائر أخرج الريش الذي قد هيّأه، فأدخل طرف كلّ ريشة ممّا كان معه، في جوف ريش الحمام المقصوص، من عند المقطع و القصّ. و قصب الرّيش أجوف، و أكثر الأصول حداد و صلاب. فلما وفّى الطّائر ريشه صار في العين كأنّه برذون موصول الذّنب، لا يعرف ذلك إلاّ من ارتاب به. و الحمام بنفسه قد كان له أصول ريش، فلما غرّزت تمت فلما أرسله من يده طار. و ينبغي ألاّ يكون فعل ذلك بطائر قد كانوا قطوه بعد أن ثبت عندهم. فلما فعل ذلك ازداد من كان آمن به بصيرة، و آمن به آخرون لم يكونوا آمنوا به، و نزع منهم في أمره كلّ من كان مستبصرا في تكذيبه.

قال: ثمّ إنّه قال لهم-و ذلك في مثل ليلة منكرة الرّياح مظلمة، في بعض زمان البوارح‏[1]-إنّ الملك على أن ينزل إليّ، و الملائكة تطير، و هي ذوات أجنحة، و لمجي‏ء الملك زجل و خشخشة و قعقعة، فمن كان منكم ظاهرا فليدخل منزله؛ فإنّ من تأمّل اختطف بصره! ثمّ صنع راية من رايات الصّبيان التي تعمل من الورق الصّينيّ، و من الكاغد[2]، و تجعل لها الأذناب و الأجنحة، و تعلّق في صدورها الجلاجل‏[3]، و ترسل يوم الرّيح بالخيوط الطّوال الصّلاب.

[1]البوارح: جمع بارحة، و هي الريح الشديدة التي تحمل التراب.

[2]الكاغد: القرطاس الذي يكتب فيه.

[3]الجلاجل: الأجراس الصغيرة.

442

قال: فبات القوم يتوقّعون نزول الملك، و يلاحظون السّماء، و أبطأ عنهم حتّى قام جلّ أهل اليمامة؛ و أطنبت الرّيح‏[1]و قويت، فأرسلها، و هم لا يرون الخيوط، و اللّيل لا يبين عن صورة الرّقّ، و عن دقّة الكاغد. و قد توهّموا قبل ذلك الملائكة.

فلمّا سمعوا ذلك و رأوه تصارخوا و صاح: من صرف بصره و دخل بيته فهو آمن! فأصبح القوم و قد أطبقوا على نصرته و الدّفع عنه. فهو قوله‏[2]: [من الطويل‏]

ببيضة قارور و راية شادن # و توصيل مقصوص من الطير جادف‏

فقلت لسهم: يكون مثل هذا الأمر العجيب، فلا يقول فيه شاعر، و لا يشيع به خبر؟!قال: أ و كلما كان في الأرض عجب، أو شي‏ء غريب، فقد وجب أن يشيع ذكره، و يقال فيه الشّعر، و يجعل زمانه تاريخا!ألسنا معشر العرب نزعم أنّ كسرى أبرويز، و هو من أحرار فارس، من الملوك الأعاظم، و سليل ملوك، و أبو ملوك، مع حزمه و رأيه و كماله، خطب إلى النّعمان بن المنذر، و إلى رجل يرضى أن تكون امرأته ظئرا لبعض ولد كسرى، و هو عامله، و يسمّيه كسرى عبدا، و هو مع ذلك أحيمر أقيشر، إمّا من أشلاء قصيّ بن معد، و إما من عرض لخم. و هو الذي قالوا: تزوّج مومسة- و هي الفاجرة؛ و لا يقال لها مومسة إلاّ و هي بذلك مشهورة-و عرفها بذلك، و أقام عليها، و هجي بها و لم يحفل بهجائهم. و ممّا زاد في شهرتها قصّة المرقش. و ناكها قرّة بن هبيرة حين سباها. فعلم بذلك و أقام عليها، ثمّ لم يرض حتّى قال لها: هل مسّك؟قالت: و أنت و اللّه لو قدر عليك لمسّك!فلم يرض بها حتى قال لها: صفيه لي. فوصفته حتّى قالت: كأنّ شعر خدّيه حلق الدّرع!و بال على رأسه خلف ابن نوالة الكناني عام حجّ، و نصّره عديّ بن بأحمق سبب‏[3]. و خطب أخوه المنذر إلى عبيدة بن همام، فردّه أقبح الرّدّ، و قال‏[4]: [من المتقارب‏] [1]أطنبت الريح: اشتدت.

[2]تقدم البيت في بداية هذه الفقرة.

[3]نصّره: أدخله في النصرانية، و كان سبب تنصّر النعمان-و كان يعبد الأوثان قبل ذلك-أنه مر على المقابر و معه عدي بن زيد الذي قال له إن هذه المقابر تقول:

كنا كما كنتم فغيّرنا دهر # فسوق كما صرنا تصيرونا

فدخلته رقة، و خرجا مرة أخرى، و مرّا على المقابر فأنشده عدي أبياتا أخرى فرجع النعمان و تنصر، انظر تفصيل الخبر في الأغاني 2/134-135.

[4]البيتان للأسود بن يعفر في ديوانه 67، و اللسان و التاج (نكر) ، و الأول في التنبيه و الإيضاح 2/218، و البيتان بلا نسبة في الكامل 920، 1077 (الدالي) ، و الأول في المخصص 17/12، و ديوان الأدب 1/261، 3/435، و العين 8/137.

443

أتوني و لم أرض ما بيّتوا # و قد طرقوني بأمر نكر

لأنكح أيّمهم منذرا # و هل ينكح العبد حرّ لحر

ثمّ مع ذلك خطب إليه كسرى بعض بناته فرغب بها عنه، حتّى كان ذلك سبب هربه و علّة لقتله-فهل رأيت شاعرا في ذلك الزّمان مع كثرة الشعراء فيه، و مع افتخارهم بالذي كان منهم في يوم جلولى‏[1]و يوم ذي قار، و في وقائع المثنّى بن حارثة و سعد بن أبي وقّاص-فهل سمعت في ذلك بشعر صحيح طريف المخرج، كما سمعته في جميع مفاخرهم ممّا لا يداني هذا المفخر؟! و لقد خطب بعض إخوته إلى رجال من نزار، من غير أهل البيوتات، فرغبوا عنهم.

و أمّ النعمان سلمى بنت الصّائغ‏[2]: يهوديّ من أنباط الشام، ثمّ كان نجله لفعل غير محمود.

و قد قال جبلة بن الأيهم، لحسّان بن ثابت: قد دخلت عليّ و رأيتني، فأين أنا من النّعمان؟قال: و اللّه‏[3].......

فالنّعمان مع هذه المثالب كلّها قد رغب بنفسه عن مصاهرة كسرى، و هو من أنبه الأكاسرة. و كما كان أبرويز أعظم خطرا، كانت أنفته أفخر للعرب، و أدلّ على ما يدّعون من العلوّ في النسب و كان الأمر مشهودا ظاهرا، و مردّدا على الأسماع مستفيضا. فإذ قد تهيّأ أن يكون مثل هذا الأمر الجليل، و المفخر العظيم، و العرب أفخر الأمم، و مع ذلك قد أغفلوه-فشأن مسيلمة أحقّ بأن يجوز ذلك عليه.

[1]جلولاء: طسوج من طساسيج السواد في طريق خراسان، بينها و بين خانقين سبعة فراسخ، و بها كانت الوقعة المشهورة على الفرس للمسلمين سنة 16. «معجم البلدان 2/156» . و انظر أيام العرب 290-291.

[2]في البيان 3/246: «سلمى بنت عقاب» ، و في الأغاني 11/13: «سلمى بنت عطية» .

[3]ثمة نقص يمكن استدراكه من الأغاني 15/161 «لقفاك خير من وجهه، و لشمالك خير من يمينه، و لأخمصك خير من رأسه، و لخطؤك خير من صوابه، و لصمتك خير من كلامه، و لأمك خير من أبيه، و لخدمك خير من قومه» ، و في الأغاني ورد أن صاحب الحديث هو عمرو بن الحارث الأعرج، و ليس جبلة، و أن القول الذي استدركته ينسب إلى حسان و إلى النابغة.

444

و أنشدني يوسف لبعض شعراء بني حنيفة، و كان يسمّى مسيلمة و يكنى أبا ثمامة[1]: [من مجزوء الكامل‏]

لهفي عليك أبا ثمامه # لهفي على ركني شمامه

كم آية لأبيهم # كالشّمس تطلع من غمامه‏

و قد كتبنا قصّته و قصّة ابن النّوّاحة (في كتابنا الذي ذكرنا فيه فصل ما بين النبيّ و المتنبي) و ذكرنا جميع المتنبئين، و شأن كلّ واحد منهم على حدته، و بأيّ ضرب كان يحتال، و ذكرنا جملة احتيالاتهم، و الأبواب التي تدور عليها مخاريقهم.

فإن أردت أن تعرف هذا الباب فاطلب هذا الكتاب؛ فإنّه موجود.

1196-[هجاء عبد القيس للنعمان‏]

و قد هجا عبد القيس بن خفاف البرجميّ، النّعمان بن المنذر، في الجاهليّة، و ذكر ولادة الصّائغ له فقال‏[2]: [من الخفيف‏]

لعن اللّه ثمّ ثنّى بلعن # ابن ذا الصّائغ، الظلوم الجهولا

يجمع الجيش ذا الألوف و يغزو # ثمّ لا يرزأ العدوّ فتيلا[3]

1197-[سهم الحنفي‏]

و كان سهم الحنفيّ يلي طبرستان، لمعن بن زائدة، مع حداثة سنه يومئذ، و كان له مروءة و قدر في نفسه.

1198-[حظ القبائل من الشعر]

و بنو حنيفة مع كثرة عددهم، و شدّة بأسهم، و كثرة وقائعهم، و حسد العرب لهم على دارهم و تخومهم وسط أعدائهم، حتى كأنهم وحدهم يعدلون بكرا كلها-و مع ذلك لم نر قبيلة قطّ أقلّ شعرا منهم. و في إخوتهم عجل قصيد و رجز، و شعراء و رجّازون. و ليس ذلك لمكان الخصب و أنّهم أهل مدر، و أكّالو تمر؛ لأنّ الأوس و الخزرج كذلك، و هم في الشعر كما قد علمت. و كذلك عبد [1]البيتان في المعارف 405.

[2]البيتان لعبد القيس بن خفاف في الأغاني 11/13، و للنابغة الذبياني في ديوانه 170، و الشعر و الشعراء 76 (ليدن) ، 71 (شاكر) ، و الأول في اللسان (ربذ) ، و الثاني بلا نسبة في المقاييس 4/472، و المخصص 13/254.

[3]الفتيل: الهنة التي في شق النواة.

445

القيس النّازلة قرى البحرين، فقد تعرف أنّ طعامهم أطيب من طعام أهل اليمامة.

و ثقيف أهل دار ناهيك بها خصبا و طيبا، و هم و إن كان شعرهم أقلّ، فإنّ ذلك القليل يدلّ على طبع في الشعر عجيب. و ليس ذلك من قبل رداءة الغذاء، و لا من قلّة الخصب الشّاغل و الغنى عن النّاس؛ و إنّما ذلك عن قدر ما قسم اللّه لهم من الحظوظ و الغرائز، و البلاد و الأعراق مكانها.

و بنو الحارث بن كعب قبيل شريف، يجزون مجاري ملوك اليمن، و مجاري سادات أعراب أهل نجد و لم يكن لهم في الجاهليّة كبير حظّ في الشعر. و لهم في الإسلام شعراء مفلقون.

و بنو بدر كانوا مفحمين، و كان ما أطلق اللّه به ألسنة العرب خيرا لهم من تصيير الشعر في أنفسهم.

و قد يحظى بالشعر ناس و يخرج آخرون، و إن كانوا مثلهم أو فوقهم. و لم تمدح قبيلة في الجاهليّة، من قريش، كما مدحت مخزوم. و لم يتهيّأ من الشّاهد و المثل لمادح في أحد من العرب، ما تهيّأ لبني بدر.

و قد كان في ولد زرارة لصلبه، شعر كثير، كشعر لقيط و حاجب و غيرهما من ولده. و لم يكن لحذيفة و لا حصن، و لا عيينة بن حصن، و لا لحمل بن بدر. شعر مذكور.

و قد كان عبد العزيز بن مروان أحظى في الشعر من كثير من خلفائهم. و لم يكن أحد من أصحابنا، من خلفائنا و أئمتنا، أحظى في الشعر من الرّشيد. و قد كان يزيد ابن مزيد و عمّه، ممّن أحظاه الشّعر.

و ما أعلم في الأرض نعمة بعد ولاية اللّه، أعظم من أن يكون الرّجل ممدوحا.

1199-[الصّمّ من الحيوان‏]

تقول العرب: ضربان من الحيوان لا يسمعان الأصوات. و ذلك عامّ في الأفاعي و النّعام.

و اعتدّ من ادّعى للنّعام الصّمم بقول علقمة[1]: [من البسيط]

فوه كشقّ العصا لأيا تبيّنه # أسكّ ما يسمع الأصوات مصلوم‏

[1]تقديم تخريج البيت و الأبيات التالية في الفقرة (1193) . ـ

446

قال: و لا يصلح أن تكون «ما» في الموضع الذي ذكر؛ لأنّ ذلك يصير كقول القائل: التمر حلو، و الثّلج بارد، و النّار حارّة. و لا يحتاج إلى أن يخبر أنّ الذي يسمع هذا الصّوت؛ لأنه لا مسموع إلاّ الصّوت.

قال خصمه: فقد قال علقمة بن عبدة: [من البسيط]

حتّى تلافى و قرن الشّمس مرتفع # أدحيّ عرسين فيه البيض مركوم

يوحي إليها بإنقاض و نقنقة # كما تراطن في أفدانها الرّوم‏

ثم قال:

تحفّه هقلة سفعاء خاذلة # تجيبه بزمار فيه ترنيم‏

و احتجّ من زعم أنها تسمع، بقوله‏[1]: [من الطويل‏]

و صحم صيام بين صمد و رجلة # و بيض تؤام بين ميث و مذنب‏[2]

متى ما تشأ تسمع عرارا بقفرة # يجيب زمارا كاليراع المثقب‏[3]

و قال الطّرمّاح‏[4]: [من الكامل‏]

يدعو العرار بها الزّمار كأنّه # أ لم تجاوبه النّساء العوّد[5]

قال: و صوت النعامة الذّكر: العرار. و صوت الأنثى: الزّمار.

و أنشد الذي زعم أنّها لا تسمع، قول أسامة بن الحارث الهذليّ‏[6]: [من الطويل‏]

تذكّرت إخواني فبتّ مسهّدا # كما ذكرت بوّا من اللّيل فاقد[7]

[1]البيتان للبيد، و الأول في ديوانه 12، و صدره في اللسان (صحم) ، و هو بلا نسبة في التهذيب 4/273، و الثاني في ديوانه 18.

[2]في ديوانه «الصحم: الحمير، و أصحم: أسود اللون من كل لون. صيام: قيام. الصمد: الغلظ.

و الرجلة: رجلة الوادي، مسيله و جمعه رجل. و بيض: يريد بيض النعام. تؤام: اثنان اثنان.

الميث: الأرض السهلة. المذنب: مجرى الماء» .

[3]في ديوانه «العرار: صوت النعام الذكر، و الزمار صوت الأنثى. و اليراع: القصب يتخذ منها زمارات» .

[4]ديوان الطرماح 143 (115) ، و الجمهرة 123، و المعاني الكبير 343.

[5]في ديوانه «يدعو: بمعنى يجيب هاهنا. و العوّد: اللواتي يعدن المريض الألم، أي يزرنه» .

[6]ديوان الهذليين 2/201-202، و شرح أشعار الهذليين 1296.

[7]في ديوان الهذليين «البوّ: جلد يحشى للفاقد ولدها، يذبح أو يموت فترأمه و تدرّ عليه، فإذا ذكرته حنّت» .

447

لعمري لقد أمهلت في نهي خالد # عن الشّام إمّا يعصينّك خالد[1]

و أمهلت في إخوانه فكأنّما # تسمّع بالنّهي النّعام المشرّد

و قال الذي زعم أنّها تسمع: فقد قال اللّه عزّ و جلّ: أُولََئِكَ اَلَّذِينَ لَعَنَهُمُ اَللََّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَ أَعْمى‏ََ أَبْصََارَهُمْ [2]و لو عنى أنّ عماهم كعمى العميان، و صممهم كصمم الصّمّان، لما قال: أَ فَلاََ يَتَدَبَّرُونَ اَلْقُرْآنَ أَمْ عَلى‏ََ قُلُوبٍ أَقْفََالُهََا [3]و إنّما ذلك كقوله: إِنَّكَ لاََ تُسْمِعُ اَلْمَوْتى‏ََ وَ لاََ تُسْمِعُ اَلصُّمَّ اَلدُّعََاءَ إِذََا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ* [4] و كيف تسمع المدبر عنك!و لذلك يقال: «إنّ الحبّ يعمي و يصمّ» [5]. و قد قال الهذليّ: [من الطويل‏]

تسمّع بالنّهي النّعام المشرّد

و الشارد النافر عنك لا يوصف بالفهم. و لو قال: تسمع بالنّهي، و سكت-كان أبلغ فيما يريد. و هو كما قال اللّه تعالى: وَ لاََ تُسْمِعُ اَلصُّمَّ اَلدُّعََاءَ إِذََا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ* [4]. قال الرّاجز[6]: [من الرجز]

ردي ردي ورد قطاة صمّا # كدريّة أعجبها برد الما[7]

أي لأنها لا تسمع صوتا يثنيها و يردّها.

و أنشد قول الشاعر[8]: [من الطويل‏]

دعوت خليدا دعوة فكأنما # دعوت به ابن الطّود أو هو أسرع‏

و الطّود: الجبل. و ابنه: الحجر الذي يتدهده‏[9]منه، كقوله‏[10]: [من الطويل‏]

كجلمود صخر حطّه السّيل من عل‏

[1]في ديوان الهذليين «أمهلت: أي نهيته في مهلة قبل أن يأزف أمره، أي جعلت له مهلة و لم أجد بنفسه، و كان نهاه أن يهاجر، و قوله: إما يعصينك خالد، أي: عصاك خالد» .

[2]23/محمد: 47.

[3]24/محمد: 47.

[4]80/النمل: 27.

[5]هذا القول من الأمثال في مجمع الأمثال 1/78، 196، و جمهرة الأمثال 1/356 و المستقصى 2/56، و فصل المقال 320، و أمثال ابن سلام 224، و الأمثال لمجهول 57.

[6]الرجز بلا نسبة في اللسان و التاج (صمم) ، و الوساطة 402.

[7]الكدرية: ضرب من القطا قصار الأذناب، و القطا: ثلاثة أضرب، كدري و جوني و غطاط. انظر اللسان (كدر) .

[8]البيت بلا نسبة في اللسان و التاج (طود) ، و أساس البلاغة (بني، طود) و التهذيب 14/4، و المخصص 13/202.

[9]يتدهده: يتدحرج.

[10]صدر البيت (مكرّ مفرّ مقبل مدبر معا) و هو لامرئ القيس من معلقته في ديوانه 19، و اللسان

448

و قال الرّاجز[1]: [من الرجز]

و منهل أعور إحدى العينين # بصير أخرى و أصمّ الأذنين‏

كأنّه كان في ذلك المنهل بيران، و الآبار أعين، فغوّرت إحدى البئرين و تركت الأخرى و قوله: «أصمّ الأذنين» لما أن كان عنده في الأرض فضاء و خلاء، حيث لا يسمع فيه صوت. جعله أن كان لا يسمع صوتا أصمّ؛ و إن كان ذلك لفقد الأصوات.

قال: و قد قال الحارث بن حلّزة قولا يدلّ على أنّها تسمع، حيث قال‏[2]: [من الخفيف‏]

و لقد أستعين يوما على الهـ # مّ إذا خفّ بالثّويّ الثّواء

بزفوف كأنها هقلة أ # مّ رئال دويّة سفعاء[3]

ثم قال:

آنست نبأة و أفزعها القنـ # اص عصرا و قد دنا الإمساء

فترى خلفهنّ من سرعة المشـ # ي منينا كأنّه أهباء[4]

و لو قال: «أفزعها القنّاص» و لم يقل: «آنست نبأة» -و النّبأة الصّوت-لكان لكم في ذلك مقال.

و قال امرؤ القيس‏[5]: [من الطويل‏]

و صمّ صلاب ما يقين من الوجى # كأنّ مكان الرّدف منه على رال‏[6]

و إنما يعني أنها مصمتة غير جوفاء. و قال الآخر[7]: [من البسيط]

قل ما بدا لك من زور و من كذب # حلمي أصمّ و أذني غير صمّاء

(علا) ، و التاج (فرر) ، و الجمهرة 126، و العين 7/174، و الخزانة 2/397، 3/242، 243، و المقاصد النحوية 3/449، و بلا نسبة في اللسان و التاج (حطط) .

[1]الرجز بلا نسبة في اللسان (عور، صمم) .

[2]الأبيات من معلقته في شرح القصائد السبع 440، و شرح القصائد العشر 373.

[3]الزفوف: الناقة السريعة. الهقلة: النعامة. الرئال: فراخ النعامة. السفعاء: السوداء.

[4]المنين: الغبار الدقيق. الإهباء: إثارة التراب، و الأهباء: الغبار المرتفع في الجو.

[5]ديوان امرئ القيس 36، و اللسان و التاج (رأل، قطا، وقي) ، و بلا نسبة في المخصص 8/56.

[6]في ديوانه «أراد بالصم: حوافره. و قوله: «ما يقين من الوجى» ، أي لا يهبن المشي من حفا، لصلابتهن. و الرأل: فرخ النعامة، و هو مشرف المؤخر، فشبّه قطاة الفرس لإشرافها بمؤخر الرأل» .

[7]البيت لبشار بن برد في ديوانه 1/125، و جمهرة الأمثال 1/140، و بلا نسبة في اللسان و التاج (صمم) .

449

يريد أنّ حلمه ليس بسخيف متخلخل، و ليس بخفيف سار، و لكنّه مصمت.

قال الشاعر[1]: [من الطويل‏]

و أسأل من صمّاء ذات صليل‏

و إنّما يريد أرضا يابسة، و رملة نشّافة، تسأل الماء: أي تريده و تبتلعه؛ و هي في ذلك صمّاء.

1200-[ذكر الصّمّ في القرآن الكريم‏]

و قد قال اللّه لناس يسمعون: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاََ يَرْجِعُونَ [2]ذلك على المثل. و قال: وَ مَثَلُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ اَلَّذِي يَنْعِقُ بِمََا لاََ يَسْمَعُ إِلاََّ دُعََاءً وَ نِدََاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاََ يَعْقِلُونَ [3]. و ذلك كلّه على ما فسّرنا. و قال: وَ اَلَّذِينَ إِذََا ذُكِّرُوا بِآيََاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهََا صُمًّا وَ عُمْيََاناً [4]و قال أيضا: إِنَّمََا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَ لاََ يَسْمَعُ اَلصُّمُّ اَلدُّعََاءَ إِذََا مََا يُنْذَرُونَ [5].

1201-[شعر في الصمم‏]

و قال عنترة[6]: [من الطويل‏]

ظللنا نكرّ المشرفيّة فيهم # و خرصان صمّ السّمهريّ المثقف‏[7]

و قال العجير السّلوليّ‏[8]: [من الطويل‏]

و قد جذب القوم العصائب مؤخرا # ففيهنّ عن صلع الرّجال حسور

فظلّ رداء العصب ملقى كأنّه # سلى فرس تحت الرّجال عقور[9]

[1]صدر البيت (أجل، لا، و لكن أنت أشأم من مشى) ، و البيت بلا نسبة في اللسان و التاج (صمم) ، و رصف المباني 59، و الجنى الداني 360.

[2]18/البقرة: 2.

[3]171/البقرة: 2.

[4]73/الفرقان: 25.

[5]45/الأنبياء: 21.

[6]ديوان عنترة 52.

[7]في ديوانه «المشرفية: سيوف منسوبة إلى مشارف الشام. الخرصان: الرماح، الواحد خرص. لدن:

لينة» .

[8]الأبيات في البيان 1/123، و مجالس ثعلب 523، و الأغاني 13/68-69.

[9]العصب: ضرب من البرود. السلى: الجلدة التي يكون فيها الولد.

450

لو ان الصّخور الصّمّ يسمعن صلقنا # لرحن و في أعراضهنّ فطور[1]

و قال زهير[2]: [من المديد]

ليتني خلقت للأبد # صخرة صمّاء في كبد

لا تشكّي شرّ جارتها # خلقت غليظة الكبد

و قالت جمل بنت جعفر: [من الطويل‏]

بني جعفر لا سلم حتّى نزوركم # بكلّ ردينيّ و أبيض ذي أثر[3]

و حتّى تروا وسط البيوت مغيرة # تصمّكم بالضّرب حاشية الذّعر[4]

تبين لذي الشّكّ الذي لم يكن درى # و يبصرها الأعمى و يسمع ذو الوقر[5]

و قال دريد[6]: [من الوافر]

متى كان الملوك قطينا # عليّ ولاية صمّاء منّي‏

1202-[مثل و حديث في الصمم‏]

و من الأمثال قولهم: «صمّت حصاة بدم» [7]قال: فأصله أن يكثر القتل و سفك الدّماء، حتّى لو وقعت حصاة على الأرض لم يسمع لها صوت؛ لأنّها لا تلقى صلابة الأرض.

و قد جاء في بعض الحديث: «إذا كانت تلك الملاحم بلغت الدّماء الثّنن» [8] يعني ثنن الخيل، و هو الشّعر الذي خلف الحافر.

[1]الصلق: الصياح و الولولة و الصوت الشديد. الأعراض: الجوانب و النواحي. فطور: تشقق.

[2]لم يرد البيتان في ديوان زهير.

[3]الرديني: رمح ينسب إلى امرأة تسمى ردينة. الأبيض: السيف. الأثر: فرند السيف.

[4]مغيرة: عنى بها خيلا مغيرة.

[5]الوقر: ذهاب السمع، أو ثقل في الأذن.

[6]ديوان دريد بن الصمة 113، و نقله محقق الديوان عن كتاب الحيوان، و ذكر في الحاشية أن رواية عجز البيت في المستقصى 1/143: (عليّ ولاية صمّي صمام) ، و «صمي صمام» من الأمثال في جمهرة الأمثال 1/578، و مجمع الأمثال 1/320، و الدرة الفاخرة 2/499، و أمثال ابن سلام 348، و فصل المقال 189، 474، 478.

[7]مجمع الأمثال 1/393، و المستقصى 2/143، و فصل المقال 474، و جمهرة الأمثال 1/578، و أمثال ابن سلام 346.

[8]الحديث في النهاية 1/224، و هو من حديث فتح نهاوند، و انظر المثل «بلغت الدماء الثنن» في مجمع الأمثال 1/93، و أمثال ابن سلام 346، و المستقصى 2/13.

451

و قال الزّبير بن عبد المطّلب‏[1]: [من الوافر]

و ينبي نخوة المختال عنّي # جراز الحدّ ضربته صموت‏[2]

لأنّ السّيف إذا مرّ في العظم مرّا سريعا فلم يكن له صوت-كان في معنى الصامت.

1203-[شعر في الصمم‏]

و قال ابن ميّادة[3]: [من الطويل‏]

متى أدع في قيس بن عيلان خائفا # إلى فزع تركب إليّ خيولها

بملمومة كالطّود شهباء فيلق # رداح يصمّ السّامعين صليلها[4]

لأنّ الصّوت إذا اشتدّ جدّا لم يفهم معناه، إن كان صاحبه أراد أن يخبر عن شي‏ء. و متى كثرت الأصوات صارت وغى‏[5]، و منع بعضها بعضا من الفهم. فإذا لم يفهمها صار في معنى الأصمّ، فجاز أن يسمّى باسم الأصمّ.

و على ذلك قال الأضبط بن قريع، حين آذوه بنو سعد فتحوّل من جوارهم في آخرين فآذوه، فقال: «بكلّ واد بنو سعد» [6].

و قال جران العود[7]: [من الطويل‏]

و قالت لنا و العيس صعر من البرى # و أخفافها بالجندل الصّمّ تقذف‏[8]

[1]البيت في اللسان و التاج (صمت) ، و حماسة القرشي 92.

[2]ينبي: يبعد. سيف جراز: ماض نافذ.

[3]ديوان ابن ميادة 196-197.

[4]في ديوانه «ملمومة: أي كتيبة عظيمة مجتمعة. الطود: الجبل العظيم. الشهباء: البيضاء، لما فيها من بياض السلاح. الفيلق: الكثيرة السلاح. الرداح: الكثيرة الفرسان، الثقيلة السير لكثرتها» .

[5]الوغى: الأصوات في الحرب، و غمغمة الأبطال في حومة الحرب.

[6]مجمع الأمثال 1/105، و جمهرة الأمثال 1/61.

[7]ديوان جران العود 16.

[8]العيس: الإبل الخالصة البياض. البرى: جمع برة، و هي الحلقة التي توضع في أنف البعير. صعر من البرى: موائل من جذبها. الجندل: الحجارة.

452

1204-[قول منكر صمم النعام‏]

و قال الذي ينكر صمم شي‏ء من الخلق: اعتللتم في صمم النّعام بقول زهير:

[من الوافر]

[أصكّ مصلّم الأذنين أجنى # له بالسّيّ تنوم وآء][1]

و بقول أوس بن حجر[2]: [من الطويل‏]

و ينهى ذوي الأحلام عنّي حلومهم # و أرفع صوتي للنّعام المخزّم‏

يريد خرق أنفه، و هو في موضع الخرمة من البعير.

و أمّا قوله: «و أرفع صوتي للنّعام» فإنما خصّ بذلك النّعام لأنّها تجمع الشّرود و النّفار، إلى الموق و سوء الفهم. و لو قال: «و أرفع صوتي للحمير و الدّوابّ» لكان كذلك. و المصلّمة: السّكّ التي ليس لآذانها حجم.

1205-[رد على منكر الصمم‏]

قال: قول الذي زعم أنها ليست بصماء لا يجوز؛ لأنّ الدواب تسمع و تفهم الزّجر، و تجيب الدّعاء. بل لو قال: و أرفع صوتي للصخور و الحجارة، كان صوابا، و كان لرفع صوته معنى؛ إذ كان الرّفع و الوضع عند الصّخور سواء. و ليس كذلك الدوابّ. و لو كان إنما جعله مصلّما، و جعل آذان النّعام مصلومة، لأنه ليس لآذانها حجم فالطير كله كذلك إلاّ الخفّاش. و كلّ شي‏ء يبيض من الحيوان فليس لها حجم آذان. ففي قصدهم بهذه الكلمة إلى النّعام، بين جميع ما ليس لأذنيه حجم، دليل على أنّ تأويلكم خطأ. قال علقمة بن عبدة[3]: [من البسيط]

فوه كشقّ العصا لأيا تبيّنه # أسكّ ما يسمع الأصوات مصلوم‏

[1]لم يرد البيت في الأصل، و رأيت أن أثبته اعتمادا على ما سيأتي في نهاية الفقرة التالية، و البيت في ديوان زهير 58.

[2]ديوان أوس بن حجر 122، و فيه «المصلم» ، مكان «المخزم» ، و المعاني الكبير 340، و ديوان الأدب 1/193، و بلا نسبة في اللسان و التاج و أساس البلاغة (خزم) ، و التهذيب 7/219، و المجمل 2/183، و الجمهرة 595، و المقاييس 2/178، و المعاني الكبير 344.

[3]تقدم تخريج البيت و شرحه في الفقرة (1193) .

453

و قالت كبشة بنت معد يكرب‏[1]: [من الطويل‏]

و أرسل عبد اللّه إذ حان يومه # إلى قومه ألاّ تغلّوا لهم دمي‏[2]

و لا تأخذوا منهم إفالا و أبكرا # و أترك في بيت بصعدة مظلم‏[3]

جدعتم بعبد اللّه آنف قومكم # بني مازن أن سبّ راعي المخزّم

فإن أنتم لم تثأروا لأخيكم # فمشّوا بآذان النّعام المصلّم‏

فلو كانت إنّما تريد أنّه ليس لمسامعها حجم، كانت الدّنيا لها معرضة. و قال عنترة[4]: [من الكامل‏]

و كأنّما أقص الإكام عشيّة # بقريب بين المنسمين مصلّم‏[5]

تأوي له حزق النّعام كما أوت # حزق يمانية لأعجم طمطم‏[6]

و لو كان عنترة إنّما أراد عدم الحجم، لقد كانت الدّنيا له معرضة.

و قال زهير[7]: [من الوافر]

بآرزة الفقارة لم يخنها # قطاف في الرّكاب و لا خلاء[8]

[1]الأبيات لكبشة بنت معدي كرب في الحماسة البصرية 1/73-74، و الأغاني 15/230، و الأمالي 2/226، و ذيل الأمالي 190، و معجم البلدان 3/406 (صعدة) ، و الخزانة 3/77 (بولاق) ، و شرح ديوان الحماسة للمرزوقي 217، و التبريزي 1/117، و معجم الأديبات الشواعر 412، و حماسة البحتري 30.

[2]تغلوا: تخونوا.

[3]الإفال: جمع أفيل، زنة أمير، و هو من أولاد الإبل ما أتى عليها سبعة أشهر أو ثمانية. و الأبكر:

جمع بكر، و هو ولد الناقة. صعدة: مخلاف من مخاليف اليمن. و في قولها: «بيت بصعدة مظلم» إشارة إلى زعم العرب من أن القتيل إذا ثأروا به أضاء قبره، أما إذا قبلت ديته أو هدر دمه فإن قبره يبقى مظلما.

[4]ديوان عنترة 20.

[5]أقص: أكسر. الإكام: جمع أكمة، و هي الرابية. المنسمان: الظفران المقدمان في الخف.

[6]تقدم شرح البيت مع تخريج واف له في الفقرة (1189) .

[7]ديوان زهير 57-58، و البيت الأول في اللسان و التاج (خلأ، أرز، قطف) ، و المقاييس 1/79، و العين 7/383، و الجمهرة 1056، و التهذيب 7/577، 13/249، و المجمل 1/179، و بلا نسبة في الجمهرة 64، 1069، و المخصص 7/162، و البيت الثاني في اللسان و التاج (أوأ، هوى) ، و المقاييس 6/15، و المخصص 3/64، 15/120، و المجمل 4/455، و البيت الثالث في اللسان (أوأ، جنأ، سكك، صلم، خنا، سيا) و التاج (أوأ، سكك، تنم، صلم) و كتاب الجيم 1/279، و التهذيب 9/340، 11/197، 14/307، و التنبيه و الإيضاح 1/5، و بلا نسبة في المقاييس 1/33، و الجمهرة 250، و المجمل 1/155.

[8]في ديوانه: «الآرزة: الدانية بعضها إلى بعض. الفقارة: فقر الظهر. القطاف: مقاربة الخطو و ضيق الشحوة و ألا يكون و ساعا. الركاب: الإبل. الخلاء: أن تبرك فلا تبرح. ـ

454

كأنّ الرحل منها فوق صعل # من الظلمان جؤجؤه هواء[1]

أصكّ مصلّم الأذنين، أجنى # له بالسّيّ تنوم و آء[2]

1206-[رد منكر صمم النعام‏]

قال القوم: فإنّا لا نقول ذلك، و لكنّ العرب في أمثالها تقول: إنّ النّعامة ذهبت تطلب قرنين فقطعوا أذنيها[3]. ليجعلوها مثلا في الموق و سوء التدبير. فإذا ذكر الشّاعر الظّليم، و ذكر أنّه مصلّم الأذنين، فإنما يريد هذا المعنى. فكثر ذلك حتى صار قولهم: مصلم الأذنين، مثل قولهم صكّاء. و سواء قال صكّاء، أو قال نعامة، كما أنّه سواء قال خنساء أو قال مهاة و نعجة و بقرة و ظبية؛ لأنّ الظّباء و البقر كلها فطس خنس و إذا سمّوا امرأة خنساء فليس الخنس و الفطس يريدون، بل كأنهم قالوا: مهاة و ظبية. و لذلك قال المسيّب بن علس‏[4]، في صفة النّاقة: [من الكامل‏]

صكّاء ذعلبة إذا استقبلتها # حرج إذا استدبرتها هلواع‏[5]

فتفهّم هذا البيت، فإنه قد أحسن فيه جدّا.

و الصّكك في الناس، و الاصطكاك في رجلي الناقة عيب. فهو لم يكن ليصفها بما فيه عيب، و لكنّه لا يفرق بين قوله صكّاء، و بين قوله نعامة، و كذلك لا يفرّقون بين قولهم أعلم، و بين قولهم: بعير. قال الراجز: [من الرجز]

إني لمن أنكر أو توسّما # أخو خناثير يقود الأعلما[6]

[1]في ديوانه «الصعل: الظليم الدقيق العنق، الصغير الرأس. جؤجؤه: صدره. هواء: لا مخّ فيه. و قال الأصمعي: جؤجؤه هواء: أراد لا عقل له» .

[2]في ديوانه «الصكك: اصطكاك العرقوبين، و يقال: إنما يكون ذلك إذا مشى. مصلم الأذنين: لا أذني له. أجنى: أي أدرك أن يجنى. السي: أرض. تنوم: الواحدة تنومة، شجيرة غبراء تنبت حبا دسما. آء: الواحدة: آءة، و هي ثمر السّرح» .

[3]انظر الفقرة (1169) .

[4]ديوان المسيب بن علس 616، و ذيل الأمالي 132، و المفضليات 61، و اللسان و التاج (هلع) ، و التهذيب 1/144.

[5]ذعلبة: سريعة، جسيمة طويلة على وجه الأرض. هلواع: مستخفة كأنها تفزع من النشاط، و الهلع: الخفة.

[6]الخناثير: الدواهي.

455

كأنه يقول: يقود بعيرا. و هو كقول عنترة[1]: [من الكامل‏]

و حليل غانية تركت مجدّلا # تمكو فريصته كشدق الأعلم‏

1207-[ردّ مدّعي الصّمم‏]

فقال من ادّعى للنّعام الصّمم: أمّا قولكم: من الدّليل على أن النّعامة تسمع قول الشاعر[2]: [من الكامل‏]

تدعو النّعام به العرار

و قوله‏[3]: [من الطويل‏]

متى ما تشأ تسمع عرارا بقفرة # يجيب زمارا كاليراع المثقّب‏

و قوله‏[4]: [من الخفيف‏] آنست نبأة و أفزعها القنّاص عصرا و قد دنا الإمساء فليس ذلك أراد. و قد يراك الأخرس من النّاس-و الأخرس أصمّ-فيعرف ما تقول، بما يرى من صورة حركتك، كما يعرف معانيك من إشارتك، و يدعوك و يطلب إليك بصوت؛ و هو لم يسمع صوتك قط فيقصد إليه، و لكنه يريد تلك الحركة، و تلك الحركة تولد الصّوت، أراده هو أو لم يرده. و يضرب فيصيح، و هو لم يقصد إلى الصّياح، و لكنّه متى أدار لسانه في جوبة الفم بالهواء الذي فيه، و النّفس الذي يحضره جمّاع‏[5]الفم، حدث الصّوت. و هذا إنما غايته الحركة فيعرف صورة تلك الحركة.

و الأخرس يرى النّاس يصفّقون بأيديهم، عند دعاء إنسان، أو عند الغضب و الحدّ، فيعرف صورة تلك الحركة؛ لطول تردادها على عينيه، كما يعرف سائر الإشارات. و إذا تعجّب ضرب بيديه كما يضربون.

فالنّعامة تعرف صورة إشارة الرّئلان و إرادتها، فتعقل ذلك، و تجاوبها بما تعقل عنها من الإشارة و الحركة، و غدت لحركتها أصوات. و لو كانا يسمعان لم تزد حالهما في التّفاهم على ذلك.

[1]ديوان عنترة 24، و تقدم البيت في 3/148.

[2]البيت للطرماح في ديوانه 143 (115) .

[3]البيت للبيد في ديوانه 18.

[4]البيت للحارث بن حلزة من معلقته، و قد تقدم في ص 448.

[5]الجمّاع: مجتمع الأصل.

456

1208-[الشّمّ عند الحيوان‏]

و العرب تقول: «أشمّ من نعامة» [1]و: «أشمّ من ذرّة» [1]. قال الرّاجز[2]:

[من الرجز]

أشمّ من هيق و أهدى من جمل‏

و قال الحرمازيّ، في أرجوزته‏[2]: [من الرجز]

و هو يشتمّ اشتمام الهيق‏

قال: و أخبرنا ابن الأعرابيّ أنّ أعرابيّا كلم صاحبه، فرآه لا يفهم عنه و لا يسمع فقال: «أصلخ كصلخ النّعامة!» [3].

و قد يكون الفرس في الموكب و خلفه، على قاب غلوتين، حجر أو رمكة[4]، فيتحصّن‏[5]تحت راكبه، من غير أن تكون صهلت.

و الذّئب يشتمّ و يستروح من ميل، و الذّرّة تشتمّ ما ليس له ريح، ممّا لو وضعته على أنفك ما وجدت له رائحة و إن أجدت التشمّم، كرجل الجرادة تنبذها من يدك في موضع لم تر فيه ذرّة قطّ، فلا تلبث أن ترى الذّرّ إليها كالخيط الأسود الممدود.

و قال الشّاعر[6]، و هو يصف استرواح الناس: [من الطويل‏]

و جاء كمثل الرّأل يتبع أنفه # لعقبيه من وقع الصّخور قعاقع‏[7]

فإنّ الرّأل يشتم رائحة أبيه و أمّه و السّبع و الإنسان من مكان بعيد. و شبّه به رجلا جاء يتّبع الرّيح فيشتمّ.

[1]المثل في الدرة الفاخرة 1/253، و جمهرة الأمثال 1/538، 560، و مجمع الأمثال 1/385، 391، و المستقصى 1/197.

[2]تقدم الرجز في 324.

[3]في مجمع الأمثال 1/406 «صلخا كصلخ النعامة» .

[4]الحجر: أنثى الخيل. و الرمكة: البرذونة.

[5]يتحصن: تبدو منه أمارات الذكورة.

[6]البيت بلا نسبة في البرصان 304، و أساس البلاغة (أنف) .

[7]الرأل: فرخ النعام.

457

1209-[استطراد لغوي‏]

و قال الآخر[1]: [من الكامل‏]

و المرء لم يغضب لمطلب أنفه # أو عرسه لكريهة لم يغضب‏

و مطلب أنفه: فرج أمّه؛ لأنّ الولد إذا تمّت أيّامه في الرّحم، قلا[2]مكانه و كرهه، و ضاق به موضعه، فطلب بأنفه موضع المخرج ممّا هو فيه من الكرب، حتّى يصير أنفه و رأسه على فم الرّحم، تلقاء فم المخرج. فالأناء[3]و المكان يرفعانه في تلك الجهة، و الولد يلتمس تلك الجهة بأنفه، و لو لا أنّه يطلب الهواء من ذاته، و يكره مكانه من ذاته، ثمّ خرج إلى عالم آخر خلاف عالمه الذي ربّي فيه، لمات؛ كما يموت السّمك إذا فارقه الماء. و لكنّ الماء لمّا كان قابلا لطباع السمك غاذيا لها، و السّمك مريدا له، كان في مفارقته له عطبه. و كان في مفارقة الولد لجوف البطن و اغتذائه فضلات الدّم، ما لا ينقص شيئا من طباعه و طباع المكان الذي كان له مرّة مسكنا. فلذلك قال الشّاعر الجاهلي‏[4]: [من الكامل‏]

و المرء لم يغضب لمطلب أنفه # أو عرسه لكريهة لم يغضب‏

يقول: متى لم يحم فرج أمّه و امرأته، فليس ممّن يغضب من شي‏ء يؤول إليه.

1210-[قول المتكلّمين في صمم الأخرس‏]

و زعم المتكلّمون أنّ الأخرس أصمّ، و أنّه لم يؤت من العجز عن المنطق لشي‏ء في لسانه، و لكنّه إنّما أتي في ذلك؛ لأنّه حين لم يسمع صوتا قطّ، مؤلّفا أو غير مؤلّف، لم يعرف كيفيّته فيقصد إليه. و أنّ جميع الصّمّ ليس فيهم مصمت‏[5]، و إنما يتفاوتون في الشّدّة و اللّين؛ فبعضهم يسمع الهدّة و الصّاعقة، و نهيق الحمار إذا كان قريبا منه، و الرّعد الشّديد، لا يسمع غير ذلك. و منهم من يسمع السّرار، و إذا رفعت له الصّوت لم يسمع. و متى كلّمته و قرّت الشّكاية في أذنه، فهم عنك كلّ الفهم. و إن [1]البيت بلا نسبة في اللسان و التاج (أنف) ، و التهذيب 1/68.

[2]قلا: كره و أبغض.

[3]الأناء: آن الشي‏ء: حان.

[4]تقدم البيت في بداية هذه الفقرة.

[5]مصمت: تام الصمم.

458

تكلّمت على ذلك المقدار في الهواء، و لم يكن ينفذ في قناة تحصره و تجمعه، حتّى تؤدّيه إلى دماغه-لم يفهمه.

فالأصمّ في الحقيقة إنّما هو الأخرس، و الأخرس إنّما سمّي بذلك على التشبيه و القرابة. و متى ضرب الأصمّ من النّاس إنسانا أو شيئا غيره، ظنّ أنّه لم يبالغ، حتّى يسمع صوت الضربة. قال الشّاعر[1]: [من الطويل‏]

أشار بهم لمع الأصمّ فأقبلوا # عرانين، لا يأتيه للنّصر محلب‏[2]

و قال الأسديّ‏[3]: [من المتقارب‏]

و أوصيكم بطعان الكماة # فقد تعلمون بأن لا خلودا

و ضرب الجماجم ضرب الأصمّ # حنظل شابة يجنى الهبيدا[4]

و قال الهذلي‏[5]: [من البسيط]

فالطعن شغشغة و الضّرب معمعة # ضرب المعوّل تحت الدّيمة العضدا[6]

و إنما جعله تحت الدّيمة؛ لأنّ الأغصان و الأشجار تصير ألدن و أعلك، فيحتاج [1]البيت لبشر بن أبي خازم في ديوانه 10 (61) ، و اللسان و التاج (حلب، صمم) ، و أساس البلاغة (صمم) ، و التهذيب 5/85، 12/127، و التنبيه و الإيضاح 1/68، و بلا نسبة في المجمل 2/99، و المقاييس 2/96.

[2]في ديوانه «لمع الرجل بيده: أشار بها، و لمع الأصم: أي كما تشير للأصم بإصبعك. و الضمير يعود على مقدم الجيش. و العرانين: الرؤساء. و المحلب: المعين من غير قومه، يقول: أشار إليهم فأقبلوا مسرعين. و لا يأتيه سوى قومه و بني عمه يكفونه» .

[3]البيتان بلا نسبة في اللسان (صمم) ، و التهذيب 12/127، و الثاني في اللسان و التاج (شوب) ، و التهذيب 6/219.

[4]الأصم: عنى به الظليم من النعام. شابة: موضع بنجد. الهبيد: حب الحنظل.

[5]البيت لعبد مناف بن ربع الهذلي في شرح أشعار الهذليين 674، و اللسان و التاج (عضد، هقع، شغغ، عول) ، و التنبيه و الإيضاح 2/39، و الجمهرة 945، 1172، و المجمل 3/147، و ديوان الأدب 3/434، و كتاب الجيم 2/272، و للهذلي في التهذيب 1/127، 3/198، 16/32، و بلا نسبة في الجمهرة 206، و المقاييس 3/169، 4/350، و المخصص 5/135، 6/90.

[6]في ديوان الهذليين 2/40 «شغشغة: حكاية لصوت الطعن حين يدخل. هيقعة: حكاية لصوت الضرب و الوقع. و قوله: ضرب المعول، المعوّل: الذي يبني عالة، و العالة: شجر يقطعه الراعي فيستظل به من المطر يكون الرجل يحتاج إلى الكن فيقطع شجرة فيضعها على شجرتين فيستظل تحتها. و العضد: ما قطع من الشجر، و جعل تحت الديمة لأنه أسمع لصوته إذا ابتلّ» .

459

الذي يضرب تلك الأصول قبل المطر، إلى عشر ضربات حتّى يقطع ذلك المضروب؛ فإذا أصابه المطر احتاج إلى أكثر من ذلك.

1211-[تفسير بيت من الشعر]

و أنشدني يحيى الأغر: [من المتقارب‏] كضرب القيون سبيك الحديد يوم الجنائب ضربا وكيدا[1] فلم أعرفه؛ فسألت بعض الصّياقلة فقال: نعم، هذا بيّن معروف. إذا أخرجنا الحديدة من الكير في يوم شمال‏[2]، و احتاجت في القطع إلى مائة ضربة، احتاجت في قطعها يوم الجنوب إلى أكثر من ذلك، و إلى أشدّ من ذلك الضّرب؛ لأنّ الشمال ييبّس و يقصف، و الجنوب يرطّب و يلدّن.

1212-[الأخرس‏]

و الإنسان أبدا أخرس، إذا كان لا يسمع و لا يتبيّن الأصوات التي تخرج من فيه، على معناه‏[3]. و يقال في غير الإنسان، على غير ذلك. قال كثيّر[4]: [من الطويل‏]

أ لم تسألي يا أمّ عمرو فتخبري # سلمت و أسقاك السّحاب البوارق

بكيا لصوت الرّعد خرس روائح # و نعق و لم يسمع لهن صواعق‏

1213-[السحابة الخرساء]

و تقول العرب: «ما زلت تحت عين خرساء» . و العين: السحابة تبقى أيّاما تمطر. و إذا كثر ماؤها و كثف، و لم يكن فيها مخارق تمدح ببرق‏[5].

[1]القيون: جمع قين، و هو الحداد. الجنائب: جمع جنوب، و هي الريح. الوكيد: الشديد.

[2]أي في يوم رياحه شمالية.

[3]معناه: أي المعنى الحقيقي للخرس.

[4]ديوان كثير 417.

[5] «قال أبو حنيفة: عين خرساء و سحابة خرساء: لا رعد فيها و لا برق، و لا يسمع لها صوت رعد.

قال و أكثر ما يكون ذلك في الشتاء، لأن شدة البرد تخرس البرد، و تطفئ البرق» . (اللسان:

خرس) .

460

و متى رأيت البرق سمعت الرّعد بعد. و الرّعد يكون في الأصل قبله، و لكنّ الصّوت لا يصل إليك في سرعة البرق؛ لأنّ البارق و البصر أشدّ تقاربا من الصّوت و السّمع. و قد ترى الإنسان، و بينك و بينه رحله فيضرب بعصا إمّا حجرا، و إمّا دابّة، و إمّا ثوبا، فترى الضّرب، ثمّ تمكث وقتا إلى أن يأتيك الصّوت.

فإذا لم تصوّت السّحابة لم تبشّر بشي‏ء، و إذا لم يكن لها رزّ[1]سمّيت خرساء.

1214-[الصخرة الصماء]

و إذا كانت الصّخرة في هذه الصّفة سمّيت صماء. قال الأعشى‏[2]: [من الكامل‏]

و إذا تجي‏ء كتيبة ملمومة # مكروهة يخشى الكماة نزالها

و على غير هذا المعنى قال كثيّر[3]: [من الطويل‏]

كأني أنادي صخرة، حين أعرضت # من الصّمّ لو تمشي بها العصم زلّت‏

و من هذا الشّكل قول زهير[4]: [من الكامل‏]

و تنوفة عمياء لا يجتازها # إلا المشيّع ذو الفؤاد الهادي‏[5]

قفر هجعت بها، و لست بنائم، # و ذراع يلقية الجران و سادي‏[6]

[1]الرز: الصوت.

[2]ديوان الأعشى 83، و اللسان و التاج (حصف) ، و التهذيب 4/252، و المقاييس 2/67، و المجمل 2/71، و العين 3/121.

[3]ديوان كثير 97، و الموشح 252، و المقاصد النحوية 2/408-409.

[4]ديوان زهير 244، و البيت الثاني في اللسان و التاج (هجع) ، و بلا نسبة في المخصص 5/104، و البيت الثالث في أساس البلاغة (لحظ) ، و الإنصاف 778.

[5]في ديوانه: «التنوفة: القفر. يجتازها: يجاوزها. عمياء: لا طريق بها. المشيع: الجري‏ء الشجاع الذي كأنّ معه من يشيّعه، أي لجرأته» .

[6]في ديوانه: «هجعت: نمت. و لست بنائم: أي لم أنم على تحقيق نوم. كقولك نمت و لم أنم.

و الجران: باطن الحلق ما أصاب الأرض، و إنما تضعه من الإعياء. يقول: توسدت ذراع هذه الناقة من الكلال و التعب. توسّد ذراع ناقته، حين نزل، و قد ألقت جرانها بالأرض، و هو باطن الحلقوم، من التعب و الكلال» .