الحيوان - ج4

- عمرو بن بحر الجاحظ المزيد...
510 /
461

و وقعت بين قتود عنس ضامر # لحّاظة طفل العشيّ سناد[1]

فجعل التّنوفة عمياء، حين لم تكن بها أمارات.

1215-[الحيوان الأعمى‏]

و دابّة يقال لها الزّبابة، عمياء صمّاء، تشبه الفأرة؛ و ليست بالخلد؛ لأنّ الخلد أعمى و ليس بأصمّ. و الزباب يكون في الرّمل. و قال الشاعر[2]: [من مجزوء الكامل‏]

و هم زباب حائر # لا تسمع الآذان رعدا

و كلّ مولود في الأرض يولد أعمى، إن كان تأويل العمى أنّه لا يبصر إلاّ بعد أيام. فمنه ما يفتح عينيه بعد أيّام كالجرو؛ إلاّ أولاد الدّجاج؛ فإنّ فراريجها تخرج كاسية كاسبة.

1216-[شعر فيه مجون‏]

و قال أبو الشمقمق-و جعل الأير أعمى أصمّ على التشبيه-فقال‏[3]: [من الطويل‏]

فسلّم عليه فاتر الطرف ضاحكا # و صوّت له بالحارث بن عباد

بأصلع مثل الجرو جهم غضنفر # معاود طعن جائف و سناد

أصمّ و أعمى ينغض الدّهر رأسه # يسير على ميل بغير قياد[4]

1217-[قول لمن زعم أن النعامة تسمع‏]

و قال من زعم أنّ النّعامة تسمع: يدلّ على ذلك قول طرفة[5]: [من المنسرح‏]

هل بالدّيار الغداة من خرس # أم هل بربع الجميع من أنس‏

[1]في ديوانه: «القتود: أحناء الرحل، عيدان الرحل. الواحد قتد. عنس: ناقة. لحّاظة: تنظر و تتلفّت حين اصفرّت الشمس للمغيب في الوقت الذي تكلّ فيه الإبل. لحاظة: تلحظ يمينا و شمالا.

طفل العشي: قبيل العشي. سناد، مشرفة» .

[2]البيت للحارث بن حلزة في عيون الأخبار 2/96، و المعاني الكبير 656، و أدب الكاتب 196، و السمط 504، و الخزانة 5/113، و شعراء النصرانية 417، و اللسان و التاج (زبب) ، و التهذيب 13/171، و الجمهرة 1000، 1120، و معجم البلدان 3/129 (الزباء) .

[3]ديوان أبي الشمقمق 133.

[4]أنغض رأسه: حركه إلى أسفل و أعلى.

[5]ديوان طرفة 155 (طبعة مكس سلغسون) . ـ

462

سوى مهاة تقرو أسرّته # و جؤذر يرتعي على كنس‏[1]

أو خضاب يرتعي بهقلته # متى ترعه الأصوات يهتجس‏[2]

فقد قال طرفة كما ترى:

متى ترعه الأصوات يهتجس‏

و قال الآخر: جوابنا في هذا هو جوابنا فيما قبله.

1218-[فكاهة]

و روى الهيثم بن عديّ، و سمعه بعض أصحابنا من أبي عبيدة، قال: تضارط أعرابيّان عند خالد بن عبد اللّه، أحدهما تميميّ و الآخر أزديّ فضرط الأزديّ ضرطة ضئيلة، فقال التميميّ: [من الطويل‏]

حبقت عجيفا محثلا و لو انّني # حبقت لأسمعت النّعام المشرّدا[3]

فمرّ كمرّ المنجنيق و صوته # يبذّ هزيم الرّعد، بدءا عمرّدا[4]

1219-[سبب إطلاق لقب نعامة على بعض الناس‏]

و زعم أبو عمرو الشّيبانيّ عن بعض العرب، أنّ كلّ عربيّ و أعرابيّ كان يلقّب نعامة، فإنما يلقّب بذلك لشدّة صممه. و أنّه سأله عن الظليم: هل يسمع؟فقال:

يعرف بأنفه و عينه، و لا يحتاج معهما إلى سمع. و أنشدني: [من الطويل‏]

فجئتك مثل الهقل يشتمّ رأله # و لا عرف إلاّ سوفها و شميمها[5]

و زعم أنّ لقب بيهس نعامة، و أنه لقّب بذلك لأنّه كان في خلق نعامة، و كان [1]المهاة: البقرة الوحشية. تقرو: تقصد. الأسرة: جمع سر. و هو أفضل موضع في الوادي. الجؤذر:

ولد البقرة الوحشية. الكنس: جمع كناس، و هو بيت الوحش.

[2]الخاضب: الظليم. الهقلة: النعامة. يهتجس: هجسه: رده عن الأمر فانهجس.

[3]العجيف: المهزول. المحثل: الهزيل.

[4]المنجنيق: آلة ترمى بها الحجارة، فارسيتها: من چه نيك، أي: أنا ما أجودني. يبذ: يغلب.

الهزيم: صوت الرعد. البدء: السيد و الشاب العاقل. العمرّد: الطويل.

[5]الهقل: ذكر النعام. الرأل: فرخ النعام. العرف: الريح طيبة أو غير طيبة. السوف: الشم.

463

شديد الصّمم مائقا. فأنشد لعديّ بن زيد[1]: [من الطويل‏]

و من حذر الأيّام ما حزّ أنفه # قصير و خاض الموت بالسّيف بيهس‏[2]

نعامة لمّا صرّع القوم رهطه # تبيّن في أثوابه كيف يلبس‏

و قال المتنخّل الهذليّ‏[3]و ذكر سيفا: [من السريع‏]

منتخب اللّبّ له ضربة # خدباء كالعطّ من الخذعل‏[4]

يقول: هذا السّيف أهوج لا عقل له. و الخدب في هذا الموضوع: الهوج.

و تهاوي الشي‏ء لا يتمالك. و يقال للسّيف لا يبالي ما لقي.

1220-[شعر في التشبيه بالنعام‏]

و قال الأعشى‏[5]في غير هذا الباب: [من المتقارب‏]

كحوصلة الرّال في جريها # إذا جليت بعد إقعادها[6]

«كحوصلة الرّأل» يصف الخمر بالحمرة. جليت: أخرجت؛ و هو مأخوذ من جلوة العروس القاعدة، إذا قعدت عن الطّلب. و مثله في غير الخمر قول علقمة[7]: [من البسيط]

تأوي إلى حسكل حمر حواصله # كأنّهنّ إذا برّكن جرثوم‏

[1]البيتان في ملحق ديوان عدي بن زيد 200، و للمتلمس في ديوانه 113، 116، و الخزانة 7/290، و شرح ديوان الحماسة للمرزوقي 659، و حماسة البحتري 20، و الفاخر 64، و بلا نسبة في البيان 4/17.

[2]قصير: هو قصير بن سعد اللخمي، و قصته مشهورة مع الزباء ملكة تدمر، و به ضرب المثل «لأمر ما جدع قصير أنفه» ، و هذا المثل في المستقصى 2/383، و مجمع الأمثال 1/290، و الأمثال لمجهول 116.

[3]شرح أشعار الهذليين 1260، و اللسان (خذعل) ، و ديوان الهذليين 2/12.

[4]في ديوان الهذليين: «منتخب، أي منخوب اللب. يقول: ذهب عقله. يقول: كأنه ليس له عقل من مرّه لا يتماسك. و الخدب: الاسترخاء، و ركوب من الرجل لرأسه، و هو مثل الهوج. و العط:

الشّقّ. و الخذعل: المرأة الحمقاء. و يقال: هذه الحمقاء لا تداوي الشق، تدعه كما هو» .

[5]ديوان الأعشى 121.

[6]في جريها: أي عند سيلانها و تدفقها من فم الدن. الرأل: فرخ النعام، و حوصلته حمراء لتجردها من الريش.

[7]تقدم تخريج البيت و شرحه في الفقرة 1193، ص 438.

464

و قال الأخنس بن شهاب‏[1]: [من الطويل‏]

تظلّ بها ربد النّعام كأنّها # إماء تزجّي بالمساء حواطب‏[2]

تزجّي: تدفع؛ و ذلك أنّه يثقل حملها فتمشي مشية النّعامة. و قال الرّاجز[3]:

[من الكامل‏]

و إذا الرّياح تروّحت بعشيّة # رتك النّعام إلى كثيف العرفج‏[4]

و الرّتك: مشي سريع. يقول تبادر إلى الكثيف تستتر به من البرد. و قال‏[5]:

[من الكامل‏]

رتك النّعامة في طريق حام‏[6]

1221-[زعم في استقبال الظليم للريح‏]

و ليس لقول من زعم أنّ الظليم إذا عدا استقبل الرّيح‏[7]، و إنّما ذلك مخافة أن تكون الرّيح من خلفه فتكبته-معنى؛ لأنّا نجدهم يصفون جميع ما يستدعونه باستقبال الرّيح. قال عبدة بن الطّبيب‏[8]، يصف الثّور: [من البسيط]

مستقبل الرّيح يهفو و هو مبترك # لسانه عن شمال الشّدق معدول‏[9]

[1]البيت في المفضليات 204، و الموشح 44، و الشعر و الشعراء 79 (ليدن) ، و شرح ديوان الحماسة للمرزوقي 724.

[2]في المفضليات: «الربد: جمع أربد و ربداء، و الربدة سواد في بياض. الحواطب: اللاتي يحملن الحطب. و إنما خصّ العشيّ لأن الإماء المحتطبات يرجعن فيه إلى أهاليهن» .

[3]كذا، و الصواب «الشاعر» . و هو للحارث بن حلزة في شرح اختيارات المفضل 1142، و المفضليات 256، و التاج (رتك) .

[4]الكثيف: الملتف. العرفج: شجر سريع الالتهاب.

[5]صدر البيت: (و مجدّة نسّأتها فتكمّشت) ، و هو لامرئ القيس في ديوانه 115، و أساس البلاغة (كمش) .

[6]في ديوانه: (قوله: «و مجدة» ، أي ربّ ناقة لها جدّ في السير و سرعة. و معنى «تكمشت» ، أسرعت و جدّت لا تفتر. و شبّه سرعة سيرها برتك النعامة، و هو تقارب خطوها في سرعة.

و الحامي: الحار المتوهّج. وصف أنه صار في الهاجرة) .

[7]ربيع الأبرار 5/452.

[8]ديوان عبدة بن الطبيب 61، و المفضليات 140.

[9]في المفضليات: «مستقبل الريح: يستروح بها من حرارة التعب و جهد العدو. المبترك: المعتمد في سيره لا يترك جهدا، معدول: ممال. يريد أنه قد دلع لسانه يلهث من الإعياء» .

465

و وصف الذّئب طفيل الغنويّ، فقال‏[1]: [من الطويل‏]

كسيد الغضا العادي أضلّ جراءه # على شرف مستقبل الرّيح يلحب‏

1222-[استطراد]

و يلحق بموضع ذكر الضّرب الشديد، قولهم في المثل: «ضربناهم ضرب غرائب الإبل» [2]. قال أبو حيّة[3]: [من الطويل‏]

جديرون يوم الرّوع أن يخضبوا القنا # و أن يتركوا الكبش المدجّج ثاويا[4]

ضربناهم ضرب الجنابى على جبى # غرائب تغشاه حرارا ضواريا[5]

و إذا جاءت عطاشا قد بلغ منها العطش و اليبس، قيل: جاءت تصلّ أجوافها صليلا. قال الرّاعي‏[6]: [من الكامل‏]

فسقوا صوادي يسمعون عشيّة # للماء في أجوافهنّ صليلا

قال: و أنشدنا أبو مهديّة، لمزاحم العقيليّ‏[7]: [من الطويل‏]

غدت من عليه بعد ما تمّ ظمؤها # تصلّ، و عن قيض بزيزاء مجهل‏[8]

[1]ديوان طفيل الغنوي 45، و المعاني الكبير 1/162، 319، و تقدم البيت في الصفحة 323.

[2]المثل برواية «ضربه ضرب غرائب الإبل» ، و يروى «اضربه ضرب غريبة الإبل» ، و المثل في مجمع الأمثال 1/419، و جمهرة الأمثال 2/8، و المستقصى 1/215، و أمثال ابن سلام 270، و مثله حديث الحجاج في النهاية 3/349 «لأضربنّكم ضرب غريبة الإبل» ، و ذلك أن الإبل إذا وردت الماء فدخل فيها غريبة من غيرها ضربت و طردت، حتى تخرج منها.

[3]ديوان أبي حية النميري 104-105.

[4]القنا: الرماح. الكبش: القائد. المدجج: ذو السلاح. ثاويا: مقتولا.

[5]رواية البيت في الأصل:

(ضربناهم ضرب الحساما غرائب # و إذا جاءك عطاشا لعسا حرارا ضواريا)

[6]ديوان الراعي النميري 223، و اللسان و التاج (صلل) ، و الجمهرة 143، 1321، و راجع المزيد من مصادر البيت في ديوانه 223-224.

[7]ديوان مزاحم العقيلي 11، و الخزانة 10/147، 150، و نوادر أبي زيد 163، و اللسان و التاج (صلل، علا) ، و شرح شواهد المغني 1/425، و شرح المفصل 8/38، و شرح شواهد الإيضاح 230، و الأزهية 194، و الدرر 4/187، و بلا نسبة في مغني اللبيب 1/146، 2/532، و الخزانة 6/535، و مجالس ثعلب 304، و أوضح المسالك 3/58، و أسرار العربية 103، و همع الهوامع 2/36. و المخصص 14/57، و الكتاب 4/231.

[8]في الكتاب «يصف قطاة غدت عن فرخها طالبة للورد بعد تمام الخمس، و هو أن ترد الماء يوما

466

قال الزّيزاء: المكان الغليظ.

و قال آخر[1]: [من الطويل‏]

أ لم تعلمي يا أمّ حسّان أنّني # إذا عبرة نهنهتها فتجلّت‏[2]

رجعت إلى صدر كجرّة حنتم # إذا قرعت صفرا من الماء صلّت‏[3]

1223-[اختبار لأحد الحوّاء]

و زعم ابن أبي العجوز الحوّاء، أنّ الأفاعي صمّ، فلذلك لا تجيب الرّقى، ثمّ زعم لي في ذلك المجلس أنّ أمير المؤمنين المنصور، أراد امتحان رقى حيّة و أن يتعرّف صحّتها من سقمها، و أنّه أمر فصاغوا له أفعى من رصاص، فجاءت و لا يشكّ النّاظر فيها؛ و أنّه أمر بإلزاقها في موضع من السّقف؛ و أنّه أحضره و قال له: إنّ هذه الأفعى قد صارت في هذه الدّار، و قد كرهتها لمكانها؛ فإن احتلت لي برقية، أو بما أحببت أحسنت إليك. قال: إن أردت أن آخذها هربت، و لكن أرقيها حتى تنزل!فرقاها فلما رآها لا تتحرّك زاد في رفع صوته و ألقى قناعه، فلما رآها لا تتحرّك نزع عمامته و زاد في رفع صوته. فلما رآها لا تتحرّك نزع قلنسوته و زاد في رفع صوته. فلما رآها لا تتحرّك نزع ثيابه، و زاد في رفع صوته، حتّى أزبد، و تمرّغ في الأرض، فلما فعل ذلك سال ذلك الرّصاص و ذاب، حتى صار بين أيديهم، فأقرّ عند ذلك المنصور بجودة رقيته.

فقلت له: ويلك!زعمت قبيل أنّ الأفاعي لا تجيب الرّقى؛ لأنها لا تسمع، و هي حيوان، ثمّ زعمت أنّها أجابت، و هي جماد!!

1224-[نفار النعامة و غيرها]

و قال الشّاعر: [من الطويل‏] ثم تتركه ثلاثا و تعود إليه في الخامس. و الظم‏ء: ما بين الوردين، و القيض: قشور البيض. يريد أنها أفرخت بيضها لتوّها، فهي تسرع في طيرانها في ذهابها و إيابها إشفاقا و حرصا. المجهل: الذي لا يهتدى فيه» .

[1]البيتان لعمرو بن شأس في ديوانه 79، و الأغاني 11/199، و البيت الثاني في اللسان (حنتم) و كتاب الجيم 1/205، و المذكر و المؤنث للأنباري 317، و بلا نسبة في الجمهرة 143، و المخصص 17/16، و التهذيب 12/112، و التاج (حنتم) .

[2]في ديوانه «أم حسان: زوجة الشاعر، و اسمها: حية بنت الحارث بن سعد. نهنهتها: كففتها» .

[3]في ديوانه «الحنتم: جرار خضر تضرب إلى الحمرة. صلت: صوتت» . صفرا: خالية.

467

و ربداء يكفيها الشّميم و ما لها # سوى الرّبد من أنس بتلك المجاهل‏

يخبر أنّ النّعامة لا تستأنس بشي‏ء من الوحش، و أنّ الشّمّ يغنيها في فهم ما تحتاج إليه.

و هي مع ذلك إذا صارت إلى دور النّاس، فليس معها من الوحشة منهم، على قدر ما يذكرون.

و في الوحش ما يأنس، و فيها ما لا يأنس. و قال كثيّر[1]: [من الطويل‏]

فأقسمت لا أنساك ما عشت ليلة # و إن شحطت دار و شطّ مزارها

و ما استنّ رقراق السّراب و ما جرت # ببيض الرّبا أنسيّها و نوارها[2]

و وصف بلادا قفارا غير مأنوسة فقال‏[3]: [من الخفيف‏]

ما ترى العين حولها من أنيس # قربها غير رابدات الرّئال‏[4]

خصّها بالذّكر؛ لأنها أنفر و أشرد، و أقلّ أنسا من جميع الوحش.

و قال الأحيمر[5]: كنت آتي الظّبي حتى آخذ بذارعيه؛ و ما كان شي‏ء من بهائم الوحش ينكرني إلاّ النّعام. و أنشد قول ذي الرّمّة[6]: [من الطويل‏]

و كلّ أحمّ المقلتين كأنّه # أخو الإنس من طول الخلاء المغفّل‏[7]

[1]ديوان كثير 430-431.

[2]استن: اضطرب. النور: النافر الذي لا يستأنس من الحيوان.

[3]ديوان كثير 398.

[4]رابدات: مقيمات. الرئال: فراخ النعام.

[5]هو الأحيمر السعدي، و تمام الخبر في عيون الأخبار 2/88: «كنت حين خلعني قومي و أطلّ السلطان دمي، و هربت و ترددت في البوادي، ظننت أني قد جزت نخل وبار أو قريب منها، و ذلك أني كنت أرى النوى في رجع الذئاب، و كنت أغشى الظباء و غيرها من بهائم الوحش، فلا تنفر مني، لأنها لم تر أحدا قبلي، و كنت أمشي إلى الظبي السمين فآخذه، و على ذلك رأيت جميع تلك الوحوش إلا النعام، فإنه لم أره إلا نافرا فزعا» .

[6]ديوان ذي الرمة 1462، و عيون الأخبار 2/88، و المعاني الكبير 754، و جمهرة الأمثال 2/317، و شرح ديوان الحماسة للتبريزي 1/343.

[7]في ديوانه «يريد: و كل ثور أسود العينين كأنه أخو الإنس لا ينحاش من الناس، لا يفزع منهم لأنه لا يعرفهم» و المغفل: الذي لا علامة فيه و لا أثر.

468

يدلّ على ذلك في قدر ما شاهدنا أنّهم يخرجون إلى الصّحارى الأغفال، التي لم يذعر صيدها، و لا يطؤها النّاس، فيأتون الوحش فوضى هملا، و معهم كلابهم و فهودهم تتلوى بأيديهم، فيتقدّمون إلى المواضع التي لو كانوا ابتدءوا الصّيد من جهتها لأخذوا ما أخذوا فإذا نفرت وحوش هذه الأرض، و مرّت بالأرض المجاورة لها، نفرت سكّان تلك الأرض مع هذه النّوافر، و لا تعود تلك الصحارى إلى مثل ما كانت عليه، من كثرة الوحش حينا.

و متى لم تنفّرها الأعراب بالكلاب و القسيّ، و نصب الحبائل، رتعت بقربهم، ثمّ دنت منهم أوّلا فأوّلا، حتى تطأ أكناف بيوتهم. و هي اليوم في حير[1]المعتصم باللّه و الواثق باللّه على هذه الصّفة.

1225-[إقبال الظّباء على الناس‏]

و خبّرني إبراهيم بن السّنديّ قال خبرني عبد الملك بن صالح، و إسحاق بن عيسى، و صالح صاحب الموصل، أنّ خالد بن برمك، بينا هو على سطح من سطوح القرى مع قحطبة، و هم يتغدّون، و ذلك في بعض منازلهم، حين فصلوا من خراسان إلى الجبل. قال: و بين قحطبة و بين الأعداء مسيرة أيّام و ليال. قال: فبينا خالد يتغدّى معه و ذلك حين نزلوا و بهم كلال السّير، و حين علّقوا[2]على دوابّهم، و نصبوا قدورهم، و قرّبوا سفرهم‏[3].

قال فنظر خالد إلى الصّحراء، فرأى أقاطيع الظّباء قد أقبلت من جهة الصّحارى، حتى كادت تخالط العسكر، فقال لقحطبة: أيّها الأمير!ناد في النّاس: «يا خيل اللّه اركبي» [4]؛ فإنّ العدوّ قد حثّ إليك السّير، و غاية أصحابك أن يسرجوا و يلجموا قبل أن يروا سرعان الخيل‏[5]. فقام قحطبة مذعورا، فلما لم ير شيئا يروعه، و لم ير غبارا قال لخالد: ما هذا الرّأي!قال: أيّها الأمير!لا تتشاغل بي و بكلامي، و ناد في النّاس.

أما ترى أقاطيع الوحش قد أقبلت، فارقت مواضعها حتّى خالطت الناس؟!إنّ وراءها [1]الحير: البستان.

[2]في اللسان «العليق: القضيم يعلق على الدابة» و القضيم: الشعير.

[3]السّفر: جمع سفرة، و هي طعام المسافر.

[4]الحديث أورده الجاحظ في البيان 2/15، و تقدم في الفقرة (243) ، 1/222.

[5]سرعان الخيل: أوائلها.

469

جمعا عظيما!. قال: فو اللّه ما ألجموا و أسرجوا حتى رأوا ساطع الغبار، و لا تلبّسوا[1] و تسلّحوا حتّى رأوا الطليعة[2]. فما التأموا حتى استوى أصحاب قحطبة على ظهور خيولهم. و لو لا نظرة خالد بن برمك و فراسته، لقد كان ذلك الجيش اصطلم‏[3].

1226-[قصة في قوة الشمّ‏]

و كان إبراهيم بن السّنديّ يحدّثنا من صدق حسّ أبيه في الشّمّ، بشي‏ء ما يحكى مثله إلاّ عن السّباع و الذّرّ و النّعام. و زعم أنّ أباه قال ذات يوم: أجد ريح بول فأرة!ثمّ تشمّم و أجال أنفه في المجلس، فقال: هو في تلك الزّاوية!فنظروا فإذا على طرف البساط من البلل بقدر الدّرهم، أو أوسع شيئا، فقضوا أنّه بول فأرة.

قال: و شهدته مرّة و أشراطه‏[4]قيام على رأسه في السّماطين‏[5]، فقال: أجد ريح جورب عفن منتن!فتشمّمنا بأجمعنا، فلم نجد شيئا، ثمّ تشمّم و قال: انزعوا خفّ ذاك. فنزعوا خفّه، فكلّما مدّ النازع له شيئا بدا من لفافته. فما زال النّتن يكثف و يزداد، حتى خلع خفّه و نزعه من رجله، فظهر من نتن لفافته ما عرف به صدق حسّه. ثمّ قال: انزعوا الآن أخفافكم بأجمعكم، فلا بدّ من ألاّ يكون في جميع اللّفائف منتن غير لفافته، أو تكون لفافته أنتنها؛ فنزعوا، فلم يجدوا في جميعها لفافة منتنة غيرها.

و أنشدوا[6]: [من الطويل‏]

غزا ابن عمير غزوة تركت لنا # ثناء كنتن الجورب المتخرّق‏

1227-[أقوى درجات التشمم‏]

و ليس الذي يحكى من صدق الحسّ في الشّم-عن بعض النّاس، و عن النّعام و السّباع، و الفأر و الذّرّ، و ضروب من الحشرات-من شكل ما نطق به القرآن العظيم، [1]تلبسوا: لبسوا ثياب الحرب.

[2]طليعة الجيش: أولهم.

[3]اصطلم الجيش: استؤصل و أبيد.

[4]الأشراط: الحرس.

[5]السماطين: مثنى سماط، و هو الصف من الناس.

[6]البيت بلا نسبة في ثمار القلوب 486 (867) ، و المستقصى 1/382، و الوساطة 400، و تقدم في 1/157. ـ

470

من شأن يعقوب و يوسف عليهما الصلاة و السّلام حين يقول تعالى: قََالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْ لاََ أَنْ تُفَنِّدُونِ، `قََالُوا تَاللََّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلاََلِكَ اَلْقَدِيمِ [1]. و كان هذا من يعقوب بعد أن قال يوسف‏ اِذْهَبُوا بِقَمِيصِي هََذََا فَأَلْقُوهُ عَلى‏ََ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَ أْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ [2]. و لذلك قال: وَ لَمََّا فَصَلَتِ اَلْعِيرُ قََالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْ لاََ أَنْ تُفَنِّدُونِ [1]ثمّ قال: فَلَمََّا أَنْ جََاءَ اَلْبَشِيرُ أَلْقََاهُ عَلى‏ََ وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً [3].

و إنّما هذا علامة ظهرت له خاصة؛ إذ كان النّاس لا يشتمون أرواح‏[4]أولادهم إذا تباعدوا عن أنوفهم، و ما في طاقة الحصان الذي يجد ريح الحجر[5]ممّا يجوز الغلوتين و الثّلاث‏[6]. فكيف يجد الإنسان و هو بالشّام ريح ابنه في قميصه، ساعة فصل من أرض مصر؟!و لذلك قال: أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اَللََّهِ مََا لاََ تَعْلَمُونَ [7].

1228-[بعض المجاعات‏]

و قد غبر[8]موسى و هو يسير أربعين عاما، لا يذوق ذواقا[9]. و جاع أهل المدينة في تلك الحطمة[10]، حتى كان أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يشدّون الحجر على بطونهم، من الجوع و الجهد[11]. و كان النبيّ صلى اللّه عليه و سلم، و على آله الطّيبين الطاهرين [1]94/يوسف: 12.

[2]93/يوسف: 12.

[3]96/يوسف: 12.

[4]الأرواح: جمع ريح: و هي الرائحة.

[5]الحجر: أنثى الخيل.

[6]الغلوة: قدر رمية بسهم، و انظر الفقرة (1208) ، ص 455.

[7]96/يوسف: 12.

[8]غبر: مكث.

[9]الذواق: المأكول و المشروب، فعال بمعنى مفعول، و في الحديث «لم يكن يذم ذواقا» انظر النهاية 2/172.

[10]الحطمة: هي السنة الشديدة الجدب، و منه حديث جعفر «كنا نخرج سنة الحطمة» .

[11]كان النبي صلى اللّه عليه و سلم قد دعا على مضر بقوله: «اللهم اشدد وطأتك على مضر، و ابعث عليهم سنين كسني يوسف» فكان القحط سبع سنين متتالية، حتى أكلوا القد و العظام. فنال ذلك الجدب النبي و أصحابه. حتى شد المسلمون على بطونهم الحجارة من الجوع. انظر صحيح البخاري، كتاب الاستسقاء، حديث 961، و كتاب صفة الصلاة، حديث 771، و مسلم في المساجد و مواضع الصلاة، حديث 675، و مسند أحمد 2/239، 255، و ثمار القلوب 37 (113) .

471

يقول: «إنّي لست كأحدكم، إنّي أبيت عند ربّي، يطعمني و يسقيني» [1].

1229-[جدال في ذبح الحيوان و قتله‏]

و رجال ممّن ينتحل الإسلام، يظهرون التقذّر من الصّيد، و يرون أنّ ذلك من القسوة، و أنّ أصحاب الصّيد لتؤدّيهم الضّراوة التي اعترتهم من طروق الطّير في الأوكار، و نصب الحبائل للظّباء، التي تنقطع عن الخشفان‏[2]حتى تموت هزلا و جوعا، و إشلاء السّباع على بهائم الوحش و ستسلم أهلها إلى القسوة، و إلى التهاون بدماء النّاس.

و الرّحمة شكل واحد. و من لم يرحم الكلب لم يرحم الظّبي، و من لم يرحم الظّبي لم يرحم الجدي، و من لم يرحم العصفور لم يرحم الصّبيّ. و صغار الأمور تؤدّي إلى كبارها.

و ليس ينبغي لأحد أن يتهاون بشي‏ء ممّا يؤدي إلى القسوة يوما ما. و أكثر ما سمعت هذا الباب، من ناس من الصّوفيّة، و من النّصارى؛ لمضاهاة النّصارى سبيل الزّنادقة، في رفض الذبائح، و البغض لإراقة الدّماء، و الزّهد في أكل اللّحمان.

و قد-كان يرحمك اللّه-على الزّنديق ألاّ يأتي ذلك في سباع الطّير، و ذوات الأربع من السّباع. فأما قتل الحيّة و العقرب، فما كان ينبغي لهم البتّة أن يقفوا في قتلهما طرفة عين؛ لأنّ هذه الأمور لا تخلو من أن تكون شرّا صرفا، أو يكون ما فيها من الخير مغمورا بما فيها من الشرّ. و الشّرّ شيطان، و الظّلمة عدوّ النّور. فاستحياء الظلمة و أنت قادر على إماتتها، لا يكون من عمل النّور. بل قد ينبغي أن تكون رحمة النّور لجميع الخلائق و النّاس، إلى استنقاذهما من شرور الظّلمة.

و كما ينبغي أن يكون حسنا في العقل استحياء النّور و العمل في تخليصه و الدّفع عنه-فكذلك ينبغي أن يكون قتل الظّلمة و إماتتها، و العون على إهلاكها، و توهين أمرها-حسنا.

[1]أخرج البخاري في الصوم برقم 1860، و مسلم في الصيام برقم 1104 (عن أنس رضي اللّه عنه، عن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: لا تواصلوا. قالوا: إنك تواصل، قال: لست كأحد منكم، إني أطعم و أسقى، أو: إني أبيت أطعم و أسقى) و أعاده البخاري في التمني برقم 6814.

[2]الخشفان: جمع خشف، و هو ولد الظبية عند ما يتحرك للمشي.

472

و البهيمة التي يرون أن يدفعوا عنها أيضا ممزوجة[1]، إلاّ أنّ شرّها أقلّ. فهم إذا استبقوها فقد استبقوا الشّرور المخالطة لها.

فإن زعموا أنّ ذلك إنّما جاز لهم؛ لأنّ الأغلب على طباعها النّور فليغتفروا في هذا الموضع إدخال الأذى على قليل ما فيها من أجزاء الشّرّ كما اغتفروا ما في إدخال الروح و السّرور على ما في البهيمة من أجزاء الظّلمة لدفعهم عن البهيمة؛ إذ كان أكثر أجزائها من النّور.

و إنّما ذكرت ما ذكرت؛ لأنّهم قالوا: الدّليل على أنّ الذي أنتم فيه، من أكل الحيوان كلّ يوم من الذبائح، مكروه عند اللّه، أنّكم لم تروا قطّ ذبّاحي الحيوان و لا قتّالي الإنسان، و لا الذين لا يقتاتون إلاّ اللّحمان يفلحون أبدا. و يستغنون؛ كنحو صيّادي السّمك و صيّادي الوحش و أصناف الجزّارين و القصّابين، و الشّوّائين و الطهّائين و الفهّادين و البيازرة[2]و الصّقّارين و الكلابين؛ لا ترى أحدا منهم صار إلى غنى و يسر، و لا تراه أبدا إلا فقيرا محارفا[3]، و على حال مشبهة بحاله الأولى.

و كذلك الجلادون، و من يضرب الأعناق بين يدي الملوك. و كذلك أصحاب الاستخراج و العذاب، و إن أصابوا الإصابات، و جميع أهل هذه الأصناف.

نعم؛ و حتّى ترى بعضهم و إن خرج نادرا خارجيّا، و نال منهم ثروة و جاها و سلطانا، فإمّا أن يقتل، و إمّا يغتصب نفسه بميتة عاجلة، عند سروره بالثّروة، أو يبعث اللّه عليه المحق‏[4]فلا ينمو له شي‏ء، و إما ألاّ يجعل من نسلهم عقبا مذكورا، و لا ذكرا نبيها و ذرّيّة طيبة، مثل الحجّاج بن يوسف، و أبي مسلم، و يزيد بن أبي مسلم و مثل أبي الوعد، و مثل رجال ذكروهم لا نحبّ أن نسميهم.

قال: فإنّ هؤلاء، مع كثرة الطّروقة[5]و ظهور القدرة، و مع كثرة الإنسال، قد قبح اللّه أمرهم، و أخمل أولادهم. فهم بين من لم يعقب، أو بين من هو في معنى من لم يعقب.

[1]ممزوجة: أي ممزوج فيها الخير بالشر.

[2]البيازرة: جمع بيزار، و هو القائم بأمر البازي.

[3]المحارف: المحروم.

[4]المحق: النقصان.

[5]الطروقة: الزوجة، و المرأة.

473

فقلت للنّصارى بديّا: كيف كان النّاس أيّام الحكم بما في التّوراة أيّام موسى و داود، و هما صاحبا حروب و قتل، و سباء و ذبائح؟!نعم حتى كان القربان كله أو عامّته حيوانا مذبوحا، لذلك سمّيتم بيت المذبح.

و لسنا نسألكم عن سيرة النّصارى اليوم، و لكنّا نسألكم عن دين موسى و حكم التّوراة، و حكم صاحب الزّبور. و ما زالوا عندكم إلى أن أنكروا ربوبيّة المسيح، على أكثر من حالنا اليوم في الذبائح. و أنتم في كثير من حالاتكم تغلون علينا السّمك، حتى نتوخّى أيّاما بأعيانها، فلا نشتري السّمك إلا فيها؛ طلبا للإمكان و الاسترخاص، و هي يوم الخميس، و يوم السّبت، و يوم الثّلاثاء؛ لأنّ شراءكم في ذلك اليوم يقلّ. على أنّكم تكثرون من الذّبائح في أيّام الفصح، و هل تدعون أكل الحيوان إلاّ أيّاما معدودة، و ساعات معلومة؟!.

فإذا كانت الحرفة و المحن إنّما لزما القصّابين و الجزّارين و الشّوّائين، و أصناف الصّيّادين، من جهة العقوبة-فأنتم شركاء صيّادي السّمك خاصّة؛ لأنّكم آكل الخلق له، و أنتم أيضا شركاء القصّابين في عامّة الدّهر. فلا أنتم تدينون للإسلام فتعرفوا ما عليكم و لكم، و فصل ما بين الرّحمة و القسوة، و ما الرّحمة، و في أيّ موضع يكون ذلك القتل رحمة؟فقد أجمعوا على أنّ قتل البعض إحياء للجميع، و أنّ إصلاح النّاس. في إقامة جزاء الحسنة و السيئة. وَ لَكُمْ فِي اَلْقِصََاصِ حَيََاةٌ [1].

و القود حياة. و هذا شي‏ء تعمل به الأمم كلها، غير الزّنادقة. و الزّنادقة لم تكن قطّ أمّة، و لا كان لها ملك و مملكة، و لم تزل بين مقتول و هارب و منافق. فلا أنتم زنادقة. و لا ينكر لمن كان ذلك مذهبه أن يقول هذا القول.

فأنتم لا دهريّة، و لا زنادقة، و لا مسلمون؛ و لا أنتم راضون بحكم اللّه أيّام التّوراة.

فإن كان هذا الحكم قد أمر اللّه به-و هو عدل-فليس بين الزّمانين فرق.

و بعد فإنّا نجدكم تأكلون السّمك أكلا ذريعا، و تتقذرون من اللّحمان!أ فلأنّ السّمك لا يألم القتل، أم لأنّ السّمك لمّا قتلتموه بلا سكّين لم يحسّ قتله؟! فالجميع حيوان، و كلّ مقتول يألم، و كلّ يحسّ. فكيف صار أكل اللّحم قسوة، و أكل السّمك ليس بقسوة؟!. و كيف صار ذبح البهائم قسوة و لا تكون تفرقة ما بين [1]179/البقرة: 2

474

السّمك و الماء حتّى تموت قسوة!و كيف صار ذبح الشّاة قسوة و صيد السمك بالسّنانير المذرّبة المعقّفة[1]ليس لها شعائر تخالف العقاف المنصوص في جهاتها.

و كيف و هي و إن لم تنشب في أجوافها، و تقبض على مجامع أرواحها، لم تقدر على أخذها؟!.

و كيف صار وج‏ء اللّبّة[2]من الجزور أقسى من ضرب النبائل؟!أم كيف صار طعن العير بالرّمح، و نصب الحبائل للظّباء، و إرسال الكلاب عليها أشدّ من وقع النّبائل في ظهر السّمك؟! و لأنّكم تكثرون قولكم: لا نأكل شيئا فيه دم أيّام صومنا، فللسّمك دم، و لا بدّ لجميع الحيوان من دم أو شي‏ء يشاكل الدّم، فما وجه اعتلالكم بالدّم؟!أ لأنّ كلّ شي‏ء فيه دم فهو أشدّ ألما؟فكيف نعلم ذلك؟و ما الدّليل عليه؟ فإن زعمتم أنّ ذلك داخل في باب التعبّد و المصلحة، لا في باب القياس و الرّحمة و القسوة، فهذا باب آخر. إلاّ أن تدّعوا أنّ ذوات الدّماء أقوى للأبدان، و آشر[3]للنّفوس، فأردتم بذلك قلّة الأشر و ضعف البدن. فإن كان ذلك كذلك فقد ينبغي أن يكون هذا المعنى مستبينا في آكلي السّمك من البحريين.

و أمّا ما ذكرتم من ملازمة الحرفة لهؤلاء الأصناف، فإنّ كلّ من نزلت صناعته، و دقّ خطر تجارته، كذلك سبيله.

و أحلّ الكسب كلّه و أطيبه عند جميع النّاس سقي الماء، إمّا على الظّهر، و إمّا على دابّة. و لم أر سقّاء قطّ بلغ حال اليسار و الثّروة و كذلك ضرّاب اللّبن، و الطّيّان، و الحرّاث. و كذلك ما صغر من التّجارات و الصّناعات.

أ لا ترون أنّ الأموال كثيرا ما تكون عند الكتّاب، و عند أصحاب الجوهر، و عند أصحاب الوشي و الأنماط[4]، و عند الصّيارفة و الحنّاطين‏[5]، و عند البحريّين [1]المذربة: المحددة: المعقفة: الملوية.

[2]الوج‏ء: الطعن. اللبة: موضع النحر.

[3]الأشر: المرح و النشاط.

[4]الأنماط: ضرب من البسط.

[5]الحناطين: بائعو الحنطة، أي البر.

475

و البصريين. و الجلاّب‏[1]أبدا، و البيازرة[2]أيسر ممّن يبتاع منهم.

و جمل الأموال حقّ بأن تربح الجمل من تفاريق الأموال. و كذلك سبيل القصّاب و الجزّار، و الشّوّاء، و البازيار[2]، و الفهّاد.

و أمّا ما ذكرتم من انقطاع نسل القساة، و خمول أولادهم، كانقطاع نسل فرعون، و هامان، و نمرود، و بخت نصّر، و أشباههم، فإنّ اللّه يقول: وَ لاََ تَزِرُ وََازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏ََ* [3].

و إن شئتم أن تعدّوا من المذكورين بالصّلاح أكثر من هؤلاء ممّن كان عقيما أو كان ميناثا[4]، أو يكون ممّن نبت لهم أولاد سوء عقّوهم في حياتهم، و عرّضوهم للسّبّ بعد موتهم-لوجدتموهم.

و على أني لم أنصب نفسي حربا للحجّاج بن يوسف، و يزيد بن أبي مسلم، أتحرى بهما، و هما عندي من أهل النّار. و لكنّي عرفت مغزاكم.

و على أنّكم ليس القصّابين أردتم، و لكنّكم أردتم دين المسلمين.

و قد خرج الحجّاج من الدّنيا سليما في بدنه، و ظاهر نعمته، و عليّ مرتبته من الملك، و مكانه من جواز الأمر و النّهي.

فإن كان اللّه عندكم سلّمه و عاقب أولاده، و كان ذلك دينكم فإنّ هذا قول إن خاطبتم به الجبريّة[5]فعسى أن تتعلّقوا منهم بسبب فأمّا من صحّح القول بالعدل فإنّ هذا القول عنده من الخطإ الفاحش الذي لا شبهة فيه.

1230-[شعر في فقر القانص‏]

و كان ممّا أنشدوا من الدّليل على أنّ القانص لا يزال فقيرا-قول ذي الرّمة[6]:

[من البسيط] [1]الجلاّب: الذين يجلبون العبيد للتجارة.

[2]البيازرة: جمع بيزار، و هو القائم بأمر البازي، و بيزار: معرب بازيار.

[3]164/الأنعام: 6، 15/الإسراء: 17، 18/فاطر: 35، 7/الزمر: 39.

[4]المئناث: الذي لا يولد له إلا الإناث.

[5]الجبرية: فرقة يقوم مذهبها على نفي الفعل حقيقة عن العبد، و إسناده إلى اللّه تعالى.

[6]ديوان ذي الرمة 95-101. و شرح المفردات التالية منه.

476

حتّى إذا ما لها في الجدر و اتّخذت # شمس النّهار شعاعا بينها طبب‏[1]

و لاح أزهر مشهور بنقبته # كأنّه حين يعلو عاقرا لهب‏[2]

هاجت به جوّع طلس مخصّرة # شوازب لاحها التّغريث و الجنب‏[3]

جرد مهرّتة الأشداق ضارية # مثل السّراحين في أعناقها العذب‏[4]

و مطعم الصّيد هبّال لبغيته # ألفى أباه بذاك الكسب يكتسب‏[5]

مقزّع أطلس الأطمار ليس له # إلاّ الضّراء و إلاّ صيدها نشب‏[6]

فانصاع جانبه الوحشيّ و انكدرت # يلحبن لا يأتلي المطلوب و الطّلب‏[7]

قال: فجعله كما ترى مقزّعا أطلس الأطمار، و خبّر أنّ كلابه نشبه، و أنّه ألفى أباه كذلك.

[1] «حتى إذا ما لها» الثور: من اللهو. «في الجدر» : و هو نبت، أي: يلهو في هذا النبت و يرعى فيه، و قوله: «و اتخذت شمس النهار شعاعا» ، أي: حين طلعت. «بينه طبب» ، يريد بين الشعاع، «طبب» أي طرائق الشمس.

[2] «لاح» : ظهر. «أزهر» ، يعني الثور في بياضه. «نقبته» يعني لونه. «لهب» شعلة نار. و شبهه بالنار في بياضه و إضاءته حين يعلو عاقرا. و «العاقر» من الرمل: المشرف الذي لا ينبت أعلاه. و «لاح أزهر مشهورا» يعني: الفجر.

[3] «شوازب» : يبّس. «لاحها» : أضمرها الجوع. و «الجنب» : يقاد للصيد، و «الجنب» : الذي لصقت رئته بجنبه. و «الغرثان» : الجائع.

[4]جرد: جمع أجرد، و هو القليل الشعر، و رواية ديوانه «غضف» ، و تعني الكلاب التي تنقلب آذانها على مؤخرها. و «مهرتة الأشداق» ، يريد: واسعة الأشداق. و أصل «الهرت» : الشق. و «ضارية» :

قد ضريت. يريد: الكلاب. «مثل السراحين» ، يريد: مثل الذئاب. «العذب، يريد: القلائد التي في أعناقها من السيور» .

[5] «و مطعم الصيد» . يريد: الصائد، يرزق الصيد. و «هبّال» : محتال. «لبغيته» لطلبه.

[6] «مقزع» ، يريد: الصائد، مخفّف الشعر، في رأسه بقايا شعر، و «أطلس الأطمار» «أطماره» :

أخلاقه، و «أطلس» ، يقول: أطماره فيها غبسة، أي: هي وسخة ليست بواضحة تضرب إلى السواد. و قوله: «ليس له نشب» ، أي: متاع. «إلا الضراء» ، يريد: الكلاب و صيدها. و واحد الضراء: ضرو، و ضروة.

[7] «فانصاع» الثور: مضى على أحد شقّيه. و «جانبه الوحشي» . جانبه الأيمن. و «انكدرت الكلاب» : انتقضت «يلحبن» : يمررن مستقيمات. و قوله: «لا يأتلي المطلوب و الطلب» ، أي: لا يألو «المطلوب» : و هو الثور. و «الطلب» : و هو الكلاب، الوحد: طالب.

477

و أنشدوا في ذلك قول الآخر: [من الطويل‏]

و أعصم أنسته المنيّة نفسه # رعى النبع و الظّيّان في شاهق وعر[1]

موارده قلت تصفّقه الصّبا # بنيق مزلّ، غير كدر و لا نزر[2]

قرته السّحاب ماءها، و تهدّلت # عليه غصون دانيات من السّمر[3]

أتيح له طلح إزاه بكفّه: # هتوف و أشباه تخيّرن من حجر[4]

أبو صبية لا يستدرّ إذا شتا # لقوحا، و لا عنزا، و ليس بذي وفر[5]

له زوجة شمطاء يدرج حولها # فطيم تناجيه، و آخر في الحجر[6]

مشوّهة لم تعب طيبا و لم تبت # تقتّر هنديّا بليل على جمر[7]

محدّدة العرقوب ثلّم نابها # تعرّقها الأوذار من فقر الحمر[8]

مسفّعة الخدّين، سوّد درعها # تقدّرها باللّيل، و الأخذ بالقدر[9]

كغول الفلاة لم تخضّب بنانها # و لم تدر ما زيّ الخرائد بالمصر[10]

فأرسل سهما أرهف القين حدّه # فأنفذ حضنيه فخرّ على النّحر[11]

[1]الأعصم: الوعل بإحدى يديه بياض. النبع و الظيان: من شجر الجبال.

[2]قلت: النقرة في الجبل، يستنقع فيها الماء إذا انصب السيل. تصفقه: تضربه. الصبا: الريح الشرقية. النيق: أعلى موضع في الجبل. مزل: تزلق عليه الأقدام و لا تثبت. الكدر: نقيض الصّفو. نزر: قليل.

[3]تهدلت: تدلت. السمر: بضم الميم «و سكّنت للشعر» : جمع سمرة، و هي شجر الطلح، و السمر أيضا: ضرب من العضاه.

[4]الطّلح: المتعب و المعيى. إزاه: هي بكسر الهمزة و المد: أي سبب عيشه. الهتوف: القوس المصوتة. أشباه: يريد أنها سهام متشابهة. حجر: موضع باليمامة تنسب إليه السهام و النصال.

[5]اللقوح: الناقة الحلوب. الوفر: الغنى.

[6]الشمطاء: التي شعرها أسود يخالطه بياض، و هو يصور في هذا البيت كثرة عياله.

[7]عبّأ الطيب: صنعه و خلطه. التقتير: تهييج القتار، و هو ريح البخور. الهندي: أراد: العود الهندي الذي يتبخر به.

[8]العرقوب: عصب غليظ فوق عقب الرّجل. ثلّم نابها: كسر حرفه. التعرق: أكل العظم الذي على اللحم. الأوذار: قطع لحم صغيرة. الفقر: جمع فقرة، و هي الواحدة من عظام الصلب. الحمر: أراد بها ما يصطاده من حمر الوحش.

[9]مسفعة: مسودة. الدرع: القميص.

[10]الخرائد: جمع خريدة، و هي البكر لم تمسس، أو الخفرة الطويلة السكوت، الخافضة الصوت، المتسترة.

[11]القين: الحداد. أرهف السهم: رقّقه. أنفذ حصنيه: خرق جنبيه. النحر: أعلى الصدر، أو موضع القلادة.

478

1231-[مساءلة أبي إسحاق للمنانية]

كان أبو إسحاق يسأل المنانيّة[1]، عن مسألة قريبة المأخذ قاطعة، و كان يزعم أنّها ليست له.

و ذلك أنّ المنانيّة تزعم أنّ العالم بما فيه، من عشرة أجناس: خمسة منها خير و نور، و خمسة منها شرّ و ظلمة. و كلّها حاسّة و حارّة.

و أنّ الإنسان مركّب من جميعها على قدر ما يكون في كلّ إنسان من رجحان أجناس الخير على أجناس الشّرّ، و رجحان أجناس الشّرّ على أجناس الخير.

و أنّ الإنسان و إن كان ذا حواسّ خمسة، فإنّ في كلّ حاسّة متونا من ضدّه من الأجناس الخمسة. فمتى نظر الإنسان نظرة رحمة فتلك النّظرة من النّور، و من الخير.

و متى نظر نظرة وعيد، فتلك النّظرة من الظلمة. و كذلك جميع الحواسّ.

و أنّ حاسّة السّمع جنس على حدة، و أنّ الذي في حاسّة البصر من الخير و النّور، لا يعين الذي في حاسّة السّمع من الخير و لكنه لا يضادّه، و لا يفاسده، و لا يمنعه. فهو لا يعينه لمكان الخلاف و الجنس، و لا يعين عليه؛ لأنّه ليس ضدّا.

و أنّ أجناس الشّرّ خلاف لأجناس الشّرّ، ضدّ لأجناس الخير. و أجناس الخير يخالف بعضها بعضا و لا يضادّ. و أنّ التّعاون و التآدي‏[2]لا يقع بين مختلفها، و لا بين متضادّها، و إنما يقع بين متفقها.

قال: فيقال للمنانيّ: ما تقول في رجل قال لرجل: يا فلان، هل رأيت فلانا؟ فقال المسئول: نعم قد رأيته. أ ليس السّامع قد أدّى إلى النّاظر، و النّاظر قد أدّى إلى الذّائق؟!و إلاّ فلم قال اللّسان: نعم!إلاّ و قد سمع الصّوت صاحب اللّسان؟! و هذه المسألة قصيرة كما ترى، و لا حيلة له بأن يدفع قوله.

1232-[مساءلة المأمون لزنديق‏]

و مسألة أخرى، سأل عنها أمير المؤمنين الزّنديق الذي كان يكنى بأبي عليّ، [1]المنانية: أتباع ماني. انظر الفهرست 456-472.

[2]التآدي: التعاون.

479

و ذلك عند ما رأى من تطويل محمّد بن الجهم و عجز العتبي و سوء فهم القاسم بن سيّار، فقال له المأمون: أسألك عن حرفين فقط. خبّرني: هل ندم مسي‏ء قطّ على إساءته، أو نكون نحن لم نندم على شي‏ء كان منّا قط؟!قال: بل ندم كثير من المسيئين على إساءتهم. قال: فخبّرني عن النّدم على الإساءة، إساءة أو إحسان؟قال:

إحسان. قال: فالذي ندم هو الذي أساء أو غيره؟قال: الذي ندم هو الذي أساء. قال:

فأري صاحب الخير هو صاحب الشّرّ، و قد بطل قولكم: إنّ الذي ينظر نظر الوعيد غير الذي ينظر نظر الرحمة. قال: فإني أزعم أنّ الذي أساء غير الذي ندم. قال: فندم على شي‏ء كان منه أو على شي‏ء كان من غيره؟فقطعه بمسألته‏[1]، و لم يتب و لم يرجع، حتى مات، و أصلاه اللّه نار جهنّم.

1233-[شعر في هجو الزنادقة]

و قد ذكر حمّاد عجرد ناسا في هجائه لبشار[2]، فقال: [من الكامل‏]

لو كنت زنديقا، عمار، حبوتني # أو كنت أعبد غير ربّ محمّد

أو كنت عندك أو تراك عرفتني # كالنّضر أو ألفيت كابن المقعد

أو كابن حمّاد ربيئة دينكم # جبل و ما جبل الغويّ بمرشد[3]

لكنّني وحّدت ربّي مخلصا # فجفوتني بغضا لكلّ موحّد

و حبوت من زعم السّماء تكوّنت، # و الأرض خالقها لها لم يمهد

و النّسم مثل الزّرع آن حصاده # منه الحصيد و منه ما لم يحصد[4]

و حمّاد هذا أشهر بالزّندقة من عمارة بن حربية، الذي هجاه بهذه الأبيات.

و أمّا قوله:

و حبوت من زعم السّماء تكوّنت‏

فليس يقول أحد: إنّ الفلك بما فيه من التّدبير، تكوّن بنفسه و من نفسه! [1]قطعه بمسألته: غلبه بالحجة.

[2]كذا؟و نص الشعر يوضح أن المهجو اسمه عمارة، و ليس بشارا.

[3]الربيئة: الطليعة و عين القوم.

[4]النّسم: جمع نسمة، و تعني الإنسان. و قد سكنت السين للضرورة.

480

فجهل حمّاد بهذا المقدار من مقالة القوم، كأنّه عندي ممّا يعرفه من براءته الساحة.

فإن كان قد أجابهم فإنما هو من مقلّديهم.

و هجا حمّاد بن الزّبرقان، حمادا الراوية فقال‏[1]: [من الكامل‏]

نعم الفتى لو كان يعرف ربّه # و يقيم وقت صلاته حمّاد

هدلت مشافره الدّنان فأنفه # مثل القدوم يسنّها الحدّاد[2]

و ابيضّ من شرب المدامة وجهه # فبياضه يوم الحساب سواد

فقد كان كما ترى:

هدلت مشافره الدنان فأنفه # مثل القدوم.....

(البيت) فقد رأيت جماعة ممّن يعاقرون الشّراب، قد عظمت آنفهم. و صارت لهم خراطيم، منهم روح الصّائغ، و عبد الواحد صاحب اللؤلؤيّ و جماعة من ندمان‏[3] حمّاد بن الصّباح، و عبد اللّه أخو نهر ابن عسكر و ناس كثير.

و يدلّ على ذلك من المنافرة قول جرير[4]للأخطل: [من الكامل‏]

و شربت بعد أبي ظهير و ابنه # سكر الدّنان كأنّ أنفك دمّل‏

و كان منهم يونس بن فروة. و في يونس يقول حمّاد عجرد[5]: [من الكامل‏]

أما ابن فروة يونس فكأنّه # من كبره أير الحمار القائم

ما النّاس عندك غير نفسك وحدها # و الخلق عندك ما خلاك بهائم

إنّ الذي أصبحت مفتونا به # سيزول عنك و أنف جارك راغم

فتعضّ من ندم يديك على الذى # فرّطت فيه، كما يعض النّادم

فلقد رضيت بعصبة آخيتهم # و إخاؤهم لك بالمعرّة لازم

فعلمت حين جعلتهم لك دخلة # أني لعرضك في إخائك ظالم‏[6]

[1]الأبيات في البرصان 300، و الأغاني 6/86، و طبقات ابن المعتز 69، و بهجة المجالس 1/526، و العقد الفريد 4/321، و الشعر و الشعراء 181، و ديوان المعاني 1/314، و المخصص 17/6، و أمالي المرتضى 1/91، و الخزانة 4/132 (بولاق) .

[2]الدنان: جمع دنّ، و هو من الأوعية التي يحفظ فيها الخمر. القدوم، قدوم النّجّار.

[3]ندمان: النديم على الشراب، و تستخدم «ندمان» في الإفراد و الجمع.

[4]ديوان جرير 477، و البرصان 301.

[5]الأبيات في جمع الجواهر 209، و البيتان الأول و الثاني في العمدة 2/239، و هما بلا نسبة في عيون الأخبار 1/272.

[6]دخلة الرجل: بطانته.

481

1234-[ذكر بعض الزنادقة]

[1] و كان حمّاد عجرد، و حمّاد الرّاوية، و حمّاد بن الزّبرقان، و يونس بن هارون، و علي بن الخليل، و يزيد بن الفيض، و عبادة و جميل بن محفوظ، و قاسم، و مطيع، و والبة بن الحباب، و أبان بن عبد الحميد، و عمارة بن حربية، يتواصلون، و كأنهم نفس واحدة و كان بشّار ينكر عليهم.

و يونس الذي زعم حماد عجرد أنّه قد غرّ نفسه بهؤلاء، كان أشهر بهذا الرّأي منهم، و قد كان كتب كتابا لملك الرّوم في مثالب العرب، و عيوب الإسلام، بزعمه.

1235-[هجاء أبي نواس لأبان اللاحقي و الزنادقة]

و ذكر أبو نواس أبان بن عبد الحميد اللاّحقي، و بعض هؤلاء، ذكر إنسان يرى لهم قدرا و خطرا، في هجائيّة لأبان، و هو قوله‏[3]: [من المجتث‏]

جالست يوما أبانا # لا درّ درّ أبان

و نحن حضر رواق الـ # أمير بالنهروان

حتّى إذا ما صلاة الـ # أولى أتت لأذان

فقام ثمّ بها ذو # فصاحة و بيان

فكلّ ما قال قلنا # إلى انقضاء الأذان

فقال: كيف شهدتم # بذا، بغير عيان؟!

لا أشهد الدّهر حتّى # تعاين العينان!

فقلت: سبحان ربّي! # فقال: سبحان ماني‏[3]!

فقلت: عيسى رسول # فقال: من شيطان!

فقلت: موسى كليم الـ # مهيمن المنّان

فقال: ربّك ذو مقـ # لة إذا و لسان!

[1]هذه الفقرة بتمامها نقلها الصولي في أخبار الشعراء المحدثين، ص 10، و لم يصرح بالنقل، و هي أيضا في الأغاني 18/101.

[2]الأبيات لأبي نواس في ديوانه 543، و الأغاني 23/156، و أخبار الشعراء المحدثين 11.

[3]ماني: رجل فارسي له مذهب يقول بالنور و الظلمة، و هما العنصران المسيطران على الوجود.

و النور مبعث الخير، كما أن الظلمة مبعث الشر.

482

فنفسه خلقته # أم من؟!فقمت مكاني

عن كافر يتمرّى # بالكفر بالرّحمن‏[1]

يريد أن يتسوّى # بالعصبة المجّان

بعجرد و عباد # و الوالبيّ الهجان

و قاسم و مطيع # ريحانة النّدمان‏

و تعجّبي من أبي نواس، و قد كان جالس المتكلمين أشدّ من تعجّبي من حمّاد، حين يحكي عن قوم من هؤلاء قولا لا يقوله أحد. و هذه قرّة عين المهجوّ.

و الذي يقول: سبحان ماني يعظم أمر عيسى تعظيما شديدا فكيف يقول: إنّه من قبل شيطان؟! و أما قوله: «فنفسه خلقته أم من» فإنّ هذه مسألة نجدها ظاهرة على ألسن العوامّ. و المتكلمون لا يحكون هذا عن أحد.

و في قوله: «و الوالبيّ الهجان» دليل على أنّه من شكلهم.

و العجب أنّه‏[2]يقول في أبان: إنّه ممّن يتشبه بعجرد و مطيع، و والبة بن الحباب، و عليّ بن الخليل‏[3]، و أصبغ‏[4]-و أبان فوق مل‏ء الأرض من هؤلاء، و لقد كان أبان، و هو سكران، أصحّ عقلا من هؤلاء و هم صحاة. فأمّا اعتقاده فلا أدري ما أقول لك فيه: لأنّ النّاس لم يؤتوا في اعتقادهم الخطأ المكشوف، من جهة النظر.

و لكن للنّاس تأسّ و عادات، و تقليد للآباء و الكبراء، و يعملون على الهوى، و على ما يسبق إلى القلوب، و يستثقلون التّحصيل، و يهملون النّظر، حتى يصيروا في حال متى عاودوه و أرادوه، نظروا بأبصار كليلة، و أذهان مدخولة، و مع سوء عادة. و النّفس لا تجيب و هي مستكرهة. و كان يقال: «العقل إذا أكره عمي» . و متى عمي الطّباع و جسا و غلط و أهمل، حتّى يألف الجهل، لم يكد يفهم ما عليه و له. فلهذا و أشباهه قاموا على الإلف، و السّابق إلى القلب.

[1]يتمرى: يتزين.

[2]أي أبا نواس، و هذا التعليق نقله الصولي في أخبار الشعراء المحدثين 12.

[3]لم يرد اسمه في الأبيات التي رواها الجاحظ، و في ديوان أبي نواس:

«و ابن الخليع عليّ # ريحانة الندمان»

.

[4]لم يرد اسمه في سائر أبيات القصيدة.

483

1236-[شعر لحماد عجرد]

و قال حمّاد عجرد: [من مجزوء الرمل‏]

اعلموا أنّ لودّي # ثمنا عندي ثمينا

ليت شعري أيّ حكم # قد أراكم تحكمونا

أن تكونوا غير معطيـ # ن و أنتم تأخذونا

ابن لقمان بن عاد # في است هذا الدّين دينا[1]

و ما رأيت أحدا وضع لقمان بن عاد في هذا الموضع، غيره! و قال حمّاد عجرد في بشار: [من مجزوء الكامل‏]

يا ابن الخبيثة إنّ أمّ # ك لم تكن ذات اكتتام

و تبدّلت ثوبان ذا الأ # ير المضبّر و العرام‏[2]

ثوبان دقّاق الأزز # بأرواث حسام

عرد كقائمة السّر # ير يبيلها عند الرّطام‏[4]

و أتت سميعة بعدها # بالمصمئلاّت العظام‏[4]

أخت لهم كانت تكابر # أن تسافح من قيام‏

و قال حمّاد يذكر بشارا: [من السريع‏]

غزالة الرجسة أو بنتها # سميعة الناعية الفهرا

و قال و ذكر أمّه: [من الكامل‏]

أ بني غزالة يا بني جشم استها # ليحقكم أن تفرحوا لا تجزعوا[5]

[1]ابن: فعل أمر من بنى يبني. و لقمان: منادى، حذفت أداة ندبه.

[2]المضبّر: المكتنز لحما و الشديد. عرام الجيش: حدتهم و شدتهم و كثرتهم. و الشاعر استعار هذه الصفة.

[3]العرد: الصلب الشديد. يبليها: يجعلها تبول. الرطام: أن يخالطها مستوعبا.

[4]المصمئلات: الدواهي.

[5]الجشم: الجوف.

484

و ما كان ينبغي لبشّار أن يناظر حمادا من جهة الشعر و ما يتعلّق بالشّعر، لأنّ حمّادا في الحضيض، و بشّارا مع العيّوق. و ليس في الأرض مولّد قرويّ يعدّ شعره في المحدث إلاّ و بشّار أشعر منه.

1237-[شعر في هجو بعض الزنادقة]

و قال أبو الشمقمق‏[1]في جميل بن محفوظ: [من المتقارب‏]

و هذا جميل على بغله # و قد كان يعدو على رجله

يروح و يغدو كأير الحمار # و يرجع صفرا إلى أهله‏[2]

و قد زعموا أنّه كافر # و أنّ التّزندق من شكله

كأني به قد دعاه الإمام # و آذن ربّك في قتله‏

1238-[عيوب المعنى في شعر أبي نواس‏]

و أمّا أبو نواس فقد كان يتعرّض للقتل بجهده. و قد كانوا يعجبون من قوله‏[3]:

[من المديد]

كيف لا يدنيك من أمل # من رسول اللّه من نفره‏

فلما قال‏[4]: [من المنسرح‏]

فاحبب قريشا لحبّ أحمدها # و اشكر لها الجزل من مواهبها

جاء بشي‏ء غطّى على الأوّل.

و أنكروا عليه قوله: [من الرجز]

لو أكثر التّسبيح ما نجّاه‏

[1]ديوان أبي الشمقمق 148.

[2]صفرا: خالي اليدين.

[3]ديوان أبي نواس 430، و الكامل للمبرد 1/243 (المعارف) ، و الموشح 279، و علق المبرد على البيت بقوله: «و هو لعمري كلام مستهجن موضوع في غير موضعه، لأن حق رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أن يضاف إليه و لا يضاف إلى غيره... » .

[4]ديوان أبي نواس 508.

485

فلما قال‏[1]: [من البسيط]

يا أحمد المرتجى في كلّ نائبة # قم سيّدي نعص جبّار السّماوات‏[2]

غطّى هذا على الأوّل. و هذا البيت مع كفره مقيت جدا. و كان يكثر في هذا الباب.

و أما سوى هذا الفنّ فلم يعرفوا له الخطإ إلا قوله‏[3]: [من السريع‏]

أ مستخبر الدّار هل تنطق # أنا مكان الدار لا أنطق

كأنها إذ خرست جارم # بين ذوي تفنيده مطرق‏[4]

فعابوه بذلك، و قالوا: لا يقول أحد: لقد سكت هذا الحجر، كأنّه إنسان ساكت، و إنما يوصف خرس الإنسان بخرس الدّار، و يشبّه صممه بصمم الصّخر.

و عابوه بقوله، حين وصف عين الأسد بالجحوظ، فقال‏[5]: [من السريع‏]

كأنّ عينه إذا التهبت # بارزة الجفن عين مخنوق‏

و هم يصفون عين الأسد بالغئور. قال الرّاجز[6]: [من الرجز]

كأنما ينظر من جوف حجر

و قال أبو زبيد[7]: [من البسيط]

كأنّ عينيه في وقبين من حجر # قيضا اقتياضا بأطراف المناقير[8]

و مع هذا فإنّا لا نعرف بعد بشّار أشعر منه.

[1]ديوان أبي نواس 174.

[2]أحمد: هو أحمد بن أبي صالح، و قد كان أبو نواس يتعشقه.

[3]لم يرد البيتان في ديوان أبي نواس، و ورد البيت الثاني في الصناعتين 86.

[4]الجارم: الجاني. التفنيد: التكذيب، و المراد هنا: اللوم و العذل.

[5]ديوان أبي نواس 452، و الصناعتين 134.

[6]الرجز لحميد الأرقط في أراجيز العرب 22، و بلا نسبة في الصناعتين 134.

[7]ديوان أبي زبيد 623، و الصناعتين 134.

[8]الوقب في الحجر: نقرة يجتمع فيها الماء. قيضا: حفرا. اقتياضا: استئصالا. المناقير: جمع منقار، و هو حديدة كالفأس ينقر بها. ـ

486

و قال أبو زبيد[1]: [من الطويل‏]

و عينان كالوقبين في مل‏ء صخرة # ترى فيهما كالجمرتين تسعّر

1239-[قصة راهبين من الزّنادقة]

و حدّثني أبو شعيب القلاّل، و هو صفريّ‏[2]، قال: رهبان الزّنادقة سيّاحون؛ كأنهم جعلوا السّياحة بدل تعلق النّسطوري‏[3]في المطامير[4].

و مقام الملكانيّ‏[5]في الصّوامع، و مقام النّسطوريّ في المطامير[4].

قال: و لا يسيحون إلا أزواجا. و متى رأيت منهم واحدا فالتفتّ رأيت صاحبه، و السّياحة عندهم ألاّ يبيت أحدهم في منزل ليلتين. قال: و يسيحون على أربع خصال: على القدس، و الطّهر، و الصّدق، و المسكنة. فأمّا المسكنة، فأن يأكل من المسألة، و ممّا طابت به أنفس النّاس له حتّى لا يأكل إلاّ من كسب غيره الذي عليه غرمه و مأثمه، و أمّا الطهر فترك الجماع، و أمّا الصّدق فعلى ألاّ يكذب. و أما القدس فعلى أن يكتم ذنبه، و إن سئل عنه.

قال: فدخل الأهواز منهم رجلان، فمضى أحدهما نحو المقابر للغائط، و جلس الآخر بقرب حانوت صائغ، و خرجت امرأة من بعض تلك القصور و معها حقّ‏[6]فيه أحجار نفيسة، فلما صعدت من الطّريق إلى دكان الصّائغ زلقت فسقط الحقّ من يدها، و ظليم لبعض أهل تلك الدّور يتردّد فلما سقط الحقّ و باينه الطّبق‏[7]، تبدّد ما [1]ديوان أبي زبيد 608، و الصناعتين 134.

[2]جاء في اللسان «صفر» : «الصفرية: جنس من الخوارج، و قيل قوم من الحرورية سموا صفرية لأنهم نسبوا إلى صفرة ألوانهم، و قيل: إلى عبد اللّه بن صفّار؛ فهو على هذا القول الأخير من النسب النادر، و في الصحاح: صنف من الخوارج نسبوا إلى زياد بن الأصفر رئيسهم، و زعم قوم أن الذي نسبوا إليه هو عبد اللّه بن الصفار... ) .

[3]في اللسان «نسطر» : (النسطورية: أمة من النصارى يخالفون بقيتهم) .

[4]المطامير: حفر تحفر في الأرض توسّع أسافلها تخبأ فيها الحبوب.

[5]الملكاني، و يقال: الملكائي: واحد جماعة الملكانية أو الملكائية، و هم منسوبون إلى «ملكا» و يعني بالسريانية «الملك» ، و المقصود بهم: أتباع مذهب قياصرة الروم. انظر مفاتيح العلوم 23، و الملل و النحل 2/62.

[6]الحقّ: وعاء من خشب أو العاج.

[7]الطبق: غطاء كل شي‏ء.

487

فيه من الأحجار، فالتقم ذلك الظّليم أعظم حجر فيه و أنفسه، و ذلك بعين السّائح؛ و وثب الصّائغ و غلمانه فجمعوا تلك الأحجار، و نحّوا النّاس و صاحوا بهم فلم يدن منهم أحد، و فقدوا ذلك الحجر، فصرخت المرأة، فكشف القوم و تناحوا[1]، فلم يصيبوا الحجر، فقال بعضهم: و اللّه ما كان بقربنا إلاّ هذا الرّاهب الجالس، و ما ينبغي أن يكون إلاّ معه!فسألوه عن الحجر؛ فكره أن يخبرهم أنه في جوف الظليم فيذبح الظليم، فيكون قد شارك في دم بعض الحيوان، فقال ما أخذت شيئا!و بحثوه و فتّشوا كلّ شي‏ء معه و ألحّوا عليه بالضّرب، و أقبل صاحبه و قال: اتّقوا اللّه!فأخذوه و قالوا:

دفعته إلى هذا حتّى غيّبه!فقال: ما دفعت إليه شيئا!فضربوهما ليموتا. فبينما هما كذلك إذ مرّ رجل يعقل، ففهم عنهم القصّة، و رأى ظليما يتردّد فقال لهم: أ كان هذا الظليم يتردّد في الطريق حين سقط الحجر؟قالوا: نعم. قال: فهو صاحبكم.

فعوّضوا أصحاب الظليم، و ذبحوه و شقّوا عن قانصته، فوجدوا الحجر و قد نقص في ذلك المقدار من الزّمان شبيها بشطره، إلاّ أنها أعطته لونا صار الذي استفادوه من جهة اللّون أربح لهم من وزن ذلك الشّطر أن لو كان لم يذهب.

و نار القانصة غير نار الحجر.

[1]تناحوا: تباعدوا.

488

باب في النّيران و أقسامها

<القول في النّيران و أقسامها>[1] و نحن ذاكرون جملا من القول في النّيران و أجناسها، و مواضعها، و أيّ شي‏ء منها يضاف إلى العجم، و أيّ شي‏ء منها يضاف إلى العرب، و نخبر عن نيران الدّيانات، و غير الدّيانات، و عمّن عظّمها و عمّن استهان بها، و عمّن أفرط في تعظيمها حتّى عبدها. و نخبر عن المواضع التي عظّم فيها من شأن النّار.

1240-[نار القربان‏]

[2] فمن مواضعها التي عظّمت بها أنّ اللّه عزّ و جلّ جعلها لبني إسرائيل في موضع امتحان إخلاصهم، و تعرّف صدق نياتهم، فكانوا يتقرّبون بالقربان. فمن كان منهم مخلصا نزلت نار من قبل السّماء حتّى تحيط به فتأكله، فإذا فعلت ذلك كان صاحب القربان مخلصا في تقرّبه. و متى لم يروها و بقي القربان على حاله، قضوا بأنّه كان مدخول القلب فاسد النّية. و لذلك قال اللّه تعالى في كتابه: اَلَّذِينَ قََالُوا إِنَّ اَللََّهَ عَهِدَ إِلَيْنََا أَلاََّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتََّى يَأْتِيَنََا بِقُرْبََانٍ تَأْكُلُهُ اَلنََّارُ قُلْ قَدْ جََاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنََاتِ وَ بِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صََادِقِينَ [3].

و الدّليل على أنّ ذلك قد كان معلوما، قول اللّه عزّ و جلّ: قَدْ جََاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنََاتِ وَ بِالَّذِي قُلْتُمْ ثمّ إنّ اللّه ستر على عباده، و جعل بيان ذلك في الآخرة. و كان ذلك التّدبير مصلحة ذلك الزّمان‏[4]، و وفق طبائهم و عللهم، و قد كان القوم من المعاندة و الغباوة على مقدار لم يكن لينجع فيهم و يكمل لمصلحتهم إلا ما كان في هذا الوزن، فهذا باب من عظم شأن النّار في صدور النّاس.

[1]انظر ثمار القلوب (819-841) ، الباب التاسع و الأربعين، في النيران.

[2]ثمار القلوب 455، (821) .

[3]183/آل عمران: 3.

[4]في ثمار القلوب: «و كان ذلك التدبير مصلحة في ذلك الأمر» .

489

1241-[نار موسى‏]

[1] و ممّا زاد في تعظيم شأن النّار في صدور النّاس قول اللّه عزّ و جلّ: وَ هَلْ أَتََاكَ حَدِيثُ مُوسى‏ََ. `إِذْ رَأى‏ََ نََاراً فَقََالَ لِأَهْلِهِ اُمْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نََاراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهََا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى اَلنََّارِ هُدىً. `فَلَمََّا أَتََاهََا نُودِيَ يََا مُوسى‏ََ، `إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوََادِ اَلْمُقَدَّسِ طُوىً [2]، و قال عزّ و جلّ: إِذْ قََالَ مُوسى‏ََ لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نََاراً سَآتِيكُمْ مِنْهََا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهََابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ. `فَلَمََّا جََاءَهََا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي اَلنََّارِ وَ مَنْ حَوْلَهََا وَ سُبْحََانَ اَللََّهِ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ [3].

و كان ذلك مما زاد في قدر النّار في صدور النّاس.

1242-[نار إبراهيم‏]

[4] و من ذلك نار إبراهيم صلى اللّه عليه و سلم، و قال اللّه عزّ و جلّ: قََالُوا سَمِعْنََا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقََالُ لَهُ إِبْرََاهِيمُ. `قََالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى‏ََ أَعْيُنِ اَلنََّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ [5] ثم قال: قََالُوا حَرِّقُوهُ وَ اُنْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فََاعِلِينَ [6]فلما قال اللّه عزّ و جلّ:

قُلْنََا يََا نََارُ كُونِي بَرْداً وَ سَلاََماً عَلى‏ََ إِبْرََاهِيمَ [7]كان ذلك ممّا زاد في نباهة النّار و قدرها في صدور النّاس.

[1]نار موسى: تضرب مثلا للشي‏ء الهين اليسير يطلب فيتوصل بسببه إلى الشي‏ء الخطير، و الغنيمة الباردة. انظر ثمار القلوب (116-820) ، حيث نقل الثعالبي عن الجاحظ.

[2]9-12/طه: 20.

[3]7-8/النمل: 27.

[4]نار إبراهيم: يضرب بها المثل في البرد و السلامة. انظر ثمار القلوب (103، 820) ، حيث نقل الثعالبي عن الجاحظ.

[5]60-61/الأنبياء: 21.

[6]68/الأنبياء: 21.

[7]69/الأنبياء: 21.

490

باب آخر

1243-[نار الشجر]

[1] و هو قوله عزّ و جلّ: اَلَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ اَلشَّجَرِ اَلْأَخْضَرِ نََاراً فَإِذََا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ [2].

و النّار من أكبر الماعون، و أعظم‏[المنافع‏][3]المرافق‏[في هذه الدنيا على عباده‏][3]. و لو لم يكن فيها إلاّ أنّ اللّه عزّ و جلّ قد جعلها الزاجرة عن المعاصي، لكان ذلك ممّا يزيد في قدرها، و في نباهة ذكرها.

و قال تعالى: أَ فَرَأَيْتُمُ اَلنََّارَ اَلَّتِي تُورُونَ `أَ أَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهََا أَمْ نَحْنُ اَلْمُنْشِؤُنَ [4]، ثم قال: نَحْنُ جَعَلْنََاهََا تَذْكِرَةً وَ مَتََاعاً لِلْمُقْوِينَ [5]. فقف عند قوله‏[6]: نَحْنُ جَعَلْنََاهََا تَذْكِرَةً وَ مَتََاعاً فإن كنت بهذا القول مؤمنا فتذكّر ما فيها من النعمة أولا ثم آخرا، ثم توهّم مقادير النعم و تصاريفها[7].

1244-[نار اللّه‏]

[8] و قد علمنا أنّ اللّه عذّب الأمم بالغرق، و الرّياح، و بالحاصب، و الرّجم، و بالصّواعق، و بالخسف، و المسخ، و بالجوع، و بالنقص من الثمرات، و لم يبعث عليهم نارا، كما بعث عليهم ماء و ريحا و حجارة. [و إنما][9]جعلها من عقاب الآخرة[و عذاب العقبى‏][9]، و نهى أن يحرق بها شي‏ء من الهوامّ‏[10]، و قال‏[رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم‏][9]: «لا تعذّبوا بعذاب اللّه» [11]. فقد عظّمها كما ترى.

[1]ثمار القلوب 823.

[2]80/يس: 36.

[3]الزيادة من ثمار القلوب.

[4]71-72/الواقعة: 56.

[5]73/الواقعة: 56.

[6]في ثمار القلوب: «فكم تحت قوله» .

[7]في ثمار القلوب: «من تبصرة، بما فيها من مقادير النعم و تصاريف النقم» .

[8]ثمار القلوب (80-819) ، و قد نقل الثعالبي هذه الفقرة عن الجاحظ.

[9]الزيادة من ثمار القلوب.

[10]في ثمار القلوب «من الحيوان» .

[11]أخرجه البخاري في الجهاد برقم 2854 (حدثنا سفيان، عن أيوب، عن عكرمة: أن عليّا رضي اللّه عنه حرّق قوما، فبلغ ابن عباس فقال: لو كنت أنا لم أحرّقهم، لأن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «لا تعذبوا بعذاب اللّه» . و لقتلتهم، كما قال النبي صلى اللّه عليه و سلم: «من بدّل دينه فاقتلوه» ، و أعاده البخاري في كتاب استتابة المرتدين و المعاندين برقم 6524، و انظر جامع الأصول 3/481، و الجامع الصغير 9830، و فيه: رواه أبو داود و الترمذي و الحاكم في المستدرك.

491

فتفهّم-رحمك الله-فقد أراد اللّه إفهامك.

و قال اللّه تعالى للثّقلين: يُرْسَلُ عَلَيْكُمََا شُوََاظٌ مِنْ نََارٍ وَ نُحََاسٌ فَلاََ تَنْتَصِرََانِ، فَبِأَيِّ آلاََءِ رَبِّكُمََا تُكَذِّبََانِ [1]، فجعل الشّواظ و النّحاس، و هما النّار و الدّخان، من الآية. و لذلك قال على نسق الكلام: فَبِأَيِّ آلاََءِ رَبِّكُمََا تُكَذِّبََانِ [1]و لم يعن أن التّعذيب بالنّار نعمة يوم القيامة، و لكنه أراد التّحذير بالخوف و الوعيد بها، غير إدخال النّاس فيها، و إحراقهم بها.

1245-[نار الشجر]

و قال المرّار بن منقذ[2]: [من الكامل‏]

و كأنّ أرحلنا بجوّ محصب # بلوى عنيزة من مقيل التّرمس

في حيث خالطت الخزامى عرفجا # يأتيك قابس أهلها لم يقبس‏

أراد خصب الوادي و رطوبته. و إذا كان كذلك لم تقدح عيدانه، فإن دخلها مستقبس لم يور نارا.

و قال كثيّر[3]: [من الطويل‏]

له حسب في الحيّ، وار زناده # عفار و مرخ حثّه الوري عاجل‏[4]

و العفار و المرخ، من بين جميع العيدان التي تقدح، أكثرها في ذلك و أسرعها.

قال: و من أمثالهم: «في كلّ الشّجر نار، و استمجد المرخ و العفار» [5].

1246-[نار الاستمطار]

[6] و نار أخرى، و هي النّار التي كانوا يستمطرون بها في الجاهليّة الأولى؛ فإنهم [1]35/الرحمن: 55.

[2]البيتان للمرار بن سعيد في ديوانه 461، و أشعار اللصوص 363، و للأسدي في البيان 3/34، و البيت الثاني للأسدي في المخصص 10/176، 11/32، و تقدم البيتان في 3/62، فقرة (613) مع نسبتهما للأسدي.

[3]ديوان كثير 277، و المخصص 11/27.

[4]وار: متقد.

[5]المستقصى 2/183، و فصل المقال 202، و جمهرة الأمثال 1/173، 2/92، و مجمع الأمثال 2/74، و ثمار القلوب (823) ، و قيل إن معناه: أنهما أخذا الفضل و ذهبا بالمجد.

[6]ثمار القلوب (829) ، و انظر الخزانة 7/147، و الأوائل 35، و نهاية الأرب 3/120، و محاضرات الراغب 1/152.

492

كانوا إذا تتابعت عليهم الأزمات و ركد عليهم البلاء، و اشتدّ الجدب، و احتاجوا إلى الاستمطار، استجمعوا و جمعوا ما قدروا عليه من البقر، ثمّ عقدوا في أذنابها و بين عراقيبها، السّلع و العشر[1]، ثمّ صعدوا بها في جبل وعر ، و أشعلوا فيها النّيران، و ضجّوا بالدّعاء و التضرّع. فكانوا يرون أنّ ذلك من أسباب الشّقيا. و لذلك قال أميّة[2]: [من الخفيف‏]

سنة أزمة تخيّل بالنّا # س ترى للعضاه فيها صريرا[3]

إذ يسفّون بالدّقيق و كانوا # قبل لا يأكلون شيئا فطيرا[4]

و يسوقون باقرا يطرد السّهـ # ل مهازيل خشية أن يبورا[5]

عاقدين النّيران في شكر الأذ # ناب عمدا كيما تهيج البحورا[6]

فاشتوت كلها فهاج عليهم # ثمّ هاجت إلى صبير صبيرا[7]

فرآها الإله ترشم بالقط # ر و أمسى جنابهم ممطورا[8]

فسقاها نشاصه و اكف الغى # ث منهّ إذ رادعوه الكبيرا[9]

سلع ما و مثله عشر ما # عائل ما و عالت البنقورا[10]

[1]السلع و العشر: ضربان من الشجر.

[2]ديوان أمية بن أبي الصلت 396-399، و عيار الشعر 60، 2/395، و الحماسة البصرية 2/395.

[3]في ديوانه: «سنة جدبة: شديدة القحط، و هي من الأزم، و هو العض بالفم أو بالأنياب. تخيل بالناس: تشتبه عليهم فيتوهمون الخير و لا خير فيها. العضاه: كل شجر له شوك» .

[4]في ديوانه: «سففت الدقيق: أخذته غير معجون. الفطير: العجين الذي لم يختمر.

[5]في ديوانه: «الباقر: جماعة البقر. يبور: يهلك» .

[6]في ديوانه: «الشكر: مفردها شكير، و هو من الشعر» . و الريش و النبت ما نبت صغاره بين كباره.

تهيج البحور: أراد تبعث المطر الغزير الذي يشبه البحور بغزارته» .

[7]في ديوانه: «و هاجت السماء: غيمت و كثرت ريحها، و هاجت الإبل: عطشت. و الصبير: السحاب يثبت يوما و ليلة لا يبرح، كأنه يصبر، أي يحبس» .

[8]في ديوانه: «الرشم: الأثر و العلامة» .

[9]في ديوانه: «النشاص: السحاب المرتفع. و الواكف: الهاطل. منهّ: فاعل من نهّى الشي‏ء و انتهى و تناهى، إذا بلغ نهايته. و ردعه عن الأمر: كفّه، و رادعوه: للمشاركة؛ فهم كفّوا عما بهم من إثم، و هو كفّ عن الانحباس و التشديد عليهم. و الكبيرا صفة قامت مقام الموصوف بعد حذفه، و التقدير: رادعوه الشر الكبيرا. منهّ: حال «نشاصه» ، أي سقاها نشاصه بالغا نهايته، و كان حقها أن تكون «منهّيا» و لكنه حذف الياء ضرورة كحذفها في الرفع و الجر.

[10]في ديوانه: «السلع و العشر: ضربان من الشجر. و عال الشي‏ء فلانا: ثقل عليه، يريد أن السنة أثقلت البقر بما حملتها من السلع و العشر» .

493

هكذا كان الأصمعيّ ينشد هذه الكلمة، فقال له علماء بغداد: صحفت، إنما هي البيقور، مأخوذة من البقر.

و أنشد القحذمي للورل الطائيّ‏[1]: [من البسيط]

لا درّ درّ رجال خاب سعيهم # يستمطرون لدى الأزمات بالعشر

أ جاعل أنت بيقورا مسلّعة # ذريعة لك بين اللّه و المطر[2]

قال: و يقال بقر، و بقير، و بيقور، و باقر. و يقال للجماعة منها قطيع، و إجل، و كور، و أنشد[3]: [من الطويل‏]

فسكّنتهم بالقول حتى كأنّهم # بواقر جلح أسكنتها المراتع‏[4]

و أنشد[5]: [من البسيط]

و لا شبوب من الثيران أفرده # عن كوره كثرة الإغراء و الطّرد[6]

1247-[نار الحلف‏]

[7] و نار أخرى، هي التي توقد عند التّحالف؛ فلا يعقدون حلفهم إلاّ عندها.

فيذكرون عند ذلك منافعها، و يدعون إلى اللّه عزّ و جلّ، بالحرمان و المنع من منافعها، على الذي ينقض عهد الحلف، و يخيس بالعهد.

[1]البيتان للورل الطائي في الحماسة البصرية 2/396، و اللسان و التاج (بقر، سلع) ، و رسالة النيروز لابن فارس 2/19 (ضمن نوادر المخطوطات) ، و هما للودك الطائي في ثمار القلوب 580 (830) ، و للوديك الطائي في نهاية الأرب 1/110، و البيت الثاني في التنبيه و الإيضاح 2/87، و بلا نسبة في التهذيب 2/99، و المجمل 1/282، و ديوان الأدب 2/61.

[2]في الحماسة البصرية 2/395-396: (تزعم العرب أنه إذا أمسكت السماء قطرها و أرادوا أن يستمطروا، عمدوا إلى شجرتين يقال لهما: السلع و العثير «العشر» ، فعقدوهما في أذناب البقر، و أضرموا فيها النار و أصعدوهما في جبل وعر ، و اتبعوا آثارهما؛ يدعون اللّه تعالى و يستسقون، و يفعلون ذلك تفاؤلا للبرق) .

[3]البيت لقيس بن عيزارة في شرح أشعار الهذليين 950، و ديوان الهذليين 3/76، و اللسان و التاج (جلح) ، و بلا نسبة في اللسان و التاج (بقر) .

[4]في ديوان الهذليين: «جلح: بقر لا قرون لها. و المراتع: مواضع ترتع» .

[5]البيت لأبي ذؤيب الهذلي في شرح أشعار الهذليين 60، و ديوان الهذليين 1/126، و اللسان و التاج (كور) ، و التنبيه و الإيضاح 2/201، و بلا نسبة في المخصص 8/33، 42.

[6]في ديوان الهذليين: «يقال للمسنّ من الثيران: شبوب و مشبّ و شبب. و الكور: القطيع» .

[7]ثمار القلوب (826) . ـ

494

و يقولون في الحلف: الدّم الدّم، و الهدم الهدم‏[1]، يحرّكون الدّال في هذا الموضع؛ لا يزيده طلوع الشمس إلا شدّا، و طول اللّيالي إلاّ مدّا، ما بلّ البحر صوفة[2]، و ما أقام رضوى في مكانه، (إن كان جبلهم رضوى‏[3]) .

و كلّ قوم يذكرون جبلهم، و المشهور من جبالهم.

و ربّما دنوا منها حتى تكاد تحرقهم.

و يهوّلون على من يخاف عليه الغدر، بحقوقها و منافعها، و التّخويف من حرمان منفعتها. و قال الكميت‏[4]: [من المتقارب‏]

كهولة ما أوقد المحلفو # ن للحالفين و ما هوّلوا

و أصل الحلف و التّحالف، إنما هو من الحلف و الأيمان. و لقد تحالفت قبائل من قبائل مرّة بن عوف، فتحالفوا عند نار فدنوا منها، و عشوا[5]بها، حتّى محشتهم. فسمّوا: المحاش‏[6].

و كان سيدهم و المطاع فيهم، أبو ضمرة يزيد بن سنان بن أبي حارثة. و لذلك يقول النّابغة[7]: [من الكامل‏]

جمّع محاشك يا يزيد فإنّني # جمّعت يربوعا لكم و تميما[8]

[1]مجمع الأمثال 1/265، و هو من حديث بيعة العقبة في النهاية 5/251 و فيه: «الهدم؛ بالتحريك: القبر. يعنى إني أقبر حيث تقبرون. و قيل: هو المنزل، أي منزلكم منزلي. و الهدم بالسكون و بالفتح أيضا: هو إهدار دم القتيل: يقال: دماؤهم بينهم هدم: أي مهدرة. و المعنى: إن طلب دمكم فقد طلب دمي، و إن أهدر دمكم فقد أهدر دمي؛ لاستحكام الألفة بيننا» .

[2]مجمع الأمثال 2/230، و المستقصى 2/246، الصوفة: واحدة الصوف، و صوف البحر: شي‏ء على شكل هذا الصوف الحيواني.

[3]رضوى: جبل بالمدينة.

[4]ديوان الكميت 2/14، و اللسان و التاج و أساس البلاغة (هول) ، و التهذيب 6/415، و البيان 3/8، و الخزانة 3/14 (بولاق) .

[5]عشي بالنار، كرضي و دعا، ساء بصره.

[6]محشته النار: أحرقته. و انظر الحاشية بعد التالية.

[7]ديوان النابغة الذبياني 102، و الرواية فيه «أعددت يربوعا» ، و البيت الأول في اللسان و التاج (حوش، محش، حشا) ، و التهذيب 4/196، 5/141، و العين 3/261، و المقاييس 2/65، 5/299، و المجمل 2/68، 4/311، و بلا نسبة في الجمهرة 539.

[8]في ديوانه: «كان يزيد بن سنان بن أبي حارثة يمحش المحاش، و هم بنو خصيلة بن مرة، و بنو نشبة بن غيظ بن مرة على بني يربوع بن غيظ بن مرة رهط النابغة، فتحالفوا على بني يربوع على النار، فسموا المحاش، لتحالفهم على النار. قال الأصمعي: المحاش أربعة أحياء من فزارة

495

و لحقت بالنّسب الذي عيّرتني # و تركت أصلا يا يزيد ذميما[1]

و قوله: «تميم» يريد: تميمة[2]. فحذف الهاء.

1248-[التحالف و التعاقد على الملح‏]

و ربّما تحالفوا و تعاقدوا على الملح. و الملح شيئان: أحدهما المرقة، و الأخرى اللّبن. و أنشدوا لشتيم بن خويلد الفزاري‏[3]: [من المتقارب‏]

لا يبعد اللّه ربّ العباد # و الملح ما ولدت خالده‏

و أنشدوا فيه قول أبي الطّمحان‏[4]: [من الطويل‏]

و إني لأرجو ملحها في بطونكم # و ما بسطت من جلد أشعث أغبرا

و ذلك أنّه كان جاورهم، فكان يسقيهم اللّبن؛ فقال: أرجو أن تشكروا لي ردّ إبلي، على ما شربتم من ألبانها، و ما بسطت من جلد أشعث أغبر. كأنّه يقول: كنتم مهازيل-و المهزول يتقشّف جلده و ينقبض-فبسط ذلك من جلودكم.

1249-[نار المسافر]

[5] و نار أخرى، و هي النّار التي كانوا ربّما أوقدوها خلف المسافر، و خلف الزّائر و مرة، و قال ابن الأعرابي: المحاش: الذين لا خير فيهم و لا غناء عندهم، يقال: محشته النار، إذا أحرقته و أفسدته. و قوله: «أعددت يربوعا» يريد: يربوع بن غيظ بن مرة، و «تميما» أراد: تميم بن ضبة من عذرة بن سعد بن ذبيان» .

[1]في ديوانه: «و قوله: و لحقت بالنسب الذي عيرتني، يريد النسب الذي نفاه إليه، و عيّره به، و ذلك أن ابنة النابغة كانت تحت يزيد فطلقها، فقيل له: لم طلقتها؟فقال: لأنه رجل من عذرة، فنفى النابغة انتسابه إليهم، و زعم أنه نسب يزيد، إلا أنه تركه، و انتفى منه، و هو معنى قوله: و تركت أصلك يا يزيد ذميما» ، أي «مذموما» .

[2]أي حذف الهاء للترخيم في غير موضع النداء، و أراد: تميمة بن ضبة، و انظر الحاشية قبل السابقة.

[3]البيت لشتيم بن خويلد الفزاري في اللسان (لوم) ، و أساس البلاغة (ملح) ، و لعبد اللّه بن الزبعري في ديوانه 35، و لنهيكة بن الحارث المازني في الخزانة 4/164 (بولاق) ، و بلا نسبة في الكامل 1/295 (المعارف) ، و الفاخر 9، و اللسان (ملح) و المخصص 1/26، و التهذيب 5/100، 102.

[4]البيت في الشعر و الشعراء 229 (ليدن) ، و الكامل 1/295، (المعارف) ، و الاشتقاق 451، و اللسان و التاج، و أساس البلاغة و عمدة الحفاظ (ملح) ، و بلا نسبة في الجمهرة 569، و المخصص 1/26.

[5]ثمار القلوب 459 (826) ، و سماها في الأوائل 37 «نار الطرد» . و انظر المعاني الكبير 433، و الخزانة 7/148، و محاضرات الراغب 1/154.

496

الذي لا يحبّون رجوعه. و كانوا يقولون في الدّعاء: أبعده اللّه و أسحقه، و أوقد نارا خلفه، و في إثره!و هو معنى قول بشار[1]-و ضربه مثلا: [من المتقارب‏]

صحوت و أوقدت للجهل نارا # و ردّ عليك الصّبا ما استعارا

و أنشدوا[2]: [من الطويل‏]

و جمّة أقوام حملت و لم تكن # لتوقد نارا إثرهم للتندّم‏

و الجمّة: الجماعة يمشون في الصلح. و قال الراجز[3]في إبله: [من الرجز]

تقسم في الحقّ و تعطى في الجمم‏

يقول: لا تندم على ما أعطيت في الحمالة، عند كلام الجماعة فتوقد خلفهم نارا كي لا يعودوا.

1250-[نار الإنذار]

[4] و نار أخرى و هي النّار التي كانوا إذا أرادوا حربا، و توقّعوا جيشا عظيما، و أرادوا الاجتماع أوقدوا ليلا على جبلهم نارا؛ ليبلغ الخبر أصحابهم.

و قد قال عمرو بن كلثوم‏[5]: [من الوافر]

و نحن غداة أوقد في خزاز # رفدنا فوق رفد الرّافدينا

و إذا جدّوا في جمع عشائرهم إليهم أوقدوا نارين. و هو قول الفرزدق‏[6]:

[من الكامل‏]

لو لا فوارس تغلب ابنة وائل # سدّ العدوّ عليك كلّ مكان‏

[1]البيت لبشار بن برد في ديوانه 4/65، و المختار من شعر بشار 340، و ثمار القلوب (827) و بلا نسبة في اللسان و التاج (وقد) ، و التهذيب 9/250.

[2]البيت بلا نسبة في اللسان (نور) ، و التهذيب 15/232، و عيار الشعر 54، و المعاني الكبير 1/433، و ثمار القلوب (827) .

[3]الرجز بلا نسبة في جمهرة اللغة 496، و روايته: (أضرب في النقع و أعطي في الجمم) .

[4]ثمار القلوب 461 (829) ، و سماها في الأوائل 37 «نار الأهبة» ، و انظر الخزانة 7/152، و مطلع الفوائد 42.

[5]البيت برقم 68 من معلقته في شرح القصائد السبع 409، و شرح القصائد العشر 352، و اللسان و التاج (خزر، خزز) ، و البيان 3/22، و المعاني الكبير 434، و معجم البلدان 2/419 (خزاز) ، و معجم ما استعجم 2/496.

[6]ديوان الفرزدق 2/345 (صادر) ، 882-883 (الصاوي) ، و البيت الأول في اللسان (مضح) ، و بلا نسبة في المقتضب 3/360.

497

ضربوا الصّنائع و الملوك و أوقدوا # نارين أشرفتا على النّيران‏

1251-[نار الحرّتين‏]

[1] و نار أخرى، و هي «نار الحرّتين» ، و هي نار خالد بن سنان، أحد بني مخزوم، من بني قطيعة بن عبس. و لم يكن في بني إسماعيل نبيّ قبله. و هو الذي أطفأ اللّه به نار الحرّتين. و كانت ببلاد بني عبس، فإذا كان اللّيل فهي نار تسطع في السّماء، و كانت طيّئ تنفش‏[2]بها إبلها من مسيرة ثلاث، و ربّما ندرت منها العنق‏[3]فتأتي على كلّ شي‏ء فتحرقه. و إذا كان النهار فإنما هي دخان يفور. فبعث اللّه خالد بن سنان فاحتفر لها بئرا، ثمّ أدخلها فيها، و النّاس ينظرون؛ ثمّ اقتحم فيها حتى غيّبها.

و سمع بعض القوم و هو يقول: [هلك الرّجل!فقال خالد بن سنان‏][4]: كذب ابن راعية المعز، لأخرجنّ منها و جبيني يندى!فلمّا حضرته الوفاة، قال لقومه: إذا أنا متّ ثمّ دفنتموني، فاحضروني بعد ثلاث؛ فإنّكم ترون عيرا أبتر يطوف بقبري، فإذا رأيتم ذلك فانبشوني؛ فإني أخبركم بما هو كائن إلى يوم القيامة. فاجتمعوا لذلك في اليوم الثالث، فلما رأوا العير[5]و ذهبوا ينبشونه، اختلفوا، فصاروا فرقتين، و ابنه عبد اللّه في الفرقة التي أبت أن تنبشه، و هو يقول: لا أفعل!إني إذا أدعى ابن المنبوش! فتركوه.

و قد قدمت ابنته على النبيّ صلى اللّه عليه و سلم، فبسط لها رداءه و قال: هذه ابنة نبيّ ضيّعه قومه.

قال: و سمعت سورة: قُلْ هُوَ اَللََّهُ أَحَدٌ فقالت: قد كان أبي يتلو هذه السورة.

و المتكلّمون لا يؤمنون بهذا، و يزعمون أنّ خالدا هذا كان أعرابيّا و بريّا، من أهل شرج و ناظرة[6]، و لم يبعث اللّه نبيّا قطّ من الأعراب و لا من الفدّادين‏[7]أهل [1]ثمار القلوب 456 (821) ، و انظر الإصابة 2351.

[2]تنفش: ترعى.

[3]ندرت: ظهرت و بدت. العنق: القطعة أو الطائفة.

[4]ما بين المعكوفتين مستدرك من الإصابة 2351، و هو ضروري لإتمام المعنى، و لم يرد في ثمار القلوب.

[5]العير: الحمار الوحشي.

[6]شرج و ناظرة: ماءان لعبس. معجم البلدان (ناظرة) .

[7]الفدادون: أهل البادية الذين يعيشون في بيوت من وبر الإبل.

498

الوبر، و إنما بعثهم من أهل القرى، و سكّان المدن‏[1].

و قال خليد عينين‏[2]: [من الطويل‏]

و أي نبيّ كان في غير قومه # و هل كان حكم اللّه إلاّ مع النّخل‏

و أنشدوا[3]: [من الوافر]

كنار الحرّتين لها زفير # يصمّ مسامع الرّجل السّميع‏

1252-[تعظيم النار و عبادتها]

و ما زال النّاس كافّة، و الأمم قاطبة-حتى جاء اللّه بالحقّ-مولعين بتعظيم النّار؛ حتى ضلّ كثير من النّاس لإفراطهم فيها، أنهم يعبدونها[4].

فأما النار العلويّة، كالشمس و الكواكب، فقد عبدت البتّة. قال اللّه تعالى:

وَجَدْتُهََا وَ قَوْمَهََا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اَللََّهِ [5].

و قد يجي‏ء في الأثر و في سنّة بعض الأنبياء، تعظيمها على جهة التعبّد و المحنة، و على إيجاب الشكر على النّعمة بها و فيها. فيغلط لذلك كثير من النّاس، فيجوزون الحدّ، و يزعم أهل الكتاب أنّ اللّه تعالى أوصاهم بها، و قال: «لا تطفئوا النّيران من بيوتي» . فلذلك لا تجد الكنائس و البيع‏[6]، و بيوت العبادات، إلاّ و هي لا تخلو من نار أبدا، ليلا و لا نهارا؛ حتّى اتّخذت للنّيران البيوت و السّدنة. و وقفوا عليها الغلاّت الكثيرة.

1253-[نار المجوس‏]

أبو الحسن عن مسلمة و قحدم، أنّ زيادا بعث عبد اللّه بن أبي بكرة، و أمره أن [1]بعد ذلك في ثمار القلوب: «و اللّه أعلم حيث يجعل رسالاته» .

[2]تقدم البيت في 1/266.

[3]البيت لخليد عنين في الأوائل 39، و شرح شواهد المغني 1/310، و بلا نسبة في ثمار القلوب (821) .

[4]في ثمار القلوب: «حتى ظنّ كثير من الناس لإفراطهم أنهم يعبدونها» .

[5]24/النمل: 27.

[6]البيع: جمع بيعة، و هي كنيسة اليهود أو النصارى.

499

يطفئ النيران، فأراد عبد اللّه أن يبدأ بنار جور فيطفئها[1]، فقيل له: ليست للمجوس نار أعظم من نار الكاريان‏[2]من دار الحارث. فإن أطفأتها لم يمتنع عليك أحد، و إن أطفأت سافلتها استعدّوا للحرب و امتنعوا. فابدأ بها. فخرج إلى الكاريان فتحصّن أهلها في القلعة. و كان رجل من الفرس من أهل تلك البلاد معروف بالشدّة. لا يقدر عليه أحد، و كان يمرّ كلّ عشيّة بباب منزله استخفافا و إذلالا بنفسه، فغمّ ذلك عبد اللّه، فقال: أ ما لهذا أحد؟!و كان مع عبد اللّه بن أبي بكرة رجل من عبد القيس، من أشدّ النّاس بطشا، و كان جبانا، فقالوا له: هذا العبدي، هو شديد جبان. و إن أمرته به خاف القتال فلم يعرض له. فاحتل له حيلة. فقال: نعم.

قال: فبينا هو في مجلسه إذ مرّ الفارسيّ، فقال عبد اللّه: ما رأيت مثل خلق هذا، و ما في الأرض-كما زعموا-أشدّ منه بطشا!ما يقوى عليه أحد!فقال العبدي:

ما تجعلون لي إن احتملته حتّى أدخله الدّار و أكتفه؟فقال له عبد اللّه: لك أربعة آلاف درهم. فقال: تفون لي بألف؟قال: نعم!فلمّا كان الغد مرّ الفارسيّ، فقام إليه العبديّ فاحتمله فيما امتنع و لا قدر أن يتحرّك، حتّى أدخله الدّار و ضرب به الأرض و وثب عليه النّاس فقتلوه، و غشي على العبدي حين قتلوه. فلما قتل أعطى أهل القلعة بأيديهم‏[3]. فقتل ابن أبي بكرة الهرابذة، و أطفأ النّار، و مضى يطفئ النّيران حتّى بلغ سجستان.

و المجوس تقدّم النّار في التّعظيم على الماء، و تقدّم الماء في التّعظيم على الأرض. و لا تكاد تذكر الهواء.

1254-[نار السعالي و الجن و الغيلان‏]

و نار أخرى، التي يحكونها من نيران السّعالي‏[4]و الجنّ و هي غير نار الغيلان.

و أنشد أبو زيد لسهم بن الحارث‏[5]: [من الطويل‏] [1]ورد مثل هذا الكلام في معجم البلدان (جور) .

[2]الكاريان: مدينة بفارس صغيرة، و رستاقها عامر، و بها بيت نار معظم عند المجوس. معجم البلدان (الكاريان) .

[3]أعطوا بأيديهم: استسلموا.

[4]السعالي: جمع سعلاة، و هي أخبث الغيلان، و يزعمون أنها أنثى الجن. حياة الحيوان 1/555.

[5]الأبيات لشمر بن الحارث الضبي في الحماسة البصرية 2/246، و لشمير بن الحارث في نوادر أبي زيد 123، و لتأبط شرا في ديوانه 255-257.

500

و نار قد حضأت بعيد هدء # بدار لا أريد بها مقاما[1]

سوى تحليل راحلة و عين # أكالئها مخافة أن تناما

أتوا ناري، فقلت منون أنتم # فقالوا: الجنّ!قلت: عموا ظلاما[2]

فقلت: إلى الطّعام، فقال منهم # زعيم: نحسد الإنس الطعاما

و هذا غلط و ليس من هذا الباب، و سنضعه في موضعه إن شاء اللّه تعالى. بل الذي يقع هاهنا قول أبي المطراب عبيد بن أيّوب‏[3]: [من الطويل‏]

فللّه درّ الغول أيّ رفيقة # لصاحب قفر خائف متقفّر[4]

أرنّت بلحن بعد لحن و أوقدت # حواليّ نيرانا تبوخ و تزهر[5]

1255-[نار الاحتيال‏]

[6] و ما زالت السّدنة تحتال للنّاس جهة النّيران بأنواع الحيل، كاحتيال رهبان كنيسة القمامة ببيت المقدس بمصابيحها، و أنّ زيت قناديلها يستوقد لهم من غير نار، في بعض ليالي أعيادهم قال‏[7]: و بمثل احتيال السّادن لخالد بن الوليد، حين رماه بالشّرر؛ ليوهمه أنّ ذلك من الأوثان، أو عقوبة على ترك عبادتها و إنكارها، و التعرّض لها؛ حتى قال‏[8]:

[من الرجز]

يا عزّ كفرانك لا سبحانك # إنّي وجدت اللّه قد أهانك‏

حتى كشف اللّه ذلك الغطاء، من رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم.

1256-[نار الصيد]

[9] و نار أخرى، و هي النّار التي توقد للظباء و صيدها، لتعشى إذا أدامت النّظر، [1]حضأت: أشعلت.

[2]منون أنتم: أي من أنتم.

[3]البيتان في أشعار اللصوص 218.

[4]المتقفر: الذي يتبع آثار الصيد، و في أشعار اللصوص «يتستر» مكان «المتقفر» .

[5]تبوخ: تسكن و تفتر. تزهر: تضي‏ء.

[6]ثمار القلوب (74) ، حيث نقل عن الجاحظ.

[7]ربيع الأبرار 1/181.

[8]الرجز بلا نسبة في ثمار القلوب (75) .

[9]ثمار القلوب (830) .

501

و تختل من ورائها، و يطلب بها بيض النعام في أفاحيصها و مكناتها.

و لذلك قال طفيل الغنوي‏[1]: [من الطويل‏]

عوازب لم تسمع نبوح مقامة # و لم تر نارا تمّ حول مجرّم

سوى نار بيض أو غزال بقفرة # أغنّ من الخنس المناخر توأم‏

1257-[نار التهويل‏]

[2] و قد يوقدون النّيران يهوّلون بها على الأسد إذا خافوها، و الأسد إذا عاين النّار حدق إليها و تأمّلها، فما أكثر ما تشغله عن السابلة، و مرّ أبو ثعلب الأعرج. على وادي السّباع، فعرض له سبع، فقال له المكاري:

لو أمرت غلمانك فأوقدوا نارا، و ضربوا على الطّساس‏[الذي معهم‏][3]ففعلوا فأحجم عنها[4]، فأنشدني له ابن أبي كريمة، في حبّه بعد ذلك للنّار، و مدحه لها و للصوت الشّديد، بعد بغضه لهما و هو قوله‏[5]: [من الطويل‏]

فأحببتها حبّا هويت خلاطها # و لو في صميم النّار نار جهنّم

و صرت ألذّ الصّوت لو كان صاعقا # و أطرب من صوت الحمار المرقّم‏[6]

1258-[نار الاصطلاء]

[7] و روي أنّ أعرابيّا اشتدّ عليه البرد، فأصاب نارا، فدنا منها ليصطلي بها، و هو يقول: اللّهم لا تحرمنيها في الدّنيا و لا في الآخرة!.

1259-[سكوت الضفدع عند رؤية النار]

و ممّا إذا أبصر النّار اعترته الحيرة، الضّفدع؛ فإنّه لا يزال ينقّ فإذا أبصر النّار سكت.

[1]البيتان في ديوان طفيل الغنوي 77، و ثمار القلوب (75) ، و تقدم البيتان مع شرحهما في الفقرة 1179.

[2]ثمار القلوب 461 (828) .

[3]الزيادة من ثمار القلوب (829) .

[4]في ثمار القلوب: «فأحجم عنهم الأسد» .

[5]البيتان بلا نسبة في ثمار القلوب (829) .

[6]الحمار المرقم: المخطط القوائم.

[7]ثمار القلوب 828.

502

1260-[نار الحباحب‏]

[1] و من النّيران «نار الحباحب» و هي أيضا «نار أبي الحباحب» . و قال أبو حيّة[2]: [من الطويل‏]

يعشّر في تقريبه فإذا انحنى # عليهنّ في قفّ أرنّت جنادله‏[3]

و أوقدن نيران الحباحب و التقى # غضا تتراقى بينهنّ ولاوله‏[4]

و قال القطاميّ‏[5]في نار أبي الحباحب: [من الطويل‏]

تخوّد تخويد النّعامة بعد ما # تصوّبت الجوزاء قصد المغارب‏[6]

ألا إنما نيران قيس إذا اشتوت # لطارق ليل مثل نار الحباحب‏

و يصفون نارا أخرى، و هي قريبة من نار أبي الحباحب، و كلّ نار تراها العين و لا حقيقة لها عند التماسها[7]، فهي نار أبي الحباحب. و لم أسمع في أبي حباحب نفسه شيئا.

1261-[نار البرق‏]

و قال الأعرابيّ، و ذكر البرق‏[8]: [من الطويل‏]

نار تعود به للعود جدّته # و النّار تشعل نيرانا فتحترق‏

يقول: كلّ نار في الدّنيا فهي تحرق العيدان و تبطلها و تهلكها، إلاّ «نار البرق» ، [1]ثمار القلوب (832) ، و الخزانة 7/150، و الأوائل 42، و مجمع الأمثال 2/149، و شروح سقط الزند 2/506-507.

[2]ديوان أبي حية النميري 70-71.

[3]في ديوانه: «القف: الأرض ذات حجارة عظام. أرنّت: صوتت. الجنادل: الحجارة الكبيرة. أي تصوت الحجارة لضرب بعضها بعضا» .

[4]في ديوانه «الولاول: الأصوات، جمع ولولة» .

[5]ديوان القطامي 50، و البيت الثاني له في ثمار القلوب (833) ، و هو للنابغة الذبياني في ملحق ديوانه 228، و اللسان و التاج (حبحب) ، و بلا نسبة في المخصص 11/26.

[6]خوّد البعير و الظليم: أسرع و اهتز في مشيه. تصوبت: انحدرت. الجوزاء: نجم.

[7]نقل الثعالبي هذا القول عن الجاحظ، و بعده: «كقدح الخيل من حوافرها النار إذا وطئت المرو و الصفا و الجلاميد الكبار» . ثمار القلوب (832) .

[8]البيت لابن ميادة في ديوانه 276، و السمط 1/445، و الحماسة البصرية 2/349، و لعدي بن الرقاع في الوحشيات 279، و الحماسة الشجرية 2/783، و محاضرات الراغب 2/327، و بلا نسبة في المخصص 9/102، و الأمالي 1/180، و زهر الآداب 1/178، و نهاية الأرب 1/114.

503

فإنّها تجي‏ء بالغيث. و إذا غيثت الأرض و مطرت أحدث اللّه للعيدان جدّة. و للأشجار أغصانا لم تكن.

1262-[نار اليراعة]

و نار أخرى، و هي شبيهة بنار البرق، و نار أبي حباحب، و هي «نار اليراعة» ، و اليراعة: طائر صغير، إن طار بالنّهار كان كبعض الطّير، و إن طار باللّيل كان كأنّه شهاب قذف أو مصباح يطير.

1263-[الدف‏ء برؤية النار]

و في الأحاديث السّائرة المذكورة في الكتب، أنّ رجلا ألقي في ماء راكد في شتاء بارد، في ليلة من الحنادس‏[1]، لا قمر و لا ساهور[2]-و إنما ذكر ذلك، لأنّ ليلة العشر و البدر و الطّوق الذي يستدير حول القمر، يكون كاسرا[3]من برد تلك الليلة- قالوا: فما زال الرجل حيّا و هو في ذلك تارز[4]جامد، ما دام ينظر إلى نار، كانت تجاه وجهه في القرية، أو مصباح، فلما طفئت انتفض.

1264-[نار الخلعاء و الهرّاب‏]

و قال الشّاعر[5]: [من الطويل‏]

و نار قبيل الصّبح بادرت قدحها # حيا النّار قد أوقدتها للمسافر[6]

يقول: بادرت اللّيل، لأنّ النّار لا ترى بالنهار، كأنه كان خليعا أو مطلوبا.

و قال آخر: [من الطويل‏]

و دويّة لا يثقب النّار سفرها # و تضحي بها الوجناء و هي لهيد[7]

[1]الحنادس: ثلاث ليال من الشهر مظلمات.

[2]الساهور: التسع البواقي من الشهر.

[3]كاسرا: مخففا.

[4]التارز: الصلب الشديد.

[5]البيت لكعب بن زهير في ديوانه 185، و أساس البلاغة (قهر) ، و بلا نسبة في اللسان (حيا) .

[6]حيا النار: أراد: حياة النار فحذف الهاء. «اللسان: حيا» .

[7]يثقب النار: يشعلها. السفر: المسافرون. الوجناء: الناقة الشديدة. اللهيد: المجهدة المتعبة.

504

كأنّهم كانوا هرّابا، فمن حثهم السّير لا يوقدون لبرمة و لا ملّة؛ لأنّ ذلك لا يكون إلاّ بالنزول و التمكث، و إنما يجتازون بالبسيسة[1]، أو بأدنى علقة. و قال بعض اللّصوص‏[2]: [من الرجز]

ملسا يذود الحدسيّ ملسا # نبّهت عنهن غلاما غسّا[3]

لمّا تغشّى فروة و حلسا # من غدوة حتّى كأنّ الشّمسا[4]

بالأفق الغربيّ تكسى و رسا # لا تخبزا خبزا و بسّا بسّا[5]

و لا تطيلا بمناخ حبسا # و جنّباها أسدا و عبسا

قال: و البسيسة: أن يبلّ الدّقيق بشي‏ء حتى يجتمع و يؤكل.

1265-[نار الوشم‏]

و نار أخرى، و هي «نار الوشم و الميسم» يقال للرجل: ما نار إبلك؟فيقول:

علاط[6]، أو خباط[7]، أو حلقة[8]أو كذا و كذا.

1266-[رجز لبعض اللصوص‏]

و قرّب بعض اللّصوص إبلا من الهواشة[9]، و قد أغار عليها من كلّ جانب، [1]البسيسة: سيفسرها الجاحظ بعد روايته الأبيات.

[2]الرجز للهفوان العقيلي، أحد بني المنتفق؛ في معجم الشعراء 475-476، و أشعار اللصوص 631، و نوادر أبي زيد 12، 70، و بلا نسبة في المخصص 104، 127، و الأبيات (1، 6، 7) بلا نسبة في اللسان و التاج (خبز، بسس، حدس، ملس) ، و التهذيب 7/215، 216، 12/316، 458، و ديوان الأدب 2/160، و الجمهرة 69، و المقاييس 1/181، 2/240، و المجمل 1/228.

[3]ملس الإبل: ساقها في خفية. الذود من الإبل: ما بين الثنتين إلى التسع، و قيل: ما بين الثلاث إلى العشر. الحدسي: منسوب إلى بني حدس بن أراش اللخمي، و هو الذي سرقوا إبله. الغسّ:

الضعيف اللئيم.

[4]الحلس: الكساء الذي على ظهر البعير تحت القتب.

[5]الورس: نبت له نور يشبه الزعفران. البس: الحلب.

[6]العلاط: سمة في عرض عنق البعير و الناقة، و العلاط: يكون في العنق عرضا.

[7]الخباط: سمة تكون في الفخذ؛ طويلة عرضا، و هي لبني سعد، و قيل هي التي تكون على الوجه، أو هي فوق الخد.

[8]الحلقة: سمة على شكل الحلقة، في الفخذ أو أصل الأذن، و انظر المخصص 7/154-156 حيث أفرد بابا في سمات الإبل.

[9]هاشت الإبل: نفرت في الغارة فتبددت و تفرقت.

505

و جمعها من قبائل شتى، فقرّبها إلى بعض الأسواق، فقال له بعض التّجار: ما نارك؟ و إنما يسأله عن ذلك؛ لأنهم يعرفون بميسم كلّ قوم كرم إبلهم من لؤمها. فقال‏[1]:

[من الرجز]

تسألني الباعة ما نجارها # إذ زعزعوها فسمت أبصارها[2]

فكلّ دار لأناس دارها # و كلّ نار العالمين نارها

و قال الكردوس المرادي‏[3]: [من الطويل‏]

تسائلني عن نارها و نتاجها # و ذلك علم لا يحيط به الطّمش‏

و الطّمش: الخلق. و الورى: النّاس خاصّة تمّ المصحف الرابع من كتاب الحيوان، و يليه إن شاء اللّه تعالى المصحف الخامس.

و أوله: نبدأ في هذا الجزء بتمام القول في نيران العجم و العرب، و نيران الدّيانة، و مبلغ أقدارها.

[1]الرجز بلا نسبة في اللسان (نجر، نور) ، و التهذيب 11/41، 15/231، و التاج (نجر، نور، بيع) ، و الخزانة 3/213 (بولاق) ، و محاضرات الراغب 2/290، و حلية المحاضرة 2/137، و أشعار اللصوص 648.

[2]زعزعوها: ساقوها سوقا شديدا.

[3]البيت للكردوس المرادي في حلية المحاضرة 2/137، و أشعار اللصوص 649.

506

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

507

فهرس الجزءين الثالث و الرابع من كتاب الحيوان‏

508

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

509

فهرس أبواب المصحف الثالث‏

باب ذكر الحمام 3

باب في صدق الظن و جودة الفراسة 27

باب من المديح بالجمال و غيره 5

باب آخر في مثل ذلك من الغضب و في ذكر الجنون في المواضع التي يكون ذكره فيها محمودا 54

باب من الفطن و فهم الرّطانات و الكنايات و الفهم و الإفهام 63

باب ذكر خصال الحرم 72

باب ذكر الحمام 75

باب و من كرم الحمام 110

باب ليس في الأرض جنس يعتريه الأوضاح 119

باب الحمام طائر لئيم 124

باب القول في أجناس الذّبّان 143

باب رجع القول إلى ذكر الذّبّان 180

باب القول في الغربان 194

باب فيمن يهجى و يذكر بالشّؤم 232

باب في مديح الصّالحين و الفقهاء 238

باب القول في الجعلان و الخنافس 241

باب القول في الهدهد 249

باب القول في الرّخم 253

باب القول في الخفاش 256

510

فهرس أبواب المصحف الرابع‏

القول في الذّرّة و النمل 262

باب جملة القول في القرد و الخنزير 278

رجع القول إلى ذكر الخنزير 291

القول في الحيّات 313

و من أعاجيب الحيّات 373

أصوات خشاش الأرض 373

باب من ضرب المثل للرجل الداهية و للحيّ الممتنع بالحية 374

جملة القول في الظّليم 411

باب آخر و هو أعجب من الأول 416

القول فيما اشتقّ له من البيض اسم 423

القول في النيران 488

باب آخر 490