موسوعة العتبات المقدسة - ج12

- جعفر الخليلي المزيد...
336 /
53

و ألوط من راهب يدّعي # بأن النساء عليه حرام‏ (1)

يحرّم بيضاء ممكورة # و يغنيه في البضع عنها غلام

إذا مامشى‏ (2) غضّ من طرفه # و في الدير بالليل منه عرام

و دير العذارى فضوح لهنّ # و عند اللصوص حديث تمام» (3)

و قال ياقوت الحموي: «و الشعر المنقول في دير العذارى يدل على أنه بنواحي دجيل... و قال الشابشتي: دير العذارى بين سرّ من رأى و الحظيرة.

و قال الخالدي: و شاهدته و به نسوة عذارى و حانات خمر و إن دجلة أتت‏ (4) عليه بمدودها فأذهبته حتى لم يبق منه أثرا، و ذكر أنه جثا به في سنة (320) و هو عامر... و قال أبو الفرج: و دير العذارى بسرّ من رأى إلى الآن موجود تسكنه الرواهب. فجعلهما اثنين، و حدث الجاحظ في كتاب المعلمين قال حدثني ابن فرج الثعلبي أنّ فتيانا من بني ملاصة من ثعلبة أرادوا القطع على مال يمرّ بهم قرب دير العذارى، فجاءهم من خبّرهم أن السلطان قد علم بهربهم و ان الخيل قد أقبلت تريدهم فاستخفوا في دير العذارى، فلما حصلوا فيه سمعوا أصوات حوافر الخيل التي تطلبهم و هي راجعة من الطلب فأمنوا، فقال بعضهم لبعض: ما الذي يمنعكم أن تأخذوا القسّ و تشدّوه وثاقا و يخلو كل واحد منكم بواحدة من هذه الأبكار، فاذا طلع الفجر تفرقنا في البلاد، و كنّا جماعة بعدد الأبكار اللواتي كنّ أبكارا في حسابنا، ففعلنا ما اجتمعنا عليه، فوجدنا كلّهنّ ثيّبات قد فرغ منهن القسّ قبلنا، قال بعضنا:

و دير العذارى فضوح لهنّ # و عند القسوس حديث عجيب

خلونا بعشرين صوفيّة # و نيل‏ (5) الرواهب أمر غريب‏

____________

(1) ذكرنا هذا البيت فيما تقدم من تعليقاتنا، تأييدا لما اشتهر هؤلاء من اللواط لا الزنا، فاستشهاد المؤلف بقول الشاعر بارد و مضاد لما حكى فتأمل ذلك.

(2) في الديارات «اذا مشى» و بكسر الوزن‏

(3) الديارات «ص 107، 108» .

(4) في الأصل «أتى» و «مدودة» مذهوبا فيه الى النهر و هو مذكر و لكنه قال بعد ذلك «فأذهبته» فدل على التأنيث.

(5) أبدلت حرفا من المصدر لتهذيبه، و حذفت الأبيات من الأدب المفضوح.

54

سباع تموج وزاقولة # لها في البطالة حظ رغيب

و للقسّ حزن يهيض القلوب # و وجد يدلّ عليه النحيب‏

و قال الشابشتي‏ (1) ... «و ذكر ما قال الشابشتي و قد نقلته آنفا. و قال ابن فضل اللّه العمري: «دير العذارى و هو بين سرّ من رأى و بغداد بجانب العلث على دجلة في موضع حسن فيه رواهب عذارى و كانت حوله حانات الخمر و بساتين و متنزهات، لا يعدم من دخله أن يرى من رواهبه جواري حسان الوجوه و القدود و الألحاظ و الألفاظ. قال الخالدي: و لقد اجتزت به فرأيته حسنا و رأيت في الحانات التي حوله خلقا يشربون على الملاهي و كان ذلك اليوم عيدا له، و رأيت في جنينات لرواهبه جماعة يلقطن زهر العصفر و لا يماثل خمره خدودهنّ، ثم إنّ دجلة أهلكته بمدودها حتى لم يبق منه أثر و لجحظة فيه أخبار و أشعار لأنه كان مكانه و مأواه، و إليه ينجذب هواه و فيه يقول ابن المعتز:

أيا جيرة الوادي على المشرع العذب # سقاك حيا حيّ الثرى ميت الجدب

و حسبك يا دير العذارى قليل ما # يحن بما تحويه من طيبة قلبي

كذبت الهوى إن لم اقف اشتكي الهوى # اليك و ان طال الوقوف على صحبي

و عجت به و الصبح ينتهب الدجى # باضوائه و النجم يركض في الغرب

أصانع اطراف الدموع بمقلة # موفّرة بالدمع غربا على غرب

و هل هي الاحاجة قضيت لنا # و لوم تحملناه في طاعة الحبّ‏

و قال الخالدي: و أنشدني جحظة لنفسه:

قالوا قميصك مغمور بآثار # من المدامة و الريحان و القار (2)

فقلت من كان مأواه و مسكنه # دير العذارى لدى حانوت خمّار

____________

(1) معجم البلدان في «دير العذارى» .

(2) لعل الاصل «و الغار» و هو ضرب من الشجر، و يبعد ان يكون اراد قار الدنان، فالغالب على ختومها الطين و يثبت ذلك قول ابي نواس:

و جي‏ء بالدن على مرفع # و خاتم العلج على طينه‏

55

و ساده يده و الأرض مفرشه # لا يستطيع لسكر حلّ أزرار

لم ينكر الناس منه أنّ حلّته # خضراء كالروض أو حمراء كالنار» (1)

و ذكر ابن فضل اللّه بعد ذلك بيتين للصنوبري في دير العذارى، مع أنه ليس بدير عذارى العراق، بل هو دير عذارى حلب، كما رأى فقد ذكر ياقوت ديرا للعذارى بظاهر حلب في بساتينها و لا دير فيه و لعله كان قديما، و يؤيد ذلك ان الصنوبر تغزل في البيتين بغلام، و ذكر بعدها ابياتا لابن فيروز البصير في دير العذارى، و هي من الغزل الغلماني أيضا فلا صلة لها بدير العذارى، ثم اورد حكاية الجاحظ و أبيات اللصوص ثم ابيات الديارات التي نقلها الشابشتي و قد قدمت ذكرها و قال أخيرا: «و قيل في راهبة فيه:

يا ايها القمر المنير الزاهر # المشرق الحسن المضي‏ء الباهر

أبلغ شبيهتك السّلام و هنّها # بالنوم و اشهد لي بأني ساهر (2)

و قد ذكر دير العذارى بالعراق الباحث حبيب الزيات أحد الكتاب النصارى و المتجربين في بحوثهم للدفاع عن النصرانية (3) .

دير العلث
قال الشابشتي: «و العلث قرية على شاطى‏ء دجلة في الجانب الشرقي منها و بين يديها من دجلة موضع صعب، ضيق المجاز، كبير الحجارة، شديد الجرية تجتاز فيه السفن بمشقة و هذه المواضع تسمّى الأبواب، و اذا وافت السفن الى العلث ارست بها فلا يتهيأ لها الجواز إلا بهاد من أهلها يكترونه، فيمسك السكان، و يتخلل بهم تلك المواضع، فلا يحطها حتى يتخلص منها. و هذا الدير راكب دجلة و هو من احسن الديارات موقعا و أنزهها موضعا، يقصد من كل بلد، و يطرقه كل أحد، و لا يكاد يخلو من

____________

(1) مسالك الأبصار «1: 258، 259» .

(2) المسالك «1: 260، 261» .

(3) الديارات النصرانية في الاسلام «ص 25، 89، 104» .

56

منحدر و مصعد، و من دخله لم يتجاوز الى غيره لطيبه و نزهته، و وجود جميع ما يحتاج اليه بالعلث و به» (1) . و قال ياقوت: «دير العلث، زعم قوم أنه دير العذارى بعينه، و قال الشابشتي: العلث قرية على شاطى‏ء دجلة من الجانب الشرقي في قرب الحظيرة دون سامرا و هذا الدير راكب دجلة و هو من الديارات و أحسنها و كان لا يخلو من أهل القصف» (2) . و قال في موضع آخر: «العلث بفتح اوله و سكون ثانيه و آخره ثاء مثلثة... و هي قرية على دجلة بين عكبرا و سامراء، و ذكر الماوردي في الأحكام السلطانية ان العلث قرية موقوفة على العلويين و هي أول العراق في شرقي دجلة» . و قال ابن عبد الحق: «العلث بكسر أوله و سكون ثانيه و آخره ثاء مثلثة قرية على دجلة بين عكبرا و سامرّا، موقوفة على العلويين، كانت في شرقي دجلة، و هي الآن من عمل دجيل على الشطيطة» (3) . و كان قال: «دير العلث و هو دير على دجلة من شرقيها قرب الحظيرة و قيل انه دير العذارى و لعله الذي كان باقيا الى هذه الغاية» (4) .

و قال الدكتور احمد نسيم سوسة: «أما المدن و القرى المهمة التي كانت على مجرى دجلة ضمن طسّوج بزرج فأولها من الشمال مدينة (العلث) و هي المدينة التي ما زالت خرائبها الواسعة تشاهد على مسافة حوالي سبعة كيلومترات من شمالي غربي مدينة بلد الحاليّة، و قد حافظت على اسمها القديم حتى اليوم فهي لا تزال تسمى اطلالها بالعلث، كما انه لا يزال يسمى سكنة هذه المنطقة (علثاويين) و تمتد خرائب العلث هذه على طول الضفة اليسرى لمجرى دجلة القديم (الشطيطة) و هو المجرى الذي يسمى فيه نهر بلد الحالي الذي يتفرع من ضفة نهر دجيل اليسرى و ينتهي الى بساتين بلد الحديثة... و مما يدل على: استمرار ازدهار مدينة العلث بعد تحول مجرى دجلة عنها ان المنتصر

____________

(1) الديارات «ص 96» .

(2) معجم البلدان في «دير العلث» .

(3) مراصد الاطلاع في «العلث» .

(4) مراصد الاطلاع في «دير العلث» .

57

كان يقصدها بين حبن و آخر للاتصال بعلمائها، فقد ذكر سبط ابن الجوزي في كتابه مرآة الزمان أن المستنصر (كان يمضي الى العلث قرية من دجيل، بينها و بين بغداد مسيرة يومين حتى يزور اسحاق العلثي الحنبلي» (1) .

و قال الشابشتي بعد وصفه للعلث و دير العلث و لجحظة فيه:

أيها المالحان باللّه جدّا # و اصلحا لي الشراع و السكّانا

بلّغاني هديتما البردانا # و ابزلا لي من الدنان دنانا

واعد لا بي الى القبيصة (2) فالزهـ # ... راء علّي أفرج الأحزانا

و إذا ما اقمت حولا تماما # فاقصدا بي الى كروم أوانا

و انزلا بي الى شراب عتيق # عتّقته يهوده أزمانا

و احططا لي الشراع بالدير بالعلـ # ... ث لعلي اعاشر الرهبانا

(و ظباء يتلون سفرا من الانجيـ # ... ل باكرن سحرة قربانا (3) )

لا بسات من المسوح ثيابا # جعل اللّه تحتها أغصانا

(خفرات حتى اذا دارت الكأ # س كشفن النحور و الصلبانا) (4)

**** و للمعتمد:

يا طول ليلي بفم الصلح # أتبعت خسراني بالربح

لهفي على دهر لنا قد مضى # بالقصر و القاطول و الشلح

بالدير بالعلث و رهبانه # بين الشعانين الى الدنح» (5)

و قال ابن أبي أصيبعة: «قال يوسف بن إبراهيم: عدت جبرئيل بن

____________

(1) ري سامراء «ص 183، 184» . و اسحاق بن احمد العلثي توفي سنة 634 كما في الشذرات «5: 162» و ولي المستنصر الخلافة سنة «623» فيجوز ان تكون زيارته له بعيد سنة 623 و تحول مجرى دجلة بعيد ذلك أي قبل تاريخ انشاء قنطرة حربى الذي هو سنة 629.

(2) قرية كانت قرب سامرا، كما في معجم البلدان.

(3) هذا البيت مزيد من معجم البلدان و عليه تعتمد الأبيات التالية له.

(4) زيادة من معجم البلدان أيضا.

(5) الديارات «ص 97، 98» .

58

بختيشوع بالعلث سنة خمس عشرة سنة و مائتين و قد كان خرج مع المأمون في تلك السنة حتى نزل لمأمون في دير النساء، فوجدت عنده يوحنا بن ماسويه و هو يناظره في علته و جبرئيل يستحسن استماعه و إجابته و وصفه، فدعا جبرئيل بتحويل سنته و سألني النظر فيه و اخباره بما يدل عليه الحساب، فنهض يوحنا عند ابتدائي بالنظر في التحويل، فلما خرج من الحراقة قال لي جبرئيل:

ليست بك حاجة الى النظر في التحويل لاني أحفظ جميع قولك و قول غيرك في هذه السنة و انما أردت بدفعي التحويل اليك ان ينهض يوحنا فأسألك عن شي‏ء بلغني عنه، و قد نهض، فأسألك بحق اللّه هل سمعت يوحنا قط يقول:

إنه اعلم من جالينوس بالطب. فحلفت له أني ما سمعته قط يدعي ذلك» (1) .

عمر نصر (2)
قال ياقوت: «عمر نصر بسامرّا و فيه يقول الحسين بن الضحّاك:

يا عمر نصر لقد هيجت ساكنة # هاجت بلابل صدر بعد إقصار

للّه هاتفة هبّت مرجعة # زبور داود طورا بعد أطوار

يحثها دالق بالقدس محتنك # من الأساقف مزمور بمزمار

عجّت أساقفها في بيت مذبحها # و عج رهبانها في عرصة الدار

خمّار حانتها إن زرت حانته # أذكى مجامرها بالعود و الغار

يهتز كالغصن في سلب مسوّدة # كان دارسها جسم من القار

تلهيك ريقته عن طيب خمرته # سقيا لذاك جنى من ريق خمار

____________

(1) عيون الأنباء في طبقات الأطباء «1: 173» .

(2) العمر بضم العين و تسكين الميم من السريانية «عمرا» بمعنى الدار و المنزل، و المراد بها عند هؤلاء النصارى الدير و جمعه اعمار «راجع حاشية ص 191» من الديارات للشابشتي، و بسط القول في شرح العمر ياقوت الحموي في كلامه على عمر كسكر، و لكنه لم يعلم أنه اصطلاح سرياني.

59

أغرى القلوب به الحاظ ساجية # مرهاء تطرف عن أجفان سحار (1) »

و قال الباحث حبيب الزيات: «و من الديارات التي اشتهرت بهذا الطرب دير مارت مريم بين الخورنق و السدير... و نظيره عمر نصر في سر من رأى و هو من متنزهات آل المنذر قديما بالحيرة، قال الحسين بن الضحاك و كان كثيرا ما يألفه: اصطبحت انا و اخوان لي في عمر سر من رأى و معنا أبو الفضل رذاذ و زنام الزامر. فقرأ الراهب سفرا من أسفارهم حتى طلع الفجر، و كان شجي الصوت جدا و رجع من نغمته ترجيعا لم أسمع مثله، فتفهمه رذاذ و زنام، فغنى ذلك عليه و زمر هذا فجاء له معنى أذهل العقول و ضج الرهبان بالتقديس فقلت: يا عمر نصر لقد هيجت ساكنة... » و ذكر أربعة ابيات منها بيت لم يذكره ياقوت الحموي على الصحة و هو:

لما حكاها زنام في تفننها # فافتن يتبع مزمورا بمزمار» (2)

و القول بأنه أي عمر نصر كان من متنزهات آل المنذر قديما بالحيرة مناقض لقوله بادى‏ء ذي بدء انه في سر من رأى، و يكون من المحال تنزه ملوك الحيرة القائمة على الفرات قرب النجف في أرض دير بسامرا على دجلة لبعد المسافة و لأن ارض الطيرهان و فيها الدير لم تكن من مملكة الحيرة و لا كان فيها لملوك الحيرة سلطة و لا سلطان و لا كلمة نافذة.

و رأيت مثل هذا الكلام في مجلة لغة العرب في الكلام على سامرا قال الكاتب «و كان في جوارها من سابق العهد أي قبل الاسلام عدة أديرة للنصارى كلها شهيرة منها قلاية العمر أو عمر نصر و كان من متنزهات آل المنذر بالحيرة (3) » و قد ذكر نقلا من معجم البلدان لياقوت الحموي أن عمر نصر كان في ناحية سامرا.

____________

(1) معجم البلدان في «عمر نصر» .

(2) الديارات النصرانية في الاسلام «ص 88، 89» و أحال بالخبر على معجم ما استعجم «ص 369، 370 طبعة اورية» .

____________

(3) مجلة لغة العرب «1: 82»

غ

60

دير مرماجرجس
قال ياقوت الحموي: «دير مرماجرجس: دير بنواحي المطيرة...

و ذكره الشابشتي مع دير مرجرجس، و لعله هو هو» و قد كان قال: «دير مرجرجس بالمزرفة بينه و بين بغداد أربعة فراسخ مصعدا و المزرفة قرية كبيرة و كانت قديما ذات بساتين عجيبة و فواكه غريبة، و كان هذا الدير من متنزهات بغداد لقربه و طيبه» . و على اعتبار أنه بالمزرفة، فلا يعد من ديارات سامرا و نواحيها، و أيدّ كونه بالمزرفة ابن فضل اللّه العمري قال:

دير جرجس و هو بالمزرفة أحد الأماكن المشهودة و المواضع المقصودة، و يخرج اليه من يتنزه من أهل بغداد في السّميريّات. لقربه و طيبه و هو على شاطي‏ء دجلة و البساتين محدقة به و الحانات مجاورة له، و به كل ما يحتاج إليه» (1) . و قال قبلهما الشابشتي: «دير مرجرجس، هذا الدير بالمزرفة و هو أحد الديارات و المواضع المقصودة و المتنزهون من اهل بغداد يخرجون اليه دائما في السميريات لقربه و طيبه و هو على شاطي‏ء دجلة و العروب- يعني طواحين الماء السفنية-بين يديه و البساتين محدقة به و الحانات مجاورة له، و كل ما يحتاج إليه المتنزهون فحاضر فيه. و المزرفة من أحسن البلاد عمارة و أطيبها بقعة و بها من البساتين ما ليس ببلد.

-

____________

(1) الديارات صفحة 69.

61

القادسية
و من المواضع التي كانت في ناحية سامرا المعتصم قبل تمصيرها «القادسية» قال الشابشتي في الكلام على دير السوسي و قد نقلناه في الكلام على هذا الدير:

«هذا الدير لطيف على شاطى‏ء دجلة بقادسية سر من رأى و بين القادسية و سر من رأى أربعة فراسخ و المطيرة بينها... و القادسية من أحسن المواضع و أنزهها و هي من معادن الشراب و مناخات المتطربين، جامعة لكل ما يطلب أهل البطالة و الخسارة و بالقادسية بنى المتوكل قصره المعروف ببركوار و لما فرغ من بنائه و هبه لابنه المعتز و جعل اعذاره فيه، و كان من أحسن ابنية المتوكل و أجلها، و بلغت النفقة عليه عشرين الف الف درهم» (1) .

و قد أخطأ ياقوت في تعيينها قال: «و القادسية قرية كبيرة من نواحي دجيل بين حربى و سامرا، يعمل بها الزجاج» (2) . و عقب ابن عبد الحق على كلامه هذا قال: «هذه (القادسية) ليست من دجيل، إنما هي في الجانب الشرقي من دجلة من قرى سامرا، خربة تحت سامرا و المطيرة (3) » . و كأن ياقوتا الحموي شعر بخطئه في معجم البلدان فاستدركه في كتاب له في آخر البلدان أيضا قال: «و القادسيّة قرية كبيرة قرب سامرا يعمل فيها الزجاج، ينسب اليها الشيخ أحمد بن علي المقرى‏ء القادسيّ الضرير، و ابنه محمد بن أحمد القادسي الكتبي مؤلف (ذيل تاريخ ابن الجوزي) و هو حيّ الآن» (4) .

و قال الاستاذ المستشرق لسترنج: «و في شمال غربي العلث حيث ينعطف النهر اليوم إلى ناحية الشرق انعطافه العظيم قادسية دجلة، فلا يخلطنّ بين هذه القادسية و قادسية الفرات التي كانت في غرب هذا النهر، و كانت قادسية دجلة مشهورة بعمل الزجاج» (5) و قال مترجما كتاب لسترانج: «يقوم

____________

(1) الديارات «ص 139، 150» .

(2) معجم البلدان في مادة «القادسية» .

(3) المراصد في مادة «القادسية» .

(4) المشترك وضعا و المفترق صقعا «ص 337» .

(5) بلدان الحلافة الشرقية، ترجمة بشير فرنسيس و كوركيس عواد «ص 72» .

62

سور القادسية في جنوب أطلال سامراء بين الضفة اليمنى لنهر القائم المندرس و ضفة دجلة اليسرى و هو سور مثمن من اللبن طول كل ضلع من أضلاعه (620) مترا، تدعمه من الخارج (17) دعامة نصف دائرية و في كل ركن من أركان السّور برج مدوّر كبير قطره نحو ثمانية أمتار، و ثخن السّور أربعة أمتار و علوه نحو خمسة أمتار، و تبلغ مساحة الأرض التي يكتنفها السور نحو (745) دونما-و الدونم 2500 متر مربع-. و في هذا السور فتحات تدل على أنها كانت أبوابا له، و السّور من الداخل مؤلف من أروقة كل رواق بين دعامتين من دعائمه، و بعض هذه الأروقة اتخذ حجرات. و تشاهد في داخل القادسية في وسطها معالم أبنية من اللبن، و قد جي‏ء بالماء الى القادسية من النهر المار من القاطول الكسروي إلى نهر القائم، ثم يعبره فوق قنطرة من الآجرّ قد اندرست، و عند وصول النهر الى سور القادسيّة يدخلها من أحد أبوابها و يتفرّع في داخلها. راجع سامراء لدار الآثار العراقية ص 72 و سومر 3: 167 و ري سامراء 248» . ثم قالا: «يلاحظ الآن في شرقي سور القادسية خرائب عباسية قرب ضفة دجلة تكثر فوق سطحها كتل من الزجاج المصهور و كسر كثيرة من الأواني الزجاج و قد نقّبت دائرة الآثار العراقية هذا الموضوع سنة 1940 و عثرت فيه على مقادير كبيرة من هذه المواد الزجاجية و على بقايا أبنية و أكوام من رماد» (1) .

قلنا: و تدل الدلائل الآثارية من السور المشبه بقيته سور دسكرة أبرويز قرب شهربان على أن هذا البنيان ساساني. و قال الشابشتي في ذكر إعذار المعتز بن المتوكل أي ظهوره بقصر بركوار: «لما صح عزم المتوكل على إعذار أبي عبد اللّه المعتز أمر الفتح بن خاقان بالتأهب له و أن يلتمس في خزائن الفرش بساطا للايوان في عرضه و طوله، و كان طوله مائة ذراع و عرضه خمسون ذراعا، فلم يوجد إلا فيما قبض من بني أمية، فانه وجد في أمتعة هشام بن

____________

(1) حاشية بلدان الخلافة الشرقية «ص 72، 73» .

63

عبد الملك على طول الايوان و عرضه، و كان بساطا إبريسما غرز و ذهب مفروز مبطّن، فلما رآه المتوكل أعجب به و أراد أن يعرف قيمته، فجمع عليه التجار، فذكر انه قوّم على أوسط القيم عشرة آلاف دينار، فبسط في الايوان، و بسط للخليفة في صدر الايوان سرير و مدّ بين يديه أربعة آلاف مرفع ذهب مرصعة بالجوهر فيها تماثيل العنبر و الند و الكافور (المعمول به على مثل الصّور، منها ما هو مرصع بالجوهر مفردا و منها ما عليه ذهب و جوهر) و جعلت بساطا ممدودا، و تغدّى المتوكل و الناس» و جلس على السّرير و أحضر الأمراء و القواد و الندماء (و أصحاب المراتب‏ (1) ) فأجلسوا على مراتبهم و جعل بين صوانيهم و السماط فرجة، و جاء الفراشون بزبل قد غشّيت بأدم مملوءة دنانير و دراهم نصفين، فصبّت في تلك الفرج حتى ارتفعت، و قام الغلمان فوقها، و أمروا الناس عن الخليفة بالشرب‏ (2) ، و أن ينتقل كل من يشرب بثلاث حفنات ما حملت يداه من ذلك المال، فكان إذا أثقل الواحد منهم ما اجتمع في كمه‏ (3) أخرجه إلى غلمانه فدفعه إليهم و عاد إلى مجلسه، و كلما فرغ موضع أتى الفراشون بما يملؤونه (منه) حتى يعود الى حاله.

و خلع على سائر من حضر ثلاث خلع كل واحد (و أقاموا إلى أن صليت العصر و المغرب) و حملوا عند انصرافهم على الأفراس و الشهاري. و أعتق المتوكل عن المعتز ألف عبد، و أمر لكل واحد منهم بمائة درهم و ثلاثة أثواب، و كان في صحن الدار بين يدي الايوان أربعمائة بليّة (4) ، عليهن أنواع الثياب بين أيديهنّ ألف نبيجة (5) خيزران فيها أنواع الفواكه و الأترج و النارنج على قلته-كان-في ذلك الوقت، و التفاح الشامي و الليموه و خمسة آلاف باقة

____________

(1) الزيادة زادها محقق كتاب الديارات من كتاب مطالع البدور في منازل السرور للغزولي «1: 58» .

(2) هكذا كان امر امير المؤمنين و امام المسلمين اجمعين، يأمر الناس بشرب الخمر.

(3) كان يضع الدنانير و الدراهم في كمه لان الجيوب المعروفة اليوم لم تكن معروفة ايامئذ.

(4) يظهر انهن من اجناس الجواري.

(5) النبيجة من معانيها الطبق من خوص او خيزران كما ذكر المؤلف.

64

نرجس و عشرة آلاف باقة بنفسج، و تقدم إلى الفتح أن ينثر على البليات و خدم الدار و الحاشية ما كان أعده لهم و هو عشرون ألف ألف درهم، فلم يقدم أحد على التقاط شي‏ء، فأخذ الفتح درهما، فأكبت الجماعة على المال فنهب، و كانت قبيحة (أم المعتز) قد تقدمت بأن تضرب دراهم عليها (بركة اللّه لأعذار أبي عبد اللّه المعتز) فضرب لها ألف درهم، نثرت على المزيّن و من في حيّزه من الغلمان و الشاكرية و قهارمة الدار و الخدم الخاصة من البيضان و السودان، و كان ممن حضر المجلس ذلك اليوم محمد (1) بن المنتصر و أبو أحمد أبو سليمان ابنا الرشيد و أحمد و العباس ابنا المعتصم و موسى بن المأمون، و ابنا حمدون النديم و أحمد بن أبي رؤيم و الحسين بن الضحاك و علي بن الجهم و علي ابن يحي بن المنجم و أخوه. و من المغنين عمرو بن بانة، أحمد بن أبي العلاء، ابن الحفصي، ابن المكي، سلمك، عثعث، سليمان الطبال، المسدود، حشيشة، ابن القصار، صالح الدفاف، زنام الزامر. و من المغنيات عريب، بدعة جاريتها، سراب، شارية و جواريها، ندمان، منعم، نجلة، تركية، فريدة، عرفان، قال إبراهيم بن المدبر: لما ظهر المعتز اجتمع مشايخ الكتاب بين يدي المتوكل و كان فيهم يحي بن خاقان و ابنه عبيد اللّه إذ ذاك الوزير و هو واقف موقف الخدم بقباء و منطقة، و كان يحي لا يشرب النبيذ، فقال المتوكل لعبيد اللّه: خذ قدحا من تلك الأقداح و اصبب فيه نبيذا و صيّر على كفك منديلا و امض إلى أبيك يحي فضعه في كفّه. قال: ففعل. فرفع يحي رأسه الى ابنه. فقال المتوكل: يا يحي لا تردّه. قال: لا يا أمير المؤمنين‏ (2) . ثم شرب و قال: قد جلّت نعمتك عندنا يا أمير المؤمنين، فهنأك اللّه النعمة و لا سلبنا ما أنعم به علينا منك. فقال: يا يحي إنما أردت أن يخدمك وزير بين يدي خليفة في طهور ولي عهد. و قال ابراهيم بن العباس: سألت

____________

(1) لعل الأصل «محمد المنتصر» و هو أخو عبد اللّه المعتز.

(2) نداء جوابي فيه تبكيت و توبيخ لأمير المؤمنين.

65

أبا حرملة المزيّن في هذا اليوم فقلت: كم حصل لك إلى أن وضع الطعام؟ فقال: نيف و ثمانون ألف دينار سرى الصياغات و الخواتيم و الجواهر و العدات.

قال: و أقام المتوكل ببركوار ثلاثة أيام ثم أصعد الى قصره الجعفريّ و تقدم باحضار إبراهيم بن العباس و أمره أن يعمل له عملا بما انفق في هذا الأعذار و يعرضه عليه، ففعل ذلك فاشتمل العمل على ستة و ثمانين ألف الف درهم و كان الئاس يستكثرون ما أنفقه الحسن بن سهل في عرس ابنته بوران حتى أرّخ ذلك في الكتب و سميت دعوة الاسلام ثم أتى من دعوة المتوكل ما أنسى ذلك» (1) .

و على ذكر بركوار القصر الفخم الذي بناه المتوكل بسامرا و جعل مساحة إيوانه مائة ذراع في خمسين ذراعا، أقول: قدّمنا من قول الشابشتي ما يفيد أن القصر بني بالقادسية: قادسية سامرا و أن بين القادسية و سامرّا أربعة فراسخ و المطيرة بينهما، و الأربعة الفراسخ تساوي في الأقل «18» كيلو مترا، من مقاييس الطول في عصرنا، فهل ينطبق آثار القصر «المنقور» المعروفة اليوم بسامرّا على «قصر بركوارا» ؟

جاء في مقالة بعنوان «آثار سامراء الخالية و سامرا الحالية» و قد تقدم ذكرها، قول كاتبها «و لقد سبر الدكتور هرتسفلد بعض السّبر قصرا واقعا على عدوة دجلة اليمنى يعرف بقصر العاشق و رأى أن يتابع السّير بعد ذلك.

أما الآن فانه يجري التنقيب في قصر مبني قد افترش من الأرض فسحة عظيمة تناهز كيلو مترين مربعين و نصفا و هو واقع في جنوبي سامراء و اسمه المنقور، و هو و لا شك القصر المعروف سابقا باسم (بلكوارا) الذي بناه و سكنه المعتز باللّه ابن المتوكل على اللّه و ذلك قبل ارتقائه عرش الخلافة (2) » . ثم قال: «و بازاء العاشق في الجانب الشرقي من ضفة دجلة الگويرا (بالكاف الفارسية و تصغير الاسم) و هو تلول مسافة طولها قرابة مائة متر و عرضها اليوم قرابة عشرة

____________

(1) الديارات «ص 150-156» .

(2) مجلة لغة العرب «1: 91 سنة 1911» .

ج 1-سامراء (5)

66

أمتار و قد أكل الشط نصفها و بقي النصف الآخر و ظهرت فيها غرف مبنية بالجص و الآجرّ مع سراديب و هي اليوم في وسط الماء إذ مهواه عليها و في أيام الفيضان يحيط بها الماء و تكون شبيهة بالجزيرة (1) » .

و علّق الأب انستاس اللغوي المعروف على كلمة «الكوير) قوله:

«لفظة الگوير تشابه كلّ المشابهة لفظة بلكوارا، لا سيما لأننا نعلم أن العرب كثيرا ما تستثقل الألفاظ الكثيرة الحروف، فيتصرفون بها كل التصرّف، و قد وردت ألفاظ كثيرة حذفوا منها صدرها و أبقوا عجزها، فيحتمل أنهم حذفوا صدر (بلكوارا) و قالوا (كوارا) ، و لما كان التصغير شائعا على ألسنة أعراب العراق جميعهم قالوا فيها (كوير) بحذف الألف الأخيرة من باب التخفيف. و الظاهر أن (بلكوارا) كلمة آرامية قديمة مركبة من (بل) أي بعل و (كوارا) أي الجبّار أو القويّ‏ (2) ، أو الإله، و محصل معناه «بعل الجبّار» فيكون موطن هذا القصر في السابق هيكل (كذا) لبعل الأكبر (3) ، و تلفظ الكاف في (كوارا) كالكاف الفارسيّة و كالجيم الآرمية أو المصرية و بتشديد الواو، و قد يكتب العرب الجيم المصرية أو الكاف الفارسيّة كافا لخلوّ حروف هجائهم من هذا الحرف (راجع تاج العروس مادة ج ب ر.

و المزهر 1: 11. و مقدمة ابن خلدون، طبعة بيروت الأولى (509) .

و مع كل هذه الأدلة التي يظنها الباحث أنها من البراهين المقنعة فلا يظن الاستاذ هرتسفلد أن (الكوير) هو (بلكوارا) و السبب الأعظم في رفض هذا الرأي هو أن بلكوارا كان في الجنوب الأقصى من موقع المدينة، و هذا لا يصدق اليوم على موقع الكوير، ثانيا أن أعراب العراق لا يجعلون كافا فارسية أو جيما مصرية إلا القاف فيقولون: گال، بالكاف الفارسية في «قال» .

____________

(1) المرجع المذكور «ص 137-139» .

(2) قلت: هي اولى بأن تفسر بالجوّار مبالغة من «الجائر» لأن الواو مشددة حتى في الآرامية كما سيأتي. و الجور يعتمد على القوة غالبا.

(3) هذا الرأي هو الذي بعثنا على تفصيل القول فيه لاعتداده متقدم الزمان على سامرا المعتصم.

غ

67

و عليه فيكون «كذا» أصل لفظ الكوير (القوير) تصغير القارة. و بمعنى الجبيل المنقطع عن الجبال أو الصخرة العظيمة مع حذف الهاء للتخفيف.

هذا رأي الدكتور العلامة (هرتسفلد) . و أما سكان سامراء فيزعمون أن الكوير سمّي بهذا الاسم من الگاوور و الكاوور عندهم الكفار أو النصارى، فيكون معنى اللفظ (تل الكفار) و هذا أيضا لا يسلّم به‏ (1) ، و السبب هو أن الكاف في كلا اللفظين (كاوور و كوير) و إن كانت تلفظ كالكاف الفارسيّة إلاّ أنّ الكاوور لا يصغر هذا التصغير أي على وزن زبير، كما أنه لا موجب هناك أن يسمى الكوير بهذا الاسم، إن كان هذا معناه، و لا يسمّى غيره بمثله، و عليه فهذا الرأي فاسد لا محالة. بيد أن ما يثبت كل الاثبات أن المنقور هو (بلكوارا) هو أن اليعقوبي يقول في كتابه تاريخ البلدان-ص 265-إن المتوكل... أنزل ابنه المعتز خلف المطيرة مشرقا بموضع يقال له بلكوارا، فاتصل البناء من بلكوارا إلى آخر الموضع المعروف بالدور مقدار أربعة فراسخ. و قد حضر الدكتور هرتسفلد في المنقور فوجد هناك رقيما عليه مكتوب (الأمير المعتز باللّه ابن أمير المؤمنين) و لما كان المنقور (و يلفظ بالكاف الفارسية) آخرا خربة سامراء لم يعد (2) يبقى شك في أن المنقور هو بلكوارا في السابق» (3) .

قلت: القادسية معلومة الأثر و الأطلال و قد ذكر الشابشتي أن المتوكل بنى قصر بلكوارا فيها، و المنقور القائم الأطلال لا يعد اليوم من القادسية، فكيف يكون هو «بلكوارا» ؟ثم إن المنقور تسمية عامية فان العوام يقولون مثلا: حجر منقور، و رحى منقورة و خشب منقور بالمنقار، و جاء في وصف دير متى شرقي الموصل «و أكثر بيوته منقورة في الصخر» كما في معجم البلدان.

____________

(1) الصواب «لا يسلم» بغير جار و مجرور، يقال: سلمت لك رأيك اي ايقنت به فهو مسلم.

(2) الصواب «لم يبق شك» و قوله «لم يعد» فضلة لا محل لها هناك.

(3) لغة العرب «1: 137، 138 في الحاشية» .

68

أي فيها تحفيرات بآلات الحفر، و لا تشبه لفظة بلكوارا لفظة «المنقور» حتى يصحفها العوام إليها بله أن المنقور اسم عربي معرّف محلى بالألف و اللام، و بلكوارا اسم أعجمي لم يدخل عليه أحد الألف و اللام و لم يقل أحد «البلكوارا» حتى يحتج لذلك التحريف البعيد، و لو كان المنقور تصحيفا لذاك لبقي في الأقل على صورة «منقورا» بغير تعريف بالألف و اللام. هذا و الأخبار التي نقلتها آنفا مذكور فيها أن في قصر بلكوارا إيوانا طوله مائة ذراع و عرضه خمسون ذراعا، فينبغي أن يبحث في خطة قصر المنقور عن موضع ينطبق على مساحة ذاك الايوان، فان وجد فذلك من مقويات الرأي القائل بأن المنقور هو أطلال بلكوارا، و إن كانت جميع القصور أيامئذ تحتوي على أواوين و كان المتوكل قد أحيا الطراز البنائي الحيري المعروف بالحاري ذي الكمين و ذكره المسعودي في مروج الذهب.

و لعل المنقور هو «الجوسق الخاقاني» قال اليعقوبي: «ثم أحضر المعتصم المهندسين فقال: اختاروا أصلح هذه المواضع فاختاروا عدة مواضع للقصور، و صيّر إلى كل رجل من أصحابه بناء قصر فصير الى خاقان غرطوج أبي الفتح بن خاقان بناء (الجوسق الخاقاني) و الى عمر بن فرج بناء القصر المعروف بالعمري و إلى أبي الوزير بناء القصر المعروف بالوزيري» (1) . ثم قال: «و ولي صورتان من بقايا اطلال الجوسق الخاقاني‏

اسكن

____________

(1) البلدان «ص 25 طبعة النجف» .

69

جعفر المتوكل ابن المعتصم فنزل الهاروني‏ (1) ، و آثره على جميع قصور المعتصم و أنزل ابنه محمدا المنتصر قصر المعتصم المعروف بالجوسق‏ (2) » . و قال أبو علي التنوخي: «و من ملح أخبار القاضي أحمد بن أبي دؤاد ما حكي أن المعتصم كان بالجوسق مع ندمائه و قد عزم على الاصطباح و أمر كلا منهم ان يطبخ قدرا و نظر سلامة غلام أحمد بن أبي دواد فقال: هذا غلام ابن أبي دواد جاء ليعرف خبرنا و الساعة يأتي فيقول: فلان الهاشمي و فلان القرشي و فلان الأنصاري و فلان العربيّ فيقطعنا بحوائجه عما كنا عزمنا عليه و أنا أشهدكم أني لا أقضي له اليوم حاجة. فلم يكن بأسرع من أن دخل ايتاخ يستأذن لأحمد بن أبي دواد. فقال (المعتصم) لجلسائه: كيف ترون؟قالوا: لا تأذن له يا أمير المؤمنين. قال: سوأة لهذا الرأي و اللّه لحمّى سنة أسهل عليّ من ذلك. فأذن له، فدخل، فما هو إلا أن سلم و جلس حتى أسفر وجه المعتصم و ضحكت اليه جوارحه ثم قال: يا أبا عبد اللّه قد طبخ كل واحد من هؤلاء قدرا و قد جعلناك حكما في أطيبها، قال: فلتحضر لآكل و أحكم بعلم. فأمر المعتصم باحضارها فأحضرت القدور بين يديه، و تقدم القاضي أحمد بن أبي دواد، فجعل يأكل من أول كل قدر أكلا تاما. فقال له المعتصم:

هذا ظلم. قال: و كيف ذاك؟قال: أراك قد أمعنت في هذا اللون و ستحكم لصاحبه. قال: يا أمير المؤمنين ليس بلقمة و لا باثنتين تدرك المعرفة باخلاط الطعام و عليّ أن أوفي كلا منها حقّه في الذوق ثم يقع الحكم بعد ذلك. فتبسم المعتصم و قال: شأنك إذن. و أكل من جميعها، كما ذكر، ثم قال: أمّا هذه فقد أحسن صاحبها إذ أظهر فلفلها و قلّل كمونها. و أما هذه فقد أجاد صاحبها إذ كثر خلّها و قلّل فلفلها ليشتهى حمضها. و أما هذه فقد أحكمها طبّاخها بتقليل مائها و كثرة ربّها. و أقبل يصفها واحدة واحدة، حتى أتى

____________

(1) هو القصر الذي صار المعشوق بعد ذلك مقابلا له و عرف عند العامة بالكوير تصغير القوير و هو منسوب الى هارون بن المعتصم.

(2) البلدان «ص 31، 32» .

70

على جميعها بصفات سرّ بها أصحابها» (1) .

و جاء في كتاب الأغاني عن أبي عبد اللّه الهشامي قال. «كانت متيم (الهشامية) للبانة بنت عبد اللّه بن إسماعيل المراكبي مولى عريب فاشتراها علي بن هشام منها بعشرين ألف درهم و هي إذ ذاك جويرية، فولدت له صفية و تكنى أم العبّاس ثم ولدت محمدا و يعرف بأبي عبد اللّه ثم ولدت بعده ابنا يقال له هارون و يعرف بأبي جعفر، سمّاه المأمون و كنّاه لما ولد بهذا الاسم و الكنية، قال: و لما توفي علي بن هشام عتقت، و كان المأمون يبعث اليها فتجيئه فتغنّيه، فلما خرج المعتصم إلى سرّ من رأى أرسل إليها فأشخصها و أنزلها داخل الجوسق في دار كانت تسمّى الدمشقيّ و أقطعها غيرها، و كانت تستأذن المعتصم في الدخول إلى بغداد إلى ولدها فتزورهم و ترجع» .

و هذا الخبر يشعر بسعة بقعة الجوسق الخاقاني بحيث أنشئت دور و مرافق فان كان اقطاع المعتصم لها من أرض الخاقاني أيضا فهذا التناهي في و ساعة القصر و مرافقه، و قال أبو علي التنوخي: «قال أبو اسحاق أخبرنا أحمد بن أبي دواد قال: دخلت على المعتصم يوما فقال لي: يا أبا عبد اللّه لم يدعني اليوم أبو الحسن الافشين حتى أطلقت يده على (أبي دلف) القاسم بن عيسى فقمت من بين يديه و لم أبصر شيئا جزعا على أبي دلف و دخلني أمر عظيم و خرجت فركبت دابتي و سرت أشدّ سير من الجوسق إلى باب الافشين بقرب المطيرة أؤمل أن أدرك أبا دلف من قبل أن تحدث عليه حادثة (2) » .

و أنهى القصة بتنحية أبي دلف فكانت من الفرج بعد الشدّة الذي هو موضوع الكتاب.

و ذكر أبو محمد البلوي في خبر ارتحال المعتمد على اللّه سنة 269 إلى

____________

(1) المستجاد من فعلات الأجواد «ص 206، 207» تحقيق محمد كرد علي و للحكاية بقية في الكتاب. الأغاني «ج 7 ص 294 طبعة دار الكتب المصرية» .

(2) الفرج بعد الشدة «1: 67 طبعة مطبعة الهلال بالقاهرة» .

71

مصر و العزم على الاستقرار فيها أن إسحاق بن كنداج القائد سار من نصيبين الى الموصل في خيل جريدة أربعة آلاف مملوك، فلحق المعتمد بين الموصل و الحديثة و منعه من الارتحال و أعاده الى سامرا قال: «فلما بلغوا سرّ من رأى تلقاه أبو العباس ابن الموفق و صاعد بن مخلد (الوزير) فسلمه إسحاق إليهما و انصرف إلى دار الخليفة ينتظر عودتهم فأنزلا المعتمد دار أبي أحمد ابن الخصيب التي في طرف الجسر و منع من نزول الجوسق و المعشوق و وكلا به قائدا في خمسمائة رجل يمنعون أن يدخل إليه أحد» (1) .

و قال ابن أبي أصيبعة: «قال يوسف بن إبراهيم: «كان خروج أمير المؤمنين (المعتصم باللّه) عن مدينة السّلام عن غير ذكر تقدّم الخروج إلى ناحية من النواحي و كان الناس قد حضروا الدكة بالشماسيّة (2) لحلبة السروج في يوم الاربعاء لسبع عشرة و ليلة خلت من ذي العقدة سنة عشرين و مائتين، فأخرجت الخيل و دعا بالجمّازات فركبها و نحن لا نشك في رجوعه من يومه، ثم أمر الموالي و القواد باللحاق به، و لم يخرج معه من أهل بيته أحد إلا العباس بن المأمون و عبد الوهاب بن علي، و خلّف المعتصم الواثق بمدينة السّلام إلى أن صلى بالناس يوم النحر سنة عشرين و مائتين ثم أمر بالخروج إلى القاطول، فخرج فوجهني أبو اسحاق (ابراهيم بن المهدي) بحوائج له إلى باب أمير المؤمنين، فتوجهت فلم يزل سيّارة مرة بالقاطول و مرة بدير بني الصقر و هو الموضع الذي سمّي في أيام المعتصم و الواثق بالايتاخيّة (3) و في أيام المتوكل بالمحمدية (4) ، ثم صار المعتصم الى سرّ من رأى فضرب مضاربه فيها و أقام بها في المضارب، فاني لفي بعض الأيام على باب مضرب المعتصم إذ خرج سلمويه بن بنان (طبيب المعتصم) فأخبرني

____________

(1) سيرة احمد بن طولون «ص 291-293 طبعة المطبعة العربية بدمشق، تحقيق محمد كرد علي» .

(2) ذكرنا ان باب الشماسية هي محلة الصليخ الحالية فالشماسية هناك.

(3) نسبة الى قائدة ايتاخ التركي.

(4) لعله نسبة الى ابنه محمد.

72

أن أمير المؤمنين أمره بالمصير الى الدور و النظر إلى سوارتكين الفرغاني و التقدم الى متطببه في معالجته من علّة يجدها بما يراه سلمويه صوابا و حلف عليّ أن لا أفارقه حتى نصير الى الدور و نرجع. فمضيت معه، فقال لي: حدّثني في غداة يومنا نصر بن منصور بن بسّام أنه كان يساير المعتصم باللّه في هذا البلد-يعني بلد سرّ من رأى-و هو أمير، قال لي سلمويه قال: قال لي نصر إن المعتصم أمير المؤمنين قال: يا نصر أسمعت قط بأعجب ممّن اتخذ في هذا البلد بناءا و أوطنه؟!ليت شعره ما أعجب موطنه: حزونة أرضه، أو كثرة أخاقيقته‏ (1) أم كثرة تلاعه و شدّة الحرّ فيه إذا حمي الحصى بالشمس؟! اما ينبغي أن يكون متوطن هذا البلد الا مضطرا مقهورا أو ردي‏ء التمييز.

قال لي سلمويه قال لي نصر بن منصور: و أنا و اللّه خائف أن يوطن أمير المؤمنين هذا البلد. فان سلمويه ليحدثني عن نصر إذ رمى ببصره نحو المشرق فرأى في موضع الجوسق المعروف بالمصيب أكثر من ألف رجل يضعون أساس الجوسق. فقال لي سلمويه: أحسب ظن نصر بن منصور قد صحّ.

و كان ذلك في رجب سنة إحدى و عشرين و مائتين، و صام المعتصم في الصيف في شهر رمضان من هذه السنة و غدّى الناس فيه يوم الفطر و احتجم المعتصم بالقاطول يوم سبت و كان ذلك اليوم آخر يوم من صيام النصارى، و استأذنه في المصير الى القادسية ليقيم في كنيستها باقي يومه و ليلته و يتقرب فيها يوم الأحد و يرجع الى القاطول قبل وقت الغداء من يوم الأحد، فأذن له في ذلك و كساه ثيابا كثيرة و وهب له مسكا و بخورا كثيرا فخرج منكسرا مغموما و عزم عليّ بالمصير الى القادسية فأجبته الى ذلك‏ (2) » . فتأمل ثانية سعة قصر الجوسق الخاقاني بحيث اشتغل بوضع أساسه أكثر من ألف رجل و غدّى المعتصم فيه الناس يوم الفطر.

____________

(1) الاخاقيق جمع اخقوق و هو شق في الارض، و هي لغة في اللخقوق، و في الحديث «فوقعت به ناقة في اخاقيق جرذان» .

(2) عيون الأنباء «1: 165، 166 طبعة ملر بمصر» و للقصة بقية في الكتاب.

73

و قال اليعقوبي في سيرة المعتصم: «و توفي يوم الخميس لاحدى عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول سنة 227 و صلىّ عليه ابنه هارون و دفن في قصره المعروف بالجوسق و كانت سنه 49 سنة» (1) . و قال الخطيب البغدادي في ترجمة محمد المنتصر ابن المتوكل ناقلا: «مات المنتصر باللّه يوم الأحد لخمس ليال خلون من شهر ربيع الأول من سنة ثمان و أربعين و مائتين، و صلى عليه ابن عمه أحمد بن محمد المستعين باللّه، و دفن في سر من رأى في موضع يقال له الجوسق» ثم قال ناقلا: «ولد المنتصر باللّه بسرّ من رأى و مات بسرّ من رأى و هو أول من أظهر قبره في خلفاء بني العباس و كان عمره أربعا و عشرين سنة (2) » .

و لم يذكر ياقوت الحموي في معجم البلدان «جوسق المعتصم» هذا أي الجوسق الخاقاني في مادته و لا في كتابه المشترك مع أنه ذكر جواسق عدة في بلدان مختلفة و لكنه ذكره في مادة «سامرا» في الكلام على القصور التي أنشأها المتوكل فيها و غيرها أن منها «الجوسق في ميدان الصخر خمسمائة ألف درهم» و قيمة هذا المبلغ الشرعية «خمسون ألف دينار» و هو مبلغ ضئيل بالنسبة الى نفقات القصور الأخرى التي كانت فيها أقل نفقات البناء خمسمائة ألف دينار للقصر المختار، و المليح، و قصر التل، ما عدا قصر القلائد فقد كانت النفقة عليه خمسين ألف دينار كنفقة الجوسق. و أنا أستدل بهذا على أن المتوكل لم يكن المنشي‏ء لقصر الجوسق بسامرا و إنما أنشأه المعتصم و أحدث المتوكل فيه بنيانا جديدا فنسب إليه، دلّني على ذلك أن المؤرخين الذين ذكروا الجوسق بعد قتل المتوكل لم يميّزوا بين جوسقين في التسمية و الاضافة، بل أطلقوا لفظ «الجوسق» و دلّني أيضا أن الشابشتي قال:

«و ذكر أحمد بن حمدون قال: بنى المعتز في الجوسق في الصحن الكامل بيتا قدّرته له أمه و مثّلت حيطانه و سقوفه فكان أحسن بيت رئي» (3) . فهذا

____________

(1) اليعقوبي «3: 204» .

(2) تاريخ بغداد «2: 121» .

(3) الديارات «ص 170» .

74

يدل على أن الجوسق كان من السعة في خطّته الأصلية و مرافقه ما يمكن معه إضافة أبنية أخرى.

و قد وردت أخبار لما حدث بعد وفاة المنتصر ابن المتوكل سنة 228 احتوت على ذكر «الجوسق» في تاريخ الطبري و غيره، و أحسبها لجوسق المعتصم لأن جوسق المتوكل لا يزال غير مميّز ذكره عن الجوسق العتيق سوى نسبته الانشاء إلى المتوكل مع أن النفقة لا تدل على إنشاء قصر فخم بالنسبة إلى القصور الأخرى‏ (1) .

____________

(1) اقرأ فصلا كاملا عن تمصير سامرا بقلم الدكتور مصطفى جواد في الجزء الثاني من هذا القسم الذي سيمثل للطبع في المستقبل ان شاء اللّه.

غ

75

سامراء في ظل الخلافة العباسية

كتبه الدكتور حسين امين أستاذ التاريخ الإسلامي المساعد بجامعة بغداد

و الحائز على درجة دكتوراه الشرف الأول من جامعة الاسكندرية

76

-

77

سامراء في ظل الخلافة العباسية

في أيام المعتصم‏

تولى الحكم في دولة بني العباس بعد وفاة المأمون، أخوه ابو اسحق محمد ابن هرون الرشيد و الملقب بالمعتصم سنة 218 هـ، 833 م، و كان المعتصم قد اكثر من شراء الاتراك، الى حد صار عنده سبعون الف مملوكا، كما اشترى من كان ببغداد من رقيق الناس، و ممن اشتري ببغداد، (أشناس) و كان مملوكا لنعيم بن خازم ابن هارون بن نعيم، و إيتاخ كان مملوكا لسلاّم بن الابرش، و (وصيف) كان زرادا مملوكا لآل النعمان، و سيما الدمشقي و كان مملوكا لذي الرئاستين الفضل بن سهل، و كان اولئك الاتراك العجم إذا ركبوا الدواب ركضوا فيصدمون الناس يمينا و شمالا فيثب عليهم الغوغاء فيقتلون بعضا و يضربون بعضا و تذهب دماؤهم هدرا لا يعدون على من فعل ذلك فثقل ذلك على المعتصم و عزم على الخروج من بغداد فخرج الى الشماسية و هو الموضع الذي كان المأمون يخرج فيفيم به الايام و الشهور. فعزم ان يبني بالشماسية خارج بغداد فضاقت عليه ارض ذلك الموقع و كره ايضا قربها من بغداد (1) .

____________

(1) اليعقوبي-البلدان ص 255-256 طبعة ليدن.

78

و يبدو ان المعتصم تنقل إلى أمكنة متعددة، فقد اقام بالبردان ثم انتقل الى باحمشا من الجانب الشرقي من دجلة، ثم صار الى المطيرة فأقام بها مدة ثم مدّ الى القاطول، و القاطول نهر كان في موضع سامراء قبل ان تعمر و كان الرشيد اول من حفر هذا النهر و بنى على فوهته قصرا سماه ابا الجند لكثرة ما كان يسقي من الأرضين و جعله لارزاق جنده، و فوق هذا القاطول القاطول الكسروي، حفره كسرى انوشروان‏ (1) . و لم تعجب ارض القاطول المعتصم و ركب متصيدا فمر في مسيره حتى صار الى موضع سر من رأى و هي صحراء من ارض الطيرهان لا عمارة بها و لا أنيس فيها إلاّ دير للنصارى فوقف بالدير و كلّم من فيه من الرهبان، و قال: ما اسم هذا الموضع، فقال له بعض الرهبان: نجد في كتبنا المتقدمة ان هذا الموضع يسمى سرّ من رأى و انه كان في مدينة سام بن نوح و انه سيعمر بعد الدهور على يد ملك جليل مظفر منصور له اصحاب كأن وجوههم وجوه طير الفلاة، ينزلها و ينزلها ولده. فقال: أنا و اللّه ابنيها و انزلها و ينزلها ولدي‏ (2) .

و أمر المعتصم ببناء القصور و الدور، و استقدم المهرة من الصناع و الفنيين لتشييد قصوره و بناياته و جلب اصناف الأشجار المثمرة من جميع البلدان فغرست البساتين في كل مكان، و ما انقضت سنتان او ثلاث حتى ارتفعت القصور و اقيمت المساجد و دواوين الدولة و بنيت الدور و مدت الأسواق و الشوارع و احكمت اسوار القطائع، و شيد فيها ثكنات لسكن 250 الف جندي و اصطبلات واسعة لاستيعاب 160 الف حصان‏ (3) .

و يبدو ان المعتصم بعد ان وافق على اختيار موضع سامراء، صيّر الى كل رجل من أصحابه بناء قصر، فصيّر الى خاقان عرطوج أبي الفتح بن خاقان بناء الجوسق الخاقاني، و الى عمر بن فرج بناء القصر المعروف

____________

(1) ياقوت-معجم البلدان جـ 4 ص 16 طبعة لا يبزك.

(2) اليعقوبي-البلدان ص 257.

(3) سيد امير علي-مختصر تاريخ العرب ص 243.

79

بالعمريّ، و الى ابن الوزير بناء القصر المعروف بالوزيريّ، ثم خطّ القطائع للقواد و الكتاب و الناس و خط المسجد الجامع و اختط الاسواق حول المسجد الجامع، و وسعت صفوف الأسواق و جعلت كل تجارة منفردة و كل قوم على حدتهم، على مثل ما رسمت عليه اسواق بغداد، و كتب في اشخاص الفعلة و البنائين. و اهل المهن من الحدادين و النجارين و سائر الصناعات و في حمل الساج و سائر الخشب و الجذوع من البصرة و ما والاها من بغداد و سائر السواد و من انطاكية و سائر سواحل الشام، و في حمل عملة الرخام و فرش الرخام فأقيمت باللاذقية و غيرها دور صناعة الرخام، و افرد قطائع الاتراك عن قطائع الناس جميعا و جعلهم معتزلين عنهم، لا يختلطون بقوم من المولّدين و لا يجاورهم إلاّ الفراغنة. و اقطع اشناس و اصحابه الموضع المعروف بالكرخ و ضمّ إليه عدة من القواد الاتراك و الرجال و امره ان يبني المساجد و الاسواق‏ (1) .

يظهر لنا من النص السابق ان المعتصم لما وقع اختياره على موضع سامراء رغب في جعل الاتراك يستقلون في مواضع خاصة من المدينة و لا يختلطون بعناصر غريبة قد تفسد مزاجهم و تعمل على ضعف همتهم، كما انه الزم كل قائد و رجاله بتحمل مسؤولية العمل على المساهمة في البناء، و هذا يقودنا الى حقيقة مهمة، انه بهذه الطريقة تمكن من اكمال مدينته بهذه السرعة العجيبة، و استخدام الاتراك بجهودهم و اموالهم إضافة إلى الفنيين و الفعلة من ارجاء العالم الاسلامي، فترى في ذلك الوقت ما يزيد على خمسين ألف من الرجال يعملون باخلاص و نظام و بهذا ارتفعت القواعد و اقيمت الأركان و شيدت المساجد العامرة و القصور الكبيرة و الدور العديدة و الحدائق النضرة، فكانت مدينة تفتخر بها الحضارة الاسلامية و كانت معجزة من معجزات الانسان في القرون الوسطى.

و يبدو ايضا ان من سياسة المعتصم عزل جنده الاتراك عن كل العناصر

____________

(1) اليعقوبي-ص 258.

80

الغريبة منهم، فقد صيّرت قطائع الاتراك جميعا و الفراغنة العجم بعيدة عن الأسواق و الزحام في شوارع واسعة و دروب طوال ليس معهم في قطائعهم و دروبهم احد من الناس يختلط بهم من تاجر و لا غيره، ثم اشترى لهم الجواري فأزوجهم منهن و منعهم ان يتزوجوا او يصاهروا الى احد من المولّدين الى ان ينشأ لهم الولد فيتزوج بعضهم الى بعض و اجرى لجواري الاتراك ارزاقا قائمة و اثبت اسماءهن في الدواوين فلم يكن يقدر احد منهم ان يطلق امرأته و لا يفارقها (1) .

كما نلاحظ ان المعتصم أمر قادته و رجاله الذين اقطعهم الأراضي لبنائها، بأن لا يطلق لغريب مجاورتهم، كما ألزمهم بتشييد الاسواق الضرورية، قال اليعقوبي: و لما اقطع اشناس التركي في آخر البناء مغربا و اقطع اصحابه معه و سمّى الموضع الكرخ أمره ان لا يطلق لغريب من تاجر و لا غيره مجاورتهم و لا يطلق معاشرة المولّدين، فاقطع قوما آخرين فوق الكرخ و سماه الدّور و بنى لهم في خلال الدور و القطائع المساجد و الحمامات و جعل في كل موضع سويقة فيها عدة حوانيت، و اقطع الأفشين خيذر بن كاوس الأسروشني في آخر البناء مشرقا على قدر فرسخين و سمي الموضع المطيرة، فاقطع اصحابه الاسروشنية و غيرهم من المضمومين إليه حول داره و امره ان يبني فيها هناك سويقة فيها حوانيت للتجار فيما لا بد منه و مساجد و حمامات‏ (2) .

و عني المعتصم بمدينته عناية فائقة، فقسمها الى قطائع كل قطيعة لجماعة معينة، و امتدت الشوارع المستقيمة و المنظمة و كان من اكبر شوارع المدينة الشارع المعروف بالسريجة و هو الشارع الأعظم و يمتد من المطيرة الى الوادي المعروف بوادي اسحق بن ابراهيم، و هناك شوارع اخرى مثل شارع ابي احمد بن الرشيد، و في هذا الشارع قطائع قواد خراسان منها قطيعة هاشم ابن بانيجور و قطيعة عجيف بن عنبسة و قطيعة الحسن بن علي المأموني و قطيعة

____________

(1) اليعقوبي ص 259.

(2) المصدر السابق.

81

هرون بن نعيم و قطيعة حزام بن غالب، و ظهر قطيعة حزام، الاصطبلات لدواب الخليفة الخاصيّة و العامية، يتولاها حزام و يعقوب اخوه، ثم مواضع الرطّابين و سوق الرقيق في مربعة فيها طرق متشعبة فيها الحجر و الغرف و الحوانيت للرقيق ثم مجلس الشرط و الحبس الكبير و منازل الناس و الأسواق في هذا الشارع يمنة و يسرة مثل سائر البياعات و الصناعات و يتصل ذلك الى خشبة بابك‏ (1) ثم السوق العظمى لا تختلط بها المنازل كل تجارة منفردة و كل اهل مهنة لا يختلطون بغيرهم، ثم الجامع القديم الذي لم يزل يجمّع فيه الى أيام المتوكل فضاق على الناس فهدمه و بنى مسجدا جامعا واسعا في طرف الحير المسجد الجامع و الاسواق من احد الجانبين و من الجانب الآخر القطائع و المنازل و اسواق اصحاب البياعات الدنيّة مثل الفقّاع و الهرائس و الشراب، و قطيعة راشد المغربيّ و قطيعة مبارك المغربيّ و سويقة مبارك و جبل جعفر الخيّاط و فيه كانت قطيعة جعفر ثم قطيعة ابن الوزير ثم قطيعة العباس بن علي بن المهدي ثم قطيعة عبد الوهاب بن علي بن المهدي و يمتد الشارع و فيه قطائع عامة الى دار هرون بن المعتصم، و هو الواثق عند دار العامة و هي الدار التي نرلها يحي بن اكثم في ايام المتوكل لما ولاه قضاء القضاة، ثم باب العامة و دار الخليفة و هي دار العامة التي يجلس فيها يوم الاثنين و الخميس، ثم الخزائن، خزائن الخاصة و خزائن العامة، ثم قطيعة مسرور سمانة الخادم و إليه الخزائن ثم قطيعة قرقاس الخادم و هو خراساني ثم قطيعة ثابت الخادم ثم قطيعة أبي الجعفاء و سائر الخدم الكبار.

و الشارع الثاني يعرف بأبي احمد و هو ابو احمد بن الرشيد أوّل هذا الشارع من المشرق، دار بختيشوع المتطبب التي بناها في ايام المتوكل ثم قطائع قواد خراسان و اسبابهم من العرب و من اهل قم و اصبهان و قزوين و الجبل و آذربيجان

____________

(1) خشبة بابك: المكان الذي صلب فيه رأس بابك الخرمي.

ج 1-سامراء (6)

82

يمنة في الجنوب مما يلي القبلة فهو نافذ الى شارع السريحة الاعظم و ما كان مما يلي الشمال ظهر القبلة فهو نافذ الى شارع ابن احمد، ديوان الخراج الأعظم، و قطيعة عمر و قطيعة الكتّاب و سائر الناس و قطيعة احمد بن الرشيد في وسط الشارع، و في آخره مما يلي الوادي الغربي يقال له وادي ابراهيم بن رياح، قطيعة ابن ابي دوّاد و قطيعة الفضل بن مروان و قطيعة محمد بن عبد الملك الزيّات و قطيعة ابراهيم بن رياح في الشارع الأعظم. ثم تتصل الاقطاعات في هذا الشارع و في الدروب الى يمنته و يسرته الى قطيعة بغا الصغير ثم قطيعة بغا الكبير، ثم قطيعة سيما الدمشقي، ثم قطيعة برمش، ثم قطيعة وصيف القديمة ثم قطيعة إيتاخ و يتصل ذلك إلى باب البستان و قصور الخليفة.

و الشارع الثالث، شارع الحير الأول الذي صارت فيه دار احمد ابن الخصيب في ايام المتوكل، و فيه قطائع الجند و الشاكرية و اخلاط الناس و يمتد الى وادي ابراهيم بن رياح.

و الشارع الرابع يعرف بشارع برغامش التركي، فيه قطائع الاتراك و الفراغنة، فدروب الاتراك منفردة و دروب الفراغنة منفردة، و الأتراك في الدروب التي في القبلة و الفراغنة بازائهم بالدروب التي في ظهر القبلة، كل درب بازاء درب لا يخالطهم أحد من الناس، و آخر منازل الاتراك و قطائعهم، قطائع الخزر مما يلي المشرق، اول هذا الشارع من المطيرة عند قطائع الافشين التي صارت لوصيف و اصحاب وصيف، ثم يمتد الشارع الى الوادي الذي يتصل بوادي ابراهيم بن رياح.

و الشارع الخامس يعرف بصالح العباس و هو شارع الاسكر، فيه قطائع الاتراك و الفراغنة، و الاتراك ايضا في دروب منفردة و الفراغنة في دروب منفردة ممتدة من المطير الى دار صالح العباس التي على رأس الوادي، و يتصل ذلك بقطائع القواد و الكتاب و الوجوه و الناس كافة.

و شارع الحير الجديد، يقع خلف شارع الاسكر، فيه اخلاط من الناس من قواد الفراغنة و الاسروشنية و الاشتاخنجية و غيرهم من سائر كور خراسان،

83

و هذه الشوارع التي من الحير كلما اجتمعت الى اقطاعات لقوم هدم الحائط و بنى خلفه حائطا غيره، و خلف الحائط الوحش من الظباء و الايايل و الحمير الوحش و الارانب و النعام و عليها حائط يدور في صحراء حسنة واسعة.

و الشارع الذي على دجلة يسمى شارع الخليج و هناك الفرض و السفن و التجارات التي ترد من بغداد و واسط و كسكر (1) و سائر السواد من البصرة و الأبلة (2) و الاهواز و ما اتصل بذلك و من الموصل و بعربايا (3) ، و ديار ربيعة و ما اتصل بذلك، و في هذا الشارع قطائع المغاربة كلهم او اكثرهم‏ (4) .

و اخذت مدينة سامراء في الاتساع ايام الخليفة المعتصم و حمل إليها الغروس من الجزيرة و الشام و الجبل و الري و خراسان و سائر البلدان، كما عقد جسرا يربط الجانب الشرقي بالجانب الغربي، حيث انشأ هناك العمارات و البساتين‏ (5) .

في أيام الواثق باللّه‏

و توفي المعتصم سنة 227 هـ، و تولى الخلافة ولده هرون الواثق، و من اشهر عماراته في سامراء، انشاؤه القصر الذي عرف بالقصر الهاروني، و هو على دجلة، و بينه و بين سامراء ميل و بازائه بالجانب الغربي المعشوق‏ (6) .

و كانت لهذا القصر مجالس في دكّة شرقية و دكّة غربية (7) ، و لما توفي الواثق سنة 232 هـ، دفن في القصر الهاروني‏ (8) .

____________

(1) كسكر: بالفتح ثم السكون، كورة واسعة و قصبتها واسط القصب التي بين الكوفة و البصرة، و يقال ان حد كورة كسكر من الجانب الشرقي في آخر سقي النهروان الى ان تصب دجلة في البحر. (ياقوت: جـ 4 ص 274-275) .

(2) الأبلة: ضم اوله و ثانيه و تشديد اللام و فتحها، و هي بلدة على شاطى‏ء دجلة البصرة العظمى في زاوية الخليج، و هي اقدم من البصرة.

(ياقوت: جـ 1 ص 96-97) .

(3) بعربايا: و تكتب باعربايا ايضا و هي قرية من قرى الموصل (ياقوت: جـ 1 ص 472) .

(4) اليعقوبي: البلدان ص 258-363.

(5) المرجع السابق: ص 363.

(6) ياقوت: جـ 4 ص 946.

(7) اليعقوبي: ص 364.

(8) الطبري:

حوادث سنة 232 هـ كذلك ابن الأثير في حوادث نفس السنة.

غ

84

في أيام المتوكل‏

و ارتقى عرش الخلافة العباسية المتوكل بن المعتصم، و اتخذ القصر الهاروني منزلا له، و آثره على غيره من القصور، كما انزل ابنه محمدا الملقب بالمنتصر قصر المعتصم المعروف بالجوسق و انزل ابنه ابراهيم الملقب بالمؤيد بالمطيرة و انزل ابنه العتز ببلكوارا.

و يعتبر المتوكل من اكثر الخلفاء العباسيين عناية بمدينة سامراء، فعمل على زيادة عماراتها و مدّ شوارعها، و من أشهر أبنيته بناؤه المسجد الجامع في اول الحير في موضع خارج منازل المدينة، و جامع سامراء من أهم الآثار العباسية في منطقة سامراء و هو يظهر بجلاء، الجهود العظيمة التي بذلت في سبيل انشائه و اظهاره بالشكل الذي يليق و مكانة العاصمة العباسية، و الزائر له اليوم لا يرى إلاّ بقايا جدرانه الخارجية، و مئذنته الشهيرة بالملوية، و طول المسجد 240 مترا و عرضه 160 م، و يبلغ علو الجدران نحو عشرة امتار و ثخنها لا يقل عن المترين، و يدعمها من الخارج ابراج نصف دائرية عددها اربعون برجا، اربعة منها في الأركان و ثمانية في الضلع الجنوبية و في الضلع الشمالية و عشرة في الضلع الشرقية و في الضلع الغربية، و في القسم الأعلى من الجدار الجنوبي الى الجهة القبلية نوافذ مستطيلة ضيقة من الخارج واسعة من الداخل، و يظهر في داخل كل نافذة عمودان من الآجر يحملان طاقا مكونا من خمس حنايا.

و في الجهة القبلية المحراب و على طرفيه بابان، و في الجدران الأخرى هناك واحد و عشرون بابا، خمسة في الجدار الشمالي و ثمانية في كل من الجدارين الشرقي و الغربي، و يستدل من استكشاف العلامة الآثاري هرزفلد، على انه كان في المسجد 25 رواقا و ان الاوسط منها اكثر اتساعا من الاروقة الاخرى، و 24 صفا من الأعمدة في كل منها عشرة عمد، هذا عدا الايوان الشمالي و فيه 24 صفا من الأعمدة في كل صف منها ثلاثة عمد و الرواقين الجانبيين‏

85

في كل منها 22 صفا من الأعمدة في كل صف منها اربعة عمد، و بذلك تكون جملة عدد الأعمدة 488 عمودا. و كانت السقوف ترتكز على العمد مباشرة دون طيقان من البناء (1) .

و يبدو من الأخبار التاريخية انه كانت في وسط المسجد نافورة، فقد قال اليعقوبي: و بنى المسجد الجامع في اول الحير في موضع واسع خارج المنازل لا يتصل به شي‏ء من القطائع و الاسواق و اتقنه و وسّعه و احكم بناءه و جعل فيه فوّارة ماء لا ينقطع ماؤها (2) . و كانت الفوارة تستمد مياهها من القناة التي أنشأها المتوكل لا يصال الماء الى مدينة سامراء (3) .

و يذكر بعض المؤرخين ان جدران المسجد الجامع في سامراء كانت فيها المرايا، و من النصوص الطريفة ما ذكره ابو الحسن الهروي قوله: و جامعها موضع شريف به المعجون كأنه المرآة يبصر المتوجه الى القبلة الداخل و الخارج من الشمال‏ (4) .

و على بعد خمسة و عشرين مترا من الجدار الشمالي و على محور باب المسجد تقع المئذنة الشهيرة بالملوية، و هي مخروطية الشكل تقوم على قاعدة مربعة طول ضلعها 32 مترا، يصعد الى قمتها بمرقاة حلزونية تدور حولها من خارجها باتجاه معاكس لدوران عقرب الساعة خمس مرات و تبدأ المرقاة من وسط الضلع الجنوبية للقاعدة و تنتهي في القمة بغرفة صغيرة مستديرة علوها ستة امتار لها باب من الجهة الجنوبية، و يبلغ ارتفاع الملوية على سطح الأرض 52 مترا.

و كان الاعتقاد السائد ان الفارس كان يطلع هذه المئذنة، ذكر ابن خرداذبه ان بمنارة اسكندرية ثلثمائة بيت و ستة و ستين بيتا دائرة و المسجد بها في اعلاها

____________

(1) سوسة: ري سامرا جـ 1 ص 110

(2) اليعقوبي: البلدان ص 365

(3) سوسة:

ري سامراء ص 111.

(4) الهروى: الاشارات الى معرفة الزيارات.

86

و يركب الفارس و الفارسان الى اعلاها بغير درج، انما يدور الفرسان و الرجالة الى اعلاها، مثل منارة سرّ من رأى‏ (1) . و لكنني اعتقد عكس ذلك إذ لا أرى ضرورة ان يصعد الفرسان الى اعلا المئذنة إضافة الى صعوبة ذلك، كما ان المئذنة و هي جزء من المسجد له قدسيته و جلاله، فمن الواجب الاحتفاظ به منزها من حوافر الخيل و فضلاتها.

و ذكر ياقوت ان المتوكل انفق على بناء المسجد الجامع خمسة آلاف الف درهم‏ (2) . و الرأي السائد ان مئذنة سامراء بنيت على غرار الأبراج البابلية المدرجة (الزقورات) و المنشآت الصينية في عهد تانج‏ (3) .

____________

(1) ابن خرداذبه: المسالك و الممالك ص 114-115.

(2) ياقوت: المعجم جـ 3 ص 18.

(3) ص 18.

(4) كونل: الفن الاسلامي ص 34.

جانب من اطلال (مسجد الجامع) القديم الذي بناه المتوكل‏

اسكن

87

و من الجدير بالذكر ان احمد بن طولون بنى في مدينة القطائع بمصر مسجدا على غرار جامع سامراء، و من لوحته التأسيسية المثبتة على احدى دعائم المسجد يتبين لنا ان المسجد الطولوني انشى‏ء بأمر الامير احمد بن طولون سنة خمس و ستين للهجرة، و قد ذكر بعض المؤرخين تواريخ أخرى مقاربة من ذلك فقد ذكر المقريزي ان بناء المسجد كان في سنة 264 ه (1) . بينما ذكر ابن دقماق ان البناء بدأ في سنة تسع و خمسين و مائتين للهجرة (2) ، و يحتل مسجد ابن طولون مربعا طول كل ضلع من اضلاعه 162 مترا تقريبا و هو اكثر مساجد مصر اتساعا، و تقع المئذنة في الزيادة الشمالية و قاعدة المئدنة مربعة تقريبا مقاساتها 75,12 سم من الجانبين الشمالي و الجنوبي و 65,13 من الجانبين الأخرين‏ (3) ، و هو على طراز جامع سامراء و في مصلاه عقود مدببة قائمة على خمسة صفوف من الدعائم، و تندمج فيها اعمدة مبنية ايضا بالآجر (4) .

و قد بني بسامراء جامع يعرف بجامع ابي دلف، و مساحة هذا الجامع اقل قليلا من جامع سامراء و هو مستطيل الشكل، طول ضلعه الكبير 47,215 مترا و ضلعه الصغير 24,138 مترا، و في وسطه صحن مكشوف مستطيل الشكل ايضا، و حول الصحن من جوانبه الاربعة، اروقة عددها في الضلع القبلي خمسة اروقة، و في الاضلاع الأخرى رواقان و ما تزال اساطين هذه الاروقة المشيدة بالآجر و الجص قائمة و كذلك أقواس بعضها، و قد قامت مديرية الآثار العراقية بتقوية معظم هذه الاساطين و صيانة عدد من الاقواس، و اليوم بامكان الزائر مشاهدة هذا الأثر العباسي و قد اعيد له طرازه الاول بفضل الجهود المبذولة من اجل الحفاظ عليه و اظهاره بالمظهر الذي يليق به كأثر عربي اسلامي.

و سور الجامع مشيد باللبن، و دلت التنقيبات ان ثخن هذا السور لا يقل

____________

(1) المقريزي: الخطط: جـ 2 ص 268.

(2) ابن دقماق: كتاب الانتصار جـ 4 ص 122

(3) احمد فكري: مساجد القاهرة و مدارسها-المدخل ص 111.

(4) كونل: ص 34.

88

عن 60,1 م و انه كان في اركانه الاربعة ابراج مستديرة و يدعم كل جانب من الجانبين الشرقي و الغربي عشرة ابراج نصف دائرية. و في الضلع الشمالي ثمانية ابراج و في الضلع القبلي عشرة ابراج ايضا.

و لجامع المتوكلية (جامع ابي دلف) ثمانية عشر بابا، ثلاثة منها و هي في ناحية القبلة و تفضي الى مشتملات تتصل بالضلع الجنوبي و يبدو ان هذه الأبنية كانت معدة لاستراحة الخليفة إذا جاء لصلاة الجمعة و كان يدخل الى الجامع من باب بجانب المحراب.

اما مئذنة الجامع فانها تشبه ملوية جامع سامراء، و هي ذات مرقاة خارجية و هي اصغر حجما من ملوية جامع سامراء و يبلغ علو المئذنة نحو 19 مترا، و تبدأ المرقاة من يمين الباب و تدور ثلاث دورات كاملة باتجاه معاكس لدوران عقرب الساعة، و يستدل من الاخبار التاريخية و من موضعه ان من عمل المتوكل العباسي، و لكن لا ادري لم عرف هذا الجامع بجامع ابي دلف، علما ان القائد العباسي القاسم بن عيسى العجلي، توفي سنة 226 هـ، في حين ان المتوكل الذي أمر ببناء الجعفرية او المتوكلية و من ضمنها جامع ابي دلف، تولى الخلافة سنة 232 هـ، معنى ذلك ان ابا دلف لم يعاصر بناء المتوكلية و لم ير جامعها.

و يبدو ان المتوكل العباسي، كان ذا هواية كبيرة في تشييد الأبنية و مد العمران، و من اشهر القصور التي شيدها قصر الجعفري، و هو بالقرب من سامراء بموضع يسمى الماحوزة (1) ، و لا تزال بقايا القصر و بركته تشاهد على ضفة دجلة في شمال السور الداخلي لمدينة المتوكلية في الزاوية التي يكوّنها نهر دجلة من جهة و نهر القاطول الكسروي من الجهة الثانية (2) . و نستشف من الاخبار التاريخية ان بناء القصر كلف الحاكم العباسي المتوكل اموالا طائلة،

____________

(1) ياقوت: جـ 2 ص 86.

(2) سوسة: ري سامرا ط ص 133.

89

ذكر ابو الفدا: ان المتوكل انفق في عمارته اموالا تجل عن الحصر (1) ، و ذكر ايضا ان المتوكل انفق على بنائه الفي الف دينار و كان المتولي لذلك دليل بن يعقوب النصراني كاتب بغا الشرابي‏ (2) .

و بعد أن تمّ بناء المتوكلية انتقل المتوكل و حاشيته و رجال دولته و عامة الناس اليها، و للبحتري الشاعر قصيدة عامرة في هذا القصر و بانيه يقول في مطلعها:

قد تمّ حسن الجعفريّ و لم يكن # ليتمّ إلاّ بالخليفة جعفر

و لأبي علي البصري وصف حال المدينة العظيمة التي انفقت عليها الأموال

____________

(1) ابو الفداء: المختصر في اخبار البشر حوادث سنة 245.

(2) ياقوت: جـ 2 ص 86.

مخطط المتوكلية و جامع أبي دلف بسامرا

اسكن

90

الطائلة و حالها البائس بعد تحول السلطة و الرعية عنها قصيدة طويلة جاء في مطلعها:

إن الحقيقة غير ما يتوهّم # فاختر لنفسك أي امر تعزم‏

إن هذه المدينة الجديدة التي انتقل اليها المتوكل و رعيته، لم تكن على ما يبدو بالمدينة الناجحة او الملائمة لحياة السكان، ذلك ان الذين اشرفوا على مهمة ايصال الماء الى المدينة المتوكلية لم يكونوا على خبرة واسعة و امكانية وافرة، فجاءت النتيجة على عكس ما كان يرغب المتوكل و الناس جميعا، و قد لعب مشروع النهر دورا خطيرا في هجران المدينة، مثل دوره في نشوء فكرة الانتقال اليها، و ذلك بسبب فشل هذا المشروع و عجزه عن تأمين ايصال المياه إليها في موسم الصيف‏ (1) . و ذكر اليعقوبي: ان النهر لم يتم أمره و لم يجر الماء فيه إلاّ جريا ضعيفا لم يكن له إتصال و لا استقامة على انه قد انفق عليه شبيها بألف الف دينار و لكن كان حفره صعبا جدا انما كانوا يحفرون حصا و افهارا لا تعمل فيها المعاول‏ (2) .

و بدى‏ء العمل في تشييد المدينة سنة خمس و اربعين و مائتين و وجّه في حفر ذلك النهر ليكون وسط المدينة، فقدر النفقة على النهر الف الف و خمسمائة الف دينار، و امر بأن تختط القصور و المنازل و اقطع الولاة و الامراء و الكتاب و الجند، و مدّ الشارع الاعظم من دار اشناس التي بالكرخ و هي التي صارت للفتح بن خاقان مقدار ثلاثة فراسخ الى قصوره، و اقطع الناس يمنة الشارع الاعظم و يسرته و جعل عرض الشارع الأعظم مائتي ذراع، و قدّر ان يحفر في جنبي الشارع نهرين يجري فيهما الماء من النهر الكبير الذي يحفره، و بنيت القصور و شيدت الدور و ارتفع البناء، و اتصل البناء من الجعفرية الى الموضع

____________

(1) سوسة: جـ 2 ص 315.

(2) اليعقوبي-ص 367.

91

المعروف بالدّور ثم بالكرخ و سرّ من رأى مادّا إلى الموضع الذي كان ينزله ابو عبد اللّه المعتز، ليس بين شي‏ء من ذلك فضاء و لا فرج و لا موضع لا عمارة فيه فكان مقدار ذلك سبعة فراسخ‏ (1) .

ان ذلك العمل الذي قام به المتوكل، يعتبر من الأعمال الخارقة، و التي تستحق النظر و الاعتبار، و بصورة خاصة إذا ما قدرنا تلك الظروف و امكانياتها الفنية التي تكاد تكون امكانيات بدائية، و رغم ذلك فان المدة التي تمّ فيها بناء المدينة المتوكلية مدة قصيرة جدا، فقد كمل بناؤها في اقل من سنتين و انتقل المتوكل الى قصور المدينة اول يوم من المحرم سنة سبع و اربعين و مائتين للهجرة، و اقام فيها حوالي تسعة اشهر و قتل في شوال سنة سبع و اربعين و مائتين في قصره الجعفري، و تولى الخلافة العباسية ولده المنتصر، فانتقل الى سرّ من رأى و امر الناس جميعا بالانتقال عن الماحوزة (مكان المتوكلية) و ان يهدموا المنازل و يحملوا النقض الى سامراء فانتقل الناس و حملوا نقض المنازل الى سامراء و خربت قصور الجعفري و منازله و مساكنه و اسواقه في اسرع مدة و صار الموضع موحشا لا أنيس به و لا ساكن فيه و الديار بلاقع كأنها لم تعمر و لم تسكن‏ (2) .

و للمتوكل آثار عمرانية في سامراء، بعضها لا يزال شاخصا حتى اليوم و البعض الآخر نتعرف عليه من الاخبار التاريخية، و خير من يلخص اعمال هذا الحاكم العباسي، ياقوت في معجمه قوله: من الابنية الجليلة مثل ما بناه المتوكل، فمن ذلك القصر المعروف بالعروس انفق عليه ثلاثين الف الف درهم، و القصر المختار خمسة آلاف الف درهم و الوحيد الفي الف درهم و الجعفري المحدث عشرة آلاف الف درهم، و الغريب عشرة آلاف الف درهم، و الصبح خمسة آلاف الف درهم، و المليح خمسة آلاف الف درهم و قصر بستان الإيتاخية عشرة آلاف الف درهم و التلّ علوّه و سفله

____________

(1) المرجع السابق ص 366-367.

(2) اليعقوبي-البلدان ص 367.

غ

92

خمسة آلاف الف درهم و الجوسق في ميدان الصخر خمسماية الف درهم و المسجد الجامع خمسة عشر الف الف درهم و بركوان‏ (1) للمعتز عشرين الف الف درهم و القلايد خمسين الف دينار و جعل فيها ابنية بماية الف دينار، و الغرد في دجلة الف الف درهم و القصر بالمتوكلية و هو الذي يقال له الماجوزة (2) خمسين الف الف درهم، البهو خمسة و عشرين الف الف درهم و اللؤلؤة خمسة آلاف الف درهم‏ (3) .

يعتبر عام 221 هـ، هو بداية حياة سامراء كعاصمة للدولة العباسية، و في هذه السنة سارت جحافل العباسيين الى محاربة بابك الخرمي، الذي خرج على الدولة العباسية، و قد دارت معارك شديدة بين العباسيين و أنصار بابك، و في سنة 222 هـ، سقطت مدينة (البذ) (4) ، التي كانت قاعدة لبابك الخرمي، و قد نجح الافشين القائد العباسي ان يأسر بابك الخرمي و يقتاده اسيرا إلى سامراء سنة 223 هـ، حيث قتل ثم صلب.

و من سامراء توجه المعتصم سنة 223 هـ، لمحاربة البيزنطيين و قصد عمورية بجيش كبير، و انتصر الجيش العباسي انتصارا رائعا، و لما عاد المعتصم الى سامراء بعد ذلك النصر الذي احرزه على البيزنطيين في عمورية احتفل باستقباله احتفالا باهرا، و مدحه ابو تمام الشاعر بقصيدته التي جاء فيها: -

السيف اصدق انباءا من الكتب # في حده الجدّ بين الحد و اللعب‏

و في سنة 227 هـ، توفي المعتصم و دفن في سامراء بقصره المعروف بالجوسق، و كان من وزرائه، احمد بن عمار بن شادي و محمد بن عبد الملك الزيات.

____________

(1) بركوان: بركوارا.

(2) الماجوزة: الصحيح الماحوزة.

(3) ياقوت-معجم البلدان جـ 3 ص 17-18.

(4) البذ: و هي كورة بين أذربيجان و ايران بها كان مخرج بابك الخرمي في أيام المعتصم. ياقوت جـ 1 ص 529.

93

عودة للواثق‏
و تولى الخلافة من بعد المعتصم ولده هارون الواثق، و يعتبر من افاضل الخلفاء العباسيين، و كان فاضلا لبيبا، فطنا فصحيحا و كان يتشبه بالمأمون في حركاته و سكناته‏ (1) .

و في مفتتح خلافته ثارت القيسية بدمشق، فأرسل الواثق إليهم رجاء بن ايوب الحضاري و كانوا معسكرين بمرج راهط، فحاربهم رجاء و هزمهم و أعاد الأمن و الاستقرار لدمشق‏ (2) .

و في سامراء سنة 228 هـ، اعطى الواثق اشناس تاجا و وشاحين‏ (3) .

و في سنة 232 هـ، توفي الواثق في سامراء و دفن في قصره المعروف بالهاروني. و لم يستوزر الواثق سوى محمد بن عبد الملك الزيات وزير ابيه‏ (4) .

عودة للمتوكل‏
و تولى الحكم المتوكل جعفر بن المعتصم، و لم تمض شهور حتى أمر بالقاء القبض على الوزير محمد بن عبد الملك الزيات و بحبسه، و في سنة 235 هـ امر بقتل ايتاخ.

و في سنة 235 هـ، ظهر بسامراء رجل يقال له محمود بن الفرج النيسابوري فزعم أنه نبي و انه ذو القرنين و تبعه سبعة و عشرون رجلا و خرج من اصحابه ببغداد رجلان بباب العامة و آخران بالجانب الغربي، فأتى به و باصحابه المتوكل فأمر به فضرب ضربا شديدا حتى مات‏ (5) .

و في سنة 236 هـ أمر المتوكل بهدم قبر الحسين بن علي عليه السّلام و هدم

____________

(1) ابن طباطبا: الفخري: ص 176.

(2) ابن الأثير: الكامل: جـ 5 ص 267.

(3) المرجع السابق جـ 5 ص 269.

(4) الفخري: ص 176.

(5) ابن الأثير: جـ 5 ص 287.

94

ما حوله من المنازل و الدور و ان يبذر و يسقى موضع قبره و ان يمنع الناس من اتيانه، فنادى بالناس في تلك الناحية من وجدناه عند قبر الحسين بعد ثلاثة حبسناه في المطبق‏ (1) .

و في سنة 237 غضب المتوكل على احمد بن ابي دؤاد و قبض ضياعه و املاكه و حبس اولاده، و احضر المتوكل يحي بن اكثر من بغداد الى سامراء و ولاه قضاء القضاة ثم ولاه المظالم، فولى يحي بن أكتم قضاء الشرقية حيان ابن بشر، و ولى سوار بن عبد اللّه العنبري قضاء الجانب الغربي و كلاهما اعور، فقال الجماز فيهما:

رأيت من الكبائر قاضيين # هما احدوثة في الخافقين

هما اقتسما العمى نصفين قدرا # كما اقتسما قضاء الجانبين الخ‏ (2)

و في سنة 241 هـ وقع مطر شديد بسامراء في شهر آب‏ (3) ، و في سنة 243 هـ سار المتوكل من سامراء الى دمشق على طريق الموصل، و دخل دمشق سنة 244 هـ، و عزم على المقام بها و نقل دواوين الملك إليها و امر بالبناء بها ثم استوبأ البلد، و ذلك بأن هواه بارد ندي و الماء ثقيل و الريح تهب فيها مع العصر فلا يزال يشتد حتى يمضي عامة الليل و هي كثيرة البراغيث و غلت فيها الأسعار و حال الثلج بين السابلة و المسيرة فرجع الى سامراء و كان مقامه بدمشق شهرين و أياما (4) . و يذكر المسعودي ان المتوكل نزل قصر المأمون و ذلك بين داريا و دمشق، على ساعة من المدينة، في اعلا الأرض، و هذا الموضع بدمشق يشرف على المدينة و اكثر الغوطة و يعرف بقصر المأمون الى هذا الوقت، و هو سنة اثنتين و ثلاثين و ثلاثمائة (5) .

و في سنة 245 هـ، امر المتوكل ببناء مدينة المتوكلية و قد تعرضنا بالكلام

____________

(1) المرجع السابق ص 287.

(2) المرجع السابق ص 289.

(3) المرجع السابق ص 296.

(4) ابن الأثير: جـ 5 ص 297-298.

(5) المسعودي: جـ 4 ص 64.

95

عنها فيما سبق. و في سنة 246 انتقل المتوكل الى المتوكلية، و في سنة 247 هـ، قتل المتوكل بقصره بالمتوكلية، قتله باغر التركي و اصحابه الأتراك‏ (1) .

أيام المنتصر
و بويع المنتصر ابن المتوكل خليفة للعباسيين، و حضر الناس الجعفرية (المتوكلية) من القواد و الكتاب و الوجوه و الشاكرية و الجند و غيرهم فقرأ عليهم أحمد بن الخصيب كتابا يخبر فيه عن المنتصر ان الفتح بن خاقان قتل المتوكل فقتله به فبايع الناس‏ (2) .

و يكاد يجمع المؤرخون من ان المنتصر كان راسخ العقل كثير المعروف راغبا في الخير (3) ، جوادا كثير الانصاف، حسن العشرة و أمر الناس بزيارة قبر علي و الحسين عليهما السّلام، و أمن العلويين و كانوا خائفين ايام أبيه و أطلق وقوفهم‏ (4) .

توفي المنتصر سنة 248 هـ و دفن في قصر الجوسق‏ (5) ، ذلك لأن اباه انزله ذلك القعر الذي بناه المعتصم‏ (6) ، و المنتصر اول خليفة من بني العباس عرف قبره و ذلك ان امه طلبت اظهار قبره‏ (7) ، و من الجدير بالذكر ان المنتصر عاد الى سامراء فبدأ الخراب يدب الى المتوكلية، و رجع الناس الى منازلهم بسامراء (8) .

في أيام المستعين باللّه و المعتز

و بويع في سامراء احمد بن محمد بن المعتصم في اليوم الذي تولى فيه

____________

(1) المرجع السابق جـ 4 ص 69.

(2) ابن الأثير: جـ 5 ص 305.

(3) المسعودي:

جـ 4 ص 82.

(4) ابن الأثير: جـ 5 ص 310-311.

(5) الاربلي: خلاصة الذهب المسبوك ص 228.

(6) اليعقوبي-البلدان ص 365.

(7) ابن الأثير-جـ 5 ص 310.

(8) اليعقوبي-تاريخ اليعقوبي جـ 3 ص 226.

96

المنتصر، و لقبه المستعين باللّه، و في عصره ظهرت بعض الفتن في سامراء التي ائارها الجنود الأتراك، ففي 249 هـ، وثب الجند بسامراء مرة بعد اخرى و تحاربوا و تحاملوا على (أوتامش) و قالوا أخذ ارزاقنا و ازال مراتبنا، و خرجت عصبة من الأتراك و الموالي الى الكرخ‏ (1) ، فخرج إليهم اوتامش ليسكنهم فقتلوه و قتلوا كاتبه شجاع بن القاسم و ذلك في شهر ربيع الآخر و نهبت دورهما فوقع ذلك بموافقة المستعين و كتب إلى الآفاق بلعنه‏ (2) .

و يذكر ابن الأثير ان نفرا من الناس لا يدرى من هم بسامراء فتحوا السجن و اخرجوا من فيه فبعث في طلبهم جماعة من الموالي فوثب العامة بهم فهزموهم، فركب بغا و اتامش و وصيف و عامة الأتراك فقتلوا من العامة جماعة، فرمي وصيف بحجر فأمر باحراق ذلك المكان و انتهب المغاربة ثم سكن ذلك آخر النهار (3) .

و هذه الحوادث تدل على سوء الاوضاع و اختلال الامور، و صار القادة الاتراك يوشي بعضهم ببعض و يتآمر احدهم بالآخر، ففي سنة 251 هـ، قتل باغر التركي، قتله وصيف‏ (4) ، و بعد ذلك انحدر المستعين مع بغا و وصيف و شاهك الخادم و احمد بن صالح بن شيرزاد الى بغداد في حراقة، ثم تتابع الى بغداد الكتاب و العمال و بنو هاشم و جماعة من اصحاب وصيف و بغا (5) .

و في السابع من محرم سنة 252 هـ بويع للمعتز باللّه في سامراء (6) و كان سبب البيعة ان المستعين لما استقر ببغداد اتاه جماعة من الاتراك و القوا انفسهم بين يديه و جعلوا مناطقهم في أعناقهم تذللا و خضوعا و سألوه الصفح و الرضا، قال لهم المستعين: انتم اهل بغي و فساد و استقلال للنعم، الم ترفعوا إلي في اولادكم فألحقتهم بكم و هم نحو من ألفي غلام؟و في بناتكم فأمرت بتصييرهن

____________

(1) الكرخ هذه كرخ سامرا و ليست بكرخ بغداد-الخليلي.

(2) اليعقوبي-جـ 3 ص 228.

(3) ابن الأثير-جـ 5 ص 313.

(4) ابن مسكويه-تجارب الأمم جـ 6 ص 574.

(5) ابن الأثير: جـ 5 ص 320.

(6) اليعقوبي-التاريخ جـ 3 ص 231.

97

في عداد المتزوجات و هن نحو من اربعة آلاف و غير ذلك كله أجبتكم اليه و أدرت عليكم الأرزاق، فعملتم آنية الذهب و الفضة و منعت نفسي لذتها و شهوتها لصلاحكم و رضاكم و انتم تزدادون بغيا و فسادا، فعادوا و تضرعوا و سألوه العفو فقال المستعين: قد عفوت عنكم و رضيت. فقال له احدهم و اسمه بابي بك‏ (1) : فان كنت قد رضيت فاركب معنا الى سامراء فان الاتراك ينتظرونك. فأمر محمد بن عبد اللّه بعض اصحابه فقام إليه فضربه، و قال محمد: هكذا يقال لأمير المؤمنين: قم فاركب معنا. فضحك المستعين و قال:

هؤلاء قوم عجم لا يعرفون حدود الكلام، و قال لهم المستعين: ترجعون الى سامراء فان ارزاقكم دارة عليكم و أنظر انا في أمري فانصرفوا آيسين منه و أبغضهم ما كان من محمد بن عبد اللّه الى (بابي بك) و أخبروا من وراءهم خبرهم و زادوا و حرضوا تحريضا لهم على خلعه، فاجتمع رأيهم على اخراج المعتز و كان هو و المؤيد في حبس الجوسق و عليهم من يحفظهم فأخرجوا المعتز من الحبس و بايعوا له بالخلافة.

و لما علم المستعين استعد لمواجهة الموقف فمنع الميرة عن سامراء و امر بتحصين بغداد و بحفر الخنادق في الجانبين، و نصب على الأبواب المنجنيقات و العرادات و شحن الاسوار، و فرض فرضا للعيارين و جعل عليهم عريفا اسمه (يبنويه) و عمل لهم تراسا من البواري المقيرة و اعطاهم المخالي ليجعلوا فيها الحجارة للرمي، و كتب المستعين الى عمال الخراج بكل بلدة ان يكون حملهم الخراج و الاموال الى بغداد و لا يحمل منها الى سامراء شي‏ء و كتب الى الجند الذين بسامراء يأمرهم بنقض بيعة المعتز و مراجعة الوفاء له، و جرت بين المعتز و محمد بن عبد اللّه مكاتبات و مراسلات يدعو المعتز محمدا الى المبايعة و يذكره ما كان المتوكل اخذ له عليه من البيعة بعد المنتصر.

____________

(1) ابن الأثير: جـ 5 ص 320 و في الطبري (بابي بك) باپكباك.

ج 1-سامراء (7)

98

و قدم عبد اللّه بن بقا الصغير من سامرا الى المستعين و كان قد تحلف بعد ابيه فاعتذر و قال لأبيه: انما قدمت لا موت تحت ركابك فأقام ببغداد أياما ثم هرب الى سامراء، فاعتذر الى المعتز و قال: انما سرت الى بغداد لا علم اخبارهم و آتيك بها فقبله المعتز و رده الى خدمته، و ورد الحسن بن الأفشين بغداد فخلع عليه المستعين و ضم اليه جمعا من الاشروسنية و غيرهم‏ (1) .

و دارت بين جيوش المعتز و جيوش المستعين معارك شديدة تبادلا فيها النصر و الهزيمة، و أخيرا انتصرت جيوش المعتز و أرغم المستعين على خلع نفسه، و خلال تلك الحوادث، اجتمعت العامة بسامراء و نهبوا سوق الجوهريين و الصيارفة (2) ، ثم نقل المستعين الى واسط و بعد فترة قصيرة، بعث المعتز اليه من قتله، و حمل رأسه الى سامراء و قدّم الى المعتز و هو يلعب الشطرنج و قيل له هذا رأس المخلوع فقال: ضعوه حتى افرغ من الدست، فلما فرغ نظر إليه و أمر بدفنه و امر لقاتله بخمسين الف درهم و ولاه معونة البصرة (3) .

و كثرت الاضطرابات سنة 253 هـ في سامراء، و قد سببت تأخر اموال البلدان و نفاد ما في بيوت الاموال، فوثب الاتراك فخرج إليهم (وصيف) ليسكنهم فرموه فقتلوه و حزّوا رأسه، و تفرد بغا بالتدبير و ضعف امر المعتز حتى لم يكن له أمر و لا نهي و انتفضت الاطراف، و خرج بديار ربيعة رجل من الشراة يقال له مساور بن عبد الحميد و يعرف بأبي صالح من بني شيبان ثم صار الى الموصل فطرد عاملها حتى قرب من سامرا و نزل في المحمدية (4) ، فدخل القصر و جلس على الفرش و دخل الحمام و ندب له المعتز قائدا و جيشا بعد قائد و جيش و هو يهزمهم حتى كثف جمعه و اشتدت شوكته‏ (5) .

و توفي الامام علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي

____________

(1) ابن الأثير: الكامل: جـ 5 ص 321.

(2) المرجع السابق ص 323.

(3) ابن الأثير: جـ 5 ص 333.

(4) على بعد ثلاثة فراسخ من قصور الخليفة.

(5) اليعقوبي- جـ 3 ص 234.

99

بن الحسين بن علي بن ابي طالب (ع) بسامراء لثلاث بقين من جمادى الآخرة سنة 254 هـ، و بعث المعتز بأخيه ابن احمد بن المتوكل فصلى عليه في الشارع المعروف بشارع ابي احمد، فلما كثر الناس و اجتمعوا كثر بكاؤهم و ضجتهم فرد النعش الى داره فدفن فيها (1) ، و هو يلقب بالعسكري لمقامه بسامراء و كانت تسمى العسكر (2) .

و في عصر المعتز تولى احمد بن طولون امر مصر نيابة عن (بابكباك) كما ظهر يعقوب بن الليث الصفار و استولى على فارس و جمع جموعا كثيرة، و لم يقدر المعتز على مقاومته‏ (3) .

و في سنة 254 هـ، قتل بغا الشرابي، و نصب رأسه بسامراء و ببغداد و احرقت المغاربة جسده‏ (4) .

و في سنة 255 خلع المعتز و قد وردت في هلاكه عدة روايات، ذكر المسعودي: انه ادخل الحمام مكرها و كان الحمام محميّا و منع الخروج منه، و ذكر روايتين بعد حادثة الحمام، فالاولى تقول انه ترك في الحمام حتى فاضت نفسه، و الاخرى تقول: أنه اخرج بعد ان كادت نفسه تتلف للحمّى، ثم أسقي شربة ماء مقراة ثلج، فنثرت الكبد و غيره، فخـ؟؟؟ من فوره، و ذلك ليومين خلوا من شعبان‏ (5) .

و ذكر ابن الاثير: ان الاتراك طلبوا منه مالا، فلم يتمكن من تلبية طلبهم، فدخل إليه جماعة منهم فجروه برجله الى باب الحجرة و ضربوه بالدبابيس و خرقوا قميصه، و اقاموه في الشمس، فكان يرفع رجلا و يضع اخرى لشدة الحر و كان بعضهم يلطمه و هو يتقي بيده، ... ثم ادخلوه سردابا

____________

(1) المرجع السابق ص 234 اقرأ ترجمة حياة علي الهادي بالتفصيل في جزء مقبل من الموسوعة-الخليلي.

(2) ابن عنبة: عمدة الطالب ص 199.

(3) الفخري-ص 181.

(4) ابن الأثير-جـ 5 ص 338.

(5) المسعودي-مروج الذهب جـ 4 ص 125.

غ

100

و جصصوا عليه فمات‏ (1) .

و بويع محمد بن الواثق الملقب بالمهتدي، خليفة للعباسيين، لليلة بقيت من رجب سنة خمس و خمسين و مائتين للهجرة، بعد ان أحضر الأتراك الخليفة المعتز فخلع نفسه امام الناس و الى القارى‏ء الكريم صورة الرقعة بخلع المعتز نفسه: -

«بسم اللّه الرحمن الرحيم، هذا ما شهد عليه الشهود المسمون في هذا الكتاب شهدوا أن ابا عبد اللّه بن أمير المؤمنين المتوكل على اللّه أقر عندهم و اشهدهم على نفسه في صحة من عقله و جواز من امره طائعا غير مكره، انه نظر فيما كان تقلده من امر الخلافة و القيام بامور المسلمين فرأى أنه لا يصلح لذلك و لا يكمل له و أنه عاجز عن القيام بما يجب عليه منها، ضعيف عن ذلك، فأخرج نفسه و تبرأ منها و خلعها من رقبته و خلع نفسه منها و برأ كل من كانت له في عنقه بيعة من جميع اوليائه و سائر الناس مما كان له في رقابهم من البيعة و العهود و المواثيق و الايمان بالطلاق و العتاق و الصدقة و الحج و سائر الايمان، و حللهم من جميع ذلك و جعلهم في سعة منه في الدنيا و الآخرة بعد ان تبين له ان الصلاح له و للمسلمين في خروجه عن الخلافة و التبرى‏ء منها، و أشهد على نفسه بجميع ما سمي و وصف في هذا الكتاب، جميع الشهود المسمّين فيه و جميع من حضر بعد أن قرى‏ء عليه حرفا حرفا فأقر بفهمه و معرفته جميع ما فيه، طائعا غير مكره و ذلك يوم الاثنين لثلاث بقين من رجب سنة خمس و خمسين و مائتين» فوقع المعتز في ذلك بقوله: أقر أبو عبد اللّه بجميع ما في هذا الكتاب، و كتبه بخطه و كتب الشهود شهاداتهم، شهد الحسن بن محمد، و محمد بن يحي، و احمد بن جناب، و يحي بن زكريا ابن ابي يعقوب الأصبهاني، و عبد اللّه بن محمد العامري، و احمد بن الفضل ابن يحي، و حماد بن اسحق، و عبد اللّه بن محمد، و ابراهيم بن محمد،

____________

(1) ابن الأثير-جـ 5 ص 342. ابن طباطبا-الفخري ص 181.

101

و ذلك يوم الاثنين لثلاث بقين من رجب سنة خمس و خمسين و مائتين‏ (1)

في أيام المهدي‏

و يعتبر المهتدي من خلفاء العباسيين الذين و صفوا بحسن السيرة و التقوى و الورع و كثرة العبادة (2) .

و في رمضان من سنة 255 هـ، وثب عامة بغداد و جندها بمحمد بن أوس البلخي، الذي كان قدم من خراسان بجيوشه، فأعطى اصحابه من اموال جند بغداد فتحرك الجند و الشاكرية في طلب الارزاق، و كان الذين قدموا مع محمد بن اوس من خراسان قد أساؤوا مجاورة اهل بغداد و جاهروا بالفاحشة و تعرضوا للحرم، فاتفق العامة مع الجند فثاروا و اتوا سجن بغداد عند باب الشام فكسروا بابه و اطلقوا من فيه، و نهب اهل بغداد منازل الصعاليك من اصحاب محمد بن اوس البلخي، و جرح بن اوس البلخي و انهزم هو و اصحابه و تبعهم الناس حتى اخرجوهم من باب الشماسية و انتهبوا منزله و جميع ما كان فيه‏ (3) .

و واجهت خلافة المهتدي أخطر مشكلة، تلك هي مشكلة الزنج و قيام حركتهم في منطقة البطائح من جنوب العراق، و قد بدأت تلك الحركة سنة 255 هـ، و اشغلت الخلافة العباسية حتى سنة 270 هـ، و دارت بين الزنج و جيوش العباسيين حروب طاحنة انتهت بانتصار الموفق ولي عهد الخلافة العباسية ايام الخليفة المعتضد العباسي‏ (4) .

حاول المهتدي أن يتقرب من العامة ليستند إليهم و يتخذهم عونا قويا له في كفاحه الاتراك، فبنى قبة لها اربعة ابواب و سماها قبة المظالم، و جلس

____________

(1) الطبري-التاريخ-حوادث سنة 255.

(2) الفخري-ص 182.

(3) ابن الأثير- جـ 5 ص 345.

(4) راجع في موضوع حركة الزنج: الدكتور عبد العزيز الدوري-دراسات في العصور العباسية المتأخرة-الدكتور فيصل السامر-ثورة الزنج.

102

فيها للخاص و العام، و امر بالمعروف و نهى عن المنكر، و حرم الشراب و نهى عن القيان، و اظهر العدل، و كان يحضر كل جمعة الى المسجد الجامع، و يخطب الناس و يؤم بهم‏ (1) . و لما اشتد النزاع بينه و بين الاتراك، أحضر جماعة منهم فضرب أعناقهم و فيهم بابكيال رئيسهم فاجتمع الاتراك و شغبوا فخرج إليهم المهتدي في السلاح معلقا في عنقه المصحف و استنفر العامة و اباحهم دماءهم و اموالهم و نهب منازلهم‏ (2) .

و لكن يبدو ان الاتراك كانوا من القوة أن سيطروا على زمام الامور في سامراء، حيث تجمعوا فتفرق العامة و تمكنوا من الخليفة و دخلوا قصره و قضوا عليه‏ (3) ، و ذكر ابن الأثير يصف اللحظات الأخيرة للخليفة المهتدى و صراعه مع الأتراك فيقول: فركب المهتدي و قد جمع له جميع المغاربة و الأتراك و الفراغنة فصير في الميمنة مسرورا البلخي و في الميسرة ياركوج. و وقف هو في القلب مع اسارتكين و طبعايغو و غيرهما من القواد، فأمر بقتل بابكيال و القى رأسه إليهم عتاب بن عتاب فحملوا على عتاب فقتلوه. و عطفت ميمنة المهتدي و ميسرته بمن فيها من الاتراك فصاروا مع اخوانهم الاتراك فانهزم الباقون عن المهتدي، و قتل من اصحاب المهتدي خلق كثير و ولى منهزما و بيده السيف و هو ينادي: يا معشر المسلمين، انا أمير المؤمنين، قاتلوا عن خليفتكم، فلم يجبه احد من العامة الى ذلك، فسار الى باب السجن فأطلق من فيه و هو يظن انهم يعينونه فهربوا و لم يعنه احد. فسار الى دار احمد بن جميل صاحب الشرطة، فدخلها و هم في اثره فدخلوا عليه و اخرجوه و ساروا به الى الجوسق على بغل فحبس عند احمد بن خاقان، و قبل المهتدي يده فيما قيل مرارا عديدة (4) ، و جرى بينهم و بينه كلام ارادوه فيه على الخلع و استسلم للقتل و قالوا: انه كان قد كتب بخطه رقعة لموسى بن بغا و بابكيال و جماعة

____________

(1) المسعودي-مروج الذهب جـ 4 ص 124.

(2) اليعقوبي-التاريخ جـ 3 ص 237.

(3) المسعودي-جـ 4 ص 127. الفخري-ص 183: جاء فيه ان الأتراك خلعوه فمات في سنة 256 هـ.

(4) ورد في الطبري- (و قتل المهدي فيما قيل في الوقعة عددا كبيرا بيده) .