موسوعة العتبات المقدسة - ج12

- جعفر الخليلي المزيد...
336 /
153

الفقر و المسكنة و بطلت مصانع منسوجاتهم و معامل سكرهم ثم لم يقنع الأجانب بذلك فجعلوا يفسدون اخلاقهم و يعيرون علماءهم و يزينون للجهال معارفهم و لا ريب أن النفوس ميالة الى اللهو و اللعب و الناس الى امثالهم أميل و المجالسة مؤثرة و المخالطة تورث المحبة و المحبة تورث الاتحاد في اللباس و المآكل و المشارب و العلوم و المعارف و جميع الآداب و الرسوم فيؤول حينئذ أمر المسلمين الى الفناء و الزوال، و كان الأجانب يرسلون في كل سنة عدة من ابنائهم الى ايران فيدخلون انفسهم في مكاسبهم بكل حيلة و مكيدة حتى مهنة التجارة و الخياطة و العمارة و الصياغة و غيرها، و كان الامر كذلك الى ان سافر السلطان ناصر الدين شاه الى لندن في سنة 1306 هـ فاستقبلوه في موكب عظيم و احتفلوا به و بذلوا جهدهم في اكرامه و احترامه اللائق به و هو غافل عن مقاصدهم و ما يريدون منه ثم احتفلوا به في محفل كبير و قالوا له ان امتيار التتن و التنباك نستدعيه منكم مدة خمسين سنة بشروط نقوم بها:

الاول: -نرسل في كل سنة خمسة عشر الف ليرة الى خزينتكم سواء ربحنا او خسرنا و هذا المبلغ نؤديه كله في مدة خمسة اشهر.

الثاني: -يجب على أولياء الحكم في جميع بلدان ايران اجبار الزراعين باعطاء التعهدات لنا و ان كل ما يزرعون من التتن و التنباك لا يجوز لهم بيعه و شراؤه و تضمينه الا باذن صاحب الامتياز، و ليس لاحد اصدار الاجازة بذلك الا من صاحب الامتياز و ليس للبايع و المشتري ان يعامل بغير دفتر الاجازة و من فعل ذلك فعليه المجازاة.

الثالث: -يجب على صاحب التتن و التنباك ان يسلم ربع المنافع الى الخزانة و ذلك بعد وضع جميع المخارج المتعلقة بذلك و للمأمورين تفتيش الدفاتر في رأس كل سنة.

الرابع: -حرية الآلات و المكائن المتعلقة باصلاح التتن و التنباك و خلوها عن مصارف العشارين حين دخولها في ايران.

154

الخامس: -عدم جواز الحمل و النقل من التتن و التنباك مطلقا الا باجازة صاحب الامتياز.

السادس: -يجب على اصحاب الامتياز شراء جميع الدخان الموجود في ممالك ايران و ليس للبايع الامتناع من ذلك.

السابع: -يجب على اولياء الحكم أن لا يزيدوا في الاعشار و الكمارك المعمولة الى مدة خمسين سنة.

الثامن: -كل من باع او ابتاع خفية او وجد عنده شي‏ء منه بدون اجازة فيجب على المأمورين للدولة العلية الايرانية مجازاته الشديدة.

التاسع: -يجوز لاصحاب الامتياز انتقال حقوقهم مع شروطها الى من يريدونه كائنا من كان.

العاشر: -يجوز لأصحاب الامتياز ابتياع الأراضي للمخازن الدخانية نعم لا يجوز ابتياع ازيد من ذلك.

الحادي عشر: -لو تجاوز حكم ما قرر في دفتر الشروط عن مقدار السنة بمعنى ان الهيئة التي تعرف باسم الكمپانية لم يشتغلوا بالعمل حتى ينقضي من تاريخ كتابة الشروط مقدار سنة بطلت الشروط و بطل الامتياز فيجب تشكيل ذلك بسرعة ثم كتبوا وثيقة الامتياز صورتين و ختمهما السلطان ناصر الدين شاه بخاتمه، و قبل ذلك كله غفلة عن حقيقة الحال او عدم علمه بالمآل ثم رجع السلطان الى عاصمة ملكه طهران و جاءت من لندن هيئة تعرف باسم الكمپانية و اشتغلوا بشراء الأراضي و بناء المخازن و احضار المكائن و الآلات و الأدوات و انتشر الخبر في الآفاق و نشروا ذلك في الجرائد و هتفوا بخطأ هذه المعاملة و قالوا ان دخانية اصبهان وحدها في سنة واحدة تبلغ عشرين الف ليرة و طعنوا بالسلطان و كثر اللغط فبينما هم كذلك اذ جاء من لندن جماعة من‏

155

الاجانب لا يقل عددهم عن مائة الف نسمة بين رجال و نساء (1) و دخلوا طهران و شرعوا في تنفيد مقاصدهم و ارسلوا في كل بلد من بلاد ايران عدة من هيئتهم و قويت بذلك كل ملة في ايران سوى ملة الاسلام و كثرت الفواحش و شرب الخمور فلم تزل كل يوم تكثر هذه الدواهي و قد فتح الاجانب المدارس لدعوة الناس الى مذهب المسيح و جعلوا المبشرين (البرتستانت) في جميع المستشفيات ينفقون اموالا جمة على الفقراء و المساكين و يستخدمون بنات الاسلام و فتيانها و صار المسلمون مقهورين تحت ايديهم و فرقوا اربعمائة الف تومان بين الامراء و الحكام ليوافقوهم في تنفيذ مقاصدهم و ابتاعوا قطعة ارض قرب حديقة الايلخاني بخمسة و اربعين الف اشرفي و انفقوا لعمارتها مائة و خمسين الف ليرة و جعلوها مسورة بسور رفيع حصين و نصبوا على ابراجها مدافع، و كان قطر السور اربعة اذرع فلما فرغوا من استحكاماتهم في طهران ارسلوا هيئة الى شيراز فلما قربوا من البلدة و انتشر خبر قدومهم فيها اجتمع الاشراف عند علمائهم و انكروا هذا العمل فوافقهم العلماء في ذلك مصلحة لدينهم و اصلاحا لمفاسد امورهم فأخبر بذلك اصحاب الامتياز فخافوا ان يدخلوا البلدة الى ان سيرت الحكومة السيد العلامة الحاج السيد علي اكبر الذي كان من قدوة العلماء في شيراز الى (ابو شهر) خفية فلما علم بذلك اهل البلدة هاجوا و ماجوا و اضطربت الامور و عطلت الاسواق و لاذوا بالحضرة المقدسة حضرة السيد احمد بن موسى بن جعفر عليهم السّلام الذي يعرف بشاه جراغ و كثر البكاء و الضجيج بحيث خشيت الحكومة المحلية فأمرت باحضار جنود لتفريق الناس بالبنادق فقتل عدة من المسلمين و انهزم الباقون مجروحين خائفين و جلين و لكن الاضطراب يشتد في كل يوم غير ان الحكومة المحلية استقبلت اصحاب الامتياز و ادخلتهم البلدة مع كل

____________

(1) اغلب الظن ان الأمر لا يخلو من مبالغة قد تتجاوز حدود المعقول بهذا التقدير خصوصا و ان ليس هنالك من مصادر تؤيد هجرة ما لا يقل عن مائة الف نسمة من لندن الى ايران في اي تاريخ من التواريخ ما عدا ايام الحرب-. الخليلي‏

156

الاحترام و سار الحاج السيد علي اكبر الشيرازي مع جماعة من العلماء من (ابو شهر) الى (سر من رأى) و استعانوا بآية اللّه المجدد الشيرازي قدس سره فأمر رحمه اللّه بضيافة السيد و تجليله و تعظيمه بما لا مزيد عليه، ثم ان أصحاب الامتياز ارسلوا هيئة الى آذربيجان فأخبر بذلك العلامة الحجة الميرزا جواد آقا فأمر بمنع دخول الهيئة و انكر ذلك اشد الانكار فآل الامر الى تأخير ذلك الحكم عن آذربيجان و كثرت المراسلات بين السلطان بين هذا العالم الغيور الاسلامي الى ان قهر و اضطهد و دخلت الهيئة آذربيجان بالقوّة القاهرة و اخذوا يبتاعون النقاط الرئيسية للبلدة و الامكنة المعمورة و ابتنوا فيها قصورا شاهقة و ابنية فخمة فزاد ذلك وحشة الناس و خوفهم على اضمحلال بلاد ايران و سقوطها بيد الاجانب بلا كلفة فاستغاث الناس بعلمائهم و استدعوا منهم المكاتبة الى سلطانهم و الاحتجاج عليه و ان يبينوا له مفاسد هذه المعاملة ففعلوا غير انهم ما نالوا مرادهم فكتبوا الى سر من رأى بالقصة التفصيلية و استغاثوا كلهم بآية اللّه المجدد و كان قدس سره من خطته أن لا يتداخل فيما يتعلق بأمور المملكة و السياسة فلما كثرت الشكاوى من جميع بلاد ايران و تواترت الكتب من العلماء و الاشراف و معاريف التجار و تكلموا في اطراف القضية و اوضحوا مفاسد هذا الامتياز أبرق آية اللّه المجدد في التاسع عشر من ذي الحجة سنة 1308 الى السلطان ناصر الدين و كتب كتابا مفصلا الى نائب السلطنة اوضح فيه ما يجب ايضاحه و شرح ما يجب شرحه فأرسل السلطان جواب المكتوب مع كمال التعظيم و التوقير و كان مفاده.

اولا-ان ايران حالها في هذا اليوم ليس كحالها في الامس فيجب على سلطانها ان يحفظ استقلالها و هذا لا يتم إلا باظهار المودة مع الدول القوية.

و ثانيا-دفع الفاسد بالافسد امر راجح.

و ثالثا-خراج ايران الذي يعرف باسم الماليات لا يفي بمصالح الملك فليس لنا بد عن امثال هذه المعاملات مع الاجانب لتتم به مصالح المملكة.

و رابعا-لا يجوز للسلطان اذا ختم بخاتمه في دفتر المعاملة ان ينقضه.

157

و خامسا-لا يمكن الفسخ و الابطال فيها لانها تحولت الى ايد قوية من دول اوربا و كيف يمكن للسلطان مع ضعفه ان ينازع الأقوياء.

و سادسا-على فرض امكان السلطان من فسخ هذه المعاملة و ابطالها فانه يحتاج الى مصارف كثيرة لا يمكننا تحصيل عشرها، فأرسل السلطان الكتاب الى قنصله في بغداد و كتب له بأن يسافر إلى (سر من رأى) حاملا معه الكتاب و يبذل جهده في ارضاء الامام الشيرازي ففعل القنصل فلم يقبل (قدس سره) هذه المعاذير و اجاب عن كل واحد منها و ابرق للسلطان برقية ثانية و كتب كتابا ثانيا ادلى فيه ببراهين قاطعة أخطاء هذه المعاملة الفاسدة فكتب في آخر الكتاب ان عجزت الدولة عن الجواب فلسنا بعاجزين و ان لم تقدر ان تجيب الخصم و تطالب بحقوق الملة فخل بيننا و بينه ثم في خلال ذلك صدر الأمر من رئيس اصحاب الامتياز بجمع التنباك الموجود في جميع ممالك ايران و شرائه فوقع التشاجر و التنازع في القيمة و مقدار الثمن و ما ادخره بعض لحاجة أو لغرض آخر حتى ان احد التجار كان له اثنا عشر الف كيس من التنباك فجاء اليه اصحاب الامتياز لابتياع ذلك فلم يرض البايع بما عينه صاحب الامتياز من الثمن فاستمهله لغد فلما خرج اصحاب الامتياز من عنده اخرج اكياس التنباك في الفضاء وصب عليها النفط و احرقها جميعه فلما اصبحوا جاؤا اليه و طالبوه بالاكياس فقال بعتها باغلى الثمن فاستشاطوا غضبا و قالوا له كيف بعتها من غير إذن منا فذهب بهم الى الرماد و قال بعتها لهذا غيرة للدين فافعلوا الآن ما شئتم فكثر الاضطراب بين الناس و اشتد الأمر على الزراع و ضاق الأمر على الرعية لكثرة ما حملوهم من التكاليف الشاقة الضارة لدينهم و دنياهم و اتصل باصحاب الامتياز كثير من الدجالين الذين يريدون التقرب اليهم و يدعون انهم من المسلمين، فكانوا يدلونهم على اعراض الناس و نواميسهم و ما ادخروا من التنباك و جعلوا يصرفون عوام الناس عن إطاعة العلماء فاضطهد اهل الدين و كانوا يحبذون السفور لبنات المسلمين و ينصبون الكراسي في المعامل الاسلامية

158

ليجلسوا و ينظروا الى بنات المسلمين اللاتي يشتغلن في المعامل، و هن سافرات و وقع من امثال ذلك مالا يحيط بيانه القلم، فلما رأى العلماء في اصبهان ان البلية قد عمت البلاد امتنعوا عن استعمال التنباك و بيعه و شرائه فوافقهم أهل الدين و انتشر الخبر فهددوهم بارسال المدافع الى بيوتهم و تخريب مساكنهم غير ان العلماء لم يكترثوا بهذه التهديدات غيرة للدين فآل أمرهم الى النفي و الاخراج فخرج بعضهم خفية و بعضهم جهرا الى (سر من رأى) و استغاثوا برئيس الشيعة الامام المجدد رحمه اللّه فلما رأى أنه قد تفاقم الأمر و انتهى الأمر الى هذه النتيجة السيئة التي لا ترضي اللّه و رسوله كتب مصدرا فتواه التي رنّ صداها في العالم الاسلامي لا سيما في ايران فكان نص تعريبها بعد البسملة «اليوم استعمال التنباك و التتن حرام بأي نحو كان و من استعمله كمن حارب الامام عجل اللّه فرجه» و نصها بالفارسية (بسم اللّه الرّحمن الرّحيم امروز استعمال تنباكو و تتن در حكم محاربه امام زمان عليه السّلام است حرره الاحقر محمد حسن الحسيني) فأرسل صورة الفتوى الى اكبر علماء طهران الحاج ميرزا محمد حسن الأشتياني قدس سره و في اواخر شهر ربيع الثاني سنة 1309 اقام اصحاب الامتياز الاجانب في دائرة الكمپاني حفلة عظيمة اجتمع فيها خلق عظيم من رجالهم و نسائهم و حضر القنصل الروسي و القنصل الالماني و القنصل الايطالي و الامريكي و القنصل التركي و غيرهم من القناصل و المأمورين و الامراء و الحكام و التجار الايرانيين و كانت هذه الحفلة حفلة سرور و نشاط لظفرهم بمرادهم و كانوا فرحين بانقضاء مدة الاستمهال حسبوا انهم من الغد يسيطرون على المسلمين و ينالون مرامهم فلما اصبح الناس في غاية الحزن و الانكسار سمع بعضهم من بعض ان الامام الشيرازي حرم استعمال التنباك و التتن و جعله في حكم المحاربة مع الامام الحجة ابن الحسن (ع) فكادوا يطيرون فرحا و سرورا و جعلوا يسألون من أين جاء هذا النبأ العظيم الذي فيه حياة ايران و الايرانيين فازدحموا على دار حجة الاسلام الآشتياني لكي يعرفوا صحة الخبر و كان

159

الآشتياني مترقبا هذه الفتوى غير ان البريد تأخر اسبوعا فأخذ أولياء الامر يعاقبون من تكلم بحرمة الاستعمال و يقولون هذا من حيلكم و لم تصدر من الامام الشيرازي فتوى بالحرمة فاذا بالبريد قد دخل دار الآشتياني و أعطاه صورة الفتوى فقرأها الآشتياني على عموم الناس فلم تنقض ساعات إلا و استنسخوا عنها مائة الف نسخة و قرأوها على المنابر في المساجد و المحافل و ما أمسى الناس إلا و طبق البلدة الخبر و انتشر في البلدان و القرى التي كانت من اعمال طهران فأمرت الحكومة بجمع النسخ و أخذها من أيدي الناس غير أنه ما نالت مرامها و جعلت تسأل عن نسخة الاصل فدلت على الآشتياني و كان قدس سره يخشى من إظهار نسخة الاصل فاستعلمت الحكومة الامر من (سر من رأى) فأبرقوا للعلامة الميرزا حسين النوري و الشيخ الحاج آفا النوري و أمثالهما فأجيبوا بصحة صدور الفتوى من الامام الشيرازي فايقنوا بصدق صدور الحكم فابرق التجار و العلماء الى جميع ممالك ايران بذلك و خضع الناس جميعا للحكم و انقادوا و امتثلوا مبتهجين مسرورين و كل من كان عنده شي‏ء من التنباك أحرقه و كسر غليانه و شطبه و من عجيب نفوذ هذا الحكم ان الفساق المتجاهرين بالفسق الذين يفطرون شهر الصيام و يشربون الخمر امتنعوا عن استعمال الدخان فقيل لهم ما بالكم تشربون الخمر و لا تشربون التنباك قالوا ان شرب الخمر له توبة و هذا ليس له توبة فمن استعمل التنباك فهو مثل من قتل الامام عليا (ع) و قاتل الامام لا تقبل توبته، و من عجيب نفوذ هذا الحكم بسرعة ان اصحاب المقاهي كسروا كل ما عندهم من ادوات الغليان، و ان كان من أغلى الأثمان و أبطل اصحاب المعامل كل ما له تعلق بالغليان سواء في ذلك التاجر و الكواز و الصياغ و غيرهم، و كسروا ما عندهم في المعامل فبلغ الامر الى أن رجلا سأل بعض العلماء و قال اني رششت التنباك بالشمس لييبس و أريد الآن جمعه فاجعله في كيس و اخرجه من داري فهل هذا استعمال اولا؟، و ارسل رجل رأس غليان الى دكان ليصلحه قبل وصول الحكم فبعد انتشار الحرمة ذهب ليأخذ رأس‏

160

رأس الغليان فرأى أن الأستاذ يصلح ثقبته و ما هو معد لشرب الافيون ورد رأس الغليان كما كان و لم يصلحه فقال له الرجل هل يجوز شرب الافيون قال لا و لكن له توبته بخلاف شرب الغليان الذي ليس له توبة، و رأوا درويشا يشرب الغليان فانكروا عليه فحلف انه ليس فيه تنباك و انما هو حشيشة فلم يقنعوا بذلك حتى قلبوا رأس الغليان فرأوا انه قد صدق فتركوه، و من عجيب نفوذ هذا الحكم الشريف أن خوانين حرم السلطان و جواريها قد كسروا ما كان عندهم من الغليان و استعفى السلطان ناصر الدين شاه خدامه عن هذا العمل فعفا عنهم و خلي سبيلهم، و من عجيب نفوذ هذا الحكم الشريف أن اليهود و المجوس و سائر الفرق الباطلة و افقوا جماعة المسلمين و قالوا ان هذا حكم محترم يجب اتباعه و لا يجوز التخلف عنه فمن تخلف عنه فبعيد عن الشرف، و لا يدلنا التاريخ منذ خلق اللّه الدنيا على ان حكما نفذ بسرعة في جميع طبقات الناس كبيرا كان أو صغيرا رجالا أو نساء مؤمنا أو منافقا مسلما او كافرا عاليا كان او دانيا مثل هذا الحكم فانتشر في العالم الاسلامي امتنع المسلمون عن شربه بسرعة بالطوع و الرغبة و يرون ذلك فخرا لأنفسهم، و قد دلّنا التاريخ من أحوال الأنبياء عليهم السّلام انهم من بعد سنين متطاولة من تبليغهم احكام اللّه و تحملهم المذلة و الأذى في ذلك يتبعهم شرذمة قليلة و عظمة نفوذ هذا الحكم الشريف بلغت درجة لا يمكن وصفها لانا نرى بالعيان و نسمع بالآذان انه قل ما يوجد اتفاق جميع العلماء في جميع البلدان في حكم يتعلق بالمصلحة العامة و هذا الحكم الشريف لما صدر من مصدره خضع له جميع العلماء و استقبلوه بكل ارتياح و قبول و انقادوا اليه بكل ابتهاج و سرور و لعمري أن هذا من النوادر الغريبة التي قلّ ما تتفق في عصر من العصور كما يدلنا سير التواريخ لا سيما تواريخ العظماء المصلحين ثم ان اصحاب الامتياز اصبحوا حيارى مبهوتين كأن على رؤوسهم الطير فكتبوا الى لندن بهذا المضمون (ان قد وقعت داهية عظمى لا يدلنا التاريخ على مثلها في ايران و هي ان شرب التنباك و الانفية التي كانت عادتهم استعمالها في الليل و النهار

161

و أهم لوازمهم بل كانوا يعدونه من الواجبات في بيوتهم تركوه بتاتا حين وصلت اليهم فتوى رئيسهم بالحرمة، و من حين صدور الحكم من رجل واحد تركوا اعظم ما كانوا متعودين به منذ سنين متطاولة من غير كره و لا اجبار و عامة المسلمين خضعوا لفتوى رئيسهم حتى دوائر الحكومة الايرانية و صار استعمال التنباك عندهم من انكر المنكرات و لم يزالوا يكسرون (الشطب) (و الغليان) و يرمون بخزفه و أخشابه الى دائرة الامتياز) و مثل ذلك كتب السفراء الى ممالك اوربا فاجتمع اصحاب الامتياز الى السلطان و استغاثوا به فوعدهم بالعلاج و كان السلطان فرحا بهذا الحكم الشريف بالباطن غير انه لم يكن له بد من المماشاة مع اصحاب الامتياز فعقد حفلة عظيمة دعا فيها مشاهير علماء دار الخلافة منهم الميرزا الآشتياني و المولى السيد علي اكبر التفرشي و الشيخ فضل اللّه النوري و شريعة مدار امام الجمعة و شريعت مدار السيد محمد رضا و الآخوند ملا محمد تقي القاشاني، و من طرف الدولة أحضر السيد عبد اللّه البهبهاني و نائب السلطنة و أمين السلطان و أمين الدولة و مشير الدولة و قوام الدولة و مخبر الدولة فلما اجتمعو احضر السلطان صورة ما قرر بينه و بين اصحاب الامتياز و خاطب العلماء و قال هذا ما قرر بين الدولة و بين اصحاب الامتياز فانظروا فيه فما كان فيه مخالفا لحكم الشرع المطاع نأمر بتغييره، و أما أصل المسألة فابطاله محال، فلما قرأوا فاذا في صدر الدفتر كلمة (مينويل) فسأل العلماء عن تفسير هذه الكلمة فقيل لهم أن هذه الكلمة معناها بالانكليزية الامتياز و الانحصار يعني ان التنباك لا يجوز بيعه و لا شراؤه إلا باجازة اصحاب الامتياز، و هذا حق يختص به فقط، فقال العلماء هذا اول ما يجب تغييره او اسقاطه لأنه خلاف ما قرر في شريعة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و من الاصول المقررة الثابتة قاعدته ان (الناس مسلطون على أموالهم) فعلى هذا الأصل كل واحد من الناس مسلط على ماله يفعل فيه ما يشاء فهو مختار على بيعه و ادخاره بأي نحو كان، و قاعدتكم ج 1-سامراء (11)

162

هذه مخالفة لحكم الشرع المطاع حيث انكم أمرتم بأن الرعية لا تبيع إلا لشخص معين و بثمن معين في مكان معين و هو مجبور مسلوب الاختيار في جميع ذلك و الشارع لا يرضى بذلك أبدا فبهتوا و افحموا، و كل واحد من اركان الدولة لم يحر جوابا، فقال الوزير الاشتياني أن السيد ميرزا محمد حسن الشيرازي مجتهد و جنابك ايضا مجتهد فيمكنك أن تفتي بالاباحة كما انه فتى بالحرمة، فاجابه الآشتياني بكلمات قارصة و قال ان مولانا الميرزا الكبير سيد الشريعة و امام الشيعة و ملاذ الأمة و نائب الأئمة حكمه مطاع و أمره لازم الاتباع و نحن عبيده و مطيعوه في كل ما يقول لأن الراد عليه على حد الشرك، فيئس الوزير الأعظم من اقناع العلماء و وعدهم برفع الامتياز فلما مضى اسبوع على عقد المجلس المشار اليه عقدوا مجلسا آخر و أحضروا المذكورين و حضر السلطان ناصر الدين و قالوا قد ابطلنا الامتياز عن داخل ايران فآحاد الرعية مختار في بيع التنباك بأي وجه يريد و بأي ثمن و في أي وقت يشاء لا إجبار في البين غير أن الامتياز باق بحاله في خارج المملكة و التنباك من ايران يحمل الى المملكة العثمانية فقط و معلوم عندكم ان اختيار الخارج ليس بأيدينا فنستدعي من العلماء أن يصعدوا المنابر و يعلنوا بالاباحة فقالوا ما افتينا بتحريمه حتى نفتي باباحته و لا ربط لنا في المسالة انما القول قول السيد الكبير الميرزا الشيرازي منه الأمر و منا الاطاعة و الانقياد فراجعوه انتم في المسألة حتى يتبين لكم الأمر، فكتبوا صورة برقية و ختموها بخواتيم العلماء و ارسلوها الى سامراء و كانوا في انتظار الحكم بالاباحة فاذا الجواب من سامراء مفاده (التشكر من السلطان و الرجاء بقطع أيدي الأجانب من ايران) فلم يبق مجال للسلطان على علماء دار الخلافة فبقي حكم الحرمة بحاله، فلما مضى اسبوع رأى الناس في صبيحة يوم الاثنين اعلانا على حائط شمس العمارة مفاده ان يوم الاثنين الآتي نحن مأمورون بالجهاد فمن كان مسلما فيجب عليه الجهاد بفتوى الامام الشيرازي مد ظله فولول الناس فهاجوا و ماجوا و انتشر الخبر الى تمام دار الخلافة و خاف الأجانب على انفسهم فجعلوا ينهزمون خفية حتى ان كثيرا

163

منهم خرجوا من ايران لابسين ثياب النساء و كانت قلوبهم مملوءة رعبا من الحكم بحرمة الدخان و قالوا ان المسلمين مستميتون و نرى ان رئيسهم الديني لو أمرهم باحراق انفسهم بالنار لا يتخلفون عن امره فالاقامة في ايران فيها خطر عظيم، و اما اصحاب الامتياز فلجأوا الى شمس العمارة أو استغاثوا بالسلطان ناصر الدين شاه فارسل السلطان الى الآشتياني و استخبر منه فحلف انه لا علم له بذلك و وعد السلطان بتسكين الناس و كان كثير من الناس يبتاعون الاسلحة و يجددون العهد و الوصية و علت اصوات البكاء من دورهم و كانوا يودعون نساءهم و صبيانهم فلم تزل هذه الأمور تتضاعف و يشتد خوف الأجانب و اصحاب الامتياز فدعا الآشتياني اصحاب المنابر و المحاريب و امرهم بتسكيت الناس و ان هذا الاعلان لا اصل له فهدأت فورة الناس غير ان سفراء اوربا خافوا الأمر و زعموا ان هذه الهدنة من المسلمين سياسة و اغفال للخصم فاحتفلوا قبل مضي اسبوع و احضروا اصحاب الامتياز و السلطان ناصر الدين شاه و كثيرا من الأكابر و الأشراف و كان المتكلم السفير الروسي و خاطب الحضار و قال (زنده باد اتفاق مسلمانها) أي ليحي اتفاق كلمة الاسلام على السلامة فتعجب السفراء من هذه الكلمة فلما رأى السفير الروسي تعجبهم قال حضرت هذه الحفلة حتى اقول لكم هذه الكلمة و ان شئتم اشرح لكم، قيل له قل، قال اليوم مقدار مائتي الف من رؤوس (الغليان) و كيزان البلور للغليان و غيرهما مما يتعلق بالدخان وقفت تجارتها عن روسيا و لا يدرى الى ما يصير مآلها و كان السبب في ذلك ان «آرسن» رئيس اصحاب الامتياز وضع حكما في ايران يخالف قوانينهم الاسلامية فافتى رئيسهم المطاع بحرمة استعمال الدخان فاطاعوه و تركوا عادة كانوا متعودين عليها منذ خمسمائة سنة و منشأ هذه الخسائر ليس إلا (آرسن) رئيس الامتياز، اليس من الواجب عليه رفع يده عن هذه المعاملة قبل حدوث حادثة اكبر من هذه، قالوا باجمعهم نعم، ثم قال هذا سهل يمكن تحمله، و لو فرضنا ان رئيس الامتياز لم يرفع يده عن هذه المعاملة و رئيس الاسلام يشدد في الحكم لقطع يد الأجنبي و يفتي بحرمة شرب «الشاي»

164

و من المعلوم ان تأثيره في قلوب المسلمين ليس بأقل من تأثير حرمة الدخان فعنده هل يمن احصاء الخسائر التي ترد الينا و الى سائر دول اوربا لأن ذلك يعطل تجارة السكر بأنواعه و تجارة جميع الآلات التي يتوقف عليها استعمال «الشاي» و قد يكون ذلك سهلا لو فرض و لكن لو اصدر سيدهم المطاع فتوى بحرمة استعمال جميع ما يرد من البلاد الخارجية الى ايران لعمت الخسائر و الاضرار جميع الدول و لو فرضنا مع ذلك سهولة هذه الخسائر العظيمة و لكن لو اصدر فتواه الحاسمة بوجوب قتل جميع المسيحيين الذين هم منتشرون في بلاد ايران و تنزيهها عن الأجانب فما تفعلون فقالوا باجمعهم لا شبهة انه لو افتى بذلك لقاتلونا لانهم يرون الجهاد واجبا عليهم و من قتل منهم يكون شهيدا فعند ذلك نكون مسؤولين تجاه صاحبنا لأن التبعة الخارجية كثيرة في بلاد ايران و تلك داهية عظيمة، فقال السفير الروسي لهم فانظروا عندئذ عواقب المسألة فقالوا بأجمعهم الحق ما تقول و يجب على (آرسن) رئيس الامتياز فسخ المعاملة و ابطالها فقال (آرسن) كيف افسخ هذه المعاملة و اني منذ دخلت ايران الى يومي هذا انفقت اربعة كرور من الليرات في الرسومات و العمارات و الآلات و الوظائف و غيرها، فقال السفير الروسي هذه الخسائر التي وردت عليك كنت قد اقدمت عليها لعلمك خلاف القوانين الاسلامية و رؤساؤهم الدينيون لم يرضوا بذلك، فبهت (آرسن) و لم يحر جوابا ثم استمهل السفراء لينظروا في امره فكان كلما فكر في الأمر لم تطب نفسه الى ترك المعاملة، فكتب اليه السفراء بأن لا تقوم في ايران الا ان تأخذ الاجازة باستعمال الدخان من علماء الاسلام، ثم ان (آرسن) جعل يسأل عن احوال علماء دار الخلافة و مراتب زهدهم و تقواهم الى ان وجد فيهم من كان يطلبه فدخل داره خفية و رشاه بثلاثة آلاف تومان له و خمسمائة تومان لكاتبه فقبل تلك الرشوة فقال برئيس الامتياز أنا افتيت بالحرمة لجهات اقتضت و الساعة أفتي بالاباحة فشرب في الوقت الدخان فلما رأى ذلك (آرسن) فرح بذلك و زعم أنه نال مرامه من هذا الفاسق‏

165

المتهتك فقال المرتشي أنا متعهد بإبقاء معاملة الامتياز على حالها و استعمال الشعب الدخان و لكن يجب عليك ان تواجه السلطان و تستدعي منه إخراج من هو معارض لنا من طهران، فقام (آرسن) و اتى الى السلطان و قال ما جئنا الى ايران الا معتمدين عليك لتزيل عنا كل غائلة حدثت و اليوم أصابتنا خسائر فادحة و فيها مسؤولية عند السفراء فنستدعي من حضرتكم اما ان تتحمل خسائرنا لنرجع الى بلادنا او تأخذ لنا الاجازة من العلماء، و لما كان الأول غير ممكن للسلطان وعده بالثاني اضطرارا ثم حدثه بالفصة و ما وقع الاتفاق عليه مع المرتشي المذكور فبقي السلطان متحيرا فكتب إلى الآشتياني بما مضمونه ان جنابك مخير بين ان تعلن بأباحة استعمال الدخان أو تسافر مدة قليلة من طهران فان الأمر كذا و كذا فكتب اليه الآشتياني أما نقض حكم الامام الشيرازي فمحال، و اما المسافرة فاسافر مع الغد إن شاء اللّه فانتشر نبأ المسافرة في تمام البلدة بسرعة هائلة فعظم ذلك الأمر عند العلماء فاجتمعوا من كل محلة و قصدوا دار الآشتياني و اجتمع من طبقات الناس خلق كثير فملئت الشوارع و الاسواق و رفعوا اصواتهم بالبكاء و النحيب مستنكرين ذلك أشد الانكار و كان الأمر كذلك الى قريب من الظهر فبينما هم كذلك اذ بأفواج النساء صارخات باكيات يهرعن الى الأسواق فكلما رأين دكانا مفتوحا امرن بسده فعطلت الأسواق و ملئت الشوارع و السكك من الرجال و النساء فجعلوا يسبون اصحاب الامتياز و كل من ينصرهم و يعينهم و تارة يصرحون باسماء الوزراء الكبار بحيث خاف أركان الدولة على أنفسهم فسدوا ابواب شمس العمارة و نصبوا المدافع على سطوحها و أمروا الجيوش باطلاق نيران بنادقهم فخالف الجيوش أوامر الضباط و كانوا يبكون لبكاء النساء و علت اصوات البكاء من حرم السلطان و جواريها و كن يشتمن الوزراء الذين تعهدوا ببقاء الامتياز و هتفن بالسب الشنيع و الشتم الفظيع فارسل السلطان نائب السلطنة ليسكت الناس فلما صادف الناس صاحوا في وجهه و ضربوه ضربا مبرحا فاطلق بعض حواشي السلطان بندقية فقتل نفرا

166

من الرجال فكثر الضجيج فسكتهم الآشتياني و قال السلطان استدعى مني أن لا أخرج من دار الخلافة فامضوا إلى مساكنكم فهدأت فورة الناس فدخل عضد الدولة الآشتياني بعد تفرق الناس مع جماعة من وجوه حواشي الدولة و اعتذر منه بكل لسان و قال له رفعنا الامتياز عن الخارجية فضلا عن الداخلية و قطعنا ايدي الأجانب بالكلية من ايران فنرجو من فضلكم الآن أن تبرقوا الى سامراء و تشرحوا للامام الشيرازي حقيقة الأمر ليصدر فتواه بجواز استعمال الدخان فاجابه الآشتياني لذلك فابرق برقية مفادها ان امتياز الدخانية رفع بيمن بركاتكم و مساعيكم الجميلة من داخل ايران و خارجها و بطلت المعاملة الجائرة و عاد الأمر كما كان و قطعت ايدي الأجانب من ايران فالناس منتظرون امركم في جواز استعمال الدخان، و بهذا المضمون أرسل سائر العلماء برقيات إلى سامراء فجاء الجواب للآشتياني مفاده ان برقيات العلماء وصلت الي و أنا اشكر مساعيكم و اصدق اقوالكم غير اني لا اعتمد على طريق الوصول و هي البرقية فان كتبتم إلي تفصيل ما في البرقيات بقطع يد الأجنبي عن ايران بتاتا و عود امر الدخانية الى ما كان سابقا فالترخيص يجيئكم انشاء اللّه، فكتبوا اليه قدس سره فجاء الجواب بالترخيص فخرج اصحاب الامتياز من ايران راجعين الى اوربا بخفي حنين، و كان يوم وصول الترخيص يوما مشهودا و فرح السلطان ناصر الدين شاه فرحا شديدا و قال ان الميرزا الشيرازي أحيى دولة القاجارية و كان قدره مجهولا عندنا و اليوم عرفنا منزلة هذا الرجل الكبير أدام اللّه بقاءه، و استنسخوا الف صورة من كتاب الامام الشيرازي و ارسلوها إلى سائر بلاد ايران فعاد الأمر كما كان و انتشر الخبر الى سائر آسيا و بلاد اوربا و افريقيا و امريكا و نشر ذلك في الجرائد الخارجية، و أرسل الأمريكان الى سفيرهم في بغداد سائلين عن هذا الرجل الكبير المطاع الديني الذي قام في قبال اربع دول و نال مرامه و غلب عليهم و أمر الروس سفيرهم في بغداد بمسافرته الى سر من رأى ليظهر اخلاصه فامتثل و كان الأجانب من كل جانب يسألون حاله قدس سره حتى خيف عليه‏

167

من اليد العادية و لكن يد اللّه فوق أيديهم؛ و كتب السلطان ناصر الدين شاه عريضة مفصلة بديعة، أظهر فيها اخلاصه الصميم، و كذا الوزراء و الحكام؛ حتى اشتهر-قدس سره-بآية اللّه المجدّد؛ لأنه جدد الدولة و المنة.. (1) - (2) .

العراق قديما و حديثا (3) قضاء سامراء
سامراء من المدن الواغلة في القدم و العمران، فهناك من يقول ان وجودها سبق ظهور الاسلام بزمن بعيد، إذ دلت بعض الحفريات على أن بعض مواطنها كانت مأهولة منذ زمن ما قبل التاريخ و انها من بعد ان بلغت ابعد شأو في المدينة و الحضارة أخذت في الهوي و الهبوط شأن كل موجود حتى جاء المعتصم باللّه فجدد بناءها سنة 221 هـ-835 م و منهم من يرى أنها

____________

(1) مآثر الكبراء ج 2 ص 63-78.

(2) ان الذي عرفناه بالتواتر يغاير الشروح الواردة في (مآثر الكبراء) و ان اتفق معها في الجوهر، فالمعروف هو انه عند صدور امتياز التنباك و التبغ هاج الناس في ايران و ماجوا و كتب العلماء بذلك الى الميرزا الشيرازي بسامرا فاستدعى الميرزا الشيرازي عددا من زراع التنباك و عددا من تجاره و حتى الذين يتعاطون تجارته في العراق و طلب و أيهم في هذا الامتياز حتى اذا تاكد من فداحة الضرر و خسران هذه الصفقة اصدر فتواه التي كان لها دوي كبير في محافل الشيعة حتى اضطرت الحكومة الايرانية الى الغاء هذا الامتياز و لم يكن هناك شي‏ء يسمى فسادا و افسادا او حمل البنات على السفور و التفرج عليهن من قبل الاوروبيين و كل هذا من الشروح التي مرت كانت من المزيدات على ما علمنا اذ لم يتجاوز امر دراسة الامتياز عند الميرزا الشيرازي الناحية الاقتصادية و التثبيت مما اذا كانت هذه الاتفاقية صالحة ام مجحفة حتى اذا ثبت لدى الميرزا الشيرازي اجحافها بحقوق الشعب افتى بحرمتها و اندفع الناس كلهم الى الاضراب عن تدخين التنباك بشكل عجيب لم يسبق له نظير حتى الغي الامتياز، و كانت بين السياسة الروسية و السياسة الانكليزية منافسة قوية و مع ذلك فلم يكن للسفير الروسي في اصل الفتوى اي اصبع لأنها كانت نتيجة دراسة اقتصادية بحتة تجلت منفعتها بعد ذلك بمدة و جيزة-و قد تركنا المقال المنشور على حاله من حيث الركة و الغلط و المبالغات. الخليلي‏

(3) ملخص من كتاب (العراق قديما و حديثا) للسيد عبد الرزاق الحسني ط 2، ص 109-115

168

مدينة عباسية بحتة، اختطها المعتصم بن الرشيد في السنة المذكورة على الجانب الشرقي من دجلة، و حمل إليها الأغراس المختلفة من سائر أنحاء المملكة الإسلامية، و زينها بالقصور و البرك و الميادين، ثم جاء بعده بعض الخلفاء العباسيين فأقاموا فيها القصور، فبنى هارون الواثق باللّه القصر المعروف بالهاروني، و أضاف إليها جعفر المتوكل على اللّه القصر المسمى بالجعفري، و شيد المعتمد على اللّه ابن المتوكل القصر المسمى بالمعشوق، و المعروف الآن بالعاشق. و كان الناس قد اتسعوا في العمران في زمن المتوكل أكثر مما اتسعوا في بغداد حتى اتصل من «الدور» إلى «بلكوارا» أو «المنقور» كما يعرف الآن، فلم تزل المدنية في سامراء في تقدم و توسع حتى غدت أجمل مدن العراق دار متعة و عزة و سطوة للعباسيين أكثر من خمسين عاما، ثم قلب لها الدهر ظهر المجن فجعلها خرائب و آكاما تمتد اليوم على شاطي‏ء دجلة الايسر إلى نحو من ثلاثين كيلومترا.

أما سامراء الحالية فإنها كانت إحدى المحلات الشهيرة في أيام المعتصم و كان يسكنها الإمام علي الهادي، فلما توفي (ع) سنة 254 هـ-868 م دفن مدينة سامراء

اسكن

169

في بيته، و لما توفي ابنه الحسن العسكري سنة 260 هـ-873 م دفن إلى جوار أبيه فاتخذ شيعتهما مرقديهما مزارين‏ (1) و قد بنوا حولهما العمارات و أنشأوا

____________

(1) أصل الحضرة في سامراء دار ابتاعها علي الهادي، الإمام العاشر، من دليل بن يعقوب النصراني (أ) فلما توفي الإمام سنة 254 هـ-868 م دفن في داره و لما توفي ولده الحسن العسكري، الإمام الحادي عشر، سنة 260 هـ-873 م دفن إلى جوار أبيه فكان قبرا الإمامين عليهما السّلام نواة حضرتهما (ب) فلما كانت أيام ناصر الدولة الحمداني سنة 333 هـ-944 م بنى قبة على الضريحين و سورهما بسور متين. فلما كانت أيام الدولة البويهية أنفق معز الدولة، ثالث ملوكهم، أموالا جزيلة لمواصلة تعمير قبة العسكريين و سرداب الغيبة، و جعل لضريحيهما صندوقا من الخشب و رتب لهما الحجاب، و أجرى لهم الأرزاق (جـ) فلما انتقل الملك الى ابن اخيه، عضد الدولة البويهي، أمر هذا بعمارة الروضة و الأروقة، و وسع الصحن، و شيد سورا للبلد الذي اخذ بالاتساع و كان ذلك في عام 368 هـ-978 م. و في سنة 444 هـ-1052 م أمر البساسيري بعمارة عالية على قبر الإمامين. و في سنة 640 هـ-1242 م «وقع حريق في مشهد سر من رأى فأتى على ضريحي علي الهادي و الحسن العسكري عليهما السّلام فتقدم الخليفة المستنصر باللّه بعمارة المشهد المقدس و الضريحين الشريفين و إعادتهما إلى أجمل حالاتهما و كان الضريحان مما أمر بعملهما ارسلان البساسيري» (د) ، اما العمارة التي تشاهد للعسكريين في سامراء، اليوم، فقد شرع في تشييدها احمد خان الدنبلي من-

ترى عن كثب‏

اسكن

170

الدور و المنازل العامة فحافظت على عمرانها و وضعها إلى ما بعد انقراض

____________

قحكام اذربيجان، في حدود سنة 1200 هـ-1785 م و أتمها ولده حسين قلي خان الدنبلي سنة 1225 هـ-1810 م و كان ذلك برعاية المرزة محمد السلماسي فقد انفق الوالد و ولده مبالغ طائلة على توسيع الصحن و الأروقة، و ابدلا الأخشاب بالأحجار، و كتبا آيا من الذكر الحكيم في اعلى الجدران كما هو ثابت للعيان، و في سنة 1285 هـ-1868 م أمر ناصر الدين شاه إيران بتجديد شباك الضريحين، و غشى القبة بالذهب الابريز، و المآذن بالقاشاني البديع كما هو مسطور على جوانب القبة الأربعة.

و صحن سامراء عبارة عن ثلاثة صحون يتصل احدها بالآخر، و صحن الهادي و العسكري، اكبرها يبلغ طوله 78 مترا و 80 سنتمترا و عرضه 77 مترا و عشرة سنتمترات، و عدد الإيوانات في كل من ضلعيه الشرقي و الغربي 18 إيوانا «بما فيها الباب» و عددها في الضلع الجنوبي ستة عشر إيوانا عدا إيوان الباب. و من هذا الصحن يتشعب مصلى طوله 80,40 مترا و عرضه 50,38 مترا، و هو الصحن الثاني، أما الصحن الثالث و هو صحن الغيبة، فطوله 80,63 مترا و عرضه 30,61 مترا. و على ذكر سرداب الغيبة نقول ان البعض من الكتاب و المؤرخين يسندون الى الشيعة أمرا غريبا هو أنهم يعتقدون بأن المهدي، الإمام الثانى عشر، دخل هذا السرداب و منه سيخرج، اما الواقع فان الشيعة يعتقدون بغياب الإمام و يعتقدون أنه سيخرج ذات يوم و يملأ الأرض عدلا بعدما ملئت جورا. و لا يعينون موضع خروجه‏

و في سرداب الغيبة باب خشبي جميل باق من عهد الخليفة العباسي «الناصر لدين اللّه» و هو مكون من أقسام مشبكة و مزخرف بنقوش و كتابات بديعة تدل على دقة عظيمة في صنعة النجارة، ورقة متناهية في الذوق الفني، و هذا هو نص هذه الكتابة نقلا عن رسالة «باب الغيبة» لمديرية الآثار القديمة في العراق الصادرة سنة 1938» ص 6/7.

«بسم اللّه الرّحمن الرّحيم قل لا أسألكم عليه اجرا إلا المودة في القربى و من يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن اللّه غفور شكور، هذا ما أمر بعمله سيدنا و مولانا الإمام المفترض الطاعة على جميع الانام ابو العباس الناصر لدين امير المؤمنين و خليفة رب العالمين الذي طبق البلاد احسانه و عدله و غمر العباد بره و فضله قرن اللّه اوامره الشريفة باستمرار النجح و اليسر، و ناطها بالتأييد و النصر و جعل لأيامه المخلدة حدا لا يكبو سواده و لآرائه الممجدة سعدا لا يخبو زناده في عز تخضع له الأقدار فتطيعه عواصيها و ملك تخشع له الملوك فتملكه نواصيها، بتولي المملوك معد بن الحسين بن سعد الموسوي الذي يرجو الحياة في ايامه المخلدة و يتمنى إنفاق طيلة عمره في الدعاء لدولته المؤيدة-

جانب من بقايا اطلال قصر المعشوق‏

اسكن

171

الدولة العباسية، فلما شرع في التنظيمات الإدارية في العراق على عهد الوالي مدحت باشا عنيت بها الحكومة فجعلتها مركز قضاء، و هي اليوم على مسافة 128 كيلومترا من شمالي بغداد، أكثر بيوتها مبني بالآجر المنتزع من سامراء القديمة؛ و جل سكانها من العشائر المحيطة بها و هم، أو أكثرهم، يدعون السيادة و انهم من نسل الإمامين العسكريين عليهما السّلام و كان هؤلاء يعيشون على زوار العتبات المقدسة من الايرانيين و الهنود و الافغان، فلما وقف سيل هؤلاء أو كاد، انصرف الأهلون إلى الارض يحرثونها و يزرعونها ليعيشوا على غلالها و يتجروا بخيراتها، و قد أدى هذا التحول الاقتصادي إلى ارتفاع مستوى المعيشة فيها فصاروا يأخذون مياه شربهم من الحنفيات بعد أن كانوا يستقونها من النهر على يد السقائين، و أخذوا يستنيرون بالكهرباء بعد أن كانوا يتخذون الزيوت للإنارة، و انتشرت في أرجائها الحدائق العامة و الخاصة بعد أن كانت بلقعا، أما جوها فإنه لم يزل لطيفا كما ان نسيمها لم يزل نقيا عليلا، و قد نصب لها جسر من زوارق حديدية فسهل لها المواصلات بعد أن كان الناس يعبرون النهر بالزوارق الخشبية، و مما زاد في أهميتها مرور «قطار الشرق السريع» بها و تدل سجلات النفوس على ان نفوس قضاء سامراء بلغت في نهاية سنة 1947 (64904) نسمات عدا الأجانب.

و قد قامت مديرية الآثار القديمة سنة 1940 م بترميم بعض هذه الآثار و فتحت متحفا في (سامراء) و ضعت فيه مخططات و مصورات مهمة عن آثارها و جمعت جزءا مما عثرت عليه من زخارف جصية و جبسية جميلة و آثار

____________

ق-استجاب اللّه ادعيته و بلغه في ايامه الشريفة امنيته ذلك في ربيع الثاني من سنة ست و ستمائة هلالية و حسبنا اللّه و نعم الوكيل و صلّى اللّه على سيّدنا خاتم النبيين و على آله الطاهرين و عترته و سلم تسليما»

(الحسني)

(أ) تاريخ بغداد للخطيب 12/57 في ترجمة الإمام علي الهادي (ع) . (ب) تاريخ سامراء للشيخ ذبيح اللّه ص 239. (جـ) و شايح السراء في شأن سامراء للسماوي ص 29. (د) الحوادث الجامعة للفوطي ص 152. الحسني‏

172

زجاجية و فخارية من الفسيفساء (1) و الآجر المزجج على اشكال زهرية او على هيأة الكاشي المعرق.

و كان يحيط بسامراء-الحالية-سور ضخم يبلغ طول محيطه كيلومترين و لا يتجاوز قطره الأعظم 680 مترا، عمّره في حدود سنة 1250 هـ- 1834 م زين الدين السلماسي و قد انفق على تعميره احد ملوك الهند كما جاء في «شرح الطرّة (2) » و لهذا السور اربعة ابواب باب القاطول و باب الناصرية

____________

(1) جاء في القاموس المحيط 2-235 من طبعة بولاق سنة 1301 هـ: الفسيفساء الوان من الخرز تركب في حيطان البيوت من داخل.

(2) في كتاب «قصص العلماء» المطبوع باللغة الفارسية في إيران ان السيد ابراهيم بن السيد محمد باقر الموسوي الحائري هو الذي سعى و اهتم في بناء هذا السور

(الحسني)

مرقد الامامين علي الهادي و الحسن العسكري (ع) معكوس من الزاوية الجنوبية الغربية

اسكن

173

و باب بغداد و باب الملطوش، و قد هدمت مديرية الآثار العامة الباب الغربي -اي باب القاطول-في عام 1936 م. و بنت الحكومة منه صرحا لها و دارا للبلدية و مستشفى للأهلين و مدرسة للبنين و ناديا للموظفين و دائرة للبرق و البريد. و هدمت الباب الجنوبي-اي باب الناصرية-فبنت خارجه مسلخا و مذبحة. و حولت الباب الشرقي-اي باب بغداد-إلى متحف محلي تعرض فيه نماذج الآثار المنتزعة او المستخرجة من الحفريات التي تقوم بها المديرية المذكورة.

و في مدخل سامرا يقع مشروع الثرثار الذي يقي بغداد من الغرق و هو مؤلف من قسمين هما: 1-القناة التي تصل دجلة بمنخفض وادي الثرثار و يبلغ طولها 62 كيلو مترا و (2) سدة على نهر دجلة مقابل مدينة سامراء لحجز المياه الفائضة و تحويلها إلى القناة. و تتكون هذه السدة من سبع عشرة فتحة عرض كل منها (12) مترا ترفع بالقوة الكهربائية و بالعتلات التي تدار باليد إذا انقطع تيار الكهرباء. أما طول السدة فهو (449) مترا. و يتضمن المشروع أيضا ناظم من ست و ثلاثين فتحة عرض كل منها 12 مترا مجهزة بأبواب من الحديد لإمرار تسعة آلاف متر مكعب من الماء في الثانية، كما يتضمن بناء اسس لتوليد القوة الكهربية تقدر طاقتها الانتاجية بمئة و اثني عشر الف كيلو واط و قد بلغت نفقات حفر القناة و إنشاء السدة حوالي ستة عشر مليون دينار و بوشر فيه سنة 1952 م فتم افتتاحه في الثاني من نيسان عام 1956 م و هو من مشاريع مجلس الإعمار المدعمة بواردات العراق من النفط. غ

174

سامراء في الموسوعات و المراجع العامة

وفيات الأعيان‏
و لما كثرت السعاية في حقه (-علي الهادي) عند المتوكل أحضره من المدينة. و كان مولده بها. و أقره بسر من رأى، و هي تدعى بالعسكر؛ لأن المعتصم لما بناها-انتقل اليها بعسكره، فقيل لها العسكر.

و لهذا؛ قيل لأبي الحسن (علي الهادى) المذكور: العسكري؛ لأنه منسوب إليها، و أقام بها عشرين سنة، و تسعة أشهر.

و توفي بها، يوم الاثنين، لخمس بقين من جمادي الآخرة... سنة اربع و خمسين و مائتين، و دفن في داره... (1)

أخبار الدول و آثار الأول‏
سامرّا (سرّ من رأى)

مدينة عظيمة، كانت على شرقي دجلة، بين تكريت و بغداد. بناها المعتصم سنة احدى و عشرين و مايتين. و سكن بها جنوده، حتى صارت اعظم

____________

(1) وفيات الأعيان ج 2 ص 435، و لاحظ ج 1 ص 373؛ في ترجمة «الحسن العسكري»

175

بلاد اللّه. و هي-اليوم-خراب، و بها اناس قلايل كالقرية (1) .

أحسن الوديعة
سامراء.. و هي بليدة.. و من بغداد اليها مدت الحكومة الألمانية-بعد أخذ الامتياز من حكومة تركيا-السكة الحديدية المعروفة بالقطار، و ذلك بعد سنة 1327.

و سامراء بلدة عذبة الماء، طيبة الهواء، قليلة الداء...

و هذه البقعة الطاهرة.. هي مزار المسلمين عموما، و الشيعة خصوصا.

و أمر هذه البلدة كانت في الشدة و الضعف، حتى جاء العلامة الميرزا السيد محمد حسن الشيرازي، فسكن بها، و جعلها-كما كانت-مركزا علميا لأصحابنا، و رحلت إليه طلابنا و أصحابنا، من البلاد؛ للتلمذ عليه. فعمر مدرسة كبيرة باقية حتى الآن و حمامين.

و اليوم فيها جماعة كثيرة من فضلاء الشيعة، و أخيارهم، و عوامهم.

و بالجملة، فسامراء من مراكز العلم قديما و حديثا (2) ...

أعيان الشيعة
سامراء، يقال سر من رأى. و لعل سامراء مخفف منها. بناها المعتصم سنة 221، و سكنها بجنوده، لما ضاقت بهم بغداد. فصارت مدينة عظيمة.

و لم تزل في تناقص، حتى قرية، و كثرت فيها الشيعة، لما توطنها الإمام الميرزا الشيرازي؛ السيد محمد حسن. و صارت إليها الرحلة من الآفاق.

و كانت فيها في عصره مدرسة عظمى للشيعة في العلوم الدينية. و بعد وفاته

____________

(1) اخبار الدول و آثار الاول، للقرماني، طبعة بغداد سنة 1282 هـ، ص 454.

(2) أحسن الوديعة ج 2 ص 221-223.

176

سنة 1312؛ تناقص عدد الشيعة فيها، و عادت إلى شبه حالها الاول.

و اليوم؛ فيها جماعة من العلماء و الطلاب‏ (1) .

تاريخ الشيعة
سامراء، اسسها المعتصم عام 320 (كذا) ، و جعلها عاصمة ملكه.

و انتقل اليها بحاشيته و جيشه. و انت جد خبير بأن التشيع يسير مع الاسلام اينما سار. فكم كان بين الجند، و القواد، و الامراء، و الكتاب، من يحمل بين حنايا ضلوعه ولاء اهل البيت عليهم السّلام.

و ظهر التشيع جليا بعد ان قام الامامان فيها. و شاهد الناس ما لهما من علم و سجايا حميدة، و مزايا دلت على انهما فرعان من شجرة النبوة، و وارثان لذلك العلم الالهي؛ على الرغم من مناوأة العباسيين لهما، و اجتهادهم في منع الناس من الاجتماع بهما، و اجتماعهما بالناس. و لكن الشمس تفيض على العالم اشعة تنمي الضرع و الزرع، و ان حالت السحب دون ذلك الشعاع.

و يشهد لظهور التشيع في سامراء-ذلك اليوم-ما ذكره اليعقوبي في تاريخه (3: 225) عن حوادث عام 254، و وفاة الهادي (ع) تاريخه (3: 225) فيها، قال: «فصلي عليه في الشارع المعروف بشارع ابي حمد. فلما كثر الناس، و اجتمعوا؛ كثر بكاؤهم و ضجتهم، فرد النعش إلى داره، فدفن فيها» .

و هكذا، ذكر غيره عند وفاة ولده أبي محمد الحسن-عليه السّلام-.

و ما زال التشيع فيها راسخ القدم. إلى ان حاربه الأيوبي في تلك الجهات، و اقتفى أثره بعد أمد بعيد-السلطان سليم العثماني-و جرت على ذلك السياسة العثمانية من بعده.

____________

(1) اعيان الشيعة ج 1 ق 2 ص 367.

177

و لو لم يكن الاّ مراد الرابع محاربا للشيعة في هذه المناطق البعيدة عن المجتمع الشيعي لكفى في اخفاء التشيع، و هرب الظاهرين من رجاله. و لقد نزح عنها ثلة من الناس هربا بأرواحهم. و كان منهم سدنة ذلك الحرم المقدس.

و لما قطن فيها زعيم اهل الدين-في عصره-السيد ميرزا حسن الشيرازي! استعاد التشيع فيها نشاطه، و هاجر إليها كثير من ابناء العلم و ارباب المكاسب.

و حينما تضاءل-قبل هذا-التشيع زمنا طويلا كان آخذا بحظ وافر في قبائلها الجنوبية القاطنة على ضفتي دجلة، و في القرى، و الرساتيق الشرقية الجنوبية التي بينها و بين بغداد.

و ما زالت-بعد ارتحال السيد الشيرازي (عليه الرحمة) مهبطا لبعض أهل العلم.

و لم تخل-في عهد من عهودها إلى اليوم، من رجال، لهم قيمتهم العلمية و الاجتماعية.

و يسكنها-اليوم-جماعة من الشيعة، من أهل الحرف و العمل.

و سامراء، من البلاد المقدسة، التي يؤمها الشيعة لزيارة الامامين الهادي، و ابنه الحسن العسكري عليهما السّلام‏ (1) .

____________

(1) تاريخ الشيعة؛ لمحمد حسين المظفري ص 101-103.

ج 1-سامراء (12)

178

سامراء في الأدلة و الجغرافيا

الدليل العراقي الرسمي‏ (1) لسنة 1936 أطلال سامراء
تقع أطلال سامراء المندرسة، بجوار مدينة سامراء الحديثة. تحتوي هذه الأطلال على آثار عربية مهمة تدل معالمها على ما كانت عليه هذه المدينة من العز، و المنعة، ففيها أنقاض السجن، و الكمرك؛ الذي بناه المتوكل على اللّه، و الذي يسمى بالعاشق، و هما مقابلان لسامراء الحالية، و سور (و) منارة الجامع الكبير الذي بناه المستنصر باللّه. و تعرف هذه المنارة بالملوية... الخ‏ (2) .

دليل تاريخي على مواطن الآثار في العراق سامراء اليوم‏
على نحو 120 كيلو مترا من شمال بغداد، على ضفة دجلة الشرقبة،

____________

(1) و تراجع دليل المملكة العراقية لسنة 1935-1936، ص 869-872 و ما فيه منقول من كتاب السيد عبد الرزاق الحسني «العراق قديما و حديثا» الطبعة الثانية ص 109-115.

كما سياتي.

(2) الدليل العراقي الرسمي ص 663-664.

179

تقوم بلدة سامراء الحديثة، فوق جزء ضئيل من اطلال عاصمة بني العباس القديمة، الممتدة اطلالها مسافة طويلة الى شمالها و جنوبها و شرقها.

و هي-اليوم-مركز قضاء واسع، من أقضية لواء بغداد.

كان يحيط بهذه البلدة، إلى ما قبل عشر سنوات سور ضخم، يبلغ طول محيطه نحو كيلومترين. شيد منذ نيف و مائة سنة؛ لصد غارات البدو عنها. و كان له أربعة ابواب؛ هي: باب القاطول في الغرب، و باب الناصرية في الشمال، و باب الملطوش في الجنوب، و باب بغداد في الشرق.

و قد هدم الآن معظم هذا السور توسيعا للبلدة التي أخذت تمتد فيها وراءه.

الروضة العسكرية و سرداب الغيبة
و في قلب مدينة سامراء الحديثة؛ الروضة العسكرية حيث ضريح الامام علي الهادي (ع) ، و الحسن العسكري (ع) . و عليه قبة طليت بالذهب سنة 1285 هـ.

و كان الامام علي الهادي يسكن سامراء في أيام المعتصم باللّه. فلما توفي سنة 254 هـ، دفن في وسط داره، و لما توفي الامام الحسن العسكري سنة 260 هـ، دفن بجنبه.

و في جانب الضريح، الجامع. و تعلو بنايته قبة يزينها كل شي‏ء ملون مزخرف. و تحت الجامع سرداب غيبة الامام الثاني عشر؛ محمد بن الحسن العسكري. و هو السرداب المعروف باسم «غيبة المهدي» . و فيه باب خشبي جميل، عمل سنة 606 هـ 1209 م، بأمر الخليفة العباسي، الناصر لدين اللّه:

تزينه كتابة نسخية جميلة، تبرز على ارضية مزخرفة..

و يزين جدران السرداب كاشي ملون و مزخرف. و يمتد-على طول الجدران الثلاثة-نطاق من الخشب، طوله 80,4 م: فيه كتابة كوفية

180

بارزة هذا نصها: «بسم اللّه الرحمن الرحيم» -محمد رسول اللّه، أمير المؤمنين علي بن ابي طالب، الحسن بن علي، الحسين بن علي، (علي بن الحسين) ، محمد بن علي، جعفر بن محمد، موسى بن جعفر: علي بن موسى، محمد بن علي، علي بن محمد، الحسن بن علي، القائم بالحق-عليهم السّلام-. هذا عمل علي بن محمد و بن آل محمد رحمه اللّه» (1) .

الدليل العام لتسجيل النفوس العام لسنة 1957 العشائر المتوطنة
اسم العشيرةالسكان بموجب ارقام الإدارة المحلية لسنة 56مركز العشيرة أو موطنها وسعة المنطقة بالدونم أو الكيلومتر

البوعباس‏7000يسكنون معيجل، و العلفة، و داود الجزيرة.

البودراج‏1200يسكنون في العاشك، و الطونية، و الجزيرة.

البونيسان‏1250في الديوانية الحريجية، و الجزيرة.

البوباقر500يسكنون ام الطلائب.

البو عيسى‏6000يسكنون مكيشيفة، و الجزيرة.

الدوريين‏400يسكنون في الزلابية، و الجزيرة.

العبيد2650طعس الدابة وسعتها (400 كم‏^2) ، و الحدادية وسعتها (150 كم‏^2) ، و يسكنون الباصوني و عتبة الامام-

____________

(1) دليل تاريخي ص 41-42.

181

و الصراة، و الدعالج وسعتها (300 كم‏^2) و مطيبيجة وسعتها (400 كم‏^2) ، و الخرابة وسعتها (150 كم‏^2) ، و عجل وسعتها (450 كم‏^2) .

البوصگر100

الصايح‏9555يسكنون ابوفسيلة وسعتها (400 كم‏^2) و الصراة وسعتها (400 كم‏^2) ، و الخاتونية وسعتها (60 كم‏^2) ، و مليحات وسعتها (160 كم‏^2) و سديدة وسعتها (400 كم‏^2) ، و الاغير وسعتها (750 كم‏^2) ، و المناهلة وسعتها (300 كم‏^2) ، و الچبايش وسعتها (300 كم‏^2) ، و ابو حواي وسعتها (450 كم‏^2) و الزلزلية وسعتها (100 كم‏^2) ، و الفرحيات وسعتها (650 كم‏^2) و البعجي وسعتها (150 كم‏^2) ، و صعيد، وسعتها (100 كم‏^2) .

السادة50الجلوب وسعتها (100 كم‏^2) ، و الخاتونية سعتها (60 كم‏^2) ، و مليحات وسعتها (160 كم‏^2) ،

العزة970ام البلبل وسعتها (400 كم‏^2) ، و حاوي المتية وسعتها (500 كم‏^2) ، و حاوي الحمود وسعتها (150 كم‏^2) ، و قلعة الرمل (100 كم‏^2)

182

و مجموع العشائر المتوطنة (11) عشيرة.

و مجموع نفوس العشائر المتوطنة في سنة 1956 (075,30) .

مجموع نفوس العشائر المتوطنة تخمينا في ايلول سنة 1957، بعد اجراء التعديل اللازم (695,18) (1) .

الأحياء:
محلة العابد، محلة البوجول، محلة البوبدري، محلة البونيسان، المحلة الغربية، محلة القاطول، محلة القلعة، المحلة الشرقية (2) .

الدليل الجغرافي العراقي سامراء
و فيها اطلال مدينة (سر من رأى) العباسية. اسست في زمن الخليفة المعتصم (218-227 هـ) لجعلها عاصمة له، ثم اوصلها الى أقصى اتساعها المتوكل (232-247) هـ.

و من اهم آثارها: بقايا دار الخليفة، و المنارة الملوية؛ التي انشئت مع المسجد الجامع الكبير-على عهد المتوكل.

و في مدينة سامراء الحالية؛ ضريحا الامام علي الهادي، و ولده حسن العسكري-ع-كانت وفاة الاول في سنة 254 هـ، و الثاني في سنة 260 ه (3) .

الأماكن المقدسة في العراق‏
اسس سامراء الخليفة المعتصم باللّه، سنة 221 هجرية (736 ميلادية) .

____________

(1) الدليل العام لتسجيل النفوس العام لسنة 1957، ص 313-314.

(2) المرجع المذكور ص 495-496.

(3) الدليل الجغرافي ص 54.

183

و سكنها خلفه حتى سنة 279 هجرية (792 ميلادية) و فيها؛ مسجد مشهود، يرجع الفضل في بنائه إلى ثلاثة من أئمة المسلمين الامام العاشر، و الحادي عشر، و الثاني عشر. فالعاشر الامام علي العسكري، و الحادي عشر الامام حسن بن علي العسكري. دفنا في ضريح تعلوه قبة محلاة بالذهب، بأمر شاه العجم؛ ناصر الدين شاه. و في حجرة صغيرة مبنية تحت الأرض، غاب الامام المهدي، الامام الثاني عشر، المعروف عنه ان جثته قد اختفت من الضريح سنة 264 هجرية (سنة 878 ميلادية) .

و لما آلت مدينة الخلفاء إلى الخراب، و أخذت معالمها في الاندثار؛ استوطن بعض الناس الأماكن المحيطة بالمسجد، بعد رجوع الخلفاء إلى بغداد و أصبح-بعدئذ-مكانا شهيرا عند الشيعيين يؤمونه للزيارة. و قد احيطت بلدة سامراء في العهد الحديث بسور من الآحر لصيانتها (1) ..

____________

(1) الأماكن المقدسة في العراق، طبعة البصرة في ايام الحرب ص 28-30.

سامراء الحالية قبل تهديم سورها القديم و ترى بقايا جامع المعتصم و المنارة المعروفة بالملوية

اسكن

184

جغرافية العراق
سامراء:

تقع سامراء على ضفة دجلة اليسرى بعيدة عن الساحل، و هي مركز القضاء التابع الى لواء بغداد.

و القصبة مبنية على ارض خصبة رملية. و يحيط بها سور من الآجر.

و فيها، مرقد الإمامين علي الهادي، و الحسن العسكري؛ في صحن كبير، واقع في وسط القصبة. و يؤمها الزوار من كل حدب و صوب، للزيارة و التبرك.

و تقع مزارع القصبة و بساتينها على الضفة المقابلة، نظرا إلى خصب التربة هناك.

و قد كثرت فيها في الآونة الاخيرة المضخات، لضخ الماء من نهر دجلة. و في شمالي القصبة اطلال قصر الخليفة، و هي من أجل الآثار العباسية الباقية شأنا.

و البناء يدل على تقدم فن الريازة في عهد العباسيين‏ (1) .

سامراء في الرحلات رحلة ابن جبير
و نزلنا مع الصباح من يوم الخميس الثامن عشر لصفر (سنة 580 هـ) على شط دجلة، بمقربة من حصن يعرف بالمعشوق، و يقال انه (كان) متفرجا لزبيدة ابنة عم الرشيد و زوجه-رحمه اللّه-.

و على قبالة هذا الموضع، في الشط الشرقي؛ مدينة سر من رأى. و هي

____________

(1) جغرافية العراق، لطه الهاشمي ص 123.

غ

185

-اليوم-عبرة من رأى اين معتصمها؟و واثقها؟و متوكلها. ؟

مدينة كبيرة قد استولى الخراب عليها، الا بعض جهات منها، هي -اليوم-معمورة.

و قد أطنب المسعودي-رحمه اللّه-في وصفها، و وصف طيب هوائها، و رائق حسنها. و هي كما وصف، و إن لم يبق إلاّ الأثر من محاسنها، و اللّه وارث الأرض و من عليها، لا إله غيره. فأقمنا بهذا الموضع طول يومنا مستريحين‏ (1) .

*

الاشارات الى معرفة الزيارات‏
مدينة سامراء، و قيل؛ سر من رأى، بها الامام علي بن محمد الهادي، ولد بالمدينة، عاش خمس (كذا) و سبعين سنة.

و بها الامام الحسن بن علي العسكري (رضه) .

و بها الامام الحجة، محمد بن الحسن المنتظر (رضه) ؛ مولده سر من رأى، عمره سبحان عالم الغيب و الشهادة، قبره؛ اللّه يقضي حيث يشاء.

الخ... (2) .

رحلة ابن بطوطة
ثم رحلنا، فنزلنا موضعا-على شط دجلة، بالقرب من حصن يسمى «المعشوق» . و هو مبني على الدجلة.

و في الشرقية-من هذا الحصن-مدينة سر من رأى، و تسمى-أيضا-

____________

(1) رحلة ابن جبير-طبعة اوربا-ص 232.

(2) الاشارات الى معرفة الزيارات ص 72-73.

186

سامرا. و يقال لها «سام راه» و معناه بالفارسية؛ طريق سام. و راه هو الطريق.

و قد استولى الخراب على هذه المدينة؛ فلم يبق منها إلاّ القليل، و هي معتدلة الهواء، رائعة الحسن؛ على بلائها، و دروس معالمها.

و فيها-أيضا-مشهد صاحب الزمان-كما بالحلة (1) - (2) .

نزهة الجليس و منية الأديب الأنيس‏
ثم سرنا من بغداد إلى سامرا... لزيارة الإمام علي الهادي، و الامام حسن العسكري، فزرناهما-رضي اللّه عنهما- (3) و فزنا بالقبول، و بلوغ المأمول، و أقمنا بها ثلاثة أيام، و رجعنا إلى بغداد دار السّلام..

مدينة سامرا؛ على طرف شرقي دجلة. و هي بين بغداد و تكريت.

بناها المعتصم باللّه العباسي؛ سنة 221 عند ما ضاقت بغداد بعبيده الأتراك.

و أنشأ بها جامعا، و عدة دور جليلة، قيل انه انفق على بنائها خمسمائة الف الف دينار. و بنى بها المنارة (4) التي كانت من احدى العجائب. و بنى بها قصورا على شاطي‏ء الدجلة.

و بها نهران يشقان شوارعها، و يشقان الجامع الذي بها.

و في الجامع؛ سرداب قد ثبت-عند الشيعة الامامية-ان المهدي؛ محمد بن الحسن العسكري-و هو صاحب الأمر المنتظر-قد غاب فيه الغيبة الكبرى‏ (5) ايام المتوكل العباسي‏ (6) .

____________

(1) قال ابن بطوطة في ج 1 ص 138 «و بمقربة من السوق الأعظم بهذه المدينة الحلة مسجد على بابه ستر حرير مسدول، و هم يسمونه مشهد صاحب الزمان» .

(2) رحلة ابن بطوطة ج 1 ص 147.

(3) كذا-و هذا من تغيير الطابع. لأن المؤلف من اهل الصلاة و التسليم.

(4) اي الملوية.

(5) سنة 329 هـ.

(6) نزهة الجليس ج 1 ص 119.

187

رحلة المنشى‏ء البغدادي‏
سامرا؛ من الدور إليها ثمانية فراسخ. طيبة الهواء كثيرا، و فيها نحو ألفي بيت.

و من المزارات فيها مزار الامام علي النقي، و الامام حسن العسكري (ع) ، و محل غيبة الامام محمد المهدي.

و في كل سنة يبلغ زوار الشيعة-من العرب و العجم-نحو ثلاثين ألفا؛ يأتون إلى هذه المشاهد للزيارة.

و يقال لسامراء (العسكر) ، طولها و عرضها ثلاثة فراسخ. و هي تقع على ساحل دجلة.

و هي من بناء الخلفاء العباسيين، و أكثر بيوتها إلى الآن ظاهرة. و لها مسجد كبير من بناء الخلفاء. و المنارة فيها و يقال لها (الملوية) ؛ و هي لا تزال قائمة و يصعد عليها من الخارج بالتواء، بخلاف سائر المنائر؛ فان طريق الصعود إليها من سلم في الداخل.

و في سامرا البطيخ الأحمر كثير الجودة، و ليس فيها و لا في (الدور) ، و تكريت بساتين من جهة ان أرض تلك الأنحاء كلسية (جص) (1) .

رحلات عبد الوهاب عزام يوم سامراء..
يوم السبت. السابع و العشرين من رمضان (1349 هـ-1931 م) كان يوما أغرّ بين أيّام رحلتنا. كان أغرّ و إن كره الساخطون، الذين سموه اليوم العصيب، و سموا سامرا «غم من رأى» بدل «سر من رأى» . أليس

____________

(1) رحلة المنشى‏ء البغدادي ص 88.

188

يوم سامرا أبقى الأيام في نفوسهم أثرا، و أعظمها وقعا؟

بدأنا رحلة سامرا بأغلاط؛ غلطنا في تقدير الطريق طانين أنه ساعتان أو ثلاث. و غلطنا في اختيار المطايا. فأخذنا سيارات من بغداد صغيرة مكان سيارات حيفا القوية، ثم أضاع سائقو السيارات 45 دقيقة في التزود من البنزين.

خرجنا من بغداد، و الساعة احدى عشرة و خمس و أربعون. و واصلنا السير مسرعين ما أسمحت السيارات، متعجلين حين تقف. و كثيرا ما وقفتها العلل. فواعدنا قنطرة المستنصر، فاجتمعنا عندها. و هي قنطرة عظيمة من الآجر، ذات ثلاث عيون، بناها المستنصر باللّه على نهر دجيل، و لا تزال قائمة متينة. و قد كتب عليها بخط واضح آيات من القرآن، و اسم الخليفة و ابيه و جده و الثناء عليهم الخ.

و قد نسخنا ما كتب عليها إلاّ كلمات قليلة محاها الزمان. و تاريخ بناء القنطرة تسع و عشرون و ستمائة.

تركنا القنطرة نحمد هذا الخليفة العظيم، باني المستنصرية و غيرها من الآثار الناطقة بهمته و حسن سياسته.

تركنا القنطرة مواصلين السير، حتى بلغنا شاطي‏ء دجلة ازاء سامرا، و الساعة أربع و نصف. فوجدنا معبرا يسير بسلسلة ممتدة بين الشاطئين.

و كان لا بد من نقل السيارات، و هي سبع لا يمكن نقلها مرة واحدة. فعوّقنا العبور زمنا طويلا.

سرنا إلى سامرا؛ فإذا مدينة صغيرة مسورة، هي سامرا الحديثة. و إذا أطلال سامرا القديمة منثورة في فضاء فسيح يعيا السائر دون نهايته.

و أقرب الأطلال إلى المدينة جامع المعتصم. و هو؛ واسع المساحة، عظيم السور، يذكّر الرائي بجامع ابن طولون. و كأن ابن طولون بنى جامعه على نسقه. و خارج المسجد على مقربة من جداره الشمالي، منارة عظيمة، لها

189

درج من الخارج، يدور حولها. و يظن ان منارة ابن طولون محاكاة لهذه المنارة؛ لم تبلغ درجتها من الضخامة و الإحكام.

سرنا بين الطلول، نقرأ في سطورها تاريخا عظيما دارسا. و رأينا على دجلة مجلسا للمتوكل، بقي من قصره العظيم.

يدخل الى المجلس المشرف على دجلة، من رواق عليه قبة تظهر فيها محاكاة ايوان كسرى.

و لا تزال بلاطات المجلس، و الطريق المفضي إلى الباب واضحة المعالم.

و رأينا-إلى الشمال-بركة عظيمة جافة، حسبنا أنها البركة التي وصفها البحتري‏ (1) .

عدنا-بعد-إلى سامرا الحديثة، فاسترحنا قليلا في دار رئيس البلدية، و جاءنا هناك القائمقام؛ أو مأمور المدينة. فذهبنا إلى مشهد سامرا. و هو مسجد على طراز مساجد الكاظمية، و كربلاء، و النجف. و لكنه أصغر، و أقل أبهة.

و تحت قبته مقصورة، فيها أربعة قبور؛ للإمام الهادي، و ابنه الحسن العسكري، و السيدتين سكينة، و حليمة. و يقال لهما هنا سكينة خاتون، و حليمة خاتون. و هي كلمة تركيبية مستعملة في العراق، معناها السيدة.

إحداهما؛ زوج الهادي، و الاخرى؛ عمته‏ (2) .

كنا أمرنا سائقي السيارات، أن يعبروا و ينتظروا على الشاطي‏ء الآخر.

فلما جئنا لزيارة المسجد، لقيناهم هناك. فقلنا: ما خطبكم؟قالوا: لا

____________

(1) رجعت الى سامرا بعد ست سنين، فسرت في اطلالها ما بين جامع المعتصم و جامع المتوكل، نحو تسعة عشر كيلا، و رأيت شارعا سعته نحو مائة متر تتفرع منه شوارع متوازية. و رأيت اسوارا عظيمة لقصور قديمة. و لا ريب ان سامرا على ما أصابها-اعظم ما ترك الخلفاء العباسيون و أبقى آثارهم، و أدلها على الحضارة، و البذخ في ايامهم (عزام) .

(2) كذا-و هو من سهو عزام و الصحيح؛ انهما: حكيمة بنت الجواد عمة حسن العسكري، و نرجس زوجه، ام الامام المهدي.

190

نستطيع السير ليلا، و ليس معنا بنزين.

فعرفنا أنها ليلة ليلاء، و خرجنا-بعد زيارة المسجد-معجلين عن زيارة السرداب، الذي اختفى فيه الامام محمد المهدي بن الحسن العسكري و هو الامام الثاني عشر صاحب الزمان. و كم أسفنا على أن فاتنا زيارة السرداب، و نحن بجانبه.. (1) - (2) .

-

____________

(1) زرت السرداب في سفرتي الثانية الى سامراء و هو في وسط مسجد يهبط اليه درجات. ثم يسار في دهليز يفضي الى حجرتين الأولى مختفى صاحب الزمان، في نهايتها سياج، من الخشب، جميل الصنع. و الثانية فارغة (عزام) .

(2) رحلات عبد الوهاب عزام ص 77-82.

191

سامرا في المراجع الغربية

كتبه و ترجمه من مختلف المصادر جعفر الخياط

الحائز على درجة استاذ علوم‏ M. S. C. من جامعة كليفورنيا و مدير التعليم الثانوي، و المفتش الاختصاصي بوزارة التربية سابقا و مدير التعليم المهني العام حالا

192

-

193

سامراء في المراجع الغربية

تعد سامراء في مقدمة المدن المقدسة في الأسلام، لأن تربتها الذكية قد قبرت فيها رفات الأمامين العسكريين: أبي الحسن علي الهادي و أبي محمد الحسن الخالص الملقب بالعسكري، و لأن الأمام الحجة المهدي صاحب الزمان قد ولد فيها و اختفى في بيت من بيوتها مبتعدا عن جور العباسيين و اضطهادهم المعروف لآل البيت النبوي الكريم، الذي أخذ يزداد و يشتد منذ ان تولى المتوكل الخلافة فيها.

الأسم و الموقع‏

و كانت سامراء قد مصّرت في عهد الخليفة المعتصم حينما ضاق سكان بغداد ذرعا بجنده الأتراك، و كثر الاصطدام بين الفريقين بحيث ارتأى هذا الخليفة العسكري ان يبتعد بجنده عن بغداد و يشيد عاصمة جديدة له على ضفاف دجلة. فوقع اختياره على بقعة أظهرت التنقيبات الأثرية انها كانت آهلة منذ القدم، و ان حضارتها ترجع الى عصور سحيقة في التاريخ إذ يقول الدكتور سوسه في (ري سامراء في عهد الخلافة العباسية) (1) أنه عثر في أثناء تنقيباته

____________

(1) ج 1، الص 53.

ج 1-سامراء (13)

194

و تدقيقاته لآثار سامراء على فخار يعود الى عصر ما قبل التاريخ، في تل الصوان الواقع على نهر دجلة جنوبي سامراء في جوار منارة القائم. و انه قد اتصل بالبروفسور هرتسفيلد الألماني، الذي درس آثار سامراء دراسة مستفيضة سناتي عليها فيما بعد، و أخبره بذلك فكتب له مؤيدا ما توصل اليه بالأضافة الى قوله ان هذه الآثار هي من بقايا مقابر قديمة ترجع الى عصر ما قبل التاريخ.

و يشير الى هذا: العلامة المستشرق لسترنج في كتابه (بلدان الخلافة الشرقية) (1) بقوله (في الص 76 من الترجمة العربية) : كانت مدينة سامراء التي اتخذها سبعة من خلفاء بني العباس عاصمة لهم مدى نصف قرن و نيف، أي من سنة 221 الى 279 (836-892 م) ، معروفة قبل الفتح العربي ثم بقيت بعد ان تهاوت من ذروة عزها الذي لم يدم طويلا مدينة ذات شأن ردحا طويلا من الزمن. و اسمها بالآرامية سامرّا، فأمر الخليفة المعتصم حين أقام فيها ان تسمى «سر من رأى» . و بهذه الصيغة الأخيرة وجد اسمها في النقود العباسية المضروبة فيها. و كانت التسمية مع ذلك تلفظ بصورة مختلفة ذكر ابن خلكان ستا و من اشهرها: «سامراء» ، و هو الاسم الذي اتخذه ياقوت عنوانا لبحثه عن هذه المدينة.

و جاء في تعليق للمترجمين الفاضلين اللذين ترجما لسترنج هذا ان التنقيبات الأثرية في أطلال سامراء قد أثبتت ان موضعها كان آهلا منذ أدوار ما قبل التاريخ. فقد اكتشف فيها البروفسور هرتسفيلد المنقب الألماني مقبرة من تلك الأدوار بين بقايا القصر العباسي و السن الصخري الذي بنيت عليه المدينة العباسية على نحو ميل واحد من جنوب دار الخليفة. و عثر فيها على ضرب من الفخار المصبوغ أطلق عليه «فخار سامراء» ، و هو يمثل دورا من أدوار ما قبل التاريخ

____________

(1) Le Strange,Guy-The Lands of the Eastern Caliphate ) Cambridge 0391 (. و قد قام بنقله الى العربية الاستاذان كوركيس عواد و بشير فرنسيس فنشرت الترجمة في ضمن مطبوعات المجمع العلمي العراقي سنة 1954 (مطبغة الرابطة) .

195

في العراق سمي بـ «دور حضارة سامراء» نسبة الى الموضع الأثري الذي اكتشف فيه هذا الفخار لأول مرة. كما عثرث مديرية الآثار العراقية القديمة على موضعين آخرين في سامراء يرتقيان الى هذا الزمن، أحدهما في شمال المقبرة المارة الذكر و الآخر في جنوبي سامراء على ضفة دجلة شمال صدر القائم يسمى «تل الصوان» و قد جاء أسم هذا الموضع في الكتابات الآشورية بصورة «سر مارتا» Sur-ur- mar-ta ، و كان لهذا الموطن في أيام الفرس شأن كبير و لا سيما في حروبهم مع الرومان و لقربه من القاطول الكسروي.

اما ما اورده ابن خلكان في أسماء سامراء فهو: «و سر من رأى فيها ست لغات، حكاها الجوهري في كتاب الصحاح، في فصل رأى، و هي (سر من رأى) بضم السين المهملة و فتحها و (سر من راء) بضم السين و فتحها و تقديم الألف على الهمزة في اللغتين و (ساء من رأى) و (سامراء) . و استعمله البحتري ممدودا في قوله (و نصبته علما بسامراء) .

ثم يتابع لسترنج بحثه في هذا الشأن فيقول ان الأرض التي بنى عليها الخليفة المعتصم (و هو اصغر أبناء هارون الرشيد) أول قصر له حين قدم الى سامراء في سنة 221 (836) كانت ديرا للنصارى اشتراه من أصحابه بأربعة الاف دينار (2000 باون استرليني) ، و كانت ارضه تعرف بالطيرهان. و يذكر الشي‏ء نفسه الدكتور دوايت دونا لدسون في كتابه (عقيدة الشيعة) (1) ، و يزيد على ذلك قوله ان اسم سر من رأى أطلقه المعتصم نفسه على عاصمته الجديدة التي اصبحت تسمى «المدينة الثانية لخلفاء بني هاشم» ، و ان المسافة ما بين سامرا و بغداد كانت تبلغ حوالي ستين ميلا (انها اليوم حوالي 120 ك) ، و ان عدد المراحل ما بين سامراء و مكة المكرمة على ما يذكره ابن رسته كان تسعا و تسعين مرحلة طول كل منها اثنا عشر ميلا.

____________

(1) Donaldson,Dwight M-Shi`ite Religion,Luzac) London (1933 الص 242، الفصل الثاني عشر.

غ

196

هذا و يقول المؤرخ الألماني المشهور كارل بروكلمان في كتابه (تاريخ الشعوب الاسلامية) ان سامراء اسم فارسي و ليس اسما آراميا (1) ، كما يستفاد من السطور التالية: و اذا كان هارون الرشيد قد آثر في السنوات الأخيرة من حياته ان يفزع الى الرقة، البلدة الريفية الواقعة على الفرات، اجتنابا لصخب بغداد، فقد عزم المعتصم على ان ينشى‏ء سنة 836 مقرا جديدا لنفسه في سامراء القائمة على الضفة اليمنى من دجلة (الصحيح على الضفة اليسرى) على مسافة مائة كيلو مترا الى شمال بغداد. و لعل الأذن العربية توهمت ان الأسم الفارسي يخفي في طياته نذير شوم فحرّف في الاستعمال الرسمي الى «سر من رأى» .

و ربما يكون بروكلمان قد استمد هذا الرأي من دائرة المعارف الأسلامية (غير المختصرة-1913) (2) . فقد جاء فيها ان شكل الأسم الأصلي قد يكون ايرانيا.

و ان هذا الافتراض يستند عن كون الأسم قريبا من «سام راه» و «سايي أمورا» أو «سار مورا» ، و معنى الأسمين الأخيرين «مكان دفع الجزية» .

و في فصل خاص يفرده لسامراء المستر سيتون لويد، خبير مديرية الآثار العراقية القديمة مدة من الزمن، في كتابه عن (المدن الأثرية القديمة في العراق) (3) يورد السبب المعروف عن كيفية بناء المعتصم مدينة سامراء و يقول ان المعتصم أخذ يطوف في دجلة لاتخاذ المحل المناسب فاقلع مصعدا في دجلة حتى وصل الى هضبة مستوية ترتفع عن ضفته اليسرى بعدة أمتار، عن مسافة قصيرة من موقع سد نمرود. و كان يقوم هنا دير من الأديرة، فكانت أول خطوة يخطوها أنه استشار رهبان هذا الدير في الأمر و سألهم عن اسم الموقع. فكان جوابهم

____________

(1) اجرى الدكتور مصطفى جواد تحقيقا واسعا حول اسم سامراء في صدر هذا الجزء و هو يختلف مع ما ذهب اليه اكثر المحققين، و ان عليه المعول في اسم سامراء. الخليلي‏

(2) Encyclopedea of Islam-Edited by M. Houtsma,T. W. Arnold,R. Basset, R. Hartmann. E. J. Brill) Lyden 3191 (.

(3) Lloyd,Seton-Ruined Citie of Iraq) Oxford Univ Press 2491 ( الفصل الخامس، الص 33.

197

له «.. اننا نجد فيما عندنا من مدونات ان المكان يسمى سر من رأى، و أن هناك نبوءة تقول ان ملكا مظفرا، قويا عظيما، ترافقه حاشية من رجال تشبه أوجههم طيور الفلا، سيعيد بناءه في يوم من الأيام» . و كأن الرهبان في جوابهم هذا كانوا يتوقعون قبض نصف المليون من الدنانير التي دفعت لهم فيما بعد تعويضا عما استملك من أراضيهم في هذا الشأن. و على كل فان القسم الأخير من النبوءة هو الذي تأثر به المعتصم، لأنه سرعان ما تذكر أباه هارون الرشيد و كان قد اخبره بالشي‏ء نفسه تقريبا في مناسبة سابقة. فقد خرج للصيد مع اخوته في يوم من الأيام فلم يكن موفقا فيه، و لم يصطد سوى بومة واحدة، و حينما جاء بها خجلا و وضعها بقرب ما كان اخوته قد اصطادوه من طيور الحبارى و الغزلان تأثر أبوه هارون بذلك لسبب من الأسباب و تنبأ له بأنه سوف يتربع على كرسي الخلافة ذات يوم، و ان رجال حاشيته ستكون لهم أوجه كأوجه البوم. و لذلك استقر المعتصم في سامراء و شرع ببناء قصر منيف له سماه «دار العامة» في مكان الدير، و خطط مدينة من اجمل المدن القديمة في تخطيطها و طراز بنائها.

و يقول السر بيرسي سايكس في كتابه «تاريخ ايران» (1) ان قائدا تركيا كان قد تعين للقيادة العسكرية العليا التي كانت تعمل في غرب الامبراطورية على عهد الخليفة هارون الرشيد، و كان ذلك قبل ان يتولى المعتصم الخلافة بثمان و أربعين سنة. و في خلال هذه المدة كان يؤتى بالاف المماليك الأتراك من آسية الوسطى للإنخراط في سلك الجيش، و تكوين أفواج الحرس الملكي.

و استطاع الكثيرون من هؤلاء أن يحوزوا على رضا الخليفة فأخذوا يحلون بالتدريج في محل العرب الذين عادوا الى باديتهم. و قد ظهرت مساوى‏ء هذا الجهاز منذ البداية، لكن المعتصم كان يزداد اعتماده على الأتراك كلما ازداد

____________

(1) Sykes,Sir Percy-A History of Persia,Vol II,) London 1591 (,P. 01.

198

كره العرب و احتقارهم لهم حتى تمكنوا بمرور الزمن من اغتصاب السلطة.

و حينما ازدادت تعدياتهم على الناس في بغداد و كثر تعرضهم بهم في الطرق و الأسواق تأثر المعتصم من ذلك و أسس مدينة سامراء على بعد ستين ميلا من العاصمة.

و جاء في دائرة المعارف المشار اليها ان سامراء تقع على دورة من دورات دجلة تتجه نحو الجنوب الشرقي ما بين قريتي «كرخ فيروز» في الشمال و «المطيرة» في الجنوب الشرقي منها. و هناك قناتان تتفرع إحداهما، و هي القاطول الكسروي، من فوق (كرخ فيروز) بالقرب من الدور فتجري في اتجاه جنوبي شرقي لتتصل بالقناة الثانية «القاطول اليهودي» التي تتفرع من دجلة فيما تحت المطيرة فتجري في اتجاه شرقي-شمالي شرقي، و بذلك تحصر سامراء و ضواحيها الشرقية في بقعة تشبه الجزيرة. و تقع في الضفة الغربية في مقابل سامراء عدة قصور يمر ما بينها نهر يجري بموازاة دجلة يسمى «الاسحاقي» ثم يعود فيصب في دجلة في موقع يقع تحت المطيرة و ما فوق قصر «بلگوارا» بقليل.

و من الحوادث المشهورة في تاريخ منطقة سامراء القديم المعركة الحامية الحاسمة التي وقعت بين الرومان و الايرانيين في يوم 26 حزيران سنة 363 قبل الميلاد. فقد اصطدم الجيشان بقيادة الأمبراطور جوليان و شاهپور العظيم، على ما يسميه السر بيرسي سايكس‏ (1) ، فيما يقرب من سامراء فقتل و خسر الرومان، فاستعاد الايرانيون بذلك نصيبين و ما كان قد استولى عليه جوليان في شرق دجلة، و عادت جيوشه متقهقرة عبر دجلة بقيادة خلفه جوفيان‏ (2) .

____________

(1) الص 422، الجزء الأول من المرجع الأخير.

(2) اقرأ مفصل هذه المعركة في بحث الدكتور مصطفى جواد من صدر هذا الجزء. الخليلي‏

199

بناء سامراء

و بعد ان اختار المعتصم موقع سامراء، على ما مر ذكره، عهد تخطيطها و بناءها الى أشناس، القائد التركي، على ما يقول بروكلمان‏ (1) . فأنشأ فيها هذا قناتين متفرعتين من دجلة الى الشرق، خلعتا على المدينة الجديدة، بالأضافة الى النهر نفسه، منعة الحصن البحري، و كانت المدينة تنتظم من قبل ثمانية أديرة نصرانية. و لقد شيد قصر الجوسق للمعتصم أولا، حتى اذا ما جاء بعده خلفاؤه و كانوا سبعة طوال نصف قرن، حلوا جيد المنطقة بقصور و مساجد جديدة. و على الرغم من أنه لم يبق لنا من هذه المنشآت الفخمة التي أقيمت خلال تلك الفترة القصيرة من الازدهار الا خرائب و أطلال فالحق أنها تقدم لنا صورة عن فن العمارة في العصر العباسي هي أنبض بالحياة من تلك التي تقدمها بغداد، حيث عبثت أيدي الأجيال المتأخرة بما ثبت من آثارها في وجه الأعصار المغولي. و الواقع ان المعماريين المسلمين اعتمدوا في الشرق، كما اعتمدوا في الغرب، التقاليد القديمة سواء بسواء. فقصر الخليفة المتوكل الموسوم بلگوارا و هو أهم بناء لا تزال أسسه محفوظة لنا في سامراء-انما شيد على طراز قصور المدائن الفهلوية من حيث التصميم العام، و تخطيط المساحات و شكل الواجهات.

أما مهندسو الجامع الكبير فتأسوا أثرا أعرق و أوفر حظا من جلال القدم.

ذلك أنهم بنوا مئذنة هذا الجامع فوق قاعدة طولها (328) ياردة على طراز الأبراج البابلية ذات السلالم الخارجية الملوية، و هي «الزقورة» . و الحق ان الموارد العظيمة التي كانت ما تزال في متناول هؤلاء المعماريين، على الرغم من أن الامبراطورية كانت في ذلك الوقت قد أخذت في الانحطاط، لتظهر لنا أوضح ما يكون الظهور من مساحة الجامع الهائلة حقا. فهو بمثابة مستطيل يبلغ (260) مترا طولا، و (180) مترا عرضا تقريبا. و يستغرق

____________

(1) الص 210 و 211، ط 4، من الترجمة العربية.

200

صحنه الداخلي المتوزع على خمس و عشرين بلاطة اربعة و اربعين الف متر مربع.

و لأجل أن نكون فكرة واضحة عن معنى هذا الرقم علينا ان نذكر ان صحن كنيسة القديس بطرس في روما يبلغ (15160) مترا مربعا، في حين لا يزيد صحن كاتدرائية كولون على (6126) مترا.

اما المستشرق لسترنج فيقول في (بلدان الخلافة الشرقية) (1) أن سامراء نفسها كانت تقوم على ضفة دجلة الشرقية، و تمتد قصورها الى مسافة سبعة فراسخ بمحاذاة النهر، و كان يقوم في الجانب الغربي أيضا كثير من القصور.

و قد انفق الخلفاء الواحد تلو الآخر اموالا طائلة لا يكاد يصدقها العقل على إنشاء ميادين جديدة للصيد و اللعب...

و قد أقطع المعتصم جنده الأتراك قطائع في (كرخ فيروز) و ما فوقها حتى الدور، و قطائع أخرى في جنوبي سامراء في جهة المطيرة. و بنى أول مسجد جامع قرب ضفة دجلة الشرقية، ثم خطط قصره. و كتب في إشخاص الفعلة و البنائين و أهل المهن من سائر انحاء الدولة، و في حمل الساج و سائر الخشب و الجذوع من البصرة، و فرش الرخام من أنطاكية و اللاذقية. و اختط الشارع المسمى بالشارع الأعظم بموازاة دجلة. و قامت على يمين الشارع و يساره القصور الجديدة و القطائع. و كان الشارع الأعظم ممتدا من المطيرة الى الكرخ، و في جانبيه دروب و اسواق. و أنشأ أيضا بيت المال الجديد، و دواوين الدولة و دار العامة التي كان يجلس فيها الخليفة في يومي الاثنين و الخميس.

و لما فرغ المعتصم من الخطط و وضع الأساس للبناء في جانب سامراء، عقد جسرا الى الجانب الغربي من دجلة. فأنشأ هناك البساتين و الأجنة، و حمل النخل اليها من البصرة و حملت الغروس من الشام و خراسان و سائر الأقاليم و كان يسقي الجانب الغربي أنهار تحمل من الأسحاقي، الذي حفره اسحاق بن

____________

(1) الص 77-79 من الترجمة العربية المشار اليها.

201

ابراهيم صاحب شرطة المعتصم... و لما توفي المعتصم سنة 227 (842 م) كانت سامراء قد أخذت تنافس بغداد في فخامة قصورها و جمال مبانيها. و قد أكمل ابناه الواثق و المتوكل اللذان تعاقبا على الخلافة من بعده ما بدأ به أبوهما. فقد بنى هارون الواثق القصر المعروف بالهاروني، نسبة اليه، على دجلة و جعل فيه مجالس في دكة شرقية و دكة غربية. و حفر الواثق فرضة من النهر تصلح لدخول السفن التي تردها من بغداد. و خلفه أخوه المتوكل على اللّه في سنة 232 (847 م) فنزل الهاروني أولا، الا انه في سنة 245 (859 م) شرع ببناء قصر جديد له على ثلاثة فراسخ شمال الكرخ، و مد الشارع الأعظم، و قد عرف قصره و المدينة الجديدة التي قامت حوله بالمتوكلية أو «القصر الجعفري» ، و ما زالت أطلال القصر الجعفري في الزاوية التي يؤلفها تفرع النهروان هناك، و اندمجت به الماحوزة و هي المدينة القديمة.

و بنى المتوكل ايضا جامعا جديدا متسع الأرجاء في مكان الجامع الذي بناه أبوه، لأنه ضاق على أهل العاصمة الجديدة. و امتدت القصور و البساتين من المطيرة الى الدور و اتصلت. و في سنة 247 (861 م) قتل المنتصر أباه المتوكل في قصره المعروف بالجعفري في المتوكلية. و أقام الخلفاء الأربعة الذين أعقبوه في ذلك العهد المضطرب، في قصر الجوسق في غربي دجلة قبالة سامراء، و هو من أبنية المعتصم. و قد أقام المعتمد بن المتوكل و آخر الخلفاء في سامراء في الجوسق أولا ثم ابتنى له قصرا جديدا في الجانب الشرقي و هو القصر المعروف بالمعشوق.

و من هذا القصر انتقل مركز الدولة العباسية الى بغداد قبل وفاة المعتمد سنة 279 (892 م) .

و قد اشارت مراجعنا الى اسماء كثيرة من القصور التي بناها الخلفاء في من بقايا اطلال قصر المعشوق بسامراء

اسكن

202

سامراء. فذكر ابن سراپيون «قصر الجص» المشهور و هو من أبنية المعتصم على الأسحاقي. و سرد ياقوت جملة كبيرة من القصور، و زاد على غيره مبينا ما أنفقه الخلفاء عليها من أموال خيالية. فكان مجموع تلك النفقات مئتي مليون و أربعة ملايين درهم، أي ما يعادل نحوا من ثمانية ملايين باون استرليني.

و لا بد لنا من ان نعلق هنا على بعض ما أورده لسترنج حول موقع قصري الجوسق و المعشوق فنقول ان المعروف اليوم هو ان المعشوق الذي يسمى بالعاشق يقع في الجانب الغربي و ما تزال أطلاله شاخصة، اما الجوسق فيقع في الجامع الشرقي من سامراء. و نقول علاوة على ذلك ان مترجمي كتاب لسترنج المشار اليه يشيران في حاشية لهما الى ان مديرية الآثار العراقية قد اكتشفت أثرا عباسيا يقع على الأسحاقي المندرس في غربي دجلة على بعد (17) كيلو مترا شمال محطة قطار سامراء يعرف بالحويصلات هو قصر الجص نفسه.

ثم يقول‏ (1) المستشرق لسترنج ان ابن حوقل و هو من أهل المئة الرابعة للهجرة (العاشرة ميلادية) يطنب في وصف بساتين سامراء الزاهرة العامرة و لا سيما ما كان منها في الجانب الغربي. لكن المقدسي يذكر أن الكرخ في الشمال أصبح في أيامه أكثر عمرانا من سامراء، و كان المسجد الجامع فيها ما زال قائما. و لقد وصفه بقوله: «و بها جامع كبير يختار على جامع دمشق قد لبست حيطانه بالميناء و جعلت فيه أساطين الرخام و فرش به، و له منارة طويلة» . و هي ما زالت شاخصة و تعرف بالملوية و الملوية الآن على نحو نصف ميل من شمال سامراء الحالية. و هذا ما رآه المستوفي في النصف الأول من المئة الثامنة فقال ان المنارة التي كانت تقوم في المسجد الجامع يومذاك يبلغ طولها مئة و سبعين ذراعا، و لها مرقاة من خارجها لا يرى مثلها في مكان

____________

(1) الص 79 و 80، ط 4 من الترجمة العربية.

غ