موسوعة العتبات المقدسة - ج12

- جعفر الخليلي المزيد...
336 /
203

آخر و زاد على ذلك أنه قد بناها المعتصم.

هذا و نضيف هنا ما جاء في حاشية لمترجمي كتاب لسترنج من معلومات عن «الملوية» نفسها. فقد ذكرا أنها تقع اليوم على بعد قليل من شمال شرقي سامراء الحديثة، على نحو (25) مترا من الجدار الشمالي لجامعها القديم.

و كان الخراب قد نال من بعض أقسامها و لا سيما من قاعدتها، و في ملتوياتها الأولى، حتى ان معالم قاعدتها خفيت عن الأنظار بما تراكم عليها من أنقاض، فظن كثيرون ان مرقاتها تبدأ من سطح الأرض. الا ان مديرية الآثار العراقية عنيت بصيانة هذه المنارة فأزالت عنها تلك الأنقاض و أظهرت أسس القاعدة و أعادت بناءها و عمدت مرقاتها حتى القمة. و من طريف ما ورد في حواشي المترجمين الفاضلين كذلك ان أبا منصور الثعالبي المتوفي سنة 429 هـ، أشار الى الملوية في كتابه (ثمار القلوب) و قال عنها ان المتوكل كان يصعدها على حمار مريسي، و ان درجها من خارجها و أساسها على جريب من الأرض، و طولها تسع و تسعون ذراعا.

المسجد الجامع و قد قامت عليه المنارة المعروفة بالملوية

اسكن

204

و قد عثرنا في دائرة المعارف الاسلامية المار ذكرها على تفصيلات أخرى عن عمران سامراء العباسية و ابنيتها، جاء فيها انه كان من شوارعها الرئيسة يومذاك (شارع السريجة) الذي يمر بين يدي دائرة الشرطة و السجن ثم يمتد الى المحلة التي كانت تحمل اسم الوزير الحسن بن سهل، و من ثم الى شارع أبي أحمد بن رشيد والي قرية الأيتاخية المشيدة على ضفة القاطول الكسروي.

و قد سميت الأيتاخية باسم القائد التركي إيتاخ، لكنها صارت تعرف بعد ذلك بالمحمودية. و كانت هناك كما يفهم من المدونات التاريخية خمسة شوارع رئيسة أخرى هي: شارع الحير، و شارع برغموش التركي المؤدي الى حي الاتراك، و شارع صالح المؤدي الى مخيمات المعسكر، و شارع الحير الجديد، و شارع الخليج.

و تقول دائرة المعارف هذه كذلك ان المؤرخين يقدمون لنا تفصيلات كثيرة عن الأبنية المهمة التي كانت موجودة فيما يجاور سامراء، و منها أبنية كانت هنا قبل أن تشيد سامراء نفسها في تلك المنطقة، مثل الأديرة الثمانية التي أهمها «دير الطواويس» و «دير ماري» و «دير أبي الصفرة» ، لكن أشهر الأبنية كانت القصور الكبيرة. و قبل ان يقتل المتوكل بتسعة أشهر كان منشغلا بتخطيط مدينة جديدة في شمال سامراء ما بين (كرخ فيروز) و الدور، و قد سميت «الجعفرية» باسمه. و من التفصيلات التي يوردها المؤرخون في هذا الشأن ما ذكروه من ان المتوكل جاء من ايران بشجرة السرو المقدسة عند الزردشتيين في كيشمار ليستعمل خشبها في البناء. و يرى بعضهم كذلك ان اندثار قصور المتوكل و خرابها السريع بعد ذلك كان عقابا من اللّه له على الجريمة النكراء التي ارتكبها في تهديم قبر الامام الحسين (ع) في كربلاء سنة 236 للهجرة. و بعد أن قتل المتوكل أعاد ابنه الخليفة المنتصر بلاطه الى سامراء نفسها، و جعل إقامته في الجوسق. و قد شيد المعتمد، و هو آخر خليفة أقام في سامراء، قصر المعشوق في الضفة الشرقية سنة 255 هـ. و قد حل الخراب بمعظم هذه الأبنية و القصور منذ القرن العاشر للهجرة، و لم‏

205

يستقم منها غير الجامع الكبير بالقرب من معسكرات الجيش، و من أجل هذا عرفت تلك المنطقة من المدينة باسم «العسكر» .

و جاء في دائرة المعارف الاسلامية هذه أيضا أن السمعاني يذكر في كتابه (الأنساب) قائمة بأسماء كان يتلقب أصحابها بلقب «سامرائي) أو «سرمري» كما يذكر أسماء أخرى كان يلقب أصحابها بلقب «كرخي» نسبة الى ولادتهم في «كرخ فيروز» (1) .

بناء سامراء في كتاب سيتون لويد

و يقول سيتون لويد في «مدن العراق الأثرية» (2) المار ذكره أن المعتصم استقر في سامراء بعد ان عين موقعها، و أخذ يبني لنفسه قصرا منيفا أطلق عليه اسم «دار العامة» في موقع الدير الذي استملكه من الرهبان. كما أخذ يخطط حوله مدينة من أجمل المدن القديمة و أكثرها تنسيقا و عمرانا. و في خلال أربعين السنة التي أعقبت ذلك، حكم في سامراء خلفاء سبعة آخرون، فبنى كل منهم قصورا و مساجد جديدة و امتدت المدينة شيئا فشيئا بمحاذاة النهر حتى صار شارعها الأعظم يمتد في وسطها الى مسافة عشرين ميلا قبل ان ينتهي بالبر المحيط بها. و في نهاية تلك الفترة المزدهرة ترك كل شي‏ء في سامراء، و انتقلت العاصمة الى بغداد من جديد. و كان هذا الانتقال ثالث حادث في تاريخ العالم، يؤدي فيه شذوذ ملك أو أمير الى اقامة مشروع جسيم باهظ التكاليف سرعان ما ثبت عقمه و عدم جدواه، و لذلك فان مشاهد سامراء القديمة تلوح للزائز اليوم و هي لا تختلف كثيرا عما يشاهده في عاصمة اخناتون التي لم تعمر طويلا في تل العمارنة بمصر، أو في مدينة ملك آشور سرجون الثاني في خورساباد القريبة من الموصل. فقد بقيت

____________

(1) في الجزء الثاني من قسم سامراء الذي سيطبع فيما بعد بحث مفصل عن كيفية تمصير مدينة سامراء و قصورها و ابنيتها كتبه الدكتور مصطفى جواد و هو على فراش مرضه.

(2) الص 33-42

206

أطلالها و هي متأثرة بعوادي الزمن في الغالب بحيث يمكن استقصاء تخطيطها من دون حفريات تقريبا. و بوسع المرء أن يرى من الجو المدينة تلك بقصورها و شوارعها الوسيعة و ساحات سباقها، حتى أنه ليصعب على المرء أن يصدق بأنه ينظر الى مدينة مندثرة تخلى عنها سكانها منذ ثلاثة عشر قرنا.

و اذا عدنا الى حديث المعتصم و مدينته نجد انه بعد ان شيد «دار العامة» و جاء بالمهندسين الحاذقين من البلاد النائية ليختاروا له مواقع القصور الأخرى، و الجوامع و ما أشبه، شرع بتخطيط قسم السكن من المدينة و بتخصيص قطع الأرض لبناء البيوت العائدة لمواطنيه. لكنه تذكر السبب الذي ترك بغداد من أجله فشيد ثكنات جسيمة مسيجة لجنده الأتراك في شمالي المدينة، بمعزل تام عن الأحياء السكنية. ثم اشترى لكل واحد منهم جارية يتخذها زوجة له، و منع الطلاق الى حد الجيل الثاني من النسل. و بعد ان انتهى من هذه المهمة، وجه اهتمامه الى الحصول على الصنّاع و المواد من أطراف العالم العربي جميعه لتجميل مدينته و ما فيها من أبنية. فأسست مقالع للمرمر و أماكن خاصة للبنائين في أماكن نائية مثل أنطاكية و الاسكندرونة في سورية، ثم أرسلت الوفود الى مصر لتجمع من الكنائس المسيحية الأعمدة و مواد التبليط و الزخرفة.

و قد برهنت البقع الواسعة من الأرض المنحصرة ما بين السن الصخري الذي شيدت فوقه المدينة و ضفاف دجلة على خصبها، فزرعت فيها جميع الأنواع المعروفة من الفواكه و الأزهار بحيث صارت القصور المشيدة فوق السن العالي تطل على جنان نظرة من الحدائق و البساتين. و قد اتسعت المدينة نفسها بين عشية و ضحاها برعاية الخليفة المستعجل، الذي اعتاد على التجوال في الشوارع خلال الأمسيات، و توزيع المنح و الهبات السخية الى المواطنين و المهندسين الذين كانوا يتفوقون في أعمالهم العمرانية خلال النهار. و لم تكن المدينة قد اكتمل بناؤها حينما توفي المعتصم، لكن حمّى التعمير و الانشاء كانت قد تفشت فاستمرت تسير من دون انقطاع في أيام من جاء بعده من الخلفاء.

و يأخذ المستر سيتون لويد بوصف الأبنية المهمة التي أقيمت في سامراء

207

يومذاك، مثل المسجد الجامع و الملوية و دار العامة و قصر. بلگوارا و غير ذلك، مستندا على كتابات المنقب الفرنسي فيوليه، و الآثاري الألماني هرتسفيلد، مما سنأتي عليه في مكان آخر من هذا المبحث. على انه يتطرق كذلك الى ما فعله المتوكل أيضا في سامراء، فيقول أنه حينما جاء دوره في تحسين أحوال المدينة و توسيعها ابتنى له حيا جديدا بكامله في خارج حدود المدينة الأصلية من جهة الشمال. فنشأت عن ذلك من جديد القصور و المباني المنيفة و الشوارع و المخازن و ما أشبه. و حينما انتهى من هذا كله صار بوسعه ان يقول بقناعة صبيانية «الآن عرفت انني ملك حقا، فقد شيدت مدينة لنفسي صرت أعيش فيها» . و مع هذا فان أعظم مشروع اضطلع به المتوكل لم يكن مشروعا ناجحا. فقد كانت سامراء توزع معظم مائها المستمد من دجلة و الآبار على ظهور الحمير، و لم يكن يروق ذلك للمتوكل، فشرع يحفر قناة كبيرة تلف حول المدينة من الجهة الشرقية لتزودها بما يكفيها من الماء، فكلف حفرها مبلغا يزيد على المليون دينار على ما يقال. لكن المؤسف هو ان المتوكل تطرف في الاعتماد على مهندسيه لأن القناة حينما اكتمل حفرها وجد المهندسون انها عاجزة عن أخذ الماء من دجلة بمقدار كاف، غير انه ما ان شعر بمرارة هذه الخيبة الفاضحة حتى قضى نحبه، فهجر خلفه حي المتوكلية بأجمعه و عاد الى الأقامة في سامراء.

و من الأبنية الشمالية التي عجل الخراب اليها على هذه الشاكلة الجامع الكبير الثاني المعروف بأبي دلف. و كان لجامع أبي دلف أيضا منارة ملوية، و قد بقي شي‏ء أكثر من داخليته بحيث أصبح أكثر رونقا و بهاءا من المسجد الجامع. فتشاهد فيه الأساطين و هي مبنية بالآجر و من الأبنية الشمالية التي عجل الخراب اليها على هذه الشاكلة الجامع الكبير الثاني المعروف بأبي دلف فتشاهد فيه الأساطين و هي مبنية بالآجر.

و بقي معظمها شاخصا حتى اليوم. و هناك بقايا منبر كذلك و محراب متقن الصنع، و من ورائه مجموعة من الغرف تحيط بفناء صغير كاف يجلس فيه الخليفة قبل الصلوة و بعدها. و هناك سور خارجي توجد آثاره أيضا.

208

و حينما يعود المرء من أبي دلف الى البلدة الحديثة يمر بأحسن المناطق السكنية، و بوسعه ان يسوق سيارته بسرعة غير يسيرة على طول «الشارع» الرئيس الذي يبلغ عرضه ثمانين قدما، و تلاحظ بقايا جدول للماء في كلا الجانبين. كما تلاحظ بوابات الأبنية المتسطرة على طول الشارع و صفوف الدكاكين، و جدار السجن. و قد نقبت دائرة الآثار في عدد كبير من البيوت و لذلك يشاهد عدد من الغرف لا تزال جدرانها قائمة بارتفاع عدة أمتار و هي مرتبة بمجموعات مزدوجة إما لتكون للديوان و الحرم أو لتستعمل في الصيف و الشتاء، و كلها مزخرف بأحسن الزخرف. فتشاهد في كل مكان تقريبا حشوات الزخرف بالجص الى علو الوزرات، و لعل هذا من بقايا فكرة الزخرف بالألواح الحجرية التي كانت تكتسي بها أسافل الجدران في القصور الآشورية و الحثية. و هناك فوق هذه أحيانا رسوم كلسية تعتبر مقدمة للطراز الأجد من الزخرف الهيليني. و توجد نماذج جيدة لكلا النوعين في قسم الآثار العربية من متحف بغداد.

و آخر ما يجده المرء عند عودته من أبي دلف الى سامراء الحديثة في الجانب الأيسر من الطرائف التل الطويل الذي يمثل «منصة الخليفة الكبرى» في وسط ساحة السباق الثانية. و تشبه هذه الساحة في شكلها الزهرة ذات الكأسيات الأربع عند ما ينظر اليها من الجو، بحيث أن الخيول او العربات المتسابقة كانت تضطر دوما، بعد ان تكون قد دارت أربع مرات في الأطراف، الى العودة و الدوران بصورة جذابة مباشرة على مرأى من المشاهدين من فوق التل القائم في وسط الساحة.

و تعليقا على ما يذكره المستر سيتون لويد في ملاحظاته عن قناة المتوكل و ساحات السباق لا بد لنا من ان نزيد في توضيح هاتين النقطتين باقتباس شي‏ء مما ورد عنهما في الجزء الأول من كتاب (ري سامراء) للدكتور أحمد سوسه. فقد جاء عن قناة المتوكل (الص 270) ان المعتصم كان قد اكتفى بجعل عاصمته سامراء تمتد على محاذاة دجلة في الطول ليسهل حمل مياه الشرب‏

209

من النهر في الروايا على البغال و الأبل، و لذلك لم يفكر في القيام بمشروع ري كبير يؤمن إيصال المياه الى قلب العاصمة، و قد رأى ان يوجه عنايته الى الجهة الغربية من دجلة.. فأنشأ نهر الأسحاقي. و لكن المتوكل، و هو الذي كان له ولع خاص بمثل هذه المشاريع العامة، لم يقنع بهذا فبذل قصارى جهده لتحقيق مشاريع الري على الجانب الذي تقع فيه عاصمته... فكان أول مشروع قام به بعد توليه الخلافة المشروع المعروف بـ «قناة المتوكل» أو «قناة سامراء» الذي يؤمن ايصال المياه الى عاصمته سامراء بطريقة الري الجوفي المعروف بري «الكهاريز» . و يشتمل هذا المشروع على كهريزين ضخمين يستعمل أحدهما في الشتاء و الآخر في الصيف، و هما يستمدان المياه من نهر دجلة شمالي الدور فيسيران حوالي أربعين كيلو مترا حتى يصلا الى قلب العاصمة. و قد مد المتوكل هذين الكهريزين الى الجنوب ليخترقا المطيرة ثم يسيران الى ما يجاور القادسية. و بفضل هذا المشروع تمكن المتوكل من انشاء مشاريعه الجبارة في قلب العاصمة و التوسع شرقي سامراء باتجاه منطقة الحير، و من أهم هذه المشاريع انشاء حوض للسباحة خلف «دار الخليفة» و هو الحوض المعروف اليوم باسم «بركة السباع» ، ثم البركة الواسعة الواقعة في الجهة الشمالية الغربية من هذه البركة، و أخيرا حلبة السباق و تّلها الذي يشرف عليها المعروف باسم «تل العليق» و هي الحلبة التي أنشأها المتوكل في جهة الحير.. و هذه القناة هي التي مكنت المتوكل من تموين المسجد الجامع الذي أنشأه في أول الحير بالمياه الدائمة فجعل فيه على قول اليعقوبي «فوارة ماء لا ينقطع ماؤها» .

اما عن ساحة السباق المشار اليها فيقول الدكتور سوسة (الص 116) أنه يشاهد في غربي ساحة الحير على الحدود الشرقية لمباني سامراء القديمة آثار ثلاث حلبات للسباق، أحدثها و أكثرها تنسيقا تلك التي تقع في حدود الحير شمال شرقي المسجد الجامع بقليل، و هي مكونة من أربع حلقات كبيرة حول ج 1-سامراء (14) غ

210

مربع مركزي فيه دكة مرتفعة معدة لجلوس الخليفة و حاشيته (و هي التي يسميها لويد منصة الخليفة الكبرى) . و يبلغ طول الدورة الكاملة في هذه الحلقات المتتالية ما يزيد على خمسة كيلومترات، في حين ان البعد الأعظم من الدكة المركزية على طول هذه الحلقات يقل عن ستمائة متر. و هكذا كان المتسابقون يقطعون في هذه المساحة مسافة طويلة من دون ان يبتعدوا عن الدكة المركزية أكثر من ستمائة متر في جميع الأحوال.

و جاء فيما كتبه السر پيرسي سايكس‏ (1) عن خلافة المتوكل في سامراء أن أهمية حكم المتوكل تنحصر في الدرجة الأولى برد الفعل السني الذي أخذت تظهر علائمه للوجود. فقد كوفحت مبادى‏ء المعتزلة، و اضطهد علماؤهم و رجالهم بأعنف الوسائل و أقساها. و صار يضاهي ذلك في العنف الكره الذي بدا من الخليفة الجديد تجاه آل بيت النبي، حتى أنه أخذ يشجع مهرجه على تقليد «أسد اللّه» في مظهره و لباسه بينما يغني المغنون من حوله باستهزاء عن «خليفة الاسلام الأصلع البطين» (2) . ثم هدم قبر الحسين فحرث موضعه.

و كان المتوكل علاوة على هذا معاديا لغير المسلمين بعناد و تعصب فأحيا القوانين المهجورة التي سنت ضدهم في الماضي. و قد تحتم عليهم بذلك ان يرسموا صورة الشيطان على أبواب بيوتهم، و يدفعوا رسوما و ضرائب خاصة بهم، و يلبسوا لباسا أصفر يتميزون به عن الغير، و منعوا من تولي اية وظيفة حكومية كما منع أولادهم من تعلم العربية.

و يروي سايكس كذلك قصة شجرة السرو المقدسة في ايران و قطعها، ثم نقلها من كيشمار إلى سامراء للأفادة منها في بناء «الجعفري» بأمر من المتوكل. فهو يقول: .. و كان الخليفة فاسقا مسرفا في الشهوات. و بنى في جوار سامراء قصرا جديدا تكلف مبالغ لا تعد و لا تحصى من المال. و لهذا

____________

(1) تاريخ ايران ج 2، الص 14-15

(2) و المقصود به الاستهزاء و السخرية بالامام علي بن أبي طالب (ع) من لدن المتوكل الخليلي‏

211

القصر علاقة بأسطورة كيشمار و كونها ملتقى الملك كوستاشب و زرادشت.

فقد قيل ان «نبي ايران» لأجل ان يخلد هذا اللقاء، زرع شجرة من أشجار السرو تقدمت في النمو بعد ذلك فأصبح حجمها هائلا جدا، و صار الزردشتيون يعتبرونها شجرة مقدسة. غير أن الخليفة المتعصب أمر بقطعها، بعد أن بلغ عمرها 1450 سنة كما يقال، برغم المبالغ الجسيمة التي دفعت من أجل انقاذها، فقطعت و نقلت قطعة قطعة الى سامراء، لكن الأسطورة تقول ان المتوكل قتل في اليوم الذي وصلت فيه قطع هذه الشجرة الى سامراء..

فن العمارة في سامراء

لقد أجمع المؤرخون و الفنيون، من المسلمين و الأجانب، على ان بناء سامراء في العهد العباسي، بقصورها و مرافقها و سائر مبانيها، قد تجلت فيه آيات الفن المعماري و الزخرفي الى أقصى حد ممكن في تلك الأيام. و يؤكد الغربيون من المؤرخين و الفنيين على ان ذلك الفن المعماري، الذي بلغ الأوج في ابداعه من عدة اوجه، قد كان متأثرا لدرجة ما بتأثيرات الفن المعماري الايراني و الهندي و الهيليني و غير ذلك مما كان معروفا يومذاك، فضلا عن تأثره بفن العمارة العراقي القديم. لكن هذه الآراء، و ما يختص منها بالتأثير الهيليني الذي يذكره المنقب هرتسفيلد على الأخص، تحتاج الى الكثير من النظر و التدقيق في التطورات الطارئة على نظريات الفن الاسلامي برمته.

و أهم من كتب عن آثار سامراء العربية و الفن المعماري فيها العلامة الألماني أرنست هرتسفيلد، الذي ضمن كتاباته جميع ما توصل اليه من دراسات عن سامراء، و لا سيما بعد التنقيب الذي أجراه بنفسه. ففي مطلع سنة 1911 استطاع الرحالة و العلامة الألماني المشهور فردريك صاره‏ Fredrick Sarre الحصول على امتياز خاص من الدولة العثمانية للقيام بالتنقيب في آثار سامراء، و عهد بالعمل الى الدكتور أرنست هرتسفيلد الأستاذ في جامعة برلين يومذاك.

فاضطلع هذا بمهمته في الحال و قام بأعبائها خير قيام، ثم نشر ما توصل اليه‏

212

في مؤلفات‏ (1) عدة أصبحت منبعا ثرّا يستقي منه الكتاب عن سامراء في جميع اللغات. على أن هذا العمل كان قد تولاه قبله على مقياس ضيق المهندس الفرنسي فيوليه في 1907، بالنسبة لقصر الجوسق فقط، فنشر نتائج عمله في بعض المجلات و النشرات الفرنسية المختصة (2) .

و قد لخص الاستاذ كريسويل، عضو المجمع العلمي البريطاني، أهم ما كتبه هرتسفيلد عن سامراء في كتابه المعروف «فن العمارة الاسلامي القديم» (3) المطبوع لأول مرة سنة 1958. فهو يصف في الفصلين الرابع عشر و السادس عشر عمارة قصر الجوسق الخاقاني (اي قصر المعتصم) بجميع أجزائه و مرافقه، و الجامع الكبير في سامراء بمنارته الملوية، و جامع أبي دلف، و بيوت سامراء، و القبة الصليبية، ثم يبحث في طراز الزخرفة و الزينة في تلك الأبنية بوجه عام.

و يبدأ ذلك بمقدمة تاريخية موجزة عن انتقال العاصمة من بغداد الى سامراء في عهد المعتصم، و يخلص من ذلك الى القول بأن أول ما فعله هذا الخليفة،

____________

(1) اسكن Herzfeld,Ernst-Samarra: Aufnahmen und Untersuchungen ) Berlin 7091 ( -Erster Vorlaufiger Berlin Uber die Ausgrabungen von Samarra) Berlin 2191 (. -Mitteilun Uber die Arbeiten der Zweiten Kampagen von samarra,in Der Islam,V,P. 691-402 -Der Wandschmuck de Bauten von Samarra und Bein Ornamentik) Berlin3291 (. -Die Malleri von Samarra) Berlin 7291 (. -Geschichte der Stadt Samarra) Hamburg 8491 (.

(2) Viollet,H. -Descriptiondupalaisdeal-Moutasima Samarra,in Memoires de l`Academie des Inscr. et Belles Lettres,XII,pp 775-717

(3) Creswell,K. A. -A Short A Count of Early Muslim Archit- ecture) Penguin Books 8591 ( الفصلان الرابع و السادس عشر.

213

حين أقدم على بناء عاصمته الجديدة، هو انه استقدم الفعلة و البنائين و الصناع، مثل النجارين و الحدادين و غيرهم، من الخارج كما فعل أسلافه حينما عمدوا الى بناء المدينة المدورة (بغداد) من قبل. و جلب أخشاب الساج و جذوع النخل، و سائر أنواع الخشب من البصرة، ثم استقدم العمال المختصين ببناء المرمر و نحته من اللاذقية و غيرها. و لم يقتصر هذا على جميع الصناع و العمال المهرة من أنحاء الأمبراطورية حسب، و انما استجلب شيئا غير يسير من المواد البنائية من مصر و غيرها أيضا. و هو ينسب الى عبد اللّه بن المقفع قوله ان المعتصم بعث بأناس خاصين الى مصر و زودهم بصلاحيات و أوامر قاطعة بأن يجمعوا أنواع المرمر و الأساطين من الكنائس أينما وجدت. و بعد ان جردوا كنائس الأسكندرية من كل ما وجدوه فيها من هذا القبيل ذهبوا الى كنيسة القديس ميناس في مريوط، الكائنة في غرب الاسكندرية، فاقتلعوا ما كان فيها من المرمر الملون و مواد التبليط التي لم يكن لها مثيل في كل البلاد.

و حينما استولى المعتصم نفسه على عمورية في حملته المشهورة سنة 838 للميلاد أخذ بوابتها الكبرى و نقلها الى سامراء أيضا (1) .

الجوسق الخاقاني‏

كانت أطلال هذا القصر العظيم، على ما يقول كريسويل، قد نقب فيها المهندس الفرنسي فيوليه سنة 1907 بنطاق ضيق أجرى فيه تنقيبات تجريبية هنا و هناك، و بعد ذلك بسنوات قليلة تولت التنقيب فيها بمقياس واسع بعثة ألمانية باشراف صاره و هرتسفيلد.

و قد كان أول ما وجدته هذه البعثة حوضا كبيرا في الأرض المنخفضة

____________

(1) لقد اخطأ كريسوبل فيما ذكره على لسان عبد اللّه بن المقفع بكونه هو القائل بان المعتصم بعث باناس خاصين ليجمعوا له انواع المرمر من الكنائس فقد قتل ابن المقفع في عهد المنصور و المعتصم لم يخلق بعد-الخليلي‏

214

المصاقبة لدجلة، تبلغ مساحته (127) مترا مربعا (417 قدما مربعا) .

و تصعد من هذا الحوض الى السن العالي الواقع بين يدي «باب العامة» سلّم ضخم عرضه ستون مترا (197) قدما.

و تتألف «باب العامة» ، التي حافظت على شكلها أحسن من أي جزء آخر من القصر العظيم، من جبهة ثلاثية العقود يبلغ ارتفاعها حوالي اثني عشر مترا (5,39 قدما) ، و تمتد من ورائها ثلاث غرف مسقفة بعقادات متوازية تطل على نهر دجلة. و يمضي كريسويل في وصف الاواوين و مساحاتها، و هيكل البباء و مرافقه وصفا دقيقا في مساحات ثابتة من الطول و العرض و الارتفاع. و الأساطين و زخارفها و هندستها حتى يصور القصر تصويرا مجسما امام القارى‏ء

ثم يأتي على وصف جناح الحريم من القصر فيقول، كما يقع في الجهة الجنوبية قسم الحريم الذي يمتد منه ملحق جنوبي يتفرع الى عدة فروع. و يقع على الفناء الأول مباشرة الحمام الكبير. على ان الداخل اذا استمر على السير الى الأمام رأسا يمر في بهو أمامي يؤدي الى «قاعة شرف» طويلة يكون جداراها الشمالي و الجنوبي بسيطين خاليين من الزخرف، بينما تبدو من الجهة الجنوبية جبهة «غرفة العرش» بأبوابها الثلاث‏ (1) .

و تتألف «غرفة العرش» من بهو وسطي مربع الشكل كان من المؤكد، على ما يبدو، مغطى بقبة خاصة مع أربعة أبهاء فرعية بني كل منها على شاكلة «الباسيليك» الروماني ثلاثي الأجنحة، و بذلك تكون هذه أشبه بغرفة العرش في قصر المشتى أيضا. و يقول هرتسفيلد ان السبب في بناء هذه الابهاء الاربعة على شاكلة الباسيليك هو الحاجة الى تدبير الاضاءة الكافية. و قد وجدت قطع من أفريز مرمر جميل في البهو الأوسط المربع. و كانت هناك بين اذرع الصليب المتكون

____________

(1) Herzfeld,Ernest-» Mitteilungen uber die Arbeiten der zweiten Kampagne von Samarra «in Der Islam,v,p 002.

215

من شكل البناء أبهاء أصغر مؤزّرة بقطع من المرمر، و مصلى للخليفة موزّر بالزخارف الجصية فيه محراب خاص.

و يقع قسم الحرم حول محور مستعرض يمر من الغرفة الوسطى و يتصل بالغرف المكونة شكل‏ ) T ( من الشمال و الجنوب. و لم ينقب الا في القسم الجنوبي من هذا القسم، و يقع بين يدي البهو الجنوبي من هذا القسم بهو واسع بعرض الفناء المطل عليه. و يشغل ضلعي الفناء الشرقي و الغربي عدد من غرف الجلوس، جهز كل منها بالماء الجاري الذي يصل الى قسم منها بأنابيب رصاص كبيرة، و بأنابيب خزفية مزججة أو غير مزججة الى القسم الآخر.

و هناك علاوة على ذلك غرف خاصة للغسيل و المراحيض. و في مقابل غرفة العرش من جهة الفناء الجنوبية توجد غرفة من نوع خاص مربعة الشكل، بعرض الفناء نفسه أيضا. فهي قبل كل شي‏ء محاطة بممر طوله واحد و عشرون مترا (69 قدما) من كل جهة، و لها أربعة أبواب واسعة، مع أربعة أعمدة مرمر في زواياها الأربع. و قد كانت هذه الغرفة مزخرفة كلها برسوم بشرية مختلفة.

و يوجد أمام البهو الشرقي الشبيه بالباسيليك في جناح غرفة العرش بهو كبير آخر يبلغ حوالي ثمانية و ثلاثين مترا (125) قدما في عرضه، و (40,10 مترا في عمقه، و يفتح على شرفة عظيمة بخمسة أبواب. و هذه عبارة من ساحة مفتوحة واسعة الأرجاء تبلغ مساحتها 350*180 مترا، و يقسمها جدول من الماء الى قسم غربي مبلط فيه نافورتان و قسم شرقي غير مبلط يخترقه عدد من الجداول الصغيرة.

و اذا سار المرء متجها الى شرقي الشرفة الكبيرة يأتي السرداب الصغير الكائن على محور القصر الأصلي. و يؤلف مدخل السرداب غرفة مربعة الشكل يوجد على جدرانها أفريز مزين بجمال ماشية من ذوات السنامين منحوتة بالجص الملون، مع نافورة دائرية الشكل. و يقع سلم السرداب في الجانب الغربي من البناء الفوقاني. اما السرداب نفسه فهو عبارة عن مغارة منحوتة

216

في داخل الصخر بعمق ثمانية امتار و طول (21) مترا. و يوجد في كل جدار من جدران المغارة ثلاثة كهوف تصلها ببعضها ممرات خاصة، كما يوجد في قاعها حوض ماء. و تتصل بالمربع المحيط ببناية السرداب ساحة خاصة بها، كما أن السرداب و ما يتصل به كله يحجز بين فنائين متشابهين تقريبا يقع في جهتيهما الشمالية و الجنوبية فسطاط بشكل‏ T . و قد كان السرداب محاطا كله بصفوف متوازية طويلة من الغرف التي يظن أنها كانت اصطبلات للخيل‏ (1) .

و هناك في وسط الساحة الشرقية مقصورة يمكن للمرء أن يطل منها على حير طويل مستعرض محاط بسياج يبلغ حوالي مائة و ثمانين مترا في طوله و خمسة و ستين مترا في عرضه. و لا بد من ان يكون هذا ساحة الكرة و الصولجان (الپولو) ، اما الاصطبلات فقد كانت لأفراس الپولو الصغيرة، كما كانت المقصورة مخصصة للمتفرجين. و بهذا نصل الى حافة القصر الشرقية التي تتصل بساحة الصيد أو الحير. و في مقابل المقصورة، على امتداد المحور الرئيس للقصر، يقوم فسطاط عال كبير يطل على ساحة الپولو و ساحة السباق التي تضيع ممراتها البالغ طولها خمسة كيلو مترات، في الأفق البعيد. و يبلغ طول هذه الأبنية و المرافق كلها طول محور القصر الرئيس (1400) متر (2) .

اما «السرداب الكبير» فهو مربع منفصل محاط بجدران يبلغ طول ضلعه الواحد مائة و ثمانين مترا، و يتصل بالطرف الشمالي الشرقي من القصر نفسه بينما يقع طرفه الجنوبي عند الجدار الشمالي للشرفة الكبيرة. و هو يتألف من كهف مربع عميق، محفور في الصخر، يبلغ طول ضلعه ثمانين مترا، مع امتدادات صليبية من محاوره يصل طولها الى 115 مترا. و توجد في قاع السرداب حفرة ثانية دائرية الشكل يبلغ طول قطرها سبعين مترا. و يعتقد ان هذه الحفرة كانت حوضا للماء لأن كهريزا عميقا يصل اليها. و يوجد في

____________

(1) هرتسفيلد المرجع الأخير الص 201-302.

(2) هرتسفيلد المرجع السابق الص 201.

217

الطابق العلوي منه عدد من الغرف الصغيرة غير المنتظمة حول الجهة الداخلية من الجدران. و يسقف عدد من هذه الغرف باطواق متقاطعة. و الى الشرق من السرداب شيدت مجموعات مختلفة من الأبنية على طول الجدار الشمالي.

و يختم هرتسفيلد وصفه لهذه الأبنية و المرافق بقوله أن روعة الزينة الموجودة في القصر و فخامتها تنطوي في تناسبها مع هذه الأبنية، بحيث لا يمكن ان يوجد مثيل لها في أي مكان آخر. اما في غرف العرش فتحل محل الوزرات الجصية وزرات مرمر منحوتة الزخرف. و في الغرف الواقعة ما بين أذرع الصليب الذي يتشكل به شكل الأبنية العام فتتغلف الوزرات ببلاطات من المرمر. و كان القسم الأعلى من جدران الحريم مزخرفا برسوم كلسية من الأشكال الحية التي اكتشفت بقايا مهمة منها... و قد كانت جميع أعمال الخشب و الأبواب و الدعامات و الأعتاب و السقوف من خشب الساج، المحفور المنقوش، او المنقوش فقط و المطّعم قسم منه. و مما كان يزيد في ذلك رونقا و بهاءا وجود المسامير البرونزية المشغولة بدقة بين وسائل الزينة. و يجدر بنا ان نذكر هنا كتابات كثيرة مزخرفة قد وجدت منقوشة على أعمدة الساج، و منها تواقيع الصناع المهرة بالعربية و السريانية و اليونانية.

الجامع الكبير في سامراء

يقول البروفسور كريسويل في كتابه‏ (1) المشار اليه ان الخليفة المعتصم توفي سنة 227 (842 م) فأعقبه هارون الواثق. و هذا توفي في سنة 232 (847 م) فأعقبه المتوكل الذي قام بتشييد المسجد الجامع الكبير.

و الجامع عبارة عن مستطيل واسع الأرجاء يحيط به سور محصن من الآجر المشوي تبلغ مقاييسه 240*156 مترا من الداخل. و لذلك فان مساحته تبلغ حوالي (38000) متر مربع او (500,45 ياردة مربعة) ، و بهذا يعد أكبر

____________

(1) الص 274.

غ

218

جامع في العالم، أي أنه بضعف جامع ابن طولون في القاهرة. و لم يبق منه سوى الجدران المحيطة به، بعد ان تقوضت سقوفه و اختفت اعمدته التي كانت تستند اليها السقوف. و هذه الجدران، التي يبلغ سمكها (65,2) مترا قد بنيت بآجر خفيف أحمر تبلغ مساحة الواحدة منه 25-27 سم مربع و سمكها سبعة سنتيمترات. اما الأبراج المنتشرة فيها فهي نصف دائرية في تخطيطها تقريبا، و يبلغ قطرها (6,3) . كما يبلغ طول الجدران الساترة بين كل برج و آخر خمسة عشر مترا في المعدل. و هناك علاوة على ذلك أربعة أبراج ركنية كبيرة، و اثنا عشر برجا آخر يمتد شرقا و غربا فيما يجاورها، و ثمانية شمالا و جنوبا، بحيث يكون مجموع الأبراج الكبيرة أربعة و أربعين برجا. و يقوم كل واحد من هذه الأبراج فوق قاعدة مستطيلة تتألف من ساقين أو ثلاثة من الآجر.

و قد كان للجامع ستة عشر بابا يختلف في عرضها اختلافا بينا. و كانت هذه الأبواب حين وجدها الرحالة روص‏ (1) في 1834 قد تهدم البناء من فوقها فيما عدا الأبواب الكائنة في وسط الضلع الشمالي منه. لكنه يبدو من فحص قوائم الأبواب المحتفظة بشكلها الآن أن فتحاتها كانت مغطاة بعوارض خشبية يسندها من فوقها طاق من الآجر. غير أنه يلاحظ من أقصى باب من جهة الجنوب في الجهة الغربية ان هذا الطاق يأتي فوقه بناء من الآجر الصقيل جدا البارز قليلا الى الأمام، و الممتد على طول الجدار. و في الباب المقابل من الجانب الآخر يلاحظ بروز طاق صغير جدا يعتبر جزءا من عقد متين يمتد الى داخل الجدار كله. و لا يدل هذا الا على أنه كان هناك عدد من الشبابيك الصغيرة المقدسة (ربما ثلاثة) فوق كل باب من الأبواب.

و يلاحظ كذلك ان بناء الأبراج هو بناء بسيط جدا، لكن كل جدار

____________

(1) Ross-in the Journal of the Royal Geographic Society,XI, p. 821.

219

من الجدران القائمة بينها يكون مزخرفا بأفريز متألف من ستة مربعات منخفضة ذات حافات مشطوفة عدا مربعات الجبهة الجنوبية التي كان عددها خمسة فقط. و يوجد في كل مربع صحن ضحل لا يزيد عمقه على (25) سم، و ما زال قسم من هذه المربعات مغطى بزخرف جصي. و يبلغ علو الجدار في الوقت الحاضر حوالي عشرة امتار و نصف.

و لقد فتح في القسم الأعلى من الجدار الجنوبي، فيما تحت الأفريز، أربعة و عشرون شباكا، و شباكان في كل جانب ينفتحان على حرم الجامع، و بذلك يبلغ عدد الشبابيك ثمانية و أربعين. و تبدو الشبابيك من الخارج و هي عبارة عن فتحات مستطيلة ضيقة، لكنها مؤطرة من الداخل بأقواس خماسية الفصوص متشعبة من أعمدة صغيرة متشابكة، و قد ركب هذا كله في أطار مستطيل منخفض.

اما الأساطين التي تستند اليها السقوف فقد أزيلت منذ مدة على ما يبدو، لكنه يتضح من الحفر المتخلفة عن هذا العمل ان الحرم كان فيه أربعة و ستون صفا منها تكوّن خمسة و عشرين فسحة يكون معدل عرض كل منها (20,4) مترا، و هذه تتناظر مع محور الشبابيك عدا الفسحة الوسطى التي تكون أوسع من الباقيات بقليل. و كان من الواضح أيضا ان السقف كان يستند الى الأساطين رأسا من دون وجود طوق لها، لأن مثل هذا الطوق لم يكتشف له أي أثر في الجدران.

و قد أيدت تنقيبات هرتسفيلد بأن الحرم كان فيه أربعة و عشرون صفا من الأساطين، و في كل صف تسعة منها، بالاضافة الى أربعة و عشرين صفا في الرواق الشمالي، و في كل صف من هذه ثلاثة أساطين فقط. أما الأروقة الجانبية فكان في كل منها عشرون صفا، و في كل صف من هذه الصفوف اربع اساطين، تقوم بموازاة الصحن. و على هذا يبلغ مجموع الأساطين‏

220

كلها (464) (1) .

و لقد بقي من آثار هذه الأساطين ما يكفي لتعيين شكلها. فقد كانت القواعد مربعة الشكل طول ضلعها (07,2) مترا. و كانت تقوم فوق كل واحدة منها اسطوانة مثمنة الجوانب، مبنية بالآجر، عدا الأساطين الركنية الأربعة التي كانت من المرمر.. و لما كانت أعمدة المرمر، التي تتكون منها الأساطين الركنية، لا يزيد طولها على المترين فقد كانت الأسطوانة الواحدة تتألف من ثلاثة أعمدة على الأقل يوضع أحدها فوق الآخر و تلحم ببعضها بالرصاص و أوتاد الحديد، كما هي الحال في جامعي الكوفة و واسط الكبيرين.

أما الأساطين المبنية بالحجر فقد بيضت و لونت بحيث تحاكي المرمر في شكلها.

و يبلغ الارتفاع الصافي الى حد السقف (35,10) مترا أي (34) قدما.

و اتضح عند عملية التنقيب ان فتحة في وسط الجدار الجنوبي كانت موقعا للمحراب المتهدم. و لم يكن المحراب مدورا بل كان مستطيلا في تخطيطه،

____________

(1) الص 6-7 هرتسفيلد Erster Vorlaufiger Bericht

ضلع من بقايا حيطان الجامع الكبير بسامراء

اسكن

221

كما هي الحال في الأخيضر، و كما كانت عليه القاعدة في العراق و ايران في العهود الاولى، بحيث يبلغ (59,2) مترا في العرض و (75,1) مترا في العمق. و كان يقوم في جانبيه زوجان من أعمدة المرمر وردي الشكل المستجلب من عينتاب، التي تكون لها تيجان و قواعد بشكل الساعة، يستند اليها قوسان متحدا المركز في داخل اطار مستطيل يرتفع بارتفاع الجامع نفسه تقريبا.

و كانت هناك آثار للموزاييك المذهب في خصور العقود.

و يعزو كريسويل الى المؤرخ المقدسي قوله ان جامع سامراء كان ينافس جامع دمشق، و ان جدرانه كانت مزخرفة بالمينا. و يذهب هرتسفيلد الى أن كلمة «مينا» التي يذكرها المقدسي تعني الموزاييك نفسه، و قد تأيد ذلك بما عثر عليه في تنقيباته من بقايا الموزاييك المزجج الكثيرة (1) .

و قد لوحظ بوضوح عند التنقيب ان زيادات عدة قد أدخلت على البناء الأصلي، و منها اضافة جدار جديد يمتد من النهاية الجنوبية لكل جدار من الجدارين الجانبيين الأصليين. و تدل التصاوير الجوية على ان هذين الجدارين كانا يؤلفان جزءا من سور كبير يحيط بالجامع من الشرق و الشمال و الغرب.

و أن هذا المستطيل الكبير كله قد وضع في داخل مستطيل أعظم و أكبر منه بحيث يحيط به من جميع الجهات الأربع. و قد بنيت هذه الجدران الاضافية من الآجر الذي أخذ القسم الأعظم منه في الوقت الحاضر. و تبلغ أبعاد هذا السور الخارجي 376*444 مترا (1230*1455 قدما) . و لذلك فان المساحة الكلية للجامع و الزيادات الطارئة عليه تصل الى ما يقرب من (17) هكتار، او (41) أيكرا (2) .

و عند مقارنة هذا الجامع بجامع ابن طولون في القاهرة، لا بد من ان نتوقع وجود بنايات ملحقة به للمرافق الصحية و أماكن الوضوء، و من المؤسف ان هرتسفيلد و صاره لم يتهيأ لهما الوقت الكافي للتنقيب عن هذه الزيادات.

____________

(1) الص 8 من المرجع الالماني الأخير.

(2) Hertzfeldin Der Islam,V,p. 402

222

و يتطرق كريسويل بعد ذلك الى ذكر المنارة الملوية و أبعادها، فيورد نفس المعلومات التي أتينا على ذكرها من قبل.

الأسس الفنية لعمارة الجامع الكبير

ان أول ما يذكره الأستاذ كريسويل‏ (1) في هذا الشأن قوله ان فكرة السّلم الحلزونية التي أنشئت بموجبها منارتا الجامع الكبير في سامراء و جامع أبي دلف مستمدة من فكرة الزقورة البابلية، و ان هذا شي يعترف به المختصون اعترافا تاما. لكن الزقورات لم تكن كلها من نوع واحد، لأن النوع الاعتيادي الشائع منها يتألف من برج مدرج مكون من طوابق عدة متراجعة ذات جبهات متعامدة (غير مدورة) . و يتم الوصول الى الطابق الأول بمرقاة شديدة الانحدار تتقاطع عمودا مع الجانب الجنوبي الشرقي من وسطه، كما يتم الوصول الى الجوانب الأخرى فيها بامتدادات لهذه المرقاة. و لم يكن هذا الطراز من الزقورات هو الذي استمدت منه فكرة (الملوية) ، و انما استمدت من طراز آخر مربع التخطيط يدور من حوله منحدر خفيف يكوّن عددا من الدورات الكاملة حتى يصل الى القمة. و من الغريب ان هذا النوع لم يعرف له وجود الا في مكان واحد، و هو (زّقورة خرساباد) التي اكتشفها بالتنقيب قبل مائة سنة المسيو بلاس، فعثر فيها على ثلاثة طوابق سالمة و بقايا الطابق الرابع. و هو يقول انه عثر على بناء رباعي الأضلاع تماما يبلغ طول الجانب الواحد منه (10,43) مترا بدلا من ان يكون بناءا مدورا كما كان يتوقع. و تبدأ بهذا مرقاة خفيفة الميل جدا من الزاوية الجنوبية، و تستمر على طول أحد الجوانب، ثم تدور حول القرنة و هي تستمر في الصعود دوما، و تدور حول القرنات كلها بالتعاقب، حتى تنتهي بالقرنة التي بدأت منها، و لكن على ارتفاع (10,6) امتار أو (20) قدما. و يتجه الدوران

____________

(1) الص 279 ص: . Early Muslim Architecture

223

باتجاه مضاد لدوران عقرب الساعة كما هي الحال في ملوية سامراء. و قد تم العثور عند التنقيب على طوابق ثلاثة، يرتفع كل واحد منها الى عشرين قدما (10,6) مترا مع بقايا الطابق الرابع كما ذكر من قبل.

و يقول كريسويل كذلك ان وصف هذه الزقورة التي عثر عليها بلاس ينطبق على الوصف الذي وصفها به هيرودوتس. ثم يضيف الى ذلك قوله أنه لا بد من ان تكون قد وجدت زقورات أخرى في العراق من هذا القبيل خلال القرن التاسع الميلادي، أي في أيام العباسيين الذين شيدت سامراء في عهدهم، برغم العثور على واحدة فقط خلال القرن التاسع عشر. و يؤيد ذلك، على ما يقول كريسويل، ما ذكره بنيامين التطيلي اليهودي في رحلته التي وصف فيها السلالم الحلزونية المدورة في النصف الثاني من القرن الثاني عشر للميلاد. على ان كريسويل يذكر كذلك ان التحوير الذي أدخله معماريو المتوكل على الفكرة هو أنهم شيدوا المرقاة الملوية حول بناء مدور بدلا من الشكل المربع الموجود في الزقورة المشار اليها.

جامع أبي دلف‏

كان المتوكل، قبل ان يقوم بتشييد الجامع الكبير في سامراء، قد قرر ان يبني مدينة جديدة له في شمال سامراء، و اختار لها موقعا يقال له «الماحوسة» فبدأ العمل فيها سنة 245 (859-60 م) ، و مدد الشارع الأعظم الى حيطان الجامع الكبير من جهاته الثلاث و تبدو مدينة سامراء من خلفها

اسكن

224

ثلاثة فراسخ أخرى، أي الى حيث يقع قصر المتوكل الجديد نفسه. و في اليوم الأول من شهر محرم الحرام 247 (17 مارت 861) انتقل الى مدينته الجديدة التي أطلق عليها اسم «الجعفرية» .

و تشغل أطلال القصر الجعفري هذا مساحة تقدر بحوالي (3/1^1) كيلو متر مربع، و هو محاط بأسوار تنتشر فيها الحصون المبنية بالآجر. و هذه لم يتم التنقيب بها على ما يقول كريسويل، الذي يورد رواية اليعقوبي عن المتوكل و يقول انه لم يسكن في قصره هذا الا تسعة أشهر و ثلاثة أيام، و انه قتل فيه فأصبح قصرا مشؤوما تذكره التواريخ جيلا بعد جيل. و كان قتل المتوكل في يوم 3 شوال 247 (11 كانون الاول 861) . فخلفه المنتصر، و عاد الى سامراء بعد ان أمر السكان بأجمعهم أن يعودوا اليها كذلك... كما أمر بتقويض الأبنية و نقل موادها البنائية الى سامراء أيضا. و لهذا دب الخراب في قصور الجعفرية و بيوتها و أسواقها مع سائر أبنيتها و مرافقها، و اصبحت خرائب تنعق بها اليوم.

لكن كريسويل يقول ان حالة جامع ابي دلف هي على نقيض الحالة التي وجد فيها الجامع الكبير. فقد بقيت من هذا الجامع في سامراء أسواره الخارجية و زالت داخليته من الوجود، بينما بقيت داخلية جامع ابي دلف قائمة، و لم يبق من سوره الذي كان مبنيا بالآجر الا أسسه الطويلة، فيما عدا الضلع الشمالي الذي بقي قائما الى ارتفاع (5-7) أمتار.

و هناك في الرواق الشمالي ستة عشر عقدا بطبيعة الحال، كما هو الأمر في الحرم، و لكن العقد الواحد تكون فيه ثلاثة أقواس فقط يبلغ معدل فتحتها (10,3) مترا. و هذه تنتهي من جهة الصحن بشكل‏ T ، لكنها تنتهي من من جهة الشمال بأساطين جدارية بسيطة مبنية بالآجر المشوي... و تكون الفسحة الوسطى في الحرم أعرض من سائر الفسحات.

و يكون النصف الأعلى من واجهات الأساطين المواجهة للصحن مزينا

225

بحشوة متراجعة يحتوي على فرجة مقوسة ضيقة. و قد بنيت الأقواس كلها بحلقتين من الآجر المربع، فوضعت آجرات الحلقة الداخلية بحيث يتعرض وجهها الى الخارج بينما وضعت آجرات الحلقة الخارجية على حاشيتها، كما هي الحال في مبنى «باب بغداد» في الرقة، على ما يقول كريسويل، فيما يكون سمك كل حلقة آجرة و نصف بدلا من آجرتين. أما نوعية الآجر فهي أدنى من نوعية الآجر الذي بني به جامع سامراء من قبل، و تختلف الآجرات في حجمها من 25 الى 29 سم مربعا، و يكون سمكها سبع سم.

و يرى كريسويل ان جامع أبي دلف كان له سطح منبسط مثل جامع سامراء الكبير، و لم يكن هذا على أكثر من ارتفاع ثماني أمتار.

و يذكر كريسويل‏ (1) كذلك، نقلا عن هرتسفيلد، ان الأسوار التي بقيت قائمة من الجامع تبلغ (106) امتار في سمكها.. و قد تمت تقويتها، كما هي الحال في جامع سامراء، بأبراج حصينة نصف دائرية ما تزال ثلاثة منها شاخصة للعيان من الخارج. و تبلغ هذه حوالي ثلاثة أمتار في عرضها، و تبرز الى الخارج بمقدار (20,1) مترا تقريبا فتكون و اجهتها مبنية بالآجر المشوي. و قد كانت هناك أربعة أبراج ركنية، و أحد عشر برجا متوسطا في الجهتين الشرقية و الغربية و ثمانية في الشمال، و عدد غير أكيد-ربما ستة- من الجهة الجنوبية، ليكون المجموع الكلي ثمانية و ثلاثين برجا. و يبلغ معدل طول الجدران القائمة فيما بينها أربعة عشر مترا، كما توجد في بعض الأماكن الواقعة في الجدار الشمالي حزوز خاصة لأنابيب المجاري تبلغ عشرين سنتمترا في عمقها و (18) في عرضها، كما هي الحال في جامع سامراء الكبير.

و قد كانت هناك ستة أبواب من الجهة الشرقية و ستة من الجهة الغربية و ثلاثة من الجهة الشمالية، فيبلغ مجموعها كلها خمسة عشر بابا. و كانت

____________

(1) الص 284 المرجع الأخير.

ج 1-سامراء (15) غ

226

لهذه الأبواب قوائم من الآجر المشوي ما زال بعضها شاخصا حتى اليوم‏

اما المنارة فقد وصفها الرحالة روص‏ (1) بأنها مصغر للملوية المعروفة التابعة للجامع الكبير، و قد بنيت على مسافة تسعة أمتار و نصف عن جدار الجامع الشمالي. و كانت قاعدتها، التي تبلغ مترين و نصف في ارتفاعها و أحد عشر مترا مربعا في مساحتها، مزخرفة بصف متكون من أربع عشرة حنية صغيرة في الجهات الشمالية و الشرقية و الغربية، و عشر حنيات فقط من الجهة الجنوبية نظرا لوجود المدخل الى المرقاة فيها. و يقوم فوق هذه القاعدة الجزء الحلزوني من المنارة، اما المدخل البالغ عرضه (17,1) مترا فيكون في وسط القاعدة.

و يتجه الممر الى اليمين رأسا فيبدأ بسيره الحلزوني بحيث يكون ربع الدورة الأول محفورا في آجر القاعدة القرصية. و قد خربت المرقاة بحيث لا يمكن استعمالها، و تبلغ علوا يقرب من (16) مترا، و تدور على ما يبدو ثلاث دورات كاملة باتجاه معاكس لدوران الساعة.

دور سامراء

و يورد كريسويل في هذا الشأن نص ما كتبه هرتسفيلد (2) الذي يقول أن دور سامراء في تلك الأيام كانت مبنية بموجب طراز خاص. و تتألف الدار الواحدة من مدخل مغطى يؤدي من الشارع او «الدربونه» الى فناء فسيح مستطيل الشكل، يفضل فيه المقياس 3: 2. و يقع في نهايته بهو رئيس بشكل T مع غرفتين اثنتين في زاويتين. و يتكرر توزيع الغرف هذا أحيانا في فناء ثان، مما يمكن ان يستنتج بأنهما عبارة عن حرم، و ديوان. لكنه اذا ما تكرر في جانبين متقابلين من الفناء نفسه فأنه يدل على وجود غرف صيفية و شتوية. اما بقية الفناء فتحاط بصفوف من الغرف المستطيلة و المخازن.

____________

(1) في مجلة الجمعية الجغرافية الملكية، السنة 11، الص 129.

(2) في الص 14- 15 من: Erster Vorlaufiger Bericht .

227

و يوجد في غالبية البيوت عدد من الأفنية الجانبية الصغيرة التي توجد فيها غرف تختص بالخزن. و توجد في البيوت على الدوام حمامات و مجار و آبار في كثير من الأحيان، و يلاحظ أحيانا وجود أبهاء مفتوحة او مكشوفة تقوم سقوفها على أعمدة، و سراديب فيها ترتيبات خاصة للتهوية. و قد كانت جميع الدور ذات طابق واحد، و يصل عدد الغرف في الدار الواحدة الى خمسين أحيانا!!.

هذا و قد كانت مادة البناء لهذه الدور: الآجر غير المشوي بوجه عام، إذ لم يكن يستعمل الآجر المشوي الا للماء و المجاري. اما تبليط الغرف و الساحات فكان يستعمل له الآجرات الكبيرة التي تصل مساحة كل منها أحيانا الى 50*50 سم. و كانت السقوف من دون استثناء تصنع من الألواح المنبسطة، و الأبواب بصورة أفقية على الدوام تقريبا و نادرا ما كانت تغطى فتحاتها بالأقواس المدببة.

و قد وجدت شبابيك كانت ملأى بالزجاج الملون و هو بشكل أقراص كبيرة يتراوح قطرها بين عشرين و خمسين سنتمترا. و بعض الدور كانت الأبهاء و بعض الغرف الخاصة بها مزخرفة زخرفة غير قليلة، و كان بعضها الآخر مزخرف الغرف بأجمعها. بينما لم تكن ساحات الدور و أفنيتها مزخرفة عامة، و كانت وزرات الجدران في الغرف مزخرفة الى علو متر واحد، و كذلك إطارات الشبابيك و حواشي الجدران العليا، و أحيانا بطينات العقود المقوسة فوق الأبواب.. و كانت تزخرف حواشي الوزرات العليا، و وسطها أحيانا، بالحنيات الصغيرة التي تشكل في الغالب و تؤطر بزخرف توريقي، كما هي الحال في الدور الشرقية العصرية، و هي تسمى «طاقجه» بالفارسية.

اما مادة الزينة و الزخرف في الوزرات فهي الجبس الصافي نسبيا المخلوط بقليل جدا من التراب.

القبة الصليبية و مدافن الخلفاء

و يذكر كريسويل‏ (1) ، مستعينا باستكشافات هرتسفيلد، انه توجد في

____________

(1) الص 287 من‏ Early Muslim Architecture .

228

الجانب الغربي من دجلة فوق تل يقع على بعد ميل واحد تقريبا من جنوب قصر العاشق‏ (1) اطلال بناية مثمنة الأضلاع. و هذه تحتوي على مثمن داخلي لا تزال أضلاعه سالمة، و مثمن خارجي هدم أكثر من نصفه. و توجد بين الاثنين فسحة عرضها (62,2) مترا لا بد من أنها قد كانت مغطاة بطاق خاص لا تزال بقايا الأقواس الستة عشر التي يستند عليهما شاخصة للعيان، تبرز كل اثنين منها من طرفي كل ضلع من أضلاع المثمن الداخلي. و هناك مدخل مقوس يبلغ عرضه سبعة أقدام في كل ضلع باق من أضلاع المثمن الخارجي.. و حينما يدخل المرء الى داخل هذا المبنى يعجب عند ما يرى ان الفسحة الوسطى في داخلها تكون على شكل رباعي، طول ضلعه الواحد (31,6) مترا، بدلا من الشكل المثمن الذي يتوقعه. و كل باب من الأبواب تقوم على جانبيها حنية نصف دائرية عرضها (63) سنتمترا. و هناك ما يدل على ان هذا المبنى كان مغطى بقبة خاصة به. و لقد شيدت البناية كلها بنوع من الحجر الاصطناعي المصنوع بشكل آجرات يبلغ مقاسها 32-33 سنتمترا مربعا و عشر سنتمترات في السمك. و هذا الحجر مصنوع في الغالب من الطين القوي المخلوط بمقدار غير يسير من مادة «الكوارتز» بحيث يصبح

____________

(1) و الصحيح: المعشوق و ليس العاشق-الخليلي‏

قصر المعشوق في اثناء الصيانة التي تقوم بها مديرية الآثار العامة اليوم‏

اسكن

229

حجرا صلبا.

و يتضح من دراسة هذا المبنى أنه من أبنية العصر الذي بنيت فيه سائر الأبنية التي تلاحظ أطلالها في سامراء اليوم، من حيث الانشاء و المواد.

كما أن نوع الحجر الاصطناعي الغريب المستعمل في البناء يدل على أنه من الفترة المتأخرة في تاريخ سامراء العباسية، لأن هذه المادة الانشائية قد استعملت كذلك في تشييد قصر العاشق، و ليس في تشيييد الابنية الأقدم منه. و اذا ما بحثنا في المعلومات المتيسرة لدينا عن دفن الخلفاء الذين عاشوا في سامراء نجد أن أولهم، و هو المعتصم، قد دفن في الجوسق الخاقاني، و ان الواثق قد دفن في الهاروني، و ان والدة المتوكل قد دفنت في جامع «الجعفرية» -أي في أبي دلف-اما المتوكل نفسه فقد دفن في القصر الجعفري. لكن المنتصر ابنه كان أول خليفة عباسي يعرف قبره بوجه عام لأن أمه اليونانية طلبت رخصة من المسؤولين لا قامة قبة خاصة فوق قبره فلبي طلبها، و يقع هذا الضريح فيما بجاور «قعر الصوامع» . هذا و قد عرف ان المعتز و المهتدي كانا قد دفنا في نفس القبة بعد ذلك أيضا. و يقول كريسويل ان العلامة هرتسفيلد (1) يقترح، بناء على وجود هذه الأدلة القوية، بأن القبة الصليبية ربما تكون هي القبة التي دفن فيها أولئك الخلفاء الثلاثة من العباسيين. فقد نقب في كانون الأول 1911 تحت تبليط هذه القبة فعثر على ثلاثة قبور إسلامية في تلك البقعة (2) ، و لذلك يمكن ان يعتبر هذا الاكتشاف تأييدا جليا لقوله ان القبة الصليبية نفسها هي القبة التي أقامتها أم المنتصر فوق قصر ابنها بعد ان قتل في حزيران 862 م.

و على هذا فانها لا تعد أقدم قبة في الاسلام فقط و انما تعد أيضا أول قبة من هذا القبيل فيه.

____________

(1) في الص 286، ج 2 من: Archaologische Reise Erster .

(2) الص 30 من: Erster Vorlaufiger Bericht .

230

الزخرف السامرائي‏

لقد قسمت زخرفة الآثار العربية في سامراء، عند أول اكتشافها، الى ثلاثة أطرزة على ما يقول كريسويل و هي: الطراز الاول، و الطراز الثاني، و الطراز الثالث.

و تتميز زخارف الطراز الأول بشيوع أغصان و أوراق الكروم فيها:

الموجودة في قبة الصخرة و قصر المشتى. لكن زخرفة سامراء هذه قد أدخل فيها شي‏ء من التحوير على شكل الأوراق التي تبقى فيه بوجه عام خماسية الفصوص. و يبدو هذا الطراز واضحا على الأخص في «باب العامة» ، و هي أقدم بناية بنيت في سامراء.

اما الطراز الثاني فتغلب فيه تراكيب نباتية مركزية، مثل الوريدات المتكونة من البراعم، من دون ان تكون لها سيقان. و لذلك لا يلاحظ فيها نمو نباتي، و انما يكون كل جزء منها مستقلا بذاته و له منتهاه الخاصّ به.

فنجد في هذا الزخرف شجرة النخيل متقلصة الى قسمها العلوي فقط. و هذا يعني بتعبير آخر انه طراز زخرفي معاكس للطبيعة في الدرجة الأولى، و أن خطوطا حلزونية تلتف في القسم الأغلب منه. و من مزايا الطرازين الأول و الثاني الجذابة أنها تتشكل بتركيبات وريدية دائرية كبيرة أو مفصصة، و تمتلي‏ء بها وحدات ذات أشكال مختلفة، مربعة أو مثمنة و غير ذلك.

و تكون الأشكال في الطراز الثالث قد صنعت مقدما بقوالب خاصة:

فيما عدا بعض الحواشي البسيطة. و يورد كريسويل وصف هرتسفيلد لهذا الطراز من الزينة الزخرفية، فيبدأ بقوله ان بروز التركيبات الزخرفية يكون على الدوام ضحلا غير عميق، و هو أشبه في هذا بحفر الخشب. و هو على درجة من عدم العمق بحيث تنعدم فيه الظلال، الا في حالات الضوء العمودي، و هو نادر الوقوع عمليا. و تكون ذروة الأشكال صغيرة جدا على الدوام بالنسبة للارتفاع، و تتكرر عناصرها بسرعة واحدا بعد آخر على شاكلة

231

صف الألواح.. و يبدأ الصانع بقص القالب من الخشب فيشكل بموجبه الشكل المطلوب من الطين، ثم يأخذه فيفخره، و يصنع الزخرف الجصي على منواله‏ (1) .

فقد كان استعمال القوالب في هذه العملية قد جعل من الممكن تزيين مساحات كبيرة من الجدران بسرعة عظيمة. و هناك عناصر زخرفية كثيرة الاختلاف و التباين مثل أشكال القوارير، و أوراق البرسيم، و أشكال السعف، و الخطوط الحلزونية، و ما أشبه. و تسيطر على تصميم الزخارف فكرة مل‏ء السطوح و أشغالها في الدرجة الأولى، بحيث لا يبقى شي‏ء باديا للعيان من أرضية القطعة المزخرفة. و تحجز كل شكل عن الآخر خطوط هندسية مختلفة، و بذلك تنحصر الزخرفة في نطاق الأشكال الهندسية المتكونة. و هذه وسيلة توفر الكثير من العمل بحيث لا يستطيع المرء الا أن يفكر بأن هذا المبدأ قد عظم تأثيره بسبب ما يوفره من العمل الكبير الذي كان لا بد من أن يتم بسرعة يكاد لا يتصورها المرء من أجل انجاز بناء سامراء.

عمارة سامراء في دائرة المعارف الاسلامية

و هناك بحث موجز مفيد عن أبنية سامراء و فنها العربي المعروف في دائرة المعارف‏ (2) الاسلامية المطبوعة سنة 1913 في لا يدن. و يبدأ هذا البحث بقول كاتبه ان سامراء اليوم عبارة عن مساحة كبيرة من الخرائب و الأطلال تقع في الجانب الشرقي من دجلة. و تشتمل هذه الخرائب على مواقع أغنى المدن العباسية و أثراها، التي كلف بناؤها مبالغ جسيمة من المال. و قد جاءت سامراء الى الوجود في 838 (الصحيح هو 836) في عهد المعتصم بن هارون الرشيد، و وصلت الى أوج عزها و عظمتها في عهد المتوكل (847-861) ثم اندثرت بموته.

____________

(1) 10 مما كتبه هرتسفيلد Der Wandschmuck .

(2) سبقت الأشارة اليها من قبل.

232

و يعطي وجود سامراء قصير الأمد لهذه الخرائب أهمية خاصة لدى طلاب الفن الاسلامي و اصوله. و من المؤسف ان يكون عرب العراق قد عمدوا خلال عدة قرون الى اتخاذ هذه الآثار العجيبة مقالع للمواد البنائية، فعجلوا بالخراب الذي أنزلته فيها عوادي الزمن، و مع هذا فقد اماطت اللثام التنقيبات الجارية مؤخرا (طبع البحث في 1913) عن معلومات مهمة كافية تختص بأسس الأبنية الرئيسة، و تعطينا فكرة واضحة عن جمال المدينة الاسلامية الزاهرة التي كانت تشع ببريقها اللامع على العالم في تلك الأيام.

ثم يأخذ كاتب البحث في دائرة المعارف هذه بتعداد الأبنية و القصور المختلفة، و يصف البعض منها بوصف لا يخرج عن نطاق ما بيناه قبل هذا نقلا عن هرتسفيلد. على أننا لا بد من أن نضيف هنا ما يقوله عن قصر بلگوارا الذي لم نأت على وصف له من قبل. فقد جاء في هذا البحث ان خرائب بلگوارا تشغل مستطيلا كبيرا يزيد طول ضلعه الطويل على ألف ياردة. و ما تزال تقوم في جبهته الواسعة ثلاثة طوق من الطابوق، و هي مخلفات القصر الوحيدة الباقية منه. و كان هذا القصر قد بناه المتوكل لابنه المهتدي باللّه.

و كانت هذه الطوق المواجهة للنهر، و قاعة الاستقبال، مع ايوان الضيوف، مفتوحة باتساع على الوادي. و كانت وراء الطوق ساحات داخلية ثلاث تتبعها الغرف على شاكلة الصليب: و هي غرف العرش، و غرف صغيرة عديدة، و أجنحة سكن خاصة مجهزة بحمامات باذخة. و كانت هناك من الجهة الشرقية حديقة واسعة مستطيلة الشكل تنتشر فيها الشلالات، و تحيط بها جدران ذات ربعات تنفتح على صواوين صغيرة غنية بالزخارف و الزينة. اما من جهة الشمال فقد كان هناك نهر كبير ينزل اليه سلم فخم، فضلا عن الفرض و الكهوف الجميلة التي كانت محفورة في أجرافه. و فيما وراء القصر كانت تقع مجموعة من البيوت تضم الحرم و الحاشية، مع مسجد صغير، و ثكنة كبيرة لحرس الخليفة و خيالتهم.

233

و كانت العناصر الكثيرة المختلفة التي يتكون منها القصر الجسيم بأجمعه مرتبة ترتيبا بديعا متناسقا، يتكون منه شكل‏ T بمقياس واسع يكون محوره الطويل المتعامد مع النهر منتهيا بحجر الجبهة الثلاث الغنية بالزينة و الزخرفة بالموزاييك.

و فيما حول قصر الخليفة كانت هناك بيوت سكن كثيرة الزينة، و كانت أفخم هذه البيوت و أكثرها تواضعا مبنية بتصميم واحد. فقد كانت مشيدة بطابق واحد، و تشتمل على سلسلة من الأقنية الداخلية و نافوراتها، و كانت تطل على هذه الأفنية الأواوين و غرف الاستقبال. و لقد تخلد هذا الطراز المعماري في بعض البلاد الشرقية الى يومنا هذا. و كانت الزينة الداخلية من أهم ما يميز هذا الطراز. فان تغليف الجدران بالخشب المحفور، و وجود الأفاريز، يميز على الدوام غرف الاستقبال و جميع غرف الدور في بعض الأحيان. و كانت الأفنية و الساحات الداخلية تزين كذلك أحيانا، لكن الجدران الخارجية لم تكن تزخرف مطلقا.

و قد كانت زينة الحفر بالخشب في قصور سامراء و بيوتها على نفس الدرجة من المهارة الفنية، و هي تعطينا فكرة راقية عن تقدم الفن و تطوره في تلك الفترة. الخ.

و كانت التغليفات الدقيقة تقام على طول الجدران في الغرف الى ارتفاع ثلاثة اقدام. و كانت تقام فوقها طاقات زخرفية، كما كانت اطارات الأبواب و الشبابيك مزينة كذلك. و كانت السقوف تزخرف بكورنيشات و أفاريز، تصنع معظمها من الجص المزخرف بدقة و الملون في بعض الأحيان.

و يكون شكل الزخرف و تصميمه عادة بأنواع و طرز كثيرة الاختلاف.

فبعضها بسيط، و بعضها معرق بعروق كبيرة خشنة الصنع، بينما تكون غيرها على جانب أكبر من الدقة. و كان بعضها ينحت في محله. بينما كان البعض الآخر يصنع في قوالب على حدة و يركب في الأماكن المطلوبة. غ

234

و لقد اقترح بعض المختصين تصنيف الزينة الزخرفية في سامراء الى ثلاثة أطرزة: 1-الزخرفة ذات الصبغة القبطية. و 2-الزخرفة ذات الصبغة الايرانية. و 3-الزخرفة ذات الصبغة العراقية. على ان كاتب البحث في دائرة المعارف يقول ان مثل هذا التصنيف غير دقيق و غير ناضج لأنه يؤدي الى ارتكاب الكثير من الخطأ. غير ان ما يمكن استنتاجه من دراسة هذه الأنواع الزخرفية في سامراء هو ان تأثيرات فنية مختلفة قد اجتمعت في هذه البقعة من آسية من دون ان تتضارب، أو أن يتفوق أحدها على الآخر.

فقد كانت سامراء مركزا ينجذب اليه عدد كبير من الصناع و الفنانين من جميع انحاء المعمورة بتأثير الثروة و مركز الخلافة. و بذلك أصبحت سامراء يومذاك بودقة انصهر فيها الفن الهيليني، و القبطي-السرياني، و الهندي-الايراني، فأنتج الفن الاسلامي العربي بوجه عام... و يبدو أن كاتب هذا البحث قد استمد هذه المعلومات من كتابات العلامة هرتسفيلد (1) ايضا.

لكن كتابا جليلا ظهر في السنوات الأخيرة عن الفن الاسلامي عامة باللغة الالمانية، و ترجم الى العربية، فيه اشارات مهمة لفن العمارة في سامراء، و الزخارف المعمارية المعروفة باسمها. و الدكتور كونل أستاذ في جامعة برلين، و عضو بمعهد الآثار الالماني و جمعية العلوم و الفنون، و مؤلف كتب عدة عن الفن الاسلامي و غيره ترجمت الى عدة لغات. و كان في سنتي 1931 و 1932 مديرا لأعمال الحفر الأثري لـ (جمعية طيسفون) التي قامت بالتنقيب يومذاك في منطقة طاق كسرى بسلمان باك.

و هو يقول في كتابه عن جامع سامراء الكبير: .. و يعد جامع سامراء المشيد في عهد المتوكل (846-852) أروع المنشآت ذات الأثر في تلك

____________

(1) Kuhnel,Ernst-Die Kunst Des Islam و قد ترجم هذا الكتاب الدكتور أحمد موسى تلميذ كونل، و طبعت الترجمة العربية بعنوان (الفن الإسلامي) دار صادر في بيروت سنة 1966.

235

الفترة. و قد أقيم على رقعة مستطيلة ضلعها الأكبر (260) مترا، و الأصغر (180) مترا، و كان سطحه بغير عقود، و يرتكز على دعائم مثمنة الأضلاع ترتبط بها أعمدة من الرخام. و حوله من الخارج سور ذو أبراج مستديرة كما في جوامع المعسكرات و الأربطة، و تقوم مئذنته الملوية خارج السور على هيئة برج حلزوني مصعدة من الخارج على غرار الأبراج البابلية المدرجة (الزقورات) و المنشآت الصينية في عهد تانج. و شيد في سامراء جامع أصغر قليلا هو جامع أبي دلف، و له برج مماثل و يرتكز سقفه على عقود مدببة تمتد عمودية حتى جدار القبلة..

ثم يقول بعد ذلك: و ما زال الجامع الرائع الذي بناه أحمد بن طولون في مدينة القطائع بمصر (877-879) في حالة جيدة، و هو على طراز جامع سامراء، و في مصلاه عقود مدببة قائمة على خمسة صفوف من الدعائم، و تندمج فيها أعمدة مبنية أيضا بالآجر.. و قد اقتبست بعض الكنائس الرومانية طراز تلك العقود المدببة.. و أقيمت مئذنته خارجه فوق قاعدة مربعة بمصعد داخلي، يتمشى حلزونيا مع درج خارجي.

و يقول كونل بالنسبة للقصور و المساكن: .. كما يرجح ان قصور الحكام تأثرت في تخطيطها بقصر معسكر اللخميين الذي كان قائما في الحيرة، و ضاع كل أثر له. و في مقدمة القصور التي تأثرت به قصر الأخيضر و قصر بلگوارا.

اما قصر بلگوارا فقد بناه الخليفة المتوكل لابنه المعتز بالقرب من سامراء، على غرار قصر الحيرة. و به عدة أفنية كبيرة متتابعة، و عدد من قاعات العرش المتعامدة ممتدة على طوله على هيأة أبهاء مكشوفة لها واجهات مؤلفة من ثلاثة عقود. و عن يمين وسطه و يساره تمتد أروقة بها عشرات من المساكن لكل منها فناء خاص. و ينتهي ذلك كله بحديقة تتجه نحو نهر دجلة ممتدة الى ما وراء السور الخارجي، و بها حوض ماء و مرسى للزوارق.. و في نحو سنة 880 أقيم على الضفة الغربية لدجلة قصر العاشق، و في داخله قصر أصغر كثيرا مماثل له في التخطيط. و ما زال باقيا من قصر الجوسق في سامراء بهو مدخل‏

236

منيف طويل.

و كانت بيوت الأفراد كلها من طبقة واحدة، و نمتد غالبا طولا بمحاذاة النهر، و عددها حوالي خمسين بيتا مبنية باللبن على غرار المساكن الجانبية بقصر بلگوارا. و هذا النظام نفسه كان يتبع في المساكن الكبرى، مع أبهاء مكشوفة ذات أعمدة و حجرات تحت الأرض تتصل بسراديب للالتجاء اليها صيفا. و كانت هذه البيوت كلها مزودة بالحمامات و المجاري‏ (1) .

و جاء في كتاب‏ (2) كونل عن «خزف سامراء» ان أعمال الحفر في سامراء كشفت عن قطع خزفية من العصر الاسلامي الأول، و مصنوعات زجاجية مختلفة. و كانت الكمالية المستعملة و قتذاك بعضها مصنوع محليا، و بعضها مستورد من شرق آسية. و هناك أدلة قوية على ان الخزف الصيني الأبيض و الخزف المعروف باسم سيلادون كانا يصنعان محليا و يصدران الى الخارج.

كما عثر على قطع حجرية من تانج مزججة تزجيجا منقطا، و على آثار أخرى صنعها الخزافون المسلمون على غرار قطع مستوردة، مع اتجاه جديد في الصناعة، و ابتكار للبريق المعدني الذي يكسب الميناء او المادة الزجاجية لمعانا معدنيا زخرفيا له تأثير بديع.

و كما استعملت هذه الطريقة في الأواني لتكسبها ألوانا براقة عديدة متجاورة استعملت في البلاطات التي كانت تكسى بها الجدران على هيئة مربعات لتزيين الجوامع و القصور. و لا شك ان البلاطات التي كسي بها محراب جامع القيروان جلبت من بغداد. و قد عم انتشار هذه الأواني في البلاد الاسلامية لاستعمالها بدلا من الأدوات المصنوعة من الذهب و نهى الاسلام عن استعمالها. و قد عثر على شظايا من هذه الأواني و الأدوات العراقية في مدينة الزهراء باسبانية، و في الفسطاط بمصر، و في سوسه و الري بايران. كما دخلت صناعة الخرف

____________

(1) الص 33 و 34 و 37 و 39-41 من الترجمة العربية.

(2) الص 41 من الترجمة العربية.

237

ذي البريق المعدني الى تلك الأقطار الثلاثة و الى سورية (1) .

الفنون الاسلامية في سامراء

يعتبر العصر الذي نشأت فيه سامراء، و عادت الى الاختفاء عن مسرح التاريخ، من العصور الاسلامية الزاهرة التي ازدهت بالمدنية العربية العباسية و طبق ذكرها الخافقين. فقد رافق النهضة العمرانية الجبارة، التي نشطت عندما قام خلفاء بني العباس بتشييد سامراء و قصورها، نهضة في فن العمارة و زخرفها و في الفنون الجميلة الأخرى بمختلف أنواعها و محالات عملها.

و لقد كتب عدد غير يسير من الغربيين عن ازدهار هذه الفنون في المدن و المراكز الاسلامية الكبيرة، و عن الابداع الذي حققه العرب و المسلمون في ميادينها المختلفة. و ليس بوسعنا في مثل هذا المبحث ان نلم بجميع ما كتب من هذا القبيل بالنسبة لسامراء و العصر الذي ازدهرت فيه فنونها، و انما سنقتصر هنا على ايراد ما جاء في مرجع اختصاصي مهم يعد من أهم ما كتب في الموضوع و هو كتاب «الفنون الاسلامية» الذي ألفه بالانكليزية الدكتور م. س. ديماند، أمين مجموعات الشرق الأدنى في متحف الميتروبوليتان في نيويورك، و نقله الى العربية أحمد محمد عيسى أمين مكتبة جامعة القاهرة، ثم نشرته دار المعارف في 1954 (2) .

و يبدأ الدكتور ديماند كتابه الجليل هذا بفصل عن ظهور الاسلام و انتشاره، و قيام الدول العربية و الاسلامية، فيتعرض إلى ذكر العباسيين في بغداد و سامراء حين يقول: .. و أنشأ العباسيون عاصمة جديدة لهم على دجلة هي بغداد، التي أصبحت مركزا مهما للعلوم و الفنون الاسلامية.. و أنشأ المعتصم العباسي

____________

(1) Die Ausgrabungen vou Samarra. Der Wandschmuck de Bauten von Samarra,und seine ornamentic) Berlin 3291 (.

(2) Dimand,M. S. -A Handbook of Muhammadan Art Hartsdale House 7491.

238

مدينة سامراء على بعد ستين ميلا شمالي بغداد، و كانت هي الاخرى مركزا و مقرا للخلفاء من سنة 836 الى ان هجرت فجأة في سنة 892 م.

ثم يأخذ بالبحث في الفنون المختلفة، فيذكر سامراء عند بحثه في موضوع التصوير و الرسوم الحائطية. فيبدأ بقوله‏ (1) ان معلوماتنا التاريخية عن فن التصوير الاسلامي في عصوره الأولى لا تزال قليلة، و لكننا نستطيع على الأقل ان نتصور مدى الرونق و البهاء في النقوش الحائطية في العصر الأموي و بداية العصر العباسي من الآثار القليلة التي اكتشفت في سورية و العراق و ايران.

و يبدو التأثير الايراني واضحا في العصر العباسي على الرسوم الحائطية في قصر من قصور سامراء يرجع الى القرن التاسع. و من أطرف هذه الرسومات ما وجد بجناح الحريم، و تضم مناظر راقصات و موسيقيين و حيوانات و طيور، تنحصر بين تفريعات نباتية و دوائر. غير ان الألواح الخشبية التي عثر عليها في هذا القصر تحوي رسوما بحتة، ذات أسلوب اسلامي خالص يشبه اسلوب زخارف سامراء الجصية، و قوام هذه الرسومات موضوعات نباتية ملونة بالألوان: الأبيض و الأزرق و الأحمر و الأصفر و تحدها حدود باللون الأسود.

و الظاهر أن رسوم الجدران في قصور سامراء قد تكونت منها طريقة خاصة صارت تعرف باسمها، و انتشرت في أنحاء الأمبراطورية كلها.

فيقول‏ (2) ديماند مثلا ان قصرا من القصور قد اكتشف في خوجو بالتركستان الروسية فوق تل يعرف باسم «تپة مدرسه» فوجدت فيها زخارف يأخذ بوصفها وصفا كاملا يقول في نهايته.. و تمثل زخارف هذه الحنيات أسلوب زخارف سامراء السابق ذكره، و القائم على الأساليب الأموية التي نراها واضحة فيما عثر عليه من تيجان الأعمدة الرخامية في مدينة الرقة، و كذلك في المنبر الخشبي لجامع القيروان، و في الأواني الايرانية البرونزية المحفوظة

____________

(1) الص 20 من الترجمة العربية.

(2) الص 39 من الترجمة العربية.

239

في متحف الهرميتاج، و ترجع كل هذه الأمثلة الى النصف الثاني من القرن الثامن أو أوائل القرن التاسع.

و حينما يبحث الدكتور ديماند في موضوع النحت على الحجر و الجص يتطرق الى ذكر سامراء بطبيعة الحال. فهو يقول‏ (1) ان النشاط الفني العظيم في العصر العباسي يقترن بنشأة مدينة بغداد، و بتأسيس مقر الخلافة الموقت في سامراء على نهر دجلة. و قد كشفت الحفائر التي أجراها في مدينة سامراء علماء الآثار الألمان باشراف صاره و هرتسفيلد عن مدينة عظيمة رائعة.

و المعروف ان المعتصم أنشأ هذه المدينة عام 221 (836 م) ، و كمل بناؤها و زاد اتساعها ثم هجرت في مدة قصيرة لا تتجاوز سبعة و أربعين سنة (836 -883) بقيت سامراء خلالها مقرا لثمانية من الخلفاء. و اشتملت المدينة على طرقات واسعة و مساجد جميلة و قصور و أسواق و ملاعب، و أحياء خاصة لسكنى أجناد الجيش التركي و عمال الدولة و سائر المواطنين. و جهّز قصر الخليفة كما جهّزت المنازل الخاصة بالحمامات و النافورات، و زينت جدران الغرف الرئيسة بالصور الحائطية، و غطيت الأجزاء السفلى من جدرانها بوزرة من الجص الى ارتفاع 40 بوصة. و فيما عدا حشوات قليلة أصيلة، فان جميع حشوات متحف برلين عبارة عن نماذج منقولة بالصب، نقلها رجال بعثة الحفائر في سامراء عن القطع الأصلية، و من نفس المواد التي عملت منها هذه القطع. ولدى متحف المتروبوليتان أربعة من هذه «القوالب» حصل عليها من متحف برلين.

و تدل أساليب زخارف سامراء الجصية على ثلاث مجموعات مختلفة، يتضح من المجموعتين الثانية و الثالثة ان الزخارف حفرت على الجدران، او على حشوات جصية منفصلة ثبتت بعد ذلك على الجدران، اما في المجموعة الأولى فقد صبت الزخارف في قوالب، و يمكن اعتبار اسلوب المجموعة

____________

(1) الص 92-95 الترجمة العربية.

240

الثالثة أقدم الأساليب جميعا، و تتكون زخارفه من تفريعات العنب و كيزان الصنوبر و المراوح النخيلية و أشكال الزهريات داخل تقسيمات هندسية و جامات سداسية الفصوص. و مع ان الزخارف هنا تعتمد على أساليب الزخرفة الأموية الا أن رجال الفن العباسيين ابتكروا أشكالا جديدة ذات مظهر زاخر رائع و من الخصائص المميزة للزخزفة في العصر العباسي هو عناية رجال الفن بابتكار العناصر الزخرفية و اختلاف عمق الحفر الذي نرى خير امثلته في منبر خشبي مهم بمسجد القيروان، و في حشوة خشبية من تكريت محفوظة بمتحف المتروبوليتان‏

اما المجموعة الثانية فتمتاز زخارفها بتجردها عن الطبيعة، و تتكون من اشكال زهريات و تفريعات هندسية، تحمل أوراقا نباتية دائرية او أشكالا مختلفة من المراوح النخيلية. و قد نحتت هذه الزخارف نحتا قليل البروز، و كسيت بأشكال معينة مضلعة.. و يتمثل في أسلوب المجموعة الأولى اكتمال تطور مبدأ خاص من مبادى‏ء الفن الاسلامي هو مبدأ تغطية الفراغ تغطية تامة.

و كادت تختفي الأرضية تماما في هذه المجموعة، أو اقتصرت على حزوز ضيقة نتيجة اتباع طريقة جديدة في الزخرفة. و أساس هذه الطريقة ان تنحت العناصر الزخرفية نحتا مائلا، و تتقابل حوافها بعضها ببعض في شكل زوايا منفرجة. و قد اتبعت هذه الطريقة أيضا في النحت على الحجر و الخشب و يطلق عليها عادة الاصطلاح المعروف بالنحت المشطوف او المائل. و تتكون الأشكال الزخرفية المجردة من مجموعة من التعبيرات قوامها تفريعات من التواريق النباتية و مقتبسات من المراوح النخيلية أضيفت اليها تحزيزات قليلة و خطوط قصيرة و نقط. و اشتملت تلك الأشكال أيضا على كثير من الزخارف التقليدية الاسلامية، و لكنها فقدت العناية بتفاصيلها حين استخدمت في هذا اللون الجديد من الصنعة. و شاعت طريقة النحت المشطوف هذه في عصر العباسيين، بل عرفت في عهد هارون الرشيد، و يمثلها في متحف المتروبوليتان تاج عمود جميل من المرمر.

و كان من عادة الولاة المسلمين استقدام مهرة رجال الفن و الصناعة من‏

241

الأقاليم المختلفة ليشيدوا لهم المدن و القصور و المساجد. و سبق ان ذكرنا انه عند تأسيس مدينة بغداد جمع الخليفة لها العمال من سورية و الموصل و الكوفة و واسط و البصرة و ايران. و لا بد من أن يكون هذا التقليد قد اتبع عند بناء سامراء، و يدل تعدد أساليب زخرفتها على كثرة الاتجاهات الفنية التي سادت العصر العباسي.

و قد اتبعت الأساليب الزخرفية في الحفر على الجص و الحجر أيام العصر العباسي في سائر الأقاليم الاسلامية. و دخل هذا الاسلوب مصر من العراق زمن الدولة الطولونية، اذ نرى اسلوب زخارف سامراء من المجموعتين الثانية و الثالثة واضحا في الزخارف الجصية بمسجد ابن طولون سنة 263 (876) . و شاعت بمصر كذلك طريقة النحت المائل التي لا حظناها في الزخارف العباسية. اما في ايران فيشاهد أحسن مثال للاسلوب العربي العباسي في الزخارف الجصية الزاخرة في مسجد نايين بالقرب من مدينة يزد، و هي زخارف من ورق العنب تذكر بالاسلوب الثالث من جص سامراء. و يظهر في نايين نوع من زخارف المراوح النخيلية يوضح اتجاها جديدا نحو المغالاة في زخرفة المسطحات. و تدل هذه التعبيرات الفنية على ان زخارف نايين متأخرة عهدا عن سامراء، و أنها ترجع الى أوائل القرن العاشر. و يقول ديماند بعد ذلك:

.. و قد استعار الفن العباسي فيما استعار من فنون الأمم الأخرى الأشرطة الزخرفية التي تحولت في اسلوبي سامراء و نيسابور الى أشكال زهرة اللوتس المثلثة، الموصولة بطيور او مراوح نخيلية. و تشبه زخارف نيسابور الجصية زخارف كل من سامراء و نايين، و لكنها تفصح عن تعبيرات و مبادى‏ء زخرفية جديدة.. و يحتمل ان ترجع معظم زخارف نيسابور الجصية الى أواخر المدة التي أعيد فيها بناؤها، اي بين سنتي 961 و 981 (بعد سامراء بحوالي مائة سنة) .. و هكذا تعتبر هذه الزخارف حلقة اتصال مهمة في سلسلة الزخارف الجصية الايرانية بين الاسلوبين العباسي و السلجوقي.

ج 1-سامراء (16) غ

242

و يعالج ديماند موضوع حفر الخشب أيضا فيتطرق الى ذكر سامراء بمناسبة الزخرفة التي يتناولها الحفر. فيقول‏ (1) ان الاسلوب العباسي المجرد يتمثل هنا في وجود زخارف من فروع العنب تحمل أوراقا نباتية متناهية في البعد عن الطبيعة، و كيزان صنوبر بدلا من عناقيد العنب.. و تزين مناطق أخرى من تلك الحشوات موضوعات مجردة تتكون من عدة تعبيرات مركبة يمكن اعتبارها الأصول الفنية لبعض العناصر الزخرفية للأسلوبين الثاني و الثالث من جص سامراء. و يعتبر منبر القيروان الذي يرجع الى عهد هارون الرشيد واحدا من روائع أمثلة الحفر على الخشب من مدرسة بغداد. و تدل زخارفه، كما تدل زخارف جص سامراء، على مهارة فائقة في اظهار التفاصيل و تنوع مستويات الحفر.. و يذكر ديماند بعد ذلك انه سبق له ان قال بأن للفنانين المسلمين في ختام القرن الثامن الميلادي اسلوبا زخرفيا يناسب طريقة الحفر الجديدة، و هي طريقة الحفر المائل أو-المشطوف-التي يغلب ان يكون أول ظهورها على الخشب. و يحتفظ متحف المتروبوليتان من هذا الاسلوب العباسي الجديد بمصراعي باب و حشوتين، من المحتمل ان تكونا جزءا من كتفي باب او من سقف منقوش. و لما كان العثور عليهما في تكريت فالمرجح ان تكونا قد جاءتا من مكان قريب من سامراء نفسها. و الحشوتان من أكبر و أكمل أمثلة الحفر على الخشب في تلك المنطقة.

اما في موضوع الخزف و صناعته الفنية فيقول‏ (2) الدكتور ديماند ان الفتح لبلاد الشرق الأدنى كان بداية عهد جديد في تاريخ فنون الخزف. و قد اتبع الخزافون المسلمون في أول الأمر الأساليب التقليدية التي سادت مصر و سورية و العراق و ايران، و لكن هؤلاء الفنانين أخذوا يبتكرون تدريجيا أساليب جديدة في زخرفة الخزف، و كانت لهم خلال القرن التاسع ابتكارات على جانب من التنوع، سواء في الزخارف أم في الألوان أم في الأساليب الصناعية.

____________

(1) الص 116 من الترجمة العربية.

(2) الص 164 المرجع السابق.

243

و أصبحت هذه الابتكارات من مميزات صناعة الخزف في العالم الاسلامي.

ثم يقول: و قد أمدتنا الحفائر الأثرية التي أجريت في مناطق مختلفة من البلاد الاسلامية مثل سامراء و الفسطاط و المدائن و الري و غيرها بمادة لها أهميتها بالنسبة لتاريخ الخزف في بداية العصر الاسلامي. و لما كانت سامراء قد أنشئت و هجرت بين عامي 836 و 883 فان الخزف الذي اكتشف في أطلالها يرجع بالتأكيد الى القرن التاسع، و بالتالي فانه يساعدنا على تاريخ الفخار المشابه له في بعض البلاد الأخرى.

و يقول ديماند ان الخزف العباسي ذا اللون الواحد يمكن تقسيمه الى مجموعتين: الأولى و تشتمل على جرار كبيرة مغطاة بدهن براق أزرق و أخضر، اما زخارفها البارزة المكونة من أشرطة و تفريعات نباتية فمصنوعة بطريقة الصب بالقرطاس، و هي الطريقة التي اتبعت عادة في زخرفة الفخار غير المدهون. و تتكون المجموعة الثانية من أوان أكثر رقة، فتشتمل على صحون صغيرة و أكواب و أوان أخرى من بينها زمزميات ذات حليات زخرفية بارزة مغطاة بطلاء أخضر براق. و تتألف زخارف ما عثر عليه من الأواني في سامراء من رسوم هندسية و نباتية و أوراق محوّرة. و ينسب الى المجموعة السابقة عدد من الأواني الصغيرة، معظمها صحون مغطاة بطلاء أصفر من أملاح الرصاص له بريق ذهبي يعتبره بعض المختصين بريقا معدنيا حقيقيا، و يعتبره البعض الآخر بريقا قزحي اللون. و يحتمل ان يكون بعض ما عثر عليه من القطع الخزفية في سامراء و المدائن و الفسطاط ذا بريق معدني حقيقي ناتج من تلوين طلائها بأملاح الحديد و الأنتيمون.

و يتطرق‏ (1) هذا البحث الى صناعة الفخار المدهون ذي الزخارف المحزوزة كذلك، فيشير الى أن هذا الفخار و زخرفته قد كثر استعماله، مع بقع و تعريقات باللون البني المصفر و الأخضر الأرجواني الفاتح تقليدا للأواني

____________

(1) الص 166 المرجع نفسه.

244

الصينية التي استوردها العباسيون، و عثر على قطع منها في عدة أماكن من بينها سامراء و المدائن و نيسابور. و قد اكتشفت بشرق العالم الاسلامي، مثل سامراء و المدائن وسوس و سمرقند، كميات كبيرة من هذا النوع من الخزف الذي يرجع الى ما بين نهاية القرن الثامن و العاشر الميلادي. و كان بعض ما عثر عليه من الأواني متقنا الى حد كبير، و البعض الآخر مشوها في رسومه.

و تحت عنوان «الخزف ذو الزخارف المرسومة بالبريق المعدني» يقول‏ (1) الدكتور ديماند أنه عثر على الخزف العباسي بالعراق في كثير من الأماكن مثل سامراء و المدائن، و في ايران في مدينة سوس و الري بوجه خاص، و في مصر في أطلال مدينة الفسطاط. و يعتبر الخزف العباسي المحلى بزخارف من البريق المعدني من أجود منتجات الخزف في العالم الاسلامي كله، فان صناعة البريق المعدني كانت من الابتكارات العظيمة التي اهتدى اليها الخزافون المسلمون في القرنين الثامن و التاسع.. و يصنع هذا النوع من الخزف عادة من طفل أصغر نقي مغطى بطبقة غير شفافة من المينا القصديرية ترسم عليها الزخارف بالأكاسيد المعدنية بعد حرقها للمرة الأولى. ثم تحرق للمرة الثانية حرقا بطيئا جدا تحت درجة حرارة أقل من الأولى، تتراوح بين 500 و 800 فهر نهايت و عندئذ تتحول الى الأكاسيد المعدنية باتحادها مع الدخان الى طبقة معدنية رقيقة جدا. و يصبح بريق اللون المعدني المتخلف اما ذهبيا أو أحد أطياف اللونين البني او الأحمر. و لم ينته القرن التاسع حتى صار الخزفيون المسلمون سادة تلك الصناعة التي اقتصر أمرها على الشرق الأدنى. و قد أخرجت لنا حفريات سامراء التي قام بها كل من صاره و هرتسفيلد بعضا من أروع أمثلة الأواني ذات البريق المعدني و هذا ما دفع البعض الى القول بأن صناعة البريق المعدني عراقية الأصل.

____________

(1) الص 174 المرجع نفسه.

245

.. و قد وجدت أنواع من الخزف ذي البريق المعدني المتعدد الألوان بايران في السوس و الري و كذلك في مصر، و لكن خير ما يعرف منها ما اكتشف منها في سامراء نفسها.. و يعتبر الخزف العراقي ذو البريق المعدني الذي يرجع الى العصر العباسي و الذي اكتشف في سامراء أحسن ما وصلنا من هذا النوع، و ذلك الى جانب ما أمدتنا به المدائن من أمثلة كثيرة جميلة منه. و يفوق ما صنع للخلفاء العباسيين بسامراء (836- 883) من خزف ذي بريق معدني جميع أنواع الخزف الاسلامي البراق في ما تلا ذلك من العصور، من حيث جمال شكله أو بهجة ألوانه. و قد رسمت زخارف خزف سامراء بعدة ألوان أو بلون واحد هو الأصفر الذهبي أو الذهبي المخضر، أو البني فوق طبقة من المينا القصديرية.

و تعد القطع المتعددة الألوان، أجمل ما أنتجته سامراء من أنواع الخزف ذي البريق المعدني. و نرى في مجموعة منه اللون الذهبي، و الأخضر الزيتوني، و الأخضر الفاتح، و البني المائل الى الحمرة. اما زخارفه العباسية الاسلوب فتتكون من تفريعات نباتية بها تعبيرات زخرفية على هيئة الأقماع، و أشكال أزهار بعيدة عن الطبيعة و تواريق متنوعة و مراوح نخيلية ثلاثية الفصوص، و مراوح نخيلية مجنحة، ثم زينته هذه الموضوعات و ما بينها من فراغ بتهشيرات تشبه قطع الفسيفساء من أشكال المعينات و الفروع النباتية و الدوائر المنقطعة.

و يقول‏ (1) ديماند كذلك في هذا الشأن أن أواني سامراء ذات البريق المعدني تشبه بلاطات فاخرة ذات رسوم من لون واحد أو عدة ألوان (الذهبي و الأصفر الطفلي و البني المحمر) و هي بلاطات محراب مسجد سيدي عقبة في مدينة القيروان بتونس. و تذكر لنا المراجع العربية انها استوردت، و معها المنبر الخشبي المشهور الموجود بالجامع، من بغداد على الأرجح. و قد أيدت حفريات سامراء تأييدا حقيقيا ما تذكره المراجع العربية. و لا بد من ان

____________

(1) الص 177 المرجع نفسه.

246

تكون بلاطات جامع القيروان من صناعة بغداد لأنها تسبق بتاريخها خزف سامراء. و لما كانت سامراء مقرا موقتا لخلفاء بني العباس فيمكن اعتبارها فرعا للمدرسة العراقية في صناعة الخزف ذي البريق المعدني الذي كانت بغداد مركزه الرئيسي. و تدل الزخارف الغنية و التنوع الكبير في رسوم بلاطات محراب جامع القيروان على مقدار تفوق العراق في صناعة الخزف ذي البريق المعدني في النصف الاول من القرن التاسع.

و يسترسل الدكتور ديماند في هذا البحث الشيق فيقول ان هناك مجموعة أخرى تفوقت على بلاطات جامع القيروان، و هي من خزف سامراء، مرسومة ببريق معدني ياقوتي اللون يوجد في أغلب الأحيان مع اللون الأصفر و الأخضر و الذهبي و الأرجواني. و لم يقتصر مثل هذا الجمع بين الألوان الفنية على الأواني حسب بل وجد كذلك على بلاطات استخدمت في تزيين قصر سامراء. و كانت في متحف برلين أمثلة منها على جانب عظيم من الجمال.

و يزين بعض هذه التربيعات رسم ديك داخل اكليل على أرضية صفراء مرمرية.

و في بحث «الخزف ذو الزخارف المرسومة فوق الدهان» يذكر (1) الاستاذ ديماند ان من انواع الخزف العباسي الجميل نوعا رسمت زخارفه فوق الدهان باللونين الأزرق و الأخضر، و عثر عليه في سامراء وسوس و الري و قد صنع هذا النوع من الخزف، مثلما صنعت الأواني العباسية ذات البريق المعدني، من طفل أصفر نقي مغطى بطبقة من المينا القصديرية اللون، و يدخل هذا النوع في ضمن خزف سامراء. و تحتوي زخارفه على كتابات كوفية باللون الأزرق مع بقع حمراء، كما تحتوي على أشكال من الأوراق النباتية أو السيقان المزهرة ذات المراوح النخيلية بطريقة سريعة باللون الأزرق او الأزرق مع الأخضر.. و قد أمدتنا حفريات نيسابور بأمثلة عديدة من الخزف الذي صنع بشرق ايران تقليدا لخزف العراق.

____________

(1) الص 179 المرجع الأخير.

247

و يتطرق كتاب ديماند الى البحث عن الخزف غير المدهون كذلك. و هنا أيضا يأتي ذكر سامراء العباسية حينما يشير المؤلف الى انه قد وصلتنا عدة أمثلة مزخرفة من هذا الخزف من سامراء و المدائن و نيسابور. كما يشير كذلك الى ان هناك مجموعة أخرى من الخزف غير المدهون، عملت زخارفه بواسطة أختام مستديرة او غير مستديرة. و تشتمل زخارف الأختام على رسوم حيوانات و طيور و أشكال آدمية و وريدات و كتابات كوفية. و قد وجدت أمثلة هذا النوع في بلاد العراق، و وجدت في سامراء أمثلة عديدة من هذا الخزف ذات رسوم حيوانية ترجع الى القرن التاسع.. و يبدو مما عثر عليه بسامراء من أمثلة هذا النوع ان زخارف الأواني الخزفية غير المدهونة أقل جودة و اتقانا في القرن التاسع عن مثيلاتها في القرنين الحادي عشر و الثاني عشر.

و يأتي ذكر سامراء بعد هذا في معرض البحث عن «الخزف الاسباني المغربي» حيث يقول‏ (1) ديماند أنه قد وجد في مدينة الزهراء بالأندلس بقايا من قطع الخزف ذي البريق المعدني، ذات صلة بما عرفناه من خزف سامراء و غيرها من بلاد العراق، و ليس ببعيد ان يكون مستوردا من تلك البلاد.

و هناك فصل‏ (2) ممتع في كتاب الدكتور ديماند عن «الزجاج و البلور» :

يقول فيه أن أواني سامراء الزجاجية المصنوعة في القرن التاسع يتضح منها ان أشكالها كانت استمرارا لأشكال الأواني الساسانية التي كشف عنها بالمدائن و كش. ثم يقول في مكان آخر ان من الأساليب القديمة المعروفة نقش الزجاج و حفره اما باليد أو بواسطة عجلة خاصة بذلك، و ان ما وجد في مصر و سورية من الزجاجات و الأباريق من هذا النوع بسيط جدا في زخارفه.. على اننا نرى في القطع المنسوبة الى سامراء في القرن التاسع تقدما ملحوظا في زخارفها المحفورة.. و قد عثر في سامراء كذلك على مجموعة عظيمة الأهمية من بقايا قطع الزجاج البلوري النقي من القرن التاسع تزينها زخارف محفورة حفر

____________

(1) الص 227 المرجع الأخير.

(2) الفصل الحادي عشر، الص 230.

248

غائرا. و يمكن اعتبار هذه المخلفات العباسية، على قول الدكتور لام، من انتاج العراق، و يحتمل ان تكون من انتاج بغداد بالذات لما ذاع عنها من شهرة في صناعة الزجاج ذي الزخارف المقطوعة. و لنا كذلك ان نعتبر تلك المخلفات العباسية مصادر فنية لهذا النوع ذاته في العصر الفاطمي.

و يأتي ذكر سامراء بعد هذا (الص 249 من كتاب ديماند) في بحث «النسيج المصري زمن العباسيين و الطولونيين» حين يقول الدكتور ديماند ان شهرة دور الطراز في مصر قد ذاعت بما انتجته من المنسوجات الكتانية و الحريرية التي كانت تصدر منها في العهد الاسلامي الى البلاد العربية الأخرى مثل سورية و العراق و غيرهما. و قد وجدت في سامراء قطعة نسيج كتانية من القرن التاسع، عليها كتابة مطرزة بالحرير الأحمر تدل على أنها صنعت بمدينة تنيس قرب بورت سعيد.

هذا و الملاحظ ان الدكتور فيليب حتي يشير في كتابه‏ (1) «تاريخ العرب» لمنشور بالانكليزية كذلك الى الفنون و الصناعات الاسلامية في مناسبات عدة، لكن بصورة مقتضبة. فيذكر مثلا أن باني سامراء، الخليفة المعتصم، قد مر بأن تزين جدران قصره برسوم كلسية تمثل نساء عاريات و مناظر صيد مختلفة، كما فعل قصير عمره قبله، و لعل ما وجد من هذا القبيل كان من صنع لفنانين المسيحيين. و استخدم من بعده المتوكل، الذي بلغت سامراء على عهده الأوج في عظمتها، رسامين بيزنطيين لزخرفة الجدران في قصوره.

لم يتورع هؤلاء عن ادخال صورة من صور الكنائس و الرهبان بين الصور التي رسموها. و يستند فيليب حتي في هذا الخبر على مقال لأرنست هرتسفيلد شره في احدى المجلات الالمانية سنة 1927.

و يتطرق الدكتور حتي كذلك الى صناعة الصيني و الخزف عند العرب

____________

(1) Hilli,Philip K. -History of the Arabs,Macmillan,) London 7391.

غ

249

فيقول‏ (1) ان من بين النفائس الموجودة في متحف اللوفر، و المتحفة البريطانية و متحف الآثار العربية في القاهرة، قطعا فنية رائعة من صنع سامراء و الفسطاط مثل الصحون و الأكواب و المزهريات و الجرار و الأسرجة، المصنوعة للبيوت و المساجد. و قد زينت هذه جميعها بزخارف ذات بريق معدني أخاذ أو كسيت بطبقات معدنية دقيقة ذات صبغات قزحية. و يذكر، في صدد البحث عن المباني التي أنشأها أحمد بن طولون في مصر، ان هذه المباني كانت متأثرة الى آخر حد بفن العمارة المعروف في سامراء التي قضى معظم أيام صباه فيها. و ان شطرا كبيرا من القرآن الكريم قد نقشت آياته بخط كوفي جميل على الأفريز الخشبي الممتد حول داخلية جامع ابن طولون-كما يقول‏ (2) بالاضافة الى ذلك ان المعتصم يعزى اليه تأسيس معامل جديدة للزجاج و الصابون في سامراء و بغداد، قد أمر بتأسيس معامل للورق فيها أيضا.

هذا و هناك مراجع‏ (3) ثلاثة أخرى عن الفنون الاسلامية، كتب أصحابها عن سامراء و فنها المعماري بصورة مقتضبة، لكن مرجعنا المذكور في أعلاه يعتبر أكثرها فائدة و أحدثها في المعلومات و الاحاطة.

خلفاء سامراء

كانت سامراء، برغم ما صرف على تشييدها و انتقال مقر الخلافة اليها من مال و جهود، قد قدر لها أن تكون قصيرة العمر و ان لا يطول امد الخلافة فيها الا مدة لا تكاد تبلغ الخمسين سنة و نيف (833-882) .

فقد تربع على كرسي الخلافة العباسية الذي انتقل اليها خلفاء ثمانية فقط، لم يكن أكثرهم سوى آلات مسيرة بأيدي القواد الأتراك، الذين استفحل أمرهم

____________

(1) الص 423 المرجع الأخير.

(2) الص 347 المرجع الأخير.

(3) Migeon,Gaston-Manuel d`Art Musulman) Paris 7291 (. Kuhnel,Ernst-Islamishe Kleinkunst) Berlin 5291 (. Gluck,Heinrich Diez,Ernst-Die Kunst des Islam) Berlin 5291 (.

250

بحيث كانوا يعزلون هذا الخليفة و ينصبون غيره بكل ما في هاتين العمليتين من إذلال و اهانة. و من يدري فلعل ما أصاب المتوكل و أبناءه من هذا التنكيل:

و ما حل بقصورهم و مرابعهم من خراب و تهديم قبل ان يتمتعوا بها زمنا طويلا، لم يكن الا عقابا من اللّه العزيز القدير، على ما يقول بعض المؤرخين لكونهم انتهكوا حرمة الحسين أبي الشهداء و أبنائه و اضطهدوا آل البيت النبوي الكريم في كل مكان.

و قد كتب عن هؤلاء الخلفاء عدد يسير من مؤرخي الغرب و كتابهم، من مثل بروكلمان الألماني، و دائرة المعارف الاسلامية، و سيتون لويد (1) :

و غيرهم. على ان خير من كتب من هؤلاء بصورة موجزة مفيدة المستر ريتشارد كوك في كتابه المعروف «بغداد مدينة السّلام» (2) . فهو يبدأ بتولي المعتصم ثالث من يتولى الخلافة من أبناء الرشيد و يقول انه سكن في بداية أمره «الجعفري» قصر الوزير جعفر البرمكي القديم في الجانب الشرقي من بغداد، لأنه كان مسكن أخيه المأمون الرئيس من قبل. ثم بنى لنفسه قصرا خاصا في المخرم و ترك الجعفري لبوران أرملة المأمون العجوز. على أنه قرر بعد ثلاث سنوات ان يتحرك حركة أخرى كان من نتيجتها ان تحرم بغداد من وجود الخلافة فيها مدة تبلغ ستا و خمسين سنة. فقد كان العباسيون يعتمدون في تسيير شؤون الأمبراطورية و ضبطها على أناس من أقوالم غريبة، و كان حرسهم الخاص منذ البداية يتألف من جنود ينتمون الى مختلف الأمم الشرقية و من الأتراك وحدهم بعد ذلك. و قد استعصى أمر هؤلاء في النهاية حتى أصبحوا أشبه ما يكون بالحرس «الپريتوري» ، فضج البغداديون من تصرفاتهم الشائنة و سوء سلوكهم. فقرر المعتصم في أحد الأيام ان يأخذ بمشورة قواده الأتراك و ينقل مقر الحكومة عن بغداد. فوقع اختياره الأول على مكان

____________

(1) Lloyd,Seton-Twin Rivers,Oxford Un. Press,3491.

(2) Coke,Richard-Baghdad the City of Peace) London 5391 (. الص 90-97.

251

يقع في أعالي النهر يسمى «القاطول» ، ثم غير رأيه بعد هذا فانتخب موقع سامراء، و هي من البلدان التي كانت موجودة قبل الفتح العربي للعراق بالقرب من القصر الصيفي الذي شيده الرشيد له من قبل. و قد بقيت الحكومة في هذا المكان خلال مدة حكم المعتصم و أخلافه السبعة. و منذ ذلك الوقت فصاعدا لم يعد للمعتصم أي اتصال مباشر بمدينة السّلام، عدا ما قام به بعد ذلك من ارسال البوابة الحديد الكبرى التي اقتلعها جنده المنتصر في حصار عمورية.

و قد استخدمت هذه البوابة بعد ذلك في تزيين قصور الخلفاء عند عودتهم الى بغداد من سامراء.

و قد توفي المعتصم سنة 842 فأعقبه ابنه هارون في الخلافة، و لقب بالواثق باللّه. و مما يجدر ذكره هنا ان هذا الخليفة هو محور المؤلف الرومانتيكي المشهور الذي ألفه الكاتب الانكليزي بيكفورد. و كانت شؤون الخلافة مستقرة و مزدهرة في عهده، لكنه عاش مدة قصيرة لم تؤهله لترك طابع معروف في ادراتها. و يعتبر موته في العادة نهاية العصر الذهبي الذي عاشت فيه الدولة العباسية.

و كان خلفه، أخوه جعفر، الذي تلقب بالمتوكل على اللّه، متطرفا في تأييده لعقيدة السنة، فألغيت بأمر منه في الحال جميع الأنظمة و التعليمات التحررية التي صدرت في عهد أسلافه. و بدأت فترة من حكم الارهاب الذي أصابت شروره الشيعة و المعتزلة و اليهود و النصارى على سواء. و أخذ أتباع أحمد بن حنبل يرهبون الناس في بغداد فكان ذلك بداية القصة الطويلة للفتن الدينية، و عدم التسامح، التي فعل تأثيرها السي‏ء في الأخير فعله في مصير مدينة السّلام المحزن. و مما حدث من هذا القبيل ان السكيت، الشاعر الشيعي المعروف و الشخصية المرموقة في أيامه تصدى له الحرس الأتراك فقتلوه ذات يوم ركلا و رفسا بالأقدام. كما صدرت مراسيم خاصة باجبار النصارى و اليهود على لبس لباس خاص بهم و معاناة أنواع أخرى من الاهانات.

و لقد كانت شخصية المتوكل من أسوأ الشخصيات و أنحسها، حتى أطلق عليه‏

252

اسم «نيرون العرب» . و لما كان بحالة سكر دائم صارت سيطرته على أمور الدولة و شؤونها تتضاءل يوما بعد يوم حتى أدى به الأمر الى أن أقدم على اغتياله الحرس الأتراك بالتواطؤ مع ابنه أحمد، الذي أعقبه في الحكم باسم «المنتصر باللّه» . و كان هذا رجلا عادلا رؤوفا بالناس، لكنه قتل بعد فترة من الحكم دامت ستة أشهر فقط فأعقبه رجل من أبناء عمه يسمى أحمد كذلك، و تلقب بلقب «المستعين باللّه» . و ما حل هذا الوقت حتى أصبحت السلطة في العاصمة بأيدي القواد الأتراك، و باتت الأقاليم وقفا على الحكام من أبناء الأسر الحاكمة فيها التي كان يكاد يقتصر ولاؤها لسامراء على دفع الخراج السنوي فقط.

و قد اضطربت أحوال الثغور الشمالية من جديد، و صار اليونانيون يتجاوزون على الأقاليم الواقعة على الحدود بصورة مستمرة. فسرعان ما وجد المستعين نفسه، و هو على شي‏ء من الجرأة، في وضع غير محتمل و أخذ يفكر في وسائل ينقذ فيها العرش من تعسف الأتراك العابثين. و لذلك عوّل على مؤازرة العرب له وفر هاربا من سامراء الى بغداد التي عادت فأصبحت مقرا موقتا للخليفة من جديد. فرد عليه الأتراك بتنصيب خليفة مناوى‏ء له في عرش سامراء، و هو ابن من ابناء المتوكل اسمه محمد، و لقب «المعتز باللّه» . على ان المستعين و مؤيديه أخذوا في الوقت نفسه يعدون العدة للدفاع عن أنفسهم في بغداد.

و لأجل ان يقف في وجه الجيش التركي الذي عرف أنه سيتعقبه من سامراء لا محالة، عمد المستعين في الحال الى تشييد سور مدور حول المدينة بأسرها فدخلت جسور بغداد الثلاثة في داخله. فبلغت تكاليف السور الجديد و ما يتبعه من تحصينات حوالي (000,350) دينار من الذهب، او ما يعادل (000,160) باون استرليني اليوم. و حينما وصل الجيش الأتراك الرئيس من سامراء خيم في العراء خارج باب الشماسية، و وجهوا هجماتهم الرئيسة على محلات بغداد الشمالية في كلا الجانبين. و قد استعملت المدفعية بكثرة لدى الفريقين، على شكل عرادات و مجانيق ثقيلة ركبها المدافعون من الأسوار