موسوعة العتبات المقدسة - ج12

- جعفر الخليلي المزيد...
336 /
253

نفسها. و استقام الحصار عدة أشهر من دون أن يؤدي الى نتيجة تذكر، كما وقعت اشتباكات عامة عديدة في خارج الأسوار أبدى سكان المدينة المحاصرة فيها كثيرا من البطولة و الاستبسال. و كان المستعين قد وعد بوصول نجدات عاجلة له من ايران، لكنه اعتمد في الدرجة الأولى على أمله في جمع شمل العرب من حوله مرة أخرى للدفاع عن حقوقهم القومية، غير أن أمله هذا كان عديم الجدوى لأن القوات العربية التي تجمعت في الأنحاء سرعان ما شتت شملها الأتراك من دون أية صعوبة. و بهذا انتهى الدور الذي كان يلعبه العرب في الشؤون الأمبراطورية انتهاء قاطعا، و لم يبق لهم أي تأثير في مصائرها.

و لقد نفد صبر القوات التركية في هذا الحصار الطويل فعزموا على القيام بضربة حاسمة. و لذلك بادروا الى تطويل خطوط الهجوم من الشرق و الغرب:

و شنوا هجوما عاما من باب خراسان الى باب الأنبار الكائنة في السور الجديد بالقرب من محلة الحربية حيث يخرج الطريق الرئيس الى سورية. و بصدفة حسنة لهم احترق الجسر الشمالي من جسور بغداد، و في خلال الفوضوية التي أعقبت ذلك، و ربما بخيانة حصلت في الأوساط العليا، استطاع المهاجمون الدخول الى المدينة و انتهى الأمر بسرعة، فقد هرب المستعين و قبض عليه فيما بعد و قتل، و عاد الأتراك منتصرين الى سامراء.

و مع ان الحزب السامرائي، و الحرس الأتراك، قد انتصروا انتصارا موقتا في هذا الكفاح فان سطوتهم قد أخذت تتدهور بوجه عام.. فبعد فترة قصيرة، تعرف من الناحية السياسية بتصدع جبهة الأتراك أنفسهم، قتل المعتز أيضا في 869 لعجزه عن تلبية ما كان يقدمه الأتراك من طلبات فاحشة.

فتربع على دست الخلافة ابن من أبناء الواثق لقب «المهتدي باللّه» . و لما كان المهتدي رجلا يتصف بالنشاط و القابلية فقد بدأ بتسنمه العرش عهد انتعشت فيه الخلافة، لكنه قتل في (870) بسبب آرائه الاصلاحية. و كان قد عرف بكونه آخر خليفة ترأس بنفسه محكمة الاستئناف. فأعقبه رجل من أبناء المتوكل‏

254

بلقب «المعتمد على اللّه» . غير ان السلطة في زمانه كانت بيد أخيه الموفق في الدرجة الأولى. و قد جعل الموفق، و هو العسكري المقتدر، مقره في بغداد ليكون أقدر على النضال ضد حركة الزنج في العراق الجنوبي. فأعاد هذا الترتيب كثيرا من أعمال الحكومة الى بغداد برغم بقاء الخلافة اسميا في سامراء.

و قبيل ان يقضي المعتمد نحبه أعلن للملأ عن عزمه على نقل مقر الحكومة الى بغداد مرة أخرى، و ربما كان ذلك بمشورة من أخيه الموفق. و كان قبل سنوات قد زار بغداد من عاصمته سامراء زيارة رسمية فنزل في الجعفري الذي كانت تسكنه بوران أرملة المأمون التي كانت قد تجاوزت الثمانين من عمرها. و حينما قضت نحبها جعل هذا القصر مسكنا رسميا للخليفة، و فيه نزل المعتمد عند ما نقل عاصمته من سامراء و هناك قضى نحبه بالسم الذي دسه اليه ابن أخيه الموفق بالتواطؤ مع الحاجب التركي مشكير. فتولى الخلافة بعنوان «المعتضد باللّه» .

و نرى من المناسب هنا أن نورد ما يذكره المؤرخ الألماني بروكلمان في (تاريخ الشعوب الاسلامية) عن بعض خلفاء سامراء، و نعتبره تعليقا على ما مر ذكره من قول ريتشارد كوك، لما فيه من معلومات أخرى. فهو يقول‏ (1) :

و لم يستطع المنتصر قاتل أبيه ان يحافظ على العرش أكثر من ستة أشهر، بذل خلالها جهودا عقيمة لاستخلاصه لنفسه عن طريق اكراه أخويه المعتز و المؤيد، على التنازل عن ولاية العهد، و من طريق محاسنة العلويين. و بعد أن قتله الأتراك بالسم رفعوا الى العرش ابن أخي المتوكل أحمد المستعين باللّه حتى اذا حكم أربع سنوات لا غير، فقد سلطته التي كانت قد تقلصت فعلا الى طيف من الخيال بسبب النزاع المستمر بين أمراء الجيش الأتراك.

فقد اضطر بغا، الذي كان له فضل تنصيبه خليفة، الى ان يفر معه من وجه

____________

(1) الص 214 من الترجمة العربية.

255

الخصوم الى بغداد، في حين رفع المعتز الى عرش الخلافة في سامراء. و حاول محمد بن عبد اللّه بن طاهر الذي كان المستعين قد عينه أميرا على العراق و المدينتين المقدستين ان ينجد سيده المحاصر في بغداد، و لكنه لم يلبث بعد خلاف نشب بينه و بين بغا ان انقلب عليه، و هكذا لم يعد في ميسور المستعين ان يثبت في بغداد، فاضطر الى خلع نفسه في كانون الثاني سنة 866 ليقتل في تشرين الأول من السنة نفسها في واسط.

و حاول المعتز ان يتخذ من حرسه المغاربة أداة لمقاومة الأتراك الذين كان لهم على كل حال الفضل في ارتقائه كرسي الخلافة. و لكن الأتراك لم يلبثوا بعد ثلاث سنوات و نصف ان خلعوه عن العرش لعجزه عن سد حاجتهم الملحة الى المال. و الحق ان خلفه محمد المهتدي باللّه ابن الواثق سعى عبثا الى اجتناب مصير أسلافه، فاختصر نفقات القصر الملكي لكي يعيد الى الجهاز المالي المضطرب شيئا من النظام الذي فقده. و أيا ما كان، فقد قتل في معركة ضد موسى بن بغا، و هو لما يتم السنة الأولى من ولايته.

و نضيف الى هذا ما جاء في تاريخ ابن العبري‏ (1) عن الخليفة ابن المعتز، لما فيه من غرابة و طرافة في الوقت نفسه. فقد جاء فيه: .. فلما بايع المستعين للمعتز وجهه الى البصرة و منها الى واسط و تقدم بقتله و حمل رأسه الى المعتز فقال ضعوه حتى أفرغ من الدست. فلما فرغ نظر اليه و أمر بدفنه. و في هذه السنة حبس المعتز المؤيد أخاه ثم أخرجه ميتا لا أثر فيه و لا جرح، فقيل أنه أدرج في لحاف سمور و أمسك طرفاه حتى مات.. و في سنة 255 صار الأتراك الى المعتز يطلبون أرزاقهم فماطلهم بحقهم، فلما رأوا انه لا يحصل منه شي‏ء دخل اليه جماعة منهم فجروا برجله الى باب الحجرة و ضربوه بالدبابيس و أقاموه في الشمس في الدار و كان يرفع رجلا و يضع رجلا لشدة الحر. ثم سلموه الى من يعذبه فمنعه الطعام و الشراب ثلاثة أيام ثم أدخلوه

____________

(1) الص 146 و 147 من تاريخ مختصر الدول لابن العبري طبعة 1958 بيروت.

غ

256

سردابا و جصصوا عليه فمات. و كانت خلافته من لدن بويع بسامراء الى أن خلع اربع سنين و سبعة أشهر (و كان عمره 24 سنة) .. و بعد قتل المعتز طلبت أمه الأمان لنفسها فأمنوها و ظفروا لها بخزائن في دار تحت الأرض و وجدوا فيها ألف ألف دينار، و ثلاث مئة ألف دينار، و مقدار مكوك زمرد و مقدار مكوك من اللؤلؤ الكبار و مقدار كيلجة من الياقوت الأحمر. و كان طلب منها ابنها المعتز مالا يعطي الأتراك فقالت: ما عندي شي‏ء. فسبوها و قالوا: عرضت ابنها للقتل في خمسين ألف دينار و عندها هذا المال جميعه.

ما كتبه السرجون غلوب عن خلفاء سامراء

و في الكتاب‏ (1) الذي كتبه السر جون غلوب (غلوب باشا) بعنوان:

(امبراطورية العرب) بحث طريف، فيه الكثير من العبر، عن هؤلاء الخلفاء. فهو يكتب عن الخليفة المعتصم و نشاطه اولا، و عن الواثق و المتوكل ثانيا. و يحلل تحليلا رائعا ثورة بابك الخرمي في ايران على الخلافة الاسلامية في بغداد و سامراء، و حملة المعتصم على عمورية و فتحها. كما يحلل وضع المتوكل و أحواله الذي أدت الى ان يتواطأ ابنه المنتصر مع بعض الأتراك على قتله.

فهو يقول عن المعتصم، بعد ان يذكر ما يذكره غيره من المؤرخين عن استفحال وضع الأتراك في بغداد و عزم المعتصم على نقل العاصمة الى سامراء بسببهم، انه لما كان مولعا بتشييد الأبنية و الزراعة فقد انصرف بكل ما عنده من نشاط الى تشييد القصور، و انشاء الحدائق، و غرس البساتين:

و تنظيم المزارع، لعاصمته الجديدة. و كان هو رجلا ذا قوة جسمية عظيمة، و شكل مؤثر في النفس، و شجاعة شخصية فائقة. على أنه كان الى جنب ذلك

____________

(1) Glubb,Sir John-The Empire of the Arabs) London 3691 ( الص 343-45 و 353 و 356-57.

257

قليل الثقافة و التعلم، على نقيض ما كان عليه أخوه المأمون.

ثم يأتي على قصة بابك الخرمي و ثورته و يقول أنه اعلنها على الفوضوية التي انتشرت بسبب النزاع الذي احتدم بين الأمين و المأمون، و ما آل اليه من قتل الأمين. و لم تستطع الحملات التي شنت عليه اخضاعه و القضاء على ثورته حتى جاء المعتصم و عزم على حسم الأمر و تصفيته، فكلف قائده حيدر الأفشين بالأمر فتم له ذلك و جي‏ء ببابك مكبلا الى سامراء. و في هذا الشأن يقول المستر غلوب أنه أخضع في الأخير سنة 837، بعد ان هوجمت قلعته و أحرقت الى الأرض و سيق الى سامراء مكبلا بالسلاسل. و قد جعل يوم وصوله اليها يوما مشهودا ابتهجت به الناس من جميع الطبقات. و قبل ان يعدم ألبس أحسن الملابس الحرير، و وضع التاج فوق رأسه، و طيف به في الشوارع على ظهر فيل حتى أخذ الى قصر الخليفة. و هناك جرّد من ألبسته الفاخرة بحضور الخليفة، و قطعت يداه و رجلاه، و صار ينخس بالسيف ببطء حتى يدخل الى جوفه من دون أن يمس الأعضاء المهمة فيه ليطول أمد تعذيبه. لكنه تحمل كل ذلك تحملا شهد به الأعداء قبل الأصدقاء، من دون ان يبدو منه أي صوت أو تألم. ثم قطع رأسه و بعث به الى بغداد، بينما علق جسده الخالي من الرأس مسمرا على عمود خشبي في سامراء. فبقي المكان الذي علق فيه يسمى «خشبة بابك» الى ما بعد قرن من الزمن. و يقول غلوب ان المؤرخين العرب يذكرون ان بابك ينسب اليه قتل مئتي ألف نفس خلال المدة التي ظل ثائرا فيها. و حينما استولى جيش الخلافة على قلعته وجد فيها سبعة آلاف امرأة مسلمة و طفل يشتغلون مثل العبيد.

و يشير بعد ذلك الى ان المعتصم الفعال استطاع كذلك أن يجرد عددا من لحملات المظفرة، و يفرض حكمه، على البلاد الجبلية البعيدة مثل طبرستان طخارستان و كابل و قندهار. ثم يأتي على ذكر حملة عمورية فيقول ان بابك حينما زحف عليه الأفشين من سامراء اتصل بثيوفيل امبراطور بيزنطة، ج 1-سامراء (17)

258

و حرضه على مهاجمة الثغور الاسلامية لأن جيوش الخليفة كانت منشغلة بجبهته معظمها. فاغتنم ثيوفيل الفرصة و سار على رأس جيش عرمرم، عدته سبعون الف جندي، الى الحدود السورية، و قد حاصر في صيف 837 زبطرة، الكائنة على بعد ثلاثين ميلا من جنوب ملاطية، في الوقت الذي كانت فيه الجيوش الاسلامية ما تزال في أذربايجان. و لما كانت للمعتصم علاقة عاطفية بزبطرة هذه، لأنه كان قد ولد فيها حينما كان والده الرشيد مصطحبا أمه في إحدى حملاته إلى هناك، فقد طلب الى ثيوفيل أن يرأف بأهلها و لا يتعرض بها. لكنه لم يتجاهل طلب الخليفة حسب، و انما عاملها، معاملة صارمة قاسية على الأخص. فقد غزاها غزوة عنيفة و هدمها بأكملها الى الأرض، و سبى اكثر من ألف امرأة مسلمة منها عدا الأطفال، بعد ان قتل الرجال كلهم. و ارتكب اعمالا فظيعة أخرى في البلاد المحيطة بها.

و ما ان وافت هذه الأنباء الى سامراء حتى بادر المعتصم في الحال الى نصب معسكره في الجانب الغربي من دجلة و نشر راياته استعدادا للزحف و الانتقام. و قد دعي الرجال لذلك من جميع البلاد العربية ايضا، بالاضافة الى الوحدات التركية الجاهزة. و في صيف 838 سار المعتصم على رأس أكبر جيش قاده خليفة من الخلفاء حتى ذلك اليوم. فقد كانت عدته على ما يقول المسعودي مئتي الف جندي على الأقل. فعبر هذا الجيش اللجب جبال طوروس برتلين اثنين، أحدهما يقوده الخليفة نفسه عن طريق الساحل، و الآخر بقيادة الأفشين الذي ترتب عليه عبور الجبال من ممر الحدث.

و كان العرب على ما يبدو قد حذقوا أسرار النار الأغريقية التي كانت قد أنقذت القسطنطينية من قبل حينما هاجمها معاوية و سليمان بن عبد الملك من بعده. فقد سارت مع جيش المعتصم وحدات خاصة لهذا الغرض. و بعد ان عبر العرب طوروس في 838، تسلم الامبراطور البيزنطي تقريرا من رجال استخباراته بأن رتلا عربيا آخر-هو رتل الأفشين-يقوم بعبور السلسلة الحبلية في الحدث، فصمم على مهاجمته في الحال قبل ان يجتمع الرتلان في‏

259

أنقرة كما تم الاتفاق عليه، و اتخذ ما يلزم لذلك.

على ان المعتصم علم بما عزم عليه الأمبراطور، و لم يستطع عمل شي‏ء لأشغاله في تلك الظروف، لكنه بعث الى الأفشين يحذره مما عزم عليه العدو و قبل ان يصل الى الافشين التحذير فاجأه الامبراطور بالهجوم، لكنه بعد ان ارتبك بعض الارتباك أعد عدته فكر عليه بهجوم مقابل و دحر الجيش البيزنطي شر اندحار. فأدى ذلك الى تقهقره أمامه من دون انتظام، و كان ذلك في أواخر حزيران 838.

و بعد ان التقى الرتلان العظيمان في انقرة زحف الجيش العربي بكامله على عمورية، التي صادف ان كانت هي بدورها المحل الذي ولد فيه الامبراطور ثيوفيل نفسه، أو بلدة أسرته الأصلية. و لذلك عزم المعتصم على تهديمها و ازالتها من الوجود. و بعد ان اندحر الجيش البيزنطي هوجمت عمورية، بعد ان هدمت اسوارها و حوصرت خمسة و خمسين يوما. و يقول المؤرخون العرب، على ما يذكر غلوب، ان ثلاثين ألف امرأة و طفل تم سبيهم في تلك المعركة. و هكذا اقتص المعتصم للشناعات التي كان قد ارتكبها ثيوفيل في زبطرة.

و يصف المستر غلوب الخليفة الواثق، الذي تولى بعد ابيه المعتصم، بكونه مسالما هادئا على عكس أبيه في أمور كثيرة. و لذلك ترك شؤون الحكم و الخلافة الى وزيريه محمد الزيات و أحمد بن أبي داود. و قضى وقته كله في سامراء من دون ان يزور الأقاليم أو يترأس الحملات العسكرية. لكنه كان مثقفا مثل عمه المأمون و ميالا الى حرية التفكير. و قد كان يهتم على الأخص بآل علي بن أبي طالب (ع) ، و يساعدهم ماليا فيخصص لهم المخصصات و الرواتب. اما المتوكل الذي ولي بعده فقد كان على العكس من ذلك، فقد اضطهد الشيعة، و الأقليات غير المسلمة اضطهادا يذكره المؤرخون الغربيون جميعهم على الأخص. و لذلك هدم قبر الحسين (سنة 850 م) و منع زيارته،

260

كما سبق ان أتينا على ذكره في مناسبات عدة من قبل. و يقول‏ (1) المستر غلوب كذلك ان حياطين الشوارع و المساجد كانت في عهده تمتلي‏ء خلال الليل بكتابات خلاصتها النيل منه و رميه بالكفر و الألحاد.

اما قضية قتل المتوكل فيقول مؤلفنا البارع هذا أنه كان عند أول توليه الخلافة قد رشح لها ابناءه الثلاثة من بعده، يتسلسلون واحدا بعد آخر تبعا لأعمارهم. فكان من المنتظر ان يكون المنتصر ولي عهده، و المعتز من بعده، و أخيرا المؤيد. لكن المتوكل كان مغرما على الأخص بأم المعتز ابنه الثاني:

و كانت أمة يونانية تسمى السيدة قبيحة (لجمالها) ، حتى أنه نظم أبياتا من الشعر بحقها في عدة مناسبات. و لذلك كانت مسيطرة عليه الى درجة استطاعت بها ان تؤثر عليه و تقنعه بتولية ابنها المعتز من بعده، بعد ازاحة أخيه المنتصر (الأكبر) عن طريقه. فبادر المتوكل الى تنفيذ هذا و طلب الى ابنه المنتصر ان يتنازل عن حقه في ولاية العهد، لكنه رفض ذلك و أصر على موقفه في هذا الشأن. و صار أبوه يحقره و يستهزى‏ء به في مجالسه، و بنتيجة اصرار السيدة (قبيحة) الجميلة عليه دعى المنتصر الى مجلسه في النهاية و أخبره بأنه أصدر الأوامر اللازمه بعزله عن ولاية العهد.

و مع ان هذا العمل لم يولد أزمة مخطرة في بادى‏ء الأمر، و لم يحدث توترا في الحال، فقد ثبت انه حادث جر الوبال على المتوكل في النتيجة. فقد سبق ان بدأت الدسائس في جو سامراء السياسي، و لا سيما بين الضباط الأتراك، و الأوساط الرسمية العليا، إذ كان بعضهم يحسد بغا الشرابي، الذي كان يعد أقوى رجل في البلاط العباسي يومذاك و أول رجل يضع المتوكل ثقته فيه، لأنه كان مملوكا تركيا عاديا و نادلا في القصر الملكي. و بالنظر لمزاياه و قوة شخصيته تدرج في الوظائف فأصبح ذا منزلة عالية في الحقيقة.

و هنا ازدادت مخاطره، و أخذ مناوئوه يوغرون صدر الخليفة عليه، لا سيما

____________

(1) الص 356 المرجع الأخير.

261

و قد كان في وضع متهي‏ء لذلك بالنسبة للحياة الداعرة التي كان يحياها، و لاهمال شؤون الخلافة و الحكم الذي كان يبديه.

و قد شاءت العناصر المغرضة في بلاط سامراء ان تلعب على الطرفين:

فوجهت أخباريات غفلا من التوقيع تنبي‏ء بغا بأن الخليفة يعد العدة لقتله بصورة سرية، كما وجهت اخباريات أخرى مثلها الى المتوكل تخبره بأن بغا عازم على اغتياله. و قد صادف ان حصل الخلاف بين المتوكل و ابنه المنتصر في هذا الوقت المشحون بالدس و التوتر. و لما كان بغا ينتظر شرا من المتوكل في أي وقت كان فقد قرر ان يسبقه الى العمل و يتغدى بالخليفة قبل ان يتعشى هو به. فصادف في إحدى الأمسيات ان كان المتوكل في مزاج ممتاز، و كان طلقا في الكلام و الحديث مع الحاضرين في مجلسه. و ازداد ثملا بالشراب كلما تقدمت الأمسية و مرت ساعاتها، و ظل يطلب مزيدا من الشراب، أو أن بغا ظل يسقيه قدحا بعد آخر عن عمد و تدبير مسبق. و حينما انسحب معظم أفراد الحاشية الى مخادعهم بتقدم الليل، و لم يبق سوى بغا و الفتح بن خاقان، دخل الى الغرفة فجأة خمسة رجال من الأتراك يحملون سيوفا مسلولة بأيديهم، و كانت النتيجة ان قتل الخليفة و صاحبه المقرب الفتح بن خاقان و أصبحا جثتين هامدتين في بركة من الدماء.

و سارع بغا بعد ذلك الى داخل القصر ليأتي بولي العهد، المنتصر، و ينصبه في مكان أبيه القتيل. فصادفه قادما الى محل الحادث، و سلم عليه بالخلافة.

و عند ذاك دعي الخدام و رجال الحاشية على عجل و طلب اليهم ان يبايعوا الخليفة الجديد. و في صباح اليوم التالي، 11 كانون الأول 861، اجتمع جمع من الناس خارج القصر في سامراء و طالبوا بتنصيب المعتز لكن المعتز لم يمكن العثور عليه لأنه كان قد ألقى الأتراك القبض عليه خلال الليل و وضعوه في السجن. و بذلك أصبح بغا مسيطرا على الوضع سيطرة تامة، و غدا المنتصر أميرا للمؤمنين ما دام الأتراك راضين عنه على الأقل. غ

262

الروضة العسكرية المطهرة

ان أقدم من يشير الى وجود الروضة العسكرية المطهرة في سامراء من المراجع الحديثة محرر و دائرة المعارف الاسلامية (غير المختصرة) المطبوعة في لايدن بهولاندة سنة 1913. فقد جاء فيها قولهم: .. و قد حل الخراب في معظم هذه الأبنية و القصور منذ القرن العاشر للهجرة، و لم يستقم منها غير الجامع الكبير بالقرب من معسكرات الجيش، و من أجل هذا عرفت تلك المنطقة من سامراء باسم «العسكر» . و قد أدى تمسك الشيعة بأئمتهم المعصومين الى الاحتفاظ هناك بقبر امامهم الحادي عشر ابي محمد الحسن الملقب بالعسكري لأنه توفي في سامراء سنة 260 هـ، و بكهف الغيبة الذي اختفى فيه ابنه أبو القاسم محمد المهدي خليفته اليافع سنة 264 (878 م) و المعروف ان زوار الشيعة ظلوا خلال الألف السنة الأخيرة يزورون سرداب سامراء معتقدين بأن الامام المهدي سيعود الى الظهور هناك‏ (1) في آخر الزمان.

غير اننا لا حظنا ان هذا المرجع لا يتطرق بشي‏ء الى ذكر الامام الهادي عليه السّلام، و لا الى ضريحه المقدس.

و يشير الى ذلك ايضا العلامة المستشرق لسترنج في كتابه‏ (2) ، الذي مرت الأشارة اليه، فيقول: .. اما ما هو احدث من ذلك من مراجع، فلم يزدنا علما بسامراء الا قليلا. ثم صار جل أهل سامراء من الشيعة، إذ أن فيها ضريحي الامامين العاشر و الحادي عشر: علي الهادي و ابنه الحسن العسكري و في جامعها سرداب الغيبة يقولون ان الامام الثاني عشر غاب فيه سنة 264

____________

(1) و في هذا السرداب-يقول السيد محسن الأمين في ج 1 ص 457 من اعيان الشيعة «و من الوهم ان يعتقد البعض بوجود المهدي في سرداب سامراء بل هو توهم فاسد و انما يتبركون بهذا السرداب و يتعبدون فيه فمن باب التبرك بآثار الصالحين لأنه قد سكنه ثلاثة من أئمة اهل البيت عليهم السّلام و كان سرداب دارهم التي في سامراء» . الخليلي‏

(2) بلدان الخلافة الشرقية، الص 80 من الترجمة العربية.

263

(878 م) و هو القائم المهدي المنتظر الذي سيعود في آخر الزمان. و يقوم هذان الضريحان في الموضع المعروف بعسكر المعتصم. و الى هذا الموضع نسب الامام العاشر فعرف بالعسكري. و في أوائل المئة الثامنة (الرابعة عشرة) حين كتب المستوفي، و هو شيعي، ذكر هذه المراقد بوجه خاص و قال ان في المسجد الجامع القريب من هذه المراقد، فضلا عن منارته العظيمة التي أشرنا اليها، حوضا مشهورا من حجر، يعرف بقصعة فرعون محيطها ثلاث و عشرون خطوة و ارتفاعها سبع أذرع و ثخنها نصف ذراع، قائمة في صحن الجامع للوضوء. و قد أمر الخليفة المعتصم بعملها. و زاد المستوفي على ذلك ان معظم سامراء استولى عليها الخراب و لم يبق من المدينة الا قليل. و أيد هذا القول وصف ابن بطوطة له، و قد زار سامراء سنة 730 (1330 م) .

و نذكر بمناسبة ذكر القصعة ان كتاب (الحوادث الجامعة) يذكر في (الص 306) انها حملت سنة 653 هـ «من سر من رأى الى بغداد في كلك، و رفعت تحت دار الخليفة، و كانت عظيمة جدا، فلم تزل الى سنة سبع و خمسين و ست مئة، ثم كسرت» . و يعلق الدكتور مصطفى جواد على ذلك بقوله ان هذا الخبر يدل على ان المستوفي لم ير القصعة في سامراء، بل نقل خبرها لأنها لم تكن باقية في زمانه.

اما المسترسيتون لويد، فيشير الى وجود الضريحين المطهرين اشارة عابرة في (مدن العراق الأثرية) المشار اليه قبل هذا. فهو يقول: .. و هي تحتوي على ضريح امامين من الأئمة الاثني عشر، و مزار خاص بالامام الثاني عشر، المهدي، الذي اختفى هنا في كهف تحت الأرض. و ان الباب الذي يسمى «باب الغيبة» ، و الذي ينتظر ان يمر منها ثانية عند ظهوره في آخر الزمان، محفوظة في سرداب يقع تحت القبة الذهب الكبرى في سامراء. و هي نموذج يلفت النظر لأشغال الحفر التي تعود الى القرن الرابع عشر، و قد رممت مؤخرا (1)

____________

(1) الص 42 Ruined Cities of Iraq .

264

و تعليقا على ذلك نقول ان هذا الباب قد نقل بعد ذلك الى جناح الآثار العربية من المتحف العراقي الجديد في بغداد، و ما يزال موجودا فيه. و لا بد لنا من ان نشير كذلك الى ان سرداب الغيبة الذي يعتقد سيتون لويد، و غيره من الكتاب الغربيين مثل هرتسفيلد، انه تحت القبة الذهب الكبرى هو في الحقيقة تحت القبة الثانية غير المذهبة كما لا يخفى.

و يذكر سيتون لويد علاوة على ذلك ان إحدى أبواب مدينة سامراء القديمة قد أعيد بناؤها و وسعت فجعل منها متحف صغير على الطراز الحديث.

و قد حفظت فيه خرائط و تصاوير سامراء القديمة على ما يقول، مع نماذج من اللقى التي وجدت بين ما عثرت عليه مديرية الآثار القديمة في تنقيباتها.

سامراء في كتاب دونالدسون‏ (1)

لقد أفرد الدكتور دوايت دونالدسون المبشر الانكليزي الذي عاش في ايران سنين عديدة أربعة فصول غير قصيرة (التاسع عشر و العشرون و الحادي و العشرون و الثاني و العشرون) عن سامراء و الأئمة الأطهار الثلاثة عليهم السّلام:

علي الهادي و الحسن العسكري و الحجة المهدي.

و بفصله الخاص بسامراء يبدأ بالحديث عن موقعها و بنائها من قبل المعتصم، و عن الجامع الكبير فيها، و استبداد القادة الأتراك بحكمها، مما سبق ان أتينا على ذكره مرات عدة. ثم يتابع بحثه بالقول ان الخلفاء في سامراء قد اشغلوا أنفسهم ببناء قصر بعد آخر في جانبي دجلة، فكلفهم ذلك شيئا لا يقل عن (204) ملايين درهم بعملة تلك الأيام. و يتطرق خلال هذا الى ان شجرة سرو عظيمة اشتهر ذكرها في «الشاهنامة» بكونها كانت قد نمت من غصن

____________

(1) Donaldson,Dwight M-The Shi ite Religion A Short History of Islam in Persia Irak. ) Luzac,London 3391 (

265

جاء به زرادشت من الجنة، كانت موجودة في قرية كيشمار بالقرب من تورشيز في ايران. و قد زرعها تخليدا لذكرى اعتناق الملك كوستاشب الديانة المجوسية، و صارت الزلازل بوجودها لا تؤثر في تلك القرية بينما كانت تنتاب المنطقة بأسرها بين حين و آخر فتهدمها تهديما. و يذكر القزويني، على ما يقول دونالدسون، ان الخليفة المتوكل أمر في سنة 247 (861 م) بأن تقطع هذه الشجرة الباسقة و تنقل عبر ايران كلها، فتحمل على ظهور الابل في قسم من المسافة، من أجل ان يستفاد منها في بناء قصره الجديد في سامراء.

لكنها حينما وصلت اليها كان المتوكل قد قتل بتحريض من ابنه. و يشير دونالدسون بعد هذا الى ان المستوفي، الميّال للشيعة، يذكر ان المتوكل قد اقتص منه العدل الالهي فقتله ابنه و تهدمت قصوره فغدت خرائب تنعق بها البوم لأنه أوعز بتهديم قبر الحسين عليه السّلام في كربلا و منع الزوار من زيارته ردحا من الزمن. كما يذكر ان سامراء لم يبق مسكونا منها حينما زارها سوى قسم قليل جدا.

و هذا القسم المحدود الذي وجده المستوفي مسكونا في القرن الرابع عشر للميلاد، يقارب سامراء المعروفة اليوم في حجمها و اتساعها على ما يقول دونالدسون، و هي التي كانت جزءا من «معسكر المعتصم» . و هنا سمح للامام علي النقي و ابنه الحسن بالعيش مدة من الزمن، و لذلك سمّيا بالعسكريين، و هنا دفنا كذلك. و يذكر دونالدسون في الحاشية ان الشهرستاني يقول بأن الامام علي النقي (الهادي) عليه السّلام مدفون في قم، ثم يعلق على ذلك بقوله ان هذا من قبيل الروايات المغلوطة. و يتابع البحث فيقول ان سامراء هذه تقع على بعد عدة خطوات من جدران جامع الجمعة الكبير، و هذا يتفق مع ما أورده المستوفي من أن ضريح الامام علي النقي، حفيد الامام الرضا، و ضريح ابنه الحسن العسكري يقعان في قبالة الجامع المذكور. و تدل الدراسات الآثارية اليوم على أن سامراء مدينة الخلفاء كانت أوسع من البلدة الحالية بكثير.. كما تدل اللقى الآثارية على ان لها قيمة خاصة لدارسي الفن‏

266

الاسلامي في مختلف العصور، لأنها تعود الى الحقبة التي كانت فيها مدينة الخلافة العباسية تشع بنورها على العالم.

و في القسم الباقي من سامراء اختفى الامام المهدي-محمد بن الحسن العسكري-على ما يقال، و يقول المستوفي ان ذلك وقع في سامراء سنة 264 (878 م) . هذا و أن السماح للطائفة الشيعية بأن تجعل مقرها، بعد سقوط البويهيين، فيما يقرب من الحلة حيث تسنى لهم ان يفاوضوا هولاكو خان بعد استيلائه على بغداد للمحافظة على العتبات، قد أدى الى نشوء فكرة ان الامام المنتظر سيظهر في تلك المدينة (الحلة) . و الى هذا يعزى ما يلاحظ من ارتباك في رواية ابن بطوطة (1355) الذي شاهد مزارين أقيما للامام المهدي:

أحدهما في سامراء و الآخر في الحلة. لكن الحقيقة هي ان «جامع آخر الأئمة» في الحلة يدل على المكان الذي ينتظر ان يظهر فيه، اما مكان اختفائه فهو في قبة ضريحي الإمامين العسكريين (ع) و جانب من الصحن الكبير و قبة الغيبة

اسكن

267

سامراء (1) .

و تعد مدينة سامراء الحديثة في نظر الشيعة اليوم ذات أهمية فائقة لوجود المشهدين اللذين احتفظ بهما في أحسن حال. و تعلو مشهد الامامين العسكريين القبة الذهب التي بدأ بتشييدها ناصر الدين شاه و أكمل بناءها مظفر الدين شاه سنة 1905 و توجد تحت هذه القبة أربعة قبور مطهرة هي: قبرا الامامين علي النقي و ابنه الحسن العسكري، و قبرا السيدتين القريبتين لهما. و إحداهما حليمة أخت الامام علي النقي التي روت الظروف التي أحاطت بولادة الامام الغائب، و الأخرى نرجس خاتون أم الولد المسيحية والدة الامام الذي اختفى في الخامسة (او التاسعة) من عمره. اما المشهد الثاني ففيه المكان الذي اختفى به عن الأنظار، و له قبة تمتاز بدقة تصميمها و زخرفتها بالقاشاني الأزرق.

و يقع تحتها سرداب الغيبة، الذي ينزل اليه الزوار عن طريق سلم طويل خاص.

ثم يورد الدكتور دونالدسون في هذا الفصل ترجمة للزيارة التي يقرأها الزوار عند دخولهم الى سرداب الغيبة، بعد ان يذكر موجزا لآداب الزيارة المعروفة، و يستغرق ذلك ما يقارب الأربع صفحات، و قد جاء بذلك نقلا عن دائرة المعارف الاسلامية، تحت كلمة «الاثنا عشرية» .

و في مستهل الفصل الذي يتكلم فيه على الامام الهادي عليه السّلام‏ (2) يستطرد دونالدسون بمقدمة تاريخية يقول فيها ان النصف الأول من القرن التاسع للميلاد خضعت فيه روما و القسطنطينية و بغداد الى طغيان العناصر الأجنبية عليها.. و قد اضطر ثيوفيل (829-842) الى الاحتفاظ بسطوته، و المجازفة بامبراطوريته، باستخدام جيوش ايرانية و أرمنية. و على الشاكلة نفسها اضطر المأمون و المعتصم و اخلافهما الأقربون، في بغداد، الى أن يضعوا جل اعتمادهم على جيوش تركية مستأجرة خلال الحقبة نفسها خوفا من مؤامرات العناصر

____________

(1) و حتى هذا من مقام الحلة لم يقل به احد من الشيعة-الخليلي‏

(2) الفصل 19، الص 209.

268

الاسلامية المتخاصمة. و لأجل ان يزيدوا في السلامة و الأمان أسسوا مدينة عسكرية جديدة في سامراء، على بعد ستين ميلا من شمال بغداد، و جعلوا مقرهم فيها. و لكن ما مر وقت طويل على هذا حتى أخذ القادة الأتراك، الذين استطاعوا القضاء على ثورات اسلامية عديدة، ان يملوا ارادتهم على الخلفاء و أصبحوا الحكام الحقيقيين في البلاد، بينما بقي الخلفاء أنفسهم ألعوبة في «سجن» المدينة التي أنشأوها. و في مثل هذا الوقت الذي كانت السلطة الاسلامية تنتقل فيه بسرعة الى أيدي الأتراك ولد الامام العاشر، علي النقي، و عاش.

الأمام الهادي عليه السّلام‏

لقد عنون الدكتور دونالدسون هذا الفصل بعنوان «علي النقي، السجين لعشرين سنة» . و بعد المقدمة السابقة، يتابع بحثه عن الأمام و يقول ان سنة ميلاده مختلف فيها، فهي اما سنة 827 او سنة 829، و اذا اعتبرنا ان ولادته كانت في 827 م فيكون قد تجاوز سبع سنوات من عمره حينما توفي والده. و كانت أمه على ما يقول الرواة أم ولد تدعى سمانة المغربية، لكن صاحب «المشكاة» يذكر أن اسمها سوسن و أنها كانت تسمى درة المغربية، مما يدل على أنها كانت من أسرى إحدى الأمم المسيحية.

و حينما شب الأمام و ترعرع عاش في المدينة و أشغل نفسه بالتعليم و التعبد. فصار يجتذب الناس اليه باعداد كبيرة تدريجيا، و لا سيما من الأقاليم التي كان يكثر فيها شيعة آل البيت مثل العراق و أيران و مصر.

و في خلال السبع او الثمان سنوات التي بقيت من خلافة المعتصم بعد وفاة الأمام محمد الجواد، و في طوال السنوات الخمس التي تولى فيها الخليفة الواثق من بعده ليس هناك ما يدل على أن الأمام قد مسه أحد بسوء أو اعتدى عليه. و من الأحاديث التي تنسب روايتها له، و كان قد كتب‏

269

في «الصحيفة» بخط علي بن ابي طالب و أملاء رسول اللّه، و توارثته الأئمة جيلا بعد جيل، ان الرسول عليه الصلاة و السّلام كان قد حدد الأيمان و وصفه بكونه موجودا في قلوب الرجال، و ان أعمالهم تنم عليه.

على أن خلافة المتوكل ما أن بدأت حتى حدث في أثنائها رد فعل بارز ضد حرية الرأي و التفكير، و وضعت الخطة لاضطهاد منظم ضد المعتزلة و الشيعة و لم يسلم منه سوى السنّة الأقحاح. و في سنة 851 م، حينما كان الأمام في الخامسة و العشرين من عمره، أمر المتوكل بحظر الزيارة لضريحي الأمامين علي و الحسين عليهما السّلام. و في ذلك العهد نقض المشهد الحسيني المطهر و دمر عن آخره.

و في هذا العهد كذلك أصبح الخليفة ينظر الى الأمام الشاب بعين الشك و الارتياب. غير ان الأمام استطاع ذات يوم ان ينقذ نفسه، على ما يقول المسعودي، بجواب بارع أجاب به عليه السّلام المتوكل حينما وجه له سؤالا محرجا. فقد سأله «ماذا يقول المتحدرون من نسل أبيك بالعباس بن عبد المطلب؟» فرد عليه الأمام يقول «ماذا يقول المتحدرون من صلب ابي، يا أمير المؤمنين، في رجل أمر اللّه الناس بأطاعة أولاده:

و ينتظر من أولاده ان يطيعوا اللّه؟» فسر الخليفة من هذا الجواب و أمر بأن يعطى الأمام مئة ألف درهم.

و يروي المسعودي بالمناسبة نفسها حادثة أخرى اوردها المبرد في الأصل، و ذكرها ابن خلكان في وصفه للأمام علي النقي. و هي أن الأمام‏ (1) قد سعي به عند المتوكل، و قيل: إن في منزله سلاحا و كتبا و غيرها من شيعته. و أوهموه أنه يطلب الأمر لنفسه: فوجه اليه بعدة

____________

(1) لم نشأ ترجمة ما ذكره دونالدسون حرفيا و انما آثرنا نقل الفصل الأصلي من كتاب «الأئمة الاثنا عشر» لمؤرخ دمشق شمس الدين محمد بن طولون الذي نشر بتحقيق الدكتور صلاح الدين المنجد في بيروت (دار صادر 1958) الص 107.

غ

270

من الأتراك ليلا، فهجموا عليه في منزله على غفلة، فوجدوه وحده في بيت مغلق، و عليه مدرعة من شعر، و على رأسه ملحفة من صوف، و هو مستقبل القبلة، يترنم بآيات من القرآن في الوعد و الوعيد، ليس بينه و بين الأرض بساط الا الرمل و الحصى. فأخذ على الصورة التي وجد عليها، و حمل الى المتوكل في جوف الليل. فمثل بين يديه، و المتوكل يستعمل الشراب، و في يده كأس. فلما رآه أعظمه و أجلسه الى جانبه.

و قيل له: لم يكن في منزله شي‏ء مما قيل عنه، و لا حبالة يتعلق عليه بها.

فناوله المتوكل الكأس التي كانت بيده فقال: يا أمير المؤمنين ما خامر لحمي و دمي قط، فاعفني فأعفاه.

و قال له: -أنشدني شعرا استحسنه.

فقال: -أني لقليل الرواية للشعر.

قال: -لا بد ان تنشدني، فانشده:

باتوا على قلل الأجبال تحرسهم # غلب الرجال فما أغنتهم القلل

و استنزلوا بعد عز من معاقلهم # فاودعوا حفرا يا بئس ما نزلوا

ناداهم صائح من بعد ما قبروا # اين الأسرة و التيجان و الحلل

أين الوجوه التي كانت منعمة # من دونها تضرب الاستار و الكلل

فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم # تلك الوجوه عليها الدود يقتتل

قد طال ما أكلوا دهرا و ما شربوا # فأصبحوا بعد طول الأكل قد أكلوا

قال: -فأشفق من حضر على عليّ، رضي اللّه عنه. و ظن ان بادرة تبدر اليه. فبكى المتوكل بكاء شديدا حتى بلت دموعه لحيته، و بكى من حضر. ثم أمر برفع الشراب.

ثم قال: -عليك يا أبا الحسن دين؟

قال: -نعم أربعة الآف دينار.

فأمر بدفعها اليه، ورده الى منزله مكرما.

271

هذا و ينقل عن يحيى بن هرثمة، قائد الحرس، انه روى كيفية إيفاده الى المدينة للأتيان بالأمام الى سامراء على الوجه التالي، قال: بعثني الخليفة المتوكل الى المدينة و أمرني بأن آتي بعلي بن محمد ليجيب على بعض الاتهامات التي اتهم بها. و حينما وصلت الى بيته تعالى النحيب و العويل بشكل لم أسمع مثله مطلقا من قبل. فحاولت تهدئتهم و أكدت لهم بأنني لم أتلق أي أمر ينطوي على إيذائه أو المس به. و عند ما فتشت الدار التي كان يعيش فيها لم أجد سوى قرآن، و كتب للأدعية و ما أشبه. و لذلك عرضت عليه خدماتي حينما أخذته و أبديت له غاية الأحترام.

و قد حدث ذات يوم خلال الرحلة، حينما كانت السماء صافية و الشمس على وشك الطلوع، ان وضع عليّ عباءته على رأسه بينما كان يمتطي صهوة جواده و عقد ذيل الحيوان. فتعجبت من ذلك، غير أننا ما عتمنا حتى رأينا غمامة تتوسط السماء، ثم أخذت تصب مدرارا من مطرها. و عند ذاك التفت إلي علي و قال «أني أعلم بأنك لم تفهم ما رأيتني أفعله، و أنك تتصور بأني كان عندي معرفة خارقة بهذا الأمر. (1) ان الأمر ليس كما تظن، لكنني كنت قد نشأت في البادية و أصبحت على علم تام بالرياح التي تسبق هطول المطر. و قد هب الريح هذا الصباح بصورة لم تجعل مجالا للشك، و شممت رائحة المطر فتهيأت له. »

ثم يتابع هرثمة سرد القصة فيقول: و عند وصولنا الى بغداد كانت زيارتنا الأولى لأسحق بن ابراهيم الطاهري الذي كان حاكما فيها. فقال لي «أعلم يا ابا يحي ان هذا الرجل هو ابن رسول اللّه، و انت تعرف المتوكل و يمكنك ان تؤثر عليه، فأذا ما حرضته على قتل هذا الرجل فسيعاديك الرسول. » فأجبته بأنني لم أجد في سلوك عليّ غير ما يستحق الثناء و الأطراء بالكلية. ثم ذهبت الى سامراء حيث واجهت وصيفا القائد

____________

(1) يقصد نفي علم الغيب بقوله معرفة خارقة-الخليلي‏

272

التركي، لأنني كنت من أصدقائه المقربين. فقال لي «أقسم باللّه اذا مسّت شعرة واحدة في رأس هذا الرجل، فسأطالب انا بحقه. » و قد عجبت بعض العجب لموقف هؤلاء الناس من علي، و حينما أخبرت المتوكل بما سمعت من ضروب الثناء على الأمام قدم له هدية ثمينة، و عامله بكل احترام و تقدير.

.. و مع هذا فنظرا للأخبار العديدة الأخرى التي كانت تصل الى الخليفة عن ولاء الأمام الهادي فقد بقي أسيرا في سامراء. و كانت هذه المدينة تسمى «العسكر» في بادى‏ء الأمر لأن المعتصم كان قد بناها لتكون معسكرا لجنده في خارج بغداد، و لذلك كان يسمى الأمام علي النقي أحيانا «العسكري» بالنظر للعشرين السنة التي قضاها أسيرا في مدينة الجيش.

و يقول دونالدسون ان هناك ما يدل على ان الامام علي النقي كان يسمح له بشي‏ء من الحرية في اثناء حياته في سامراء، فقد كان يلتقي بأصدقائه، و يخرج راكبا الى خارج المدينة ثم يعود اليها، و يحضر في مجلس الخليفة. و كانت له داره الخاصة به ايضا، لكن الجواسيس كانوا يترصدون حركاته و يراقبونه مراقبة دقيقة. و قد قيل ان المتوكل أصدر أمره في الأخير بقتله.. فدعاه الى مجلسه، ثم أوصى أربعة من خدامه بأن يسلوا سيوفهم و ينتظروا اشارة منه بقتل الأمام عند ما يخرج.

و حينما خرج الامام من مجلس الخليفة و تقرب من أولئك الخدم أسقط بيدهم و لم يتم قتله.

و بعد ذلك بمدة و جيزة تمرض المتوكل بظهور خراج كبير. في جسمه بحيث لم يعد يستطيع الجلوس و لا النهوض و قد أراد أطباؤه أن يشقوا الخراج بالمبضع لكنه لم يقرهم على ذلك، و لم تجد نفعا وسائل العلاج الأخرى. لكن أم المتوكل بعثت تطلب مشورة الأمام سريا بذلك، فأوصى عليه السّلام باستعمال «لزقة» خاصة ضحك عليها الأطباء. غير ان الفتح بن خاقان أوصى بتجربتها على كل حال، فتم الأمر و انفجر الخراج‏

273

فشفي الخليفة. (1)

و قد قتل المتوكل في سنة 861 على يد الأتراك المرتزقة الذين استطاعوا ان يسيطروا على شؤون الخلافة في سامراء، و توفي ابنه المنتصر بعد سنة، ثم حكم المستعين بعده ثلاث سنوات حتى قتل في 865. لكن الأمام الهادي عليه السّلام بقي يعيش أسيرا مبجلا في سامراء. و قد أطنب مؤرخو الشيعة، على ما يقول دونالدسون، في ذكر مزاياه الحميدة، و لو أردنا أن نضع الزلفى المبالغ فيها جانبا يبدو أنه كان رجلا رزينا حسن الطبع، طيب الخلق، عانى كثيرا من كره المتوكل له في جميع الأيام، لكنه مع ذلك حافظ على هيبته و وقاره، و أبدى كثيرا من الصبر (2) .

و يختم دونالدسون فصله عن الأمام عليه السّلام بقوله ان اليعقوبي يقول أنه توفي بصورة غامضة في اليوم السادس او السابع و العشرين من جمادى الأخرى سنة 254 (868 م) ، فانتدب المعتز أخاه أحمد بن المتوكل ليصلي عليه في محلة «أبي أحمد» . لكن الناس حينما تجمعوا حصل كثير من الضوضاء و الجلبة فنقل التابوت الى بيته حيث دفن في فنائه. و كان قد وصل الى الأربعين من عمره، و خلف ابنين اثنين هما الحسن و جعفر.

أما الدكتور جون هوليستر (3) ، المشار اليه في معظم الأجزاء السابقة من هذه الموسوعة، فيذكر جميع ما أورده دونالدسون عن الأمام الهادي تقريبا. لكنه يذكر بالأضافة الى ذلك أنه كان يبلغ السنة السادسة أو الثامنة من عمره حينما توفي والده، و لذلك كان الأمام «الصغير» بين الأئمة

____________

(1) نقل دونالدسون هذا الخبر عن كتاب‏ Khna Ashariya,Madras 3291 لمؤلفه‏ Canon Sell .

(2) الص 47، من كتاب دونالدسون.

(3) Hollister,John Norman-The Shi`A of India,Luzac) London 3591 ( الص 87-89.

ج 1-سامراء (18)

274

الأثني عشر عليه السّلام. كما يذكر عنه انه مات مسموما، و يرجح ان ذلك تم في أيام الخليفة المعتز، و ان الذي صلى عليه و تولى مراسيم دفنه ابنه الحسن العسكري عليه السّلام. و يستند في روايته على كتاب‏ (1) عساف فيضي الهندي.

الحسن العسكري عليه السّلام‏

إن أهم المراجع الغربية التي تأتي على ذكر الأمام العسكري عليه السّلام، كتاب دونالدسون (عقايد الشيعة) و كتاب هوليستر (شيعة الهند) المار ذكرهما. ففي الفصل الذي يفرده دونالدسون لهذا الغرض (الفصل 20، الص 217-225) يقول ان هناك شكا في المكان الذي ولد فيه الأمام الحادي عشر، فمن المؤرخين من يقول انه ولد في المدينة المنورة و منهم من يقول انه ولد في سامراء. و تختلف الروايات كذلك في السنة التي ولد فيها بين سنتي 230 و 231 أو 232 للهجرة. فيقول الكليني (الأصول الكافي) انه ولد سنة 232 لكنه لم يعين المكان الذي ولد فيه.

اما العلامة المجلسي فقد ذكر في الجزء الثاني عشر من (بحار الأنوار) عدة آراء في هذا الشأن من دون ان يلقي ضوء على الموضوع. على اننا نعلم ان الأمام الهادي عليه السّلام لم يؤخذ أسيرا الى سامراء الا في سنة 234 هـ، و لذلك فأن أسرته كانت حتى ذلك الوقت في المدينة التي يحتمل جدا أن يكون ابنه الحسن قد ولد فيها. و كانت أمه، مثل أمهات معظم الأئمة الآخرين، أمة من الأماء تشرفت بعد إنجابها أطفالا لسيدها باللقب الخاص «ام ولد» . و كان اسمها حديثا، لكن أناسا كثيرين يقولون انها كانت تسمى سوسنا، أو غزالة، أو سليلا، او حربتا. و نقول تعليقا على هذا ان المراجع العربية تجعل بعض أسمائها هذه حديثة بدلا من حديث،

____________

(1) Fayzee,Asaf A. -A Shi`ite Creed,Oxford Press 3391.

275

و حربية بدلا من حربتا، و غزل المغربية بدلا من غزالة.

ثم يتابع دونالدسون بحثه عن الأمام الحسن فيقول انه كان يلقب بالصامت، و الهادي، و الرفيق، و الذكي، و النقي. لكن اللقب الذي غلب عليه هو «العسكري» ، لأنه عاش في مدينة الجيش بسامراء. اما كنيته فهي «أبو محمد» . و حينما بلغ الثانية من عمره (او الثالثة أو الرابعة) حامت الشكوك حول والده الامام علي الهادي، و تصور المتوكل انه يشترك في مؤمرات تحاك ضده، فجي‏ء به أسيرا الى سامراء. و لما كان قد رخص له بالعيش في بيت خاص به فقد سمح لأسرته الكريمة بأن تأتي الى سامراء كذلك. و هناك شب الفتى و خصص القسم الأعظم من وقته للدراسة و طلب العلم. و بالاضافة الى الدراسات الاعتيادية التي كانت مطلوبة من الأولاد المسلمين عن القرآن و الشريعة و ما أشبه، فأن الأمام العسكري ربما كان منشغلا أيضا لدرجة ما بتعلم اللغات، لأن من الأمور اللافتة للنظر التي لو حظت عليه في السنين الأخيرة انه كان يستطيع التكلم بالهندية مع المسلمين القادمين من الهند، و التركية مع الأتراك، و الأيرانية مع الأيرانيين (نقل دونالدسون هذا عن خلاصة الأخبار) . و كثيرا ما كان يسمى هو و أبوه وحده بأسم «ابن الرضا» من دون ان يلقب بالأمام، لأن طائفة كبيرة من الطوائف الشيعية كانت تعتقد ان الأمامة تقف في الأمام الرضا عليه السّلام و لا تستمر في سلالته من بعده، و هؤلاء كان يطلق عليهم «الواقفية» .

و مما يروى عن الامام و قد كان في السابعة أو الثامنة عشرة من عمره، في خلافة المستعين، أنه استطاع أن يركب بغلة مشاكسة كانت تعود للخليفة من دون أن يجد صعوبة، و قد شاع يومذاك ان الخليفة كان ينتظر و هو جازم ان تلك البغلة ستقضي عليه، لكن الأمام أبدى مقدرة تامة في السيطرة عليها بخلاف ما كان يريده صاحبها الخليفة.

و على عادة الدكتور دونالدسون، الذي يتسقط فيها الهفوات و يجمع‏

276

الخرافات و الأقوال الغريبة ليفسرها كما يريد و يهوى، فانه يقول مدعيا الاستناد الى كتاب يسمى (عقائد الشيعة) لمؤلف يدعى حاجي مرزا عكاسي (مطبوع بالحجر في مشهد خراسان سنة 1879) ان الأمام العسكري لم تكن له زوجة شرعية، و ان إحدى جواريه التي انجبت له ابنه الأمام الحجة القائم كانت نرجس خاتون ابنة يشوع بن امبراطور الروم. و لم يكن للأمام عليه السّلام سوى الحجة القائم و ابنة أخرى. ثم يذكر دونالدسون ان قصة نرجس خاتون و كونها أميرة من أميرات الروم ربما تكون قد وضعت لتؤكد على نبل الأمام من جميع الجهات، لكنه لم يكن من المستبعد انها كانت من بين الأسرى المأسورات من جهات الامبراطورية البيزنطية، اللواتي جي‏ء بهن الى أسواق النخاسة جاريات في بيوت علية القوم من المسلمين.

و يروي دونالدسون كذلك عددا من المعجزات المنسوبة الى الأمام مثل قصته مع الشحاذ الذي أقسم بأنه لا يملك شروى نقير بينما كان يخبى‏ء في بيته مئتي ديناز، و حديثه مع الرجل الذي زاره فتذكر بأنه قد أضاع خمسين دينارا فدله الأمام على مكانها، و قصته الأخرى عن السجادة التي جلس عليها أحد زواره فكانت سجادة جلس عليها الأنبياء جميعهم من قبل. الى غير ذلك مما يلتقطه من اخبار و روايات خارجة عن حيز التاريخ.

و ينتهي الفصل الخاص بالأمام العسكري (ع) بقوله ان اهم ما كان يزعجه به الخليفة في السنوات الأربع أو الخمس الأخيرة من حياته الشريفة انه منع عنه «الخمس» الذي كان من المعتاد ان يسلم الى آل البيت النبوي الكريم. ثم يقول ان المراجع تجمع على ان الأمام أبا محمد الحسن العسكري قد توفي في بيته بسامراء سنة 260 للهجرة، و هناك دفن الى جنب والده.

و تقول الكتب الشيعيه مثل كتاب (تذكرة الأئمة) و كتاب (عقائد الشيعة) انه توفي بالسم الذي دسه له المعتمد العباسي.

277

اما الدكتور هوليستر فيورد النقاط التي تطرق اليها دونالدسون بشكل أوضح، و لا يتوسع في ذكر المعجزات و الكرامات و ما أشبه مما أورده دونالدسون ضمن حوادث التاريخ معتمدا فيه على الروايات و الاخبار التي تجافي سرد التاريخ و يقول ان الأمام العسكري تولى مسؤوليات الأمامة و هو في الثانية او الثالثة و العشرين من عمره، فكان أكثر نضجا مما كان عليه أبوه وجده حينما توليا تلك المسؤولية.. و يبدو ان عزله عن الناس كان يتبع بشي‏ء أكثر من الصرامة التي كان يعامل بها أبوه، و كان يتضح من ذلك ان خلفاء بني العباس كانوا يرغبون في التخلص منه. و للبرهنة على هذا يورد هوليستر قصة البغلة الجموحة، و غيرها.

و بعد ان يشير الى قصة تزويجه بالسيدة نرجس خاتون المار ذكرها كذلك، يذكر أن الأمام الحسن منع من مقابلة الناس و أبقي في عزلة شاملة لوحده مدة من الزمن. و لما كان لم ينجب أي ولد و حتى ذلك الحين فقد كان اعداؤه يطمعون في ان يقطع نسل الأئمة الأطهار. و لأجل إخضاعه الى الرقابة الشديدة التامة كان سجنه في ذلك الوقت عبارة عن غرفة في القسم الأسفل من القصر الملكي، و لم يسمح له بأن يبقي زوجته المفضلة معه. و كان لتلك الغرفة باب فقط، و لم يكن فيها أي شباك يمكن ان يدخل منه النور و الهواء. و قد سجن فيها سنتين، و مع أنه كان شابا في الرابعة و العشرين من عمره فقد خرج من السجن و هو يبدو كأنه رجل مسن قد ناهز السبعين. لكنه تحمل كل ذلك الأذى و العذاب بطمأنينة و هدوء (1) .

و قد اطلق المعتمد سراحه بعد ذلك و سمح له بالعودة الى بيته. و صار يراقب مراقبة دقيقة من دون ان يكتشف عنه أي نوع من الخيانة، على

____________

(1) نقل المؤلف هذا الخبر عن كتاب سيل المار ذكره:

Sell,Canon-Khna`Asharia.

غ

278

ما يقول هوليستر. و بعد ذلك قطع عنه الخليفة «الخمس» .. فوقع الأمام في ضائقة شديدة من جراء ذلك، لكنه لم يفقد شخصيته و اتزانه.

فتوفي في سامراء سنة 260 هـ. و قد حصلت ضوضاء و صخب في البلد حينما سرت أنباء وفاته فيه لكن الأمور عادت الى الهدوء حينما انضم الى موكب التشييع رجال الدولة و كبار بني هاشم. فدفن الأمام الحسن بالقرب من قبر والده في سامراء. و كانت قد اشتركت في التشييع كذلك جموع غفيرة من الناس، و خيّم الحزن في كل مكان. و لما كانت الحاجة للتقية و التمسك بها قد انتفت بوفاته فقد عبر الناس عن حزنهم العميق يومذاك بكل صراحة.

و يقول هوليستر بعد ذلك أن أخاه جعفرا قد حظي بالتفات خاص من السلطة و غيرها بعد وفاة الأمام. و كانت بعض الأوساط تعترف به من قبل بدلا من ان تعترف بالأمام الحسن، او ابنه، لكن الأثنا عشرية يسمونه «الكذاب» . و هناك جماعة أخرى يسمون أنفسهم «الجعفرية» كانوا ينكرون وجود ابن للأمام الحسن و يعترفون بجعفر الكذاب هذا خليفة له، بينما كان آخرون يقولون ان الأمامة تنتهي بالحسن العسكري نفسه.

و هنا يذكر هوليستر ان المستر كانن سيل صاحب كتاب (الاثنا عشرية) ، بعد ان يتطرق الى أصل الشيعة النصيرية يقول: .. و هناك تفسير آخر على جانب أكبر من الاحتمال ينض على أن اسمهم-النصيرية-الحالي ينسب الى محمد بن نصير من وكلاء الأمام الحادي عشر الحسن العسكري.

و يقول ماسنيون المستشرق الفرنسي ان محمدا هذا كان يسمي نفسه «باب» الأمام العاشر علي النقي، و ابنه الكبير محمد الذي مات قبله في 294 هـ. و بهذا يفرق المستر سيل بين النصيرية و الاسماعيلية، و قد ازدادت الشقة بعدا بين هذين الفريقين بمحاولة الاسماعيلية الاستيلاء على النصيرية في منطقتهم بسورية.

279

الأمام المهدي المنتظر

لقد كتب عن الأمام المهدي ابي القاسم عليه السّلام عدد غير يسير من كتاب الغرب، و لا سيما عند البحث عن المهدي و المهدوية بوجه عام.

لكننا سنقتصد هنا على ايراد شي‏ء مما كتبه هوليستر في كتاب (شيعة الهند) (1) و دونالدسون في كتاب‏ (2) (عقيدة الشيعة) المار ذكره.

و يبدأ الدكتور هوليستر بالقول ان رأي الجعفرية الذين يصرون على ان الأمام الحسن العسكري لم يكن له ولد، يشاركهم فيه عدد من الباحثين في موضوع الهرطقة. فيشير ابن حزم مثلا الى اختلاف الآراء في هذا الامام و يلخصها في الآتي: (1) أنه ولد في السنة التي توفي فيها أبوه.

و (2) أنه ولد بعد ان توفي والده. و (3) انه كان في الخامسة من عمره حينما انتقل والده الأمام الى دار الخلود. (4) هناك أخبار متناقضة عمن تكون أم الولد نفسه.

ثم يقول: و لا تعتمد عقيدة الأثني عشرية على عدم تصديق السنة أو غير المسلمين، لهذا الرأي. لكنه يبدو ان شخصية الأمام الثاني عشر، و الآراء التي تكونت بشأنه، تعتبر من أساسيات العقائد الشيعية.

ثم يقول هوليستر ان الأمام المهدي ولد في سامراء سنة 255 هـ.

و خلف والده في الأمامة سنة 260 هـ، و بذلك يكون قد بلغ الخامسة من عمره حينما توفي والده. و كانت امه نرجس خاتون أمة من أهل الغرب. و يقول الحلي عنه انه أفضل الأئمة جميعهم، كما تروي الروايات عددا من المعجزات عن ولادته.. و قد أخفاه أبوه الأمام العسكري، خلال السنين الأولى من سني حياته، عن الناس عدا الأصدقاء الأخصاء خوفا عليه من الخليفة الذي قد يعمد الى القضاء عليه اذا ما سمع بالظروف

____________

(1) الص 92-100.

(2) الفصل 21، الص 226-241.

280

التي صحبت ولادته. غير انه بعد ان توفي والده و أصبح اماما بعده، اختفى عن الأنظار و دخل الغيبة. و يروي هوليستر هنا عددا من الروايات التي يستمدها من الاخبار و ليس من التاريخ.

و تقول احدى الروايات ان الامام المهدي اختفى من سرداب في سامراء، و يروي ابن بطوطة في رحلته انه كان قد وجد خيالة من الجنود تقف في مدخل هذا السرداب. و يبدو ان هذه الرواية شائعة القبول بين الناس، و لذلك يدل أحد المزارين الموجودين في سامراء اليوم على المكان الذي قيل انه حصلت فيه الغيبة (1) . إذ يوجد تحت القبة السرداب الذي يعتقد بأن الأمام الفتي قد غاب فيه. و تعتبر زيارته عن طريق سلم طويل مؤد اليه من الزيارات المعروفة بالكثير من الأجر و الثواب.

و كان يمثل الأمام خلال «الغيبة الصغرى» التي امتدت الى ما يقرب من سبعين سنة أربعة وكلاء، و هم: عثمان بن سعيد، و أبو جعفر محمد، و ابو القاسم الحسين بن روح، و علي بن محمد السمري. و كان عثمان بن سعيد قد خدم الأمامين الأخيرين سكرتيرا و أمينا للصندوق، كما كان مسؤولا في الحقيقة عن ممتلكاتهما. و قد رشحه الحسن العسكري ليكون وكيلا له، و سمح لجماعة من أتباعه حينما جاءوا يسألون عن الأمام من بعده بأن يروا الأمام الفتي محمدا بأنفسهم، ثم قال لهم بأنهم لن يستطيعوا رؤيته مرة أخرى حتى يكون قد تقدم كثيرا في العمر.

و أخبرهم بعد ذلك بأنهم يجب ان يقبلوا خلال هذه المدة ما يقول لهم عنه عثمان بن سعيد لأنه وكيله. و كان كل وكيل يسمي من سيخلفه في الأمر، كما كان كل منهم يدير مصالح الأمام و شؤونه، و ينقل الى رؤساء

____________

(1) نقل هوليستر هذا الخبر عن كتاب السيدة مير حسن علي الهندية، ص 79:

Ali,Mrs Meer Hassan-Observations on the Mussalmans of India, 2nd Edition) London 7191 (.

281

الطائفة الأثني عشرية رسائل الأمام السرية. و ما حلت نهاية العهد الذي اشتغل فيه الوكيل الرابع علي بن محمد حتى كان الاضطهاد قد ادى الى تفرق الطائفة و أفرادها شذر مذر بحيث لم يبق على قيد الحياة من كان قد رأى الأمام بأم رأسه من قبل. و قد امتنع الوكيل الأخير عن تسمية من يخلفه او ينوب عنه فقال «ان الأمر قد أصبح بيد اللّه» ، و قد عرفت الحقبة المبتدئة بذلك العهد بـ «الغيبة الكبرى» .

و قد كان الأمام المهدي (ع) طوال أيام الغيبة الصغرى يظهر بين حين و آخر للمخلصين المقربين من أتباعه، لكنه كان يتصل بالجميع عن طريق الوكيل. حتى يظهر في آخر الزمان. و قد يظهر في مكة مع الحجاج في أيام العيد الأضحى من دون أن يعرفه أحد الى غير ذلك من المعتقدات.

هذا و هناك أشياء أخرى عن الأمام الحجة ينقلها الدكتور هوليستر عن عدد من كتاب الهند المسلمين، تختص بالرجعة أو ظهور المهدي في آخر الزمان و ما أشبه. كما يبحث في مزايا اعتقاد الشيعة الأثني عشرية بهذه العقيدة، و فوائدها في حياتهم اليومية و الدينية. ثم يختم البحث بالأشارة الى أن كلمتي «المنتظر» و «القائم» تدلان بطبيعة الحال على مقدار الأمل الذي يخالج نفوس الشيعة في عقيدتهم هذه.

اما دونالدسون فيبدأ الفصل الذي خصصه للكتابة عن الأمام المهدي بالمقارنة بين فكرة «المهدي» عند أهل السنة، و ما يعتقده الشيعة بالنسبة لها. ثم يقول انه من المحتمل جدا ان يكون الفشل المحزن، الذي منيت به الأمبراطورية المسلمة، في تحقيق العدالة و المساواة بين الناس على عهد الخلافة الأموية (41-132 هـ) قد تكون له علاقة بنشوء فكرة ان رجلا رشيدا من بين المسلمين سيظهره اللّه في آخر الزمان لهذا الغرض.

و الحقيقة ان كلمة «المهدي» كانت قد نشأت بعد اغتيال الأمام علي (ع) قتل ابنه الحسين، و ما أعقب ذلك من فظائع الحروب الأهلية التي نشبت و بين العرب، حين أطلقت في سنة 66 للهجرة على الأمام محمد بن الحنفية.

282

فقد سمي يومذاك «المهدي بن الوصي» و حينما توفي دفن في جبل رضوى، و صار أتباعه ينتظرون عودته من هذا الجبل، و بذلك أصبح «المهدي المنتظر» ... و نظرا لأن القرآن ليس فيه ما يبرر حقيقة هذه الآمال، فقد كان من الضروري ان تدعم بروايات و أحاديث تؤكد وجودها (1) . على ان ابن خلدون قد شكك في صحة ما روي من الأحاديث في هذا الشأن، و استند في ذلك الى عدم ذكره في صحيحي البخاري و مسلم، و شك في اعتماد الترمذي و أبي داود على عاصم. و لذلك لم يتطلب علماء السنة وجوب إدخال فكرة «ظهور المهدي» في عقائدهم.

على أن علماء الشيعة من جهة أخرى يعتبرون انتظارهم لظهور المهدي شيئا أساسيا في عقائدهم. فهم يذهبون الى ان الآيات القرآنية التي تعبر عن فكرة الهداية الألهية يجب ان ينظر في علاقتها بالأئمة بتصرف، و يؤكدون بصورة خاصة على الآية «وَ مِمَّنْ خَلَقْنََا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَ بِهِ يَعْدِلُونَ» . و قد زعم الكليني و غيره من علماء الشيعة، بالاستناد الى أحاديث مروية عن الأمام الصادق و الأمام الباقر عليهما السّلام، ان كلمة أمة في هذه الآية تعني الأئمة من آل بيت النبي. و هناك حديث عن الأمام علي يقول فيه «ان هذه الأمة ستنقسم الى ثلاثة و سبعين فرقة، اثنتان و سبعون منها في جهنم و واحدة في الجنة. » (2) و هناك عدة آيات تشير مباشرة الى القيامة. و إن الأشارة الى «القائم» في يوم القيامة خلال الآية «أَ فَمَنْ هُوَ قََائِمٌ عَلى‏ََ كُلِّ نَفْسٍ بِمََا كَسَبَتْ» يقصد بها المهدي.

لكن الشيعة يعتبرون القرآن أيضا ليس فيه وضوح كاف في الموضوع، و ان ما ينقصه في هذا الباب تكمله الاحاديث الموثوقة.

____________

(1) رجع المؤلف في هذا البحث الى الص 112 من:

Wensinck-A Haudbook of Early Muhamadan Traditions.

(2) و المشهور ان هذه الرواية مروية عن النبي (ص) لا عن الإمام علي (ع) -الخليلي‏

283

ثم يذكر دونالدسون ان الأمام الثاني عشر، الذي كان يسمى صاحب الزمان، يقال انه ولد في سامراء سنة 255 او 256 هـ. و يدل هذا على أنه ولد قبل وفاة والده الحسن العسكري بأربع أو خمس سنوات. ثم يحاول هذا المؤلف التشكيك في إمكان تطبيق ما ورد من أحاديث نبوية و غيرها بشأن «المهدي» على ولادة الأمام الحجة، مما لم نجد موجبا لا يراده هنا لانه خارج عن العرض التاريخي.

و يذكر بعد ذلك ان ابن خادم من خدام الحسن العسكري (ع) يروي قائلا: .. ان الحسن عليه السّلام حينما ولد الأمام بعث يطلب والده، و أوصاه بتوزيع عشرة آلاف رطل من الخبز و عشرة آلاف رطل من اللحم على بني هاشم و غيرهم في سامراء، و ان يذبح عددا من الأغنام لهذا الغرض. و يذكر كذلك ما روته نسيم و مارية، خادمتا الحسن العسكري عن ولادة المهدي عليه السّلام و ما رافق ذلك من كرامات و معجزات كما يروى مثل هذا عن عمته حليمة.

و يشير دونالدسون بعد هذا الى ان المهدي عليه السّلام قد أعلنت أمامته قبيل وفاة والده. فقد أخبر رجل يدعى اسماعيل انه عاد الأمام الحسن في مرضه الأخير و جلس بقربه. فسمعه يطلب من عقيد خادمه بأن يحضر له شيئا من سائل المستكي، لكن والدة صاحب الزمان سرعان ما جاءت بالأناء و وضعته في يد الحسن. غير ان يده ارتعشت حينما حاول ان يشرب شيئا منه فارتطم الأناء بأسنانه. و عند ذاك وضعه جانبا و طلب من خادمه عقيد ان يذهب الى الغرفة و يخبر الطفل الذي كان يصلي فيها بالمجي‏ء اليه. و بعد ان انتهى من صلاته جاءت أمه و أخذت بيده فأتت به الى والده. و حينما حضر عند والده كانت سيماء الطفل النبيل تضي‏ء و تزهو، و كان شعره جعدا، و قد ابتسم فبانت اسنانه. و قد بكى الوالد المحتضر عند ما وقع نظره عليه و قال له: يا سيد أهل بيته أعطني شربة فأني ذاهب الى خالقي و بارئي يوم القيامة. فأخذ الطفل ماء المستكي،

284

و قرأ عليه، ثم سلمه لوالده. و عند ما شربه قال جهزني للصلاة، فأخذ صاحب الزمان منشفة مسح بها وجه والده و رأسه و قدميه للوضوء. و عند ذاك خاطب الأمام المحتضر ابنه بقوله: طفلي العزيز، انت صاحب الزمان، أنت المهدي، أنت آية في أرضه. أي طفلي و وصيي، أنت محمد ابني و ابن الرسول، انت خاتم الأئمة. لقد أخبر رسول اللّه عنك، و ذكر اسمك و كنيتك. و هذا هو عهد أبائي قد جاء الي.. و في تلك اللحظة توفي الأمام العسكري عليه السّلام.

و يبدو ان الأمام الفتي قد اختفى و بدأت غيبته فيما يقرب من ذلك الوقت. و قد جاء في (جنات الخلود) انه اختفى في بيته الذي ورثه من ابيه بسامراء في سرداب يتم الوصول اليه بعدد من الدرجات. و كان ذلك هو المكان الذي كان يختفي فيه هو و والده بعيدا عن عبث الطغاة حينما كانا ينصرفان الى العبادة. و كان حينما بدأت غيبته في السادسة، او السابعة، او التاسعة، من عمره مع عدد من الأشهر و الأيام. و يقول دونالدسون ان صاحب (عقائد الشيعة) لا يذكر كيفية اختفاء الأمام لكنه يقول ان قول البعض بأنه لم يكن قد ولد يومذاك، أو أنه مات في أيام والده، هو قول باطل. فمن الضروري الاعتقاد بأنه ولد و عاش، و لكن في الغيبة، و انه سوف يظهر في آخر الزمان.

و يقول دونالدسون كذلك، ان فكرة بقائه على قيد الحياة، و اختفائه بصورة غامضة في وقت يقرب من الوقت الذي توفي فيه والده، تؤيد ما ترويه الأخبار عن عودته الى الظهور في مناسبات عدة، و لا سيما في مأتم والده و عند الدفاع عن حقوقه وقت توزيع التركة. فتقول الأخبار مثلا ان عمه جعفرا الكذاب حينما كان يوشك ان يصلي على جنازة أخيه ظهر طفل و سيم جعد الشعر لماع الأسنان و أمسك برداء عمه، فأصر على ان يصلي هو نفسه عليها.

و حينما ادعى جعفر كذبا بالميراث ظهر صاحب الزمان بقرب البيت و سأله‏

285

قائلا: لماذا تدعي بحقوقي؟فلم يتمالك جعفر ان امتقع لونه ولاذ بالصمت.

و بعد ذلك اختفى الأمام، و حاول جعفر العثور عليه في كل مكان لكنه لم يستطع التوصل اليه. و قد جاءت جدة الامام الحسن العسكري لأمه و أمرت بأن يدفن في تلك الدار. فاعترض جعفر على ذلك مدعيا بأن البيت أصبح يعود له، ثم طلب عدم دفن أخيه فيه. لكن صاحب الزمان ظهر من جديد، و سأل عمه بقوله: هل يعود هذا لك يا جعفر؟ثم رحل في الحال و لم يره أحد بعد هذا (الحق اليقين للمجلسي الص 152 و 146) .

و هناك أخبار كثيرة عن حوادث و مناسبات ظهر فيها الأمام الحجة للمسلمين المؤمنين، بعد الصلوة أو وقت الحاجة. لكنه بقي سبعين سنة ينوب عنه و كلاؤه في الأرض. و كان أولهم عثمان بن سعيد، و حينما مات خلفه ابنه أبو جعفر، الذي رشح بدوره أبا القاسم ابن روح، و هذا عين بعده أبا الحسن السمري.

و عند ما أشرف الأخير على الموت طلب اليه ان يسمي أحدا بعده لكنه رفض ذلك و أجاب يقول: ان الأمر بيد اللّه الآن. و على هذا فأن الحقبة التي كان الوكلاء يمثلون خلالها الأمام اصبحت تعرف بالغيبة الصغرى. و هذه تمتد على ما يقال من سنة 869 الى سنة 940 ميلادية. و منذ ذلك الحين فصاعدا دخل المستتر في «الغيبة الكبرى» ، و لا ينتظر ان يعود الا في آخر الزمان.

أما عن رجعة الامام المنتظر، و ظهوره في آخر الزمان، فيقول دونالدسون ان الشيعة يؤكدون على الآيات الآتية في اثباتها:

و نتلو عليك من نبإ موسى و فرعون بالحق يؤمنون.

ان فرعون علا في الارض و جعل أهلها شيعا: يستضعف طائفة منهم، و يذبح ابناءهم و يستحيي نساءهم.

و نريد ان نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض و نجعلهم أئمة و نجعلهم الوارثين.

و نمكّن لهم في الأرض، و نري فرعون و هامان و جنودهما منهم ما كانوا يحذرون.

286

و أوحينا لأمّ موسى ان آرضعيه فان خفت عليه فألقيه في اليمّ و لا تخافي و لا تحزني، انا رادّوه اليك و جاعلوه من المرسلين.

و حينما سئل الأمام زين العابدين (ع) عن تفسير هذه الآيات رد يقول:

أقسم باللّه الذي بعث محمدا بالحق اننا نحن آل البيت مثلنا مثل موسى و اتباعه، و مثل اعدائنا و أشياعهم كمثل فرعون و اتباعه.

و هذا ما رأينا اثباته عن الأمام المهدي (ع) ، ملخصا مما أورد دونالدسون في كتابه. غ

287

وكلاء الإمام صاحب الزمان‏

لقد أفرد الدكتور دونالدسون، من دون سائر المراجع الغربية التي تيسرت لنا، فصلا خاصا في كتابه‏ (1) المشار اليه من قبل بحث فيه عن وكلاء الأمام الحجة (ع) الذين مر ذكرهم. و يبدأ الفصل بقوله ان ولادة الأمام الثاني، على ما يروى، حصلت في الثامن من شعبان سنة 256 (869 م) و ان وكيله كان عثمان بن سعيد، الذي اوصى بالوكاله من بعده لابنه أبي جعفر محمد، و هذا اوصى بها الى ابي القاسم ابن روح، ثم اوصى بها بدوره الى أبي الحسن علي بن محمد السمري. و كان الأمامان العاشر و الحادي عشر يعتبران عثمان بن سعيد سكرتيرهما الخاص، و أمين صندوقهما، و يعدانه شخصا موثوقا به تمام الثقة و يعتبر كل ما يقوله مرويا عن لسانهما. و لذلك كان الأمام العسكري (ع) يخاطبه في بعض الأحيان على ملأ الناس بكونه «وكيلا على مال اللّه» .

و قد روي ان اربعين رجلا من وجوه الشيعة كانوا قد اجتمعوا ذات يوم و جاءوا الى الحسن العسكري قبيل وفاته، ليستفسروا منه عمن سيكون حجة اللّه في أرضه من بعده. فانسحب عليه السّلام من بينهم و دخل الى البيت،

____________

(1) عقيدة الشيعة، الفصل 23، الص 251-257.

288

و لم يعد اليهم الا بعد ساعة و هو يحمل بين ذراعيه طفلا و سيما بهي الطلعة.

و قد بيّن لهم ان هذا الطفل هو الذي سيخلفه في الأمامة، و انهم لن يروه حتى يكون قد تقدمت به السن كثيرا. لكنه أخبرهم بأنهم يجب عليهم، في الوقت نفسه، ان يقبلوا بما يقوله لهم عثمان بن سعيد في كل شي‏ء لأنه وكيل إمامهم.

و يروي علاوة على ذلك ان الحسن العسكري قال عنه انه وكيله، . و انه وكيل ابنه محمد. و على هذا فقد كان هو-اي عثمان بن سعيد-الذي تولى غسل جثمان الامام العسكري و تضميخه بالطيب قبل دفنه و ايداعه في ضريحه الطاهر.

و حينما سئل عثمان بن سعيد عما اذا كان قد رأى ابن الأمام الحسن العسكري، الذي كان يفترض أنه ولد قبيل وفاة أبيه، انفجر باكيا و قال «بلى لقد رأيته.. » لكنه لم يذكر اسم الطفل لئلا يسمع به الأعداء، و يبدأوا بالتفتيش عنه. و المقول ان قبر عثمان بن سعيد يوجد في بغداد، داخل الجامع الكائن في شارع الميدان بالقرب من باب المدينة. و كان هناك في سنة 408 هو مدخل خاص الى الغرفة التي يوجد فيها قبره من باب صغير في محراب الجامع، لكن هذا الجدار هدم بعد اثنين و ثلاثين سنة و ترك القبر مكشوفا في الصحن، حيث يستطيع ان يزوره كل أحد.

و قد عين الوكيل الثاني، أبو جعفر محمد بن عثمان، بوصية خطية كتبها أبوه ليخلفه في وكالة الأمام المستتر. و كان هو الذي غسل جثة ابيه و أجرى مراسيم الدفن بنفسه، و هنا إجماع عند شيعة العراق على أنه كان يتمتع بالسلطة التي كانت عند أبيه. و المقول أنه كانت عنده عدة كتب عن القوانين الشرعية التي ورثها من أبيه، و التي كان أبوه قد تسلمها من الأئمة بدوره. و بعد ان خدم الأمام المنتظر بعد أبيه مدة تناهز الخمسين عاما توفي سنة 305 (917) . و قد دفن في جنب قبر أمه، على طريق باب الكوفة-في بغداد-في الدار التي كان يسكنها و التي تقع الآن في وسط الفلاة. و حينما كان في بغداد عشرة من شيعته يسهمون معه في مسؤولية تزعّم الطائفة الشيعية، و يساعدونه في ادارة شؤونها، كان الشريك الذي يعتمد عليه اكثر من الآخرين أبا القاسم الحسين‏

289

بن روح، و لذلك أوصى له بأن يأخذ مكانه في وكالة الأمام المستتر، فاصبح الوكيل الثالث للأمام.

و مما يروى عن أم كلثوم، ابنة أبي جعفر، انها قالت ان الحسين بن روح كان وكيل أبيها خلال عدة سنين، و انه كان يشرف على أملاكه، و ينقل رسائله السرية الى وجوه الشيعة المعروفين. و كان خلال ذلك الوقت كله متحمسا في خدمة أبيها الذي كان يعتمد عليه بلا أدنى ريب. و مع ان أباها كان له صديق مخلص آخر، هو ابو جعفر بن أحمد، فقد وجد من المصلحة ان يستخلف ابن روح من دون ان تثار أية معارضة ضده.

و تقول الرواة ان ابا جعفر كان مقدرا جد التقدير من الشيعة و السنة على سواء، و انه كان معروفا عندهم بعلمه و ثقافته. و كان يقدّر على الأخص لبراعته في التقية. ثم يورد دونالدسون هنا قصصا تؤيد ذلك، و أخرى تدل على مرونته و حذقه في اجتذاب خصومه اليه... و قد توفي أبو القاسم ابن روح سنة 326 فدفن، على ما تقول أم كلثوم، بالقرب من دار علي بن أحمد النوبختي في مكان يقع وراء قنطرة الشوك من جهة باب المدينة. و المعروف اليوم لدى الكثيرين من سكان بغداد ان قبره يقع في منطقة الشورجة خلف بناية الأوقاف الكبيرة (الجديدة) المطلة على شارع الجمهورية، التي تشغل قسما منها مديرية البرق و البريد العامة. و تشاد في هذه الأيام بالذات قبة صغيرة فوق قبره.

و كان الوكيل الرابع عليا بن محمد السمري. و يقول دونالدسون خلال كتابته عنه أن وفاة الأمام الحسن العسكري كانت قد مرت عليها سبعون سنة يومذاك، و برغم انتظار الشيعة المخلص للإمام صاحب الزمان، فانه لم يظهر لهم. و في خلال هذين الجيلين كان اولئك الذين عرفوا الإمام شخصيا و أدركوا أيامه قد انتقلوا الى الدار الآخرة. و قد استطاعت مجرد بقية غير كبيرة من الطائفة الشيعية ان تبقى على قيد الحياة بالسير خلال طريق التقية الوعر. و كانت ج 1-سامراء (19)

290

هذه البقية قد لاقت الأمرين خلال الشغب و الاضطراب السياسي و الاجتماعي الذي ضعفت فيه عقائد الناس أجمعهم و فترت همتهم. و شاع الجور و التعسف في الأرض بحيث صار الكثيرون من الناس يعتقدون بان الإمام كان لا بد من ان يظهر بالتاكيد. فلم يتشتت شمل الأقليه الشيعية الباقية و يزداد الضغط عليها حسب، و انما انحطت سمعة الامبراطورية الاسلامية أيضا و نال منها تكرر غزوات القبائل المتاخمة لها ما نال، كما اصيبت جيوش المسلمين بخسرانات فادحة بالقتال المستمر مع البيزنطيين.

ففي السنة التي توفي فيها الامام العسكري عليه السّلام في سامراء هلك الخليفة الصالح، بعد تعذيب شنيع و راح ضحية لضغط اسياده الأتراك عليه.

و جاء عهد الخليفة المعتمد بسلسلة من الكوارث الرهيبة. و هنا يعدد دونالدسون ما حل بالبلاد العراقية و غيرها من نكبات و يشير الى ثورة صاحب الزنج و ما اقترفت فيها من فظائع و شناعات، و الى ما وقع من حوادث الطاعون و الزلزال و ما حصل من نزاعات و حروب اهلية، فضلا عن اندحار الجيوش أمام البيزنطيين، حتى تولى السفاح الثاني، الخليفة المعتضد، و استطاع ان يعيد الى الخلافة شيئا من هيبتها.

و يقول دونالدسون بعد سرد هذه الأشياء ان الوكيل الرابع قد تولى في أسوأ الأوقات و أنحسها. و ربما كان هذا الوكيل يعتقد بالنسبة لما جرى ان الأمام القائم (ع) كان لا بد من ان يظهر، و الا فسيكون موقفه حرجا بين الناس و يصيبه الكثير من الخيبة و الفشل. و لذلك نجده يقول حينما كان يحتضر:

و طلب اليه ان يسمي وكيلا من بعده، ان الأمر اصبح بيد اللّه. و هكذا رفض ترشيح احد، فلم يعد يوجد بهذا على وجه الأرض اي وكيل للإمام منذ ان توفي السمري سنة 329 (940) حتى اليوم، و انتهت مدة الغيبة الصغرى التي امتدت من سنة 256 الى سنة 329 للهجرة، و حلت بعدها حقبة الغيبة الكبرى. و يقول دونالدسون ان قبر الوكيل الرابع-السمري-يقع في شارع الخلبخي بالقرب من قناة النهربي. لكن المعروف عند الكثيرين من الناس‏

291

ببغداد اليوم هو انه مدفون في وسط سوق السراي في مقابل باب المستنصرية الكبرى تقريبا (1) .

بعد عودة الخلافة الى بغداد
و منذ ان انتقلت عاصمة الخلافة العباسية على عهد المعتمد من سامراء الى بغداد سنة 870 للميلاد، لم يبق لسامراء شأن يذكر و لم تعد تلفت اليها الأنظار الا نادرا. و لذلك نجد ان اسمها ينقطع وروده في التواريخ جميعها الا حينما يشار فيها الى حوادث و رجال اصبحوا في ذمة التاريخ نفسه. و حينما دالت دولة بني العباس، و اكتسحت سيول التركمان و المغول بلاد العراق فقوضت دعائم الخلافة العباسية في بغداد، خمل ذكر العراق بأجمعه و لم يعد سوى أقليم ناء من أقاليم الدول التركمانية، أو ولاية من الولايات المهملة تنتمي الى الدولة العثمانية مترامية الأطراف.

لكن سامراء مع انحطاط شأنها على هذا المنوال، و انقلابها الى محطة صغيرة من المحطات التي تقف فيها وسائط النقل النهرية في في بعض الأحاييين بين الموصل و بغداد، أو بغداد و استانبول، فقد بقيت كعبة للزوار الذين كانوا و ما زالوا يفدون اليها من انحاء العالم الأسلامي جميعه لزيارة الأضرحة المطهرة فيها، التي بقيت رمزا لانتصار العقيدة الحقة على الظلم و الفساد.

و حينما بزغ فجر النهضة الحديثة في أورپة و صارت أنظار الغرب تتجه الى البلاد الشرقية لاستغلالها و استثمار خيراتها و مواقعها الجغرافية، و ترويج المصالح التجارية و الاستعمارية فيها، صار الرحالة الغربيون يسلكون الى الشرق طريق استانبول-الموصل، او حلب-الموصل، ثم يأخذون طريق النهر من الموصل الى بغداد فالبصرة في كثير من الأحيان. و لذلك صرنا نجد اشارات

____________

(1) لقد خصص جزء مستقل من موسوعة المقدسة بسرد حياة الامام الهادي و العسكري و المهدي (ع) و سيمثل للطبع في المستقبل القريب-الخليلي‏

292

عابرة، او اشارات فيها شي‏ء من التفصيل، الى سامراء في رحلات هؤلاء الغربيين، حيث ان اكلاكهم كانت تقف في شواطئها فيتلبثون فيها بعض الوقت.

و أقدم ما عثرنا عليه من هذا القبيل ذكر سامراء في رحلة الرحالة الفرنسي المشهور جان بابتيست تافيرنييه الذي زار العراق في منتصف القرن السابع عشر للميلاد.

و قد وصف في رحلته طريق النهر من الموصل الى بغداد و أتى فيها على ذكر (1) سامراء. فهو يقول (الص 74 من الترجمة العربية) : .. و في اليوم الثاني و العشرين-شباط 1652-بعد ان بقينا ساعتين في الماء، التقينا بجدول يأخذ ماءه من دجلة لسقي الأراضي هناك، و يمتد الى قرب قبالة بغداد، و هناك يصب في دجلة مرة ثانية. و من هناك نزلنا الى البر في الجهة الكلدانية، لأنه كان برفقتنا مسلمون أحبوا ان يتبركوا بزيارة مكان يقال له سامراء، و فيها جامع لا يبعد اكثر فرسخ من النهر، يؤمه كثير من المسلمين لتقديم فروض العبادة، خاصة الهنود و التتر الذين يعتقدون ان اربعين نبيا من أنبيائهم مدفونون هناك. و لما علموا اننا نصارى لم يسمحوا لنا بأن نطأ أرضه. و على خمس مائة خطوة من الجامع برج مشيد بمهارة فائقة، له مرقاتان من خارجه تدوران حوله دوران الحلزون. و إحدى هاتين المرقاتين أعمق في بناية البرج من الأخرى و كان بامكاني ان امعن النظر فيه اكثر من هذا لو سمح لي بالدنو منه الى مسافة قريبة. و الذي لاحظته انه مشيد بالآجر و تبدو عليه مسحة القدم. و على نصف فرسخ منه تبدو ثلاثة أبواب كبيرة كأنها أبواب قصر عظيم. و في الحقيقة لا يبعد في هذه الأنحاء ان كانت مدينة عظيمة، لأن مسافة ثلاثة فراسخ على طول النهر لا يرى شي‏ء سوى الخرائب و الأطلال.

____________

(1) Tavernier,J. B-The Six Voyages of Tavernier Through Turkey Into Asia. ) Made into English by J. P. London 6761 (. و قد ترجم القسم الخاص بالعراق الاستاذان كوركيس عواد و بشير فرنسيس، و نشر ببغداد بعنوان (العراق في القرن السابع عشر) مطبعة المعارف 1944.

293

سامراء في القرن التاسع عشر

إن أقدم من أشار الى سامراء في رحلته من الرحالة الغربيين، الذين أخذ يزداد عددهم في القرن التاسع عشر، الكابتن جون ماكدونالدكينير الانكليزي، الموظف في بحرية شركة الهند الشرقية، و المنتدب لدربار نواب كارناتيك في الهند. فقد جاء من انكلترا الى استانبول في صيف 1813، ثم وصل من الأناضول الى الموصل في طريقه الى الهند. و من هناك استقل كلكا أقلع به الى بغداد. و في خلال هذه الرحلة وقف قليلا في تكريت و سامراء، و كتب‏ (1) شيئا عنهما. فهو يقول: ... و وصلنا الى تكريت في صباح يوم 12 آب 1813، و هي عبارة عن قرية مبنية بيوتها بالطين تقع بين سلسلة من التلول الصخرية في الجانب الأيمن من دجلة. و تكريت هي برثا Birtha القديمة التي كانت في القرن الثاني عشر للميلاد مقرا للمطران اليعقوبي في هذه الجهات. و عند وصولنا الى هنا رخصت الحرس من حملة البنادق الذين كان باشا الموصل قد بعثهم معنا للمحافظة، بعد ان وجدت ان إزعاجهم لنا كان أكثر من فائدتهم.

____________

(1) Kinnier,John Macdonald-Journey Through Asia Minor, Armenia, Koordistan,in the Years 3181 4181. ) London 8181 (.

294

و أقلعنا ثانية في السادسة صباحا فكانت الشواطى‏ء في جنوب تكريت من الجانبين مغطاة بشطيات الرقي و الخيار، التي يرفع لها الماء بالكرود التي تكلمت عنها من قبل (يلاحظ انه يسمى الكرود مكائنا) ... و يكون دجلة عريضا جدا عند تكريت. و في الساعة التاسعة و ثلث لاح لنا مرقد إمام الدور و قريته الكبيرة، التي تقوم على مرتفع غير عال من التلول الرملية البعيدة عن شاطى‏ء الجانب الأيسر من النهر بمسافة نصف ميل و مرقد الإمام بناء عال مربع الشكل تعلوه قبة بنيت بالطراز الاسلامي (ارابيسك) . و لا شك ان «دورا» هو الأسم القديم لهذه البقعة التي يعرفها قراء التاريخ جيدا، بكونها المكان الذي حاول فيه الجيش الروماني ان يعبر دجلة بعد موت جوليان، و حيث وقّع خلفه على اتفاقية مهينة تنازل فيها عن نصيبين و الأقاليم الكائنة فيما وراء دجلة الى الأيرانيين. و كانت الشواطى‏ء هنا أيضا، ملأى بالمكائن المعدة لزراعة الرقي، الذي يعد أحسن رقيّ في البلاد، و يرسل بكميات كبيرة الى بغداد. و قد لاحظنا وجود بستان كبيرة للنخيل أول مرة منذ أن خرجنا من الموصل. و في الساعة الحادية عشرة و نصف لاحت لنا خرائب الطين لقرية أسكي بغداد في الجانب الأيسر، و هنا يتفرع النهر الى فرعين متساويين في الحجم يحيطان بجزيرة طولها نصف ميل. و في الثانية عشرة و نصف أتينا الى بلدة تسمى «اشناس» على الجانب الأيسر. و بعد ان سرنا الى الساعة الثانية بعد الظهر لاحظنا اطلالا عالية لقصر يسمى «قصر العاشق» على بعد ربع ميل من ضفة النهر اليمنى، و في مقابلها مباشرة من الجانب المقابل خرائب يقال لها «المعشوق» . و للعرب أساطير و أقوال تروى عن هذين المكانين.. و هنا أيضا يقسم النهر الى فرعين سرنا في الفرع الواقع على يميننا منهما، و ما حلت الساعة الثالثة حتى وصلنا الى سامراء الكائنة في الجانب الأيسر:

و هي بلدة تحتوي على ألفي نسمة، و تبعد حوالي ربع ميل عن نقطة تشعب الفرعين. غ

295

و كانت سامراء، و هي سامير Samere القديمة، محل الأقامة المفضل لعدد من خلفاء بني العباس، و لا تزال أطلال مدينتهم هناك تشغل فسحة كبيرة من الأرض. و أهمها قبر و مشهد الأمام المهدي الذي دفن في سامراء (؟) .

و هو بناء. جميل من الطابوق، تعلوه قبتان و منارتان مزينتان بالكاشي الملون الذي يتباهى به العرب، و يبدو بمنظر جذاب حينما تتساقط أشعة الشمس عليه. و هناك على مسافة غير بعيدة عنه برج مخروطي الشكل يعلو علوا عظيما، و يبدو بمنظر متناسب. و تلف حول هذا البرج مرقاة حلزونيه شيدت بمهارة بحيث يمكن ان تصعد منها الى القمة الخيل و البغال عند اللزوم.

و على بعد عشرة أميال و نصف من شمال شرق البلدة الحديثة، و على الفرع الأيسر من دجلة، تقوم خرائب قصر الخليفة الذي يبدو أنه كان واسعا جدا، و هو مبن بالطابوق و الطين. و لكنه برغم ما كان عليه من أهمية و ازدهار لا يحتوي على شي‏ء يستحق المشاهدة (يظهر ان الكابتن كينير لم يكن يتذوق الآثار و ما فيها من فن و زخرفة) . و تشاهد أيضا أقساما كبيرة من سور البلدة أيضا، و هي تمتد الى مسافة غير يسيرة في البادية المحيطة بها. و من الصعب ان يتصور المرء كيف ان بقعة مثل هذه يمكن ان تنتخب موقعا لعاصمة مهمة يقيم فيها «أمير» ذو سطوة و منعة. فان أرضها الممتدة الى مد البصر قاحلة، و هي يباب بلقع ليس فيه زرع و لا شجر، يمكن أن يريح و لو قليلا من سطوع الشمس و حر الرمال. و يمتلي‏ء الجو من فوقها بغيوم من الغبار تولدها الريح الشديدة التي تضيف بعصفها شيئا غير يسير الى وحشة المكان. و مع ان المعروف عن العراق العربي ان أرضه تصبح خضراء نضرة بمجرد سقيها و جر المياه لها، فان الضفاف هنا عالية و دجلة عريض ضحل. و لذلك لا بد من ان تنشأ صعوبات غير قليلة في الري هنا.

و قد كتب بعد كينير من الرحالين الغربيين، في القرن التاسع عشر، المستر كلوديوس ريج القنصل البريطاني في بغداد (1808-1821) على‏

296

عهد الولاة سليمان باشا الصغير (المسمى بالقتيل) و سعيد باشا، و داود باشا آخر المماليك. و كان هذا رجلا مثقفا متحركا قوي الشخصية، سافر كثيرا في العراق و تجول فيه بقصد الاطلاع و استكشاف الآثار التاريخية و غير ذلك.

و قد سافر في 1816 الى أوربة مع زوجته، ثم عاد منها عن طريق استانبول و الموصل، و توجه من الموصل الى بغداد بالكلك عن طريق دجلة. فأشار الى سامراء حين توقف فيها و نزل ليطلع على أحوال البلدة و معالمها. و لذلك ذكرها في مدوناته أو يومياته عن الرحلة. و قد اطلعت إحدى قريباته المسماة كونستانس اليكساندر، على هذه اليوميات فلخصت ما كتبه عن سامراء بالذات في كتابها (1) المعروف بعنوان (بغداد في الأيام الغابره) . فهي تقول عن سفرة ريج و زوجته بعد ان تحركا من تكريت: .. و كانت سامراء، التي تبعد بمسافة عشرين ميلا، موقعا آخر من مواقع الاستراحة، و قد مروا في الطريق اليها بخرائب أسكي بغداد التي كانت تمتد لمسافة غير يسيرة على طول النهر. و هي تعود في تاريخها الى أيام الخلفاء الأوائل، و لم يكن فيها سوى تلول من الزبل تدل على الموقع. على ان سامراء كان لها شي‏ء من الأهمية، و يقدسها الشيعة تقديسا كبيرا، لأنها قد دفن فيها ثلاثة من أئمتهم: أي الامام علي النقي، و الحسن العسكري، و أعظم الجميع المهدي صاحب الزمان الذي غاب هنا، و لا يزال يعيش في إحدى الآبار على ما يزعم، ليعود الى الظهور من جديد في آخر الزمان. و كان قد بني مؤخرا جامع جديد، و بقربه حمام و خان لايواء الزوار، على نفقة أحد الايرانيين المتدينين. و حينما كان ريج و جماعته يتجولون في سامراء جاءهم المتولي، او الكليدار، و دعاهم للتفرج على الجامع و السرداب الذي غاب فيه المهدي أو قتل (؟) . فلم يتحمس ريج و المسيحيون من جماعته للنزول الى سرداب الغيبة، فقد لا يروق ذلك زوار الشيعة، لكنهم نظروا الى الداخل من احدى الكوات فوجدوا هناك

____________

(1) Alexander,Constance M-Baghdad in Bygone Days) London 8291 (

297

على ما يقول درويشا يتمشى ذهابا و ايابا و هو يقرأ الزيارة و الدعاء. و كانت هناك أيضا بئر خاصة يلاحظ في قعرها على الدوام قمر تام البزوغ، على ما يقال‏ (1) ، و كان هذا ناتجا بطبيعة الحال عن حيلة ما في الأضاءة، نظمرا لعمق البئر و صغر الفتحة التي يدخل منها النور، لكن ذلك كان فيه تطمين للآمال التي يعلقها الزوار عليه.

و كانت ترى فيما حول سامراء خرائب ممتدة، و بقايا أبنية كبيرة في

____________

(1) و هذا من مزاعم العامة فليس هناك قمر و لا نجم و لا أي شي‏ء مما تقوله العامة و هي بئر كسائر الآبار الأخرى و كل ما فيها من مزية انها واقعة في مثل هذه البقعة المقدسة-الخليلي‏

احد مداخل الروضة العسكرية و قد تجلت فيه روعة الفن المعماري و الصياغة و الخط

اسكن

298

جميع الجهات، و أهمها او أكثرها استثارة لحب الاستطلاع كان البرج المدور الملوي على شاكلة الحلزون المتكون من ستة طوابق (؟) الذي قال أحدهم عنه انه كان منارة للجامع، و قال آخرون غير أنه كان برجا للمراقبة.

و لا شك ان المقصود بهذا (الملوية) المعروفة التي بنيت لتكون منارة للجامع الكبير القريب منها.

و قد فحص ريج بعض الخرائب الأخرى الممتدة على طول النهر:

فظن أنها لا بد من ان تكون اطلال القادسية، نظرا لشكلها المشابه للأبنية الساسانية، و لنوع الآجر الذي كانت مبنية به. و كانت هذه البلدة قد تقرر فيها إنهاء أمر الامبراطورية الايرانية في القرن السابع، حينما وقعت فيها معركة حامية ضد العرب الذين استولوا عليها في النهاية. و لا شك ان المستر ريج، و قريبته كاتبة الكتاب، قد أخطآ في هذا التفسير، لأن الموقعة التي جرت بين الفرس و العرب في شهر شباط او مارت سنة 637 م، المشار اليها، قد وقعت في قادسية الكوفة الكائنة على الفرات و ليس قادسية دجلة كما ظنا.

يضاف الى ذلك ان الآثار التي اعتقد ريج انها القادسية من المحتمل جدا ان تكون غير القادسية، لأن قادسية دجلة تبعد عن سامراء من جهة الجنوب بحوالي ثلاثة فراسخ و لا أظنه يستطيع الذهاب من سامراء اليها في تلك الظروف.

و يقول المنشي في رحلته ان محيطها يبلغ ثلاثة أميال و هي بلدة مدورة و ان عرض سور القادسية (15) قدما.

و قد جاء في (رحلة المنشي البغدادي) (1) المعربة من الفارسية عن سامراء في ذلك الدور (1822) ما يأتي: .. و من الدور اليها ثمانية فراسخ، طيبة الهواء كثيرا، و فيها نحو ألفي بيت. و من المزارات فيها مزار الامام علي النقي، و الامام حسن العسكري (ع) ، و محل غيبة الامام محمد المهدي. و في

____________

(1) رحلة المنشي البغدادي (السيد محمد بن السيد احمد الحسيني) ، ترجمت و نشرت في بغداد سنة 1948، الص 88.

299

كل سنة يبلغ زوار الشيعة من العرب و العجم نحو ثلاثين ألفا، يأتون الى هذه المشاهد للزيارة و يقال لسامراء العسكر. و طولها و عرضها ثلاثة فراسخ تقع على ساحل دجلة. و هي من بناء الخلفاء العباسيين، و أكثر بيوتها الى الآن ظاهرة، و لها مسجد كبير من بناء الخلفاء. و المنارة فيه يقال لها «الملوية» لا تزال قائمة، و يصعد اليها من الخارج بالتواء، بخلاف سائر المنائر فان طريق الصعود اليها من سلم في الداخل. و في سامراء البطيخ الأحمر كثير الجودة، و ليس فيها و لا في الدور و تكريت بساتين من جهة أن أرض تلك الأنحاء كلسية.. هذا و نذكر زيادة في الايضاح ان السيد المنشي كان موظفا في القنصلية البريطانية ببغداد، اي في معية المستر ريج القنصل المار ذكره.

رحلة جونز
و ممن اشتهر ذكره من الأجانب في العراق في اواسط القرن التاسع عشر الكوماندر فيليكس جونر. و كان هذا من رجال البحرية في الحكومة الهندية (الانكليزية طبعا) يومذاك، و قد انتدب لمهمات كثيرة في العراق كان من أهمها مسح الأنهر العراقية، و لا سيما نهر دجلة، تمهيدا لفتح خطوط ملاحة نهرية فيها. و من جملة رحلاته هذه (رحلة بالباخرة الى شمال بغداد) (1) بدأ بها على ظهر الباخرة (نيكوتريس) في يوم 2 نيسان 1846، و قد وصل في هذه الرحلة الى سامراء مساء يوم 6 منه.

و هو يكتب عن سامراء في تلك الأيام، فيقول: .. تقع بلدة سامراء الحديثة على جرف عال ممتد فيكوّن الضفة اليسرى من دجلة، و هي الآن محاطة بسور متين شيّد على حساب شيعة الهنود المتنفذين. و حينما زرتها في 1843، كان هذا السور قد بدى‏ء بتشييده حديثا، و كانت البلدة قبله

____________

(1) Gones,Commander Games Felix-Gournal of A Steamship Trip to the North of Baghdad,Submitted to the Government ou the 5 th November 6481. ) Bombay Education Society`s Press,7581.

300

مكشوفة، فكابدت كثيرا من طلبات البدو الجائرة. فقد كانوا يخيمون في خارجها، و يهددون بغزوها اذا لم تنفذ مطاليبهم المتكررة. على أنها أصبحت اليوم آمنة بفضل السور الجديد، و لا يحصل فيها مثل ما كان يحصل. لكن بناء السور حصل فيه شي‏ء غير يسير من قصر النظر، لعدم تمديده الى ما يقرب من حافة الجرف المطلة على النهر نفسه، لأن البدو يستطيعون الآن ان يأتوا في كل وقت فيخربوا القناة التي تأخذ الماء الى البلدة، و بقطع هذا الشي‏ء الحيوي يستطيعون ارغامها على الرضوخ لمطاليبهم.

و هي على كل حال بلدة حقيرة بوجه عام، لكن أهميتها تعزى في الدرجة الأولى الى الضريحين الجميلين الموجودين فيها. و تعلو هذين الضريحين قبتان، شيدت كبراهما فوق قبر الامام الحسن العسكري. و قد أجريت بعض الترميمات فيها مؤخرا، و اعتقد انها كانت قد كسيت من قبل بالذهب على غرار القباب المقامة في الكاظمية و كربلا و النجف، لكنها تبدو الآن بيضاء تماما لأن المبالغ المتيسرة حاليا عند المعنيين بها غير كافية للعمل على إرجاع رونقها السابق اليها. اما القبة الصغيرة، أو قبة الامام المهدي، فهي قبة نظيفة جديدة قد زينت بالكاشي الجميل الموشى بأوراد صفراء و بيضاء فوق أرضية خضراء تميل الى الزرقة.

و كان الامام المهدي آخر الأئمة، الذين يقدسهم الشيعة، و يقال انه اختفى في هذه البقعة. و يدل كهف كبير أقيم فوقه هذا البناء على الموقع الذي غاب فيه الامام، و يعتقد انه سيعود الى الظهور فيه في المستقبل. و لذلك يقدسه المسلمون كثيرا، و لا سيما الشيعة منهم. و يقصد هذا المكان كل سنة من الزوار من انحاء ايران كلها. فقد قيل لي ان معدل زوار هذه البقعة المقدسة يبلغ حوالي عشرة آلاف كل سنة، لكنني ميال الى الاعتقاد بأن هذا العدد يعتبر أقل من الواقع بكثير. و لا تجبى أية ضريبة هنا عليهم، لكن أصحاب الخانات و البيوت التي يقيمون فيها يدفعون الى الحكومة قرشين اثنين عن كل زائر.

و في حاشية للكوماندر جونز يقول ان الأتراك منذ ان احتلوا كربلا

301

و النجف المقدستين في 1843، قل توارد الزوار على باشوية بغداد، لكن الأمن الذي تسهر عليه الحكومة اليوم و التساهل الذي يبديه الوالي نجيب باشا سوف يعيد الزوار الايرانيين بسرعة الى التكاثر من جديد، و يضيف في الوقت نفسه الى واردات الولاية المادية كل سنة شيئا غير يسير من المال، الذي كان قد قل بتأثير السياسة التي كان يتبعها الباشا من قبل. لكن المعروف في التاريخ ان نجيب باشا هذا كان ظالما متجبرا هاجم كربلا بقسوة و فظاظة سنة 1843 و أخضعها بقوة و عنف. و من جملة ما يروى عن هذه الوقعة ان كثيرا من الأهالي التجأوا الى صحن الامام العباس (ع) فلم يعصمهم ذلك من شر الهجوم، و قد قتل قسما منهم ظلما و عدوانا، و ان الباشا نفسه روي عنه انه دخل ممتطيا صهوة جواده الى الصحن كذلك عند تعقيب الفلول المتقهقرة من الأهلين‏ (1) . و لعل هذا الحادث هو الذي أدى الى تناقص الزوار او انقطاعهم بعد ذلك.

ثم يتابع فيليكس جونز حديثه فيقول: ان البلدة تتألف من حوالي (250) بيتا، مع عدد من السكان السنّة لا يتجاوز الألف الذين يحمل مائة منهم السلاح.

و قد أقطعت البلدة في هذه السنة الى الضابط الحالي السيد حسين لقاء (000,280) قرش، أو ما يعادل (660) باونا استرلينيا تقريبا.

و يوجد على ما يقرب من نصف ميل من شمال البلدة برج غريب حلزوني الشكل، يسمى الملوية، و يقدر علوه بمائة و ثلاثة و ستين قدما. و من الممكن للناظر ان يرى من قمته منظرا جميلا لسامراء القديمة. إذ تنتشر في كل جهة من الجهات أكوام من كسر الطابوق و الزجاج و الخزف، بالاضافة الى التخطيط الواضح للكثير من الأبنية القديمة الذي يمكن ان يشاهد. و المقول ان المدينة القديمة كانت تسقى بكهريز تحت الأرض، يبدأ فمه (فتحته) فيما يقرب من حمرين. و ما تزال آثار هذا الكهريز معروفة بواسطة بقايا الآبار. و قد

____________

(1) راجع الص 276 من الجزء المختص بكربلا من هذه الموسوعة.

302

شيدت الملوية و بقايا البناء المستطيل (الجامع او المدرسة) القريب منها بالطابوق الفاخر، الذي لا يمكن أن يضاهي بناءه النظيف البناء الذي يحصل اليوم.

و يبلغ طول المدرسة (او الجامع) 810 أقدام و عرضها 490 قدما، و لها اثنتا عشرة دعامة او ركيزة ما بين الحصون الركنية في الضلعين الشمالي و الشرقي و الجنوبي و الغربي. و يقابل المدخل الرئيس القبلة، ليدل في الحال على أصله الاسلامي. و يبدو ان بركة كبيرة كانت توجد في وسط الصحن، و يبلغ علو السور اليوم حوالي ثلاثين قدما، كما تشاهد من الجهة الجنوبية الغربية بقايا شبابيك قوطية الطراز. و الى الشمال الغربي للملوية، على بعد ميلين و نصف تقريبا توجد بقايا قصر الخليفة أو قصر المعتصم ثامن الخلفاء العباسيين:

الذي ترك بغداد و بنى سامراء خوفا من طبيعة البغداديين الثاثرة. و ليس فيه اليوم قائما غير مدخله، و تشغل الأطلال المحيطة به مساحة كبيرة من الأرض، توجد تحتها غرف مقببة. و هناك أقوال كثيرة ينقلها العرب عن هذه الغرف، التي كنا خلال زيارتنا لها في 1843 قد نزلنا اليها بالحبال، فأخاف ذلك السكان العرب الذين لم يكونوا يأمنون الوقوف بقربها. فهم يعتقدون اعتقادا جازما ان أسدا كان يقيم في هذا المكان. و تمتد هذه الأقبية الى مسافة غير يسيرة، و يبدو انها كانت قد نحتت في الحجر الكلسي لكن اسطحها بنيت بالطابوق.

و لا شك ان موقع سامراء كان قد اختير اختيارا جيدا. إذ يحده دجلة من الغرب، و يمتد فرع النهروان الرئيس من قنطرة الرصاص الى نهر العظيم من الشمال، كما يمتد فرع النهروان الجنوبي من القائم نحو الشرق ليتصل بالفرع الشمالي في الجنوب. و بذلك يحيط بمستطيل كبير جدا من الأرض الغنية بخصبها التي يبلغ طول أطول جهاتها 35 ميلا انكليزيا، و الضلعين الباقيين حوالي عشرين ميلا. و قد أشغلت هذه المنطقة عدة بلدان من قبل، و يدل على خصبها وجود الأقنية العديدة المتفرعة من النهروان. اما الآن فلا ترى فيها و لا ورقة واحدة أو ذرة من العشب.

و الى الشمال الغربي من قصر الخليفة، و فوق تل متموج يكوّن الحدود