موسوعة العتبات المقدسة - ج12

- جعفر الخليلي المزيد...
336 /
303

اليمنى لوادي دجلة يوجد طلل آخر من نفس النمط البنائي على ما يبدو.

و لا يزال قسم من حصون هذا الطلل قائما.. و هي اما دائرة او مضلعة، و مبنية باتقان من أفخر الطابوق. و هذه أطلال قصر «العاشق» ، و بعض التلول العالية الكائنة في منتصف المسافة بين قصر الخليفة و العاشق في وادي النهر نفسه تدل على وجود آثار قديمة فيها، ربما تكون بابلية الأصل على ما اعتقد. على ان العرب يطلقون على هذه التلال «المعشوق» ، و يقال ان جسرا كان يصل في قديم الزمان بينها و بين العاشق. و على بعد أربعة أميال من شمال سامراء يقوم تل عال في الفضاء، يسمى «تل العليج» . و تروى عن هذا التل قصص عدة تفيد بأنه كان قد أقامه ملك قديم أمر جنوده بأن يأتي كل منهم بمل‏ء كيس العليق من التراب الى هذا المكان فتكون هذا التل الكبير. و هو يشبه تمام الشبه التلول التي تشاهد في سورية و وادي الشهريزور بالقرب من السليمانية.

و يقول فيليكس جونز في الحاشية ان هذا التل العالي موقع كومة الحطب التي حرقت بها جثة الأمبراطور جوليان الروماني قبل ان يؤخذ رمادها الى طوروس. ثم يذكر بالتفصيل قصة الحرب التي وقعت بين الرومان و الايرانيين و قتل فيها جوليان، التي أتينا على ذكرها قبل هذا نقلا عن كتاب بيرسي سايكس عن تاريخ ايران.

رحلة جون أشر
و في صيف 1864 قام المستر جون أشر، عضو الجمعية الجغرافية الملكية في لندن، برحلة طويلة الى موقع الآثار الايرانية المعروف باسم پرسو پولس، او تخت جمشيد، القريب من شيراز. و ضمّن جميع مشاهداته على طول الطريق في رحلته‏ (1) المطبوعة سنة 1865. و قد عبر من الأناضول الى الموصل،

____________

(1) Ussher,Gohn-London to Persopolis,including Wanderings in Daghestan,Georgia,Armenia, Persia) London 5681 (

304

ثم استقل الكلك منها الى بغداد، فمرّ في طريقه بسامراء. و قبيل وصول الكلك الى سامراء مرّ بنهر النهروان، ثم وصلوا في مساء ذلك اليوم الى ما يقابل خرائب أسكي بغداد التي كانت تشغل رقعة كبيرة من الأرض. و يقول المستر أشر أن هذا الاسم أطلقه العرب على أطلال هذه البلدة الفارسية او العربية القديمة. و في صباح اليوم التالي (19 كانون الأول 1864) مروا بأطلال قصر العاشق قبيل الرسو في سامراء.

اما سامراء نفسها فقد وجدها المستر أشر بلدة غير صغيرة فيها عدد كبير من السكان، و شاهد فيها الملوية التي سماها برجا و قدر ارتفاعها بمائة قدم.

و هو يقول ان آثار العباسيين فيها كانت مغطاة بأكوام كبيرة من التراب و الأنقاض، و يشير الى تقديس المسلمين الشيعة لمشهد الامامين العسكريين، و غيبة الامام الحجة (صاحب الزمان) فيها. و عند استئناف الرحلة وصل الكلك في مساء ذلك اليوم الى خرائب اصطبلات فألقى مراسيه بالقرب منها للمبيت.

الرحالة نيجهولت‏
و قد زار الرحالة الهولاندي لكلاما آنايهولت (نيجهولت) العراق سنة 1866/67، و بقي في بغداد مدة من الزمن، ثم غادرها قاصدا سامراء يوم 16 أيار 1867. و قد لخص سفرته‏ (1) هذه الأستاذ مير بصري، الذي يقول أنه خرج من بغداد فمر بقرية الجديدة (بالتصغير) على دجلة، و ينگجة، و الجيزاني، و نهر حزام، و خان نجار، و خان المزراقجي، حتى لاحت لعينيه قباب سامراء في 21 أيار. و كانت أبواب البلدة مغلقة خشية هجوم الأعراب، ففتح له الباب الشمالي و أخذ الى دار فسيحة بنيت للزوار، و فيها شرفة جميلة و غرف تطل على فناء رحيب و اصطبل للخيل. و يحدثنا الرحالة

____________

(1) Lycklama a Nijholt: Voyages en Russie... etc.

305

عن مدير الناحية الذي زاره حالما علم بقدومه و هيأ له وسائل الراحة، و أرسل اليه الهدايا من الخرفان و الفواكه و التمر و كان المدير عبيد الناجي أغا رجلا صغيرا لطيف المعشر، فائق الأدب، في نحو الثلاثين من عمره.

و يقول الرحالة ان سامراء مبنية على تلال كثيرة الحصى تشرف على نهر دجلة، يحيط بها سور شيد قبل عهد قصير بأمر أميرة هندية لحماية البلدة من غزوات البدو. و تضم سامراء مدافن أئمة الشيعة الثلاثة: علي النقي و ابنه لحسن العسكري و حفيده المعروف بصاحب الزمان الذي يقال ان أعداءه حاولوا الفتك به، فلما رفعوا الجنجر لقطع رأسه، انشقت الأرض و غيبته، فاذا بمهاجميه الذاهلين أول المؤمنين بقداسته. و يقول رحالتنا ان شاه ايران قد أعلن قبل عدة أشهر عزمه على اهداء صفائح ذهب لتزيين القبة، فكان الناس ينتظرون وصول هذه الهدية الثمينة خلال أيام معدودة.

و يقول كذلك: ان النهر الذي يبعد قليلا صافي المياه بالنظر الى الحصى الذي يكسو عقيقه، و عرض دجلة يبلغ هنا نحوا من (300) متر، و على شاطئيه تقوم خرائب المدينة القديمة التي كانت بلدة كبيرة لا تقاس بها القرية الحاضرة التي تضم سوقا صغيرة تتألف من بضعة دكاكين يباع فيها التبغ و الرز و التمور و التفاح الأخضر الخ. و يحيط السور بالبلدة عدا جهة النهر، و له فتحات عليا، و ثلاثة أبواب. و نفوس سامراء تقرب من 400 عائلة. و يقول الرحالة ان قبة صاحب الزمان المغشّاة بالقاشاني جميلة، اما قبة العسكري فمتداعيّة و للمسجدين فناءان فسيحان لم يسمح لصاحبنا بالدخول اليهما، و كان انطباعه عن سامراء اجمالا ان فيها شيئا يبعث الانقباض في النفس لمنظر هذه الأطلال الشاسعة التي توحي بعظمة البلدة السابقة و انحطاطها الحاضر.

و أشاد نايهولت بهواء البلدة النقي و خلوها من البعوض، و ذكر الملوية التي تشبه برج (بيزا) و سائر الأطلال العباسية، ثم نوه بمشاهدته لقدوم الأفواج المتقاطرة من الزوار. و هو يقول ان مدارج الملوية تتصاعد بيسر و سهولة ج 1-سامراء (20)

306

حتى يمكن للخيل و البغال ان ترقاها الى أعلى حاملة الخلفاء الى الشرفة التي تطل على الضواحي. و كانت توضع بالغرفة المقامة بأعلى الملوية، و لها فتحات الى جهات الأفق، مصابيح تسرج في كل مساء لانارة سبيل القوافل القادمة ليلا. و ترتفع الملوية في ظهر مسجد الجمعة العظيم الذي لم يبق منه سوى حيطانه الخارجية، و قد رأى نايهولت الأخشاب و القصب المستعملة في بنائه كما في طاق كسرى. و من هناك يصل السائر، اذا اتجه صوب النهر، الى (ميدان أسبها) اي (سوق الخيل) و المكان يغشاه العشب، ثم (المهترخانه) و كانت اصطبلات واسعة، فالمدرسة، و لم يحفظ الزمن من كل تلك المباني سوى أنقاض و حيطان متداعية و آثار أرضية ممزوجة بالطابوق. و يأتي بعد ذلك السوق التي تمتد الى آخر البلدة على مسيرة ربع ساعة من دجلة، و هناك لا تزال قائمة.

و قد مضى الرحالة متجها الى اليسار ليصل الى (حفرة السباع) ، و هي حفرة عميقة مقطوعة في الصخر الكلسي الذي يؤلف قاعدة تلال سامراء القديمة. و تؤدي الحفرة الى مغاور كانت تتخذ لحبس الأسود، و هي محفورة في الصخر أيضا و معقودة بالطابوق. و المقول ان حفرة السباع تتصل بدهاليز تحت الأرض بسجن قريب. و يروى في ذلك ان الخليفة هارون الرشيد القى في هذا السجن بالامام حسن العسكري‏ (1) و أراد ان يجعله فريسة للسباع فأمر بفتح الباب المتصل بمغارة الأسود. لكن الوحوش الضارية ما أن دخلت و رأت الامام حتى أقعت باحترام عند قدميه، و لم تمسسه بسوء. ثم توجه الرحالة لزيارة بقايا قصر من قصور الخلفاء، و هو مشيد على مثال مدائن كسرى بمقياس أصغر، فثمت نفس توزيع الحجر على الساحة الداخلية مع طاق رئيس في وسط ما تبقى من الواجهة و نفس نقاط تعليق المصابيح في السقف

____________

(1) هذه الرواية مروية عن المعتمد لا هرون الرشيد و لعل الرحالة يقصد بها المعتمد هرون و ليس هرون الرشيد. الخليلي‏

307

المعقود. و ترى الى جانب ذلك فتحة كان فيها جرس استولى عليه بعض القناصل من هواة الآثار!

و تجاه هذه الخرائب مباشرة تنتهي التلال فتنبطح الأرض سهلة حتى تتصل بدجلة على مسيرة عشر دقائق. و هناك مرتفع على الشاطي‏ء كانت تقوم عليه قرية أرمنية اسمها (الگاوور) أي (قرية الكفار) . و كان في موقع سامراء الحاضرة محلتان أخريان للأرمن أسمهما (الناصرية) و (الخاتون) و عند أطلال قرية الگاوور الأشجار الوحيدة المزروعة في ضواحي سامراء و هي اشجار توت، و لذلك سمي المكان باسم (التكي) و هو ثمر التوت باللغة الفارسية. و اذا أصعدنا في ضفة النهر بلغنا أنقاض حصن يسمى (قلعة اشناس) :

و على بعد فرسخين منها أطلال (أبي دلف) و ينسب بناؤها الى الفضل بن يحي البرمكي. و وصل الرحالة بعد ذلك الى (تل العليج) الذي يزعم أنه من عمل جنود هارون الرشيد: فقال ان الامام العسكري سأل الخليفة عن عدد جنده، فأجاب هارون سيحمل كل جندي حفنة من الرمال و يرميها في هذا المكان فترى الذي سيرتفع بعد ذلك!و هكذا صنع مئات الآلاف من رجال الجيش التلول التي نشاهد آثارها الآن.

و على الجانب الآخر من النهر ترى أطلال مربعة الشكل تنتهي بأعمدة أو أبراج صغيرة، و هذا كل ما بقي من قصر مشيد بالآجر بازاء قصر الخلفاء و يعرف بقصر «العاشق» . و تحدثنا الأساطير عن فتى أحب بنت الخليفة و أحبته، فلم يكفها ان تراه من نافذتها بل أمرت بتشييد شرفة على سطح قصر أبيها لتتمتع بمشاهدته. و وراء قصر العاشق خرائب أخرى تعرف باسم «كف الكلب» إذ يسمع منها في مساء أيام الجمع نباح الكلاب!!

و قد عاد الرحالة من زيارة تلك الأماكن يصحبه السيد مهدي، الذي اختاره المدير لمرافقته. و غادر سامراء في الغداة بعد ان اشترى كلبا سلوقيا جميلا، و قد رافقه مضيفاه السيد عباس و السيد محمد شطرا من الطريق.

و نقول تعليقا على ما جاء في أقوال نايهولت عن الامام العسكري و السباع،

308

و على ما جاء في قولي فيليكس جونز و نايهولت عن تل العليق، ان القصة التي تروى عن القاء الامام عليه السّلام بين السباع قد جرت في أيام الخليفة المعتمد و ليس في أيام هارون الرشيد كما لا يخفى. اما تل العليق فقد اختلف فيه الرواة العرب فنسبوا القصة الى الخليفة المعتصم أولا و الى المتوكل أيضا. و يقول‏ (1) الدكتور سوسة في هذا الشأن «.. و قد اختلفت الآراء في تاريخ انشاء تل العليق كما اختلفت في معرفة الغاية التي أنشي‏ء من أجلها، فبعض المؤرخين من الأفرنج يرى انه يرجع الى عهد الرومان و البعض الآخر يرى انه يرجع الى ما قبل ذلك العهد. الا أننا نرى بان اتصال التل بقناة المتوكل هو أقوى دليل على أنه من عمل المتوكل. اما القصد من انشائه فتكاد الآراء تجمع على أنه انشي‏ء لتأمين تمتع الخليفة و رجال حاشيته بمناظر حلبة السباق من محل مرتفع يمتد فيه البصر الى أقصى حد الحلبة مما يساعد على تتبع حركات الخيول في هذه المسافة الطويلة. »

السر والس بج‏
و قد وصل الى العراق قادما من مصر سنة 1888 عالم من علماء الآثار البريطانيين يدعى السر والس بج، و أقام في بغداد عدة أشهر. فتسنى له خلال مدة وجوده في العراق ان يزور الكاظمية و سامراء و يكتب شيئا عنهما، في كتابه الذي أخرجه بمجلدين سنة 1920 بعنوان (على ضفاف النيل و دجلة) (2) .

و كانت زيارته لسامراء عن طريق النهر بين الموصل و بغداد. و هو يقول بعد توجهه بالكلك من الدور الى سامراء انهم بعد ان جاوزوه بقليل لاح لهم في الجانب الشرقي من النهر تل عال كبير يسمى «تل البنات» ، ثم باتوا في الكلك تجاه مصب النهروان على مقربة من «تل المهيجر» . ثم اقلعوا في صباح اليوم

____________

(1) ري سامراء في عهد الخلافة العباسية، ج 1، الص 120.

(2) Budge,Sir Ernest A. Wallis-By Nile Tigris) London 0291 (

309

الثاني و ظلوا يسيرون في محاذاة الجانب الغربي من دون ان يعبروا الى الضفة الشرقية ليشاهدوا خرائب «قنطرة الرصاص» التي يقول انها سميت كذلك لأن حجارتها شدت بالرصاص، ثم جاوزوا «أبا دلف» القائم في الضفة الشرقية و شاهدوا أطلال «قصر المتوكل» أو «الجعفرية» التي يقول عنها انها عبارة عن ضاحية من ضواحي سامراء الشمالية، و إن القسم الأكبر منها يسمى «أسكي بغداد» . و مروا بعد ذلك بخرائب أشناس و تل العليق الذي يقع على بعد ميلين او ثلاثة عن ضفة النهر. لكنه يقول إنهم رأوا على الضفة نفسها -أي الشرقية- «قصر المعشوق» . و بعد ان تجاوز السر والس و جماعته خرائب قصر الخليفة في الجانب الشرقي من النهر وصلوا الى سامراء فتوقفوا فيها قرب جسر الزوارق الذي يشير الى وجوده.. ثم قصدوا البلدة من شاطي‏ء النهر الرملي فوجدوها محاطة بسور سميك يبلغ ارتفاعه تسعة عشر قدما، و كان حديث البناء لكنه بحاجة الى شي‏ء من الترميم.

و يقول السر والس أن أحد الثقلاء فرض نفسه عليهم و رافقهم خلال تجوالهم في البلد، لكنه نصحهم بأن يغادروه بأسرع ما يمكن لأن نظرات الناس في السوق اليهم، و تصرفاتهم تجاههم، كانت شيئا غير ودي. فدلت على أنهم لم يكونوا من المرغوب فيهم هناك. ثم يذكر ان البلدة تشتهر بوجود مشهدي الامامين العاشر و الحادي عشر فيها، و يسميها (علي العسكري) و (الامام الحسن) ، و يقول ان القبتين القائمتين فوق الضريحين كانتا من أروع ما يمكن ان يشاهده المرء من بعيد. لكنه يستدرك و يقول ان اقترابهم منهما كان شيئا غير ممكن. و يحدثنا عن الجامع الذي تقوم في وسطه قبة صغيرة و يقول ان سردابا أرضيا غاب فيه الامام الثاني عشر سنة 898، و أنه على ما يقال ما زال حيا يرزق. و لذلك سمي بالامام القائم، و هو الامام المهدي الذي سيملأ الأرض قسطا و عدلا بعد ان ملئت ظلما و جورا حينما يعود الى الظهور.. و يقول بعد ذلك ان المشهدين يقعان في القسم الغربي من البلدة، بينما يقع في شمالها بناء يضم الجامع القديم الذي يبلغ (810) أقدام في الطول و 490 قدما في

310

العرض، و حوالي ثلاثين قدما في ارتفاع السور.

و يحدثنا بج كذلك عن «الملوية» التي يذكر ان كلوديوس ريج يسميها برجا حلزونيا بست طوابق، يبلغ ارتفاعه 163 قدما على ما يقول فيليكس جونز. ثم يذكر ان بعض الرحالة الأوربيين يذهبون الى انها عبارة عن زقورة بابلية، و أنه من المحتمل جدا ان يكون المعتصم هو الذي بنى هذه المئذنة للجامع الكبير الكائن بقربها. اما الحقيقة فهي ان الذي بنى الملوية هو المتوكل. و يتكلم بج بعد هذا عن موقع سامراء الحسن وجوها اللطيف و أراضيها الخصبة، و يرجح ان تكون قد وجدت في مكانها مدينة من المدن القديمة، لا سيما و قد وجد بعض الآجر البابلي على شاطئها. و مما يذكره كذلك ان سامراء كانت قد احتفظت بأهميتها الى ما بعد انتقال مركز الخلافة العباسية عنها.. ثم استحالت في القرن الرابع. عشر الى خرائب و ركام كما يستفاد مما كتبه ابو الفدا و ابن بطوطة عنها. و آخر ما يكتبه بج عن سامراء ان الروضتين المطهرتين فيها يصرف عليهما مما تجود به أكف الزوار من المال، كما يصرف من ذلك أيضا على ترميم سور البلدة و المحافظة عليه. و بعد أن أخذ بج و جماعته شيئا من البطيخ معهم في الكلك و نقدوا البائع ثمنه بالروبيات، اقلعوا متوجهين الى الجنوب.

المس غير ترودبيل في سامراء
كانت المس غير ترودبيل، سكرتيرة دار الاعتماد البريطاني ببغداد، التي عرفت خلال السنين الأول لتأسيس الحكم الوطني في العراق، قد زارت سامراء لأول مرة سنة 1909، أي في أيام الحكم العثماني قبل نشوب الحرب العالمية الأولى في 1914. و كانت منذ ذلك العهد تعمل في مصلحة الاستخبارات البريطانية و تطوح في آفاق البلاد العربية لهذا الغرض. فقد جاءت من لندن الى بغداد عن طريق سورية و نزلت في دار المقيمية البريطانية حينما كان الكولونيل رمزي قنصلا عاما فيها. و من هناك قصدت سامراء لدراسة

311

الآثار الاسلامية فيها على ما تقول، فوصلتها في أواسط نيسان. و لذلك نراها تكتب في رسالتها (1) المؤرخة في 15 منه ما يأتي في انتقاد ما عمله هرتسفيلد المنقب الالماني المعروف:

ركبت مدة قصيرة من الزمن، و أنجزت أشغالا كثيرة، قبل أن أصل الى هذا المكان. فقد أخذنا في طريقنا مقاييس بلدة بأكملها (لعلها تقصد خرائب القادسية القريبة من سامراء) ، و من حسن الحظ أن هذه البلدة لم يبق منها الا أسوارها الخارجية، لكن ذلك استغرق ثلاث ساعات من الوقت. و تعد سامراء أهم مكان في العالم يمكن ان تشاهد فيه العمارات الاسلامية القديمة.

ان المخطط الذي رسمه هرتسفيلد لها هو من بنات أفكاره و تخيلاته، و قد كنت اتوقع بوثوق بأن أجد جميع ما فعله لا يمكن ان يدخل عليه اي تحوير او تحسين من الغير، لكنني يترتب علي الآن أن أفعل كل هذا من جديد، و انا أخشى ان ينطبق هذا على الأشياء الأخرى التي اشتغل بها. فهو مختص بفن العمارة، و لا يمكن ان أتصور ان مختصا بفن العمارة مثله يبقى ما يزيد على الساعة في ذلك الجامع (لعلها تقصد جامع سامراء الكبير) و لا يلتفت الى تفصيلات البناء المهمة فوق العادة، التي لم يلتفت لها. و أنا حينما تسنح لي الفرصة لتدقيق ما فعله المختصون بالعمارة، ابدأ بالاعتقاد بأني أصبحت مختصة فيها أيضا-لكن هذا يعتبر أكثر مما يجب بطبيعة الحال. و على كل فان المرء يمكنه على الدوام ان يقدر تمام التقدير الأشياء التي يسعى لاخراجها و هي مطابقة للحقيقة و الواقع مطابقة تامة..

و في رسالة أخرى، مؤرخة في 18 نيسان تقول: .. و كما توقعت، كان من المحتم علي ان أعيد عمل جميع ما كان هرتسفيلد قد فعله من جديد،

____________

(1) لم نجد رسالة المس بيل هذه بين رسائلها المعروفة بأسم: The Letters of Gertrude Bell بل عثرنا عليها، و على رسالتها الأخرى المكتوبة في سامراء، في كتاب: Gertrude Bell from Her Personal Papers 9881-4191 لمؤلفته‏ ، Elizabeth Burgoyne الص 266.

312

و قد انصرفت الى ذلك بكل عزم و قوة لمدة ثلاثة أيام و نصف. و بينما كنت يوم أمس منهمكة في رسم المخطط لقصر من قصور الخليفة عثر رجل كان يحفر في الخرائب، من أجل استخراج الآجر منها، على قطعة جميلة من الزخارف الجصية التي كانت لا تزال في مكانها. و قد وعدت الناس بأن أقدم بخشيشا لكل من يأتي لي بمزيد من هذا، فكانت النتيجة ان حصلت على قطعتين أخريين من الزخارف الجدارية، تكفيان لتركيب الأجزاء الباقية كلها من هذا الطراز الزخرفي الجميل. و لا أعرف مكانا آخر تعرف فيه الزخارف الجصية القديمة من هذا النوع الا في مصر. و كنت في الوقت نفسه قد جمعت كومة كبيرة من كسر الفخار، الخشن جدا، المغطى بالأشكال الزخرفية المهمة. و من حسن الحظ ان الدنيا أمطرت بعد يوم أمس بعد الظهر بشدة بحيث كان يستحيل علي الاشتغال في الخارج، و لذلك جلست في خيمتي و رسمت جميع ما عثرت عليه من قطع الفخار. فعندي أربعة و أربعون شكلا مختلفا، عدا قطعة أو قطعتين جيدتين بصورة خاصة كنت قد أخذتهما معي.

و كانت إحداهما قطعة جميلة جدا، تزينها بطة جميلة مرسومة على الطين...

و توجد في (رسائل غير ترودبيل) (1) رسالتان كتبتهما المس بيل من سامراء، إحداهما في 22 تشرين الثاني 1917 و الثانية في 30 تشرين الثاني 1917، أي بعد احتلال الانكليز للعراق و خلال تأسيس الادارة العسكرية فيه.

و هي تروي في الرسالة الأولى كيف تأخرت عن المجي‏ء الى سامراء لحادث مهم حدث في بغداد، و هو موت الجنرال مود (فاتح بغداد) بمرض الهيضة (الكوليرا) . و يظهر أنها كانت متأثرة جدا من ذلك، و متحيرة كيف وقعت الوفاة بتلك السرعة و لا سيما ان انتشار هذا المرض لم يكن واسعا في بغداد، و ان الجنرال مود نفسه لم يكن يختلط مع السكان العرب كثيرا على حد قولها.

____________

(1) Bell,Gertrude-The Letters of Gertrude Bell) 21 th Printing ( London 7491.

313

لكنه كان قبل يومين من وفاته قد حضر حفلة في مدرسة اليهود شرب فيها شيئا من القهوة و أكل بعض «الكيك» ، و فعلت الشي‏ء نفسه هي و سائر الحضار أيضا. و لذلك كان يستحيل التكهن عن المكان الذي أخذ منه العدوى، على ما تقول. لكن المعروف في سائر المراجع الانكليزية عن هذا الحادث انه شرب الشاي و الحليب في حفلة مدرسة الأليانس التي حضرها، فكان ذلك سببا لنقل العدوى له. ثم تعود المس بل في الرسالة و تقارن بين وفاة الجنرال مود و وفاة الامبراطور جوليان-الروماني-فيما يقرب من سامراء، و تستشهد بما يقوله المؤرخ القديم اميانوس مارسيلينوس في تأبين الامبراطور:

«فليحمد اللّه العلي القدير لأنه مات في معمعان المجد، الذي حصل عليه بجدارة و انصاف» ..

ثم تقول عن سامراء نفسها انها بلدة مسورة جميلة، ترتفع في وسطها القبة الذهب الهائلة، التي تعلو المشهد فتحجب السماء عن الناظرين من الطرق الضيقة الآيلة جدرانها الى الانهدام..

و تعنون الرسالة الأخرى إلى أهلها و أسرتها في لندن فتقول انها ما زالت باقية في سامراء لأن مضيفها قائد الجحفل الانكليزي أصرّ عليها بالبقاء فيها حتى يتم لها الشفاء. ثم تقول ان الكولونيل و يلكوكس جاء الى سامراء أيضا في صباح ذلك اليوم لتغيير الهواء لأن سامراء تعتبر مصحا لهذه المناطق، على حد قولها. و تتحدث بالمناسبة عن طيب المناخ و الهواء الشمالي العليل، و السماء الصافية. كما تتحدث عن تجوالها خارج البلدة ممتطية صهوة الجواد أو راكبة في السيارة، فتذكر ان كل شي‏ء هنا عبارة عن بادية تخترقها عشرات الأقنية و الجداول القديمة و التلول الأثرية الدالة على القرى المندثرة.

و هي تقول انه يكاد يكون من المستحيل على المرء أن يتصور كيف كانت هذه البلاد حينما كانت تسقى بهذه الأقنية من دجلة، و عند ما كان سكانها يحتشدون في القرى و الأرباض الممتدة الى عمق عشرة أميال من جهتي النهر. ثم تذكر ان الدنيا امطرت هنا في الاسبوع الماضي فكان مجموع ساعات المطر 18 ساعة.

314

و لذلك أخذ الناس ينشغلون بالحراثة، و أصبحت الأرض تلوح للناظرين بلونها الأسمر الزاخر بالحياة بدلا من لون الرمل الأصفر الباهت.

و قد ورد اسم سامراء في رسالة أخرى من رسائل المس بيل مؤرخة في 14/3/920، و هي تقول فيها خلال حديثها مع المرحوم العلامة السيد حسن الصدر في الكاظمية (1) : .. و تطرقنا بعد ذلك الى طقس سامراء الذي شرح لي بأنه أحسن من طقس بغداد بكثير، لأن سامراء تقع في المنطقة المناخية الثالثة في عرف الجغرافيين القدماء.

و في رسالة (2) تاريخها 16 تموز 1921 تروي المس بيل كيفية إعلان الأمير فيصل ملكا على العراق في مجلس الوزراء (يوم الاثنين 11/7/1921) ، و اعتراض بعض الشخصيات العراقية يومذاك على هذا. ثم تقول: .. و من المهم ان يذكر ان الكماليين ما ان علموا بقدوم فيصل الى العراق حتى بدأوا بشن حملة دعائية حامية في مصلحة مرشحهم الشيخ أحمد الأدريسي السنوسي.

و كان أول ما علمناه في هذا الشأن من مواطن موصلي جلب الى المستر نولدر وثيقة خاصة تدعو العراقيين الى مبايعة السنوسي. و جاءنا الخبر الآخر من رجل يقال له «نقيب سامراء» ، كان مع الأتراك منذ 1918 و عاد مؤخرا الى العراق. و لهذا الشخص سمعة تتسم بالمكر و الخديعة، لكنني أعجبت به.

فقد قال لي ان الأتراك كانوا قد دعوه الى حمل أوراق البيعة هذه الى هنا فرفض ذلك، مع أنه ذكر أناسا آخرين كانوا قد قبلوا القيام بالمهمة.. و ان مجرد مجي‏ء أناس متحفظين مثل نقيب سامراء، أو اقدامهم على ارسال رسائل الى فيصل يسترخصونه فيها بالمجي‏ء، يعدّ شيئا مرضيا. إذ يبدو أنهم لا يثقون كثيرا بالخطط التركية السنوسية.

____________

(1) راجع الص 277 من مجلد الكاظمية، في موسوعة العتبات هذه.

(2) وجدنا هذه الرسالة في كتاب السيدة اليزابيت بيرغوين المشار اليه قبل قليل، الجزء الثاني، الص 277.

315

سامراء في الحرب العالمية الأولى‏

لقد قدر لسامراء، كما قدر لبعض البلدان العراقية الأخرى مثل الكوت و بغداد و سلمان باك و ما أشبه، ان يذكر اسمها ذكرا خاصا خلال الحرب العالمية الأولى و ما قبلها بفترة قصيرة. فقد أصبحت قبيل اعلان الحرب نهاية سكة الحديد التي انشئت بمساعدة الألمان بينها و بين بغداد، باعتبارها جزءا من «سكة حديد بغداد-حيدر باشا-برلين» الداخلة في ضمن الامتياز الذي حصل عليه الألمان من الدولة العثمانية. و لما كانت سكة الحديد وسيلة مهمة للغاية من وسائل الحرب، لا سيما في تلك الظروف و الأيام، و لما كان اتصال العراق بتركية يتم عن هذا الطريق عادة فقد جاءت الحرب الى بغداد و سامراء بمزيد من الحركة و النشاط الحربي. و يقول ريتشارد كوك في (بغداد مدينة السّلام) (1) المشار اليه قبل هذا ان قطار سامراء الجديد، الذي كان قد فتح للعمل حديثا، بقي مشغولا في الليل و النهار بحركة الرجال و المعدات و الذخائر، و صارت الأكلاك المعروفة فيما بين النهرين منذ القدم تشاهد في سامراء قادمة من الموصل على وجه الماء و هي محملة بأحمال و سلع و لم يسمع بها من قبل مثل البنادق و الذخيرة و السيارات و حتى مدافع الميدان الخفيفة.

____________

(1) الص 287.

316

و يأتي ذكر سامراء مرة أخرى في كتاب كوك هذا بمناسبة وصف لعملية انسحاب الأتراك من بغداد، و اخلائها في ليلة العاشر من شهر مارت 1917، بعد ان تقرر ذلك في المجلس الحربي الذي عقده خليل باشا قائد الجبهة في مخيم الخر. إذ يقول‏ (1) ريتشار كوك: .. و قد أخذت البرقيات الملحة تترى عليه-على خليل باشا-من أنور باشا في استانبول بوجوب الثبات في وجه العدو المتقدم، لكن قادة الجبهة في الميدان كانوا يضعون نصب أعينهم الاعتبارات العسكرية الصرفة، و يشيرون الى عدم كفاية القوات الموضوعة تحت تصرفهم لمقاومة الهجوم البريطاني الجازم، و النتائج المرعبة التي يمكن ان تؤدي اليها الهزيمة المفاجئة أو التقهقر غير المنتظم من المدينة نفسها. فطالبوا بالانسحاب العاجل خلال الليل الى نقطة تقع على خط السكة الحديد، حيث يكون بوسعهم الاتصال بقاعدتهم في سامراء.. و عند ذاك ركب خليل باشا و ضباط ركنه الى محطة الكاظمية و استقلوا القطار منها الى سامراء. و يفهم من هذا بلا شك ان سامراء أصبحت قاعدة الأتراك الحربية في جبهة العراق، بعد سقوط بغداد.

احتلال سامراء
ما عتم الجيش البريطاني ان احتل بغداد، في ليلة 10 مارت 1917، حتى أعد العدة بسرعة لمطاردة الجيش العثماني المنسحب الى الشمال. و قد اشتبك الفريقان في عدة مواقع قبل الوقوف في اصطلات، ثم جرت موقعة حامية في هذا المكان ايضا، و في بند العظيم، قبل وقوع الاشتباك في موقعة سامراء.

و قد ذكر هذا كله بالتفصيل المستر ادموند كاندلر، المراسل الحربي البريطاني الذي رافق الحملة-أو قوة «دي» كما يسمونها-من الفاو الى

____________

(1) الص 291.

317

الموصل، في كتابه‏ (1) المعروف باسم (الطريق الطويل الى بغداد) . فقد أفرد فصلا خاصا في الجزء الثاني منه (الفصل 36) لوصف المعركة و تفرعاتها.

و قبل ان يأتي على وصف معركة سامراء و ما سبقها، يعمد المستر كاندلر الى وصف معركة «بند العظيم» بكثير من التفصيل لأن الانكليز لم يكن من الممكن لهم ان يتقدموا الى الشمال باتجاه كركوك و الموصل لو لم ينتصروا في جبهة العظيم. و يظهر من وصفها انها كانت معركة دموية هائلة استمات فيها الأتراك في الصمود، و عبأوا جميع ما كان عندهم من قوة فيها. فقد حشدوا ثلاثة آلاف جندي تركي مثلا في جبهة لا يزيد طولها على (400) ياردة، على ما يقول كاندلر. و تبودلت قرية العظيم التي أزيلت من الوجود عدة مرات بين الفريقين. و يقول كاتبنا هذا كذلك ان معركة بند العظيم هذه كانت اشد معركة دموية جرت في ما بين النهرين (العراق) خلال تلك الحرب، بالنسبة للخساثر التي حصلت فيها و نسبة ذلك الى القوات المشتركة في القتال. فقد خسرت معظم الكتائب الانكليزية نسبة كبيرة من أفرادها، مثل كتيبة جيشير التي خسرت (126) قتيلا من مجموع (330) في آخر مرحلة من مراحل المعركة و خسرت كتيبة (ساوث ويلز بوردر رذ) (203) قتلى من مجموع (340) .

و وجد الانكليز مائة من القتلى الأتراك في المكان الذي حمي فيه و طيس القتال.

و يبدو ان معظم هذا القتال كان قد جرى بالسلاح الأبيض، على ما يقول كاندلر. و قد انتهت هذه المعركة في آخر يوم من نيسان 1917.

أما بالنسبة لسامراء فيقول كاندلر انه كان ينتظر ان تستطيع الفرقة السابعة البريطانية ان تحتلها بعد انتهاء القتال في جبهة العظيم بيوم واحد أو يومين فقد بادرت في يوم 19 نيسان الى احتلال مرتفعات الخبن الكائنة على بعد ميل و نصف فقط من خنادق الأتراك في اصطبلات. و كانت خطوط الأتراك هنا على غاية من القوة و المنعة، و لو كانوا قد نفذوا رأي القائد كاظم قره بكر بك

____________

(1) Candler,Edmund-The Long Road to Baghdad,two volumes ) London 9191 (.

غ

318

في الموضوع لأصبح الأتراك على جانب أكبر من القوة في الاستحكام و القتال ففي الوقت الذي كان يبدو ان بغداد قد أوشكت على السقوط كان يقود الفيلق التركي الثامن عشر كاظم قره بكر بك، القائد المشهور بخدمته و خبرته الطويلة و حينما تم الانسحاب من بغداد كان من رأيه ان يكون هذا الانسحاب. الى اصطبلات رأسا لتقوية المواقع التي كانت موجودة فيها و تحشيد القوة الكافية لها، لأنه لم يكن يعتقد بتبذير قواته و إتعابها بالقتال في مواقع صغيرة. على أن رأيه لم يجد قبولا لدى القيادة العليا، كما تبين من أقوال الأسرى الأتراك بعد ذلك، فاستقال من منصبه و اعطيت القيادة الى شوكت باشا. فأدت النتيجة الى ان تحصل عدة معارك بين بغداد و اصطبلات. من دون ان يستفيد منها الأتراك المتقهقرون بشي‏ء. و قد برهنت الحوادث على انهم كان بوسعهم ان يستفيدوا فوائد جلى بتراجعهم الى هذه الخطوط رأسا.

و مع هذا فقد كانت خطوط اصطبلات قوية فوق العادة. و كانت أول معركة جرت فيها معركة حامية الوطيس امتد فيها القتال على طول الخطوط.

لكن الأتراك صمدوا في طوابي الدجيل بعناد و كأن بقاءهم في آسية كلها كان يتوقف على هذا الموقع. بينما كانت نقطة سكة الحديد معرضة للخطر.

و هي أكثر أهمية من بغداد لهم من الناحية الستراتيجية.

و بعد ان احتلت أول مواضع اصطبلات في 21 نيسان زحف اللواء الثامن و العشرين البريطاني، و ظل يناوش العدو و يتصل به. و في ظهر الروم التالي (22 منه) وصل مقر هذا اللواء الى خرائب اصطبلات فكان بوسع الضباط فيه حينما أطلوا من المرتفعات أن يشاهدوا ساحة المعركة بأجمعها، و سقف محطة القطار الكائن على بعد عدة أميال، و القبة الذهب القائمة فوق مشهد سامراء يشع بريقها في شمس منتصف النهار، مع البرج الغريب (الملوية طبعا) الذي كان يرتفع فوق جميع ما كان حوله. و كانت الأرض تنحدر تدريجيا نحو هذه العلامات الشاخصة، التي لم يكن أي منها يقع في منطقة القتال، حتى تصل الى سلسلة من التلول و الآكام الممتدة من النهر

319

الى محطة القطار. و على هذه المرتفعات و الروابي كان الأتراك قد اختاروا الصمود، و القتال للدفاع عن سامراء.

لكن مدفعيتنا سرعان ما اصبحت تصل الى القسم الأعظم من مراكز القوة التركية المتخندقة بين النهر و سكة الحديد. غير ان الموضع كان ممتدا بحيث لم يمكن قصفه كله او مهاجمته من جميع نقاط الجبهة بالمدافع و المشاة المتيسرين لدينا. فتقرر بناء على ذلك القيام بالضغط على جناح الأتراك الأيسر و دفعه الى الوراء من جهة النهر، بينما تتولى الخيالة بحركة التفاف من الجناح الأيمن تتقدمها بطارية من السيارات المصفحة الخفيفة..

و قد تم الهجوم بهذه الخطة، لكن المستر كاندلر يقول ان الأتراك صمدوا له و قاوموا حركة الالتفاف بشجاعة. على ان الذي اخافهم اكثر من أي شي‏ء آخر، فجعلهم يتراجعون هو مدفعية الرتل الانكليزي الذي كان في الجانب الأيسر من النهر. فقد اوقعت بجناحهم و مؤخرتهم خسائر فادحة. و كان من نتيجة الهجوم ان حصل تقدّم في جبهة النهر، و عزز المتقدمون بقوات جديدة.

و يقول كاندلر: ان الأتراك انسحبوا في تلك الليلة فتمادينا في تعقيبهم عند الفجر، و احتللنا محطة سامراء، و عند ذاك تراجع العدو الى تكريت.

و كانت محطة القطار، و مظلات البضائع، و الورش، قد نهبت. و قد كنا نتوقع ان نجد القاطرات، و عجلات السكك الحديد، قد دمرت لكن الأتراك كانوا قد صمموا على الدفاع عن سامراء بكل ثمن على ما يبدو، و لذلك لم يفسح لهم احجامهم عن الانسحاب المجال لإكمال عملية التخريب.

و كان من بين غنائم الحرب عدد من قاطرات و عجلات الخط العريض، التي كانت كلها قد تضررت، عدا بعضها الذي كان قد تم اصلاحه. و في ظرف أيام معدودة استطعنا تسيير القطارات بين بغداد و نهاية السكة.

و أصبحت سامراء مقرنا الأمامي في الصيف. و قد بلغت درجة الحرارة فيها 119 درجة فرنهايت في الظل، لكن القوة «دي» تهيأ لها شي‏ء من الراحة

320

بعد ان حققت أهدافها. فقد استطاعت في معارك نيسان ان تدحر الفيلق التركي الثالث عشر ثلاث مرات، و الفيلق الثامن عشر خمس مرات، و هي تدفعه أمامها خلال ستين ميلا. و استطاعت ارتالنا خلال الشهر، في كلا جانبي دجلة ان تأسر ثلاثة آلاف أسير، و تغنم ستة عشر مدفعا.

ثم يختم كاندلر فصل سامراء بقوله ان سامراء قد شهدت الكثير من عمليات صنع التاريخ خلال القرون، و كنا نشعر بأنها يجب ان تصنع المزيد من هذا. إذ يرقد الامبراطور جوليان مدفونا فيها. بعد أن خر صريعا بقربها، خلال تقهقره من طيسفون (المدائن) ، و يمكن رؤية قبره من اسوار المدينة. و هو عبارة عن تل من التراب محاط بخندق (ربما يشير بهذا الى تل العليق) . يضاف الى ذلك ان هذا المكان من الأمكنة التاريخية أيضا من جهة انه شهد نهاية الصولة الروحية على الأرض. فقد اختفى الامام الثاني عشر هنا في سرداب مبهم غامض من سراديب البلدة، و سوف يظهر من جديد على ما يقول الشيعة الذين ينظر الكثيرون منهم الى تلك البقعة من أجل هذا الغرض. و جاء بعد ذلك الهوني-أي الألماني-فوضع يده الدنسة على سامراء:

و وصمها بجعلها نقطة أمامية لنفوذه المسيطر. و كذا جابهت القوتان احداهما الأخرى، فترتب على النضال الجاري اليوم ان يقدر طريقة الحياة بعد الحرب، و فلسفتها، أو دينها.

سامراء بعد الاحتلال‏
و قد كان من الطبيعي ان يعقب احتلال البلاد إجراء شي‏ء من التنظيمات المدنية لتمشية الأعمال الحكومية، و توجهها نحو الإسهام في المجهود الحربي.

و هناك عدة اشارات من هذا القبيل الى سامراء في كتاب‏ (1) السر ارنولد ويلسن

____________

(1) Wilson,Sir Arnold T-Loyalties,Mesopotamia,Vol II,7191 -0291.

321

وكيل الحاكم الملكي العام في العراق بعد تلك الفترة. فقد أشار في الص (170) الى ان المناطق المحتلة في العراق قد قسمت لأغراض ادارية الى ست عشرة وحدة ادارية (1) ، و كانت سامراء واحدة منها. اما الوحدات فهي: العمارة، بغداد، البصرة، دير الزور، الديوانية، الدليم، الحلة، خانقين، كركوك، كوت العمارة، الموصل، المنتفك، سامراء، الشامية، السليمانية. و كان ذلك قد تم في 1919. و تقول المس بيل بهذه المناسبة كذلك في تقريرها الرسمي الذي رفع الى الحكومة البريطانية عن الوضع العام في العراق خلال سني الاحتلال البريطاني المنتهية ببداية عهد الانتداب في صيف 1920 أن المجالس البلدية في كركوك و الحلة و الديوانية و سامراء و العمارة و ديالى و الرمادي قد شكلت في شتاء (2) 1919-1920.

و يذكر ويلسن (الص 180) ان أعمال المسح كانت تجري تباعا في هذه المناطق كذلك. فيقول ان المناطق المحتلة كلها الى حد الكوت و الناصرية قد تم مسحها عند ما كانت القوات البريطانية تحتل بغداد. و لذلك ترتب على المسؤولين ان يمدو أعمال المسح بعد احتلال المناطق التي خضعت لنفوذهم:

و لا سيما من بغداد الى الحدود الأيرانية، و الى سامراء، و مناطق الفرات.

و تم مع هذا المسح رسم خرائط حربية جديدة بشي‏ء غير يسير من التفصيل استعدادا لما قد يحدث من عودة القتال. و يشير ويلسن كذلك الى المقابز و الأماكن التذكارية التي خلفتها الحملة البريطانية في العراق. فهو يقول (الص 203) أن العراق اصبح فيه خمس عشرة مقبرة للأنكليز الذين أريقت

____________

(1) يذكر الشي‏ء نفسه المستر لونكريك في الص 112 من كتابه الثانى:

Iraq 0091-0591) London 3591 (.

(2) Bell,Gertrude L. -Review of Civil Administration of Mesopotamia و هو محتوى الكتاب الذي طبعه كاتب هذه السطور مترجما بالعربية بعنوان (فصول من تاريخ العراق القريب) بيروت 1949.

ج 1-سامراء (21)

322

دماؤهم فيه، و هي موزعة كالآتي: ثلاث مقابر في الموصل، و أربع في بغداد، و ثلاث في البصرة، و اثنتان في العمارة، واحدة في كل من سامراء و الكوت.

و يذكر ريتشارد كوك بالأضافة الى ذلك (الص 312 من كتابه المشار اليه قبل هذا) ان بغداد اصبحت تخدمها ثلاث محطات للسكك الحديد:

احداها في الكرخ و تعرف بمحطة غربي بغداد، و هي نهاية الخط الوارد من البصرة و كربلاء، و نهاية الخط الوارد من سامراء الذي أنشأه الألمان قبل الحرب. و من المحطتين في الرصافة تقع محطة شمال بغداد خارج باب المعظم:

و هي نهاية الخطوط الواردة من خانقين و كركوك، و محطة شرقي بغداد في الشيخ. و للكاظمية محطة خاصة بها، تقع على خط سامراء الألماني.

و قد ورد اسم سامراء في تقرير المس بيل المشار اليه، في مناسبات عدة كذلك. و أول ما تذكر هذا الأسم بمناسبة حديثها عن العلماء و المدن المقدسة، و تعلق الشيعة بها (الص 6 من الترجمة العربية) . و يأتي بعد ذلك ذكر سامراء عندما تقول المس بيل ان الشيخ محمد علي كمونة اتصل بالانكليز من كربلاء في ايلول 1915، و تراسل مع السر پيرسي كوكس الذي كان ما يزال في الكوت بصحبة الحملة البريطانية قبل استيلائها على بغداد. و قد اقترح على الانكليز يومذاك بان يتعهدوا بتنصيبه حاكما وراثيا مستقلا في ولاية مقدسة تمتد من سامراء الى النجف الأشرف (الص 30) . ثم يرد اسم سامراء بمناسبة ذكر المس بيل لمنطقة الاحتلال البريطاني بعد الاستيلاء على بغداد، فتقول ان تلك المنطقة كانت تمتد الى سامراء خلال الأشهر الستة الأولى من يوم الاحتلال.

لكن أهم ما تذكر به سامراء في هذه السنوات في كتاب‏ (1) فيليب ويلارد

____________

(1) Ireland,Philip Willard-Iraq,A Study in Political Develop- ment) London 8391 (. و قد ترجمه كاتب هذه السطور، و نشره في بيروت بدار الكشاف ؟؟؟194) .

323

آيرلاند (العراق-دراسة في تطوره السياسي) ، خلال البحث عن الثورة العراقية (1920) ضد الأنكليز الغزاة. فهو يقول (الص 208) : ..

و كانت دلتاوة قد رضخت منذ مدة لنفوذ السيد محمد الصدر الذي جعلها مقرا له بعد ان حاولت الحكومة القاء القبض عليه في بغداد يوم 12 آب، و منها أخذ يشجع الثوار و لا سيما في سامراء. و يقول (في الص 210 من العربية) كذلك: .. و وقعت الثورة حوالي سامراء بجهود السيد محمد الصدر الذي كان يؤازره فيها أحد الشيوخ المتنفذين، بالأضافة الى التأثير الذي أحدثته حوادث منطقة بعقوبة و الى طبيعة القبائل القلقة. و قد استقى المستر آيرلاند تلك المعلومات من تقرير أحد الحكام السياسيين الذين اشتغلوا في منطقة سامراء يومذاك. و في حاشية يوردها آيرلاند في اسفل الصفحة 231 من الترجمة العربية يذكر تعيين أحمد بك قائمقاما في سامراء بتاريخ 21 كانون الأول 1920 من قبل مجلس الوزراء.

و يشير الى امتداد ثورة العشرين الى سامراء المستر لونكريك أيضا في كتابه الثاني المشار اليه (العراق 1900-1950، الص 125) . فهو يقول. و في المنطقة المحيطة بسامراء أدت الدعاية المنبثة من المدن المقدسة الى ثورة القبائل في أواخر آب 1920، لكن هجومها على البلدة لم يقترن بالنجاح‏

موظفو الانكليز في سامراء
هناك في الملحق الرابع من ملحقات كتاب‏ (1) ارنولد ويلسن المشار اليه قبل هذا قائمة كبيرة بالموظفين الانكليز، و غير الانكليز، الذين أشغلوا وظائف في مختلف الدوائر على عهد الحكم البريطاني، و من جملتهم أناس اشتغلو في سامراء بطبيعة الحال. و قد وجدنا من المناسب ان نورد اسماءهم في الآتي:

____________

(1) الص 359-390.

324

فقد اشتغل في جيش «الشبانة» المرتزق الكابتن أيس وايت و قد عين بتاريخ 12-3-1919، و الكابتن آر گاربوت و قد عين في 1-12- 1919، و الكابتن أيل ماثيوز و قد عين في 29-5-1919. و اشتغل في صحة سامراء الدكتور جهان خان بصفة مساعد جراح من الدرجة الأولى و قد عين في 4/12/1918، و الدكتور جي كلوف الجراح المدني و قد عين في 20/3/1922، و اشتغل الكابتن سي پكتول اعتبارا من 1/3/ 1919 معاون حاكم سياسي في سامراء، و اشتغل في شرطة سامراء الكابتن أي جونسون بصفة معاون مدير شرطة و قد عين في 3/11/1919، و الكابتن تي فورنو بصفة معاون مدير شرطة و قد عين في 15/11/1919. و اشتغل الميجر أيس موري ملحقا سياسيا لرئيس الحكام السياسيين و قد عين في سامراء يوم 28/4/1917، و اشتغل الميجر أي بري معاون حاكم سياسي في سامراء من 29/3/1918 الى 7/6/1918 ثم نقل الى بلد، و عاد الى سامراء مرة ثانية بصفة حاكم سياسي ابتداء من 1/11/1918. و اشتغل مظفر شاه خان بهادر وكيل معاون حاكم سياسي و قد عين بتاريخ 22/12/1919. و اشتغل المستر جي جورجيوس ملحقا سياسيا للحاكم السياسي و قد عين في سامراء يوم 1/5/1919. و اشتغل محمود افندي رئيسا للبلدية من 23/7/1919، و اشتغل عبد المجيد افندي مدير مال في سامراء اعتبارا من 1/1/1920.

كما اشتغل وكيلا لمعاون الحاكم السياسي السيد عمر دراز خان (خان صاحب) :

و قد عين في 25/6/1920.

فرايا ستارك في سامراء
و ممن زار سامراء من الغربيين المتأخرين و كتب عنها بعض الملاحظات الكاتبة الانكليزية التي كانت معروفة في العراق، المس فرايا ستارك‏ (1) .

____________

(1) Stark,Freya-Baghdad Sketches,Firet Edition 7391) London (

غ

325

فقد زارتها في الثلاثينات الأولى و كتبت فصلا خاصا عنها و عن تكريت في كتابها الموسوم (صور بغدادية) . فقد ذهبت الى سامراء و هي مدعوة عند أحد العراقيين مع امرأتين اخريين على ما تذكر. و هي تقول انهن سافرن لوحدهن لان الطريق أمين، و الأمور سائرة من ان يعكرها شي‏ء. فسلكن الطريق الشمالي المار بالكاظمية، و قابلهن الناس مقابلة و دية أينما كن يذهبن، لا سيما و قد شعرن بالحرية لوحدهن فكن يقفن في المقاهي الصغيرة على الطريق و يأخذن التصاوير و يتحدثن الى الرعاة و غيرهم من الناس. و تتحدث عن الرعاة الذين كانوا يأتون من مسافات بعيدة لا يصال الأغنام الى بغداد. و قد أوصاها جماعة من هؤلاء بزيارة تكريت، و السؤال عن أحفاد رجل نصراني قديم من أهالي تكريت كان يدعى عبد السطيح. و مما يروى عن هذا الشخص انه دعي للاسلام ففضل ان يقفز بفرسه من أعلى الصخرة الى دجلة على ان يذعن لذلك.

ثم وصلت الى شريعة سامراء فانتظرت طويلا حتى اتت العبّارة المحملة على شختور، و عبرت بها الى الجانب الأيسر مع الحمير و السيارة و بعض الأعراب على حد قولها. و تقول عن سامراء انها أكثر المدن المقدسة الأربع عروبة و أقلها صبغة فارسية، و انها محاطة بالأسوار في منطقة من الخرائب تقوم فوق جرف غير عال تبدو من تحته الأراضي النهرية المزروعة. فوجدتها بلدة نظيفة مسالمة، تحاط من جميع جوانبها بالبدو الذين يقصدونها على الدوام:

و قد أضاعت شيئا من شعور الكراهية للأجانب الذي تتميز به البلدان العراقية بسبب التقلبات التي مرت عليها. و تقول المس ستارك ان سامراء تمتعت بفترة قصيرة من الأزدهار و المجد تقل عن خمسين سنة، و قد حكم فيها ثمانية خلفاء شيدوا عددا من القصور الجميلة، التي ينقب الآن عن زخارفها الجصية بالتدريج لتزيّن بها اجنحة المتحف العربي في بغداد. و لم نجد أناسا أورپيين فيها، و انما وجدت ثلاثة من المختصين بفن العمارة العراقيين يقومون بالتنقيب بكل حماسة على حسابهم هم أنفسهم، و كانوا أناسا لطيفين. ثم تذكر المس‏

326

ستارك ان وجدت التنقيب في هذه الآثار المهمة مشاعا يومذاك للجميع، حيث يستطيع كل فرد يملك الوسائل اللازمة ان ينقب اينما يريد.

و تقول كذلك ان الأهالي في البلدة كانوا في حيرة من امرهم لان الحكومة كانت تعتز بالأمن و السكينة التي تسود البلد، و لذلك كانت تنوي تهديم السور و الاستفادة من آجره الاعتيادي لترميم الآثار العباسية. و هي تعتقد ان إزالة السور من شأنه ان يفقد البلدة كثيرا من جمالها و طابعها التاريخي، و تناشد من يقرأ سطورها ان يمد يد المساعدة ليحول دون ذلك ان أمكن. ثم تعلق على هذا العمل و تقول انها تحب الخرائب كأماكن يجلس فيها المرء و يفكر في حياة الغابرين من الناس، و ان المرء يستطيع ان يفعل ذلك أحسن فيما لو لم ينقب فيها أحد. و لهذا ذهبت بالسيارة مع رفيقتيها الى الطرف الشّمالي من سامراء و وقفت في فناء جامع أبي دلف الذي لم تصل اليه يد التنقيب، و هناك شاهدت أساطينه المتكسرة و هي تجمع في مكانها الجسامة و العظم خلال العاصفة الترابية. و تأتي بعد ذلك على وصف الأطلال حتى تقول ان هذا المكان كان يعج في يوم من الأيام بصخب القادة الأتراك و تحكمهم بالخلفاء بحيث كانوا يقتلون خليفة بعد آخر، و ينشرون العنف و الدسائس في كل شارع على الدوام. اما اليوم فتقوم في الوحدة المخيمة على هذا المكان أدغال القلغان ذات الرؤوس الزرقاء و كأنها صلبان ذات أذرع ممدودة، بصفوف لا نهاية لها تمتد حول حافات التلول الأثرية. و تذهب في الخيال الى أبعد من ذلك فتقول:

.. و في خرائب الصحن الكبير مرق طائران من طيور الزرياب بأجنحة مراوغة لماعة، من تحت الأعمدة المكتسية بلون الغبار، الى السماء المغبرة، فذكرتنا بأن الحياة الناعشة الزاخرة قد تنبثق من هذه المادة الداكنة في اي وقت كان‏

و من المؤسف ان نرى، مع جميع ما يبدو على المس ستارك من علم و سعة اطلاع و أفق، انها تجهل تاريخ المكان الذي تقف فيه مثل هذه الوقفا المتفلسفة، و تزعم ان الامام الثاني عشر الذي غاب في سامراء غيبته المعروفة يدعى «جعفر الصادق» . فهي تقول: ان خلفاء سامراء قد أضافوا خلال‏

327

سيرتهم المسرعة المؤلمة تعقيدا آخر الى تعقيدات الاسلام لأنهم هم الذين سببوا غيبة الامام الثاني عشر، جعفر الصادق (؟) ، فأعطوا للشيعة بذلك ذريعة لا تثمن بثمن يستفيدون منها، و هي وجود زعيم مختف يمكن ان يتجسد في الوجود في أي لحظة.

و تتمادى في جهلها و غلطها فتقول: .. ان السجن الذي وجد فيه لآخر مرة قد أدخل مع قبري الامامين العاشر و الحادي عشر في مشهد واحد تعلوه قبتان، فتكون أسواره الغفل بأبوابها الأربعة مركزا للبلدة. و يمتد بين يدي المشهد شارع تصطف على جوانبه تخوت المقهى. و في شارع مغبر متعرج من الشوارع الجانبية، يمر من ممر معقود سقفه بالآجر المنحوت، أنزلنا في بيت جهزه راجا پرپور في الهند لنزول الزوار. و هناك كان الشيخ سعيد بعباءته و عمته الخضراء ينتظر وصولنا..

سامراء في حوادث 1940
و حينما وقعت حوادث أيار 1940، و هرب عبد الاله مع عدد من رجال ذلك العهد الى الأردن، قرر الانكليز استخدام «الجيش العربي» الذي كان يقوده رجل الاستخبارات الانكليزي گلوب باشا لاعادتهم الى العراق بعد القضاء على الثورة الوطنية التي تزّعمها الجيش العراقي ببغداد.

فسار رتل من الجيش العربي، مع ارتال الجيش البريطاني، من الأردن نحو الحبّانية التي كان يحاصر القاعدة الجوية البريطانية فيها الجيش العراقي الثائر، و بالنظر لكثرة الجيش الزاحف، و وفرة معداته و حداثتها، سقطت الحبانية بأيديهم، و بدأ الجيش البريطاني بزحفه على بغداد بعد ذلك عن طريق الفلوجة-بغداد. و لأجل إشغال الجيش العراقي في عدة جبهات، و بناءا على ما ارتآه من محاصرة بغداد و قطع اتصالها بالموصل و غيرها فضلا عن الحيلولة دون وصول الامدادات لها، فقد كلف گلوب باشا و جيشه «العربي» بان يقطع الجزيرة الكائنة بين النهرين و يعبر الى شمال بغداد منها حتى يصل الى سكة

328

حديد بغداد-الموصل فيقطعها في جنوب سامراء، بينما يستمر الجيش البريطاني الرئيس في زحفه على طريق الفلوجة، فتم له ذلك و وصل گلوب و قوته الى محطة المشاهدة.

و قد ذكر هذه العملية بالتفصيل گلوب باشا في كتابه‏ (1) (قصة الجيش العربي) . و من جملة ما يقوله في هذا الشأن قوله: .. فتوجه الجيش العربي في صباح اليوم الثاني قبل الرتل الزاحف الى هدفه. و وقف الرتل وقفة طويلة في منتصف الطريق للغداء فأضاع وقتا غير يسير تكبد أشياء كثيرة بسببه في اليوم التالي. لكنني أخذت في الوقت نفسه بعض أفراد الجيش العربي و سرت لقطع السكة و خطوط التلفون في محطة المشاهدة قبل ان يصل الرتل المتأخر اليها. و كانت معنا مفرزة من النسّافة لكن الجنود لم يكن عندهم مع الأسف من المتفجرات ما يكفي لنسف الجسور، فاقتصر عملنا على قطع الخط برفع القضبان الحديد لبعض المسافات. و قد أطلقت علينا النار من رشاش في المحطة:

و بينما كنا مشتبكين على هذه الشاكلة وصل الرتل الرئيس و عبر خط السكة، ثم استدار الى الجنوب على طريق الموصل-بغداد الرئيس. و حينما انهينا عملنا وجدنا أنفسنا في مؤخرة الرتل بدلا من ان نكون في مقدمته.

.. و يبدو ان حكومة رشيد عالي قد علمت بمحاولتنا الأولى لقطع سكة الحديد في جنوب سامراء يوم 23 مايس. فقد وصلهم نبأ يشير الى ان ثلاثة من الانكليز كانوا يعبثون بالسكة خلال الليل. و كان هذا النبأ صحيحا تمام الصحة لأننا كنا مع الرتل الانكليزي الزاحف موجودين في البادية على بعد ميل واحد من طريق سامراء. و بعد يومين وصل الى الحكومة العراقية ايضا نبأ المعركة الصغيرة التي وقعت بين دورية الجيش العراقي و سرية الضابط لا شي في خارج سامراء. و كانت لقطار الموصل أهمية بالغة بالنسبة لحكومة رشيد عالي، و لذلك كانت تبدو شديدة الحساسية تجاه كل ما من شأنه ان يهددها

____________

(1) Glubb,Gohn Bagot-Story of the Arab Legion) London 2591 (.

329

بشي‏ء. فأوفد في صباح يوم 28 مايس متصرف بغداد-جلال خالد- و زعيم في الجيش العراقي الى سامراء للتحقيق في هذه الهجمات الموجهة الى سكة الحديد، و اتخاذ الاجراءات الممكنة لمعالجتها. و بينما كانا في سامراء نفسها وصلنا نحن الى الطريق فحلنا بينهما و بين العاصمة، و حينما كانا يسوقان عائدين في طريقهما الى بغداد وجدا نفسيهما فجأة في مؤخرة رتلنا..

نبذ متفرقة عن سامراء
لقد لا حظنا ان هناك نبذا متفرقة عن سامراء و أحوالها ترد هنا و هناك في بعض الكتب الغربية الحديثة التي صدرت في السنوات الأخيرة. و من جملة هذه الكتب كتاب المستر لونكريك الثاني‏ (1) عن العراق. فهو يقول في معرض البحث عن سكان العراق و أقلياته في 1900: .. فاذا كانت هذه الأقليات الكردية و اليزيدية و التركمانية تنحصر بالكلية تقريبا في ولاية الموصل، فان الحالة تختلف بالنسبة للايرانيين المقيمين في العراق. فقد كان يندر وجود هؤلاء في البلاد العراقية الكائنة في شمال جبل حمرين، و كان يقتصر وجودهم في العراق الجنوبي على بعض الأسر و العوائل. لكن تكاثفهم الأكبر كان في كربلا و الكاظمية و سامراء و النجف، اي في المدن المقدسة الأربع، و في بغداد (2) .

و يقول في مكان آخر: أن تدفق الزوار الايرانيين على النجف و كربلا و الكاظمية و سامراء، مع كونه كان يثير من سوء التفاهم المشترك، فانه كان مشحونا بالفرص التي تنتهزها الحكومات للتشدد في الضغط على الحريات، و الطلبات غير المعقولة، بالنسبة لأجور السمات و الحجر الصحي و ما أشبه‏ (3) .

____________

(1) Longrigg,Stephen Hemsley-Iraq,0091-0591. A Political, Social Economic History) London 3591 (.

(2) الص 10 من المرجع الأخير.

(3) الص 13 المرجع الأخير.

330

و يتحدث في مناسبة أخرى عما كانت عليه طبيعة المجتمع و احواله فيها تختلف باختلاف البيئة التي تحيط بها. فان كثيرا منها لم تكن لها صبغة معينة بل كانت عبارة عن محطات تقف فيها القوافل، و مراكز للمنتجات الزراعية، و محطات وقود للبواخر النهرية، أو مراكز للقطعات العسكرية. لكن غيرها كانت لها صبغة خاصة تقريبا. فقد كانت هيت مركزا لصناعة القير، و كانت كركوك و أربيل مركزين رئيسين للشؤون الكردية، و «مشتلين» للأفندية الذين يتكلمون التركية، بينما كانت خانقين نقطة للحدود الايرانية... أما الكاظمية و سامراء فقد كانت تنحصر أهميتهما في كونهما مشهدين من المشاهد الشيعية المقدسة و محجا للزوار. و في معرض البحث عن المجتمع العشائري في 1900، يقول لونگريك ان بيئة القبيلة لم تكن تؤثر على اقتصادياتها حسب و إنما كانت تؤثر أيضا على طريقة حياتها.. فان زراع الفاكهة و التبوغ في كردستان، و زراع القمح و الخضروات في سامراء كانوا يختلفون اختلافا كافيا عن منتجي التمور في بعقوبة أو الشامية، أو العاملين في مرزات البو محمد او الفتلة (1) .

و يذكر في معرض البحث عن انشاء سكة حديد بغداد-سامراء ان ما مايسنر باشا (الألماني) ، الذكي الفعال، و المستشرق المثقف، ظهر في بغداد خلال شهر تموز 1911 و فتح مكتبة في بيت كاظم باشا الذي اصبح بعد ذلك مقرا للمندوب السامي البريطاني و السفارة البريطانية في الأخير. ثم اختير موقع محطة القطار المقبلة في الجانب الأيمن من دجلة، و حفرت أول حفرة تراب للخط المزمع أنشاؤه من بغداد الى سامراء بحضور الوالي في تموز 1912.

و يتحدث لونگريك عن شؤون الري في بداية القرن كذلك، فتطرق الى التوصيات التي قدمها مهندس الري البريطاني الأكبر السر ويليام ويلكوكس، و من جملتها التوصية بانشاء مشروع الثرثار بالقرب من سامراء و توجيه مياه دجلة الفائضة الى منخفضة (2) .

____________

(1) الص 20 و 22 المرجع الأخير.

(2) الص 61 و 63.

331

و عند البحث عن معاهدة 1920 يتطرق لونگريك الى معارضة الوطنيين لها، و الاستعانة بعلماء الدين في ذلك. فهو يقول: ان رئيس الوزراء قرر اجراء انتخابات عامة في البلاد لتقوية مركزه في الوزارة، و للاطلاع على رأي الأمة في هذا الشأن، و لو شكليا على الأقل. فلم يكتف الحزب الوطني بمقاطعة الانتخابات، و بالنشاط الذي بدا منه في مقالات الصحف، و الخطب و المناشير اليدوية، بل لم يتردد في الاستعانة أيضا بسلطة المجتهدين الشيعة في تحريم المعاهدة الجديدة. على أن هؤلاء كانوا قد عدلوا عن التدخل بالمرة، الا في سامراء التي تدخلوا فيها جزئيا (1) .

و يشير لونگريك أيضا الى أن استتباب الحالة في المناطق العشائرية قد أدى الى تفرغ الحكومة العراقية الى انجاز الكثير من الأعمال العمرانية و الثقافية، و منها اجراء الحفريات في سامراء في حدود سنة 1932، و غيرها من الأماكن الأثرية الأخرى. كما يشير الى الحفريات التي قامت بها دائرة الآثار القديمة في سامراء، و جبل سنجار، و واسط ما بين 1939 و 1941. (2)

و في الكتاب‏ (3) الذي اشترك فيه المستر لونگريك مع المستر فرانك ستوكس:

يشير المؤلفان كذلك الى أهمية سامراء الأثرية و وجود متحف خاص للآثار العربية فيها. و هناك مناسبات أخرى يرد فيها ذكر سامراء في هذا الكتاب أيضا، إذ يورد المؤلفان خلاصة تاريخية موجزة جدا عن تاريخ العباسيين في العراق و يشيران الى انتقال الخلافة من بغداد اليها على النحو المار ذكره قبل هذا. و يشيران كذلك الى انشاء سكة حديد بغداد-سامراء من قبل الألمان قبيل الحرب العالمية الأولى‏ (4) .

و آخر ما وجدناه من المراجع الغربية التي تأتي على ذكر سامراء في مناسبات

____________

(1) الص 184 المرجع الأخير.

(2) الص 212 و 284 المرجع الأخير.

(3) Longrigg,Stephen H. Stoakes,Frank-Iraq) London 8591 (.

(4) الص 62 و 74 و 182 المرجع الأخير.

332

عدة كتاب أمريكي عن العراق ظهر في 1958 من تأليف عدة كتاب باشراف جورج هاريس، و أول ما يرد ذكر سامراء فيه هو الخلاصة التاريخية التي يذكر فيها أيضا نقل العاصمة من بغداد الى سامراء بالنحو المعروف. ثم يبحث الكتاب في توزيع سكان العراق و شؤون النفوس فيه، و يقول ان المنطقة التي يزداد تكاثف السكان فيها على دجلة تبدأ مما يقرب من سامراء، و تسير مع النهر و فروعه و لا سيما الغراف و الدجيلة. و حينما يتطرق الكتاب الى نوعية السكان، و يبحث في أحوال العرب العشائريين منهم، يقول ان هؤلاء العرب أكثرهم من الفلاحين الشيعة الذين لا يختلفون بشي‏ء عن العرب الموجودين في خوزستان بايران، و يزداد الارتباط بين هؤلاء بوجود المدن الشيعية المقدسة في العراق: النجف و الكاظمين و كربلا و سامراء (1) .

و يبحث هذا الكتاب كذلك في النواحي العمرانية من العراق فيشير الى أعمال مجلس الأعمار السابق، و ما كان يفعله في كل سنة من تخصيص «اسبوع الأعمار» لبث الدعاية لمنجزاته. و أول اسبوع أقيم من هذا القبيل تم فيه افتتاح السدتين الكبيرتين في سامراء و الرمادي. و عند البحث عن مشاريع الري الكبرى التي أنجزت في ذلك العهد يقول المؤلف ان أهم مشروع كبير أنشي‏ء على دجلة لدرء خطر الفيضان عن بغداد و غيرها من البلاد الجنوبية هو «سدّة سامراء» التي تؤخذ المياه الزائدة من دجلة بواسطتها الى وادي الثرثار.

و وادي الثرثار هذا عبارة عن منخفض طبيعي واسع الأرجاء يكون قعره في مستوى سطح البحر، و تعلو ضفافه الى علو (200) قدم. ثم يقول في تلك الأيام (1958) ان المشروع الذي خصص له مبلغ عشرة ملايين دينار قد أنجز معظمه، و بدء منذ 1956 بتوجيه المياه اليه في مواسم الفيضان. و بذلك يدرأ الخطر عن بغداد و ما في جنوبها غالبا، و يخزن مقدار كاف للزراعة الصيفية في المستقبل‏ (2) .

____________

(1) Harris,George L-Iraq,its People its Society its Culture) New ) Haven 8591 (

(2) الص 19 و 33 و 38 و 96 و 166 و 208 من المرجع الأخير.

333

الفهرست‏

1L سامراء قديما

سامراء قديما 7

الطيرهان 15

قدم السكن في سامراء 17

منطقة سامراء على عهد الساسانيين 19

ديارات سامراء و القاطول الكسروي 29

دير سامرا 39

دير مرماري 41

دير السوسي 44

دير باشهرا 45

دير عبدون 46

دير صباعي 49

دير العذارى 52

دير العلث 55

عمر نصر 58

2Lدير مرماجرجس 60

القادسية 61

سامراء في ظل الخلافة العباسية

في أيام المعتصم 77

في أيام الواثق باللّه 83

في أيام المتوكل 84

في أيام المنتصر 95

في أيام المستعين باللّه و المعتز 95

في أيام المهتدي 101

في أيام المعتمد على اللّه 103

سامراء في الشعر

احمد بن ابي دؤاد 113

السيد احمد الموسوي 113

الشيخ احمد النحوي 114

334

1Lالبحتري 114

بديع الزمان الهمداني 116

ابو تمام 116

الشيخ جابر الكاظمي 118

السيد جعفر كمال الدين 119

محمد مهدي الجواهري 119

الحسين بن الضحاك 123

السيد حيدر الحلي 123

خالد الكاتب 124

دعبل الخزاعي 125

سكن 125

الشيخ عبد الحسين الحويزي 126

عبيد اللّه بن ابي طاهر 127

ابو محمد بن سفيان (الوزير الكاتب) 127

السيد محمد علي آل خير الدين 128

ابن المعتز 128

المنتصر العباسي 129

السيد موسى الطالقاني 130

سامراء في المراجع العربية

الجامع المختصر 133

الحوادث الجامعه 133

دوحة الوزراء 135

تاريخ العراق بين احتلالين 135

الحقائق الناصعة 138

2Lو شايح السراء في سان سامراء 139

كبار الحوادث 143

مقابر المشاهير 143

مآثر الكبراء في تاريخ سامراء 145

كتاب السيد جمال الدين الافغاني للامام الشيرازي 146

المسألة الدخانيه 152

العراق قديما و حديثا 167

وفيات الأعيان 174

أخبار الدول و آثار الاول 174

احسن الوديعه 175

اعيان الشيعه 175

تاريخ الشيعه 176

الدليل العراقي الرسمي 178

دليل تاريخي على مواطن الاثار في العراق 178

الدليل العام لتسجيل النفوس العام 180

الدليل الجغرافي العراقي 182

الاماكن المقدسة في العراق 182

جغرافية العراق 184

سامراء في الرحلات (رحلة ابن جبير) 184

الاشارات الى معرفة الزيارات 185

رحلة ابن بطوطة 185

335

1Lنزهة الجليس و منية الأديب الانيس 186

رحلة المنشي البغدادي 187

رحلات عبد الوهاب عزام 187

سامراء في المراجع الغربية

(الاسم و الموقع) 193

بناء سامراء 199

بناء سامراء في كتاب سيتون لويد 205

فن العمارة في سامراء 211

الجوسق الخاقاني 213

الجامع الكبير في سامراء 217

الاسس الفنية لعمارة الجامع الكبير 222

جامع ابي دلف 223

دور سامراء 226

القبة الصليبية و مدافن الخلفاء 227

الزخرف السامرائي 230

عمارة سامراء في دائرة المعارف الاسلامية 231

الفنون الاسلامية في سامراء 237

2Lما كتبه السر جون غلوب عن خلفاء سامراء 256

الروضة العسكرية المطهرة 262

سامراء في كتاب دونالدسون 264

الامام الهادي (ع) 268

الحسن العسكري (ع) 274

الامام المهدي المنتظر 279

وكلاء الامام صاحب الزمان 287

بعد عودة الخلافة الى بغداد 291

سامراء في القرن التاسع عشر 293

رحلة جونز 299

رحلة جون أشر 303

الرحالة نيجهولت 304

السر والس بج 308

المس غير ترود بيل في سامراء 310

سامراء في الحرب العالمية الاولى 315

احتلال سامراء 316

سامراء بعد الاحتلال 320

موظفو الانكليز في سامراء 323

فرايا ستارك في سامراء 324

سامراء في حوادث 1940 327

نبذ متفرقة عن سامراء 329

336

هذه الموسوعة

على الرغم من انتشار الحضارة و الثقافة التي دفعت بالكثير من العلماء و المحققين و الباحثين في العصور الأخيرة الى احياء مختلف التراث الاسلامي و الآثار العربية فيما بحثوا، و حققوا، و كتبوا، فقد ظلت هنالك كنوز ذات قيمة كبرى في تاريخ العالم الانساني فضلا عن تاريخ الاسلام و العرب.

لقد ظلت هذه الكنوز مطمورة في بطون الكتب المخطوطة و المطبوعة لم يمسها احد الا من بعض اطرافها، و لم يتطرق اليها باحث الا من بعض جوانبها، و هي كنوز لم تقتصر على ناحية دون ناحية، فهي تخص العلم، و الادب، و الفن، و الفلسفة، بقدر ما تخص الفقه و التاريخ، متمثلة كلها في تاريخ العتبات المقدسة:

مكة المكرمة-المدينة المنورة-القدس الشريف-النجف الاشرف- كربلاء-الكاظمين-مشهد الرضا-سامراء.. الخ‏

فلكل عتبة من هذه العتبات تاريخ ذو علاقة جد وثيقة بالثقافة و الحضارة الاسلامية و العربية، مما اختزنته من المخطوطات الاثرية، و الروائع الادبية، و ما قامت به من المدارسة طوال العصور المظلمة، اذ لو لا هذه العتبات لما بقي اليوم بايدينا من تلك الكنوز الا النزر اليسير.

و هذا هو الذي دفع بطائفة من اهل الفضل و اساتذة جامعة بغداد من ارباب الاختصاص الى ان تتضافر جهودهم في اخراج موسوعة تاريخية-علمية-اثرية- ادبية-عامة، تتناول جميع العتبات المقدسة بالبحث المفصل الشامل منذ اول تمصير العتبة المقدسة حتى اليوم-على ان يكون لكل عتبة اجزاء خاصة، و ان يكون كل جزء منها مستقلا بمواضيعه.

و هو اول عمل من نوعه، و اول مجهود خطير يقوم به مؤلفه، و يكفي ان يستدل القارى‏ء على خطورته مما يقع تحت عينيه من اجزائه. غ